٧ - ٱلْأَعْرَاف
7 - Al-A'raf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
37
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن قوله تعالى: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِـئَايَـٰتِهِ } يرجع إلى قوله {أية : والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها}تفسير : [الأعراف:36] وقوله: {فَمَنْ أَظْلَمُ } أي فمن أعظم ظلماً ممن يقول على الله مالم يقله أو كذب ما قاله. والأول: هو الحكم بوجود ما لم يوجد. والثاني: هو الحكم بإنكار ما وجد والأول دخل فيه قول من أثبت الشريك لله سواء كان ذلك الشريك عبارة عن الأصنام أو عن الكواكب أو عن مذهب القائلين بيزدان وأهرمن. ويدخل فيه قول من أثبت البنات والبنين لله تعالى، ويدخل فيه قول من أضاف الأحكام الباطلة إلى الله تعالى. والثاني: يدخل فيه قول من أنكر كون القرآن كتاباً نازلاً من عند الله تعالى وقول من أنكر نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. ثم قال تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مّنَ ٱلْكِتَـٰبِ } واختلفوا في المراد بذلك النصيب على قولين: أحدهما: أن المراد منه العذاب، والمعنى ينالهم ذلك العذاب المعين الذي جعله نصيباً لهم في الكتاب، ثم اختلفوا في ذلك العذاب المعين. فقال بعضهم هو سواد الوجه وزرقة العين، والدليل عليه قوله تعالى: {أية : وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ تَرَى ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى ٱللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ } تفسير : [الزمر: 60] وقال الزجاج: هو المذكور في قوله تعالى: {أية : فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّىٰ }تفسير : [الليل: 14] وفي قوله: {أية : يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً }تفسير : [الجن: 17] وفي قوله: {أية : إِذِ ٱلأَغْلَـٰلُ فِى أَعْنَـٰقِهِمْ وٱلسَّلَـٰسِلُ }تفسير : [غافر: 71] فهذه الأشياء هي نصيبهم من الكتاب على قدر ذنوبهم في كفرهم. والقول الثاني: أن المراد من هذا النصيب شيء سوى العذاب، واختلفوا فيه فقيل: هم اليهود والنصارى يجب لهم علينا إذا كانوا أهل ذمة لنا أن لا تتعدى عليهم وأن ننصفهم وأن نذب عنهم فذلك هو معنى النصيب من الكتاب وقال ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير: أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب أي ما سبق لهم في حكم الله وفي مشيئته من الشقاوة والسعادة، فإن قضى الله لهم بالختم على الشقاوة، أبقاهم على كفرهم، وإن قضى لهم بالختم على السعادة نقلهم إلى الإيمان والتوحيد، وقال الربيع وابن زيد يعني: ما كتب لهم من الأرزاق والأعمال والأعمار، فإذا فنيت وانقرضت وفرغوا منها {جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ } واعلم أن هذا الاختلاف إنما حصل، لأنه تعالى قال: {أُوْلَـٰئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مّنَ ٱلْكِتَـٰبِ } ولفظ «النصيب» مجمل محتمل لكل الوجوه المذكورة وقال بعض المحققين: حمله على العمر والرزق أولى، لأنه تعالى بين أنهم وإن بلغوا في الكفر ذلك المبلغ العظيم، إلا أن ذلك ليس بمانع من أن ينالهم ما كتب لهم من رزق وعمر تفضلاً من الله تعالى، لكي يصلحوا ويتوبوا، وأيضاً فقوله: {حَتَّىٰ إِذَا جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ } يدل على أن مجيء الرسل للتوفي، كالغاية لحصول ذلك النصيب، فوجب أن يكون حصول ذلك النصيب متقدماً على حصول الوفاة، والمتقدم على حصول الوفاة، ليس إلا العمر والرزق. أما قوله: {حَتَّىٰ إِذَا جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُواْ أَيْنَمَا كُنتُمْ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: قال الخليل وسيبويه: لا يجوز إمالة «حتى» و «ألا» و «أما» وهذه ألفات ألزمت الفتح، لأنها أواخر حروف جاءت لمعان يفصل بينها وبين أواخر الأسماء التي فيها الألف، نحو: حبلى وهدى إلا أن {حَتَّىٰ } كتبت بالياء لأنها على أربعة أحرف فأشبهت سكرى. وقال بعض النحويين: لا يجوز إمالة {حَتَّىٰ } لأنها حرف لا يتصرف، والإمالة ضرب من التصرف. المسألة الثانية: قوله: {حَتَّىٰ إِذَا جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ } فيه قولان: القول الأول: المراد هو قبض الأرواح، لأن لفظ الوفاة يفيد هذا المعنى. قال ابن عباس الموت قيامة الكافر، فالملائكة يطالبونهم بهذه الأشياء عند الموت على سبيل الزجر والتوبيخ والتهديد، وهؤلاء الرسل هم ملك الموت وأعوانه. والقول الثاني: وهو قول الحسن، وأحد قولي الزجاج أن هذا لا يكون في الآخرة ومعنى قوله: {حَتَّىٰ إِذَا جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا } أي: ملائكة العذاب {يَتَوَفَّوْنَهُمْ } أي يتوفون مدتهم عند حشرهم إلى النار على معنى أنهم يستكملون عدتهم، حتى لا ينفلت منهم أحد. المسألة الثالثة: قوله: {أَيْنَمَا كُنتُمْ } معناه أين الشركاء الذين كنتم تدعونهم وتعبدونهم من دون الله. ولفظة «ما» وقعت موصولة بأين في خط المصحف. قال صاحب «الكشاف»: وكان حقها أن تفصل، لأنها موصولة بمعنى: أين الآلهة الذين تدعون. ثم إنه تعالى حكى عنهم أنهم قالوا: {ضَـلُّواْ عَنَّا } أي: بطلوا وذهبوا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين عند معاينة الموت. واعلم أن على جميع الوجوه، فالمقصود من الآية زجر الكفار عن الكفر، لأن التهويل يذكر هذه الأحوال مما يحمل العاقل على المبالغة في النظر والاستدلال والتسدد في الاحتراز عن التقليد.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ} المعنى أيّ ظلم أشنع من الافتراء على الله تعالى والتكذيب بآياته. ثم قال: {أُوْلَـٰئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ ٱلْكِتَابِ} أي ما كتب لهم من رزق وعمر وعمل؛ عن ٱبن زيد. ابن جُبَيْر: من شقاء وسعادة. ٱبن عباس: من خير وشر. الحسن وأبو صالح: من العذاب بقدر كفرهم. واختيار الطبري أن يكون المعنى: ما كتب لهم، أي ما قدر لهم من خير وشر ورزق وعمل وأجل؛ على ما تقدّم عن ٱبن زيد وٱبن عباس وٱبن جبير. قال: ألا ترى أنه أتبع ذلك بقوله: {حَتَّىٰ إِذَا جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ} يعني رسل ملك الموت. وقيل: «الْكِتَاب» هنا القرآن؛ لأن عذاب الكفار مذكور فيه. وقيل: «الكتاب» اللوح المحفوظ. ذكر الحسن بن عليّ الحُلْوَانيّ قال: أمْلَى عليّ علِيُّ بن المدِينِي قال: سألت عبد الرحمن بن مَهْدِيّ عن القَدَر فقال لي: كل شيء بقدر، والطاعة والمعصية بقدر، وقد أعظم الفِرية من قال: إن المعاصي ليست بقدر. قال عليّ وقال لي عبد الرحمن بن مهدي: العلم والقدر والكتاب سواء. ثم عرضت كلام عبد الرحمن بن مَهدِيّ على يحيـى ابن سعيد فقال: لم يبق بعد هذا قليل ولا كثير. وروى يحيـى بن مَعِين حدّثنا مَرْوَان الفزارِيّ حدّثنا إسماعيل بن سميع عن بُكير الطويل عن مجاهد عن ٱبن عباس «أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ» قال: قوم يعملون أعمالاً لا بدّ لهم من أن يعملوها. و«حَتّى» ليست غاية، بل هي ابتداء خبر عنهم. قال الخليل وسيبويه: حتى وإمّا وألاَ لا يُمَلْنَ لأنهن حروف ففَرْقٌ بينها وبين الأسماء نحو حُبْلى وسَكْرَى. قال الزجاج: تكتب حتى بالياء لأنها أشبهت سكرى، ولو كتبت ألاَ بالياء لأشبهت إِلَى. ولم تكتب إمّا بالياء لأنها «إنْ» ضُمت إِليها ما. {قَالُوۤاْ أَيْنَمَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} سؤال توبيخ. ومعنى «تَدْعُونَ» تعبدون. {قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا} أي بطلوا وذهبوا. قيل: يكون هذا في الآخرة. {وَشَهِدُواْ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ} أي أقرّوا بالكفر على أنفسهم.
ابن كثير
تفسير : يقول: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِـآيَـٰتِهِ} أي: لا أحد أظلم ممن افترى الكذب على الله، أو كذب بآياته المنزلة {أُوْلَـٰئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ} اختلف المفسرون في معناه، فقال العوفي عن ابن عباس: ينالهم ما كتب عليهم، وكتب لمن كذب على الله أن وجهه مسود، وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس يقول: نصيبهم من الأعمال؛ من عمل خيراً جزي به، ومن عمل شراً جزي به، وقال مجاهد: ما وعدوا به من خير وشر، وكذا قال قتادة والضحاك وغير واحد. واختاره ابن جرير. وقال محمد بن كعب القرظي: {أُوْلَـٰئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ} قال: عمله ورزقه وعمره، وكذا قال الربيع بن أنس وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهذا القول قوي في المعنى، والسياق يدل عليه، وهو قوله: {حَتَّىٰ إِذَا جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ} ونظير المعنى في هذه الآية كقوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ مَتَـٰعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} تفسير : [النحل: 116-117] وقوله: { أية : وَمَن كَفَرَ فَلاَ يَحْزُنكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً} تفسير : [لقمان: 23-24] الآية، وقوله: {حَتَّىٰ إِذَا جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ} الآية، يخبر تعالى أن الملائكة إذا توفت المشركين تفزعهم عند الموت وقبض أرواحهم إلى النار يقولون لهم: أين الذين كنتم تشركون بهم في الحياة الدنيا، وتدعونهم وتعبدونهم من دون الله، ادعوهم يخلصوكم مما أنتم فيه {قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا} أي: ذهبوا عنا، فلا نرجو نفعهم ولا خيرهم {وَشَهِدُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ} أي: أقروا واعترفوا على أنفسهم {أَنَّهُمْ كَانُواْ كَـٰفِرِينَ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَمَنْ } أي لا أحد {أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً } بنسبة الشريك والولد إليه {أَوْ كَذَّبَ بئَايـَٰتِهِ} القرآن {أُوْلَـٰئِكَ يَنَالُهُمْ } يصيبهم {نَصِيبُهُمْ } حظهم {مِّنَ ٱلْكِتَٰبِ } مما كتب لهم في اللوح المحفوظ من الرزق والأجل وغير ذلك {حَتَّىٰ إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا } أي الملائكة {يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُواْ } لهم تبكيتاً {أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ } تعبدون {مِن دُونِ ٱللَّهِ قَالُواْ ضَلُّواْ } غابوا {عَنَّا } فلم نرَهم {وَشَهِدُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ } عند الموت {أَنَّهُمْ كَانُواْ كَٰفِرِينَ }.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {... أُوْلَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ الْكِتَابِ} فيه خمسة تأويلات: أحدها: هو عذاب الله الذي أعده لمن أشرك، قاله الحسن، والسدي. والثاني: ما سبق لهم من الشقاء والسعادة، قاله ابن عباس. والثالث: نصيب من كتابهم الذي كتبنا لهم أو عليهم بأعمالهم التي عملوها في الدنيا من خير أو شر، قاله قتادة. والرابع: نصيبهم مما كتب لهم من العمر والرزق والعمل، قاله الربيع بن أنس، وابن زيد. والخامس: نصيبهم مما وعدوا في الكتاب من خير أو شر، قاله الضحاك. {حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم} في توفي الرسل هنا قولان: أحدهما: أنها وفاة الموت في الدنيا التي توبخهم عندها الملائكة. والثاني: أنها وفاة الحشر إلى النار يوم القيامة، قاله الحسن.
ابن عطية
تفسير : هذه آية وعيد واستفهام على جهة التقرير، أي لا أحد أظلم منه، و {افترى} معناه اختلق، وهذه وإن كانت متصلة بما قبلها أي كيف يجعلون الرسل مفترين ولا أحد أظلم ممن افترى ولا حظ للرسل إلا أن يرحم من اهتدى ويعذب من كفر، فهي أيضاً مشيرة بالمعنى إلى كل مفترق إلى من تقدم ذكره من الذين قالوا {والله أمرنا بها} وقوله: {أو كذب بآياته} إشارة إلى جميع الكفرة، وقوله: {من الكتاب} قال الحسن والسدي وأبو صالح معناه من المقرر في اللوح المحفوظ، فالكتاب عبارة عن اللوح المحفوظ، وقد تقرر في الشرع أن حظهم فيه العذاب والسخط، وقال ابن عباس وابن جبير ومجاهد: قوله: {من الكتاب} يريد من الشقاء والسعادة التي كتبت له وعليه. قال القاضي أبو محمد: ويؤيد هذا القول الحديث المشهور الذي يتضمن أن الملك يأتي إذا خلق الجنين في الرحم فيكتب رزقه وأجله وشقي أو سعيد، وقال ابن عباس أيضاً ومجاهد وقتادة والضحاك, {الكتاب} يراد به الذي تكتبه الملائكة من أعمال الخليقة من خير وشر فينال هؤلاء نصيبهم من ذلك وهو الكفر والمعاصي، وقال ابن عباس أيضاً ومجاهد والضحاك {من الكتاب} يراد به من القرآن، وحظهم فيه أن وجوهوهم تسود القيامة، وقال الربيع بن أنس ومحمد بن كعب وابن زيد المعنى بالنصيب ما سبق لهم في أم الكتاب من رزق وعمر وخير وشر في الدنيا، ورجح الطبري هذا واحتج له بقوله بعد ذلك {حتى إذا جاءتهم رسلنا} أي عند انقضاء ذلك فكان معنى الآية على هذا التأويل أولئك يتمتعون ويتصرفون من الدنيا بقدر ما كتب لهم حتى إذا جاءتهم رسلنا لموتهم، وهذا تأويل جماعة من مجيء الرسل للتوفي، وعلى هذا يترتب ترجيح الطبري الذي تقدم، وقالت فرقة {رسلنا} يريد بهم ملائكة العذاب يوم القيامة، و {يتوفونهم} معناه يستوفونهم عدداً في السوق إلى جهنم. قال القاضي أبو محمد: ويترتب هذا التأويل مع التأويلات المتقدمة في قوله: {نصيبهم من الكتاب} لأن "النصيب" على تلك التأويلات إنما ينالهم في الآخرة، وقد قضى مجيء رسل الموت، وقوله حكاية عن الرسل {أين ما كنتم تدعون} استفهام تقرير وتوبيخ وتوقيف على خزي وهو إشارة إلى الأصنام والأوثان وكل ما عبد من دون الله و {تدعون} معناه تعبدون وتؤملون، وقولهم {ضلوا} معناه هلكوا وتلفوا وفقدوا. ثم ابتدأ الخبر عن المشركين بقوله: {وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين} وهذه الآية وما شاكلها تعارض في الظاهر قوله تعالى حكاية عنهم {أية : والله ربنا ما كنا مشركين} تفسير : [الأنعام:123] واجتماعهما إما أن يكون في طوائف مختلفة أو في أوقات مختلفة يقولون في حال كذا وحال كذا.
ابن عبد السلام
تفسير : {نَصِيبُهُم} العذاب، أو الشقاء والسعادة، أو ما كتب عليهم مما عملوه في الدنيا، أو ما وُعدوا في الكتاب من خير أو شر، أو ما كتب لهم من الأجل والرزق والعمل. {يَتَوَفَّوْنَهُمْ} بالموت، أو بالحشر إلى النار.
النسفي
تفسير : {فَمَنْ أَظْلَمُ } فمن أشنع ظلماً {مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِـئَايَـٰتِهِ } ممن تقول على الله ما لم يقله أو كذب ما قاله {أُوْلَـئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مّنَ ٱلْكِتَـٰبِ } ما كتب لهم من الأرزاق والأعمار {حَتَّىٰ إِذَا جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا } ملك الموت وأعوانه. و «حتى» غاية لنيلهم نصيبهم واستيفائهم له وهي «حتى» التي يبتدأ بعدها الكلام، والكلام هنا الجملة الشرطية وهي {إِذَا جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا } {يَتَوَفَّوْنَهُمْ } يقبضون أرواحهم وهو حال من الرسل أي متوفيهم و «ما» في {قَالُواْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ } في خط المصحف موصولة بـ {أَيْنَ } وحقها أن تكتب مفصولة لأنها موصولة، والمعنى أين الآلهة الذين تعبدون {مِن دُونِ ٱللَّهِ } ليذبوا عنكم {قَـالُواْ ضَـلُّواْ عَنَّا } غابوا عنا فلا نراهم {وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَـٰفِرِينَ } اعترفوا بكفرهم بلفظ الشهادة التي هي لتحقيق الخبر. {قَالَ ٱدْخُلُواْ } أي يقول الله تعالى يوم القيامة لهؤلاء الكفار: ادخلوا {فِى أُمَمٍ } في موضع الحال أي كائنين في جملة أمم مصاحبين لهم {قَدْ خَلَتْ } مضت {مِن قَبْلِكُم مّن ٱلْجِنّ وَٱلإِنْسِ } من كفار الجن والإنس {فِى ٱلنَّارِ } متعلق بـ {أَدْخِلُواْ } {كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ } النار {لَّعَنَتْ أُخْتَهَا } شكلها في الدين أي التي ضلت بالاقتداء بها {حَتَّى إِذَا ٱدَّارَكُواْ فِيهَا } أصله تداركوا أي تلاحقوا واجتمعوا في النار، فأبدلت التاء دالاً وسكنت للإدغام ثم أدخلت همزة الوصل {جَمِيعاً } حال {قَالَتْ أُخْرَاهُمْ } منزلة وهي الأتباع والسفلة {لأُولَـٰهُمْ } منزلة وهي القادة والرءوس. ومعنى {لأُولَـٰهُمْ } لأجل أولاهم لأن خطابهم مع الله لا معهم {رَبَّنَا } يا ربنا {هَـؤُلاء أَضَلُّونَا فَـئَاتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا } مضاعفاً {مّنَ ٱلنَّارِ قَالَ لِكُلّ ضِعْفٌ } للقادة بالغواية والإغواء وللأتباع بالكفر والاقتداء {وَلَـٰكِن لاَّ تَعْلَمُونَ } ما لكل فريق منكم من العذاب. {لاَّ يَعْلَمُونَ } أبو بكر أي لا يعلم كل فريق مقدار عذاب الفريق الآخر. {وَقَالَتْ أُولَـٰهُمْ لأُِخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ } عطفوا هذا الكلام على قول الله تعالى للسفلة {لِكُلّ ضِعْفٌ } أي فقد ثبت أن لا فضل لكم علينا وأنا متساوون في استحقاق الضعف {فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ } بكسبكم وكفركم وهو من قول القادة للسفلة. ولا وقف على {فَضَّلَ } أو من قول الله لهم جميعاً والوقف على {فَضَّلَ } {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِنَا وَٱسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوٰبَ ٱلسَّمَاء } أي لا يؤذن لهم في صعود السماء ليدخلوا الجنة إذ هي في السماء، أو لا يصعد لهم عمل صالح ولا تنزل عليهم البركة، أو لا تصعد أرواحهم إذا ماتوا كما تصعد أرواح المؤمنين إلى السماء، وبالتاء مع التخفيف: أبو عمرو وبالياء معه: حمزة وعلي. {وَلاَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ فِى سَمّ ٱلْخِيَاطِ } حتى يدخل البعير في ثقب الإبرة أي لا يدخلون الجنة أبداً لأنه علقه بما لا يكون. والخياط والمخيط ما يخاط به وهو الإبرة {وَكَذٰلِكَ } ومثل ذلك الجزاء الفظيع الذي وصفنا {نَجْزِي ٱلْمُجْرِمِينَ } أي الكافرين بدلالة التكذيب بآيات الله والاستكبار عنها {لَهُم مّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ } فراش {وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ } أغطية جمع غاشية {وَكَذٰلِكَ نَجْزِى ٱلظَّـٰلِمِينَ } أنفسهم بالكفر. {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ لاَ نُكَلّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا } طاقتها والتكليف إلزام ما فيه كلفة أي مشقة {أُوْلَـٰئِكَ } مبتدأ والخبر {أَصْحَـٰبَ ٱلْجَنَّةِ } والجملة خبر {ٱلَّذِينَ }، و {لاَ نُكَلّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا } اعتراض بين المبتدأ والخبر {هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ * وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مّنْ غِلّ } حقد كان بينهم في الدنيا فلم يبق بينهم إلا التواد والتعاطف، وعن علي رضي الله عنه: إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير منهم {تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ ٱلأضنْهَـٰرُ } حال من «هم» في {صُدُورُهُمْ } والعامل فيها معنى الإضافة {وَقَالُواْ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى هَدَانَا لِهَـٰذَا } لما هو وسيلة إلى هذا الفوز العظيم وهو الإيمان {وَمَا كُنَّا } {مَا كُنَّا } بغير «واو»: شامي على أنها جملة موضحة للأولى {لِنَهْتَدِىَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا ٱللَّهُ } اللام لتوكيد النفي أي وما كان يصح أن نكون مهتدين لولا هداية الله، وجواب «لولا» محذوف دل عليه ما قبله {لَقَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبّنَا بِٱلْحَقّ } فكان لطفاً لنا وتنبيهاً على الاهتداء فاهتدينا، يقولون ذلك سروراً بما نالوا وإظهاراً لما اعتقدوا {وَنُودُواْ أَن تِلْكُمُ ٱلْجَنَّةُ } «أن» مخففة من الثقيلة واسمها محذوف، والجملة بعدها خبرها تقديره ونودوا بأنه تلكم الجنة. والهاء ضمير الشأن، أو بمعنى أي كأنه قيل، لهم تلكم الجنة {أُورِثْتُمُوهَا } أعطيتموها وهو حال من {ٱلْجَنَّةِ } والعامل فيها ما في {تِلْكَ } من معنى الإشارة {بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } سماها ميراثاً لأنها لا تستحق بالعمل بل هي محض فضل الله وعده على الطاعات كالميراث من الميت ليس بعوض عن شيء بل هو صلة خالصة. وقال الشيخ أبو منصور رحمه الله: إن المعتزلة خالفوا الله فيما أخبر ونوحاً عليه السلام وأهل الجنة والنار وإبليس، لأنه قال الله تعالى {أية : يُضِلُّ مَن يَشَآء وَيَهْدِى مَن يَشَآء }تفسير : [النحل: 93] وقال نوح عليه السلام: {أية : وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِى إِنْ أَرَدْتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ }تفسير : [هود: 34] وقال أهل الجنة: {أية : وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِىَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا ٱللَّهُ }تفسير : وقال أهل النار: {أية : لَوْ هَدَانَا ٱللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ } تفسير : [ابراهيم: 21] وقال إبليس {أية : فَبِمَا أَغْوَيْتَنِى}
الثعالبي
تفسير : قوله سبحانه: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَـٰتِهِ...} الآية: هذه الآية وَعِيدٌ واستفهام على جهة التقرير، أي: لا أحد أظلم منه، والكتاب هو اللوح المَحْفُوظُ في قول الحَسَنِ وغيره. وقيل: ما تكتبه الحَفَظَةُ، ونصيبهم من ذلك هو الكُفْرُ وَالمَعَاصي. قاله مجاهد، وغيره. وقيل: هو القرآن، وحَظُّهم فيه سَوَادُ الوجوه يوم القيامة. وقال الربيع بن أنس، وغيره: المعنى بالنصيب مَا سَبَقَ لهم في أُم الكتاب من رِزْق، وعمر، وخير وشر في الدنيا، ورجحه الطبري. واحتج له بقوله تعالى بعد ذلك: {حَتَّىٰ إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا} أي: عند انقضاء ذلك، فكان معنى الآية على هذا التأويل: أولئك يتمتعون، ويتصرَّفُونَ في الدنيا بِقَدْرِ ما كتب لهم حتى إِذا جاءتهم رُسُلنا لموتهم؛ وهذا تأويل جَمَاعَةٍ، وعلى هذا يترتّبُ ترجيحُ الطبري. وقالت فرقة: {رُسُلُنَا} يريد بهم مَلاَئِكَةَ العَذَابِ يوم القيامة، و {يَتَوَفَّوْنَهُمْ} معناه عندهم يستوفونهم عَدَداً في السوق إلى جهنم. وقوله سبحانه حكايةً عن الرسل {أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ} استفهام تقرير، وتوبيخ، وتوقيف على خِزْيٍ، {وتَدْعُونَ} معناه: تعبدون، وتؤمِّلُون. وقولهم: {ضَـلُّواْ عَنَّا} معناه: هلكوا، وتلفوا، وفقدوا. ثم ابتدأ الخبر عن المشركين بقوله سبحانه: {وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَـٰفِرِينَ}.
ابن عادل
تفسير : قوله: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} وهذا يرجع إلى قوله تعالى {وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ} أي فمن أظلم ظلماً ممن يقول على اللَّهِ ما لم يعلمه أو كذب بما قاله، والأوَّلُ: هو الحكم بوجود ما لم يوجد. والثاني: هو الحكم بإنكار ما وجد. والأول يدخلُ فيه قول من أثبت الشريك للَّه تعالى سواء كان ذلك الشريك عبارة عن الأصنام أو الكواكب أو عن مذهب القائلين بيزدان وأهرمن ويدخل فيه قول من أثبت للَّه تعالى البنات والبنين ويدخل فيه من أضاف الأحكام الباطلة إلى اللَّه عز وجل. والثاني: يدخل فيه قول من أنْكَرَ كون القرآن العظيم كتاباً نازلاً من عند الله تعالى وقول مَنْ أنْكَرَ نبوة مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم. قوله: {أُوْلَـٰئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ ٱلْكِتَابِ}. قيل المراد بذلك النَّصِيبِ هو العذاب قاله الحسنُ والسُّدِّيُّ أي: ما كتب لهم في اللَّوْحِ المحفوظِ من العذاب وسواد الوجوه وزرقةِ العيون قال عطية عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: كتب لمن يفتري على اللَّه سواد الوجه. قال تعالى {أية : وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ تَرَى ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى ٱللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ}تفسير : [الزمر: 60]. وقيل المراد بـ "النصيب" أن أهل الذمة يجب علينا أن لا نتعدى عليهم، وأن ننصفهم ونذب عنهم. وقال ابن عبَّاسٍ - رضي الله عنهما - وسعيدُ بنُ جبيرٍ - رضي الله عنه - ومجاهدٌ: ما سبق لهم من السّعاد والشّقاوة، فإن قضى اللَّهُ لهم بالختم على الشّقاوة أبقاهم على كفرهم، وإن قضى لهم بالختم على السعادة؛ نقلهم إلى الإيمان وقال الرَّبيعُ، وابنُ زَيْدٍ ومحمَّدُ بن كعبٍ القرظيُّ: ما كتب لهم من الأرْزَاقِ والأعمار، والأعمال، فإذا فَنِيَتْ وانقضت "جَاءَتْ رُسُلنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ". قوله تعالى "مِنَ الكِتَابِ" في محلّ الحال من نَصِيبُهُم أي: حال كونه مستقراً من الكتاب و "مِنْ" لابتداء الغاية. قوله: "حَتَّى إذَا" هنا غاية، و "إذَا" وما في حيزها تقدَّم الكلام عليها هل هي جارة، أو حرف ابتداء؟ وتقدَّم عبارة الزَّمخشريُّ. واختلفوا فيها إذا كانت حرف ابتداء أيضاً. فقال ابْنُ درستويه هي حينئذٍ جارَّة، وتتعلَّق بما قبلها تعلّق حروف الجرِّ من حيثُ المعنى لا مِنْ حيثُ اللفظ، والجملة بعدها في محل جرٍّ. وقال الجمهورُ: إذا كانت حرف ابتداء فَلَيْسَتْ جارّةً، بل حرف ابتداء فقط. وإن كان مَعْنَاهَا الغاية كقول القائل في ذلك: [الطويل] شعر : 2459 - سَرَيْتُ بِهِمْ حَتَّى تَكِلَّ مَطِيُّهُمْ وحَتَّى الجِيَادُ مَا يُقَدْنَ بأرْسَانِ تفسير : وقول الآخر في ذلك: [الطويل] شعر : 2460 - فَمَا زَالَتِ القَتْلَى تَمُجُّ دِمَاءَهَا بِدِجْلَةَ حَتَّى مَاءُ دِجْلَةَ أشْكَلُ تفسير : وقال صاحب "التَّحْريرِ": "حتَّى" هنا ليست للغاية، بل هي ابتداء وخبر وهذا وَهْمٌ إذ الغايةُ معنى لا يفارقها. وقوله "بَلْ هي ابتداء وخبر" تسامح في العبارة يريدُ بل الجملة بعدها ثُمَّ الجملة التي في هذا المكان ليست ابتداء وخبر، بل هي جملة فعليّة، وهي قالوا و "إذَا" معموله لها. وممن ذهب إلى أنَّها ليست للغاية الواحديُّ فإنَّه حكى في معنى الآية الكريمة أقوالاً، ثم قال: فعلى هذا القَوْلِ معنى "حتَّى" للانتهاء والغاية وعلى القولين الأوَّلين ليست "حتى" في هذه الآية الكريمة للغاية بل هي التي يقع بعدها الجمل وينصرف الكلام بعدها إلى الابتداء كـ "أما" و "إذا" ولا تعلق لقوله: "حتّى إذا" بما قبله، بل هذا ابتداء خبر أخبر عنهم كقوله في ذلك: [الطويل] شعر : 2461 - فَيَا عَجَباً حَتَّى كُلَيْبٌ تَسُبُّنِي كَأنَّ أبَاهَا نَهْشَلٌ أوْ مُجَاشِعُ تفسير : وهذا غير مرضي منه لمخالفته الجُمْهُور. وقوله "لا تعَلُّقَ لها بما قبلها" ممنوع على جميع الأقوال التي ذكرها. والظَّاهِرُ أنَّها أنما تتعلّق بقوله "ينَالُهُمْ نصيبهم". فصل في إمالة "حتى" قال الخليلُ وسيبويه: لا يجوزُ إمالة "حتى" و "ألاّ" و "أمَّا" وهذه ألفات ألْزِمَتِ الفتح لأنَّها أواخر حروفٍ جاءت لمعان يفصل بينها وبين أواخر الأسماء التي فيها الألف نحو: حبلى وهُدَى إلا أن "حتَّى" كتبت بالياء لأنَّها على أربعة أحرف فأشبهت سَكْرَى، قال بعض النحويين: لا يجوز إمالة "حتَّى" لأنَّها حرف لا يتصرف والإمالة ضرب من التصرف. قوله: "يَتَوَفَّوْنَهُمْ" في محلّ نصب على الحال، وفي المراد بقوله: {رُسُلُنَا يَتَوفَّوْنَّهُم} قولان: المراد بالرُّسل ملك الموت وبقوله: "يَتَوَفَّوْنَهُم" يقبضون أرواحهم؛ لأنَّ لفظ الوفاة يفيد هذا المعنى. قال ابنُ عبَّاسٍ: إنَّ الملائكة يطالبون بهذه الأشياء عند الموت على سبيل الزّجر والتّوبيخ. الثاني: قال الحسن والزَّجَّاجُ في أحد قوليه: إنّ هذا لا يكون في الآخر ومعنى قوله: {جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ} أي يتوفون مدتهم عند حشرهم إلى النار بمعنى يستكملون عدتهم حتَّى لا ينفلت منهم أحد. قوله "أَيْنمَا كُنتُمْ" أي أين الشّركاء الذين كنتم تَعْبَدُونَهُم من دون اللَّهِ وكتبت "أينَمَا" متصلة وحقُّها الانفصال، لأنَّ "ما" موصولة لا صلة إذ التقدير: أين الذين تدعونهم ولذلك كتبت {أية : إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لآتٍ}تفسير : [الأنعام: 134] منفصلاً و{أية : إِنَّمَا ٱللَّهُ}تفسير : [النساء: 171] متصلاً. قوله "ضَلُّوا" جواب من حيث المعنى لا من حيث اللَّفْظ، وذلك أنَّ السُّؤال إنَّما وقع عن مكان الذين كانوا يدعونهم من دون اللَّه، فلو جاء الجوابُ على نسق السُّؤال لقيل: هم في المكان الفلانيّ، وإنَّما المعنى: ما فعل معبودكم ومن كنتم تدعونهم، فأجَابُوا بأنَّهُمْ ضلُّوا عنهم وغابوا. قوله: "وشَهِدُوا" يحتمل أن يكون نَسَقاً على "قالوا" الذي وقع جواباً لسؤال الرسل، فيكون داخلاً في الجواب أيضاً. ويحتمل أن يكون مستأنفاً منقطعاً عما قَبْلَهُ ليس داخلاً في حيِّز الجواب كذا قال أبو حيَّان وفيه نظرٌ؛ من حيث إنَّهُ جعل هذه الجملة جواباً لعطفها على "قَالُوا"، و "قالوا" في الحقيقة ليس هو الجواب، إنَّما الجوابُ هو مقولُ هذا القول، وهو "ضَلُّوا عَنا" فـ "ضلُّوا عنَّا" هو الجواب الحقيقي الذي يُسْتَفَادُ منه الكلام. ونظيره أن يقول: سألت زَيْداً ما فعل؟ فقال: أطعمتُ وكسوتُ فنفسُ أطعمتُ، وكسوتُ هو الجواب. وإذا تقرَّرَ هذا فكان ينبغي أن يقول: "فيكون" معطوفاً على "ضَلُّوا عنَّا"، ثمَّ لو قال كذلك لكان مُشْكلاً من جهة أخرى، وهو أنَّهُ كان يكون التركيب الكلامي: "ضلُّوا عَنَّا وشهدنا على أنفسنا أنَّا كنَّا"، إلا أن يقال: حكى الجواب الثَّاني على المعنى، فهو محتمل على بُعْد بعيدٍ. ومعنى الآية أنَّهُم اعترفوا عند معاينة الموت أنَّهُم كانوا كافرين.
السيوطي
تفسير : أخرج الفريابي وابن جرير وأبو الشيخ وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب} قال: ما قدر لهم من خير وشر . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس {أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب} قال: من الأعمال، من عمل خيراً جزى به ومن عمر شراً جزى به . وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله و {نصيبهم من الكتاب} قال: ما كتب عليهم من الشقاء والسعادة . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن المنذر عن ابن عباس في قوله {أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب} قال: قوم يعملون أعمالاً لا بد لهم أن يعملوها . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب} قال: ما سبق من الكتاب . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {نصيبهم من الكتاب} قال: ما وعدوا فيه من خير أو شر . وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب في قوله {أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب} قال: رزقه وأجله وعمله . وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي صالح في قوله {نصيبهم من الكتاب} قال: من العذاب . وأخرج عبد بن حميد عن الحسن. مثله . وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس في قوله {ينالهم نصيبهم من الكتاب} قال مما كتب لهم من الرزق .
القشيري
تفسير : يصيبهم من الكتاب ما سبق لهم به الحكم، فمن جرى بسعادته الحكمُ وقع عليه رقم السعادة، ومن سبق بشقاوته الحكمُ حُقَّ عليه عَلَمُ الشقاوة. ويقال من سبقت له قسمة السعادة فلو وقع في قَعْرِ اللَّظَى تداركتْه العنايةُ وأخرجتْه الرحمةُ، ومَنْ سَبَقَتْ له قسمةُ الشقاوةِ.. فلو نزل الفراديس تداركته السخطة وأخرجته اللعنة.
اسماعيل حقي
تفسير : {فمن اظلم} اى فمن اعظم ظلما اى لا احد {ممن افترى على الله كذبا} اى ممن تقول عليه ما لم يقل ويدخل فى التقول عليه اثبات الشريك والصاحبة والولد {او كذب بآياته} اى كذب ما قاله وقد جعل الله الكذب عليه والتكذيب بآياته مساويا فى الاثم حيث قال {اولئك} الموصوفون بما ذكر من الافتراء والتكذيب {ينالهم} [برسد بديشان] {نصيبهم} كائنا {من الكتاب} اى مما كتب لهم من الارزاق والاعمار {حتى اذا جاءتهم رسلنا} اى ملك الموت واعوانه {يتوفونهم} اى حال كونهم متوفين لارواحهم قابضين لها وحتى وان كانت هى التى يبتدأ بها الكلام لكنها غاية لما قبلها من الفعل اى ينالهم نصيبهم من الكتاب الى ان تأتيهم ملائكة الموت فاذا جاءتهم {قالوا} توبيخا لهم {اينما كنتم تدعون من دون الله} اى اين الآلهة التى كنتم تعبدونها فى الدنيا. وما وصلت باين فى خط المصحف وحقها الفصل لانها موصولة {قالوا} اى الكفار {ضلوا عنا} اى غابوا عنا اى لا ندرى مكانهم {وشهدوا على انفسهم} عطف على قالوا اى اعترفوا على انفسهم {انهم كانوا} اى فى الدنيا {كافرين} اى عابدين لمن لا يستحق العبادة اصلا حيث شاهدوا مآله وضلاله ولا تعارض بين هذا وبين قوله تعالى {أية : والله ربنا ما كنا مشركين} تفسير : [الأنعام: 23]. لاحتمال بذلك من طوائف مختلفة او فى اوقات مختلفة. وفى الارشاد ولعله قصد بيان غاية سرعة وقوع البعث والجزاء كأنهما حاصلان عند ابتداء التوفى كما ينبئ عنه قوله عليه السلام "حديث : من مات فقد قامت قيامته " . تفسير : والا فهذا السؤال والجواب وما يترتب عليهما من الامر بدخول النار وما جرى بين اهلها من التلاعن والتقاول انما يكون بعد البعث لا محالة.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {فمن أظلمُ ممن افترى على الله كذبًا}؛ بأن نسب إليه الولد والشريك، {أو كذَّب بآياته} التي جاءت بها الرسل من عنده، أي: لا أحد أظلم منه، أو تَقوَّل على الله ما لم يقله، وكذّب بما قاله، {أولئك ينالُهم نصيبُهم من الكتاب} أي: يلحقهم نصيبهم مما كتب في اللوح المحفوظ؛ من الأرزاق والآجال، {حتى إذا} انقضت أعمارهم و {جاءتُهم رسلُنا يَتوفَّونهم} أي: يتوفون أرواحهم، {قالوا} لهم توبيخًا: {أين ما كنتم تدّعون من دون الله} أي: أين الآلهة التي كنتم تعبدونها من دون الله؛ لتدفع عنكم العذاب؟ {قالوا ضلُّوا عنا}؛ غابوا عنا {وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين}، اعترفوا بأنهم كانوا ضالين فيما كانوا عليه، وندموا حيث لم ينفع الندم، وقد زلت بهم القدم. الإشارة: كل من أعرض عن خصوص أهل زمانه واشتغل بمتابعة حظوظه وهواه، ينال نصيبه من الدنيا الفانية وما قُسِم له فيها؛ فإذا جاءت منيته ندم وتحسر، وقيل له: أين ما تمتعت به وشغلك عن مولاك؟ فيقول: قد غاب ذلك وفنى وانقضى، وكأنما كان برقًا سَرَى، أو طَيفَ كَرَى، والدهر كله هكذا؛ لمن سدد نظرًا، وعند الصباح يحمد القوم السُّرَى، وستعلم، إذا انجلى الغبار، أفرس تحتك أم حمار. وقد قال صلى الله عليه وسلم في بعض خطبه: "حديث : لا تَخدَعَنَّكُم زخارفُ دُنيا دَنِيَّة، عن مَراتب جَنَّاتٍ عَالِية؛ فكان قد كِشفَ القِناع، وارتفع الارتياب، ولاقى كل امرىءٍ مستقَرِّه، وعرف مثواه ومُنَقَلَبه "تفسير : . وفي حديث آخر: " حديث : مَن بدأ بَنَصِيبه من الدنيا فَاتَه نصيبُه من الآخرة، ولم يُدرك منها ما يريد، ومن بدأ بنصيبه من الآخرة، وصل إليه نصيبه من الدنيا، وأدرك من الآخرة ما يريد ". تفسير : ثم ذكر عذاب أهل التكذيب، فقال: {قَالَ ٱدْخُلُواْ فِيۤ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ}.
الطوسي
تفسير : قوله {فمن أظلم} صورته صورة الاستفهام، والمراد به الاخبار عن عظم جرم مَن يفتري على الله كذباً أو يكذب بآيات الله، لا أنه أحد أظلم لنفسه منه. وانما أورد هذا الخبر بلفظ الاستفهام، لأنه ابلغ برد المخاطب الى نفسه في جوابه مع تحريك النفس له بطريق السؤال. وقد بينا فيما مضى من الكتاب حقيقة الظلم، وأن أجود ما حُدَّ به أن قيل: هو الضرر المحض الذي لا نفع فيه يوفَّى عليه، ولا دفع ضرر أعظم من دفعه، لا عاجلا ولا آجلا، ولا يكون مستحقاً ولا واقعاً على وجه المدافعة. وقد حد الرماني الظلم بأنه الضرر القبيح من جهة بخس الحق به، وهذا ينتقض بالألم الذي يدفع به ألم مثله، لما قلناه. وقوله {أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب} فالنيل هو وصول النفع الى العبد إِذا أطلق، فان قيد وقع على الضرر، لأن أصله الوصول الى الشىء من نلت النخلة أنالها نيلاً، قال امرؤ القيس: شعر : سماحة ذا وبُّر ذا ووفاء ذا ونائل ذا اذا صحا واذا سكر تفسير : والبخل منع النائل لمشقة الاعطاء. وقيل في معنى {ينالهم نصيبهم من الكتاب} أقوال: أحدها - قال الزجاج والفراء: هو ما ذكره الله تعالى من أنواع العذاب للكفار مثل قوله {أية : فأنذرتكم ناراً تلظى لا يصلاها إِلا الأشقى الذي كذب وتولى}تفسير : وقوله {أية : يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم} تفسير : وغير ذلك مما كتب الله في اللوح المحفوظ. الثاني - قال الربيع وابن زيد: من الرزق والعمر، والعمل: من الخير والشر في الدنيا. الثالث - قال مجاهد: جميع ما كتب لهم وعليهم، وهو قول عطية. وقال بعضهم معناه ينالهم نصيبهم من خير أو شر في الدنيا، لأنه قال {حتى إِذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم} وهي الانتهاء. والاجوبة الاولى أقوى لأن الاظهار فيما يقتضيه عظم الظلم في الفحش الوعيد والعذاب الأبدي. وقال سيبويه والزجاج: لا تجوز إِمالة (حتى) لانها حرف لا يتصرف، والامالة ضرب من التصريف، وكذلك (إِما، وايا، والا، ولا). و (أينما) كتبت بالياء مع امتناع إِمالتها تشبيهاً بـ (حبلى) من جهة أن الالف رابعة، ولم يجز مثل ذلك في (إِلا) لأن (إِلا) تشبه الى. ولا في (اما) التي للتخيير، لأنها بمنزلة (إِن ما) التي للجزاء. وقوله {حتى إِذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم} يعني الملائكة التي تنزل عليهم لقبض أرواحهم. وقيل في معنى الوفاة - ها هنا - قولان: احدها - الحشر الى النار يوم القيامة بعد الحشر الثاني، وفات الموت الذي يوبخهم عنده الملائكة - في قول أبي علي - والوجه في مسألة الملك لمن يتوفاه: التبكيت لمن لم يقم حجته، والبشارة لمن قام بحجته. وفي الاخبار عن ذلك مصلحة السامع اذا تصور الحال فيه. وقوله {قالوا أينما كنتم تدعون من دون الله} حكاية سؤال الملائكة لهم وتوبيخهم أن الذين كانوا يدعونهم من دون الله من الاوثان والاصنام لم ينفعوهم في هذه الحال، بل ضروهم. وقوله {قالوا ضلوا عنا} حكاية عن جواب الكفار للملائكة أنهم يقولون: ضل من كنا ندعوه من دون الله عنا {وشهدوا على أنفسهم} يعني الكفار أقروا على أنفسهم {أنهم كانوا كافرين} جاحدين بالله، وكافرين لنعمه بعبادتهم الانداد من دون الله.
الجنابذي
تفسير : {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} اتى بفاء التّفريع والاستفهام الانكارىّ اشارة الى استنباطه ممّا سبق وتأكيداً لا ظلميّة المفترى، فانّ مفهومه وان كان لنفى اظلميّة الغير من المفترى لكنّ المقصود اثبات اظلميّة المفضّل عليه والمراد بالمفترى ائمّة الجور ورؤساء الضّلالة الّذين لم يكونوا اهلاً للرّياسة ويدّعون الخلافة وهم اشدّ ظلماً ممّن كذّب بآياته فقط، والقائل على الله ما لا يعلم أخفّ ظلماً منهما فانّه لا ينافى تصديق الآيات كما سبق {أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ} لانّه قد سبق انّه المستحقّ لصحابة النّار والمراد بالمكذّب بالآيات تابع ائمّة الجور والمقصود من الآيات اعظمها وغايتها الّتى هى الولاية ومن المفترين والمكذّبين منافقوا الامّة الّذين قبلوا الدّعوة الظّاهرة وبايعوا محمّداً (ص) بيعة اسلاميّة بقرينة قوله: {أُوْلَـٰئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ ٱلْكِتَابِ} لانّ المراد بالكتاب الكتاب المعهود المفسّر بكتاب النّبوّة، ولمّا كان لقبول الدّعوة الظّاهرة والاحكام القالبيّة الاسلاميّة شرافة واثر فمن قبل وعمل ولم يكن له نصيبٌ من الآخرة يناله اثر ذلك العمل والحظّ الموعود فى الدّنيا حتّى يخرج من الدّنيا وليس له حقّ على الله، من كان يريد ثواب الدّنيا باسلامه وقبول احكامه يؤته منها وماله فى الآخرة نصيب {حَتَّىٰ إِذَا جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ} بقبض ارواحهم حال من الفاعل او المفعول او كليهما او مستأنف جواب لسؤالٍ مقدّرٍ، او هى جواب اذا وقوله و{قَالُوۤاْ} حال او مستأنف، او عطف على جاءتهم او يتوفّونهم يعنى قال الرّسل تقريعاً لهم {أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} بالاعراض عن خلفائه ومظاهره الولويّة ودعوة غيرهم من مظاهر قهره واعوان اعدائه ممّن ادّعى الخلافة فى مقابل اوصيائه انبيائه (ع) {قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا} قالوا ذلك لانّهم كانوا اصحاب الخيال والكثرات ودعوتهم لائمّة الجور كانت من جهة الحدود والتّعيّنات وحين المحاسبة وظهور الوحدة لا يبقى حدّ وتعيّن ويرون انّهم كانوا ساترين فى تلك الدّعوة جهة الوحدة والولاية {وَشَهِدُواْ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ} لوجهة القلب والولاية.
الأعقم
تفسير : قوله تعالى: {أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب} أي حظهم مما كتب لهم من الأرزاق قاله جار الله لا غير، وقيل: أعمالهم التي عملوها وكتب عليهم من خير أو شر فمن عمل شيئاً من خير أو شر جزي به {حتى إذا جاءتهم رسلنا} يعني الملائكة {يتوفونهم} عند الموت {قالوا أين ما كنتم تدعون} يعني تعبدون {من دون الله قالوا ضلوا عنا} ضاعوا ولا ندري أين ذهبوا يعني الأوثان، وبطلت عبادتنا {قال ادخلوا في أمم}، قيل: القائل لهم هو الملائكة، وقيل: القائل الله عز وجل والأمم الجماعات، قوله تعالى: {كلما دخلت أمة لعنت أختها} المشركة تلعن المشركة، واليهودية تلعن اليهودية، والنصرانية تلعن النصرانية، وكذلك المجوس والصابئون ويلعن الأتباع القادَّة يقولون: لعنكم الله أنتم غررتمونا، قال الله تعالى: {حتى إذا ادّاركوا فيها جميعاً} أي تلاحقوا واجتمعوا في النار، وقيل: حُطُّوا في درك من الدركات {قالت أخراهم لأولاهم}، قيل: الأتباع للقادة، وقيل: أولاهم الذين يدخلون النار أولاً وأخراهم الذين يدخلون آخراً {هؤلاء أضلونا} يعني هؤلاء القادة الرؤساء ومن شرع الضلال دعونا إلى الضلال، وقيل: منعونا من اتباع الحق {فآتهم} أي فاعطهم {ضعفاً} من النار {قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون} أي كل واحد لا يعلم ما بصاحبه من العذاب وقالت أولاهم القادة لأخراهم الاتباع جواباً لهم: {فما كان لكم علينا من فضل} لأنكم كفرتم كما كفرنا، قوله تعالى: {واستكبروا عنها}، قيل: عن القرآن، وقيل: هو عام {لا تفتح لهم أبواب السماء}، قيل: انه يفتح لروح المؤمن ولا يفتح لروح الكافر، وقيل: لا تفتح لدعائهم وأعمالهم، وقيل: لا تصعد بها الملائكة لأن أرواحهم وكتبهم في سجين {ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سمِّ الخياط}، قيل: حتى يدخل الجمل في ثقب الابرة وهذا مثل للبعد، والخياط المخيط الإِبرة ذكره الثعلبي، قال الشاعر: شعر : إذا شاب الغراب أتيت أهلي وصار القار كاللبن الحليب تفسير : {لهم من جهنم مهاد} يعني فراش من النار {ومن فوقهم غواش} ظلل منها، وقيل: الغواش اللحف {وكذلك نجزي الظالمين} الذين ظلموا أنفسهم بالمعاصي وغيرها.
اطفيش
تفسير : {فمَن أظْلم} أى لا أحد أظلم، فالاستفهام إنكار، وأصل معنى نحو هذه العبارة نفى الزيادة، وتستعمل فى نفى المساواة {ممَّن افْتَرى عَلى اللهِ كذباً} تقوَّل على الله سبحانه وتعالى ما لم يقله {أوْ كذَّب بآياتِه} كالقرآن. {أولئِكَ ينالُهم نَصيبُهم مِنَ الكِتابِ} مما كتب لهم من الأرزاق والأعمار، فمن للبيان، والكتاب بمعنى المكتوب، أو من اللوح المحفوظ، فمن للابتداء، أو بمعنى فى، أى نصيبهم حال كونه فى الكتاب، فهم ولو بلغوا من الكفر، فليس بمانع أن ينالهم ما كتب لهم من رزق وعمر تفضلا من الله ليتمكنوا من الإصلاح والتوبة ما لم يموتوا، كما قال. {حتَّى} للابتداء على الصحيح لإجازة لإذا خلافا لبعض وهى غاية لينال {إذا جَاءتْهم رسُلُنا} ملك الموت وأعوانه {يتَوفَّوْنهم} حال من الرسل {قالُوا} أى رسلنا جواب إذا، ولا بد من تقدير لأن القول بعد التوفى لا عنده، أى وتوفوهم قالوا، أو قالوا بعد التوفى {أيْنمَا} بالوصل فى الإمام، والأصل الفصل، لأن ما اسم موصول، وهذا الاستفهام توبيخ وتبكيت {كُنتم تدْعُون مِنْ دُونِ الله} فيدفع عنكم العذاب. {قالُوا ضلُّوا} غابوا {عنَّا} أى بطل أمرهم ولم يقدروا على شىء {وشَهِدوا عَلى أنفُسهِم أنَّهم كانُوا كافِرِينَ} اعترفُوا بأنهم ضالون فيما كانوا عليه، وإن عاقبته غير محمودة، وروى عن ابن عباس ومجاهد والضحَّاك: الكتاب القرآن اسوداد وجوههم يوم القيامة، وقال الزجاج: نصيبهم من القرآن وهو نار تتلظى، والأغلال فى الأعناق، وعن الحسن والسدى وأبى صالح، نصيبهم العذاب والسخط، وسواد الوجوه وزرقة العيون، والكتاب اللوح المحفوظ. وعن مجاهد، وابن جبير، وابن عباس: الكتاب المكتوب لهم وعليهم، من سعادة وشقاوة، ويحض دخول النار بأهل الشقاوة، وإذا خلق الجنين فى الرحم كتب الملك رزقه وأجله وشقاوته أو سعادته، وعن ابن عباس، ومجاهد، وقتادة والضحاك: الكتاب ما يكتب من أعمال الخليقة من خير وشر، ينال هؤلاء نصيبهم منه وهو الكفر والمعاصى. وقال الربيع بن أنس، ومحمد بن كعب، وابن زيد: النصيب ما سبق لهم فى أم الكتاب من رزق وعمر وخير وشر فى الدنيا، ورجحه الطبرى بقوله: {حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم} وعن قتادة نصيبهم جزاء أعمالهم، وعن الربيع بن أنس: رزقهم، وقالت فرقة: الرسل ملائكة العذاب، وتوفيهم استكمال عددهم من المحشر إلى النار.
الالوسي
تفسير : {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا } أي تعمد الكذب عليه سبحانه ونسب إليه ما لم يقل {أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ} أو كذب ما قاله جل شأنه. والاستفهام للانكار وقد مر تحقيق ذلك {أُوْلَـٰئِكَ } إشارة إلى الموصول. والجمع باعتبار المعنى كما أن الإفراد في الضمير المستكن في الفعلين باعتبار اللفظ. وما فيه من معنى البعد للايذان بتماديهم في سوء الحال أي أولئك الموصوفون بما ذكر من الافتراء والتكذيب {يَنَالُهُمُ } أي يصيبهم {نَصِيبُهُم مّنَ ٱلْكِتَـٰبِ } أي مما كتب لهم وقدر من الأرزاق والآجال مع ظلمهم وافترائهم لا يحرمون ما قدر لهم من ذلك إلى انقضاء أجلهم فالكتاب بمعنى المكتوب. وتخصيصه بما ذكر مروي عن جماعة من المفسرين. وعن ابن عباس أن المراد ما قدر لهم من خير أو شر. ومثله عن مجاهد. وعن أبـي صالح ما قدر من العذاب. وعن الحسن مثله. وبعضهم فسر الكتاب بالمكتوب فيه وهو اللوح المحفوظ. و(من) لابتداء الغاية، وجوز فيها التبيين والتبعيض والجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع حالا من {نَصِيبَهُمْ } أي كائناً من الكتاب. {حَتَّىٰ إِذَا جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا } أي ملك الموت وأعوانه {يَتَوَفَّوْنَهُمْ } أي حال كونهم متوفين لأرواحهم وحتى غاية نيلهم وهي حرف ابتداء غير جارة بل داخلة على الجمل كما في قوله: شعر : وحتى الجياد ما يقدن بأرسان تفسير : وقيل: إنها جارة. وقيل: لا دلالة لها على الغاية وليس بشيء. وعن الحسن أن المراد حتى إذا جاءتهم الملائكة يحشرونهم إلى النار يوم القيامة وهو خلاف الظاهر. وكان الذي دعاه إلى ذلك قوله تعالى: {قَالُواْ } أي الرسل لهم {أَيْنَ مَا كُنْتُم تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ } أي أين الآلهة التي كنتم تعبدونها في الدنيا وتستعينون بها في المهمات {قَـالُواْ ضَـلُّواْ } أي غابوا {عَنَّا } لا ندري أين مكانهم فإن هذا السؤال والجواب وكذا ما يترتب عليهما مما سيأتي إنما يكون يوم القيامة لا محالة ولعله على الظاهر أريد بوقت مجىء الرسل وحال التوفي الزمان الممتد من ابتداء المجيء والتوفي إلى نهاية يوم الجزاء بناء على تحقق المجيء والتوفي في ذلك الزمان بقاء وإن كان حدوثهما في أوله فقط أو قصد بيان غاية سرعة وقوع البعث والجزاء كأنهما حاصلان عند ابتداء التوفي. و {مَا } وصلت بأين في المصحف العثماني وحقها الفصل لأنها موصولة ولو كانت صلة لاتصلت. {وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ } أي اعترفوا على أنفسهم. وليس في النظم ما يدل على أن اعترافهم كان بلفظ الشهادة فالشهادة مجاز عن الاعتراف {إِنَّهُمْ كَانُواْ } في الدنيا {كَـٰفِرِينَ } عابدين لما لا يستحق العبادة أصلا حيث اتضح لهم حاله، والجملة يحتمل أن تكون استئناف إخبار من الله تعالى باعترافهم على أنفسهم بالكفر. ويحتمل أن تكون عطفاً على {قَالُواْ } وعطفها على المقول لا يخفى ما فيه. والاستفهام ـ على ما ذهب إليه غير واحد ـ غير حقيقي بل للتوبيخ والتقريع وعليه فلا جواب. وما ذكر إنما هو للتحسر والاعتراف بما هم عليه من الخيبة والخسران / ولا تعارض بين ما في هذه الآية وقوله تعالى: { أية : وَٱللَّهِ رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } تفسير : [الأنعام: 23] لأن الطوائف مختلفة أو المواقف عديدة أو الأحوال شتى.
ابن عاشور
تفسير : {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُوْلَـٰئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ ٱلْكِتَابِ حَتَّىٰ إِذَا جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوۤاْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا وَشَهِدُواْ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ قَالَ ٱدْخُلُواْ فِيۤ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ مِّن ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ فِي ٱلنَّارِ}. الفاء للتّفريع على جملة الكلام السّابق، وهذه كالفذلكة لما تقدّم لتُبيِّن أنّ صفات الضّلال، التي أُبهم أصحابُها، هي جافة بالمشركين المكذّبين برسالة محمّد عليه الصّلاة والسّلام فإنّ الله ذكر أولياء الشّياطين وبعض صفاتهم بقوله: {أية : إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون} تفسير : [الأعراف: 27] وذكر أنّ الله عهد لبني آدم منذ القدم بأن يتّبعوا من يجيئهم من الرّسل عن الله تعالى بآياته ليتّقوا ويصلحوا، ووعدهم على اتباع ما جاءهم بيني الخوف والحزن وأوعدهم على التّكذيب والاستكبار بأن يكونوا أصحاب النّار، فقد أعذر إليهم وبصّرهم بالعواقب، فتفرّع على ذلك: أن من كَذَب على الله فزعم أنّ الله أمره بالفواحش، أوْ كَذب بآيات الله التي جاء بها رسوله، فقد ظلم نفسه ظُلماً عظيماً حتّى يُسْأل عمن هو أظلم منه. ولك أن تجعل جملة: {أية : فمن أظلم ممن افترى} تفسير : [الأنعام: 144] إلخ معترضة بين جملة: {أية : أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون}تفسير : [الأعراف: 36] وجملة: {أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب} كما سيأتي في موقع هذه الأخيرة، وقد تقدّم الكلام على تركيب: {من أظلم ممن} عند قوله تعالى: {أية : ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه} تفسير : في سورة البقرة (114)، وأنّ الاستفهام للإنكار، أي لا أحد أظلم. والافتراء والكذب تقدّم القول فيهما عند قوله تعالى: {أية : ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب} تفسير : في سورة العقود (103). ولهذه الآية اتّصال بآية: {أية : وكم من قرية أهلكناها} تفسير : [الأعراف: 4] من حيث ما فيها من التّهديد بوعيد عذاب الآخرة وتفظيع أهواله. و(من) استفهام إنكاري مستعمل في تهويل ظلم هذا الفريق، المعبّر عنه بمَن افترى على الله كذباً. و(مَنْ) الثّانية موصولة، وهي عامة لكلّ من تتحقّق فيه الصّلة، وإنّما كانوا أظلم النّاس ولم يكن أظلمُ منهم، لأنّ الظلم اعتداء على حقّ، وأعظم الحقوق هي حقوق الله تعالى، وأعظم الاعتداء على حقّ الله الاعتداءُ عليه بالاستخفاف بصاحبه العظيم، وذلك بأن يكذّب بما جاءه من قِبله، أو بأن يَكْذِب عليه قيبلِّغ عنه ما لم يأمر به فإنْ جَمَع بين الأمرين فقد عطّل مراد الله تعالى من جهتين: جهة إبطال ما يدلّ على مراده، وجهة إيهام النّاس بأنّ الله أراد منهم ما لا يريده الله. والمراد بهذا الفريق: هم المشركون من العرب، فإنّهم كذّبوا بآيات الله التي جاء بها محمّد صلى الله عليه وسلم وافتروا على الله الكذب فيما زعموا أنّ الله أمرهم به من الفواحش، كما تقدّم آنفاً عند قوله تعالى: {أية : وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا} تفسير : [الأعراف: 28]. و(أو) ظاهرها التّقسيم فيكون الأظلمُ وهم المشركون فريقين: فريق افتروا على الله الكذب، وهم سادة أهل الشّرك وكبراؤهم، الذين شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله، ونسبوه إلى الله وهم يعلمون، مثل عَمْرو بن لُحَيّ، وأبي كَبْشة، ومن جاء بعدهما، وأكثر هذا الفريق قد انقرضوا في وقت نزول الآية، وفريق كذّبوا بآياتتٍ ولم يفتروا على الله وهم عامة المشركين، من أهل مكّة وما حولها، وعلى هذا فكلّ واحد من الفريقين لا أظلمَ منه، لأنّ الفريق الآخر مساوٍ له في الظلم وليس أظلَم منه، فأمَّا من جمع بين الأمرين ممّن لعلّهم أن يكونوا قد شرعوا للمشركين أموراً من الضّلالات، وكذّبوا محمّداً صلى الله عليه وسلم فهم أشدّ ظلماً، ولكنّهم لمّا كانوا لا يخلون عن الانتساب إلى كلا الفريقين وجامعين للخصلتين لم يخرجوا من كونهم من الفريق الذين هم أظلم النّاس، وهذا كقوله: {أية : ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثلما أنزل الله} تفسير : [الأنعام: 93]، فلا شكّ أنّ الجامع بين الخصال الثّلاث هو أظلم من كلّ من انفرد بخصلة منها، وذلك يوجب له زيادة في الأظلميّة، لأنّ كلّ شدّة وصف قابلة للزّيادة. ولك أن تجعل (أو) بمعنى الواو، فيكون الموصوف بأنّه أظلم النّاس هو من اتّصف بالأمرين الكذب والتّكذيب، ويكون صادقاً على المشركين لأنّ جماعتهم لا تخلو عن ذلك. شيء باسم الإشارة في قوله: {أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب} ليدلّ على أنّ المشار إليهم أحرياء بأن يصيبهم العذاب بناءً على ما دلّ عليه التّفريع بالفاء. وجملة {أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب} يجوز أن تكون مستأنفة استئنافاً بيانياً ناشئاً عن الاستفهام في قوله: {فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً} الآية، لأنّ التّهويل المستفاد من الاستفهام يسترعي السّامع أن يَسأل عمّا سيلاقُونه من الله الذي افتروا عليه وكذّبوا بآياته. ويجوز أن تكون جملة: {أولئك ينالهم نصيبهم} عطف بيان لجملة: {أية : أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} تفسير : [الأعراف: 36] أي خالدون الخلود الذي هو نصيبهم من الكتاب. وتكملة هذه الجملة هي جملة: {حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم} الآية كما سيأتي. ومادة النّيل والنّوال وردت واوية العين ويائية العين مختلطتين في دواوين اللّغة، غير مفصحةً عن توزيع مواقع استعمالها بين الواوي واليائيّ، ويظهر أن أكثر معاني المادتين مترادفة وأنّ ذلك نشأ من القلب في بعض التّصاريف أو من تداخل اللّغات، وتقول نُلْتُ ــــ بضمّ النّون ــــ من نال يُنول، وتقول نِلْت ــــ بكسر النّون ــــ من نال يَنِيل، وأصل النّيْل إصابة الإنسان شيئاً لنفسه بيَده، ونوّله أعطاهُ فنال، فالأصل أن تقول نَال فلان كسباً، وقد جاء هنا بعكس ذلك لأنّ النّصيب من الكتاب هو أمر معنوي، فمقتضى الظّاهر أن يكون النّصيب مَنُولا لا نَائلاً، لأنّ النّصيب لا يُحصِّل الذين افتروا على الله كذباً، بل بالعكس: الذين افتروا يحصلونه، وقد جاء ذلك في آيات كثيرة كقوله تعالى: {أية : لن ينال الله لحومها ولا دماؤها}تفسير : [الحج: 37] ــــ وقوله ــــ {أية : سينالهم غضب من ربهم} تفسير : [الأعراف: 152]، فتعيّن أن يكون هذا إمّا مجازاً مرسلاً في معنى مطلق الإصابة، وإمّا أن يكون استعارة مبنيّة على عكس التّشبيه بأن شبّه النّصيب بشخص طالب طِلبة فنالها، وإنّما يصار إلى هذا للتّنبيه على أنّ الذي ينالهم شيءٌ يكرهونه، وهو يطلبهم وهم يفرّون منه، كما يطلب العدوّ عدوّه، فقد صار النّصيب من الكتاب كأنَّه يطلب أن يحصِّل الفريق الذين حقّ عليهم ويصادِفهم، وهو قريب من القلب المبني على عكس التّشبيه في قول رؤبة:شعر : وَمَهْمَهٍ مُغْبَرّةٍ أرجاؤُه كأنّ لَوْنَ أرْضِهِ سَمَاؤُه تفسير : وقولهم: «عرضتُ النّاقة على الحوض». والنّصيب الحظّ الصّائر لأحد المتقاسمين من الشّيء المقسوم، وقد تقدّم عند قوله تعالى: {أية : أولئك لهم نصيب مما كسبوا} تفسير : في سورة البقرة (202)، وقوله: {أية : للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون} تفسير : في سورة النساء (7). والمراد بالكتاب ما تضمَّنه الكتاب، فإن كان الكتاب مستعملاً حقيقة فهو القرآن، ونصيبهم منه هو نصيبهم من وعيده، مثل قوله تعالى آنفاً: {أية : والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} تفسير : [الأعراف: 36]، وإن كان الكتاب مجازاً في الأمر الذي قضَاه الله وقدّره، على حدّ قوله: {أية : لكل أجل كتاب} تفسير : [الرعد: 38] أي الكتاب الثّابت في عِلم الله من إحقاق كلمة العذاب عليهم، فنصيبهم منه هو ما أخبر الله بأنّه قدّره لهم من الخلود في العذاب، وأنّه لا يغفر لهم، ويَشْمل ذلك ما سبق تقديره لهم من الإمهال وذلك هو تأجيلهم إلى أجل أراده ثمّ استئصالهم بعده كما أخبر عن ذلك آنفاً بقوله: {أية : ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون} تفسير : [الأعراف: 34]. وحمل كثير من المفسّرين النّصيب على ما ينالهم من الرّزق والإمهال في الدّنيا قبل نزول العذاب بهم وهو بعيد من معنى الفاء في قوله: {فمن أظلم} ولا أحسب الحادي لهم على ذلك إلاّ ليكون نوال النّصيب حاصلاً في مدّةٍ ممتدّة ليَكون مجيء الملائكة لتَوَفِّيهم غاية لانتهاء ذلك النّصيب، استبقاء لمعنى الغاية الحقيقيّة في (حتّى). وذلك غير ملتزَم، فإنّ حتّى الابتدائيّة لا تفيد من الغاية ما تفيده العاطفة كما سنذكره. والمعنى: إمّا أنّ كل واحد من المشركين سيصيبه ما توعدهم الله به من الوعيد على قدر عتوه في تكذيبه وإعراضه، فنصيبه هو ما يناسب حاله عند الله من مقدار عذابه، وإمّا أن مجموع المشركين سيصيبهم ما قُدر لأمثالهم من الأمم المكذّبين للرّسل المعرضين عن الآيات من عذاب الدّنيا، فلا يغرنّهم تأخير ذلك لأنّه مُصيبهم لا محالة عند حلول أجله، فنصيبهم هو صفة عذابهم من بين صفات العذاب التي عذّبت بها الأمم. وجملة: {حتى إذا جاءتهم رسلنا} تفصيل لمضمون جملة {ينالهم نصيبهم من الكتاب} فالوقت الذي أفاده قوله: {إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم} هو مبدأ وصف نصيبهم من الكتاب حين ينقطع عنهم الإمهال الذي لَقُوه في الدّنيا. و{حتى} ابتدائيّة لأنّ الواقع بعدها جملة فتفيد السّببيّة، فالمعنى: فــــ {إذا جاءتهم رسلنا} إلخ، و(حَتّى) الابتدائيه لها صدر الكلام فالغاية التي تدلّ عليها هي غاية مَا يُخبر به المخبر، وليست غايةَ ما يبلغ إليه المعطوف عليه بحتّى، لأنّ ذلك إنّما يُلتزم إذا كانت حتّى عاطفة، ولا تفيد إلاّ السّببيّة كما قال ابن الحاجب فهي لا تفيد أكثر من تسبّب ما قبلها فيما بعدها، قال الرضي؛ قال المصنف: وإنّما وجب مع الرّفع السّببيّة لأنّ الاتّصال اللّفظي لمَّا زال بسبب الاستئناف شُرِط السّببيّة التي هي موجبة للاتّصال المعنوي، جبراً لما فات من الاتّصال اللّفظي، قال عَمرو بن شَأس:شعر : نذود الملوك عنكُمُ وتذودُنا ولا صُلْحَ حتّى تَضبَعُونَ ونَضْبَعا تفسير : وقد تقدّم بعض هذا عند قوله تعالى: {أية : قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله حتى إذا جاءتهم الساعة} تفسير : في سورة الأنعام (31) و(حتّى) الابتدائيّة تدلّ على أنّ مضمون الكلام الّذي بعدها أهمّ بالاعتناء للإلقاء عند المتكلّم لأنّه أجدى في الغرض المسوق له الكلام، وهذا الكلام الواقع هنا بعد (حتّى) فيه تهويلُ ما يصيبهم عند قبض أرواحهم، وهو أدخل في تهديدهم وترويعهم وموعظتهم، من الوعيد المتعارف، وقد هدّد القرآن المشركين بشدائد الموْت عليهم في آيات كثيرة لأنهم كانوا يرهبونه. والرّسُل هم الملائكة قال تعالى: {أية : قل يتوفاكم ملك الموت} تفسير : [السجدة: 11] ــــ وقال ــــ {أية : ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة} تفسير : [الأنفال: 50]. وجملة: {يتوفونهم} في موضع الحال من {رُسلنا} وهي حال معلِّلة لعاملها، كقوله: {أية : ولكني رسول من رب العالمين أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم} تفسير : [الأعراف: 61، 62] أي رسول لأبلّغكم ولأنْصحَ لكم. والتّوفي نزع الرّوح من الجسد، وقد تقدّم بيانه عند قوله تعالى: {أية : إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك} تفسير : في سورة آل عمران (55) وهو المراد هنا، ولا جدوى في حمْلهِ على غير هذا المعنى، ممّا تردّد فيه المفسّرون، إلاّ أن المحافظة على معنى الغاية لحرف (حتى) فتوفي الرسل يجوز أن يكون المراد منه وقت أن يتوفوهم جميعاً، إن كان المراد بالنّصيب من الكتاب الاستئصال، أي حين تبعث طوائف الملائكة لإهلاك جميع أمّة الشّرك. ويجوز أن يكون المراد حتى يتوفَّون آحادهم في أوقات متفرّقه إن كان المراد بالنّصيب من الكتاب وعيد العذاب، وعلى الوجهين فالقول محكي على وجه الجمععِ والمراد منه التّوزيع أي قال كلّ ملَك لمن وُكِّل بتوفّيهِ، على طريقة: رَكِبَ القومُ دَوَابَّهم. وقد حكي كلام الرّسل معهم وجوابهم إياهم بصيغة الماضي على طريقة المحاورة، لأنّ وجود ظرف المستقبل قرينة على المراد. والاستفهام في قوله: {أين ما كنتم تدعون من دون الله} مستعمل في التّهكّم والتّأييس. و(مَا) الواقعة بعد أين موصولة، يعني: أين آلهتكم التي كنتم تزعمون أنّهم ينفعونكم عند الشّدائد ويردّون عنكم العذاب فإنّهم لم يَحْضُروكم، وذلك حين يشهدون العذاب عند قبض أوراحهم، فقد جاء في حديث «الموطّأ»: أنّ الميّت يرى مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنّة فمِنْ أهل الجنّة وإن كان من أهل النّار يقال له هذا مقعدك حتّى يبعثك الله. وهذا خطاب للأرواح التي بها الإدراك وهو قبل فتنة القبر. وقولهم: {ضلّوا عنّا} أي أتلفوا مواقعنا وأضاعونا فلم يحضروا، وهذا يقتضي أنّهم لَمَّا يعلمُوا أنّهم لا يُغنون عنهم شيئاً من النّفع، فظنّوا أنّهم أذهبهم ما أذهبهم وأبعدهم عنهم ما أبعدهم، ولم يعلموا سببه، لأنّ ذلك إنّما يتبيّن لهم يوم الحشر حين يرون إهانة أصنامهم وتعذيب كبرائهم، ولذلك لم ينكروا في جوابهم أنّهم كانوا يدعونهم من دون الله بخلاف ما حُكي عنهم في يوم الحشر من قولهم: {أية : والله ربنا ما كنا مشركين}تفسير : [الأنعام: 23] ولذلك قال هنا: {وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين}، وقال في الآخرى: {أية : انظر كيف كذبوا على أنفسهم}تفسير : [الأنعام: 24]. والشّهادة هنا شهادة ضِمنية لأنّهم لما لم ينفُوا أن يكونوا يدْعُون من دون الله وأجابوا بأنّهم ضلّوا عنهم قد اعترفوا بأنّهم عبدوهم. فأمّا قوله: {قال ادخلوا في أمم} فهذا قول آخر، ليس هو من المحاورة السّابقة، لأنّه جاء بصيغة الإفراد، والأقوالُ قبله مسندة إلى ضمائر الجمع، فتعيّن أنّ ضمير (قال) عائد إلى الله تعالى بقرينة المقام، لأنّ مثل هذا القول لا يصدر من أحد غير الله تعالى، فهو استيناف كلام نشأ بمناسبة حكاية حال المشركين حينَ أوّل قدومهم على الحياة الآخرة، وهي حالة وفاة الواحد منهم فيَكون خطاباً صدر من الله إليهم بواسطة أحد ملائكته، أو بكلام سمعوه وعلموا أنّه من قِبَل الله تعالى بحيث يوقنون منه أنّهم داخلون إلى النار، فيكون هذا من أشدّ ما يرون فيه مقعدهم من النّار عقوبة خاصّة بهم. والأمر مستعمل للوعيد فيتأخّر تنجيزه إلى يوم القيامة. ويجوز أن يكون المحكي به ما يصدر من الله تعالى يوم القيامة من حكم عليهم بدخول النّار مع الأمم السّابقة، فذُكر عقب حكاية حال قبض أرواحهم إكمالاً لذكر حال مصيرهم، وتخلّصاً إلى وصف ما ينتظرهم من العذاب ولذكر أحوال غيرهم. وأيَّاً مّا كان فالإتيان بفعل القول، بصيغه الماضي: للتنبيه على تحقيق وقوعه على خلاف مقتضى الظاهر. ويجوز أن تكون جملة: {قال ادخلوا في أمم} في موضع عطف البيان لجملة {ينالهم نصيبهم من الكتاب} أي: قال الله فيما كتبه لهم {أية : ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم}تفسير : [الأعراف: 34] أي أمثالكم، والتّعبير بفعل المضي جرَى على مقتضى الظّاهر. والأمم جمع الأمّة بالمعنى الذي تقدّم في قوله: {ولكل أمة أجل}. و(في) من قوله: {في أمم} للظّرفية المجازيّة، وهي كونهم في حالة واحدة وحكممٍ واحد، سواء دخلوا النّار في وسطهم أم دخلوا قبلهم أو بَعدهم، وهي بمعنى (مع) في تفسير المعنى، ونقل عن صاحب «الكشاف» أنه نظَّر (في) التي في هذه الآية بفي التي في قول عروة بن أذينة:شعر : إنْ تَكُنْ عن حسن الصّنيعة مأفُو كاً ففي آخرينَ قد أُفِكُوا تفسير : ومعنى: {قد خلت} قد مضت وانقرضت قبلكم، كما في قوله تعالى: {أية : تلك أمة قد خلت} تفسير : في سورة البقرة (134)، يعني: أنّ حالهم كحال الأمم المكذّبين قبلَهم، وهذا تذكير لهم بما حاق بأولئك الأمم من عذاب الدّنيا كقوله: {أية : وتبين لكم كيف فعلنا بهم} تفسير : [إبراهيم: 45] وتعريض بالوعيد بأن يحل بهم مثل ذلك، وتصريح بأنّهم في عذاب النّار سواء. جملة: {كلما دخلت أمة لعنت أختها} مستأنفة استئنافاً ابتدائياً، لوصف أحوالهم في النّار، وتفظيعها للسّامع، ليتّعظ أمثالهم ويستبشر المؤمنين بالسّلامة ممّا أصابهم فتكون جملة {حتى إذا اداركوا} داخلة في حيز الاستيناف. ويجوز أن تكون جملة: {كلما دخلت أمة} معترضة بين جملة: {قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار} وبين جملة: {حتى إذا اداركوا فيها} إلخ. على أن تكون جملة {حتى إذا اداركوا} مرتبطة بجملة {ادخلوا في أمم} بتقدير محذوف تقديره: فيدخلون حتّى إذا اداركوا. و(ما) في قوله: {كلّما} ظرفية مصدريّة، أي كلّ وقت دخول أمّة لعنت أختها. والتّقدير: لعنت كلّ أمّة منهم أختها في كلّ أوقات دخول الأمّة منهم، فتفيد عموم الأزمنة. و{أمّة} نكرة وقعت في حيز عموم الأزمنة، فتفيد العموم، أي كلّ أمة دخلت، وكذلك: {أختَها} نكرة لأنّه مضاف إلى ضمير نكرة فلا يتعرّف فتفيد العموم أيضاً، أي كل أمة تدخل تلعن كل أخت لها، والمراد بأختها المماثِلة لها في الدّين الذي أوجب لها الدّخول في النّار، كما يقال: هذه الأمّة أخت تلك الأمّة إذا اشتركتا في النّسب، فيقال: بَكْر وأختها تغلب، ومنه قول أبي الطبيّب:شعر : وكطَسْم وأُخْتِها في البعاد تفسير : يريد: كَطَسم وجَدِيس. والمقام يعيّن جهة الأخوّة، وسبَبُ اللّعن أنّ كل أمّة إنّما تدخل النّار بعد مناقشة الحساب، والأمر بإدخالهم النّار، وإنّما يقع ذلك بعد أن يتبيّن لهم أنّ ما كانوا عليه من الدّين هو ضلال وباطل، وبذلك تقع في نفوسهم كراهية ما كانوا عليه، لأنّ النّفوس تكره الضّلال والباطل بعد تبيُّنه، ولأنّهم رأوا أن عاقبة ذلك كانت مجلبة العقاب لهم فيزدادون بذلك كراهيّة لدينهم، فإذا دخلوا النّار فرأوا الأمم التي أدخلت النّار قبلهم علموا، بوجه من وجوه العلم، أنّهم أُدخلوا النّار بذلك السّبب فلعنوهم لكراهيّة دينهم ومن اتّبعوه. وقيل: المراد بأختها أسلافها الذين أضلّوها. وأفادت {كلّما} لما فيها من معنى التّوقيت: أنّ ذلك اللّعن يقع عند دخول الأمّة النّار، فيتعيّن إذن أن يكون التّقدير: لعنت أختها السّابقة إياها في الدّخول في النّار، فالأمّة التي تدخل النّار أوّل مرّة قبل غيرها من الأمم لا تَلْعن أختها، ويعلم أنّها تلعن من يدخل بعدَها الثّانيةَ، ومن بعدها بطريق الأوْلى، أو ترُدّ اللّعن على كلّ أخت لاعنة. والمعنى: كلّما دخلت أمّة منهم بقرينة قوله: {لعنت أختها}. و(حتّى) في قوله: {حتى إذا اداركوا} ابتدائيّة، فهي جملة مستأنفة وقد تقدّم في الآية قبل هذه أن (حتّى) الابتدائيّة تفيد معنى التّسبّب، أي تسبّب مضمون ما قبلها في مضمون ما بعدها، فيجوز أن تكون مترتِبَة في المعنى على مضمون قوله: {قال أدخلوا في أمم قد خلت} إلخ، ويجوز أن تكون مترتّبة على مضمون قوله: {كلما دخلت أمة لعنت أختها}. و{اداركوا} أصله تَداركوا فقلبت التّاء دَالا ليتأتى إدغامها في الدّال للتّخفيف، وسُكنت ليتحقّق معنى الإدغام المتحركين، لثقل واجتلبت همزة الوصل لأجل الابتداء بالسّاكن، وهذا قلْب ليس بمتعيّن، وإنّما هو مستحسن، وليس هو مثل قلب التّاء في ادّان وازْداد وادّكر: ومعناه: أدرك بعضهم بعضاً، فصيغ من الإدراك وزن التّفاعل، والمعنى: تلاحقوا واجتمعوا في النّار. وقوله: {جميعاً} حال من ضمير {اداركوا} لتحقيق استيعاب الاجتماع، أي حتى إذا اجتمعت أمم الضّلال كلّها. والمراد: بــــ {أخراهم}: الآخِرة في الرّتبة، وهم الأتباع والرّعيّة من كلّ أمّة من تلك الأمم، لأنّ كلّ أمّة في عصر لا تخلو من قادة ورَعاع، والمراد بالأولى: الأولى في المرتبة والاعتبار، وهم القادة والمتبوعون من كلّ أمّة أيضاً، فالأخرى والأولى هنا صفتان جرتا على موصوفَين محذوفين، أي أخرى الطّوائف لأولاهم، وقيل: أريد بالأخرى المتأخّرة في الزّمان، وبالأولى أسلافهم، لأنّهم يقولون: {أية : إنّا وجدنا آباءنا على أمة}تفسير : [الزخرف: 23]. وهذا لا يلائم ما يأتي بعده. واللاّم في: {لأولاَهم} لام العلّة، وليست اللاّم التي يتعدّى بها فعل القَول، لأنّ قول الطائفة الأخيرة موجَّه إلى الله تعالى، بصريح قولهم: {ربنا هؤلاء أضلونا} إلخ، لا إلى الطّائفة الأولى، فهي كاللاّم في قوله تعالى: {أية : وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيراً ما سبقونا إليه} تفسير : [الأحقاف: 11]. والضعف ــــ بكسر الضّاد ــــ المِثْل لمقدار الشّيء، وهو من الألفاظ الدّالة على معنى نسبي يقتضي وجودَ معنى آخر، كالزّوج والنِّصف، ويختص بالمقدار والعدد، هذا قول أبي عبيدة والزّجاج وأيمّة اللّغة، وقد يستعمل فعله في مطلق التّكثير وذلك إذا أسند إلى ما لا يدخل تحت المقدار، مثل العذاب في قوله تعالى: {أية : يُضَاعَفْ له العذاب يوم القيامة} تفسير : [الفرقان: 69] ــــ وقوله ــــ {أية : يضاعف لها العذاب ضعفين} تفسير : [الأحزاب: 30] أراد الكثرة القويّة فقولهم هنا {فآتهم عذاباً ضعفا} أي أعطهم عذاباً هو ضِعف عذاببٍ آخر، فعُلم أنّه، آتاهم عذاباً، وهم سألوا زيادة قوّة فيه تبلغ ما يعادل قوّته، ولذلك لما وصف بضعف علم أنّه مِثْلٌ لعذاببٍ حصل قبله إذ لا تقول: أكرمت فلان ضِعفاً، إلاّ إذا كان إكرامك في مقابلة إكراممٍ آخر، فأنت تزيده، فهم سألوا لهم مضاعفة العذاب لأنّهم علموا أنّ الضّلال سبب العذاب، فعلموا أنّ الذين شرعوا الضّلال هم أولى بعقوبة أشدّ من عقوبة الذين تقلّدوه واتبعوهم، كما قال تعالى في الآية الآخرى: {أية : يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين} تفسير : [سبأ: 31]. وفعل: {قال} حكاية لجواب الله إياهم عن سُؤالهم مضاعفةَ العذاب لقادتهم، فلذلك فصل ولم يعطف جريا على طريقة حكاية الأقوال في المحاورات، والتّنوينُ في قوله: {لكلّ} عوض عن المضاف إليه المحذوف، والتّقدير: لكلّ أمّة، أو لكلّ طائفة ضعف، أي زيادة عذاب مثل العذاب الذي هي معذّبه أولَ الأمر، فأمّا مضاعفة العذاب للقادة فلأنّهم سنّوا الضّلال أو أيّدوه ونصروه وذبّوا عنه بالتّمويه والمغالطات فأضلوا، وأمّا مضاعفته للأتباع فلأنَهم ضلّوا بإضلال قادتهم، ولأنّهم بطاعتهم العمياء لقادتهم، وشكرهم إياهم على ما يرسمون لهم، وإعطائِهم إياهم الأموال والرّشى، يزيدونهم طغياناً وجراءة على الإضلال ويغرّونهم بالازدياد منه. والاستدراك في قوله: {ولكن لا تعلمون} لرفع ما تُوهِمه التّسوية بين القادة والأتباع في مضاعفة العذاب: أنّ التّغليظ على الأتباع بلا موجب، لأنّهم لولا القادة لما ضلّوا، والمعنى: أنّكم لا تعلمون الحقائق ولا تشعرون بخفايا المعاني، فلذلك ظننتم أنّ موجب مضاعفة العذاب لهم دونكم هو أنّهم علّموكم الضّلال، ولو علمتم حقّ العلم لاطّلعتم على ما كان لطاعتكم إياهم من الأثر في إغرائهم بالازدياد من الإضلال. ومفعول {تعلمون} محذوف دلّ عليه قوله: {لكلٍ ضِعف}، والتّقدير: لا تعلمون سبب تضعيف العذاب لكلّ من الطّائفتين، يعني لا تعلمون سبب تضعيفه لكم لظهور أنّهم علموا سبب تضعيفه للذين أضلّوهم. وقرأ الجمهور: {لا تَعلمون} ــــ بتاء الخطاب ــــ على أنّه من تمام ما خاطب الله به الأمّة الأخرى، وقرأه أبو بكر عن عاصم ــــ بياء الغيبة ــــ فيكون بمنزلة التّذييل خطاباً لسامعي القرآن، أي قال الله لهم ذلك وهم لا يَعلمون أنّ لكلّ ضعفاً فلذلك سألوا التّغليظ على القادة فأجيبوا بأنّ التّغليظ قد سُلّط على الفريقين. وعُطفتْ جملة: {وقالت أولاهم لأخراهم} على جملة: {قالت آخراهم لأولاهم} لأنّهم لم يَدخلوا في المحاورة ابتداء فلذلك لم تفصل الجملة. والفاء في قولهم: {فما كان لكم علينا من فضل} فاء فصيحة، مرتبة على قول الله تعالى {لكل ضعف} حيث سوّى بين الطّائفتين في مضاعفة العذاب. و(مَا) نافية. و(مِنْ) زائدة لتأكيد نفي الفضل، لأنّ إخبار الله تعالى بقوله: {لكل ضعف} سبب للعلم بأن لا مزية لأخراهم عليهم في تعذيبهم عذاباً أقل من عذابهم فالتقدير: فإذا كان لكل ضعف فما كان لكم في فضل فالمراد بالفضل الزيادة من العذاب. وقوله: {فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون} يجوز أن يكون من كلام أولاهم: عَطَفوا قولهم: {ذوقوا العذاب} على قولهم: {فما كان لكم علينا من فضل} بفاء العطف الدّالة على التّرتب. فالتشفي منهم فيما نالهم من عذاب الضّعف ترتَّب على تحقّق انتفاء الفضل بينهم في تضعيف العذاب الذي أفصح عنه إخبار الله بأنّ لهم عذاباً ضعفاً. وصيغة الأمر في قولهم: {فذوقوا} مستعملة في الإهانة والتشفّي. والذّوق استُعمل مجازاً مرسلاً في الإحساس بحاسّة اللّمس، وقد تقدّم نظائره غير مرّة. والباء سببيّة، أي بسبب ما كنتم تكسبون ممّا أوجب لكم مضاعفة العذاب، وعبّر بالكسب دون الكفر لأنّه أشمل لأحوالهم، لأنّ إضلالهم لأعقابهم كان بالكفر وبحبّ الفخر والاغرَاب بما علّموهم وَمَا سَنْوا لهم، فشمل ذلك كلَّه أنّه كسب. يجوز أن يكون قوله: {فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون} من كلام الله تعالى، مخاطباً به كلا الفريقين، فيكون عطفاً على قوله: {لكل ضعف ولكن لا تعلمون} ويكون قوله: {وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل} جملة معترضة بين الجملتين المتعاطفتين، وعلى اعتباره يكون الأمر في قوله: {فذوقوا} للتكوين والإهانة. وفيما قصّ الله من محاورة قادة الأمم وأتباعهم ما فيه موعظة وتحذير لقادة المسلمين من الإيقاع بأتباعهم فيما يَزِجّ بهم في الضّلالة، ويحسِّن لهم هواهم، وموعظة لعامتهم من الاسترسال في تأييد من يشايع هواهم، ولا يبلغهم النّصيحة، وفي الحديث: «حديث : كلّكم راع وكلّكم مسؤول عن رعيّته».
الواحدي
تفسير : {فمن أظلم ممَّن افترى على الله كذباً} فجعل له ولداًَ أو شريكاً {أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب} ما كُتب لهم من العذاب، وهو سواد الوجه، وزرقة العيون {حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم} يريد: الملائكة يقبضون أرواحهم {قالوا أين ما كنتم تدعون من دون الله} ؟ سؤال توبيخ وتبكيت وتقريع {قالوا ضلوا عنا} بطلوا وذهبوا {وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين} اعترفوا عند مُعاينة الموت، وأقروا على أنفسهم بالكفر. {قال ادخلوا} أَيْ: قال الله تعالى لهم: ادخلوا النَّار [ {في أمم} أَيْ:] مع {أمم قد خلت من قبلكم} . {كلما دخلت أمة} النَّار {لعنت أختها} يعني: الأمم التي سبقتها إلى النَّار؛ لأنَّهم ضلوا باتِّباعهم {حتى إذا ادَّاركوا فيها} أَيْ: تداركوا، وتلاحقوا، واجتمعوا جميعاً في النَّار {قالت أخراهم} أَيْ: أُخراهم دخولاً إلى النَّار {لأولاهم} دخولاً. يعني: قالت الأتباع للقادة: {ربنا هؤلاء أضلونا} لأَنَّهم شرعوا لنا أن نتَّخذ من دونك إلهاً {فآتهم عذاباً ضعفاً} أَضْعِفْ عليهم العذاب بأشدَّ ممَّا تعذِّبنا به {قال} الله تعالى: {لكلٍّ ضعف} للتَّابع والمتبوع عذابٌ مضاعفٌ {ولكن لا تعلمون} يا أهل الكتاب في الدًّنيا مقدار ذلك، وقوله: {فما كان لكم علينا من فضل} لأنَّكم كفرتم كما كفرنا، فنحن وأنتم في الكفر سواءٌ.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: فمن أظلم: الظلم وضع الشيء في غير موضعه، ولذا المشرك ظالم لأنه وضع العبادة في غير موضعها حيث عبد بها من لا يستحقها. نصيبهم: ما قدر لهم في كتاب المقادير. رسلنا: المراد بهم ملك الموت وأعوانه. قالوا ضلوا عنا: غابوا عنا فلم نرهم ولم نجدهم. في أمم: أي في جملة أمم. اداركوا: أي تداركوا ولحق بعضهم بعضا حتى دخلوها كلهم. أخراهم لأولاهم: الاتباع قالوا للرؤساء في الضلالة وهم المتبوعون. تكسبون: من الظلم والشر والفساد. يلج الجمل في سم الخياط: أي يدخل الجمل في ثقب الإِبرة. المجرمين: الذين أجرموا على أنفسهم فأفسدوها بالشرك والمعاصي. مهاد: فراش يمتهدونه من النار. غواش: أغطية يتغطون بها من النار كذلك. معنى الآيات: يُخبر تعالى بأنه لا أظلم ولا أجهل ولا أضل ممن يفترى على الله الكذب فيقول اتخذ ولداً أو أمر بالفواحش، أو حرم كذا وهو لم يحرم، أو كذب بآياته التي جاءت بها رسله فجحدها وعاند في ذلك وكابر، فهؤلاء المفترون المكذبون يخبر تعالى أنه {يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ ٱلْكِتَابِ} أي ما كُتب لهم في اللوح المحفوظ من خير وشر وسعادة أو شقاء {حَتَّىٰ إِذَا جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا} أي ملك الموت وأعوانه {يَتَوَفَّوْنَهُمْ}. يقولون لهم {أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} أي تعبدون من أولياء؟ فيجيبون قائلين: {ضَلُّواْ عَنَّا} أي غابوا فلم نرهم. قال تعالى: {وَشَهِدُواْ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ} ويوم القيامة يقال لهم {ٱدْخُلُواْ فِيۤ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ مِّن ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ} في النار، فيدخلون. {كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا} فلعن المشركون بعضهم بعضاً، واليهود والنصارى كذلك، {حَتَّىٰ إِذَا ٱدَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعاً} أي تلاحقوا وتم دخولهم النار أخذوا يشتكون {قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ رَبَّنَا} أي يا ربنا {هَـٰؤُلاۤءِ أَضَلُّونَا} عن صراطك فلم نعبدك {فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً} أي مضاعفاً {مِّنَ ٱلنَّارِ}، فأجابهم الله تعالى بقوله {لِكُلٍّ ضِعْفٌ} لكل واحدة منكم ضعف من العذاب {وَلَـٰكِن لاَّ تَعْلَمُونَ}، إذ الدار دار عذاب فهو يتضاعف على كل من فيها، وحينئذ {وَقَالَتْ أُولاَهُمْ لأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ} أي من الشرك والافتراء على الله والتكذيب بآياته، ومجانبة طاعته وطاعة رسوله. هذا ما دلت عليه الآيات الثلاث أما الآيتان الرابعة والخامسة فإن الرابعة قررت حكماً عظيما وهو أن الذين كذبوا بآيات الله واستكبروا عنها فلم يؤمنوا ولم يعملوا الصالحات وعاشوا على الشرك والشر والفساد هؤلاء إذا مات أحدهم وعرجت الملائكة بروحه إلى السماء لا تفتح له أبواب السماء، ويكون مآلهم النار كما قال تعالى {وَلاَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ فِي سَمِّ ٱلْخِيَاطِ} فعلق دخولهم الجنة على مستحيل وهو دخول الجمل في ثقب الإِبرة، والمعلق على مستحيل مستحيل. قال تعالى {وَكَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلْمُجْرِمِينَ} على أنفسهم حيث أفسدوها بالشرك والمعاصي. هذا ما تضمنته الآية الرابعة، وهي قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَٰتِنَا وَٱسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ ٱلسَّمَآءِ وَلاَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ فِي سَمِّ ٱلْخِيَاطِ وَكَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلْمُجْرِمِينَ}. أما الخامسة فقد تضمنت الخبر التالي: {لَهُمْ مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ} أي أغطية من النار وكما جزى تعالى هؤلاء المكذبين المستكبرين والمجرمين يجزي بعدله الظالمين لأنفسهم حيث لوثوها وخبثوها بأوضار الذنوب والآثام. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- شر الظلم ما كان كذبا على الله وتكذيبا بشرائعه. 2- تقرير فتنة القبر وعذابه. 3- لعن أهل النار بعضهم بعضاً حنقاً على بعضهم بعضاً إذ كان كل واحد سبباً في عذاب الآخر. 4- بيان جزاء المكذبين بآيات الله والمستكبرين عنها وهو الحرمان من دخول الجنة، وكذلك المجرمون والظالمون.
القطان
تفسير : في هذه الآيات يصوّر الله تعالى حال الكفار: أولاً: عند احتضارهم يوم الموت، فيقول: إن من اشدِّ الناس ظُلماً أولئك الّذي يفترون على الله الكذب أو يكذّبون بآيات الله. كيف تأتيهم رسُل الله لقبض أرواحهم!. ثم يأتي المشهد الثاني يوم القيامة حيث يدخلون جهنم. كيف يلعن بعضهم بعضاً عندما يتقابلون، وكيف يطلبون لبعضهم العذاب المضاعف! قراءات: قرأ الجمهور: "لا تعلمون" بالتاء، وقرأ ابو بكر عن عاصم: "لا يعلمون" بالياء. {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً...}. لا أحدَ أظلمُ من الذين يفترون الكذبَ على الله، بنسبة الشريك والولد إليه، وادّعاء التحليل والتحريم من غير حُجة، او يكذّبون بآيات الله المُوحى بها في كتبه أولئك ينالون في الدنيا نصيباً مما قُدّر لهم من الرزق والحياة، حتى اذا جاءهم ملائكة الموت، قال لهم الملائكةُ موبخين إياهم: أين الشركاءُ الّذين كنتم تعبُدون في الدنيا من دون الله! دعوهم يدرأون عنكم الموت؟ فيقولون: لقد بترّأوا منّا وغابوا عنّا. ونحن نشهد على أنفسنا أننا كنّا بعبادتنا لهم في ضلال ظاهر. {قَالَ ٱدْخُلُواْ فِيۤ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ....}. يومئذ يقول الله لهؤلاء الكفار: ادخلوا النار مع أممٍ من كفّار الجن والإنس، قد مضَت من قبلكم، كلما دخلت جماعةٌ النار ورأت ما حلّ بها من الخِزي لَعَنَتْ سابِقتَها التي اتّخذتها قُدوة لها. حتى اذا تتابعوا فيها مجتمعين، قال التابعون يذمُّون المتبوعين: ربّنا هؤلاء أضلّونا بتقلِيدِنا لهم، وبتسلُّطهم علينا. إنهم هم الذين صَرَفونا عنا لحق، فعاقبْهم عقاباً مضاعفا. وهنا يردّ صاحب العزّة والجلال: لكلٍ منكم عذابٌ مضاعَف، لا ينجو منه أحد، ولا تعلمون شدّته ولا مداه. {وَقَالَتْ أُولاَهُمْ لأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ....}. إذ ذاك يقول المتبوعون للتابعين: إذا كان الأمر كما ذكرتم من أننا أضلَلْناكم فما كان لكم علينا أدنى فضلٍ تطلُبون به ان يكون عذابُكم دون عذابنا. فيقول الله لهم جميعاً: ذوقوا العذابَ الّذي استوجَبْتُموه بما كنتم تقترفون من كفرٍ وعصيان. وبهذا ينتهي ذلك المشهد الأليم، ليتبعه تقريرٌ وتوكيد لهذا المصير المؤلم الذي لن يتبدل بقوله تعالى {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا...}.
د. أسعد حومد
تفسير : {بِآيَاتِهِ} {أُوْلَـٰئِكَ} {ٱلْكِتَابِ} {كَافِرِينَ} (37) - لاَ أَحَدَ أَكْثَرُ ظُلْماً مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ الكَذِبَ بِأَنْ أَوْجَبَ عَلَى العِبَادِ شَيْئاً مِنَ العِبَادَاتِ لَمْ يُوجِبْهُ اللهُ، أَوْ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يُحَرِّمْهُ اللهُ، أَوْ عَزا إلى دِينِهِ أَحْكَاماً لَمْ يُنْزِلها اللهُ عَلَى رُسُلِهِ. وَلاَ أَحَدَ أَكْثَرُ ظُلْماً مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللهِ، بِالقَوْلِ أَوْ بِالاسْتِهْزَاءِ، وَالاسْتِكْبَارِ عَنِ اتِّبَاعِهَا، وَهَؤُلاَءِ المُفْتَرُونَ المُكَذِّبُونَ سَيَحْصَلُونَ عَلَى نَصِيبِهِمْ مِمَّا قَدَّرَهُ اللهُ لَهُمْ مِنَ الآجَالِ وَالأَرْزَاقِ (نَصِيبُهُمْ مِنَ الكِتَابِ) مَعْ ظُلْمِهِمْ وَافْتِرَائِهِمْ، لاَ يُحْرَمُونَ شَيْئاً مِمَّا قَدَّرَهُ اللهُ لَهُمْ إِلَى انْقِضَاءِ آجَالِهِمْ. فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ جَاءَتْ مَلائِكَةُ الرَّحْمنِ يَتَوَفَّوْنَهُمْ، فَيَسْأَلُونَهُمْ: أَيْنَ الذِينَ كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ بِهِمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيا، وَتَدْعُونَهُم آلِهَةً، وَتَعْبُدُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ؟ أُدْعُوهُم الآنَ لِيُخَلِّصُوكُمْ مِمَّا أَنْتُمْ فِيهِ مِنَ العَذَابِ وَالنَّكَالِ؟ فَيُجِيبُهُمْ هَؤُلاَءِ المُجْرِمُونَ: لَقَدْ غَابُوا عَنَّا وَتَوارَوُا (ضَلُّوا عَنَّا) فَلاَ نَرْجُو مِنْهُم نَفْعاً وَلاَ ضَراً. وَيُقِرُّونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِأَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ بِدَعوَتِهِم الشُّرَكَاءَ مَعَ اللهِ، وَيَعْتَرِفُونَ بِذَلِكَ.
الثعلبي
تفسير : {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُوْلَـٰئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ ٱلْكِتَابِ} حظّهم بما كتبوا لهم في اللوح المحفوظ. وقال الحسن والسدي وأبو صلاح: ما كسب لهم من العذاب. وقال سعيد بن جبير ومجاهد وعطيّة: ما سبق لهم من الشقاوة والسعادة. وروى بكر الطويل عن مجاهد في هذه الآية قال: قوم يعملون أعمالا لابد من أن يعملوها ولم يعملوها بعد. قال ابن عباس وقتادة والضحاك: يعني أعمالهم وما كتب عليهم من خير أو شر، فمن عمل خيراً أُجزي به ومن عمل شراً أُجزي به. مجاهد عن ابن عباس قال: هو ما وعدو من خير وشر. عطيّة عن ابن عباس أنّه قال: ينالهم ماكتب لهم وقد كتب لمن يفتري على الله أن وجهه مسود، يدل عليه [قوله تعالى]، {أية : وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ} تفسير : [الزمر: 60]. قال الربيع والقرظي وابن زيد: يعني ما كتب لهم من الأرزاق والأعمال والأعمار فإذا فنيت و[تم خرابها] {حَتَّىٰ إِذَا جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ} يقبضون أرواحهم يعني ملك الموت وأعوانه {قَالُوۤاْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ} تعبدون من دون الله {قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا} أنشغلوا بأنفسهم {وَشَهِدُواْ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ} أقروا {أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ} قالوا: [شهدنا] على أنفسنا [بتبليغ الرسل] وغرّتهم الحياة الدنيا وشهدوا وأقروا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين {قَالَ ٱدْخُلُواْ} يقول الله عزّ وجلّ لهم يوم القيامة ادخلوا {فِيۤ أُمَمٍ} يعني مع جماعات {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ مِّن ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ فِي ٱلنَّارِ} يعني كفار الأُمم الماضية {كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا} في الدين والملة ولم يقل أخاها لأنّه عنى بها الأُمّة فيلعن المشركون المشركين واليهود اليهود، وكذلك النصارى النصارى والمجوس المجوس ويلعن الأتباع القادة يقولون: لعنكم الله أنتم غررتمونا يقول الله عزّ وجلّ {حَتَّىٰ إِذَا ٱدَّارَكُواْ فِيهَا} أي تلاحقوا {جَمِيعاً} قرأ الأعمش: حتّى إذا تداركوا، على الأصل، وقرأ النخعي: حتّى إذا أدركوا، مثقلة الدال من غير ألف أراد فنقلوا من الدرك. {قَالَتْ أُخْرَاهُمْ} قال مقاتل: يعني أُخراهم دخولاً للنار وهم الأتباع، {لأُولاَهُمْ} دخولاً وهم القادة. قال ابن عباس: (أُخراهم) يعني آخر الأُمم، (لأولاهم) يعني أوّل الأُمم، وقال السدي: أُخراهم يعني الذين كانوا في آخر الزمان. (لأولاهم) يعني الذين شرعوا لهم ذلك الدين {رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ أَضَلُّونَا} عن الهدى. يعني الفساد {فَآتِهِمْ} أي فأعطاهم {عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ ٱلنَّارِ} أي مضعفاً من النار {قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ} من العذاب {وَلَـٰكِن لاَّ تَعْلَمُونَ} حتّى يحل بكم {وَقَالَتْ أُولاَهُمْ لأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ} لأنّكم كفرتم كما كفر به ونحن وأنتم في الكفر شرع سواء وفي العذاب أيضاً {فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ * إِنَّ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَٱسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ} قرئ بالياء والياء والتشديد والتخفيف جميعاً {لَهُمْ أَبْوَابُ ٱلسَّمَآءِ} يعني لأرواحهم وأعمالهم لأنّها خبيثة فلا يصعد بل تهوى بها إلى [سجن] تحت الصخرة التي تحت الأرضين. روى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : إن الميت ليحضره الملائكة فإذا كان الرجل الصالح قالوا: اخرجي أيتها النفس الطيبة التي كانت في الجسد الطيب اخرجي حميدة، وأبشري بروح من الله وريحان ورب غير غضبان فيقولون ذلك حتّى تخرج ثمّ تعرج بها إلى السماء فينفتح لها فيقال: من هذا [فيقال: فلان] فيقولون: مرحباً بالنفس الطيبة التي كانت في الجسد الطيب ادخلي حميدة وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان، فيقال: ذلك لها حتّى يعرج بها إلى السماء السابعة. وإذ كان الرجل السوء قالوا: اخرجي أيتها النفس الخبيثة من الجسد الخبيث اخرجي ذميمة وأبشري بحميم وغساق وآخر من شكله أزواج، فيقولون ذلك حتّى يخرج، ثمّ يعرج بها إلى السماء فتفتح لها فيقال: من هذا فيقولون فلان، فيقولون: لا مرحباً بالنفس الخبيثة التي كانت في الجسد الخبيث أرجعي ذميمة فإنه لا يفتح لك أبواب السماء فيُرسل من السماء والأرض فيصير إلى القبر . تفسير : {وَلاَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ فِي سَمِّ ٱلْخِيَاطِ} يعني يدخل البعير في ثقب الإبرة [وهذا مثل والسمّ] وهو الإبرة. وقرأ عكرمة و سعيد بن جبير: الجمل بضم الجيم وبتشديد الميم. وهو حبل السفينة ويقال لها الفلس قال عكرمة: هو الحبل الذي يصعد به إلى النخل {وَكَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلْمُجْرِمِينَ * لَهُمْ مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ} فراش من نار {وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ} وهي جمع غاشية وذلك ما غشاهم وغطاهم وقال القرظي ومجاهد: هي اللحف {وَكَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلظَّالِمِينَ} قال البراء: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يكسي الكافر لوحين من نار في قبره"تفسير : ، فذلك قوله {لَهُمْ مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ}. {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} أي طاقتها ومايسعها ويحلّ لها فلا تخرج منه ولا تضيق عليه {أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * وَنَزَعْنَا} وأخرجنا وأذهبنا {مَا فِي صُدُورِهِم} قلوبهم {مِّنْ غِلٍّ} وحقد وعداوة كان من بعضهم على بعض في الدنيا فجعلناهم إخواناً على سرر متقابلين لا [يحسد] بعضهم بعض على شيء خص الله به بعضهم وفضلهم به، روى الحسن بن عليّ (رضي الله عنه) قال: فينا والله أهل البيت نزلت {أية : وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ} تفسير : [الحجر: 47]. وقال عليّ كرّم الله وجهه أيضاً: "إنّي لارجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير من الذين قال الله {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم} الآية. وقال السدي: في هذه الآية: إن أهل الجنة إذا سيقوا إلى الجنّة وجدوا عند بابها شجرة في أصل ساقها عينان فشربوا من إحداهما، فينزع ما في صدورهم من غل فهو الشراب الطهور واغتسلوا من الأُخرى فجرت عليهم نضرة النعيم فلم يشعثوا ولم يتسخوا بعدها أبداً. وروى الجزائري عن أبي نضرة قال: تحتبس أهل الجنّة حتّى تقتص بعضهم من بعض حتى يدخلوا الجنّة حين يدخلونها، ولا يطلب أحد منهم أحداً علاقة ظفر ظلمها إياه وتحبس أهل النار دون النار حتّى تقتص لبعضهم من بعض يدخلون النار حين يدخلونها، ولا يطلب أحد منهم أحداً بعلاقة ظفر ظلمها أياه {تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ ٱلأَنْهَارُ وَقَالُواْ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي هَدَانَا لِهَـٰذَا} وفقنا وأرشدنا إلى هذا يعني طريق الجنّة وقال سفيان الثوري: معناه الحمد لله الذي هدانا لعمل هذا ثوابه {وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاۤ أَنْ هَدَانَا ٱللَّهُ} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كل أهل النار يرى منزلة مَنْ بالجنّة فيقولون: لو هدانا الله نكون [من المؤمنين] وكل أهل الجنّة ترى منزلة من بالنار ويقولون: لولا أنّه هدانا الله فهذا شكرهم قال: وليس [هناك] من كافر ولا مؤمن إلاّ وله في الجنّة أو النار منزل [فإذا] دخل أهل الجنّة الجنّة وأهل النار النار فدخلوا منازلهم رفعت الجنّة لأهل النار فنظروا إلى منازلهم فيها فقيل لهم هذه منازلكم لو عملتم بطاعة الله، ثمّ يقال: يا أهل الجنة رثوهم بما كنتم تعملون فيقسم بين أهل الجنّة منازلهم، ونودوا أن صحوا ولا تسقموا وأخلدوا فلا تموتوا وأنعموا ولا تيأسوا وشبّوا فلا تهرموا.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : و{فَمَنْ أَظْلَمُ} تأتي على صيغة السؤال الذي لن تكون إجابته إلا الإِقرار. ولا أحد أظلم ممن افترى على الله الكذب؛ لأنه أولاً ظلم نفسه، وظلم أمته، وأول ظلم النفس أن يرتضي حياة زائلة وأن يترك حياة أبدية، وأما ظلمه للناس فلأنه سيأخذ أوزار ما يفعلون؛ لأنه قد افترى على الله كذباً. {أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ}. أي قوَّل الله ما لم يقله، أو كذَّب ما قاله الله، وكلا الأمرين مساوٍ للآخر. والآية- كما نعلم- هي الأمر العجيب، والآيات أُطلقت في القرآن على معانٍ متعددة؛ فالحق يقول: {أية : كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ...} تفسير : [فصلت: 3] وكذلك أطلقت على المعجزات التي يرسلها الله تأييداً لرسله. {أية : وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلأَوَّلُونَ...} تفسير : [الإسراء: 59] فالآيات هنا هي المعجزات أي الأمور العجيبة. وحدثنا القرآن عن الآيات الكونية فقال سبحانه: {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ ٱلَّيْلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ...} تفسير : [فصلت: 37] فالآية إذن هي الشيء العجيب وهي تشمل آيات القرآن؛ لأنك حين تنظر إلى نظم آيات القرآن، وإلى استيعابها إلى حقائق الوجود وإلى استيفائها لقضايا الكون كله تقول لنفسك: هذا شيء عجيب؛ لأن الذي جاءت على لسانه هذه الآيات نبي أمي، ما عرف عنه أنه زاول تعلماً، وما جربوا عليه أنه قال شعراً، أو نثراً أو له رياضة في كلام، وبعد ذلك ما جرب حكم أمم، وما درس تاريخ الأمم حتى يستنبط القوانين التي أعجزت الحضارات المعاصرة عن مجاراتها. إن الأمة البدوية حينما ذهب بمنهجها إلى الفرس، وكانت الفرس لها حضارة الشرق كلها، وعلى الرغم من ذلك أخذت الفرس قوانينها من هذه الأمة البدوية، وكان كل نظام هذه الأمة المتبدية قبل مجيء الرسالة مع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخلص في نظام القبيلة وكل قبيلة لها رئيس، وبعد أن جاءت رسالته صلى الله عليه وسلم جاء بنظام يجمع أمم العالم كلها، ثم ينجح في أدراة الدنيا كلها، وهذه مسألة عجيبة، وكل آية من هذه الآيات كانت معجزة وعجيبة. وكذلك الآيات الكونية التي نجدها تتميز بالدقة الهائلة؛ فالشمس والقمر بحسبان، وكل في فلك يسبحون، إنه نظام عجيب. إذن فالعجائب في الآيات هي آيات القرآن، والمعجزات والآيات الكونية. وكيف يكذبون إذن بالآيات؟. ألا ينظرون إلى الكون. وما فيه من دقة صنع وهندسة بناء تكويني لا تضارب فيه؟ وهي آيات تنطق بدقة الخالق؛ فهو العالم، القادر، الحكيم، الحسيب. وكذلك كيف يكذبون الرسول القادم بالمعجزات، ويقولون: إنه ساحر، وحين تتلى عليهم آيات يكذبونها. إذن هم لم ينظروا في آيات الكون ليستنبطوا منها عظمة الصانع وحكمته ودقته، ولم يلتفتوا إلى الإِيمان به قمة عقيدية، وكذلك كذبوا بالآيات المعجزات التي جاء بها الرسل فلم يصدقوا الرسل وآخرها وقمتها آيات القرآن العظيم. وحينما عرض الحق سبحانه وتعالى هذه القضية، تساءل: كيف تقولون. إنه سحر الناس فآمنوا به، فلماذا لم يسحركم أنت؟. وحينما قالوا: {أية : إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ...} تفسير : [النحل: 103] قال الحق: {أية : ...لِّسَانُ ٱلَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ} تفسير : [النحل: 103] وقالوا: {أية : وَقَالُوۤاْ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ ٱكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً} تفسير : [الفرقان: 5] فيعلم الحق رسله أن يقول: {أية : ... فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} تفسير : [يونس: 16] وهنا يأمر الحق رسوله أن يذكرهم بأنه عاش بينهم أربعين عاماً فهل عرف عنه أنه يقول أو يتكلم بشيء من هذا؟ فهل يترك الحق من كذبوا بالآيات؟ أنهم خلق الله، والله استدعاهم إلى الوجود، لذلك يضمن لهم مقومات الحياة، وأمر أسباب الكون أن تكون خدمة هؤلاء المكذبين الكافرين كما في خدمة الطائعين المؤمنين. ومن يحسن منهم الأسباب يأخذ نتائجها، وإن أهمل المؤمنون الأخذ بالأسباب فلن يأخذوا نتائجها، وكل هذا لأنه عطاء ربوبية ولأنه خلق فلابد أن يرزق، والنواميس الكونية تخدم الطائع وتخدم العاصي؛ لأن ذلك من سنة الله ولن يجد أحد لسنة الله تبديلا. إذن فكفرهم لن يمنع عنهم نصيبهم من الكتاب الذي قَدَّر لهم، من الرزق والحياة، ما هو مسطر في الكتاب الذي أنزل عليهم؛ لذلك يقول الحق: {أُوْلَـٰئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ ٱلْكِتَابِ...} [الأعراف: 37] أو ينالهم، أي يصيبهم عذاب مما هو مبين في الكتاب الذي أرسلناه ليوضح أن الطائع له الثواب، والعاصي له العقاب، فيقول الحق هنا: {...حَتَّىٰ إِذَا جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوۤاْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا وَشَهِدُواْ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ} [الأعراف: 37] وساعة تسمع {يَتَوَفَّوْنَهُمْ} تفهم أن الحياة تنتهي، وتنفصل الروح عن الجسد فهذا هو "التوفي"، فمرة ينسب إلى الحق الأعلى سبحانه وتعالى، ومرة ينسب إلى المَلَك، ومرة يراد منه أتباع المَلَك أي جنوده يقول- سبحانه-: {حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ}، والأساليب الثلاثة ملتقية؛ لأن ملك الموت لم يأت بالموت من عنده، بل أخذ التلقي من الله، فالأمر الأعلى من الله، وأمر التوسط للملك، وأمر التنفيذ للرسل. و"التوفي" على إطلاقه هو استيفاء الأجل، فإن كان أجل الحياة فهو ترفية بالموت، وإن كان الأجل البرزخ وهو المدة التي بين القبر والحساب. إلى أن يجيء ميعاد دخولهم النار فهذا هو توفي أجلهم الثاني؛ لأن كل إنسان له أجلان: أجل ينهي هذه الحياة، والأجل الذي يأخذه في البرزخ إلى أن يجيء الحساب. وهذا لا يمنع أن يقال: إن قيامة كل إنسان تأتي بموته؛ لأن للقيامة مراحل بدءا من القبر ونهاية بالخلود في الجنة أو في النار. وحين تسألهم الملائكة: {...أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا وَشَهِدُواْ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ} [الأعراف: 37] هم إذن يعترفون أن من كانوا يدعونهم من دون الله قد غابوا واختفوا ولا يظهر لهم أثر. {أية : وَقَالُوۤاْ أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ...} تفسير : [السجدة: 10] وهم - إذن - يقرون غياب من كانوا يدعونهم من دون الله، والمراد أنه لا وجود لهم، وهم بذلك قد شهدوا على أنفسهم بكفرهم. ولكن هذه الشهادة لا تجدي لأن زمن التكليف قد انتهى، وهم الآن في دار قهر لكل ما يريده الله؛ ففي دار التكليف كان الإِنسان حرًّا أن يفعل أو ألاّ يفعل، ولكن في الدار الآخرة لا تنفع هذه الشهادة. وذلك لتبين عدالة الجزاء الذي يصيبهم، ولن يتأبوا على الجزاء؛ لذلك يقول الحق: {قَالَ ٱدْخُلُواْ فِيۤ أُمَمٍ...}
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: لا أحد أظلم { مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا } بنسبة الشريك له، أو النقص له، أو التقول عليه ما لم يقل، { أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ } الواضحة المبينة للحق المبين، الهادية إلى الصراط المستقيم، فهؤلاء وإن تمتعوا بالدنيا، ونالهم نصيبهم مما كان مكتوبا لهم في اللوح المحفوظ، فليس ذلك بمغن عنهم شيئا، يتمتعون قليلا ثم يعذبون طويلا { حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ } أي: الملائكة الموكلون بقبض أرواحهم واستيفاء آجالهم. { قَالُوا } لهم في تلك الحالة توبيخا وعتابا { أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ } من الأصنام والأوثان، فقد جاء وقت الحاجة إن كان فيها منفعة لكم أو دفع مضرة. { قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا } أي: اضمحلوا وبطلوا، وليسوا مغنين عنا من عذاب اللّه من شيء. { وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ } مستحقين للعذاب المهين الدائم.
همام الصنعاني
تفسير : 898- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا مَعْمَر، عن قَتَادةَ، في قوله تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ ٱلْكِتَابِ}: [الآية: 37]، قال: ينالهم نصيبهم في الآخرة بأعمالهم التي عملوا وأسلفوا في الدنيا.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):