Verse. 992 (AR)

٧ - ٱلْأَعْرَاف

7 - Al-A'raf (AR)

قَالَ ادْخُلُوْا فِيْۗ اُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِّنَ الْجِنِّ وَالْاِنْسِ فِي النَّارِ۝۰ۭ كُلَّمَا دَخَلَتْ اُمَّۃٌ لَّعَنَتْ اُخْتَہَا۝۰ۭ حَتّٰۗي اِذَا ادَّارَكُوْا فِيْہَا جَمِيْعًا۝۰ۙ قَالَتْ اُخْرٰىہُمْ لِاُوْلٰىہُمْ رَبَّنَا ہٰۗؤُلَاۗءِ اَضَلُّوْنَا فَاٰتِہِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ النَّارِ۝۰ۥۭ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَّلٰكِنْ لَّا تَعْلَمُوْنَ۝۳۸
Qala odkhuloo fee omamin qad khalat min qablikum mina aljinni waalinsi fee alnnari kullama dakhalat ommatun laAAanat okhtaha hatta itha iddarakoo feeha jameeAAan qalat okhrahum lioolahum rabbana haolai adalloona faatihim AAathaban diAAfan mina alnnari qala likullin diAAfun walakin la taAAlamoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قال» تعالى لهم يوم القيامة «ادخلوا في» جملة «أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار» متعلق بادخلوا «كلما دخلت أُمة» النار «لعنت أختها» التي قبلها لضلالها بها «حتى إذا ادَّاركوا» تلاحقوا «فيها جميعا قالت أخراهم» وهم الأتباع «لأولاهم» أي لأجلائهم وهم المتبوعون «ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا» مضعفا «من النار قال» تعالى «لكل» منكم ومنهم «ضعف» عذاب مضعف «ولكن لا يعلمون» بالياء والتاء ما لكل فريق.

38

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن هذه الآية من بقية شرح أحوال الكفار وهو أنه تعالى يدخلهم النار. أما قوله تعالى: {قَالَ ٱدْخُلُواْ } ففيه قولان: الأول: إن الله تعالى يقول ذلك. والثاني: قال مقاتل: هو من كلام خازن النار، وهذا الاختلاف بناء على أنه تعالى هل يتكلم مع الكفار أم لا؟ وقد ذكرنا هذه المسألة بالاستقصاء. أما قوله تعالى: {ٱدْخُلُواْ فِى أُمَمٍ } ففيه وجهان: الوجه الأول: التقدير: ادخلوا في النار مع أمم، وعلى هذا القول ففي الآية إضمار ومجاز أما الإضمار فلأنا أضمرنا فيها قولنا: في النار. وأما المجاز، فلأنا حملنا كلمة «في» على «مع» لأنا قلنا معنى قوله: {فِى أُمَمٍ } أي مع أمم. والوجه الثاني: أن لا يلتزم الإضمار ولا يلتزم المجاز، والتقدير: ادخلوا في أمم في النار، ومعنى الدخول في الأمم، الدخول فيما بينهم وقوله: {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مّن ٱلْجِنّ وَٱلإِنسِ } أي تقدم زمانهم زمانكم، وهذا يشعر بأنه تعالى لا يدخل الكفار بأجمعهم في النار دفعة واحدة، بل يدخل الفوج بعد الفوج، فيكون فيهم سابق ومسبوق، ليصح هذا القول، ويشاهد الداخل من الأمة في النار من سبقها وقوله: {كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا } والمقصود أن أهل النار يلعن بعضهم بعضاً فيتبرأ بعضهم من بعض، كما قال تعالى: {أية : ٱلأَخِلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ }تفسير : [الزخرف: 67] والمراد بقوله: {أُخْتَهَا } أي في الدين، والمعنى: أن المشركين يلعنون المشركين، وكذلك اليهود، تلعن اليهود، والنصارى النصارى، وكذا القول في المجوس، والصابئة وسائر أديان الضلالة. وقوله: {حَتَّى إِذَا ٱدَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعًا } أي تداركوا، بمعنى تلاحقوا، واجتمعوا في النار، وأدرك بعضهم بعضاً، واستقر معه {قَالَتْ أُولَـٰهُمْ لأُخْرَاهُمْ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: في تفسير الأولى والأخرى قولان: الأول: قال مقاتل أخراهم يعني آخرهم دخولاً في النار، لأولاهم دخولاً فيها. والثاني: أخراهم منزلة، وهم الأتباع والسفلة، لأولاهم منزلة وهم القادة والرؤساء. المسألة الثانية: «اللام» في قوله: {لاِخْرَاهُمْ } لام أجل، والمعنى: لأجلهم ولإضلالهم إياهم {قَالُواْ رَبَّنَا هَـؤُلآء أَضَلُّونَا } وليس المراد أنهم ذكروا هذا القول لأولاهم، لأنهم ما خاطبوا أولاهم، وإنما خاطبوا الله تعالى بهذا الكلام. أما قوله تعالى: {رَبَّنَا هَـؤُلاء أَضَلُّونَا } فالمعنى: أن الأتباع يقولون إن المتقدمين أضلونا، واعلم أن هذا الإضلال يقع من المتقدمين للمتأخرين على وجهين: أحدهما: بالدعوة إلى الباطل، وتزيينه في أعينهم، والسعي في إخفاء الدلائل المبطلة لتلك الأباطيل. والوجه الثاني: بأن يكون المتأخرون معظمين لأولئك المتقدمين، فيقلدونهم في تلك الأباطيل والأضاليل التي لفقوها ويتأسون بهم، فيصير ذلك تشبيهاً بإقدام أولئك المتقدمين على الإضلال. ثم حكى الله تعالى عن هؤلاء المتأخرين أنهم يدعون على أولئك المتقدمين بمزيد العذاب وهو قوله: {فَئَاتِهِم عذاباً ضِعفاً من النار} وفي الضعف، قولان: القول الأول: قال أبو عبيدة «الضعف» هو مثل الشيء مرة واحدة. وقال الشافعي رحمه الله: ما يقارب هذا، فقال في رجل أوصى فقال اعطوا فلاناً ضعف نصيب ولدي قال: يعطي مثله مرتين. والقول الثاني: قال الأزهري: «الضعف» في كلام العرب المثل إلى ما زاد وليس بمقصور على المثلين، وجائز في كلام العرب أن تقول: هذا ضعفه، أي مثلاه وثلاثة أمثاله، لأن الضعف في الأصل زيادة غير محصورة، والدليل عليه: قوله تعالى: {أية : فَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ جَزَاء ٱلضّعْفِ بِمَا عَمِلُواْ } تفسير : [سبأ: 37] ولم يرد به مثلاً ولا مثلين، بل أولى الأشياء به أن يجعل عشرة أمثاله، لقوله تعالى: {أية : مَن جَاء بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا } تفسير : [الأنعام: 160] فثبت أن أقل الضعف محصور وهو المثل وأكثره غير محصور إلى ما لا نهاية له. وأما مسألة الشافعي رحمه الله: فاعلم أن التركة متعلقة بحقوق الورثة، إلا أنا لأجل الوصية صرفنا طائفة منها إلى الموصى له، والقدر المتيقن في الوصية هو المثل، والباقي مشكوك، فلا جرم أخذنا المتيقن وطرحنا المشكوك، فلهذا السبب حملنا الضعف في تلك المسألة على المثلين. أما قوله تعالى: {قَالَ لِكُلّ ضِعْفٌ وَلَـٰكِن لاَّ تَعْلَمُونَ } فيه مسألتان: المسألة الأولى: قرأ أبو بكر عن عاصم {يَعْلَمُونَ } بالياء على الكناية عن الغائب، والمعنى: ولكن لا يعلم كل فريق مقدار عذاب الفريق الآخر، فيحمل الكلام على كل، لأنه وإن كان للمخاطبين فهو اسم ظاهر موضوع للغيبة، فحمل على اللفظ دون المعنى، وأما الباقون فقرؤوا بالتاء على الخطاب والمعنى: ولكن لا تعلمون أيها المخاطبون، ما لكل فريق منكم من العذاب، ويجوز ولكن لا تعلمون يا أهل الدنيا ما مقدار ذلك. المسألة الثانية: لقائل أن يقول: إن كان المراد من قوله: {لِكُلّ ضِعْفٌ } أي حصل لكل أحد من العذاب ضعف ما يستحقه، فذلك غير جائز لأنه ظلم، وإن لم يكن المراد ذلك، فما معنى كونه ضعفاً؟ والجواب: أن عذاب الكفار يزيد، فكل ألم يحصل فإنه يعقبه حصول ألم آخر إلى غير نهاية فكانت تلك الآلام متضاعفة متزايدة لا إلى آخر، ثم بين تعالى أن أخراهم كما خاطبت أولاهم، فكذلك تجيب أولاهم أخراهم، فقال: {وَقَالَتْ أُولَـٰهُمْ لاِخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ } أي في ترك الكفر والضلال، وإنا متشاركون في استحقاق العذاب. ولقائل أن يقول: هذا منهم كذب، لأنهم لكونهم رؤساء وسادة وقادة، قد دعوا إلى الكفر وبالغوا في الترغيب فيه، فكانوا ضالين ومضلين، وأما الأتباع والسفلة، فهم وإن كانوا ضالين، إلا أنهم ما كانوا مضلين، فبطل قولهم أنه لا فضل للأتباع على الرؤساء في ترك الضلال والكفر. وجوابه: أن أقصى ما في الباب أن الكفار كذبوا في هذا القول يوم القيامة، وعندنا أن ذلك جائز، وقد قررناه في سورة الأنعام في قوله: {أية : ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ }تفسير : [الأنعام: 23]. أما قوله: {فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ } فهذا يحتمل أن يكون من كلام القادة، وإن يكون من قول الله تعالى لهم جميعاً. واعلم أن المقصود من هذا الكلام التخويف والزجر، لأنه تعالى لما أخبر عن الرؤساء والأتباع أن بعضهم يتبرأ عن بعض، ويلعن بعضهم بعضاً، كان ذلك سبباً لوقوع الخوف الشديد في القلب.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {قَالَ ٱدْخُلُواْ فِيۤ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ مِّن ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ فِي ٱلنَّارِ} أي مع أُممٍ؛ فـ «فِي» بمعنىٰ مع. وهذا لا يمتنع؛ لأن قولك: زيد في القوم، أي مع القوم وقيل: هي على بابها. أي ٱدخلوا في جملتهم. والقائل قيل: هو الله عز وجل، أي قال الله ٱدخلوا. وقيل: هو مالك خازن النار. {كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا} أي التي سبقتها إلى النار، وهي أختها في الدين والملة. {حَتَّىٰ إِذَا ٱدَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعاً} أي اجتمعوا. وقرأ الأعمش «تداركوا» وهو الأصل، ثم وقع الإدغام فاحْتِيج إلى ألف الوصل. وحكاها المهدوي عن ٱبن مسعود. النحاس: وقرأ ابن مسعود «حتىٰ إذا ٱدّرَكوا» أي أدرك بعضهم بعضاً. وعِصْمَةُ عن أبي عمرو «حتى إذا ٱدّاركوا» بإثبات الألف على الجمع بين الساكنين. وحكى: هذان عبدا الله. وله ثلثا المال. وعن أبي عمرو أيضاً: «إذا إداركوا» بقطع ألف الوصل؛ فكأنّه سكت على «إذا» للتذكُّر، فلما طال سكوته قطع ألف الوصل كالمبتدىء بها. وقد جاء في الشعر قطع ألف الوصل نحو قوله:شعر : يا نفسُ صبراً كلُّ حيّ لاقىٰ وكل إثنين إلى ٱفتراق تفسير : وعن مجاهد وحُميد بن قيس «حتى إذ ٱدركوا» بحذف ألف «إذا» لالتقاء الساكنين، وحذف الألف التي بعد الدال. «جَمِيعاً» نصب على الحال. {قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ} أي آخرهم دخولاً وهم الاتباع لأولاهم وهم القادة. {رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ ٱلنَّارِ} فاللام في «لأولاهم» لام أجل؛ لأنهم لم يخاطبوا أولاهم ولكن قالوا في حق أولاهم ربنا هؤلاء أضلونا. والضِّعف المثل الزائد على مثله مرة أو مرات. وعن ابن مسعود أن الضِّعف هاهنا الأفاعي والحيات. ونظير هذه الآية {أية : رَبَّنَآ آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ ٱلْعَذَابِ وَٱلْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً}تفسير : [الأحزاب: 68]. وهناك يأتي ذكر الضِّعف بأشبع من هذا وما يترتب عليه من الأحكام، إن شاء الله تعالىٰ. {قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ} أي للتابع والمتبوع. {وَلَـٰكِن لاَّ يَعْلَمُونَ} على قراءة من قرأ بالياء؛ أي لا يعلم كل فريق ما بالفريق الآخر، إذ لو علم بعض من في النار أن عذاب أحد فوق عذابه لكان نوع سلوة له. وقيل: المعنى «ولَكِنْ لاَ تَعْلَمُونَ» بالتاء، أي ولكن لا تعلمون أيها المخاطبون ما يجدون من العذاب. ويجوز أن يكون المعنى ولكن لا تعلمون يا أهل الدنيا مقدار ما هم فيه من العذاب. {وَقَالَتْ أُولاَهُمْ لأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ} أي قد كفرتم وفعلتم كما فعلنا، فليس تستحقون تخفيفاً من العذاب {فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ}.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى مخبراً عما يقوله لهؤلاء المشركين به، المفترين عليه المكذبين بآياته: {ٱدْخُلُواْ فِيۤ أُمَمٍ} أي: من أمثالكم وعلى صفاتكم {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ} أي: من الأمم السالفة الكافرة {مِّن ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ فِى ٱلنَّارِ} يحتمل أن يكون بدلاً من قوله في أمم، ويحتمل أن يكون: في أمم، أي: مع أمم، وقوله: {كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا} كما قال الخليل عليه السلام: {أية : ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ} تفسير : [العنكبوت: 25] الآية، وقوله تعالى: {أية : إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ ٱلأَسْبَابُ وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُواْ مِنَّا كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ ٱللَّهُ أَعْمَـٰلَهُمْ حَسَرَٰتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَـٰرِجِينَ مِنَ ٱلنَّارِ } تفسير : [البقرة: 166-167] وقوله: {حَتَّىٰ إِذَا ٱدَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعًا} أي: اجتمعوا فيها كلهم {قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولَـٰهُمْ} أي: أخراهم دخولاً، وهم الأتباع لأولاهم، وهم المتبوعون؛ لأنهم أشد جرماً من أتباعهم، فدخلوا قبلهم، فيشكوهم الأتباع إلى الله يوم القيامة؛ لأنهم هم الذين أضلوهم عن سواء السبيل، فيقولون: {رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ أَضَلُّونَا فَـئَاتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ ٱلنَّارِ} أي: أضعف عليهم العقوبة؛ كما قال تعالى: {أية : يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِى ٱلنَّارِ يَقُولُونَ يٰلَيْتَنَآ أَطَعْنَا ٱللَّهَ وَأَطَعْنَا ٱلرَّسُولاَ وَقَالُواْ رَبَّنَآ إِنَّآ أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا فَأَضَلُّونَا ٱلسَّبِيلاْ رَبَّنَآ ءَاتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ ٱلْعَذَابِ } تفسير : [الأحزاب: 66-68] الآية، وقوله: {قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ} أي: قد فعلنا ذلك، وجازينا كلاً بحسبه، كقوله: {أية : ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ زِدْنَـٰهُمْ عَذَابًا} تفسير : [النحل: 25] الآية. وقوله: {أية : وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ} تفسير : [العنكبوت: 13] وقوله: {أية : وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ} تفسير : [النحل: 25] الآية. {وَقَالَتْ أُولَـٰهُمْ لأُخْرَاهُمْ} أي: قال المتبوعون للأتباع: {فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ} قال السدي: فقد ضللتم كما ضللنا، {فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ} وهذه الحال كما أخبر الله تعالى عنهم في حال محشرهم في قوله تعالى: {أية : وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلظَّـٰلِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ ٱلْقَوْلَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ لَوْلاَ أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ لِلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُوۤاْ أَنَحْنُ صَدَدنَـٰكُمْ عَنِ ٱلْهُدَىٰ بَعْدَ إِذْ جَآءَكُمْ بَلْ كُنتُمْ مُّجْرِمِينَ وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ بَلْ مَكْرُ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَآ أَن نَّكْفُرَ بِٱللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَاداً وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱْلَعَذَابَ وَجَعَلْنَا ٱلأَغْلاَلَ فِيۤ أَعْنَاقِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} تفسير : [سبأ: 31-33].

المحلي و السيوطي

تفسير : {قَالَ } تعالى يوم القيامة {ٱدْخُلُواْ فِي } جملة {أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مّن ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ فِى ٱلنَّارِ } متعلق ب «ادخُلُوا» {كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ } النار {لَّعَنَتْ أُخْتَهَا } التي قبلها لضلالها بها {حَتَّىٰ إِذَا ٱدَّارَكُواْ } تلاحقوا {فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَٰهُمْ } وهم الأتباع {لأُولَٰهُمْ } أي لأجلاّئهم وهم المتبوعين {رَبَّنَا هـَٰؤُلآءِ أَضَلُّونَا فَئَاتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا } مضعفا {مِّنَ ٱلنَّارِ قَالَ } تعالى {لِكُلِّ } منكم ومنهم {ضِعْفٌ } عذاب مضعَّف {وَلَٰكِن لاَّ يَعْلَمُونَ } بالياء والتاء ما لكل فريق.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {... حَتَّى إِذَا ادَّارَكُواْ فِيهَا جِمِيعاً} يعني في النار أدرك بعضهم بعضاً حتى استكملوا فيها. {قَالَتْ أُخْرَاهُمُ لأُولاَهُمْ} يعني الأتباع للقادة لأنهم بالاتباع لهم متأخرون عنهم، وكذلك في دخول النار تقدم القادة على الأتباع. {رَبَّنَا هَؤُّلآءِ أَضَلُّونَا فئَاتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ النَّارِ} يريد بأحد الضعفين عذابهم على الكفر، وبالآخر عذابهم على الإغواء. ويحتمل هذا القول من الأتباع وجهين: أحدهما: تخفيف العذاب عنهم. والثاني: الانتقام من القادة بمضاعفة العذاب عليهم. فأجابهم الله قال: {لِكُلٍّ ضِعْفٌ} يعني أنه وإن كان للقادة ضعف العذاب، لأن أحدهما بالكفر، والآخر بالإغواء، فلكم أيها الأتباع ضعف العذاب، وهذا قول الجمهور، وإن ضعف الشيء زيادة مثله. وفيه وجه ثان: قاله مجاهد: أن الضعف من أسماء العذاب.

ابن عطية

تفسير : هذه حكاية ما يقول الله لهم يوم القيامة بوساطة ملائكة العذاب وعبر عن يقول بـ {قال} لتحقق وقوع ذلك وصدق القصة، وهذا كثير، وقوله: {في أمم} متعلق بـ {ادخلوا} ، ويحتمل أن يتعلق بمحذوف تقديره كائنين أو ثابتين في أمم، فيكون في موضع الحال من الضمير في {ادخلوا} وقيل {في} بمعنى مع، وقيل هي على بابها وهو أصوب، وقوله {قد خلت} صفة لـ {أمم} وقوله: {في النار} يصح تعلقه بـ {ادخلوا} يصح أن يتعلق بـ {أمم} أي في أمم ثابتة أو مستقرة، ويصح تعلقه بالذكر الذي في {خلت} ومعنى {قد خلت} على هذا التعلق أي قد تقدمت ومضى عليها الزمن وعرفها فيما تطاول من الآباد، وقد تستعمل وإن لم يطل الوقت إذ أصلها فيمن مات من الناس أي صاروا إلى خلاء من الأرض، وعلى التعليقين الأولين لقوله {في النار} فإنما {خلت} حكاية عن حال الدنيا أي ادخلوا في النار في جملة الأمم السالفة لكم في الدنيا الكافرة، وقد ذكر الجن لأنهم أعرق في الكفر، وإبليس أصل الضلال والإغواء، وهذه الآية نص في أن كفرة الجن في النار، والذي يقتضيه النظر أن مؤمنيهم في الجنة لأنهم عقلاء مكلفون مبعوث إليهم آمنوا وصدقوا، وقد بوب البخاري رحمه الله - باب في ذكر الجن وثوابهم وعقابهم - وذكر عبد الجليل أن مؤمني الجن يكونون تراباً كالبهائم، وذكر في ذلك حديثاً مجهولاً وما أراه يصح، والله أعلم. والأخوة في هذه الآية أخوة الملة والشريعة. قال السدي: يتلاعن آخرها وأولها، و {اداركوا} معناه تلاحقوا ووزنه تفاعلوا أصله تداركوا أدغم فجلبت ألف الوصل، وقرأ أبوعمرو "إداركوا" بقطع ألف الوصل، قال أبو الفتح: هذا مشكل ولا يسوغ أن يقطعها ارتجالاً فذلك إنما يجيء شاذاً في ضرورة الشعر في الاسم أيضاً لكنه وقف مثل وقفة المستذكر ثم ابتدأ فقطع، وقرأ مجاهد بقطع الألف وسكون الدال "ادْركوا" بفتح الراء وبحذف الألف بعد الدال بمعنى أدرك بعضهم بعضاً، وقرأ حميد "أُدرِكوا" بضم الهمزة وكسر الراء أي أدخلوا في إدراكها، وقال مكي في قراءة مجاهد إنها "ادَّارَكوا" بشد الدال المفتوحة وفتح الراء، قال: وأصله إذ تركوا وزنها افتعلوا، وقرأ ابن مسعود والأعمش "تداركوا" ورويت عن أبي عمرو، وقرأ الجمهور "حتى إذا اداركوا" بحذف ألف "إذا" لالتقاء الساكنين. وقوله تعالى: {قالت أخراهم لأولاهم} معناه قالت الأمة الأخيرة التي وجدت ضلالات مقررة وسنناً كاذبة مستعملة للأولى التي شرعت ذلك وافترت على الله وسلكت سبيل الضلال ابتداء، ربنا هؤلاء طرقوا طرق الضلال وسببوا ضلالنا فآتهم عذاباً مضاعفاً أي ثانياً زائداً على عذابنا إذ هم كافرون ومسببون كفرنا, وتقول ضاعفت كذا إذا جعلته مثل الأول، واللام في قوله {لأولادهم} كأنها لام سبب إذ القول إنما هو للرب، ثم قال عز وجل مخبراً لهم {لكل ضعف} أي العذاب مشدد على الأول والآخر ولكن لا تعلمون أي المقادير وصور التضعيف، وهذا رد لكلام هؤلاء، إذ ليس لهم كرامة فيظهر إسعافهم. وأما المعنى الذي دعوا فيه فظاهر حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه حاصل وأن كل من سن كفراً أو معصية فعليه كفل من جهة كل من عمل بذلك بعده، ومنه حديث أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: حديث : ما من داع دعا إلى ضلالة إلا كان عليه وزره ووزر من اتبعه لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئاًتفسير : , الحديث، ذكره الليث بن سعد من آخر الجزء الرابع من حديثه، وذكره مالك في الموطأ غير مسند موصل، ومنه قوله "حديث : ما تقتل نسمة ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل منها"تفسير : ، أما أن هؤلاء عينوا في جميع السبعة غير عاصم في رواية أبي بكر "ولكن لا تعلمون" بالتاء ويحتمل ذلك أن يكون مخاطبة لمحمد وأمته، وقرأ عاصم وحده في رواية أبي بكر "ولكن لا يعلمون"، وروى حفص عن عاصم مثل قراءة الجماعة، وهذه مخاطبة لأمة محمد وإخبار عن الأمة الأخيرة التي طلبت أن يشدد العذاب على أولاها، ويحتمل أن يكون خبراً عن الطائفتين حملاً على لفظة "كل"، أي لا يعلم أحد منهم قدر ما أعد لهم من عذاب الله. وقوله عز وجل: {وقالت أولاهم لأخراهم} الآية، المعنى وقالت الأمة الأولى المبتدعة للأمة الأخيرة المتبعة أنتم لا فضل لكم علينا ولم تزدجروا حين جاءتكم النذر والرسل، بل دمتم في كفركم وتركتم النظر واستوت حالنا وحالكم فذوقوا العذاب باجترامكم، هذا قول السدي وأبي مجلز وغيرهما، فقوله فذوقوا على هذا من كلام الأمة المتقدمة للأمة المتأخرة، وقيل قوله {فذوقوا} هو من كلام الله عز وجل لجميعهم، وقال مجاهد ومعنى قوله {من فضل} أي "من" التخفيف. قال القاضي أبو محمد: معناه أنه لما قال الله {لكل ضعف} قال الأولون للآخرين لم تبلغوا أملاً في أن يكون عذابكم أخف من عذابنا ولا فضلتم بالإسعاف والنص عليه.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس} يقول الله عز وجل يوم القيامة لمن افترى عليه الكذب وجعل له شريكاً من خلقه: ادخلوا في أمم يعني في جملة أمم قد خلت يعني قد مضت وسلفت وإنما قال قد خلت ولم يقل قد خلوا لأنه أطلق الضمير على الجماعة يعني في جملة جماعة قد خلت من قبلكم يعني من الجن والإنس {في النار} أي ادخلوا جميعاً في النار التي هي مستقركم ومأواكم وإنما عنى بالأمم والجماعات والأحزاب وأهل الملل الكافرة من الجن والإنس {كلما دخلت أمة} يعني كلما دخلت جماعة النار {لعنت أختها} يعني كلما دخلت أمة النار لعنت أختها من أهل ملتها في الدين لا في النسب. قال السدي: دخلت أهل ملة النار لعنوا أصحابهم على ذلك الدين فيلعن المشركون المشركين واليهود اليهود والنصارى النصارى والصابئون الصابئين والمجوس المجوس تلعن الآخرة الأولى {حتى إذا اداركوا} يعني تداركوا وتلاحقوا {فيها جميعاً} يعني تلاحقوا واجتمعوا في النار جميعاً وأدرك بعضهم بعضاً واستقروا في النار {قالت أخراهم لأولاهم} قال ابن عباس رضي الله عنهما: يعني قال آخر كل أمة لأولها، وقال السدي: قالت أخراهم الذين كانوا في آخر الزمان لأولاهم الذين شرعوا لهم ذلك الدين، وقال مقاتل: يعني قال أخراهم دخولاً النار وهم الأتباع لأولاهم دخولاً وهم القادة لأن القادة يدخلون النار أولاً {ربنا هؤلاء أضلونا} يعني: تقول الأتباع ربنا هؤلاء القادة والرؤساء أضلونا عن الهدى وزينوا لنا طاعة الشيطان، وقيل: إنما قال المتأخرون ذلك لأنهم كانوا يعتقدون تعظيم المتقدمين من أسلافهم فسلكوا سبيلهم في الضلالة واتبعوا طريقهم فيما كانوا عليه من الكفر والضلالة فلما كان يوم القيامة وتبين لهم فساد ما كانوا عليه قالوا ربنا هؤلاء أضلونا لأنا اتبعنا سبيلهم {فآتهم عذاباً ضعفاً من النار} أي أضعف عليهم العذاب، قال أبو عبيدة: الضعف هو مثل الشيء مرة واحدة، قال الأزهري والذي قاله أبو عبيدة هو ما يستعمله الناس في مجاز كلامهم وأما كتاب الله فهو عربي مبين فيرد تفسيره إلى موضع كلام العرب والضعف في كلامهم ما زاد وليس بمقصور على مثلين وجائز في كلام العرب هذا ضعفه أي مثلاه وثلاثة أمثاله لأن الضعف في الأصل زيادة غير محصورة وأولى الأشياء به أن يجعل عشرة أمثاله فأقل الضعف محصور وهو المثل وأكثره غير محصور وقال الزجاج في تفسير هذه الآية: فآتهم عذاباً ضعفاً أي مضاعفاً لأن الضعف في كلام العرب على ضربين أحدهما المثل والآخر أن يكون في معنى تضعيف الشيء أي زيادته {قال} يعني قال الله تعالى: {لكل ضعف} يعني لأولاكم ضعف ولأخراكم ضعف وقيل معناه للتابع ضعف وللمتبوع ضعف لأنهم قد دخلوا في الكفر جميعاً {ولكن لا تعلمون} يعني ما أعد الله لك فريق من العذاب وقرئ بالياء ومعناه ولكن لا يعلم كل فريق ما أعد الله تعالى من العذاب للفريق الآخر {وقالت أولاهم} يعني في الكفر وهم القادة {لأخراهم} يعني الأتباع {فما كان لكم علينا من فضل} يعني قد ضللتم كما ضللنا وكفرتم كما كفرنا وقيل في معنى الآية وقالت كل أمة سلفت في الدنيا لأخراها الذين جاؤوا من بعدهم فسلكوا سبيل من مضى قبلهم فما كان لكم علينا من فضل وقد علمتم ما حل بنا من عقوبة الله بسبب كفرنا ومعصيتنا إياه وجاءتكم بذلك الرسل والنذر فما رجعتم عن ضلالتكم وكفركم {فذوقوا العذاب} وهذا يحتمل أن يكون من قول القادة للاتباع والأمة الأولى للأخرى التي بعدها ويحتمل أن يكون من قول الله تعالى يعني يقول الله للجميع فذوقوا العذاب {بما كنتم تكسبون} يعني بسب ما كنتم تكسبون من الكفر والأعمال الخبيثة.

الثعالبي

تفسير : قوله سبحانه: {قَالَ ٱدْخُلُواْ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ فِي ٱلنَّارِ} هذه حكاية ما يَقُولُ اللَّه سبحانه لهم يَوْمَ القيامة، بواسطة ملائكة العَذَابِ، نسأل اللَّه العافية. وعبر عن يقول بـــ «قال» لتحقُّق وقوع ذلك، وصدق القصة، وهذا كثير، و{خَلَتْ} حكاية عن حَالِ الدنيا، أي: ادخلوا في النَّار في جملة الأمم السابقة لكم في الدنيا الكافرة. * ت *: وكذا قدره أبو حَيَّانَ في جملة «أمم»، قال: وقيل: «في» بمعنى «مع» أي: مع أمم، وتقدم له في «سورة البقرة» أن «في» تجيء للمُصَاحَبَةِ، كقوله تعالى: {ٱدْخُلُواْ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ} انتهى. وقدم ذِكْرَ الجن؛ لأنهم أَعْرَقُ/ في الكفر، وإبليس أَصْلُ الضلال والإغواء، وهذه الآية نص في أن كفرة الجنِّ في النار، والذي يقتضيه النظر أن مُؤمنيهم في الجَنَّةِ؛ لأنهم عُقَلاَءُ، مُكَلَّفُونَ، مبعوث إليهم، آمنوا وصدقوا، وقد بَوَّب البخاري رحمه اللَّه باباً في ذِكْرِ الجن، وثوابهم، وعقابهم. وذكر عبد الجليل: أن مؤمني الجن يكونون تُرَاباً كالبهائم، وذكر في ذلك حديثاً مجهولاً، وما أَراه يصحُّ. واللَّه أعلم. والإِخْوَةُ في هذه الآية إِخْوَةُ الملة. قال * ص *: في «النار» متعلق بـــ «خَلَتْ»، أو بمحذوف، وهو صفة لـــ «أمم» أي: في أمم سابقة، في الزمان كائنة، من الجن والإنس كائنة في النار، ويحتمل أن يتعلق بـــ «ادخلوا» على أن «في» الأولى بمعنى «مع»، والثانية للظرفية، وإذا اختلف مَدْلُول الحرفين، جاز تعلقهما بمحلٍّ واحد. انتهى. {ٱدَّارَكُواْ} معناه: تلاحقوا، أصله: تداركوا أدغم، فجلبت ألف الوَصْل. وقال البخاري: {ٱدَّارَكُواْ} اجتمعوا. انتهى. وقوله سبحانه: {قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولَـٰهُمْ} معناه: قالت الأمم الأخيرة التي وجدت ضلالات متقررة، وسنناً كاذبةً مستعملة للأولى التي شرعت ذلك، وافترت على اللَّه، وسَلَكَتْ سبيل الضَّلال ابتداءً {رَبَّنَا هَـؤُلاءِ أَضَلُّونَا}، أي: طرقوا لنا طُرُقَ الضلال، {قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ} أي: عذاب مشدَّد على الأول والآخر {وَلَـٰكِن لاَّ تَعْلَمُونَ} أي المقادير، وصور التضعيف. قوله سبحانه: {وَقَالَتْ أُولَـٰهُمْ لأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ} أي: قد اسْتَوَتْ حالنا وحالكم {فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ} باجْتَرَامِكُمْ، وهو من كلام الأمة المتقدمة للمتأخّرة. وقيل: قوله: {فَذُوقُواْ} هو من كَلاَمِ اللَّه عز وجل لجميعهم.

ابن عادل

تفسير : اختلفوا في هذا القائل، فقال مقاتل: "هو كلامُ خازِنِ النَّارِ"، وقال غيره: "هو كلام اللَّهِ"، وهذا الاختلاف مبني على أنَّ الله - تعالى - هل يتكلَّمُ مع الكفار أم لا؟، وقد تقدمت هذه المسألة. قوله: "فِي أمَمٍ" يجوزُ أنْ يتعلَّق قوله: "في أمَمٍ" وقوله "في النَّارِ" كلاهما بـ "ادْخُلُوا"، فيجيء الاعتراضُ المشهور وهو كيف يتعلّق حرفا جرٍّ متحدا اللفظ والمعنى بعامل واحد؟، فيجاب بأحد وجهين: إمَّا أنَّ "في" الأولى ليست للظَّرفية، بل للمعيّة، كأنَّهُ قيل: ادخلوا مع أممٍ أي: مصاحبين لهم في الدُّخول، وقد تأتي "في" بمعنى "مع" كقوله تعالى: {أية : وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ فِيۤ أَصْحَابِ ٱلْجَنَّةِ}تفسير : [الأحقاف: 16]. وقول الشاعر: [الطويل] شعر : 2462 - شَمُوسٌ ودُودٌ فِي حَيَاءٍ وعِفَّةٍ رخِيمَةُ رَجْعِ الصَّوْتِ طَيِّبَةُ النَّشْرِ تفسير : وإمَّا بأن "في النَّار" بدل من قول "فِي أمَمٍ" وهو بدل اشتمال كقوله: {أية : أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ ٱلنَّارِ}تفسير : [البروج: 4،5]. فإنَّ النَّار بدل من الأخدود، كذلك "في النَّارِ" بدل من "أمَمٍ" بإعادة العامل بدل اشتمال، وتكونُ الظرفية في ["في"] مجازاً؛ لأنَّ الأمم ليسوا ظروفاً لهم حقيقة، وإنَّما المعنى: ادخلوا في جملة أمَمٍ وغمارهم. ويجوز أن تتعلّق "فِي أمَمٍ" بمحذوف على أنَّهُ حال أي: كائنين في جملة أمم. و "فِي النَّارِ" متعلّق بـ "خلت" أي: تسبقكم في النَّارِ. ويجوز أنْ تتعلَّق بمحذوف على أنَّهُ صفة لـ "أمَمٍ" فتكون "أمم" قد وصفت بثلاثة أوصاف: الأولى: الجملة الفعليّة، وهي قوله "قَدْ خَلَتْ". والثاني: الجارّ والمجرور، وهو قوله: {مِن ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ}. الثالث: قوله: "فِي النَّارِ"، والتقدير: في أممٍ خالية من قبلكم كائنة من الجنِّ والإنس، ومستقرَّة في النَّارِ. ويجوز أن تتعلَّق "فِي النَّار" بمحذوفٍ أيضاً، لا على الوَجْهِ المذكور، بل على كونه حالاً من "أمَمٍ"، وجاز ذلك وَإنْ كانت نكرة لتخصُّصها بالوصفين المُشَار إليهما. ويجوز أن يكون حالاً من الضَّميرِ في "خَلَتْ"؛ إذ هو ضمير الأمَمِ، وقُدِّمت الجنُّ على الإنس؛ لانَّهم الأصل في الإغواء. قوله: "كُلَّما دَخَلتْ" تقدَّم نظيرها، وهذه الجملة يحتمل أن تكون صفة لـ "أمم" أيضاً، والعائد محذوفٌ أي: كلما دخلت أمة منهم أي: من الأمَمِ المتقدَّمةِ لعنت أختَهَا، والمعنى: أن أهل النّار يلعنُ بعضهم بَعْضاً، ويتبرَّأ بعضهم مِنْ بَعْضٍ كما قال تعالى: {أية : ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ}تفسير : [الزخرف: 67]. والمرادُ بقوله أختها أي: في الدّين. قوله: "حتَّى" هذه غاية لما قبلها، والمعنى: أنَّهُم يدخلون فَوْجاً فَوْجاً، لاعناً بعضهم لبعض إلى انتهاء تداركهم فيها. وقرأ الجمهور: "إذَا ادَّارَكُوا" بوصل الألف وتشديد الدَّال، والأصلُ: تداركوا، فلما أريد إدغامُهُ فُعل به ما فُعل بـ "ادَّارَأتُمْ"، وقد تقدَّم تصريفه في البقرة [72]. قال مكيٌّ: ولا يستطاع اللفظ بوزنها مع ألف الوصل؛ لأنَّك تردُّ الزائد أصلياً فتقول: افاعلوا، فتصير تاء "تفاعل" فاء الفعل لإدغامها في فاء الفِعْلِ؛ وذلك لا يجوزُ، فإنْ وزنتها على الأصل فقلت: تَفَاعَلُوا جاز. وهذا الذي ذكر من كونه لا يمكن وزنه إلا بالأصْلِ، وهو "تفاعلوا" ممنوع. قوله: "لأنَّكَ تردّ الزَّائد أصليّاً". قلنا: لا يلزم ذلك؛ لأنَّا نزنه بلفظه مع همزة الوَصْلِ، وتأتي بناء التفاعل بلفظها، فتقولُ: وزن ادَّارَكوا: اتفاعلوا، فيلفظ بالتاء اعتباراً بأصلها، لا بما صارتْ إليه حال الإدغام. وهذه المسألةُ نصُّوا على نظيرها، وهو أنَّ تاء الافتعال إذا أبْدِلت إلى حرف مُجَانِسٍ لما قبلها كما تبدل تاء طاء، أو دالاً في نحو: اصْطَبَر، واضْطَرَبَ، وازْدَجَرَ، وادَّكَرَ، إذا وُزِن ما هي فيه قالوا: يُلفظ في الوزن بأصل تَاءِ الافتعال، ولا يُلفظ بما صارت إليه من طاء أو دال، فتقولُ: وزن اصطبر افتعل لا افطعل، ووزن ازدجر افتعل لا افدعل، فكذلك تقولُ هنا: وزن ادَّاركوا اتفاعلوا لا افَّاعلوا، فلا فرق بين تاء الافتعال والتَّفاعل في ذلك. وقرأ ابْنُ مسعودٍ والأعْمَشُ، ورويت عن أبي عمرو: تَدَارَكُوا وهي أصل قراءة العامة. وقرأ أبو عمرو "إذا إِدَّاركوا" بقطع همزة الوصل. قال ابن جني: "هذا مشكل، ومثلُ ذلك لا ينقله ارتجالاً، وكأنَّهُ وقف وقفة مستنكرٍ، ثم ابتدأ فقطع". وهذا الذي يُعتقد من أبي عمرو، وإلا فكيف يقرأ بما لا يثبت إلا في ضرورة الشِّعْرِ في الأسماء؟ كذا قال ابنُ جنيٍّ، يعني أن قطع ألف الوَصْل في الضَّرورة إنَّمَا جاء في الأسماء. وقرأ حميد "أُدْرِكوا" بضم همزة القطع، وسكون الدَّال وكسر الراء، مثل "أخْرِجُوا" جعله مبنياً للمفعول بمعنى: أُدْخِلوا في دركاتها أو أدراكها. ونقل عن مُجَاهدٍ بْنِ جَبْرٍ قراءتان: فروى عنه مكي "ادَّرَكوا" بوصل الألف وفتح الدال مشدّدة وفتح الراء، وأصلها "ادْتَرَكوا" على افتعلوا مبنياً للفاعل، ثم أدغم، كما أدغم "ادَّان" من الدَّيْن. وروى عنه غيره "أدْرَكوا" بفتح الهمزة مقطوعة، وسكون الدَّال وفتح الرّاء، أي: أدرك بعضُهم بعضاً. وقال أبُو البقاءِ: وقرىء: "إذَا ادَّاركوا" بألف واحدة ساكنة بعدها دال مشدَّدة، وهو جمع بين ساكنين، وجاز في المنفصل كما جاز في المتَّصل، وقد قال بعضهم: "اثْنَا عَشَر" بإثبات الألف وسكون العَيْنِ، يعني بالمتصل نحو: "الضَّالين" وجانّ، ومعنى المنفصل أنَّ ألف "إذَا" من كلمة، والسَّاكن الثاني من كلمة أخرى. وَ "ادّاركوا" بمعنى تَلاحَقُوا، وتقدَّمُ تفسير هذه المادة [النساء: 78]. و "جميعاً" حال من فاعل "ادَّاركوا". قوله: {أُولاَهُمْ لأُِخْرَاهُمْ} يحتمل أن تكون فُعْلى أنثى أفعل الذي للمفاضلة، والمعنى على هذا كما قال الزمخشريُّ: "أخْرَاهم منزلة، وهم الأتباع [والسَّفلة]، لأوْلاهم منزلة وهم القادة والرؤساء". ويحتمل أن تكون "أخرى" بمعنى آخرة تأنيث آخر مقابل الأوَّل، لا تأنيث "آخر" الذي للمفاضلة كقوله: {أية : وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ}تفسير : [فاطر: 18]. والفرقُ بين أخرى بمعنى آخرة، وبين أخرى تَأنيث آخر بزنة أفعل للتفضيل، أن التي للتفضيل لا تدلُّ على الانتهاء، كما لا يدلُّ عليه مذكَّرها، ولذلك يُعطف أمثالُها عليها في نوع واحد تَقُولُ: مررت بأمراة وأخرى وأخرى كما تقول: مررت برجل وآخر وآخر، وهذه تدلُّ على الانتهاء، كما يدلُّ مذكَّرها، ولذلك لا يُعطف أمثالُها عليها، ولأنَّ الأولى تفيد إفادة "غير"، وهذه لا تفيدُ إفادة "غير". والظَّاهِرُ في هذه الآية الكريمة أنَّهُمَا ليستا للتَّفضيل، بل لما ذكرنا. قال ابن عباس ومقاتل: "أخراهم دخولاً في النار لأولاهم دخولاً فيها". واللام في "لأولاهم" للتّعليل أي: لأجل، ولا يجوزُ أن تكون التي للتّبليغ كهي في قولك: قلتُ لزيد افعل. قال الزمخشريُّ: "لأنَّ خطابهم مع اللَّه لا معهم"، وقد بسط القول قبله في ذلك الزَّجَّاج فقال: "والمعنى: وقالت أخراهم: يا ربَّنا هؤلاء أضلُّونا، لأولاهم" فذكر نحوه. قال شهابُ الدِّينِ: وعلى هذا فاللاَّمُ الثَّانية في قوله: "أولاهم لأخْرَاهُم" يجوز أن تكون للتَّبليغ، لأنَّ خطابهم معهم بدليل قوله: {أية : فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ}تفسير : [الأعراف: 39] قوله: {رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ أَضَلُّونَا} يعني: أنَّ الأتباع يقولون: إنَّ المتقدّمين أضلّونا، يعني: أنَّ القادة أضلونا عن الهدى والدين فأتِهِمْ عذاباً ضعفاً من النَّارِ. قال أبُو عبيدة "الضِّعفُ: مثل الشَّيء مرةً واحدة". قال الأزْهَريُّ: ما قاله أبو عبيدة هو ما يستعمله النَّاسُ في مجاز كلامهم، وقد قال الشَّافِعِيُّ قريباً منه فقال في رجل أوصى: "أعطوه ضِعْفَ ما يُصيبُ وَلَدِي" قال: "يُعطَى مثله مرتين". قال الأزْهَرِيُّ: "الوصايَا يستعمل فيها العرف، وما يتفاهمه النَّاس، وأما كتاب اللَّهِ فهو عربيٌّ مبينٌ، ويُرَدُّ تفسيره إلى لغةِ العربِ، وموضوع كلامها الذي هو صنعة ألْسِنَتِهَا. والضِّعف في كلام العرب المِثْل إلى ما زاد، ولا يقتصر به على مثلين، بل تقول: هذا ضِعْفه أي مِثْلاه، وثلاثة أمثاله، لأنَّ الضِّعْفَ في الأصل زيادة غير محصورة، ألا ترى إلى قوله تعالى تعالى: {أية : فَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ جَزَآءُ ٱلضِّعْفِ}تفسير : [سبأ: 37] لم يُرِدْ به مِثْلاً ولا مِثْلَيْن، وأوْلَى الأشياء به أن يُجْعل عشرةَ أمثاله كقوله تعالى: {أية : مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا}تفسير : [الأنعام: 160] فأقلُّ الضّعف محصور وهو المِثْلُ وأكثره غير محصورٍ". ومثل هذه المقالة قال الزَّجَّاجُ أيضاً فإنَّهُ قال: أي عذاباً مضاعفاً؛ لأنَّ الضعف في كلام العرب على ضربين: أحدهما: المِثْلُ، والآخر: أن يكون في معنى تضعيف الشيء أي زيادته إلى ما لا يتناهى، وقد تقدَّم طرف من هذا في البقرة. وأما قول الشَّافعيِّ في "الوصيَّة": إنَّهُ المثل، فلأن التركة متعلقة بحقوق الورثة، إلا أنَّا لأجل الوصيّة صرفنا طائفة منها إلى الموصى له، والقدر المتيقن في الوصيّة هو المثل، والباقي مشكوك فيه فيأخذ المتيقّن ويطرح المشكوك فيه فلهذا السّبب حملنا الضِّعْفَ في الوصيَّة على المثلين. قوله: "ضعْفاً" صفة لـ "عذاباً"، و "من النَّارِ" يجوز أن يكون صفة لـ "عذاباً"، وأن يكون صفة لـ "ضعْفاً"، ويجوز أن يكون "ضعفاً" بدلاً من "عذاباً". قوله: "لِكُلٍّ" أي: لكلّ فريق من الأخرى، والأولى أو القادة والأتباع. قوله: {وَلَـٰكِن لاَّ تَعْلَمُونَ} قراءة العامّة بتَاءِ الخطاب: إمَّا خطاباً للسَّائلين، وإمَّا خطاباً لأهل الدُّنيا أي: ولكن لا تعلمون ما أعدَّ من العذاب لكل فريق. وقرأ أبُو بَكْرِ عن عاصمٍ بالغيبة، وهي تحتمل أن يكون الضَّمير عائداً على الطائفة السّائلة تضعيف العذاب، أو على الطّائفتين، أي: لا يعلمون قَدْر ما أعدَّ لهم من العذاب. فإن قيل: إن كان المراد من قوله: لكلّ أحد من العذاب ضعف ما يستحقه، فذلك غير جائز؛ لأنَّهُ ظلم، وإن لم يكن المراد ذلك فما معنى كونه ضعفاً؟. فالجوابُ: أنَّ عذاب الكفَّار يزيد فكل ألم يحصل فإنَّهُ يعقبه حصول ألم آخر إلى غير نهاية، فكانت تلك الآلام متضاعفة متزايدةٍ لا إلى آخر.

البقاعي

تفسير : ولما كان كأنه قيل: لقد اعترفوا، والاعتراف - كما قيل - إنصاف، فهل ينفعهم؟ قيل: هيهات! فات محله بفوات دار العمل لا جرم! {قال} أي الذي جعل الله إليه أمرهم {ادخلوا} كائنين {في أمم} أي في جملة جماعات وفرق أم بعضها بعضاً؛ ثم وصفهم دالاً بتاء التأنيث على ضعف عقولهم فقال: {قد خلت} ولما كان في الزمن الماضي من آمن، أدخل الجار فقال {من قبلكم} ولما كان الجن الأصل في الإغواء قدمهم فقال: {من الجن والإنس} ثم ذكر محل الدخول فقال: {في النار}. ولما جرت عادة الرفاق بأنهم يتكالمون وحين الاجتماع يتسالمون تشوف السامع إلى حالهم في ذلك فقال مجيباً له: {كلما دخلت أمة} أي منهم في النار {لعنت أختها} أي القريبة منها في الدين والملة التي قضيت آثارها واتبعت منارها، يلعن اليهود اليهود والنصارى النصارى - وهكذا، واستمر ذلك منهم {حتى إذا اداركوا} اي تداركوا وتلاحقوا، يركب بعضهم بعضاً - بما يشير إليه الإدغام {فيها جميعاً} لم يبق منهم أمة ولا واحد من أمة {قالت أخراهم} أي في الزمن والمنزلة، وهم الأتباع والسفل {لأولاهم} أي لأجلهم مخاطبين لله خطاب المخلصين {ربنا} أي الذي ما قطع إحسانه في الدنيا عنا على ما كان منا من مقابلة إحسانه بالإساءة {هؤلاء} أي الأولون {أضلونا} أي لكونهم أول من سن الضلال {فآتهم} أي أذقهم بسبب ذلك {عذاباً ضعفاً} أي يكون بقدر عذاب غيرهم مرتين لأنهم ضلوا وأضلوا لأنهم سنوا الضلال، "حديث : ومن سنَّ سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة"تفسير : ومنه "لا تقتل نفس ظلماً إلا على ابن آدم الأول كفل من دمها" لأنه أول من سن القتل، ثم أكدوا شدة العذاب بقولهم: {من النار*}. ولما كان كأنه قيل: لقد قالوا ما له وجه، فبم أجيبوا؟ قيل: {قال} أي جواباً لهم {لكل} أي من السابق واللاحق والمتبوع والتابع {ضعف} وإن لم يكن الضعفاء متساويين لأن المتبوع وإن كان سبباً لضلال التابع فالتابع أيضاً كان سبباً لتمادي المتبوع في ضلاله وشدة شكيمته فيه بتقويته بالاتباع وتأييده بالمناضله عنه والدفاع؛ ولما كانوا جاهلين باستحقاقهم الضعف لسبب هذه الدقيقة قال: {ولكن لا تعلمون*} أي بذلك. ولما ذكر ملام الآخرين على الأولين، عطف عليه جواب الأولين فقال: {وقالت أولاهم} أي أولى الفرق والأمم {لأخراهم} مسببين عن تأسيسهم لهم الضلال ودعائهم إليه {فما كان لكم علينا} أي بسبب انقيادكم لنا واتباعكم في الضلال {من فضل} أي لنحمل عنكم بسببه شيئاً من العذاب لأنه لم يعد علينا من ضلالكم نفع وقد شاركتمونا في الكفر {فذوقوا} أي بسبب ذلك {العذاب} في سجين {بما} اي بسبب ما {كنتم تكسبون*} لا بسبب اتباعكم لنا في الكفر.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله {قد خلت} قال: قد مضت {كلما دخلت أمة لعنت أختها} قال: كلما دخلت أهل ملة لعنوا أصحابهم على ذلك الدين، يلعن المشركون المشركين، واليهود اليهود، والنصارى النصارى، والصابئون الصابئين، والمجوس المجوس، تلعن الآخرة الأولى {حتى إذا ادَّاركوا فيها جميعاً قالت أخراهم} الذين كانوا في آخر الزمان {لأولاهم} الذين شرعوا لهم ذلك الدين {ربنا هؤلاء أضلونا... قال لكل ضعف} للأولى والآخرة {وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل} وقد ضللتم كما ضللنا . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله {عذاباً ضعفاً} قال: مضاعفاً {قال لكل ضعف} قال: مضاعف وفي قوله {فما كان لكم علينا من فضل} قال: تخفيف من العذاب . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي مجلز في قوله {وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل} يقول: بيَّن لكم ما صنع بنا من العذاب حين عصينا، وحذرتم فما فضلكم علينا . وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال: قال الحسن: الجن لا يموتون. فقلت له: ألم يقل الله {في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإِنس} وإنما يكون ما خلا ما قد ذهب. والله تعالى أعلم .

ابو السعود

تفسير : {قَالَ} أي الله عز وجل يوم القيامة بالذات أو بواسطة الملك {ٱدْخُلُواْ فِى أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم} أي كائنين من جملة أممٍ مصاحبـين لهم {مّنَ ٱلْجِنّ وَٱلإِنْسِ} يعني كفارَ الأمم الماضيةِ من النوعين {فِى ٱلنَّارِ} متعلقٌ بقوله: {أَدْخِلُواْ} {كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ} من الأمم السابقةِ واللاحقةِ فيها {لَّعَنَتْ أُخْتَهَا} التي ضللت بالاقتداء بها {حَتَّى إِذَا ٱدَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعًا} أي تداركوا وتلاحقوا في النار {قَالَتْ أُخْرَاهُمْ} دخولاً أو منزلةً وهو الأتباعُ {لأُِولَـٰهُمْ} أي لأجلهم إذِ الخطابُ مع الله تعالى لا معهم {رَبَّنَا هَـؤُلاء أَضَلُّونَا} سنّوا لنا الضلالَ فاقتدَيْنا بهم {فَآتِهِم عَذَاباً ضِعْفاً} أي مضاعفاً {مِنَ ٱلنَّارِ} لأنهم ضلّوا وأضلوا {قَالَ لِكُلّ ضِعْفٌ} أما القادةُ فلِما ذُكر من الضلال والإضلالِ، وأما الأتباعُ فلكفرهم وتقليدِهم {وَلَـٰكِن لاَّ تَعْلَمُونَ} أي مالَكم وما لِكُلّ فريقٍ من العذاب وقرىء بالياء {وَقَالَتْ أُولَـٰهُمْ} أي مخاطِبـين {لأُخْرَاهُمْ} حين سمعوا جوابَ الله تعالى لهم {فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ} أي فقد ثبت أن لا فضلَ لكم علينا وإنا وإياكم متساوون في الضلال واستحقاقِ العذاب {فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ} أي العذابَ المعهودَ المضاعفَ {بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ} من قول القادة. {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِنَا} مع وضوحها {وَٱسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا} أي عن الإيمان بها والعملِ بمقتضاها {لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوٰبُ ٱلسَّمَاء} أي لا تُقبل أدعيتُهم ولا أعمالُهم أو لا تعْرُج إليها أرواحُهم كما هو شأنُ أدعيةِ المؤمنين وأعمالِهم وأرواحِهم والتاء في (تُفتّح) لتأنيث الأبواب على أن الفعلَ للآيات، وبالياء على أنه لله تعالى {وَلاَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ فِى سَمّ ٱلْخِيَاطِ} أي حتى يدخُلَ ما هو مثلُه في عِظَم الجِرْم فيما هو عَلمٌ في ضيق المسلَك وهو ثُقبةُ الإبرة، وفي كون الجملِ مما ليس من شأنه الولوجُ في سمِّ الإبرة مبالغةٌ في الاستبعاد. وقرىء الجُمّل كالقمّل والجُمَل كالنُغَر والجُمل كالقُفل والجَمَل كالنصَب والجَمْل كالحبل وهي الحبلُ الغليظ من القنب وقيل: حبلُ السفينة، وسُمّ بالضم والكسر وقرىء في سَمّ المَخيط وهو الخِياط أي ما يُخاط به كالحِزام والمحزم {وَكَذٰلِكَ} أي ومثلَ ذلك الجزاءِ الفظيع {نَجْزِي ٱلْمُجْرِمِينَ} أي جنسَ المجرمين وهم داخلون في زُمرتهم دخولاً أولياً.

القشيري

تفسير : آثار إعراض الحق عنهم أورثَتْ لهم وحشةَ الوقت؛ تبرَّم بعضُهم ببعض، وضاق كلُّ واحدٍ منهم عن كل شيء حتى عن نفسه، فدعا بعضهم على بعض، وتبرَّأ بعضهم من بعض، وكذلك صفة المطرودين.

اسماعيل حقي

تفسير : {قال} الله تعالى لهم يوم القيامة او احد الملائكة {ادخلوا فى امم} اى كائنين فى جملة امم مصاحبين لهم {قد خلت} اى مضت {من قبلكم من الجن والانس} يعنى كفار الامم الماضية من النوعين {فى النار} متعلق بقوله ادخلوا وانما قدم الجن على الانس لتقدمهم عليهم فى الخلقة وذلك ان الله تعالى لما خلق الجن فمنهم مؤمن ومنهم كافر فلما استولى اهل الكفر منهم على اهل الايمان حتى استأصلوهم بعث الله اليهم جندا من الملائكة كان رئيسهم ابليس فسلطهم الله عليهم حتى اهلكوا جميعهم ثم خلق الله آدم بعدهم فخلق منه ذريته فمنهم كافر كقابيل ومنهم مؤمن كهابيل اذ كان فى كل زمان منهم امة كافرة مستحقة لدخول النار وامة مؤمنة مستحقة لدخول الجنة حتى الآن الى انقراض العالم كما قال عليه السلام "حديث : لا تقوم الساعة وفى الارض من يقول الله الله ". تفسير : {كلما دخلت امة} من الامم السابقة واللاحقة اى فى النار {لعنت اختها} التى ضلت بالاقتداء بها فلعنت المشركون المشركين واليهود اليهود والنصارى النصارى والمجوس المجوس وعلى هذا القياس ويلعن الاتباع القادة يقولون لعنكم الله انتم غررتمونا فالمراد الاخت فى الدين والملة ولم يقل اخاها لانه اراد الامة والجماعة {حتى اذا اداركوا فيها جميعا} غاية لما قبلها. والمعنى انهم يدخلونها فوجا فوجا لاعنا بعضهم بعضا الى انتهاء تداركهم وتلاحقهم فى النار واجتماعهم فيها واصل اداركوا تداركوا ادغمت التاء فى الدال فاجتلبت همزة الوصل {قالت اخرٰهم} اى دخولا وهم الاتباع واخرى ههنا بمعنى آخرة مؤنث آخر مقابل اول لا مؤنث آخر بمعنى غير كقوله تعالى {أية : وزر أخرى} تفسير : [الأنعام: 164]. {لأولٰهم} اى لاجل اولاهم اذا الخطاب مع الله تعالى {ربنا هؤلاء اضلونا} اى سنوا لنا الضلال عن الهدى بالقاء الشبهة علينا فاقتدينا بهم {فآتهم عذابا ضعفا} اى مضاعفا {من النار} لانهم ضلوا واضلوا {قال} الله {لكل} من الاولين والآخرين {ضعف} اما القادة فبكفرهم وتضليلهم واما الاتباع فبكفرهم وتقليدهم فليس المراد تضعيف ما يستحق كل واحد من العذاب لانه ظلم بل تضعيفه عذاب الضلال بان يضم اليه عذاب الاضلال والتقليد {ولكن لا تعلمون} ما لكم وما لكل فريق من العذاب.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {قال} الله تعالى أي: يوم القيامة للكفارٍ، بواسطة ملك، أو بغيرها: {ادخلوا في} جملة {أممٍ} كاانوا من قبلكم؛ {من الجن والإنس} متفقين معكم في الكفر والضلال، فادخلوا مصاحبين معهم {في النار}. قال تعالى، مخبرًا عن حالهم: {كلما دخلت أمةٌ} منهم في النار {لعنت أختها} التي ضلت بالاقتداء بها، {حتى إذا أدَّاركوا} أي: تداركوا وتلاحقوا، {فيها جميعًا قالت أُخراهم}؛ دخولاً أو منزلة، وهم الأتباع السفلة، {لأُولاهم} وهم المتبوعون الرؤساء ـ أي: قالت لأجلهم؛ لأن الخطاب مع الله لا معهم، قالوا: {ربنا هؤلاء} الرؤساء {أضلونا}؛ حيث سنُّوا لنا الضلال فاقتدينا بهم، {فآتِهم عذابًا ضِعفًا} أي: مضاعفًا {من النار}؛ لأنهم ضلوا وأضلوا. {قال} تعالى: {لكلٍّ} واحد منكم {ضِعفٌ} أي: عذابًا مضعفًا، أما القادة؛ فلكفرهم وتضليلهم، وأما الأتباع؛ فلكفرهم وتقليدهم، {ولكن لا تعلمون} ما لكم، أو ما لكل فريق منكم. {وقالت أُولاهم لأُخراهم} أي: المتبوعون للأتباع: {فما كان لكم علينا من فضل} في الإيمان والتقوى تُوجب أن يكون عذابنا أشد من عذابكم، حتى يتضاعف علينا العذاب دونكم؛ فإنا وإياكم متساوون في الضلال واستحقاق العذاب، {فذوقوا} أي: باشروا {العذاب بما كنتم تكسبون}؛ هو من قول القادة، أو من قول الله ـ تعالى ـ لجميعهم. الإشارة: إذا قامت القيامة تحققت الحقائق، وتميزت الطرائق، للخاص والعام، فيرتفع المقربون في أعلى عليين، ويبقى أهل اليمين في أسفل منازل أهل الجنة مع عوام المسلمين، فيتعلق عوامهم بخواصهم، فيقولون لهم: أنتم رددتمونا عن صحبة هؤلاء، وأنتم خذلتمونا عنهم، ثم يقولون: ربنا هؤلاء أضلونا عن صحبة هؤلاء المقربين، فآتهم حجابًا ضعفًا مما لنا، قال: لكل ضِعف من الحجاب، هم بتضليلهم لكم عن صحبتهم، وأنتم بتقليدكم لهم، ولكن لا تعلمون ما أعددت للمقربين حين صبروا على جفاكم، وتحملوا مشاق طاعتي ومعرفتي؛ لأن كل آية في الكفر تجر ذيلها على أهل الغفلة من المؤمنين. والله تعالى أعلم. ثم حرّم على الكفار دخول الجنة، فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَٱسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا}.

الطوسي

تفسير : هذا حكاية عن قول الله تعالى للكفار يوم القيامة وأمره لهم بالدخول في جملة الأمم الذين تبعوا من قبلهم من جملة الجن والانس وهم في النار. ويجوز أن يكون ذلك إِخباراً عن جعله إِياهم في جملة اولئك في النار، من غير أن يكون هناك قول، كما قال {أية : كونوا قردة خاسئين}تفسير : والمراد أنه جعلهم كذلك. ومعنى الخلو انتفاء الشىء عن مكانه فكل ما انتفى من مكانه، فقد خلا منه، وكذلك {خلت} بمعنى مضت، لانها إِذا مضت بالهلاك، فقد خلا مكانها منها. والجن جنس من الحيوان مستترون عن أعين البشر لرقتهم، يغلب عليهم التمرد في أفعالهم، لأن الملك أيضاً مستتر لكن غلب عليه أفعال الخير. وعند قوم: أنهم أجمع رسل الله. والانس جنس من الحيوان يتميز بالصورة الانسانية. وقوله {كلما دخلت أمة لعنت أختها} يعني في دينها لا في نسبها، فأما قوله {أية : وإلى مدين أخاهم شعبياً}تفسير : يعني أنه منهم في النسب. وقوله {حتى إذا اداركوا فيها جميعاً} فوزن اداركوا (تفاعلوا) فأدغمت التاء في الدال واجتلبت ألف الوصل ليمكن النطق بالساكن الذي بعده، ومعناه تلاحقوا. وقوله {قالت أخراهم لأولاهم} يعني الفرقة المتأخرة التابعة تقول للامة المتقدمة المتبوعة، وتشير اليها {هؤلاء أضلونا} عن طريق الحق وأغوونا {فآتهم عذاباً ضعفاً من النار} دعاء منهم عليهم أن يجعل عذابهم ضعفاً، فقال الله تعالى {لكل ضعف ولكن لا تعلمون} والضعف المثل الزائد على مثله، فاذا قال القائل: اضعف هذا الدرهم معناه أجعل معه درهماً آخر، لا ديناراً، وكذلك اضعف الاثنين أي اجعلهما أربعة. وحكي أن المضعف في كلام العرب ما كان ضعفين، والمضاعف ما كان أكثر من ذلك. وروي عن عبد الله بن مسعود أن الضعف أفاعي وحيات. واستعمل الضعف بمعنى المثل، ومنه قوله {أية : يضاعف لها العذاب ضعفين}تفسير : يعني مثلين. وقرأ أبو بكر عن عاصم {ولكن لا يعلمون} بالياء. الباقون بالتاء. ومن قرأ بالتاء، فتقديره لا تعلمون أيها المخاطبون ما لكل فريق منهم. ومن قرأ بالياء تقديره لكن لا يعلم كل فريق ما على الآخر من العقاب.

الجنابذي

تفسير : {قَالَ} الله {ٱدْخُلُواْ} بعد عودهم عن الوحدة الى مقرّ الكثرة حال كونكم {فِيۤ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ مِّن ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ} الّذين كانوا من سنخكم داعين لمن لم يؤذنوا فى دعوتهم {فِي ٱلنَّارِ} ظرف الدّخول، ويحتمل ان يكون فى امم ظرف الدّخول وفى النّار بدلاً منه بدل الاشتمال، او حالاً من سابقه {كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا} امّا المتألّفون والمتحابّون منهم فلظهور انّ مجالسة بعضهم ومؤانسته ومحادثته منعتهم من الايمان بخلفاء الله واتّباع اوليائه، وامّا الاجانب وغير المعروفين فلاستحقاقهم اللّعن مثلهم وهذا بعينه ديدن اهل الدّنيا فانّهم وقت الدعة والرّاحة احبّاء، ووقت الشّدّة والبلاء اعداء، ويلعن بعضهم بعضاً خصوصاً النّسوان ومن كان على طباعهنّ من الرّجال، والجملة امّا حال من فاعل ادخلوا او من امم او من فاعل خلت او الجنّ والانس او من النّار والكلّ بتقدير العائد او معترضة ذمّاً للامم {حَتَّىٰ إِذَا ٱدَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعاً} يعنى لحق التّابعون للمتبوعين فى الدّرك الاسفل {قَالَتْ أُخْرَاهُمْ} التّابعون الّلاحقون {لأُولاَهُمْ} المتبوعين يعنى فى حقّهم {رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ ٱلنَّارِ} لضلالهم واضلالهم {قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ} باعتبار قوّتى العّلامة والعمّالة او باعتبار تجسّم العمل فى النّفس واستتباعه لمثله فى الجحيم او باعتبار الضّلالة واهمال التميّز، او باعتبار صفحتى كلّ من العّلامة والعمّالة {وَلَـٰكِن لاَّ تَعْلَمُونَ} انّ لكلٍّ ضعفاً لخفائه وخفاء سببه عليكم.

الهواري

تفسير : {قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ} أي مع أمم {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّنَ الجِنِّ وَالإِنسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا} كقوله: (أية : ثُمَّ يَوْمَ القِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضاً) تفسير : [العنكبوت:25]. قوله يكفر بعضكم، أي بولاية بعض. {حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعاً} أي إذا صاروا فيها جميعاً {قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاَءِ أَضَلُّونَا} كل أمة تقوله أخراها لأولاها. {فَئَاتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِن لاَّ تَعْلَمُونَ}. ذكروا أن مجاهداً قال: لكل ضعف مضاعف لأُولاَهُم ولأُخراهُم. [وقوله: ولكن لا تعلمون أي أيها المخاطبون ما لكل فريق منكم]. قوله: {وَقَالَتُ أُولاَهُمْ لأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ} أي في تخفيف العذاب قال الله: {فَذُوقُوا العَذَابَ} أي: جميعاً {بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ} أي تعملون. قوله: {إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ} أي: لأعمالهم ولأرواحهم إذا ماتوا. [ذكر بعضهم قال] إن المؤمن إذا مات صعد بروحه ملائكة، فإذا بلغوا السماء الدنيا شيعتهم منها ملائكة إلى السماء الثانية، وكذلك كل سماء حتى ينتهي به [إلى الله، فيؤمر بالسجود فتسجد الملائكة قبله، ثم يسجد]، ويقوم الملائكة المقربون فيصلون عليه كما تصلون أنتم على موتاكم وأنتم ها هنا. ثم يقول: ردوه فإني قضيت أني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى. وأما الكافر فينتهي بروحه إلى السماء الدنيا فيقال: ردوه إلى برهوت أسفل الثرى من الأرض السفلى. قوله: {وَلاَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الجَمَلُ فِي سَمِّ الخِيَاطِ} وهي تقرأ على وجه آخر: حتى يلج الجُمَّل في سمّ الخياط. ذكروا عن الحسن قال: هو الذي يقوم في المربد على أربع. ذكروا عن ابن مسعود أنه قال: هو الجمل زوج الناقة. وقال مجاهد: هو حبل السفينة. وقوله: في سم الخياط، أي: حتى يلج الجمل، في القراءتين جميعاً، في سم الخياط، أي في ثقب الإِبرة، ولا يدخل في ثقب الإِبرة أبداً. قال: {وَكذَلَكَ نَجْزِي المُجْرِمِينَ} أي المشركين والمنافقين جميعاً، وهو جرم فوق جرم، وجرم دون جرم.

اطفيش

تفسير : {قالَ} الله أى يقول يوم القيامة بلسان ملك، أو بخلق كلام، وعبر بالماضى لأنه لا بد من مجىء القيامة، فكأنها حاضرة، وكأن القول واقع، ومن كان له عدو مسجون وأراد طول سجنه، فليكتب: {قال} إلى {ولكن لا تعلمون} فى جلد أحمر مدبوغ، ويكتب اسمه واسم أمه، ويكتب: مكثاً مكثاً يا فلان بن فلانة لبثاً يا فلان بن فلانة، تثبيطاً مكثاً بلا زوال، ويدفن الجلد تحت باب الموضع المسجون فيه فلا يزال فيه إن شاء الله حتى ينزع منه، ولا يقبل ذلك إلا لمن يجوز عليه. {ادْخُلوا فى أممٍ} قال ابن هشام: فى بمعنى مع، وقيل هى على بابها، وتتعلق بمحذوف حال أى ثابتين مع أمم أو فى جملة أمم {قَدْ خَلَت} نعت لأمم أى مضت {مِنْ قَبْلكم} وتقدم زمانهم زمانكم {من الجنِّ والإنْس} نعت ثان، أو حال من أمم أو من ضمير فى خلت {فى النَّار} متعلق بادخلوا، وأجيز تعليقه بخلت، على أن المعنى سبقت فى النار، وعلى هذا تكون فى الأولى على بابها، أو بمعنى على، وتعلق بادخلوا، وكذا إذا علق فى النار بمحذوف نعت لأمم أو حال منه، أو من ضميره، وقدم ذكر الجن لأنهم أعرق فى الكفر، وإبليس أصل الكفر والإضلال، ولتجردهم إلى الإضلال، بخلاف الآدمى المتشيطن، فإنه ولو كان أعظم من سبعين شيطانا جنيا، لكنه غير متجرد للإضلال، وإن تجرد فقليل. وهذه الآية كنص فى أن للجن المؤمنين ثوابا فى الآخرة، لأنه يعذب على السيئات إلا من يثاب على الحسنات، وهم مكلفون مبعوث إليهم، والملائكة يثابون بغير نعم الجنة، وذكر بعض: أن مؤمنى الجن يكون ترابا، وذكر حديثا مجهولا فى ذلك تبعد صحته، وبعض أنهم فى صحارى الجنة، ولا بعد فى هذا الأخير، ولو كان القياس يقتضى أن يكونوا كبنى آدم. {كلَّما} كل ظرف زمان متعلق بلعنت، وإنما كان ظرف لإضافته إلى مصدر نائب عن اسم الزمان، فإن ما مصدرية {دَخَلت} فى تأويل مصدر مضاف إليه، أى كل دخول أى كل زمان دخول كما تقول: زيد يأتى المسجد كل صلاة عصر، أى كل وقت صلاة عصر، وقيل: ما ظرفية مصدرية، ومعمول دخلت محذوف، أى فى النار. {أمةٌ لَعَنتْ أختها} فى الدين لإضلالها إياها، فالمشركون يلعنون المشركين، والمجوس يلعنون المجوس، والصابئون يلعنون الصابئين، والنصارى يلعنون النصارى، واليهود يلعنون اليهود {حتَّى إذا ادَّاركُوا} ألحق بعضهم بعضاً {فيها جميعاً} الأصل تداركوا بوزن تفاعلوا، أبدلت التاء دالا وسكنت وأدغمت فجىء بهمزة الوصل، وقد قرأ ابن مسعود رضى الله عنه: تداركوا على الأصل، وهو رواية عن أبى عمرو، روى عنه إداركوا بقطع همزة الوصل وثبات ألف ذا، ولا وجه له، غير أنه وقف وقفة المتذكر، ثم ابتدأ فقطع، فإن قطع همزة الوصل فى الوصل مختص بالضرورة، ويكون فى الفعل كما يكون فى الاسم خلافا لابن جنى، وقرأ مجاهد فيما قال مكى ادركوا بإسقاط الألف بعد الدال بوزن افتعلوا، الأصل ادتركوا، أبدلت التاء دالا وأدغمت فيها الدال، والمشهور عند ادركوا بفتح الهمزة وإسكان الدال، أى إدرك بعضهم بعضا، ودخلوا فى دركاتها، وقرأ حميد ادكروا بضم بضم الهمزة وإسكان الدال وكسر الراء، أى أدخلوا فى دركاتها، أو ادرك بعضهم بعضا. {قَالتْ أخْراهم} أى آخرتهم دخولا {لأولاهُم} بضم الهمزة وإشباعها بالواو، فإنه بوزن الأخرى والفضلى والكبرى والصغرى ونحو ذلك، من مؤنثة أسماء التفضيل، والمعنى لمسابقتهم دخولا، ويجوز أن يكون المعنى أخراهم منزلة وهم الأتباع، وأولاهم منزلة وهم الرؤساء المتبوعون والماصدق واحد، فإن الرؤساء هم الأولون دخولا، والأتباع هم لآخرون دخولا. وقال ابن عباس: قال آخر كل ملة لأولادها، واللام بمعنى فى أى فى شأن أولاهم، أو عن أو للسببية، إنما لم يتق على أصلها، لأنهم قالوا ما قالوا الله لا لأولاهم، اللهم إلا أن تجعل مواجهتهم به قولا لهم ولو لم يخاطبوهم، فافهم. {ربَّنا هؤلاءِ} الرؤساء {أضلُّونا} عن الهدى بتزيين الكفر لنا، ودعائهم إيانا إليه، أو هؤلاء المتقدمون أضلونا بأن سنوا لنا الضلال فاقتدينا بهم {فآتِهِم عذاباً ضِعْفاً} مضاعفاً {مِنَ النَّارِ} لأنهم ضلوا وأضلوا. {قالَ} يقول الله {لكلٍّ} منكم أيها الأتباع ومن الرؤساء أو المتقدمين {ضِعْفٌ} لأن الرؤساء أو المتقدمين ضالون مضلون، والأتباع ضالون مقلدون، أو لأن الأتباع ضالون مضلون أيضا، فلكل منهم ضعف، لكن مضعف من ضل وأضل وأكثر من ضعف، من ضل ولم يضل، قال أبو عبيدة: الضعف مثل الشىء ومرة واحدة، قال الزجاج: ويستعمل أيضا بمعنى مرات ثلاث أو أكثر إلى ما لا نهاية له، وعن بعضهم أن كون الضعف بمعنى مثل الشىء مرة واحدة بحيث لا يستعمل فى أكثر هو غير عربى، وأن الضعف فى العربية زيادة مثل أو مثلين أو مثال، وعن ابن مسعود: الضعف هنا الأفاعى والحيَّات {ولكِن لا تعْلَمونَ} وهذا الجواب رد لإرادة الأتباع اختصاص المتبوعين بالضعف لا إسعاف لهم، ولو صح أن للمتبوع وزرين، لكن ثبت للتابع وزران أيضا لما علمت، وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أن من سن معصية فعليه وزره ووزر من تبعه فيها بدون ان ينقص من وزره شىء "تفسير : والخطاب للأتباع والمتبوعين تغليبا للأتباع المخاطبين، أو الخطاب للأتباع، أى لا تعلمون ما لكم وما لمن تبعتم. وأجاز بعضهم كون الخطاب للنبى وأمته، وقرأ أبو بكر: لا يعلمون بالياء المثناة التحتية، فيكون كلاما من الله، أخبر به النبى صلى الله عليه وسلم فى أمر الأتباع، أى لا يعلم الأتباع، وفى أمرهم وأمر المتبوعين، أى لا يعلم الأتباع والمتبوعون، وروى حفص عن عاصم، عن أبى بكر تعلمون بالفوقية.

اطفيش

تفسير : {قَالَ} الله أَو واحد من الملائكة يوم البعث للذين افتروا على الله وجعلوا له شركاءَ {ادْخُلُوا فِى أُمَمٍ} أَى حال كونكم فى جملة أمم، أَو مع أمم متعلق بثابتين، والأُمم الجماعات أَو الملل، والحال مقارنة فى استحقاق الدخول وإِن اعتبرت نفس الدخول فمقدرة لأَنهم لا يكونون فيهم أَو معهم حتى يتم الدخول {قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ والإِنْسِ فِى النَّارِ} فتعلق بادخلوا أَو بدل اشتمال من أمم، والرابط أَل أَى فى نارها أَو محذوف أَى فى النار لها {كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ} فى النار، أَى كل دخول أمة أَى كل وقت دخول أمة متعلق بقوله {لَعَنَتْ أُخْتَهَا} لأَنها أَضلتها، والمراد أخوتها فى الملة الباطلة أَو فى مطلق الضلال، ولو اختلفت الملل {حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا} تداركوا، أبدلت التاء دالا وادغمت فى الدال فجئ بهمزة الوصل للسكون أَى تلاحقوا، حتى ابتدائية ولا تخلوا عن غاية، وإِذا بعدها غير مجرورة وقيل مجرورة، وقال بعض لا تدل على الغاية وهو باطل {فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهمْ} أَى الأتباع المتأخرون دخولاً أَو منزلة أَو زماناً لأَن الأَول يشرع الضلال ولو لمن لم يلحق زمانه بعده {لأولاَهُمْ} أَى المتقدمون دخولا أَو منزلة أَو زمانا، والرؤساء المتبعون يدخلونها قبل، واللفظان صيغة تفضيل خارجة عن معناه، واللام بمعنى فى، أَى فى شأن أولاهم، وليست للتبليغ لأَن كلامهم مع الله كما قال {رَبَّنَا} يا ربنا {هَؤُلاَءِ} المتقدمون {أَضَلُّونَا} عن دينك بتزيين الضلال لنا {فَآتِهِمْ} لأَنهم السبب {عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ} أَمثالاً كثيرة منه زائدة على ما لنا من العذاب، كقوله {أية : فأُوْلٰئِك لهم جزاءُ الضعف}تفسير : [سبأ: 37] فإِن المراد أَمثال الحسنة الواحدة عشرة فصاعدا إِلى سبعمائة وأَكثر، ولا يختص فى العربية الضعف بالواحد كما هو المتعارف فيه الضعف فى العرف مثل الشئ مرة واحدة، وفى العربية المثل إِلى ما زاد بلا حصر مضعفاً الواحد واحد ومثلاه، وقيل كالزوج كل يزاوج الآخر فيقتضى اثنين لأَن كل واحد منهما يضاعف الآخر فلا يخرجان منهما {قَالَ} الله عز وجل {لِكُلٍّ} منكم ومنهم {ضِعْفٌ} يعلمه الله، المتبوعون لكفرهم وتضليلهم والتابعون لكفرهم وتقليدهم، ولو كان كثرة الضعف لهم زيادةً على كثرة التضعيف لمقلديهم، وأَيضاً الضالون يزيدون المضلين غواية لامتناعهم إِياهم، ولأَن فاعل المعصية يجتزئ به غيره عليها، وهذا مطرد دون الذى قبله، ولهم الضعف للكفر والتقليد {وَلَكِن لاَّ تَعْلَمُونَ} ما أعد لكم ولهم، أَو الخطاب للطائفتين، والأَول أَولى لأَن الكلام منهم إِلى الله لا لحضور الآخرين معهم.

الالوسي

تفسير : {قَالَ } أي الله عز وجل لأولئك الكاذبين المكذبين يوم القيامة بالذات أو بواسطة الملك {ٱدْخُلُواْ فِى أُمَمٍ } أي مع أمم، والجار والمجرور في موضع الحال أي مصاحبين لامم {قَدْ خَلَتْ } أي مضت {مِن قَبْلِكُم مّن ٱلْجِنّ وَٱلإِنْسِ } يعني كفار الأمم من النوعين، وقدم الجن لمزيد شرهم {فِى ٱلنَّارِ } متعلق بأدخلوا، وجوز أن يتعلق {فِى أُمَمٍ } به ويحمل {فِى ٱلنَّارِ } على البدلية أو على أنه صفة {أُمَمٌ }؛ وجوز بعض المفسرين أن يكون هذا إخباراً عن جعله سبحانه إياهم في جملة أولئك من غير أن يكون هناك قول مطلقاً أي إنه تعالى جعلهم كذلك وهو خلاف الظاهر كما لا يخفى {كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ } من الأمم تابعة أو متبوعة في النار {لَّعَنَتْ أُخْتَهَا } أي دعت على نظيرها في الدين فتلعن التابعة المتبوعة التي أضلتها وتلعن المتبوعة التابعة التي زادت في ضلالها، وعن أبـي مسلم يلعن الأتباع القادة يقولون أنتم أوردتمونا هذه الموارد فلعنكم الله تعالى. {حَتَّى إِذَا ٱدَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعًا } غاية لما قبله أي يدخلون فوجاً فوجاً لاعنا بعضهم بعضاً إلى انتهاء تلاحقهم باجتماعهم في النار. وأصل {ٱدَّارَكُواْ } تداركوا فادغمت التاء في الدال بعد قلبها دالاً وتسكينها ثم اجتلبت همزة الوصل. وعن أبـي عمرو أنه قرأ: {أدَّارَكُواْ } بقطع ألف الوصل وهو ـ كما قيل ـ مبني على أنه وقف مثل وقفة المستذكر ثم ابتدأ فقطع وإلا فلا مساغ لذلك في كلام الله تعالى الجليل، وقرأ {إِذَا ٱدَّارَكُواْ} بألف واحدة ساكنة ودال بعدها مشددة وفيه جمع بين ساكنين وجاز لما كان الثاني مدغماً ولا فرق بين المتصل والمنفصل {قَالَتْ أُخْرَاهُمْ } منزلة وهم الأتباع والسفلة {لأُولَـٰهُمْ } منزلة وهم القادة والرؤساء أو قالت أخراهم دخولاً لأولاهم كذلك، وتقدم أحد الفريقين على الآخر في الدخول مروي عن مقاتل، واللام في {لأُولَـٰهُمْ } للتعليل لا للتبليغ كما في قولك: قلت لزيد افعل كذا لأن خطابهم مع الله تعالى لا معهم كما يدل عليه قوله تعالى حكاية عنهم: {رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ أَضَلُّونَا} أي دعونا إلى الضلال وأمرونا به حيث سنوه فاقتدينا بهم {فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً} أي مضاعفا كما روي عن مجاهد {مِّنَ ٱلنَّارِ}. والضعف ـ على ما قال أبو عبيد ونص عليه الشافعي في الوصايا ـ مثل الشيء مرة واحدة، وعن الأزهري أن هذا معنى عرفي والضعف في كلام العرب وإليه يرد كلام الله تعالى المثل إلى ما زاد ولا يقتصر على مثلين بل هو غير محصور واختاره هنا غير واحد. وقال الراغب: «الضعف بالفتح مصدر وبالكسر اسم كالشَّيء والشِّيء وضعف الشيء هو الذي يثنيه ومتى أضيف إلى عدد اقتضى ذلك العدد [و] مثله نحو أن يقال ضعف عشرة وضعف مائة فذلك عشرون ومائتان بلا خلاف؛ وعلى ذلك قول الشاعر: شعر : جزيتك ضعف الود لما اشتكيته وما إن جزاك الضعف من أحد قبلى تفسير : وإذا قيل: أعطه ضِعْفَيْ واحد اقتضى ذلك الواحد ومثليه وذلك ثلاثة لأن معناه الواحد واللذان يزاوجانه، [وذلك ثلاثة] هذا إذا كان الضعف مضافاً فإذا لم يكن مضافاً فقلتَ: الضعفين فقد قيل: يجري مجرى الزوجين في أن كل واحد منهما يزاوج الآخر فيقتضي ذلك اثنين لأن كل واحد منهما يضاعف الآخر فلا يخرجان «منهما»» اهـ. / ونصب {ضِعفاً } على أنه صفة لعذاب، وجوز أن يكون بدلاً منه و {مِنَ ٱلنَّارِ } صفة العذاب أو الضعف. {قَالَ } سبحانه وتعالى: {لِكُلّ } منكم ومنهم عذاب {ضعفٌ } من النار، أما القادة فلضلالهم وإضلالهم وذلك سبب الدعاء السابق، وأما الأتباع فلذلك أيضاً عند بعض، وكونهم ضالين ظاهر وأما كونهم مضلين فلان اتخاذهم إياهم رؤساء يصدرون عن أمرهم يزيد في طغيانهم كما قال سبحانه وتعالى: { أية : وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مّنَ ٱلإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مّنَ ٱلْجِنّ فَزَادوهُمْ رَهَقاً } تفسير : [الجن: 6]، واعترض بعدم اطراده فإن اتباع كثير من الأتباع غير معلوم للقادة إلا أن يقال: إنه مخصوص ببعضهم؛ وقيل: الأحسن أن يقال: إن ضعف الأتباع لإعراضهم عن الحق الواضح وتولي الرؤساء لينالوا عرض الدنيا اتباعاً للهوى، ويدل عليه قوله تعالى: { أية : وقَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ لِلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ أَنَحْنُ صَدَدنَـٰكُمْ عَنِ ٱلْهُدَىٰ بَعْدَ إِذْ جَاءكُمْ بَلْ كُنتُمْ مُّجْرِمِينَ } تفسير : [سبأ: 32] وفيه ما فيه. والأولى أن يقال: إن ذلك في الأتباع لكفرهم وتقليدهم ولا شك أن التقليد في الهدى ضلال يستحق فاعله العذاب، ونقل الراغب عن بعضهم في الآية أن المعنى «لكل منكم ومنهم ضعف ما يرى الآخر فإن من العذاب ظاهراً وباطناً وكل يدرك من الآخر الظاهر دون الباطن فيقدر أن ليس له العذاب الباطن»، واختار أن المعنى «لكل منهم ضعف ما لكم من العذاب» والظاهر ما عولنا عليه. {وَلَـٰكِن لاَّ تَعْلَمُونَ } ما لكم أو ما لكل فريق فلذا تكلمتم بما يشعر باعتقادكم استحقاق الرؤساء الضعف دونكم فالخطاب على التقديرين للأتباع كما هو الظاهر. وقيل: إنه على الأول للأتباع، وعلى الثاني للفريقين بتغليب المخاطبين الذين هم الأتباع على الغيب الذين هم القادة. وقرأ عاصم {لاَّ يَعْلَمُونَ } بالياء التحتية على انفصال هذا الكلام عما قبله بأن يكون تذييلاً لم يقصد به إدراجه في الجواب، ومن ادعى أن الخطاب للفريقين على سبيل التغليب قال: إن هذه القراءة على انفصال القادة من الأتباع إذ عليها لا يمكن القول بالتغليب إذ لا يغلب الغائب على المخاطب.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا ٱدَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعاً قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ ٱلنَّارِ}. لم يبين هنا السبب الذي مكنهم من إضلالهم، ولكنه بين في موضع آخر: أن السبب الذي مكنهم من ذلك هو كونهم سادتهم وكبراءهم، ومعلوم أن الأتباع يطيعون السادة الكبراء فيما يأمرونهم به، وهو قوله تعالى: {أية : وَقَالُواْ رَبَّنَآ إِنَّآ أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا فَأَضَلُّونَا ٱلسَّبِيلاْ رَبَّنَآ آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ ٱلْعَذَابِ}تفسير : [الأحزاب: 67-68] الآية. وبسط ذلك في سورة "سبأ" بقوله: {أية : وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ ٱلْقَوْلَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ لَوْلاَ أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ لِلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُوۤاْ أَنَحْنُ صَدَدنَاكُمْ عَنِ ٱلْهُدَىٰ بَعْدَ إِذْ جَآءَكُمْ بَلْ كُنتُمْ مُّجْرِمِينَ وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ بَلْ مَكْرُ ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَآ أَن نَّكْفُرَ بِٱللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَاداً} تفسير : [سبأ: 31-33]. قوله تعالى: {فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ ٱلنَّارِ}. وبين تعالى في هذه الآية الكريمة، وأمثالها من الآيات: أن الأتباع يسألون الله يوم القيامة أن يضاعف العذاب للمتبوعين، وبين في مواضع أخر: أن مضاعفة العذاب للمتبوعين لا تنفع الأتباع، ولا تخفف عنهم من العذاب كقوله: {أية : وَلَن يَنفَعَكُمُ ٱلْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي ٱلْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ} تفسير : [الزخرف: 39]، وقوله هنا: {قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ} الآية، وقوله: {أية : وَقَالَتْ أُولاَهُمْ لأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ} تفسير : [الأعراف: 39]، وقوله: {أية : قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوۤاْ إِنَّا كُلٌّ فِيهَآ إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ ٱلْعِبَادِ} تفسير : [غافر: 48] إلى غير ذلك من الآيات.

د. أسعد حومد

تفسير : {أُخْرَاهُمْ} {لأُولاَهُمْ} {فَآتِهِمْ} (38) - فَيُقَالُ لِهؤلاءِ المُشْرِكِينَ المُفْتَرينَ الكَذِبَ عَلَى اللهِ: ادْخُلُوا مَعَ جَمَاعَاتٍ وَأُمَمٍ مِنْ أَمْثَالِكُمْ، وَعَلَى صِفَاتِكُمْ، قَدْ سَبَقَتْكُمْ فِي الكُفْرِ وَالتَّكْذِيبِ مِنَ الجِنِّ وَالإِنسِ. وَكُلَّمَا دَخَلَتْ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ فِي النَّارِ، لَعَنَتْ أُخْتَهَا فِي الدِّينِ وَالمِلَّةِ إِذْ هِيَ قَدْ ضَلَّتْ بِاتِّبَاعِهَا، وَالاقْتِدَاءِ بِهَا فِي الكُفْرِ وَالضَّلاَلَةِ، حَتَّى إِذَا اجْتَمَعُوا فِي النَّارِ جَمِيعاً (ادَّارَكُوا فِيهَا)، قَالَتْ آخِرُ كُلِّ أُمَّةٍ دَاخِلَةٍ إِلى النَّارِ (وَهُمُ الأَتْبَاعُ وَالسِّفْلَةُ) تَشْكُو أَهْلَ المَنْزِلَةِ وَالمَكَانَةِ مِنَ الكُبَرَاءِ المَتْبُوعِينَ، مِمَّنْ تَقَدَّمُوهُمْ فِي الدُّخُولِ إِلى نَارِ جَهَنَّمَ: إِنَّ هَؤُلاَءِ هُمُ الذِينَ أضَلُّونَا وَدَفَعُونا إِلَى الشِّرْكِ وَالضَّلاَلَةِ، فَأَضْعِفْ لَهُم العَذَابَ يَا رَبِّ، وَزِدْهُمْ فِيهِ. وَيَرُدُّ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ قَائِلاً: لَقَدْ فَعَلْنَا، وَجَعَلْنَا لِكُلٍّ مِنْهُمْ ضِعْفاً مِنَ العَذَابِ لإِضْلاَلهِ النَّاسَ، فَوْقَ العَذَابِ الذِي يَسْتَحِقُّهُ عَلَى ضَلاَلِهِ، وَلَكِنَّكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ مَا يُلاَقُونَهُ مِنَ العَذَابِ. ادَّارَكُوا فِيهَا - تَلاَحَقُوا فِي النَّارِ وَاجْتَمَعُوا فِيهَا. أُخْرَاهُمْ - فِي المَنْزِلَةِ وَهُمْ السِّفْلَةُ وَالأَتْبَاعُ (وَقَدْ يَكُونُونَ الآخِرينَ فِي الدُّخُولِ إِلى النَّارِ لأَِنَّ الكُبَرَاءَ يَكُونُونَ أَوَّلَ الدَّاخِلِينَ إِلَيْها). أُولاَهُمْ - مَنْزِلَةً وَهُمُ القَادَةُ - وَقَدْ يَكُونُونَ أَوَّلَ الدَّاخِلِينَ إِلَى النَّارِ. عَذَاباً ضِعْفاً - عَذَاباً مُضَاعَفاً وَمَزِيداً.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ويوضح لنا الحق أنه بأوامر "كن" سيدخلون كما دخلتها أمم قد خلت من قلبهم فليسوا بدعاً، وليدخلوا معهم إلى المصير الذي يذهبون إليه، وهم أمم خليط؛ لأن الكفر سوف يلتقي كله في الجزاء. إن الاقتداء بالأمم التي سبقت هو الذي قادهم إلى الكفر؛ فالأمم التي سبقت كانت أسوة في الضلال للأمة التي لحقت، فإذا ما دخلوا لعنوهم. وهب أن إنساناً دخل مرة السجن لجرم ارتكبه، وبعد ذلك دخل عليه من كان يغربه بالجرم. ومن كان يزين له، ومن اقتدى به. بالله ساعة يلتقيان في السجن ألا يلعن الأول الثاني؟ {...كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّىٰ إِذَا ٱدَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعاً قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ ٱلنَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَـٰكِن لاَّ تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 38] وبعد أن يلحق بعضهم بعضاً ويجتمعوا، يحدث بينهم هذا الحوار العجيب: {قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ ٱلنَّارِ...} [الأعراف: 38] فإن قلت الأخرى أي التي دخلت النار متأخرة كانت الأولى هي القدوة في الضلال وقد سبقتهم إلى النار، {قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ}، أي أن الأولى هم القادة الذين أضلوا، والطائفة الأخرى هم الأتباع الذين قلدوا. {قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ أَضَلُّونَا}. وهم يتوجهون بالكلام إلى ربنا: {رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ أَضَلُّونَا}. كيف يتأتى هذا؟. وكان المقياس أن يقول: قالت أخراهم لأولاهم أنتم أضللتمونا لكن جاء هذا القول، لأن الذين أضلوا غيرهم أهون من أن يخاطبوا؛ لأن الموقف كله في يد الله، وإذا ما قالوا لله المواجه للجميع: {هَـٰؤُلاۤءِ أَضَلُّونَا} فهؤلاء، هذه رشارة إليهم، فكأن القول موجه لله شهادة منهم إلى من كان وسيلة لإضلالهم وهم يقولون لربنا هذا حتى يأخذوا عذاب الضعف من النار مصداقاً لقوله الحق: {فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ ٱلنَّارِ...} [الأعراف: 38] فقال لهم جميعاً: {...لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَـٰكِن لاَّ تَعْلَمُونَ}. فلكل أمة منهم ضعف العذاب بما ضلت وأضلت. ونفهم أن الضّعْف معناه "شيء مساوٍ لمثله"، فأنتم أيها المقلدون غيركم قد أضللتم سواكم بالأسوة أيضاً؛ لأنكم كثرتم عددهم وقويتم شوكتهم وأغريتم الناس باتباعهم. ويكون لكم ضعف العذاب بحكم أنكم أضللتم أيضاً، وأنتم لا تعلمون أن من يحاسبكم دقيق في الحساب، ويعطي كل إنسان حقه تماماً. وماذا تقول أولاهم لأخرهم؟ يقول الحق سبحانه: {وَقَالَتْ أُولاَهُمْ لأُخْرَاهُمْ...}

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد / 23ظ / {لِكُلٍّ ضِعْفٌ} [الآية: 38]. يعني: مضاعفاً من العذاب. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {مَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ} [الآية: 39]. يعني: من تخفيف العذاب. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: حدثنا حماد بن زيد عن شعيب بن الحبحاب عن أبي العالية الرياحي في قوله: {حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ} [الآية: 40]. قال: هو الجمل الذي على أَربع قوائم وكان يقرؤها الحمل. أَخبرنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد قال: هو حبل السفينة [الآية: 40]. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {فِي سَمِّ ٱلْخِيَاطِ} [الآية: 40] قال هو ثقب الإِبرة. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا أَبو معشر قال: نا يحيى بن شبل عن يحيى بن عبد الرحمن المزني، عن أَبيه قال: حديث : سئل رسول الله، صلى الله عليه وسلم عن أَصحاب {ٱلأَعْرَافِ} [الآية: 46]. فقال: هم ناس قتلوا في سبيل الله عز وجل، في معصية آبائهم. منعهم من دخول الجنة معصيتهم آبائهم، ومنعهم من النار قتلهم في سبيل الله . تفسير : أَخبرنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد قال: {ٱلأَعْرَافِ} حجاب بين الجنة والنار، والسور له باب، وأَصحاب الأَعراف {يَطْمَعُونَ}، أَي في دخول الجنة، {يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ} [الآية: 46]. فأَصحاب النار سود الوجوه زرق الأَعين.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا ٱدَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعاً} معناهُ اجتمعوا فِيها. تفسير : وقوله تعالى: {عَذَاباً ضِعْفاً} معناهُ عَذابين.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : فقال في الأزل للأمة المستحقة للنار في كل زمان: {قَالَ ٱدْخُلُواْ فِيۤ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ} [الأعراف: 38]؛ أي: في الأزمنة الماضية على الجن والإنس، فالمخاطبون بهذا الخطاب والمأمورون بهذا الأمر معنيون في علم الله، معدودون وهم غير مخلوقين بعد، فلا يزيدون ولا ينقصون ولا ي تجاوزون عمَّا أمروا وهم يدخلون النار على أقدام الأعمال التي هي الموجبة للنار التي سبقت الأمة المتقدمة، {كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ} [الأعراف: 38] في أعمال أهل النار {لَّعَنَتْ أُخْتَهَا} [الأعراف: 38]؛ يعني: الأمة التي سبقت إلى هذه الأعمال قبلها، {حَتَّىٰ إِذَا ٱدَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعاً} [الأعراف: 38]؛ أي: حتى تداركوا الكل في الأعمال الموجبة للنار واجتمعوا في النار، {قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ} [الأعراف: 38]؛ أي: التابعة للمتقدمة عليها في كل زمان، {رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ أَضَلُّونَا} [الأعراف: 38] عن سبيل الحق وقطعوا علينا طريقنا إليك بأفعالهم وأقوالهم وأحوالهم وسنتهم التي سنوها. {فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ ٱلنَّارِ} [الأعراف: 38]؛ يعني: مضاعفاً مما تؤتينا من العذاب؛ لأنهم سنوا هذه السنة السيئة، وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من سن سنة سيئة فله وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة"تفسير : {قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ} [الأعراف: 38] من العذاب؛ يعني: للمتقدمين والمتأخرين؛ لأن المتقدم متأخر أسن سنة، وكل متأخر هو متقدم لمتأخر به فيسنون بسنته، {وَلَـٰكِن لاَّ تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 38] أيها المتأخرون أنكم متقدمون بمتأخريكم، {وَقَالَتْ أُولاَهُمْ لأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ} [الأعراف: 39]؛ لأنكم سننتم لأخراكم كما سننا لكم وكنتم قادتهم كما كنا قادتكم، {فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُون} [الأعراف: 39] من السنة السيئة ولا تكسبون من السنة الحسنة التي سنها الأنبياء - عليهم السلام - {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَٰتِنَا} [الأعراف: 40]؛ وهي السنن الحسنة المنزلة على الأنبياء، وما أظهره الله تعالى على الأولياء من الكرامات والعلوم اللدنية فأنكروها. {وَٱسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا} [الأعراف: 40]؛ أي: تكبروا عن قبولها والإيمان بها، {لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ ٱلسَّمَآءِ} [الأعراف: 40]؛ أي: أبواب سماء القلوب إلى الحضرة، {وَلاَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ} [الأعراف: 40] جنة القربة والوصلة، {حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ} [الأعراف: 40] جمل النفس المتكبرة، {فِي سَمِّ ٱلْخِيَاطِ} [الأعراف: 40]، وهو مدخل الطريقة التي تربي النفوس الأمارة وتزكيها؛ لتصير مطمئنة فتستحق بها خطاب: {أية : ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ}تفسير : [الفجر: 28]؛ فالمعنى: النفس المتكبرة لمَّا صارت كالجمل؛ لتكبرها لا تصلح لدخول جنة الحقيقة إلا بعد تزكيتها بأحكام الشريعة وآداب الطريقة؛ حتى تصبر بالتربية في إزالة الصفات الذميمة وقطع تعلقات ما سوى الله أدق من الشعرة بألف مرة فتلج في سم خياط الفناء فتدخل الجنة جنة البقاء، فافهم جدّاً. {وَكَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلْمُجْرِمِينَ} [الأعراف: 40] الذين أجرموا على أنفسهم الضعيفة اللطيفة حتى صارت من الأوزار كالجمل، بأن يجعل لهم من جهنم المجاهدة والرياضة فراشاً وهو قوله تعالى: {لَهُمْ مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ} [البقرة: 41]؛ يعني: من مخالفات النفس وقمع الهوى يكون فراشهم ولحافهم، حتى تحيط بهم فتذيبهم وتحرق عنهم أنانيتهم مع أثقال أوزارهم ليستحقوا دخول الجنة، {وَكَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلظَّالِمِينَ} [الأعراف: 41]؛ يعني: بهذه الطريقة تضع عنهم أوزارهم وترد مظالهم في الدنيا؛ ليردوا القيامة مستعدين لدخول الجنة، ومن لم يجز في الدنيا بهذه الطريقة فيجزى في الآخرة كما قال تعالى: {أية : وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنَ ٱلْعَذَابِ ٱلأَدْنَىٰ دُونَ ٱلْعَذَابِ ٱلأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}تفسير : [السجدة: 21].

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : فقالت لهم الملائكة { ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ } أي: في جملة أمم { قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإنْسِ } أي: مضوا على ما مضيتم عليه من الكفر والاستكبار، فاستحق الجميع الخزي والبوار، كلما دخلت أمة من الأمم العاتية النار { لَعَنَتْ أُخْتَهَا } كما قال تعالى: {أية : ويَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا } تفسير : { حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا } أي: اجتمع في النار جميع أهلها، من الأولين والآخرين، والقادة والرؤساء والمقلدين الأتباع. { قَالَتْ أُخْرَاهُمْ } أي: متأخروهم، المتبعون للرؤساء { لأولاهُمْ } أي: لرؤسائهم، شاكين إلى اللّه إضلالهم إياهم: { رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ } أي: عذبهم عذابا مضاعفا لأنهم أضلونا، وزينوا لنا الأعمال الخبيثة. { وَقَالَتْ أُولاهُمْ لأخْرَاهُمْ } . أي: الرؤساء، قالوا لأتباعهم: { فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ } أي: قد اشتركنا جميعا في الغي والضلال، وفي فعل أسباب العذاب، فأي: فضل لكم علينا؟ { قَالَ } اللّه { لِكُلٍّ } منكم { ضِعْفٌ } ونصيب من العذاب.{ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ } ولكنه من المعلوم أن عذاب الرؤساء وأئمة الضلال أبلغ وأشنع من عذاب الأتباع، كما أن نعيم أئمة الهدى ورؤسائه أعظم من ثواب الأتباع، قال تعالى: {أية : الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ } تفسير : فهذه الآيات ونحوها، دلت على أن سائر أنواع المكذبين بآيات اللّه، مخلدون في العذاب، مشتركون فيه وفي أصله، وإن كانوا متفاوتين في مقداره، بحسب أعمالهم وعنادهم وظلمهم وافترائهم، وأن مودتهم التي كانت بينهم في الدنيا تنقلب يوم القيامة عداوة وملاعنة.