٧ - ٱلْأَعْرَاف
7 - Al-A'raf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
40
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن المقصود منه إتمام الكلام في وعيد الكفار، وذلك لأنه تعالى قال في الآية المتقدمة {أية : وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِنَا وَٱسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا أُوْلَـئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ } تفسير : [الأعراف: 36] ثم شرح تعالى في هذه الآية كيفية ذلك الخلود في حق أولئك المكذبين المستكبرين بقوله: {كَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِنَا } أي بالدلائل الدالة على المسائل التي هى أصول الدين، فالدهرية ينكرون دلائل إثبات الذات والصفات، والمشركون ينكرون دلائل التوحيد، ومنكرو النبوات يكذبون الدلائل الدالة على صحة النبوات ومنكرو نبوة محمد ينكرون الدلائل الدالة على نبوته، ومنكرو المعاد ينكرون الدلائل الدالة على صحة المعاد، فقوله: {كَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِنَا } يتناول الكل، ومعنى الاستكبار طلب الترفع بالباطل وهذا اللفظ في حق البشر يدل على الذم قال تعالى في صفة فرعون: {أية : وَٱسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِى ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقّ}تفسير : [القصص:39]. أما قوله تعالى: {لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوٰبُ ٱلسَّمَاء } ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ أبو عمرو {لاَ تُفَتَّحُ } بالتاء خفيفة، وقرأ حمزة والكسائي بالياء خفيفة والباقون بالتاء مشددة. أما القراءة بالتشديد فوجهها قوله تعالى: {أية : فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلّ شَىْء } تفسير : [الأنعام: 44] {أية : فَفَتَحْنَا أَبْوٰبَ ٱلسَّمَاء } تفسير : [القمر: 11] وأما قراءة حمزة والكسائي فوجهها أن الفعل متقدم. المسألة الثانية: في قوله: {لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوٰبُ ٱلسَّمَاء } أقوال. قال ابن عباس: يريد لا تفتح لأعمالهم ولا لدعائهم ولا لشيء مما يريدون به طاعة الله، وهذا التأويل مأخوذ من قوله تعالى: {أية : إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّـٰلِحُ يَرْفَعُهُ }تفسير : [فاطر: 10] ومن قوله: {أية : كَلاَّ إِنَّ كِتَـٰبَ ٱلأَبْرَارِ لَفِى عِلّيّينَ }تفسير : [المطففين: 18] وقال السدي وغيره: لا تفتح لأرواحهم أبواب السماء، وتفتح لأرواح المؤمنين، ويدل على صحة هذا التأويل ما روي في حديث طويل: أن روح المؤمن يعرج بها إلى السماء فيستفتح لها، فيقال مرحباً بالنفس الطيبة التي كانت في الجسد الطيب، ويقال لها ذلك حتى تنتهي إلى السماء السابعة، ويستفتح لروح الكافر فيقال لها ارجعي ذميمة، فإنه لا تفتح لك أبواب السماء. والقول الثالث: أن الجنة في السماء فالمعنى: لا يؤذن لهم في الصعود إلى السماء ولا تطرق لهم إليها ليدخلوا الجنة. والقول الرابع: لا تنزل عليهم البركة والخير، وهو مأخوذ من قوله: {أية : فَفَتَحْنَا أَبْوٰبَ ٱلسَّمَاء بِمَاء مُّنْهَمِرٍ } تفسير : [القمر: 11] وأقول هذه الآية تدل على أن الأرواح إنما تكون سعيدة إما بأن ينزل عليها من السماء أنواع الخيرات، وإما بأن يصعد أعمال تلك الأرواح إلى السموات وذلك يدل على أن السموات موضع بهجة الأرواح، وأماكن سعادتها، ومنها تنزل الخيرات والبركات، وإليها تصعد الأرواح حال فوزها بكمال السعادات، ولما كان الأمر كذلك كان قوله: {لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوٰبُ ٱلسَّمَاء } من أعظم أنواع الوعيد والتهديد. أما قوله تعالى: {وَلاَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ فِى سَمّ ٱلْخِيَاطِ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: «الولوج» الدخول. والجمل مشهور، و «السم» بفتح السين وضمها ثقب الإبرة قرأ ابن سيرين {سَمّ } بالضم، وقال صاحب «الكشاف»: يروي {سَمّ } بالحركات الثلاث، وكل ثقب في البدن لطيف فهو «سم» وجمعه سموم، ومنه قيل: السم القاتل. لأنه ينفذ بلطفه في مسام البدن حتى يصل إلى القلب، و {ٱلْخِيَاطِ } ما يخاط به. قال الفراء: ويقال خياط ومخيط، كما يقال إزار ومئزر ولحاف وملحف، وقناع ومقنع، وإنما خص الجمل من بين سائر الحيوانات، لأنه أكبر الحيوانات جسماً عند العرب. قال الشاعر:شعر : جسم الجمال وأحلام العصافير تفسير : فجسم الجمل أعظم الأجسام، وثقب الإبرة أضيق المنافذ، فكان ولوج الجمل في تلك الثقبة الضيقة محالاً، فلما وقف الله تعالى دخولهم الجنة على حصول هذا الشرط، وكان هذا شرطاً محالاً، وثبت في العقول أن الموقوف على المحال محال، وجب أن يكون دخولهم الجنة مأيوساً منه قطعاً. المسألة الثانية: قال صاحب «الكشاف»: قرأ ابن عباس {ٱلْجَمَلُ } بوزن القمل، وسعيد بن جبير {ٱلْجَمَلُ } بوزن النغر. وقرىء {ٱلْجَمَلُ } بوزن القفل، و {ٱلْجَمَلُ } بوزن النصب، و {ٱلْجَمَلُ } بوزن الحبل، ومعناها: القلس الغليظ، لأنه حبال جمعت وجعلت جملة واحدة، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن الله تعالى أحسن تشبيهاً من أن يشبه بالجمل. يعني: أن الحبل مناسب للخيط الذي يسلك في سم الإبرة، والبعير لا يناسبه. إلا أنا ذكرنا الفائدة فيه. المسألة الثالثة: القائلون بالتناسخ احتجوا بهذه الآية، فقالوا: إن الأرواح التي كانت في أجساد البشر لما عصت وأذنبت، فإنها بعد موت الأبدان ترد من بدن إلى بدن، ولا تزال تبقى في التعذيب حتى أنها تنتقل من بدن الجمل إلى بدن الدودة التي تنفذ في سم الخياط، فحينئذ تصير مطهرة عن تلك الذنوب والمعاصي، وحينئذ تدخل الجنة وتصل إلى السعادة واعلم أن القول بالتناسخ باطل وهذا الاستدلال ضعيف، والله أعلم. ثم قال تعالى: {وَكَذٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُجْرِمِينَ } أي ومثل هذا الذي وصفنا نجزي المجرمين، والمجرمون والله أعلم ههنا هم الكافرون، لأن الذي تقدم ذكره من صفتهم هو التكذيب بآيات الله، والاستكبار عنها. واعلم أنه تعالى لما بين من حالهم أنهم لا يدخلون الجنة ألبتة بين أيضاً أنهم يدخلون النار، فقال {لَهُم مّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: «المهاد» جمع مهد، وهو الفراش. قال الأزهري: أصل المهد في اللغة الفرش، يقال للفراش مهاد لمواتاته، والغواشي جمع غاشية، وهي كل ما يغشاك، أي يجللك، وجهنم لا تنصرف لاجتماع التأنيث فيها والتعريف، وقيل اشتقاقها من الجهمة، وهي الغلظ، يقال: رجل جهم الوجه غليظه، وسميت بهذا لغلظ أمرها في العذاب قال المفسرون: المراد من هذه الآية الأخبار عن إحاطة النار بهم من كل جانب، فلهم منها غطاء ووطاء، وفراش ولحاف. المسألة الثانية: لقائل أن يقول: إن غواش، على وزن فواعل، فيكون غير منصرف، فكيف دخله التنوين؟ وجوابه على مذهب الخليل وسيبويه إن هذا جمع، والجمع أثقل من الواحد، وهو أيضاً الجمع الأكبر الذي تتناهى الجموع إليه، فزاده ذلك ثقلاً، ثم وقعت الياء في آخره وهي ثقيلة، فلما اجتمعت فيه هذه الأشياء خففوها بحذف يائه، فلما حذفت الياء نقص عن مثال فواعل، وصار غواش بوزن جناح، فدخله التنوين لنقصانه عن هذا المثال. أما قوله: {وَكَذٰلِكَ نَجْزِى ٱلظَّـٰلِمِينَ } قال ابن عباس: يريد الذين أشركوا بالله واتخذوا من دونه إلهاً وعلى هذا التقدير: فالظالمون ههنا هم الكافرون.
القرطبي
تفسير : قوله تعالىٰ: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَٱسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ ٱلسَّمَآءِ} أي لأرواحهم. جاءت بذلك أخبار صحاح ذكرناها في كتاب (التذكرة). منها حديث البراء بن عازِب، وفيه في قبض روح الكافر قال: ويخرج منها ريح كأنتن جِيفة وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها فلا يمرّون على ملإٍ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الروح الخبيثة. فيقولون فلان بن فلان، بأقبح أسمائه التي كان يسمىٰ بها في الدنيا، حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا فيستفتحِون فلا يفتح لهم، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ ٱلسَّمَآءِ} الآية. وقيل: لا تفتح لهم أبواب السماء إذا دعوا؛ قاله مجاهد والنخعي. وقيل: المعنىٰ لا تفتح لهم أبواب الجنة لأن الجنة في السماء. ودل على ذلك قوله: {وَلاَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ فِي سَمِّ ٱلْخِيَاطِ} والجمل لا يلج فلا يدخلونها ألْبَتَّة. وهذا دليل قطعيّ لا يجوز العفو عنهم. وعلى هذا أجمع المسلمون الذين لا يجوز عليهم الخطأ أن الله سبحانه وتعالىٰ لا يغفر لهم ولا لأحد منهم. قال القاضي أبو بكر بن الطيب: فإن قال قائل كيف يكون هذا إجماعاً من الأمة؟ وقد زعم قوم من المتكلمين بأن مقلِّدة اليهود والنصارىٰ وغيرهم من أهل الكفر ليسوا في النار. قيل له: هؤلاء قوم أنكروا أن يكون المقلِّد كافراً لشبهة دخلت عليهم، ولم يزعموا أن المقلد كافر وأنه مع ذلك ليس في النار، والعلم بأن المقلد كافر أو غير كافر طريقه النظر دون التوقيف والخبر. وقرأ حمزة والكسائي «لاَ يُفَتَّحُ» بالياء مضمومة على تذكير الجمع. وقرأ الباقون بالتاء على تأنيث الجماعة؛ كما قال: {أية : مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ ٱلأَبْوَابُ} تفسير : [صۤ: 50] فأنث. ولما كان التأنيث في الأبواب غير حقيقي جاز تذكير الجمع. وهي قراءة ابن عباس بالياء. وخفف أبو عمرو وحمزة والكسائي، على معنىٰ أن التخفيف يكون للقليل والكثير، والتشديد للتكثير والتكرير مرة بعد مرة لا غير، والتشديد هنا أولىٰ لأنه على الكثير أدل. والجَمَلُ من الإبل. قال الفرّاء: الجمل زوج الناقة. وكذا قال عبد الله بن مسعود لما سئل عن الجمل فقال: هو زوج الناقة؛ كأنه استجهل من سأله عما يعرفه الناس جميعاً. والجمع جِمَالٌ وأجمال وجمالات وجمائل. وإنما يُسمىٰ جملاً إذا أرْبعَ. وفي قراءة عبد الله: «حتى يلج الجمل الأصفر في سم الخياط». ذكره أبو بكر الأنباري حدّثنا أبي حدّثنا نصر بن داود حدّثنا أبو عبيد حدّثنا حجاج عن ابن جريج عن ابن كثير عن مجاهد قال في قراءة عبد الله...؛ فذكره. وقرأ ابن عباس «الجمل» بضم الجيم وفتح الميم وتشديدها. وهو حبل السفينة الذي يقال له القلْس، وهو حبال مجموعة، جمع جملة؛ قاله أحمد بن يحيىٰ ثعلب. وقيل: الحبل الغليظ من القنب. وقيل: الحبل الذي يصعد به في النخل. وروىٰ عنه أيضاً وعن سعيد بن جبير: «الجمل» بضم الجيم وتخفيف الميم هو القلْس أيضاً والحبل، على ما ذكرنا آنفا. وروىٰ عنه أيضاً «الجُمُل» بضمتين جمع جمل؛ كأسد وأُسُد، والجُمْل مثل أسد وأُسْد. وعن أبي السمال «الجَمْل» بفتح الجيم وسكون الميم، تخفيف «جمل». وسَمُّ الخياط: ثقب الإبرة؛ عن ابن عباس وغيره. وكل ثقب لطيف في البدن يسمىٰ سَمَّاً وسُمَّاً وجمعه سُموم. وجمع السُّم القاتل سِمَام. وقرأ ٱبن سِيرين «في سُمِّ» بضم السين. والخياط: ما يخاط به؛ يقال: خِياط ومخيط؛ مثل إزارٍ ومئزر وقناع ومقنع. والمِهَادُ: الفِراش. وغَواشٍ جمع غاشية، أي نيران تغشاهم. {وَكَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلظَّالِمِينَ} يعني الكفار. والله أعلم.
ابن كثير
تفسير : قوله: {لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَٰبُ ٱلسَّمَآءِ} قيل: المراد لا يرفع لهم منها عمل صالح ولا دعاء، قاله مجاهد وسعيد بن جبير، ورواه العوفي وعلي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وكذا رواه الثوري عن ليث عن عطاء عن ابن عباس، وقيل: المراد لا تفتح لأرواحهم أبواب السماء، رواه الضحاك عن ابن عباس، وقاله السدي وغير واحد، ويؤيده ما قاله ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو بكر بن عياش عن الأعمش عن المنهال، هو ابن عمرو، عن زاذان، عن البراء: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر قبض روح االفاجر، وأنه يصعد بها إلى السماء، فيصعدون بها، فلا تمر على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الروح الخبيثة؟ فيقولون: فلان، بأقبح أسمائه التي كان يدعى بها في الدنيا، حتى ينتهوا بها إلى السماء، فيستفتحون بابها له، فلا يفتح له، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَٰبُ ٱلسَّمَآءِ} الآية، هكذا رواه، وهو قطعة من حديث طويل رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه من طرق عن المنهال بن عمرو، به. وقد رواه الإمام أحمد بطوله فقال: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن المنهال بن عمرو، عن زاذان، عن البراء بن عازب قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر ولما يلحد، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلسنا حوله، كأن على رؤوسنا الطير، وفي يده عود ينكت به في الأرض، فرفع رأسه، فقال: «حديث : استعيذوا بالله من عذاب القبر مرتين أو ثلاثاً ثم قال: إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال إلى الآخرة، نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مدّ البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الطيبة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان قال فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء، فيأخذها، فإذا أخذها، لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها، فيجعلوها في ذلك الكفن وفي ذلك الحنوط، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها، فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الروح الطيبة؟ فيقولون: فلان بن فلان، بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا به إلى السماء الدنيا، فيستفتحون له، فيفتح له، فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها، حتى ينتهي بها إلى السماء السابعة، فيقول الله عز وجل: اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وأعيدوه إلى الأرض؛ فإني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى»تفسير : قال: «حديث : فتعاد روحه، فيأتيه ملكان، فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقولان له: وما عملك؟ فيقول: قرأت كتاب الله، فآمنت به وصدقت، فينادي مناد من السماء: أن: صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له باباً إلى الجنة، فيأتيه من روحها وطيبها، ويفسح له في قبره مد البصر قال ويأتيه رجل حسن الوجه وحسن الثياب طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول له: من أنت، فوجهك الوجه يجيء بالخير؟ فيقول: أنا عملك الصالح، فيقول: رب أقم الساعة، رب أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي قال: وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال إلى الآخرة، نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه معهم المسوح، فيجلسون منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخط من الله وغضب، قال: فتفرق في جسده، فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبلول، فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح، ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها، فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الروح الخبيثة؟ فيقولون: فلان بن فلان، بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا، حتى ينتهي بها إلى السماء الدنيا، فيستفتح، فلا يفتح له ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَٰبُ ٱلسَّمَآءِ وَلاَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ فِى سَمِّ ٱلْخِيَاطِ} فيقول الله عز وجل: اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى، فتطرح روحه طرحاً ثم قرأ: {وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَتَخْطَفُهُ ٱلطَّيْرُ أَوْ تَهْوِى بِهِ ٱلرِّيحُ فِى مَكَانٍ سَحِيقٍ} فتعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان فيجلسانه، فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه، لا أدري، فيقولان: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه، لا أدري، فيقولان: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه، لا أدري، فينادي مناد من السماء: أن: كذب عبدي، فأفرشوه من النار، وافتحوا له باباً إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها، ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه، ويأتيه رجل قبيح الوجه قبيح الثياب منتن الريح، فيقول: أبشر بالذي يسوؤك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول: من أنت، فوجهك الوجه يجيء بالشر؟ فيقول: أنا عملك الخبيث، فيقول: رب لا تقم الساعة»تفسير : وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر عن يونس بن خباب، عن المنهال بن عمرو، عن زاذان، عن البراء بن عازب قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنازة، فذكر نحوه، وفيه: «حديث : حتى إذا خرج روحه، صلى عليه كل ملك بين السماء والأرض، وكل ملك في السماء، وفتحت له أبواب السماء، ليس من أهل باب إلا وهم يدعون الله عز وجل أن يعرج بروحه من قبلهم» تفسير : وفي آخره: «حديث : ثم يقيض له أعمى أصم أبكم، في يده مرزبة لو ضرب بها جبل كان تراباً، فيضربه ضربة فيصير تراباً، ثم يعيده الله عز وجل كما كان، فيضربه ضربة أخرى فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الثقلين» تفسير : قال البراء: ثم يفتح له باب من النار ويمهد له فرش من النار، وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد والنسائي وابن ماجه وابن جرير، واللفظ له، من حديث محمد بن عمرو بن عطاء، عن سعيد بن يسار عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : الميت تحضره الملائكة، فإذا كان الرجل الصالح، قالوا: اخرجي أيتها النفس المطمئنة كانت في الجسد الطيب، اخرجي حميدة، وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان، فيقولون ذلك حتى يعرج بها إلى السماء، فيستفتح لها، فيقال: من هذا؟ فيقولون: فلان، فيقال: مرحباً بالنفس الطيبة التي كانت في الجسد الطيب، ادخلي حميدة، وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان، فيقال لها ذلك حتى ينتهى بها إلى السماء التي فيها الله عز وجل، وإذا كان الرجل السوء، قالوا: اخرجي أيتها النفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث، اخرجي ذميمة، وأبشري بحميم وغساق، وآخر من شكله أزواج، فيقولون ذلك حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء، فيستفتح لها، فيقال: من هذا؟ فيقولون: فلان، فيقولون: لا مرحباً بالنفس الخبيثة التي كانت في الجسد الخبيث، ارجعي ذميمة؛ فإنه لم يفتح لك أبواب السماء، فترسل بين السماء والأرض، فتصير إلى القبر»تفسير : وقد قال ابن جريج في قوله: {لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَٰبُ ٱلسَّمَآءِ} لا تفتح لأعمالهم، ولا لأرواحهم، وهذا فيه جمع بين القولين، والله أعلم، وقوله تعالى: {وَلاَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ فِى سَمِّ ٱلْخِيَاطِ} هكذا قرأه الجمهور، وفسروه بأنه البعير. قال ابن مسعود: هو الجمل ابن الناقة، وفي رواية: زوج الناقة. وقال الحسن البصري: حتى يدخل البعير في خُرْقِ الإبرة، وكذا قال أبو العالية والضحاك، وكذا روى علي بن أبي طلحة العوفي عن ابن عباس، وقال مجاهد وعكرمة عن ابن عباس: إنه كان يقرؤها: يلج الجُمَّل في سم الخياط، بضم الجيم وتشديد الميم، يعني: الحبل الغليظ في خرم الإبرة، وهذا اختيار سعيد بن جبير، وفي رواية أنه قرأ: حتى يلج الجُمَّل، يعني: قُلُوس السفن، وهي الحبال الغلاظ، وقوله: {لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ} قال محمد بن كعب القرظي: {لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ} قال: الفرش، {وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ} قال: اللحف، وكذا قال الضحاك بن مزاحم والسدي {وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلظَّـٰلِمِينَ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِئَايَٰتِنَا وَٱسْتَكْبَرُواْ } تكبَّروا {عَنْهَا } فلم يؤمنوا بها {لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوٰبُ ٱلسَّمآءِ } إذا عرج بأرواحهم إليها بعد الموت فيهبط بها إلى (سجّين)، بخلاف المؤمن فتفتح له ويصعد بروحه إلى السماء السابعة كما ورد في حديث {وَلاَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ ُ } يدخل {ٱلْجَمَل فِى سَمّ ٱلْخِيَاطِ } ثقب الإِبرة وهو غير ممكن، فكذا دخولهم {وَكَذٰلِكَ } الجزاء {نَجْزِى ٱلْمُجْرِمِينَ } بالكفر.
الشوكاني
. تفسير : قوله: {لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوٰبُ ٱلسَّمَاء } قرأ ابن عباس، وحمزة، والكسائي بفتح التحتية، لكون تأنيث الجمع غير حقيقي فجاز تذكيره. وقرأ الباقون بالفوقية على التأنيث. وقرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، "تفتح" بالتخفيف. وقرأ الباقون بالتشديد، والمعنى: أنها لا تفتح أبواب السماء لأرواحهم إذا ماتوا. وقد دلّ على هذا المعنى، وأنه المراد من الآية ما جاء في الأحاديث الصحيحة، أن الملائكة إذا انتهوا بروح الكافر إلى السماء الدنيا يستفتحون فلا تفتح لهم أبواب السماء. وقيل: لا تفتح أبواب السماء لأدعيتهم إذا دعوا، قاله مجاهد والنخعي. وقيل لأعمالهم، أي لا تقبل، بل تردّ عليهم فيضرب بها في وجوههم. وقيل المعنى: أنها لا تفتح لهم أبواب الجنة يدخلونها، لأن الجنة في السماء، فيكون على هذا القول العطف لجملة {وَلاَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ } من عطف التفسير، ولا مانع من حمل الآية على ما يعم الأرواح والدعاء والأعمال، ولا ينافيه ورود ما ورد من أنها لا تفتح أبواب السماء لواحد من هذه، فإن ذلك لا يدل على فتحها لغيره، مما يدخل تحت عموم الآية. قوله: {وَلاَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ فِى سَمّ ٱلْخِيَاطِ } أي أن هؤلاء الكفار المكذبين المستكبرين، لا يدخلون الجنة بحال من الأحوال، ولهذا علقه بالمستحيل، فقال: {حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ فِى سَمّ ٱلْخِيَاطِ } وهو لا يلج أبداً، وخص الجمل بالذكر، لكونه يضرب به المثل في كبر الذات، وخص سمّ الخياط، وهو ثقب الإبرة بالذكر، لكونه غاية في الضيق. والجمل: الذكر من الإبل، والجمع جمال وأجمال وجمالات. وإنما يسمى جملاً إذا أربع. وقرأ ابن عباس «الجُمَّل» بضم الجيم وفتح الميم مشدّدة. وهو حبل السفينة الذي يقال له القلس. وهو حبال مجموعة قاله ثعلب. وقيل الحبل الغليظ من القنب. وقيل الحبل الذي يصعد به في النخل. وقرأ سعيد بن جبير «الجُمَل» بضم الجيم وتخفيف الميم: وهو القلس أيضاً. وقرأ أبو السماك «الجُمْل» بضم الجيم وسكون الميم. وقرىء أيضاً بضمهما. وقرأ عبد الله بن مسعود «حتى يلج الجمل الأصغر في سم الخياط» وقرىء "فِى سَمّ" بالحركات الثلاث. والسم: كل ثقب لطيف، ومنه ثقب الإبرة. والخياط ما يخاط به يقال خياط ومخيط. {وَكَذٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُجْرِمِينَ } أي مثل ذلك الجزاء الفظيع نجزي المجرمين، أي جنس من أجرم وقد تقدّم تحقيقه. والمهاد: الفراش، والغواش جمع غاشية، أي نيران تغشاهم من فوقهم كالأغطية {وَكَذٰلِكَ نَجْزِى ٱلظَّـٰلِمِينَ } أي مثل ذلك الجزاء العظيم نجزى من اتصف بصفة الظلم. قوله: {لاَ نُكَلّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا } أي لا نكلف العباد إلا بما يدخل تحت وسعهم ويقدرون عليه. ولا نكلفهم ما لا يدخل تحت وسعهم. وهذه الجملة معترضة بين المبتدأ والخبر. ومثله: {أية : لاَ يُكَلّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَا ءاتَاهَا } تفسير : [الطلاق: 7] وقرأ الأعمش "تكلف" بالفوقية ورفع "نفس"، والإشارة بقوله: {أُوْلَـٰئِكَ } إلى الموصول، وخبره {أَصْحَـٰبَ ٱلْجَنَّةِ } والجملة خبر الموصول. وجملة {هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ } في محل نصب على الحال. قوله: {وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مّنْ غِلّ } هذا من جملة ما ينعم الله به على أهل الجنة، أن ينزع الله ما في قلوبهم من الغلّ على بعضهم بعضاً، حتى تصفو قلوبهم ويودّ بعضهم بعضاً، فإن الغلّ لو بقي في صدورهم كما كان في الدنيا، لكان في ذلك تنغيص لنعيم الجنة، لأن المتشاحنين لا يطيب لأحدهم عيش مع وجود الآخر. والغلّ: الحقد الكامن في الصدور. وقيل: نزع الغلّ في الجنة، أن لا يحسد بعضهم بعضاً في تفاضل المنازل {وَقَالُواْ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى هَدَانَا لِهَـٰذَا } أي لهذا الجزاء العظيم، وهو الخلود في الجنة، ونزع الغلّ من صدورهم، والهداية هذه {لهذا} هي الهداية لسببه من الإيمان والعمل الصالح في الدنيا {وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِىَ } قرأ ابن عامر بإسقاط الواو، وقرأ الباقون بإثباتها، وما كنا نطيق أن نهتدي بهذا الأمر لولا هداية الله لنا، والجملة مستأنفة أو حالية، وجواب {لولا} محذوف يدل عليه ما قبله، أي لولا هداية الله لنا ما كنا لنهتدي. قوله: {لَقَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبّنَا بِٱلْحَقّ } اللام لام القسم، قالوا هذا لما وصلوا إلى ما وصلوا إليه من الجزاء العظيم، اغتباطاً بما صاروا فيه بسبب ما تقدّم منهم من تصديق الرسل وظهور صدق ما أخبروهم به في الدنيا من أن جزاء الإيمان والعمل الصالح هو هذا الذي صاروا فيه. قوله: {وَنُودُواْ أَن تِلْكُمُ ٱلْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } أي وقع النداء لهؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فقيل لهم تلكم الجنة أورثتموها، أي ورثتم منازلها بعملكم. قال في الكشاف: بسبب أعمالكم لا بالتفضل كما تقوله المبطلة انتهى. أقول: يا مسكين هذا قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما صح عنه «حديث : سدّدوا وقاربوا واعلموا أنه لن يدخل أحد الجنة بعمله"تفسير : ، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: "حديث : ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته»تفسير : والتصريح بسبب لا يستلزم نفي سبب آخر. ولولا التفضل من الله سبحانه وتعالى على العامل باقداره على العمل، لم يكن عمل أصلاً، فلو لم يكن التفضل إلا بهذا الإقدار، لكان القائلون به محقة لا مبطلة، وفي التنزيل: {أية : ذٰلِكَ ٱلْفَضْلُ مِنَ ٱللَّهِ }تفسير : [النساء: 70] وفيه: {أية : فَسَيُدْخِلُهُمْ فِى رَحْمَةٍ مَّنْهُ وَفَضْلٍ }تفسير : [النساء: 175]. وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله: {لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوٰبُ ٱلسَّمَاء } يعني: لا يصعد إلى الله من عملهم شيء. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عنه، قال: لا تفتح لهم لعمل ولا لدعاء. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عنه، أيضاً في الآية قال: لا تفتح لأرواحهم، وهي تفتح لأرواح المؤمنين. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عنه أيضاً {حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ } قال: ذو القوائم {فِى سَمّ ٱلْخِيَاطِ } قال: في خرت الإبرة. وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والطبراني في الكبير، وأبو الشيخ، عن ابن مسعود، في قوله: {حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ } قال: زوج الناقة. وأخرج أبو عبيد، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ، من طرق عن ابن عباس، أنه كان يقرأ "الجُمّل" بضم الجيم وتشديد الميم. وقال: هو الحبل الغليظ أو هو من حبال السفن. وأخرج عبد بن حميد، عن ابن عمر، أنه سئل عن سم الخياط فقال: الجمل في ثقب الإبرة. وأخرج ابن المنذر، عن ابن عباس قال: المهاد الفراش، والغواش اللحف. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن محمد بن كعب مثله. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن علي بن أبي طالب، قال: فينا والله أهل بدر نزلت هذه الآية {وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مّنْ غِلّ}. وأخرج النسائي، وابن جرير، وابن مردويه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : كل أهل النار يرى منزله من الجنة يقول لو هدانا الله. فيكون حسرة عليهم، وكل أهل الجنة يرى منزله من النار، فيقول لولا أن هدانا الله. فهذا شكرهم»تفسير : . وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد وعبد بن حميد، والدارمي، ومسلم، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن أبي سعيد، وأبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: {وَنُودُواْ أَن تِلْكُمُ ٱلْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } قال: "حديث : نودوا أن صحوا فلا تسقموا، وانعموا فلا تبأسوا، وشبوا فلا تهرموا، واخلدوا فلا تموتوا".
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بئَايَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَآءِ} فيه خمسة أقاويل: أحدها: أي لا تفتح لأرواحهم لأنها تفتح لروح الكافر وتفتح لروح المؤمن، قاله ابن عباس، والسدي. والثاني: لا تفتح لدعائهم، قاله الحسن. والثالث: لا تفتح لأعمالهم، قاله مجاهد، وإبراهيم. والرابع: لا تفتح لهم أبواب السماء لدخول الجنة لأن الجنة في السماء، وهذا قول بعض المتاخرين. والخامس: لا تفتح لهم أبواب السماء لنزول الرحمة عليهم، قاله ابن بحر. {وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يِلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ} فيه قولان: أحدهما: سم الخياط: ثقب الإبرة، قاله ابن عباس، الحسن، ومجاهد، وعكرمة، والسدي. والثاني: أن سم الخياط هو السم القاتل الداخل في مسام الجسد أي ثقبه. وفي {الْجَمَلِ} قراءتان: إحداهما: وعليها الجمهور، الجَمَل بفتح الجيم وتخفيف الميم وهو ذو القوائم الأربع. والثانية الجُمَّل بضم الجيم وتشديد الميم وهو القلس الغليظ، وهذه قراءة سعيد بن جبير، وإحدى قراءتي ابن عباس، وكان ابن عباس يتأول أنه حبل السفينة. ومعنى الكلام أنهم لا يدخلون الجنة أبداً كما لا يدخل الجمل في سم الخياط أبداً، وضرب المثل بهذا أبلغ في إياسهم من إرسال الكلام وإطلاقه في النفي، والعرب تضرب هذا للمبالغة، قال الشاعر: شعر : إذا شاب الغراب أتيت أهلي وعاد القار كاللبن الحليب تفسير : قوله عز وجل: {لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ} قال الحسن: فراش من نار، والمهاد: الوِطَاء، ومنه أخذ مهد الصبي. {وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ} فيها ثلاثة أوجه: أحدها: أنها اللحف. والثاني: اللباس. والثالث: الظلل، قاله الحسن. والمراد بذلك أن النار من فوقهم ومن تحتهم، فعبر عما تحتهم بالمهاد، وعما فوقهم بالغواش.
ابن عطية
تفسير : هذه الآية عامة في جميع الكفرة قديمهم وحديثهم، وقرأ ابن كثير وعاصم وابن عامر "لا تُفتَّح" بضم التاء الأولى وتشديد الثانية، وقرأ أبو عمرو "تُفْتَح" بضم التاء وسكون الفاء وتخفيف الثانية، وقرأ حمزة والكسائي "يفتح" بالياء من أسفل وتخفيف التاء، وقرأ أبو حيوة وأبو إبراهيم "يفَتّح" بالياء وفتح الفاء وشد التاء، ومعنى الآية لا يرتفع لهم عمل ولا روح ولا دعاء، فهي عامة في نفي ما يوجب للمؤمنين بالله تعالى، قاله ابن عباس وغيره، وذكر الطبري في كيفية قبض روح المؤمن والكافر آثاراً اختصرتها إذ ليست بلازمة في الآية، وللين أسانيدها أيضاً، ثم نفى الله عز وجل عنهم دخول الجنة وعلق كونه بكون محال لا يكون، وهو أن يدخل الجمل في ثقب الإبرة حيث يدخل الخيط، و {الجمل} كما عهد والـ {سم} كما عهد، وقرأ جمهور المسلمين: "الجمل"، واحد الجمال، وقال الحسن هو الجمل الذي يقوم بالمديد ومرة لما أكثروا عليه قال هو الأشتر وهو الجمل بالفارسية، ومرة قال هو الجمل ولد الناقة وقاله ابن مسعود. قال القاضي أبو محمد: وهذه عبارة تدل على حرج السائل لارتياب السائلين لا شك باللفظة من أجل القراءات المختلفة، وذكر الطبري عن مجاهد عن ابن مسعود أنه كان يقرأ: "حتى يلج الجمل الأصفر"، وقرأ أبو السمال "الجمْل" بسكون الميم وقرأ ابن عباس وعكرمة ومجاهد وابن جبير الشعبي ومالك بن الشخير وأبو رجاء: "الجُمّل" بضم الجيم وتشديد الميم وهو حبل السفينة، وقرأ سالم الأفطس وابن خير وابن عامر أيضاً: "الجُمْل" بتخفيف الميم من الجمل وقالوا هو حبل السفن، وروى الكسائي أن الذي روى تثقيل الميم عن ابن عباس كان أعجمياً فشدد الميم لعجمته. قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف لكثرة أصحاب ابن عباس على القراءة المذكورة وقرأ سعيد بن جبير فيما روى عنه: "الجُمْل" بضم الجيم وسكون الميم، وقرأ ابن عباس أيضاً: "الجُمُل" بضم الجيم والميم، و "السم": الثقب من الإبرة وغيرها يقال سَم وسِم بفتح السين وكسرها وضمها، وقرأ الجمهور بفتح السين، وقرأ ابن سيرين بضمها، وقرأ أبو حيوة بضمها وبكسرها، وروي عنه الوجهان، و {الخياط} والمخيط الإبرة، وقرأ ابن مسعود: "في سم المِخْيَط" بكسر الميم وسكون الخاء وفتح الياء، وقرأ طلحة "في سم المَخيط" بفتح الميم، وكذلك أبى على هذه الصفة وبمثل هذا الحتم وغيره يجزى الكفرة وأهل الجرائم على الله تعالى. وقوله تعالى: {لهم من جهنم مهاد} الآية، المعنى أن جهنم فراش لهم ومسكن ومضجع يتمهدونه وهي لهم غواش جمع غاشية وهي ما يغشى الإنسان أي يغطيه ويستره من جهة فوق، قال الضحاك "المهاد" الفراش، و "الغواشي" اللحف ودخل التنوين في {غواش} عند سيبويه لنقصانه عن بناء مفاعل فلما زال البناء المانع من الصرف بأن حذفت الياء حذفاً لا للالتقاء بل كما حذفت من قوله {أية : والليل إذا يسر} تفسير : [الفجر:4] و {أية : ذلك ما كنا نبغ} تفسير : [الكهف:64] ومن قول الشاعر: [زهير] شعر : ولأنت تفري ما خلقت وبعـ ـض القوم يخلق ثم لا يفر تفسير : زال الامتناع، وهذا كقولهم ذلذل بالتنوين وهم يريدون: الذلاذل لما زال البناء، قال الزجاج: والتنوين في {غواش} عند سيبويه عوض من الياء المنقوصة ورد أبو علي أن يكون هذا هو مذهب سيبويه، ويجوز الوقوف بـ "يا" وبغير "يا" والاختيار بغير "يا". وقوله تعالى: {والذين آمنوا وعملوا الصالحات} الآية، هذه آية وعد مخبرة أن جميع المؤمنين هم أصحاب الجنة ولهم الخلد فيها، ثم اعترض أثناء القول بعقب الصفة، التي شرطها في المؤمنين باعتراض يخفف الشرط ويرجى في رحمة الله ويعلم أن دينه يسر وهذه الآية نص في أن الشريعة لا يتقرر من تكاليفها شيء لا يطاق، وقد تقدم القول في جواز تكليف ما لا يطاق وفي وقوعه بمغن عن الإعادة، و "الوسع" معناه الطاقة وهو القدر الذي يتسع له قدر البشر.
ابن عبد السلام
تفسير : {لا تُفَتَّحُ} لأرواحهم، وتفتح لأرواح المؤمنين، أو لدعائهم وأعمالهم أو لا تفتح لهم لدخول الجنة لأنها في السماء. {الْجَمَلُ} البعير، وسم الخياط: ثقب الإبرة، أو السم القاتل الداخل في مسام الجسد الخفية.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {إن الذين كذبوا بآياتنا} يعني كذبوا بدلائل التوحيد فلم يصدقوا بها ولم يتبعوا رسلنا {واستكبروا عنها} أي وتكبروا عن الإيمان بها والتصديق لها وأنفوا عن اتباعها والانقياد لها والعمل بمقتضاها تكبراً {لا تفتح لهم أبواب السماء} يعني لا تفتح لأرواحهم إذا خرجت من أجسادهم ولا يصعد لهم إلى الله عز وجل في وقت حياتهم قول ولا عمل لأن أرواحهم وأقوالهم وأعمالهم كلها خبيثة وإنما يصعد إلى الله تعالى الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه، قال ابن عباس رضي الله عنهما: لا تفتح أبواب السماء لأرواح الكفار وتفتح لأرواح المؤمنين. وفي رواية عن ابن عباس رضي الله عنهما أيضاً قال: لا يصعد لهم قول ولا عمل، وقال ابن جريج: لا تفتح أبواب السماء لأعمالهم ولا لأرواحهم. وروى الطبري بسنده عن البراء بن عازب: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر قبض روح الفاجر وأنه يصعد بها إلى السماء قال فيصعدون بها فلا يمرون على ملأ من الملائكة إلا قالوا ما هذه الروح الخبيثة قال فيقولون فلان بأقبح أسمائه التي كان يدعى به في الدنيا حتى ينتهوا بها إلى السماء فيستفتحون له فلا يفتح له ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط"تفسير : وقيل في معنى الآية: لا تنزل عليهم البركة والخير لأن ذلك لا ينزل إلا من السماء فإذا لم تفتح لهم أبواب السماء فلا ينزل عليهم من البركة والخير والرحمة شيء. وقوله تعالى: {ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط} والولوج الدخول والجمل معروف وهو الذكر من الإبل وسم الخياط ثقب الإبرة قال الفراء: الخياط والمخيط ما يخاط به والمراد به الإبرة في هذه الآية وإنما خص الجمل بالذكر من بين سائر الحيوانات لأنه أكبر من سائر الحيوانات جسماً عند العرب قال الشاعر: شعر : جسم الجِمال وأحلام العصافير تفسير : وصف من هجاه بهذا بعظم الجسم مع صغر العقل فجسم الجمل من أعظم الأجسام وثقب الإبرة من أضيق المنافذ فكان ولوج الجمل مع عظم جسمه في ثقب الإبرة الضيق محالاً فكذلك دخول الكفار الجنة محال ولما وصف الله دخولهم الجنة على حصول هذا الشرط وكان وقوع الشرط محالاً ثبت أن الموقوف على المحال محال فوجب بهذا الاعتبار أن دخول الكفار الجنة مأيوس منه قطعاً. وقال بعض أهل المعاني: لما علق الله تعالى دخولهم الجنة بولوج الجمل في سم الخياط وهو خرق الإبرة كان ذلك نفياً لدخولهم الجنة على التأبيد وذلك لأن العرب إذا علقت ما يجوز كونه بما لا يجوز كونه استحال كون ذلك الجائز وهذا كقولك: لا آتيك حتى يشيب الغراب ويبيض القار ومنه قول الشاعر: شعر : إذا شاب الغراب أتيت أهلي وصار القار كاللبن الحليب تفسير : قوله تعالى: {وكذلك نجزي المجرمين} أي ومثل الذي وصفنا نجزي المجرمين يعني: الكافرين لأنه تقدم من صفتهم أنهم كذبوا بآيات الله واستكبروا عنها وهذه صفة الكفار فوجب حمل لفظ المجرمين على أنهم الكفار ولما بين الله عز وجل أن الكفار لا يدخلون الجنة أبداً بين أنهم من أهل النار ووصف ما أعد لهم فيها فقال تعالى: {لهم من جهنم مهاد} يعني لهم من نار جهنم فراش وأصل المهاد التمهد الذي يقعد عليه ويضطجع عليه كالفراش والبساط {ومن فوقهم غواش} جمع غاشية وهي الغطاء كاللحاف ونحوه ومعنى الآية أن الناس محيطة بهم من تحتهم ومن فوقهم، قال محمد بن كعب القرظي والضحاك والسدي: المهاد الفراش والغواشي اللحف {وكذلك نجزي الظالمين} يعني وكذلك نكافئ ونجازي المشركين الذين وضعوا العبادة في غير موضعها. قوله عز وجل: {والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفساً إلا وسعها} لما ذكر الله تعالى وعيد الكافرين وما أعد لهم في الآخرة أتبعه بذكر وعد المؤمنين وما أعد لهم في الآخرة فقال والذين آمنوا وعملوا الصالحات يعني والذين والذين صدقوا الله ورسوله وأقروا بما جاءهم به من وحي الله إليه وتنزيله عليه من شرائع دينه وعملوا بما أمرهم به وأطاعوه في ذلك وتجنبوا ما نهاهم عنه لا نكلف نفساً إلا وسعها يعني لا نكلف نفساً إلا ما يسعها من الأعمال وما يسهل عليها ويدخل في طوقها وقدرتها وما لا حرج فيه عليها ولا ضيق. قال الزجاج: الوسع ما يُقدر عليه، وقال مجاهد: معناه إلا ما افترض عليها يعني الذي افترض عليها من وسعها الذي تقدر عليه ولا تعجز عنه وقد غلط من قال إن الوسع بذل المجهود قال أكثر أصحاب المعاني إن قوله تعالى لا نكلف نفساً إلا وسعها اعتراض وقع بين المبتدأ والخبر والتقدير والذين آمنوا وعملوا الصالحات {أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون} لا نكلف نفساً إلا وسعها وإنما يحسن وقوع هذا الكلام بين المبتدأ والخبر لأنه جنس هذا الكلام لأنه تعالى لما ذكر عملهم الصالح ذكر أن ذلك العمل من وسعهم وطاقتهم وغير خارج عن قدرتهم وفيه تنبيه للكفار على أن الجنة مع عظم قدرها ومحلها يُتَوصل إليها بالعمل الصالح السهل من غير تحمل كلفة ولا مشقة صعبة. وقال قوم من أصحاب المعاني هو من تمام الخبر موضعه رفع والعائد محذوف كأنه قال لا نكلف نفساً منهم إلا وسعها فحذف العائد للعلم به. قوله تعالى: {ونزعنا ما في صدورهم من غل} يعني وقلعنا وأخرجنا ما في صدور المؤمنين من غش وحسد وحقد وعداوة كانت بينهم في الدنيا ومعنى الآية أزلنا تلك الأحقاد التي كانت لبعضهم على بعض في الدنيا فجعلناهم إخواناً على سرر متقابلين لا يحسد بعضهم بعضاً على شيء خص الله به بعضهم دون بعض ومعنى نزع الغل تصفية الطباع وإسقاط الوساوس ودفعها عن أن ترد على القلب روي عن علي رضي الله عنه قال: فينا والله أهل بدر نزلت {أية : ونزعنا ما في صدورهم من غل إخواناً على سرر متقابلين}تفسير : [الحجر: 47] وروي عنه أيضاً أنه قال إني لأرجوا أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير من الذين قال الله تعالى فيهم: {ونزعنا ما في صدورهم من غل} وقيل إن الحسد والغل يزول بدخولهم الجنة (خ) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : يخلص المؤمنون من النار فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا حتى إذا هذبوا ونقوا أذن الله لهم في دخول الجنة فوالذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة منه بمنزله في الدنيا"تفسير : وقال السدي في هذه الآية: إن أهل الجنة إذا سيقوا إلى الجنة فبلغوا وجدوا عند بابها شجرة في أصل ساقها عينان فشربوا من إحداهما فينزع ما في صدورهم من غل فهو الشراب الطهور واغتسلوا من الأخرى فجرت عليهم نضرة النعيم فلن يشعثوا ولن يسحنوا بعدها أبداً. وقيل إن درجات أهل الجنة متفاوتة في العلو والكمال فبعض أهل الجنة أعلى من بعض وأخرج الله عز وجل الغل والحسد من صدورهم وأزاله عنهم ونزعه من قلوبهم فلا يحسد صاحب الدرجة النازلة صاحب العالية، وأورد على هذا القول كيف يعقل أن الإنسان يرى الدرجات العالية والنعم العظيمة وهو محبوس عنها لا يصل إليها ولا يميل بطبعه إليها ولا يغتم بسبب حرمانه منها وإن كان في لذة ونعيم وأجيب عن هذا بأن الله تعالى قد وعد بإزالة الحقد والحسد من قلوب أهل الجنة حتى تكمل لهم اللذة والسرور حتى إن أحدهم لا يرى نفسه إلا في كمال وزيادة في النعيم الذي هو فيه فيرضى بما هو فيه ولا يحسد أحداً أبداً وبهذا تم نعيمه ولذته وكمل سروره وبهجته. وقوله تعالى: {تجري من تحتهم الأنهار} لما أخبر الله تعالى بما أنعم به على أهل الجنة من إزالة الغل والحسد والحقد من صدورهم أخبرنا بما أنعم به عليهم من اللذات والخيرات والمسرات {وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا} يعني أن المؤمنين إذا دخلوا الجنة قالوا الحمد لله الذي وفقنا وأرشدنا للعمل الذي هذا ثوابه وتفضل علينا رحمة منه وإحساناً وصرف عنا عذاب جهنم بفضله وكرمه فله الحمد على ذلك {وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله} يعني وما كنا لنرشد لذلك العمل الذي هذا ثوابه لولا أنه أرشدنا الله إليه ووفقنا بفضله ومنه وكرمه وفي الآية دليل على أن المهتدي من هداه الله ومن لم يهده الله فليس بمهتد {لقد جاءت رسل ربنا بالحق} يعني أن أهل النعيم إذا دخلوها ورأوا ما أعد الله لهم فيها من النعيم قالوا لقد جاءت رسل ربنا بالحق يعني أنهم رأوا ما وعدهم به الرسل عياناً {ونودوا أن تلكم الجنة} يعني: ونادى منادي أهل الجنة إن هذه الجنة التي كانت الرسل وعدتكم بها في الدنيا واختلفوا في المنادى فقيل هو الله عز وجل وقيل الملائكة ينادون بأمر الله عز وجل وقيل هذا النداء يكون في الجنة (م). عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"حديث : إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد إن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبداً وإن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً وإن لكم أن تشبّوا فلا تهرموا أبداً وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبداً فذلك قوله عز وجل ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون " تفسير : وقوله تعالى: {أورثتموها بما كنتم تعملون} روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : ما من أحد إلا وله منزل في الجنة ومنزل في النار فأما الكافر فإنه يرث المؤمن منزله من النار والمؤمن يرث الكافر منزله من الجنة"تفسير : زاد في رواية فذلك قوله تعالى: {أورثتموها بما كنتم تعملون} قال بعضهم لما سمى الله الكافر ميتاً بقوله أموات غير أحياء وسمى المؤمن حياً بقوله: لينذر من كان حياً وفي الشرع أن الأحياء يرثون الأموات فقال أورثتموها يعني أن المؤمن حي وهو يرث الكافر منزله من الجنة لأنه في حكم الميت. وقيل معناه أن أمرهم يؤول إلى الجنة كما أن الميراث يؤول إلى الوارث، وقيل: أورثتموها عن الأعمال الصالحة التي عملتموها لأن الجنة جعلت لهم جزاء وثواباً على الأعمال ويعارض هذا القول ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "حديث : لن يدخل الجنة أحد بعمله وإنما يدخلها برحمة الله"تفسير : فإن دخول الجنة برحمة الله وانقسام المنازل والدرجات بالأعمال. وقيل إن العمل الصالح لن يناله المؤمن ولن يبلغه إلا برحمة الله تعالى وتوفيقه وإذا كان العمل الصالح بسبب الرحمة كان دخول الجنة في الحقيقة برحمة الله تعالى وجعلها الله ثواباً وجزاء لهم على تلك الأعمال الصالحة التي عملوها في دار الدنيا والله أعلم.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـآيَـٰتِنَا وَٱسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوٰبُ ٱلسَّمَاءِ وَلاَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ} الآية، هذه الآية عامة في جميع الكَفَرَةِ قديمهم وحديثهم. قرأ نافع وغيره: «تُفَتَّح» بتشديد التاء الثانية، وقرأ أبو عمرو: «تُفْتَح» بالتاء أيضاً وسكون الفاء، وتخفيف الثانية، وقرأ حمزة «يفتح» بالياء من أسفل، وتخفيف التاء، ومعنى الآية: لا يرتفع لهم عَمَلٌ، ولا روح، ولا دعاء، فهي عامة في نفي ما يوجب للمؤمنين. قاله ابن عباس، وغيره. ثم نفى سبحانه عنهم دُخُولَ الجنة، وعلق كونه بِكَوْنٍ محال، وهو أن يدخل الجمل في ثُقْبِ الإبرة حيث يدخل الخَيْطُ، والجمل كما عهد، والسَّمّ كما عهد، وقرأ جمهور المسلمين «الجمل» واحد الجمال، وقرأ ابن عباس «الجُمّل» بضم الجيم وتشديد الميم، وهو حَبْلُ السفينة والسَّمُّ: الثقب من الإبرة وغيرها، و{كَذَٰلِكَ} أي: وعلى هذه الصفة، وبمثل هذا الحتم، وغيره نجزي الكفرة وأهل الجَرَائِمِ على اللَّه. {لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ} أي: فراش، ومسكن، ومضجع يتمهَّدُونه، وهي لهم غَوَاشٍ جمع غاشية، وهي ما يَغْشَى الإنسان أي: يغطيه، ويستره من جهة فَوْق. وقوله سبحانه: {لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ} هذه آية وعد مخبرةٌ أن جميع المؤمنين هم أصْحَابُ الجنة، ولهم الخُلْدُ فيها، ثم اعترض فيها القَوْل بعقب الصِّفَةِ التي شرطها في المؤمنين باعتراض يُخَفِّفُ الشرط، ويرجى في رحمة اللَّه، ويعلم أن دينه يُسْر، وهذه الآية نصٌّ في أن الشريعة لا يَتَقَرَّرُ من تكاليفها شَيْءٌ لا يُطَاقُ، وقد تقدم ذلك في «سورة البقرة». «والوُسْعُ» معناه: الطاقة، وهو القدر الذي يَتَّسِعُ له البشر.
ابن عادل
تفسير : هذا من تمام وعيد الكُفَّارِ فقوله: {كَذَّبُوا بآيَاتِنَا} أي بالدَّلائل الدَّالة التي هي أصول الدِّين فالدهرية ينكرون دلائل إثبات الذَّات والصِّفاتِ، والمشركون ينكرون دلائل إثبات التوحيد، ومنكرو النُّبوات يكذبون الدلائل الدالة على صحّة النُّبُوَّات ومنكرو نبوة محمد ينكرون الدلائل الدالة على صحة نبوته، ومنكرو المعاد ينكرون الدَّلائل الدّالة على صحّة المعاد فقوله: {كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} يتناولُ الْكُلَّ ومعنى الاستكبار طلب التَّرَفُّع بالبَاطِلِ، وهذا اللَّفظ يَدُلُّ على الذم في حقِّ البَشَرِ. قوله: "لا تُفَتَّحُ". قرأ أبُو عمر: "لا تُفْتَح" بضمِّ ِالتَّاء من فوق والتَّخفيف والأخوان بالياء من تحت والتخفيف أيضاً، والباقون: بالتَّأنيث والتشديد. فالتَّأنْيِثُ والتَّذكير باعتبار الجمع والجماعة، والتخَّفيف والتضعيف باعتبار التكثير وعدمه، والتضعيف هنا أوْضَحُ لكثرة المتعلق، وهو في هذه القراءات مبني للمفعول. وقرأ أبُو حَيْوَةَ، وأبو البرهسم ["تَفَتَّح"] بفتح التَّاء مِنْ فوق والتضعيف، والأصل: لا تتفتح بتاءَيْن فحُذِفت إحداهما، وقد تقدَّم في {أية : تَتَذَكَّرُونَ}تفسير : [الأنعام: 152]. ونحوه، فـ "أبواب" على قراءة أبي حيوة فاعل، وعلى ما تقدَّم مفعول لم يُسمَّ فاعله. وقرىء: "لا تفتح" بالتاء، ونصب "الأبْواب" على أن الفعل للآيات وبالياء على أن الفعل للَّه ذكره الزمخشري. فصل في معنى "لا تفتح" قال ابنُ عبَّاسٍ: لا تفتح لأعمالهم لدعائهم مأخوذ من قوله: {أية : إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ}تفسير : [فاطر: 10]. وقال السُّدِّيُّ وغيره: لا تفتح لأرواحهم أبواب السَّمَاءِ وتفتح لأرواح المؤمنين، ويؤيد هذا ما ورد في الحديث أنَّ روح المؤمن يعرج بها إلى السَّماء فيستفتح لها فيقال: مرحباً بالنَّفْس الطيبة، التي كانت في الجسد الطيب، ويقال لها ذلك إلى أن تنتهي إلى السَّماء السابعة، ويستفتح لروح الكافر، فقال لها: ارْجِعِي ذميمةً فإنه لا تفتح لك أبوابُ السَّماء ولا يدخلون الجنة بل يهوى بها إلى سجين. وقيل: لا ينزلُ عليهم الخير والبركة لقوله: {أية : فَفَتَحْنَآ أَبْوَابَ ٱلسَّمَآءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ}تفسير : [القمر: 11]. قوله: {حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ}. الولوج: الدُّخُول بشدّة، ولذلك يقال: هو الدُّخول في مضيق، فهو أخصُّ من الدُّخول، والوليجة: كلُّ ما يعتمده الإنسان، والوليجة الدَّاخِلُ في قوم ليس منهم. و "الجَمَلُ" قراءة العامة، وهو الحيوانُ المعروف، ولا يقال للبعير جملاً إلا إذا بَزَل، ولا يقال له ذلك إلا إذا بَلَغَ أربع سنين وأول ما يخرج ولد النَّاقة، ولم تعرف ذُكُوريَّتُهُ وأنوثته يقالُ لَهُ: "سَلِيلٌ"، فإن كان ذكراً فهو "سَقْبٌ"، وإن كان أنثى "حَائِلٌ"، ثم هو "حُوار" إلى الفطام، وبعده "فَصِيل" إلى سنة، وفي الثانية: "ابْن مَخَاض" و "بِنْت مَخَاض"، وفي الثالثة: "ابْن لَبون" و "بنت لبون"، وفي الرابعة: "حِقٌّ" و "حِقَّة"، وفي الخامسة: جَذَع وجَذَعة، وفي السَّادسة: "ثَنِيُّ" و "ثَنِيَّة"، وفي السَّابعة: رَباع ورَباعية مخففة، وفي الثامنة: "سدِيسٌ" لهما. وقيل: "سَديسةٌ" للأنثى، وفي التَّاسعة: "بَازِلٌ"، و "بَازِلَةٌ"، وفي العاشرة: "مُخْلِفٌ" و "مُخْلِفةٌ"، وليس بعد البُزُول والإخلاف سنٌّ بل يقال: بازل عام، أو عامين، ومُخْلِف عام، أو عامين حتى يهرم، فيقال له: فَوْد. ورد التَّشبيه في الآية الكريمة في غاية الحسن، وذلك أنَّ الجمل أعظم حيوانٍ عند العربِ، وأكبره جثَّة حتى قال: [البسيط] شعر : 2463 -......................... جِسْمُ الجِمَالِ وأحْلاَمُ العَصَافِيرِ تفسير : [وقوله]: [الوافر] شعر : 2464 - لَقَدْ كَبُرَ البَعِيرُ بِغَيْرِ لُبٍّ ................................ تفسير : وسم الإبرة في غايةِ الضِّيقِ، فلما كان المثلُ يُضْرَبُ بعظم هذا وكبره، وبضيق ذلك حتَّى قيل: أضْيقُ من خُرْت إبرة، ومنه الخِرِّيْتُ وهو البصير بمضايق الطُّرُقِ قيل: لا يدخلون [الجنة حتى يتقحّم أعظم الأشياء وأكبرها عند العرب في أضيق الأِياء وأصغرها فكأنه لا يدخلون] حتى يُوجدَ هذا المستَحِيلُ، ومثله في المعنى قول الشاعر: [الوافر] شعر : 2465 - إذا شَابَ الغُرَابُ أتَيْتُ أهْلِي وَصَارَ القَارُ كاللَّبَنِ الحَلِيبِ تفسير : وقرأ ابن عبَّاسٍ في رواية ابْنِ حَوْشَبٍ، ومجاهد، وابن يعمرَ، وأبو مجلزٍ والشعبيُّ، ومالك بن الشِّخِّير، وابن محيصنٍ، وأبُو رجاءَ، وأبو رزين، وأبان عن عاصمٍ: "الجُمَّل" بضمِّ الجيمِ وفتح الميم مشددة وهو القَلْسُ، والقَلْس: حبلٌ غليظ، يجمع من حبال كثيرة فيفتل، وهو حَبْلُ السَّفِينة. وقيل: الحَبْلُ الذي يُصعد به [إلى] النّخل. ويروى عن ابن عباس أنه قال: "إن الله أحسن تشبيهاً أن يشبه بالحبل من أن يشبه بالجَمَلِ" كأنَّهُ رأى - إن صحَّ عنه - أن المناسب لسم الإبرة شيءٌ يناسب الخيط المسلوك فيها. وقال الكِسَائي: "الرَّاوي ذلك عن ابن عباس أعجمي فَشَدَّ الميم". وضعَّف ابن عطية قول الكسائي بكثرة رواتها عن ابن عباس قراءة. قال شهابُ الدِّين: "ولذلك هي قراءةٌ مشهورة بين النَّاس". وروى مجاهدٌ عن ابن عباس ضمّ الجيم وفتح الميمِ خفيفة، وهي قراءة ابن جبير، وقتادة، وسالم الأفطس. وقرأ ابْنُ عبَّاسٍ أيضاً في رواية عطاء: "الجُمُل" بضم الجيم والميم مخففة، وبها قرأ الضحاكُ الجحدري. وقرأ عِكْرِمة، وابن جبير بضمِّ الجيم، وسكون الميم. [وقرأ المتوكل، وأبُو الجوزاء بالفتح والسُّكون، وكلُّها لغات في القَلْس المذكور. وسئل ابن مسعود عن الجمل في الآية فقال: "زَوْج النَّاقَةِ"، كأنه فهم ما أراد السّائل واستغباه]. قوله: {فِي سَمِّ ٱلْخِيَاطِ} متعلق بـ "يلج"، و "سمّ الخِيَاطِ" ثقب الإبرة، وهو الخُرْتُ، وسينه مثلثة، وكلّ ثُقب ضيق فهو سَمٌّ، وكلُّ ثقب في البدن؛ وقيل: كلُّ ثُقْبٍ في أنف أو أذن فهو سَمٌّ وجمعه سموم. قال الفَرَزْدَقُ: [الطويل] شعر : 2466 - فَنَفَّسْتُ عَنْ سَمَّيْهِ حَتَّى تَنَفَّسَا وقُلْتُ لَهُ لا تَخْشَ شَيْئاً وَرَائِيَا تفسير : والسُّمُّ: القاتل، وسمي بذلك للطفه وتأثيره في مسامّ البدنِ حتى يصل إلى القلب، وهو في الأصل مصدرٌ ثم أُريد به معنى الفاعل لدخوله باطن البدنِ، وقد سمَّه إذا أدخله فيه، ومنه "السَّامَّة" للخاصة الذين يدخلون بَوَاطِنَ الأمور ومَسَامَّها، ولذلك يقال لهم: الدّخلُل. والسموم الريح الحادة؛ لأنَّها تؤثر تأثير السّم القاتل. والخياط والمخيط الآلة التي يخاطُ بها فِعال ومِفْعَل، كإزار ومئزر، ولحافٍ ومِلْحَفٍ، وقناعٍ ومِقْنَعٍ. وقرأ عبد الله، وقتادة، وأبُو رزينٍ، وطلحةُ "سُمِّ" بضمِّ السِّين، وأبو عمران الجوني، وأبُو نهيكٍ، والأصمعيُّ عن نافع "سِمّ" بالكسر، وقد تقدَّم أنَّها لغات. وقرأ عَبْدُ الله، وأبُو رزين، وأبو مجلزٍ: "المِخْيَط" بكسر الميم وسكون الخاء، وفتح الياء. وطلحةُ بفتح الميم، وهذه مخالفة للسَّوادِ. قوله: "وَكَذلِكَ" أي: ومثل ذلك الجزاء نجزي المجرمين، فالكاف نعت لمصدر محذوف.
البقاعي
تفسير : ولما جرت العادة بأن أهل الشدائد يتوقعون الخلاص، أخبر أن هؤلاء ليسوا كذلك، لأنهم أنجاس فليسوا أهلاً لمواطن الأقداس، فقال مستأنفاً لجواب من كأنه قال: أما لهؤلاء خلاص؟ وأظهر موضع الإضمار تعميماً وتعليقاً للحكم بالوصف: {إن الذين كذبوا بآياتنا} أي وهي المعروفة بالعظمة بالنسبة إلينا {واستكبروا عنها} أي وأوجدوا الكبر متجاوزين عن اتباعها {لا تفتح لهم} أي لصعود أعمالهم ولا دعائهم ولا أرواحهم ولا لنزول البركات عليهم {أبواب السماء} لأنها طاهرة عن الأرجاس الحسية والمعنوية فإذا صعدت أرواحهم الخبيثة بعد الموت مع ملائكة العذاب أغلقت الأبواب دونها ثم ألقيت من هناك إلى سجين {ولا يدخلون الجنة} أي التي هي أطهر المنازل وأشرفها {حتى} يكون ما لا يكون بأن {يلج} أي يدخل ويجوز {الجمل} على كبره {في سم} أي في خرق {الخياط} أي الإبرة اي حتى يكون ما لا يكون، إذاً فهو تعليق على محال، فإن الجمل مثل في عظم الجرم عند العرب، وسم الإبرة مثل في ضيق المسلك، يقال: أضيق من خرق الإبرة، ومنه الماهر الخريت للدليل الذي يهتدي في المضايق المشبهة بأخراق الإبر؛ وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه سئل عن الجمل فقال: زوج الناقة - استجهالاً للسائل وإشارة إلى طلب معنى آخر غير هذا الظاهر تكلف. ولما كان هذا للمكذبين المستكبرين أخبر أنه لمطلق القاطعين أيضاً فقال: {وكذلك} أي ومثل ذلك الجزاء بهذا العذاب وهو أن دخولهم الجنة محال عادة {نجزي المجرمين*} أي القاطعين لما أمر الله به أن يوصل وإن كانوا أذناباً مقلدين للمستكبرين المكذبين؛ ثم فسر جزاء الكل فقال: {لهم من جهنم مهاد} أي فرش من تحتهم، جمع مهد، ولعله لم يذكره لأن المهاد كالصريخ فيه {ومن فوقهم غواش} أي أغطية - جمع غاشية - تغشيهم من جهنم؛ وصرح في هذا بالفوقية لأن الغاشية ربما كانت عن يمين أو شمال، أو كانت بمعنى مجرد الوصول والإدراك، ولعله إنما حذف الأول لأن الآية من الاحتباك، فذكر جهنم أولاً دليلاً على إرادتها ثانياً، وذكر الفوق ثانياً دليلاً على إرادة التحت أولاً. ولما كان بعضهم ربما لا تكون له أهلية قطع ولا وصل، قال عاماً لجميع أنواع الضلال: {وكذلك } أي ومثل ذلك الجزاء {نجزي الظالمين*} ليعرف أن المدار على الوصف، والمجرم: المذنب ومادته ترجع إلى القطع، والظالم: الواضع للشيء في غير موضعه كفعل من يمشي في الظلام، يجوز أن يكون نبه سبحانه بتغاير الأوصاف على تلازمها، فمن كان ظالماً لزمه الإجرام والتكذيب والاستكبار وبالعكس. ولما أخبر عن أحوالهم ترهيباً، أتبعه الإخبار عن أحوال المؤمنين ترغيباً فقال {والذين آمنوا} في مقابلة {الذين كذبوا}. ولما قال: {وعملوا} أي تصديقاً لإيمانهم في مقابلة {الذين استكبروا} {الصالحات} وكان ذلك مظنة لتوهم أن عمل جميع الصالحات - لأنه جمع محلى بالألف واللام - شرط في دخول الجنة؛ خلل ذلك بجملة اعتراضية تدل على التخفيف فقال: {لا نكلف نفساً إلا وسعها} وترغيباً في اكتساب مالا يوصف من النعيم بما هو في الوسع {أولئك} أي العالو الرتبة {أصحاب الجنة} ولما كانت الصحبة تدل على الدوام، صرح به فقال:{هم فيها خالدون}.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {لا تفتح لهم أبواب السماء} يعني لا يصعد إلى الله من عملهم شيء . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس {لا تفتح لهم أبواب السماء} قال: لا تفتح لهم لعمل ولا دعاء . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله {لا تفتح لهم أبواب السماء} قال: عَيَّرَتها الكفار، إن السماء لا تفتح لأرواحهم وهي تفتح لأرواح المؤمنين . وأخرج ابن مردويه عن البراء بن عازب قال " قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا يفتح لهم " بالياء " . وأخرج أحمد والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي في البعث عن أبي هريرة "حديث : أن رسول الله صلى عليه وسلم قال: الميت تحضره الملائكة، فإذا كان الرجل صالحاً قال: أخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب، أخرجي حميدة وابشري بروح وريحان ورب راض غير غضبان، فلا يزال يقال لها ذلك حتى تنتهي إلى السماء السابعة، فإذا كان الرجل السوء قال: أخرجي أيتها النفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث، أخرجي ذميمة وابشري بحميم وغساق وآخر من شكله أزواج، فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج ثم يعرج بها إلى السماء، فيستفتح لها فيقال: من هذا؟ فيقال فلان ... فيقال: لا مرحبا بالنفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث، ارجعي ذميمة فإنها لا تفتح لك أبواب السماء. فترسل من السماء ثم تصير إلى القبر " . تفسير : وأخرج الطيالسي وابن أبي شيبة في المصنف واللالكائي في السنة والبيهقي في البعث عن أبي موسى الأشعري قال: تخرج نفس المؤمن وهي أطيب ريحاً من المسك، فيصعد بها الملائكة الذين يتوفونها، فتلقاهم ملائكة دون السماء فيقولون: من هذا معكم؟ فيقولون فلان، ويذكرونه بأحسن عمله، فيقولون: حياكم الله وحيا من معكم، فيفتح له أبواب السماء فيصعد به من الباب الذي كان يصعد عمله منه. فيشرق وجهه فيأتي الرب ولوجهه برهان مثل الشمس. قال: وأما الكافر فتخرج نفسه وهي أنتن من الجيفة، فيصعد بها الملائكة الذين يتوفونها، فتلقاهم ملائكة دون السماء فيقولون: من هذا؟! فيقولون فلان، ويذكرونه باسوأ عمله، فيقولون: ردوه فما ظلمه الله شيئاً. فيرد إلى أسفل الأرضين إلى الثرى، وقرأ أبو موسى {ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط} . وأخرج الطيالسي وابن أبي شيبة وأحمد وهناد بن السري وعبد بن حميد وأبو داود في سننه وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في كتاب عذاب القبر عن البراء بن عازب قال " حديث : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر ولما يلحد، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلسنا حوله، وكان على رؤوسنا الطير وفي يده عود ينكث به في الأرض، فرفع رأسه فقال: استعيذوا بالله من عذاب القبر مرتين أو ثلاثاً، ثم قال: إنَّ العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه كأنَّ وجوههم الشمس، معهم أكفان من كفن الجنة وحنوط من حنوط الجنة حتى يجلسوا منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الطيبة أخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان. فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء وإن كنتم ترون غير ذلك، فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها، فيجعلوها في ذلك الكفن وفي ذلك الحنوط، فيخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت وجه على الأرض، فيصعدون بها فلا يمرون على ملإٍ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الطيب؟! فيقولون: فلان بن فلان بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا، فيستفتحون له فيفتح لهم، فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها حتى ينتهي به إلى السماء السابعه، فيقول الله: اكتبوا كتاب عبدي في عليين واعيدوه إلى الأرض، فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى، فتعاد روحه في جسده . فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله. فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإِسلام. فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله. فيقولان له: وما عملك؟ فيقول: قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت. فينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي فافرشوه من الجنة وألبسوه من الجنة وافتحوا له باباً إلى الجنة، فيأتيه من روحها وطيبها، ويفسح له في قبره مد بصره، ويأتيه رجل حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح فيقول: ابشر بالذي يسرك هذا يومك الذي كنت توعد. فيقول له: من أنت، فوجهك الوجه يجيء بالخير؟! فيقول: أنا عملك الصالح فيقول: رب أقم الساعة، رب أقم الساعة حتى ارجع إلى أهلي ومالي . قال: وإن العبد الكافر إذا كان في إقبال من الآخرة وانقطاع من الدنيا، نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه معهم المسوح، فيجلسون منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الخبيثة أخرجي إلى سخط من الله وغضب، فتفرق في جسده فينتزعها كما يتنزع السفود من الصوف المبلول، فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح، ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملإٍ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الخبيث؟! فيقولون: فلان بن فلان بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا حتى ينتهي بها إلى السماء الدنيا، فيستفتح فلا يفتح له، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {لا تفتح لهم أبواب السماء} فيقول الله عز وجل: اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى، فتطرح روحه طرحاً، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {ومن يشرك بالله فكأنما خرّ من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق} [الحج: 31] . فتعاد روحه في جسده ويأتيه ملكان، فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه...! فيقولان له : ما دينك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري...! فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول هاه هاه لا أدري...! فينادي مناد من السماء: إن كذب عبدي فافرشوه من النار وافتحوا له باباً إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها ويضيق عليه قبره حتى تختلف في أضلاعه، ويأتيه رجل قبيح الوجه قبيح الثياب منتن الريح، فيقول: ابشر بالذي يسوءك هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول: من أنت فوجهك الوجه، يجيء بالشر؟! فيقول: أنا عملك الخبيث. فيقول: رب لا تقم الساعة " . تفسير : وأخرج ابن جرير عن مجاهد {لا تفتح لهم أبواب السماء} قال: لا يصعد لهم كلام ولا عمل. وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير {لا تفتح لهم أبواب السماء} قال: لا يرفع لهم عمل ولا دعاء . وأخرج ابن جرير عن ابن جريج {لا تفتح لهم أبواب السماء} قال: لأرواحهم ولا أعمالهم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله {لا تفتح لهم أبواب السماء} قال: الكافر إذا أخذ روحه ضربته ملائكة الأرض حتى يرتفع إلى السماء، فإذا بلغ السماء الدنيا ضربته ملائكة السماء فهبط، فضربته ملائكة الأرض فارتفع، فضربته ملائكة السماء الدنيا فهبط إلى أسفل الأرضين، وإذا كان مؤمناً روّح روحه، وفتحت له أبواب السماء، فلا يمر بملك إلا حياه وسلم عليه حتى ينتهي إلى الله، فيعطيه حاجته ثم يقول الله: ردوا روح عبدي فيه إلى الأرض فإني قضيت من التراب خلقه وإلى التراب يعود ومنه يخرج. قوله تعالى {حتى يلج الجمل في سم الخياط} . وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله {حتى يلج الجمل} قال: ذو القوائم {في سم الخياط} قال: خرق الإِبرة . وأخرج سعيد بن منصور والفريابي وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ والطبراني في الكبير عن ابن مسعود في قوله {حتى يلج الجمل} قال: زوج الناقة . وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن الحسن في قوله {حتى يلج الجمل} قال: ابن الناقة الذي يقوم في المربد على أربع قوائم . وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وأبو عبيد وابن جرير وابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف وأبو الشيخ من طرق عن ابن عباس. أنه كان يقرأ {الجمل} يعني بضم الجيم وتشديد الميم، وقال: الجمل الحبل الغليظ، وهو من حبال السفن . وأخرج أبو عبيد وابن جرير وابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف وأبو الشيخ عن مجاهد قال: قراءة ابن مسعود "حتى يلج الجمل الأصفر في سم الخياط " . وأخرج ابن المنذر عن مصعب قال: إن قرئت الجمل فإنا نعرف طيراً يقال له الجمل . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن مجاهد حتى {يلج الجمل في سم الخياط} قال: الجمل حبل السفينة، وسم الخياط ثقبة . وأخرج أبو الشيخ عن عكرمة في الآية قال: الجمل الحبل الذي يصعد به إلى النخل، الميم مرفوعة مشددة . وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن الحسن في الآية قال: حتى يدخل البعير في خرق الإِبرة . وأخرج عبد بن حميد عن ابن عمر. أنه سئل عن سم الخياط؟ قال: الجمل في ثقب الإِبرة.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَٰتِنَا وَٱسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ ٱلسَّمَآءِ وَلاَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ فِي سَمِّ ٱلْخِيَاطِ وَكَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلْمُجْرِمِينَ لَهُمْ مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ}. فلا دعاؤهم يُسمَع، ولا بكاؤهم ينفع، ولا بلاؤهم يكشف، ولا عناؤهم يُرْفَع. قوله جلّ ذكره: {وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلظَّالِمِينَ}. كما أحاطت العقوبات بهم في الدنيا فَتَدَنَّس بالغفلة باطنُهم، وتلوَّثَ بالزَّلة ظاهرهم، فكذلك أحاطت العقوبات بجوانبهم؛ فَمِنْ فوقهم عذاب ومن تحتهم عذاب، وكذلك من جوانبهم في القلب من ضيق العيش واستيلاء الوحشة ما يفي ويزيد على الكل.
اسماعيل حقي
تفسير : {ان الذين كذبوا بآياتنا} وهى الحجج الدالة على اصول الدين من التوحيد ونبوة الانبياء والبعث والجزاء {واستكبروا عنها} اى تعظموا وترفعوا عن الايمان بها والعمل بمقتضاها وهم الكفار {لا تفتح} التشديد لكثرة الابواب {لهم ابواب السماء} اى لا تقبل ادعيتهم ولا اعمالهم اولا تعرج اليها ارواحهم كما هو شأن أدعية المؤمنين واعمالهم وارواحهم وفى الحديث "حديث : ان روح المؤمن يعرج بها الى السماء فيستفتح لها فيقال مرحبا بالنفس الطيبة التى كانت فى الجسد الطيب الى ان تنتهى الى السماء السابعة ويستفتح لروح الكافر فيقال لها ارجعى ذميمة فيهوى بها الى سجين " . تفسير : وهو مقر ابليس الأبالسة تحت الارض السابعة فالارواح كلها سعيدها وشقيها متصلة باجسادها فتعذب الارواح وتتألم الاجساد منه كالشمس فى السماء ونورها فى الارض. واعلم ان ارواح العصاة من المؤمنين تكون بين السماء والارض بعضها فى الهواء وبعضها فى افنية القبور الى سبعة ايام الى سنة الى غير ذلك من الزمان حتى تصعد وتتخلص بدعوات الاحياء وامداد الحسنات وتصل الى المقر السماوى الدنيوى {ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل فى سم الخياط} اى حتى يدخل ما هو مثل فى عظم الجرم وهو البعير فى ما هو مثل فى ضيق المسلك وهو ثقب الابرة وذلك مما لا يكون فكذا ما توقف عليه "هو كارى موقوف محالست محالست". والعرب اذا ارادت تأكيد النفى علقته بما يستحيل كونه كما قال الشعر شعر : اذا شاب الغراب اتيت اهّلى وصار القار كاللبن الحليب تفسير : والجمل زوج الناقة وانما يسمى جملا اذا اربع اى اذا دخل فى السنة السابعة فانه يقال له فى السنة السابعة رباع وللانثى رباعية بالتخفيف. والخياط ما يخاط به فسم الخياط بالفارسية [سوراخ سوزن] وقرئ الجمل بضم الجيم وتشديد الميم وهو الحبل الغليظ من القنب او حبل السفينة التى يقال له القلس وهى حبال مجموعة مفتولة {وكذلك} اى مثل ذلك الجزاء الفظيع وهو الحرمان من الجنة {نجزى المجرمين} اى جنس المجرمين فدخلوا فى زمرتهم دخولا اوليا.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {سَمّ الخياط}: عين الإبره، وفي السين: الفتح والكسر والضم، والخياط: ما يخاط به، على وزن حِزام، والتنوين في {غواشٍ}: للعوض عن الياء، عند سيبويه، وللصرف عند غيره. يقول الحقّ جلّ جلاله: {إنَّ الذين كذَّبوا بآياتنا واستكبروا} عن: الإيمان بها، {لا تُفتَّح لهم أبوابُ السماء}؛ لأدعيتهم وأعمالهم؛ فلا تقبل، أو لا تفتح لأرواحهم إذا ماتوا، بل تغلق دونها إذا وصلت بها الملائكة إليها، فيطرحونها فتسقط من السماء، بخلاف أرواح المؤمنين؛ تُفتح لهم أبواب السماء حتى يفضوا إلى سدرَة المنتهى. {ولا يدخلون الجنة حتى يَلجَ} أي: يدخل، {الجمَلُ} وهو البعير {وفي سَمِّ الخِياط} أي: في ثقب الإبرة، والمعنى: لا يدخلون الجنة حتى يكون ما لا يكون أبدًا، فلا يدخلون الجنة أبدًا، وقرأ ابن عباس {الجُمل}، بضم الجيم وسكون الميم، وهو حبل السفينة، الذي جُمِعَ بعضُه إلى بعض حتى صار أغلظ ما يكون. ثم قال تعالى: {وكذلك نَجزي المجرمين} أي: مثل ذلك الجزاء الفظيع نجزي المجرمين، {لهم من جهنم مهادٌ} أي: فراش، {ومِن فوقهم غَوَاشٍ} أي: أغطية من النار. {وكذلك نجزي الظالمين} عبَّر عنهم بالمجرمين تارة، وبالظالمين أخرى؛ إشعارًا بأنهم بتكذيبهم الآيات، اتصفوا بالجرم والظلم، وذكر مع الحرمان من الجنة: الجرم، ومع التعذيب بالنار: الظلم؛ تنبيهًا على أن الظلم أعظم الإجرام. الإشارة: أهل التربية النبوية من الشيوخ العارفين: آية من آيات الله، من كَذَّب بهم، واستكبر عن الخضوع لهم، لا تفتح لفكرته أبواب السماء، بل يبقى مسجونًا بمحيطاته، محصورًا في هيكل ذاته، ولا يدخل جنة المعارف أبدًا، بل يحيط به الحجاب من فوقه ومن أسفله، فتنحصر روحه في الأكوان، ولم تفض إلى فضاء الشهود والعيان. وفي الحِكَم: "الكائن في الكون، ولم تفتح له ميادين الغيوب، مسجون بمحيطاته، محصور في هيكل ذاته". وقال أيضًا: "وسعك الكون من حيث جثمانيتك، ولم يَسعَك من حيث ثبوتُ روحانيِتك"، فكل من لم تثبت له الروحانية: فهو محصور في الكون، وكل من ثبتت له الروحانية؛ بأن استولى معناه على حسه، لم يسعه الكون، ولم يحصره عرش ولا فرش، وكذلك الصوفي؛ لا تظله السماء ولا تقله الأرض، أي: لا يحصره الكون من حيث فكرتُهُ. والله تعالى أعلم. ثم شفع بضدهم فقال: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ}.
الطوسي
تفسير : قرأ حمزة والكسائي وخلف "لا يفتح" بالياء والتخفيف، وقرأ أبو عمرو بالتاء والتخفيف. الباقون بالتاء، والتشديد. من شدَّد ذهب الى التكثير. والمعنى أنهم ليسوا كحال المؤمن في التفتيح مرة بعد أخرى. ومن قرأ بالتاء، فلان الابواب جماعة فأنث تأنيث الجماعة. ومن قرأ بالياء، فلأن التأنيث غير حقيقي، وذهب الى معنى الجمع. أخبر الله تعالى في هذه الآية {إِن الذين كذبوا} بآيات الله وجحدوها، واستكبروا عنها بمعنى طلبوا التكبر والترفع عن الانقياد لها {لا تفتح لهم أبواب السماء} هوانا لهم واستخفافا، بهم فان فتحت فتحت عليهم بالعذاب. وقال ابن عباس والسدي: لأنها تفتح لروح المؤمن، ولا تفتح لروح الكافر، وفي رواية أخرى عن ابن عباس، ومجاهد، وابراهيم: لا تفتح لدعائهم، ولا أعمالهم. وقال أبو جعفر (ع) أما المؤمنون فترفع أعمالهم وأرواحهم الى السماء، فتفتح لهم أبوابها. وأما الكافر، فيصعد بعمله وروحه حتى اذا بلغ السماء نادى منادٍ: اهبطوا بعمله الى سجين، وهو واد بحضرموت يقال له: برهوت. وقال الحسن لا تفتح لدعائهم. وقال ابن جريج: لا تفتح لأرواحهم ولا أعمالهم. وقال أبو علي: لا تفتح لهم أبواب السماء لدخول الجنة، لان الجنة في السماء. ثم قال {ولا يدخلون الجنة} يعني هؤلاء المكذبين بآيات الله والمستكبرين عنها سواء كانوا معاندين في ذلك أو غير عالمين بذلك. وإِنما تساويا في ذلك، لان من ليس بعالم قد ازيحت علته باقامة الحجة، ونصب الأدلة على تصديق آيات الله، وترك الاستكبار عنها. وقوله {حتى يلج الجمل في سم الخياط} إِنما علق الجائز، وهو دخولهم الجنة بمحال، وهو دخول الجمل في سم الخياط، لأنه لا يكون، كما قال الشاعر: شعر : إِذ شاب الغراب أتيت أهلي وصار القار كاللبن الحليب تفسير : والآخر أنه مضمر بما لا يمكن من قلب الدليل، والجمل هو البعير - ها هنا - في قول عبد الله والحسن ومجاهد والسدي وعكرمة وأكثر المفسرين. والسم الثقب. ومنه قيل: السم القاتل، لأنه ينفذ بلطفه في مسامِّ البدن حتى يصل الى القلب فتنتقض بنيته، وكل ثقب في البدن لطيف فهو سُم وسَم بضم السين وفتحها وجمعه سموم، وقال الفرزدق: شعر : فنفست عن سميه حتى ينفسا وقلت له لا تخش شيئاً ورائيا تفسير : يعني بسميه ثقبي أنفه، ويجمع السم القاتل سماماً. والخياط والمخيط الابرة. وقيل خياط ومخيط، كما قيل لحاف وملحف، وقناع ومقنع، وإِزار ومئزر، وقرام ومقرم - ذكره الفراء -.
الجنابذي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَٱسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا} قد مضى تفصيل فى مثلها {لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ ٱلسَّمَآءِ} سماء الارواح لانّ بابها القلب وفتحه بالولاية التّكليفيّة وقد كذّبوا بها {وَلاَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ فِي سَمِّ ٱلْخِيَاطِ} تعليق على ما لا يكون، او المراد انّ انانيّاتهم مانعة من دخول الجنّة فلا يدخلونها ما دام جمل انانيّاتهم باقية فاذا ذاب انانيّاتهم دخلوها {وَكَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلْمُجْرِمِينَ} امّا من قبيل وضع الظّاهر موضع المضمر ابداءً لوصفٍ آخر لهم مشعر بالذّمّ واظهاراً لاستحقاق العقاب من جهة اخرى، او المراد بالمجرمين غير المكذّبين وهكذا الحال فى قوله نجزى الظّالمين.
فرات الكوفي
تفسير : {ولا يَدْخُلونَ الجَنَّةَ حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ40} [قال: حدثنا.ب] [فرات بن إبراهيم الكوفي. أ، ب. ر: فرات] [قال: حدثنا الحسن بن محمد. ر] معنعناً: عن أبي الطفيل [رضي الله عنه. ر] قال: سمعت [أمير المؤمنين. ر] علي بن أبي طالب عليه السلام يقول: [لقد. أ، ب] علم المستحفظون من أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعائشة بنت أبي بكر أن أصحاب الجمل وأصحاب النهروان ملعونون على لسان النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط.
اطفيش
تفسير : {إنَّ الَّذينَ كذَّبوا بآياتِنا واسْتكبرُوا عَنْها} عن الإيمان بها {لا تُفتَّح لهم أبوابُ السَّماءِ} بالفوقية والبناء للمفعول والتشديد، ووجه التشديد فى كثرة الأبواب، أو المبالغة الراجعة للنفى، أى انتفى انتفاء بليغا فتح الأبواب لهم، أى المبالغة فى المنفى، أى ليس لهم الفتح العظيم للأبواب كما هو للمؤمنين، ولا يلزم من هذا أن يكون لهم فتح صغير، وهذا كما يقول المفتخر الذى عنده جنان تشتمل على مائة نخلة لمن لا نخلة له: ليس لك جنات تشتمل على مائة نخلة، وسهل ذلك أن ذلك الضعيف قد ظهر أنه ليس عنده ذلك، وقد ظهر أن الكافر لا فتح له أصلا، والمعنى أنه لا تفتح أبواب السماء لأرواحهم إذا ماتوا بل تستفتح لهم فلا تفتح وترد إلى سجين، كما تفتح لروح المؤمن إلى السماء السابعة وإلى عليين، تصعد خبيثة منتنة وترجع كذلك، ولا تمر بملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الروح الخبيثة؟ فيقال: فلان ابن فلان بأقبح أسمائه كما فى حديث. وقيل: لا يصعد بها أصلا، ولا تفتح لأعمالهم وأقوالهم ودعائهم، إنما يصعد إلى الله الكلم الطيب والعمل الصالح، ولا تفتح لتزول البركة عليهم والخير، ولا لدخول الجنة، فإنها فى السماء، وتفتح الأبواب لروح المؤمن حتى تصل السماء السابعة، فتصلى عليها الملائكة المقربون وقرأ أبو عمرو: لا تفتح بضم التاء الأولى وإسكان الفاء، وفتح الثانية مخففة، وقرأ حمزة: لا يفتح بالمثناة التحتية مع البناء للمفعول، والتخفيف كذلك إبقاء للأبواب على تذكيره بدون أن يعتبرها بمعنى الجماعة أو الجملة، أو قد اعتبر ذلك فتكون مؤنثة، لكن لم يؤنث الفعل لأن الفاعل ظاهر مجازى التأنيث، وأيضا قد فصل فيجوز التذكير، ولو كان حقيقى التأنيث، وقرأ أبو حيوة: لا يفتح بالتحتية والبناء للمفعول والتشديد، وقرىء: لا تفتح بالفوقية والبناء للفاعل والتخفيف، ونصب الأبواب ففيه الآيات، أى لا تفتح الآيات أبواب السماء لهم، لأنهم لم يؤمنوا بها، ولو آمنوا لفتحتها لها، أى لكانت لهم سببا فى فتحها، وقرىء لا يفتح بالتحتية والبناء للفاعل والتخفيف، ونصب الأبواب أى لا يفتح الله لهم أبواب السماء. {ولا يدْخُلون الجنَّة حتَّى يَلجَ} يدخل {الجَملُ} البعير الذكر {فى سَمِّ} ثقب {الخِيَاطِ} الإبرة، وليس بداخل أبدا، فكذلك لا يدخلون الجنة أبداً، والعرب إذا أرادت استحالة شىء علقته بالمحال، وإذا أرادت وقوعه ولا بد علقته بواجب الوقوع، والخياط صفة مبالغة فى الأصل لمن كثرت منه الخياطة، وسميت بها الإبرة أو وصفت بها لكثرة الخياطة، بها، وسمى أيضا المخيط والمخياط بكسر ميمها وإسكان حائهما وفتح يائهما، والمخيط بفتحهما، وبه قرأ طلحة، وقرأ ابن مسعود المخيط بكسر الميم وفتح الياء، وما ذكرته فى تفسير الجمل هو الصحيح. وقد سئل عنه ابن مسعود رضى الله عنه فقال: زوج الناقة استجهالا للسائل، وإشارة إلى أن طلب معنى آخر تكلف، وعنه ولد الناقة، وقرأ: متى يلج الجمل الأصفر، وسئل عنه الحسن فقال: هو الجمل الذى يقوم بالمريد على أربع، ومرة لما أكثروا عليه قال: هو الأشد وهو البعير الذكر بالفارسية، ومرة قال: هو ولد الناقة، وذلك أنهم يتشوفون إلى معنى آخر لما رأوا فيه من قراآت مختلفة كما تأتى إن شاء الله، ولما يتبادر إليهم أن الأنسب أن يراد به الحبل الغليظ، ولم يعلموا أن البعير أولى لأنه هو مما يمثل به فى عظم الجنة دون الحبل الغليظ، وقد فسره ابن عباس بالحبل وقال: إن الله أحسن تشبيها من أن يشبه بالبعير، يعنى أن الحبل مناسب للخيط الذى يسلك فى سم الإبرة والبعير لا يناسبه، وما ذكرته أولى. وفسره بعضهم بحبل السفينة الغليظ، كما روى عن ابن عباس، وابن جبير، وسالم الأفطس وقرأ الجمل بضم الجيم وفتح الميم مخففة، وعن ابن عباس الجمل بضم الجيم وفتح الميم مشددة، وقال الكسائى: إن الذى روى تشديد الميم عن ابن عباس كان أعجمياً شدد الميم لعجمته، وهذا ضعيف لكثرة أصحاب ابن عباس على التشديد، وبه قرأ عكرمة، ومجاهد، وابن جبير، والشعبى، ومالك بن الشخير، وأبو رجاء، وأبو رجاء، وعن ابن جبير: الجمل بضم الجيم وإسكان الميم عن ابن عباس الجمل بضم الجيم والميم، وهو لغة فى الجمل بمعنى البعير. واعلم أن البعير يطلق على الذكر والأنثى من الإبل، والجمل على الذكر، وقد يطلق الجمل على الأنثى شذوذا، وقرأ ابن سيرين بضم سين سمى، وقرأ بعضهم بكسرها، وقرأ أبو حيوة بهما، والجمهور على الفتح. {وكَذلكَ نَجْزِى المجْرِمينَ} هم المكذبون، وعبر عنهم بالظاهر الذى هو المجرمون تنبيها على أن تكذيبهم إجرام، وأن كل من أجرم عوقب بذلك، فإن الإجرام هو سبب العقاب أو أراد كل مجرم.
اطفيش
تفسير : {إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا} متلواتها ومعجزاتها {واسْتَكْبَرُوا عَنْهَا} عن الإِيمان بها والعمل بمقتضاها {لاَ تُفَتَّحُ} شدد للمبالغة العائدة إِلى النفى أَى ننفى الفتح لهم انتفاء بليغاً، أَو إِلى كثرة الأَبواب أَو إِلى أَن لكل سماءٍ أَبوابا {لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ} لأدعيتهم وأَعمالهم، ولا لنزول البركة ولا لأرواحهم عند النوم والموت لأنها خبيثة كما تفتح للمؤمنين لأَجل ذلك لطيبهم وطيب أَرواحهم فتتصل بالملائكة "إِليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه" قال صلى الله عليه وسلم لروح المؤمن: "حديث : يعرج بها إِلى السماء فيستفتح لها فيقال: مرحباً بالنفس الطيبة التى كانت فى الجسد الطيب، إِلى أَن ينتهى بها إِلى السماء السابعة، ويستفتح لروح الكافر فيقال لها ارجعى ذميمة فيهوى بها إِلى سجين ومعها فى صعودها ريح منتنة كأَنتن جيفة على الأَرض لا تمر على ملك من الملائكة إِلا قالوا: ما هذه الرائحة الخبيثة، فيقولون فلان بن فلان، بأَقبح أَسمائه فى الدنيا"تفسير : ، والنفى لعموم السلب {وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ} يدخل، وقيل الولوج خاص بالمضيق {الْجَمَلُ} البعير الذكر إِذا بذل وقيل إِذا بلغ أَربع سنين، والبعير أَكبر ما ترى العرب من الحيوان، والفيل أَكبر لكن ليس فى أَيديهم ولا فى برهم، وقيل الحبل الغليظ من القنب، وقيل حبل السفينة والأَول هو الصحيح، وقد عنف ابن مسعود السائل عن الجمل بقوله: إِنه زوج الناقة، وكذا الحسن عنف السائل بقوله: إِنه ابن الناقة الذى يقوم فى المربد على أَربع قوائم، وذلك كراهة منهما لتفسيره بغير البعير {فِى سَمِّ} ثقب {الْخِيَاطِ} الإِبرة، استحال دخولهم الجنة كما استحال دخول الجسم الغليظ فى الثقب الضيق، وذلك حقيقة غياها بالمحال، وهذا أَولى من الاستعارة التمثيلية، إِلا أَنها أَشد مبالغة حيث يمكن أَن يراد ما هو أَعظم من الجمل وأَضيق من ثقب الإِبرة، ودخول الجمل فى سم الخياط مستحيل، وهو قاعد ولا سيما إِن كان قائماً أَو ممتداً على جنب {وَكَذَلِكَ} أَى على هذا الوصف من استحالة دخول الجنة {نَجْزِى الْمُجْرِمِينَ} أَى نجزيهم، وذكرهم باسم المجرمين ليصرح بأَنهم مجرمون، وأَن الإِجرام سبب الجزاء، والمراد عموم المجرمين، ويدخل هؤلاء دخولا أَوليا فى هذا العموم.
الالوسي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِنَا } الدالة على أصول الدين وأحكام الشرع كالأدلة الدالة على وجود الصانع ووحدته والدالة على النبوة والمعاد ونحو ذلك {وَٱسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا } أي بالغوا في احتقارها وعدم الاعتناء بها ولم يلتفتوا إليها وضموا أعينهم عنها ونبذوها وراء ظهورهم ولم يكتسوا بحلل مقتضاها ولم يعملوا به {لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ } أي لأرواحهم إذا ماتوا {أَبْوٰبَ ٱلسَّمَاء } كما تفتح لأرواح المؤمنين. أخرج أحمد والنسائي والحاكم وصححه والبيهقي وغيرهم عن أبـي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : الميت تحضره الملائكة فإذا كان الرجل صالحاً قال: أخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب أخرجي حميدة وأبشري بروح وريحان ورب راض غير غضبان فلا تزال يقال لها ذلك حتى تخرج ثم يعرج بها إلى السماء فيستفتح لها فيقال من هذا؟ فيقولون: فلان بن فلان فيقال: مرحباً بالنفس الطيبة كانت في الجسد الطيب أدخلي حميدة وأبشري روح وريحان ورب راض غير غضبان فلا تزال يقال لها ذلك حتى تنتهي إلى السماء السابعة وإذا كان الرجل سوأ قال: أخرجي أيتها النفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث أخرجي ذميمة وأبشري بحميم وغساق وآخر من شكله أزواج فلا تزال يقال لها ذلك حتى تخرج ثم يعرج بها إلى السماء فيستفتح لها فيقال: من هذا؟ فيقولون: فلان بن فلان فيقال: لا مرحباً بالنفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث ارجعي ذميمة لا تفتح لك أبواب السماء فترسل من السماء ثم تصير إلى القبر » تفسير : والأخبار في ذلك كثيرة. وقيل: لا تفتح لأعمالهم ولا لدعائهم أبواب السماء. وروي ذلك عن الحسن ومجاهد. وقيل: لا تفتح لأرواحهم ولا لأعمالهم. وروي ذلك عن ابن جريج. وقيل: المراد لا يصعد لهم عمل ولا تنزل عليهم البركة. وكون السماء لها أبواب تفتح للأعمال الصالحة والأرواح الطيبة قد تفتحت له أبواب القبول للنصوص الواردة فيه وهو أمر ممكن أخبر به الصادق فلا حاجة إلى تأويله. وكون السماء كروية لا تقبل الخرق والالتئام مما لا يتم له دليل عندنا. وظاهر كلام أهل الهيئة الجديدة جواز الخرق والالتئام على الأفلاك. وزعم بعضهم أن القول بالأبواب لا ينافي القول بامتناع الخرق والالتئام وفيه نظر كما لا يخفى. والتاء في {تفتح } لتأنيث الأبواب والتشديد لكثرتها لا لكثرة الفعل لعدم مناسبة المقام. وقرأ أبو عمرو بالتخفيف وحمزة والكسائي به وبالياء التحتية وروي ذلك عن البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن التأنيث غير حقيقي والفعل مقدم مع وجود الفاصل. وقرىء على البناء للفاعل ونصب الأبواب بالتاء الفوقية على أن الفعل مسند إلى الآيات مجازاً لأنها سبب لذلك. وبالياء على أنه مسند إلى الله تعالى. {وَلاَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ } يوم القيامة {حَتَّىٰ يَلِجَ } أي يدخل {ٱلْجَمَلُ } «هو البعير إذا بزل وجمعه جمال وأجمال وجمالة ويجمع الأخير على جمالات». وعن ابن مسعود أنه سئل عن الجمل فقال: هو زوج الناقة. وعن الحسن أنه قال: ابن الناقة الذي يقوم في المربد على أربع قوائم وفي ذلك استجهال للسائل وإشارة / إلى أن طلب معنى آخر تكلف. والعرب تضرب به المثل في عظم الخلقة فكأنه قيل: حتى يدخل ما هو مثل في عظم الجرم {فِى سَمّ ٱلْخِيَاطِ } أي ثقبة الابرة وهو مثل عندهم أيضاً في ضيق المسلك وذلك مما لا يكون فكذا ما توقف عليه بل لا تتعلق به القدرة لعدم إمكانه ما دام العظيم على عظمه والضيق على ضيقه. وهي إنما تتعلق بالممكنات الصرفة. والممكن الولوج بتصغير العظيم أو توسيع الضيق. وقد كثر في كلامهم مثل هذه الغاية فيقولون: لا أفعل كذا حتى يشيب الغراب وحتى يبيض القار وحتى يؤوب القارظان ومرادهم لا أفعل كذا أبداً، وقرأ ابن عباس وابن جبير ومجاهد وعكرمة. والشعبـي {ٱلْجَمَلُ } بضم الجيم وفتح الميم المشددة كالقمل. وقرأ عبد الكريم وحنظلة وابن عباس وابن جبير في رواية أخرى {ٱلْجَمَلُ } بالضم والفتح مع التخفيف كنغر. وفي رواية عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قرأ {ٱلْجَمَلُ } بضم الجيم وسكون الميم كالقفل و {ٱلْجَمَلُ } بضمتين كالنصب، وقرأ أبو السمال {ٱلْجَمَلُ } بفتح الجيم وسكون الميم كالحبل، وفسر في جميع ذلك بالحبل الغليظ من القنب. وقيل: هو حبل السفينة، وقرىء {فِى سَمّ } بضم السين وكسرها وهما لغتان فيه والفتح أشهر، ومعناه الثقب الصغير مطلقاً. وقيل: أصله ما كان في عضو كأنف وأذن، وقرأ عبد الله {فِى سَمِّ المخيط} بكسر الميم وفتحها وهو والخياط ما يخاط به كالحزام والمحزم والقناع والمقنع. { وَكَذٰلِكَ } أي مثل ذلك الجزاء الفظيع {نَجْزِى ٱلْمُجْرِمِينَ } أي جنسهم وأولئك داخلون فيه دخولاً أولياً، وأصل الجرم قطع الثمرة عن الشجرة. ويقال: أجرم صار ذا جرم كأتمر وأثمر، ويستعمل في كلامهم لاكتساب المكروه، ولا يكاد يقال للكسب المحمود.
ابن عاشور
تفسير : استئناف ابتدائي مسوق لتحقيق خلود الفريقين في النّار، الواقععِ في قوله: {أية : والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} تفسير : [الأعراف: 36] فأخبر الله بأنّه حرمهم أسباب النّجاة، فَسَدّ عليهم أبواب الخير والصّلاح، وبأنّه حرّمهم من دخول الجنّة. وأكّد الخبر بــــ {إنّ} لتأييسهم من دخول الجنّة، لدفع توهّم أن يكون المراد من الخلود المتقدّم ذكرُه الكنايةَ عن طول مدّة البقاء في النّار فإنّه ورد في مواضع كثيرة مراداً به هذا المعنى. ووقع الإظهار في مقام الإضمار لدفع احتمال أن يكون الضّمير عائداً إلى إحدى الطّائفتين المتحاورتين في النّار، واختير من طرق الإظهار طريق التّعريف بالموصول إيذاناً بما تومىء إليه الصّلة من وجه بناءِ الخبر، أي: إنّ ذلك لأجل تكذيبهم بآيات الله واستكبارهم عنها، كما تقدّم في نظيرها السّابق آنفاً. والسّماءُ أطلقت في القرآن على معاننٍ، والأكثر أن يراد بها العوالم العليا غير الأرضيّة، فالسّماء مجموع العوالم العليا وهي مَراتب وفيها عوالم القُدس الإلهيّةُ من الملائكة والرّوحانيات الصّالحة النّافعة، ومصدرُ إفاضة الخيرات الرّوحيّة والجثمانيّة على العالم الأرضي، ومصدَرُ المقادير المقدّرة قال تعالى: {أية : وفي السماء رزقكم وما توعدون} تفسير : [الذاريات: 22]، فالسّماء هنا مراد بها عالم القدس. وأبوابُ السّماء أسبابُ أمور عظيمة أطلق عليها اسم الأبواب لتقريب حقائقها إلى الأذهان فمنها قبول الأعمال، ومسالكُ وصول الأمور الخيّريّة الصّادرة من أهل الأرض، وطرق قبولها، وهو تمثيل لأسباب التّزكية، قال تعالى: {أية : والعمل الصالح يرفعه} تفسير : [فاطر: 10]، وما يعلم حقائقها بالتّفصيل إلاّ الله تعالى، لأنّها محجوبة عنّا، فكما أنّ العفاة والشّفعاء إذا وَرَدُوا المكان قد يُقبلون ويُرضى عنهم فتُفْتَح لهم أبواب القصور والقباب ويُدخلون مُكرّمين، وقد يردّون ويُسخطون فتوصد في وجوههم الأبوابُ، مُثِّل إقصاء المكذّبين المستكبرين وعدمُ الرّضا عنهم في سائر الأحوال، بحال من لا تفتَح له أبواب المنازل، وأضيفت الأبواب إلى السّماء ليظهر أنّ هذا تمثيل لحرمانهم من وسائل الخيرات الإلهيّة الروحية، فيشمل ذلك عدم استجابة الدّعاء، وعدم قبول الأعمال والعبادات، وحرمان أرواحهم بعد الموت مشاهدة مناظر الجنّة ومقاعد المؤمنين منها، فقوله: {لا نفتح لهم أبواب السماء} كلمة جامعة لمعنى الحرمان من الخيرات الإلهيّة المحضة، وإن كانوا ينالون من نِعم الله الجثمانية ما يناله غيرهم، فيغاثون بالمَطَر، ويأتيهم الرّزق من الله، وهذا بيان لحال خذلانهم في الدّنيا الحائل بينهم وبين وسائل دخول الجنّة. كما قال النّبي صلى الله عليه وسلم «حديث : كلّ ميسَّر لِمّا خُلِق له» تفسير : وقال تعالى: {أية : فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى} تفسير : [الليل: 5 ـــ 10]. وقرأ نافع، وابن كثير، وعاصم، وابن عامر، وأبو جعفر، ويعقوبُ: {لا تُفَتَّح} ــــ بضمّ التّاء الأولى وفتح الفاء والتّاءِ الثّانية مشدّدة ــــ وهو مبالغة في فَتح، فيفيد تحقيق نفي الفتح لهم، أو أشير بتلك المبالغة إلى أن المنفي فتح مخصوص وهو الفتح الذي يفتح للمؤمنين، وهو فتح قوي، فتكون تلك الإشارة زيادة في نكايتهم. وقرأ أبو عَمرو ــــ بضمّ التّاء الأولى وسكون الفاء وفتح التّاء الثّانية مخفّفة ــــ. وقرأ حمزة، والكسائي، وخلَف {لا يُفتَحُ} ــــ بمثنّاة تحتيّة في أوّله مع تخفيف المثنّاة الفوقيه مفتوحة ــــ على اعتبار تذكير الفعل لأجل كون الفاعل جمعاً لمذكّر. وقوله: {ولا يدخلون الجنّة} اخبار عن حالهم في الآخرة وتحقيق لخلودهم في النّار. وبعد أن حُقّق ذلك بتأكيد الخبر كلّه بحرف التّوكيد، زيد تأكيداً بطريق تأكيد الشّيء بما يشبه ضدّه، المشتهرِ عند أهل البيان بتأكيد المدح بما يُشْبه الذّم، وذلك بقوله تعالى: {حتى يلج الجمل في سم الخياط} فقد جعل لانتفاء دخولهم الجنّة امتداداً مستمراً، إذْ جعل غايته شيئاً مستحيلاً، وهو أن يَلج الجمل في سَمّ الخياط، أي لو كانت لانتفاء دخولهم الجنّة غايةٌ لكانت غايتُه ولوجَ الجْمل ــــ وهو البعير ــــ في سَمّ الخِياط، وهو أمر لا يكون أبداً. والجَمَل: البعير المعروف للعرب، ضُرب به المثل لأنّه أشهر الأجسام في الضّخامة في عرف العرب. والخِياط هو المِخْيَط ــــ بكسر الميم ــــ وهو آلة الخياطة المسمّى بالإبْرَة، والفِعال وَرَدَ اسماً مرادفاً للمِفعَل في الدّلالة على آلةِ الشّيء كقولهم حِزَام ومِحْزم، وإزار ومِئْزر، ولِحاف ومِلحَف، وقِناع ومِقنع. والسَمّ: الخَرْت الذي في الإبرة يُدخل فيه خيط الخائط، وهو ثقب ضيّق، وهو بفتح السّين في الآية بلغة قريش وتضمّ السّين في لغة أهل العالية. وهي ما بين نجد وبين حدود أرض مكّة. والقرآن أحال على ما هو معروف عند النّاس من حقيقة الجَمل وحقيقة الخِياط، ليعلم أنّ دخول الجمل في خَرْت الإبرة محال متعذّر ما داما على حاليهما المتعارفين. والإشارة في قوله: {وكذلك} إشارة إلى عدم تفتّح أبواب السّماء الذي تضمّنه قوله: {لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة} أي، ومثل ذلك الانتفاء، أي الحرمان نجزي المجرمين لأنّهم بإجرامهم، الذي هو التّكذيب والإعراض، جعلوا أنفسهم غير مكترثين بوسائل الخير والنّجاة، فلم يتوخّوها ولا تطلبوها، فلذلك جزاهم الله عن استكبارهم أن أعرض عنهم، وسدّ عليهم أبواب الخيرات. وجملة {وكذلك نجزي المجرمين} تذييل يؤذن بأنّ الإجرام هو الذي أوقعهم في ذلك الجزاء، فهم قد دخلوا في عموم المجرمين الذين يجْزون بمثل ذلك الجزاء، وهم المقصود الأوّل منهم، لأنّ عقاب المجرمين قد شُبّه بعقاب هؤلاء، فعلم أنّهم مجرمون، وأنّهم في الرّعيل الأوّل من المجرمين، حتّى شُبِّه عقاب عموم المجرمين بعقاب هؤلاء وكانوا مثَلا لذلك العموم. والإجرام: فعل الجُرْم ــــ بضمّ الجيم ــــ وهو الذنْب، وأصل: أجرم صار ذا جُرم، كما يقال: ألْبَنَ وأتمر وأخْصَب. والمِهاد ــــ بكسر الميم ــــ ما يُمْهَد أي يفرش، و«غواش» جمع غاشية وهي مَا يغشى الإنسانَ، أي يغطّيه كاللّحاف، شبّه ما هو تحتهم من النّار بالمِهاد، وما هو فوقهم منها بالغواشي، وذلك كناية عن انتفاء الرّاحة لهم في جهنّم، فإنّ المرء يحتاج إلى المهاد والغاشية عند اضطجاعه للرّاحة، فإذا كان مهادهم وغاشيتهم النّار. فقد انتفت راحتهم، وهذا ذِكر لعذابهم السّوء بعد أن ذكر حِرمانهم من الخير. وقوله: {غَواش} وصف لمقدّر دلّ عليه قوله: {من جهنّم}، أي ومن فوقهم نيران كالغواشي. وذّيله بقوله: {وكذلك نَجزي الظالمين} ليدلّ على أن سبب ذلك الجزاء بالعقاب: هو الظلمُ. وهو الشّرك. ولمّا كان جزاء الظّالمين قد شبّه بجزاء الذين كذّبوا بالآيات واستكبروا عنها، علم أنّ هؤلاء المكذّبين من جملة الظّالمين. وهم المقصود الأوّل من هذا التّشبيه، بحيث صاروا مثلاً لعموم الظالمين، وبهذين العمومين كان الجملتان تذييلين. وليس في هذه الجملة الثّانية وضع الظّاهر موضع المضمر: لأنّ الوصفين، وإن كانا صادقين معاً على المكذّبين المشبَّهِ عقابُ أصحاب الوصفين بعقابهم. فوصف المجرمين أعمّ مفهوماً من وصف الظّالمين، لأنّ الإجرام يشمل التّعطيل والمجوسيّة بخلاف الإشراك. وحقيقة وضع المظهر موقع المضمر إنّما تتقوّم حيث لا يكون للاسم الظّاهر المذكور معنى زائد على معنى الضّمير.
الواحدي
تفسير : {إنَّ الذين كذبوا بآياتنا} بحججنا التي تدلُّ على توحيد الله، ونبوَّة الأنبياء {واستكبروا عنها} ترفَّعوا عن الإِيمان بها والانقياد لأحكامها {لا تفتح لهم أبواب السماء} لا تصعد أرواحهم، ولا أعمالهم، ولا شيء ممَّا يريدون الله به إلى السَّماء {ولا يدخلون الجنة حتى يلج} يدخل {الجمل في سم الخياط} ثقب الإِبرة. يعني: أبدأً {وكذلك} وكما وصفنا {نجزي المجرمين} أَي: المكذِّبين بآيات الله، ثمَّ أخبر عن إحاطة النَّار بهم من كلِّ جانبٍ، فقال: {لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش} يعني: لهم منها غطاءٌ، ووطاءٌ، وفراشٌ ولحافٌ {وكذلك نجزي الظالمين} يعني: الذين أشركوا بالله. {والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفساً إلاَّ وسعها} أَيْ: إلاَّ ما تطيقه ولا تعجز عنه، والمعنى: لا نكلِّف نفساً منهم إلاَّ وسعها، ثمَّ أخبر بباقي الآية عن مآلهم. {ونزعنا ما في صدورهم من غل} أذهبنا الأحقاد التي كانت لبعضهم على بعض في دار الدُّنيا {تجري من تحتهم الأنهار} من تحت منازلهم وقصورهم، فإذا استقرُّوا في منازلهم {قالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا} أَيْ: هدانا لما صيرَّنا إلى هذا الثَّواب من العمل الذي أدَّى إليه، وأقرُّوا أنَّ المهتدي مَنْ هدى الله بقوله: {وما كنَّا لنهتدي لولا أن هدانا الله} فحين رأوا ما وعدهم الرُّسل عياناً قالوا: {لقد جاءت رسل ربنا بالحق ونودوا أن تلكُم الجنة} قيل لهم: هذه تلكمُ الجنَّة التي وُعدتم {أورثتموها} أُورثتم منازل أهل النَّار فيها لو عملوا بطاعة الله {بما كنتم تعملون} توحِّدون الله وتطيعونه.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 40- إن الذين كذبوا بآياتنا المنزلة فى الكتب الموجودة فى الكون، واستكبروا عن الاهتداء بها ولم يتوبوا، ميئوس من قبول أعمالهم ورحمة الله بهم، ومن دخولهم الجنة، كما أن دخول الجمل فى ثقب الإبرة ميئوس منه، وعلى هذا النحو من العقاب نعاقب المكذبين المستكبرين من كل أمة. 41- لهم فى جهنم فراش من نار وأغطية من نار، وعلى هذا النحو فمن ظلم نفسه بالظلم والضلال يعاقب هذا العقاب. 42- والذين آمنوا وعملوا الأعمال الصالحة التى لم نكلفهم إلا ما يطيقونه منها، أولئك هم أهل الجنة يتنعمون فيها، خالدين فيها أبداً. 43- وأخرجنا من قلوبهم ما كان فيها من غل، فهم فى الجنة إخوان متحابون، تجرى من تحتهم الأنهار بمائها العذب، ويقولون - سرورا بما نالوا من النعيم - الحمد للَّه الذى دلَّنا على طريق هذا النعيم، ووفقنا إلى سلوكه، ولولا أن هدانا اللَّه إليه بإرسال الرسل وتوفيقه لنا، ما كان فى استطاعتنا أن نوفق إلى الهداية. لقد جاءت رسل ربنا بالوحى الحق، وهنا يقول اللَّه لهم: إن هذه الجنة هبة من اللَّه، أعطيتمُوها فضلاً منى دون عوض منكم كالميراث، وهذا التكريم بسبب أعمالكم الصالحة فى الدنيا.
القطان
تفسير : الآيات (هنا): الآيات الدالة على أصول الدين وأحكام الشرع. الجمل: الحيوان المعروف. سم الخياط: ثقب الابرة. يلج: يدخل المجرمين: المفسدين المذنبين، وأصل الجرم القطعُ، والجرم الذنب. المهاد: الفراش الغواشي: الاغطية، وكل ما يستر ويغطي، والمعنى ان النار محيطة بهم من كل جهة. في هاتين الآيتين تتمةُ ما سلَفَ من وعيد الكفار وجزاء المكذّبين. ان الذين كذّبوا بآياتنا المنزَلَة في الكتُب، ولم يتّبعوا رسُلنا، بل تكبّروا عن التصديق بما جاءوا به ولم يتوبوا - ميؤوس من قبول أعمالهم، ومن المستحيل ان يدخُلوا الجنة، كاستحالة دخول الجمل في ثُقب الإبرة. {وَكَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلْمُجْرِمِينَ}. على هذا النحو من العقاب نعاقبُ المجرمين المكذِّبين والمستكبرين من كل أُمة. قراءات: قرأ ابو عمرو: لا تُفْتَحُ بالتخفيف. وقرأ حمزة والكسائي: لا يُفْتَحُ بالياء. {لَهُمْ مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ...}. إنّ لهم في جهنم فراشاً من نار، وأغطيةً من نار، أي أن النار محيطة بهم مطبِقة عليهم كما جاء في كثير من الآيات {إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ} وهذا جزاء الظالمين.
د. أسعد حومد
تفسير : {بِآيَاتِنَا} {أَبْوَابُ} (40) - وَالذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللهِ تَكَبُّراً وَطُغْيَاناً، وَلَمْ يَتَّبِعُوا رُسُلَ اللهِ اسْتِكْبَاراًَ عَنِ التَّصْدِيقِ بِمَا جَاؤُوهُمْ بِهِ، فَهَؤُلاَءِ لاَ تُفْتَحُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ لأَرْوَاحِهِمْ، وَلا يُرْفَعُ لَهُمْ فِي حَيَاتِهِمْ عَمَلٌ وَلا دُعَاءٌ، وَلا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حَتَّى يَدْخُلَ الحَبْلُ الغَلِيظُ (الجَمَلُ) فِي فَتْحَةِ الإِبْرَةِ الصَّغِيرَةِ (سَمِّ الخِيَاطِ). فَكَمَا أنَّ الحَبْلَ الغَلِيظَ لاَ يُمْكِنُ أَنْ يَمُرَّ فِي فَتْحَةِ الإِبْرَةِ الصَّغِيرَةِ، كَذَلِكَ لاَ يَدْخُلُ الكُفَّارُ الجَنَّةَ. وَهَذَا جَزَاءٌ عَادِلٌ مِنَ اللهِ لِلْمُجْرِمينَ عَلَى كُفْرِهِمْ، مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ، وَفِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ. الجَمَلُ - الحَبْلُ الغَلِيظُ - وَقِيلَ إِنَّ المَقْصُودَ بِهِ هُنَا الجَمَلُ حَقِيقَةً. سَمِّ الخِيَاطِ - ثَقْبِ الإِبْرَةِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والحق يريد أن يعطي حكماً جديداً ويحدد من هو المحكوم عليه ليعرف بجريمته، وهي جريمة غير معطوفة على سابقة لها، وليعرف كل إنسان أن هذه جريمة، وأن من يرتكبها يلقى حكماً وعقاباً. {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَٱسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا}. وقد عرفنا من قبل معنى الايات. وأنها ايات القرآن المعجزة أو الايات الكونية، وأي إنسان يظن نفسه أكبر من أن يكون تابعاً لمنهج جاء به رسول عرف بين قومه بأمانته، وهذا الانسان يستحق العقاب الشديد. فصحيح أن محمداً صلى الله عليه وسلم لم يكن له من الجاه ولا سلطان ما ينافس به سادة وكبراء قريش، ولذلك وجدنا من يقول: {أية : وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} تفسير : [الزخرف: 31] إنهم يعترفون بعلو القرآن، لكنهم تمنوا لو أن القرآن قد نزل على إنسان غيره بشرط أن يكون من العظماء بمعاييرهم وموازينهم المادية. ومن يكذب الايات ويستكبر عن اتباع الرسول لا تفتح له أبواب السماء. {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَٱسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ ٱلسَّمَآءِ وَلاَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ فِي سَمِّ ٱلْخِيَاطِ وَكَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلْمُجْرِمِينَ} [الأعراف: 40] وبذلك نعرف من هم الذين لا تفتح لهم أبواب السماء، وبطبيعة الحال نعرف أن المقابلين لهم هم الذين تفتح لهم أبواب السماء.. إنهم المؤمنون، وحين تصعد أرواحهم إلى الملأ الأعلى تجد أعمالهم الصالحة تصعد وترتفع بهم إلى أعلى. أما المكذبون فهم لا يترقون بل يهبطون ولا يدخلون الجنة، وقد علق سبحانه دخول الجنة بمستحيل عقلاً وعادة وطبعاً: {وَلاَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ فِي سَمِّ ٱلْخِيَاطِ}. و{سَمِّ ٱلْخِيَاطِ} هو ثقب الإبرة، أي الذي تدخل فيه فتلة الخيط، ولا تدخل فتلة الخيط في الثقب إلا أن يكون قطر الفتلة أقل من قطر الثقب، وأن تكون الفتلة من الصلابة بحيث تنفذ، وأن تكون الفتلة غير مستوية الطرف؛ لأنها إن كانت مقصوصة وأطرافها مستوية فهي لا تدخل في الثقب؛ لذلك نجد الخياط يجعل للفتلة سناً ليدخلها في ثقب الإبرة. وحين نأتي بالجمل ونقول له: ادخل في سم الخياط، فهل يستطيع؟ طبعاً لا؛ لذلك نجد الحق سبحانه قد علق دخول هؤلاء الجنة على مستحيل. بعض الناس قالوا: وما علاقة الجمل بسم الخياط؟ نقول: إن الجمل يطلق أيضاً على الحبل الغليظ المفتول من حبال، مثل حبال المركب إننا نجده سميكاً مجدولاً. وأخذ الشعراء هذه المسألة؛ ونجد واحداً منهم يصف انشغاله بالحبيب وشوقه إليه وصبابته به حتى يهزل ويستبد به الضعف فيقول: شعر : ولو أن ما بي من جوى وصبابةعلى جمل لم يدخل النار كافر تفسير : لأن الجوى والصبابة التي يعاني منهما هذا الشاعر، لو أصيب بهما الجمل فلسوف ينحف وينحف ويهزل، إلى أن يدخل في سم الخياط، وهنا يوضح ربنا: إن دخل الجمل في سم الخياط فسوف أدخلهم الجنة. {...حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ فِي سَمِّ ٱلْخِيَاطِ وَكَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلْمُجْرِمِينَ} [الأعراف: 40] وهم يستحقون هذا الجزاء بما أجرموا. ويقول الحق بعد ذلك: {لَهُمْ مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ...}
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ فِي سَمِّ ٱلْخِيَاطِ} والجَمَلُ: وَلَدُ النَّاقةِ والجُمَّلُ: حِبال القَلْسِ. وَيلِجُ: يَدخُلُ. والخِيَاطُ: الإِبرَةُ. وسَمُّها: ثَقْبُهَا، والجمعُ سُمُومٌ. وكلُّ ثَقبٍ مِن أُذنٍ أَو عَينٍ أو أنفٍ أو غَيرِ ذَلِكَ فَهو سَمٌّ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى عن عقاب من كذب بآياته فلم يؤمن بها، مع أنها آيات بينات، واستكبر عنها فلم يَنْقَد لأحكامها، بل كذب وتولى، أنهم آيسون من كل خير، فلا تفتح أبواب السماء لأرواحهم إذا ماتوا وصعدت تريد العروج إلى اللّه، فتستأذن فلا يؤذن لها، كما لم تصعد في الدنيا إلى الإيمان باللّه ومعرفته ومحبته كذلك لا تصعد بعد الموت، فإن الجزاء من جنس العمل. ومفهوم الآية أن أرواح المؤمنين المنقادين لأمر اللّه المصدقين بآياته، تفتح لها أبواب السماء حتى تعرج إلى اللّه، وتصل إلى حيث أراد اللّه من العالم العلوي، وتبتهج بالقرب من ربها والحظوة برضوانه. وقوله عن أهل النار { وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ } وهو البعير المعروف { فِي سَمِّ الْخِيَاطِ } أي: حتى يدخل البعير الذي هو من أكبر الحيوانات جسما، في خرق الإبرة، الذي هو من أضيق الأشياء، وهذا من باب تعليق الشيء بالمحال، أي: فكما أنه محال دخول الجمل في سم الخياط، فكذلك المكذبون بآيات اللّه محال دخولهم الجنة، قال تعالى: {أية : إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ } تفسير : وقال هنا { وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ } أي: الذين كثر إجرامهم واشتد طغيانهم. { لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ } أي: فراش من تحتهم { وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ } أي: ظلل من العذاب، تغشاهم. { وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ } لأنفسهم، جزاء وفاقا، وما ربك بظلام للعبيد.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 286 : 8 : 12 - سفين عن ليث عن عطآء عن بن عباس في قول الله {لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ ٱلسَّمَآءِ وَلاَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ} لقول ولا عمل. [الآية 40]. 287 : 9 : 13 - سفين قال، قال بن عباس: {حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ فِي سَمِّ ٱلْخِيَاطِ} قال، حبال السفينة في ثقب الإِبرة.
همام الصنعاني
تفسير : 899- عبد الرزاق، عن معمر، عن الحسن، في قوله تعالى: {حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ فِي سَمِّ ٱلْخِيَاطِ}: [الآية: 40]: حتى يدخل البعير في خرق الإِبرة. 900- عبد الرزاق، عن الثَّوْري، عن أبي حصين أو حصين، شك أبو بكر، عن إبراهيم، عن ابن مسعودٍ، في قوله تعالى: {حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ فِي سَمِّ ٱلْخِيَاطِ}: [الآية: 40]، قال: زوج الناقة: يعني الجمل.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):