Verse. 1806 (AR)

١٥ - ٱلْحِجْر

15 - Al-Hijr (AR)

وَمَاۗ اَہْلَكْنَا مِنْ قَرْيَۃٍ اِلَّا وَلَہَا كِتَابٌ مَّعْلُوْمٌ۝۴
Wama ahlakna min qaryatin illa walaha kitabun maAAloomun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وما أهلكنا من» زائدة «قرية» أريد أهلها «إلا ولها كتاب» أجل «معلوم» محدود لإهلاكها.

4

Tafseer

الرازي

تفسير : وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما توعد من قبل من كذب الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: {ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ ٱلأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } أتبعه بما يؤكد الزجر وهو قوله تعالى: {وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَـٰبٌ مَّعْلُومٌ } في الهلاك والعذاب وإنما يقع فيه التقديم والتأخير فالذين تقدموا كان وقت هلاكهم في الكتاب معجلاً، والذين تأخروا كان وقت هلاكهم في الكتاب مؤخراً وذلك نهاية في الزجر والتحذير. المسألة الثانية: قال قوم المراد بهذا الهلاك عذاب الاستئصال الذي كان الله ينزله بالمكذبين المعاندين كما بينه في قوم نوح وقوم هود وغيرهم، وقال آخرون: المراد بهذا الهلاك الموت. قال القاضي: والأقرب ما تقدم، لأنه في الزجر أبلغ، فبين تعالى أن هذا الإمهال لا ينبغي أن يغتر به العاقل لأن العذاب مدخر، فإن لكل أمة وقتاً معيناً في نزول العذاب لا يتقدم ولا يتأخر وقال قوم آخرون: المراد بهذا الهلاك مجموع الأمرين وهو نزول عذاب الاستئصال ونزول الموت، لأن كل واحد منهما يشارك الآخر في كونه هلاكاً، فوجب حمل اللفظ على القدر المشترك الذي يدخل فيه القسمان معاً. المسألة الثالثة: قال الفراء: لو لم تكن الواو مذكورة في قوله: {وَلَهَا كِتَـٰبٌ } كان صواباً كما في آية أخرى وهي قوله: { أية : وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ } تفسير : [الشعراء: 208] وهو كما تقول: ما رأيت أحداً إلا وعليه ثياب وإن شئت قلت: إلا عليه ثياب. أما قوله: {مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَـئخِرُونَ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: قال الواحدي: من في قوله: {مِنْ أُمَّةٍ } زائدة مؤكدة كقولك: ما جاءني من أحد، وقال آخرون: إنها ليست بزائدة لأنها تفيد التبعيض أي هذا الحكم لم يحصل في بعض من أبعاض هذه الحقيقة فيكون ذلك في إفادة عموم النفي آكد. المسألة الثانية: قال صاحب «النظم» معنى سبق إذا كان واقعاً على شخص كان معناه أنه جاز وخلف كقولك سبق زيد عمراً، أي جازه وخلفه وراءه، ومعناه أنه قصر عنه وما بلغه، وإذا كان واقعاً على زمان كان بالعكس في ذلك، كقولك: سبق فلان عام كذا معناه مضى قبل إتيانه ولم يبلغه فقوله: {مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَـئخِرُونَ } معناه أنه لا يحصل ذلك الأجل قبل ذلك الوقت ولا بعده، بل إنما يحصل في ذلك الوقت بعينه، والسبب فيه أن اختصاص كل حادث بوقته المعين دون الوقت الذي قبله أو بعده ليس على سبيل الاتفاق الواقع، لا عن مرجح ولا عن مخصص فإن رجحان أحد طرفي الممكن على الآخر لا لمرجح محال، وإنما اختص حدوثه بذلك الوقت المعين لأن إله العالم خصصه به بعينه، وإذا كان كذلك، فقدرة الإله وإرادته اقتضتا ذلك التخصيص، وعلمه وحكمته تعلقا بذلك الاختصاص بعينه، ولما كان تغير صفات الله تعالى أعني القدرة والإرادة والعلم والحكمة ممتنعاً كان تغير ذلك الاختصاص ممتنعاً. إذا عرفت هذا فنقول: هذا الدليل بعينه قائم في أفعال العباد أعني أن الصادر من زيد هو الإيمان والطاعة ومن عمرو هو الكفر والمعصية فوجب أن يمتنع دخول التغير فيهما. فإن قالوا: هذا إنما يلزم لو كان المقتضي لحدوث الكفر والإيمان من زيد وعمرو هو قدرة الله تعالى ومشيئته. أما إذا قلنا: المقتضى لذلك هو قدرة زيد وعمرو ومشيئتهما سقط ذلك. قلنا: قدرة زيد وعمرو مشيئتهما إن كانتا موجبتين لذلك الفعل المعين فخالق تلك القدرة والمشيئة الموجبتين لذلك الفعل هو الذي قدر ذلك الفعل بعينه فيعود الإلزام، وإن لم تكونا موجبتين لذلك الفعل بل كانتا صالحتين له ولضده، كان رجحان أحد الطرفين على الآخر لم يكن لمرجح، فقد عاد الأمر إلى أنه حصل ذلك الاختصاص لا لمخصص وهو باطل، وإن كان لمخصص فذلك المخصص إن كان هو العبد عاد البحث ولزم التسلسل، وإن كان هو الله تعالى فحينئذ يعود البحث إلى أن فعل العبد إنما تعين وتقدر بتخصيص الله تعالى، وحينئذ لا يعود الإلزام. المسألة الثالثة: دلت الآية على أن كل من مات أو قتل فإنما مات بأجله، وأن من قال: يجوز أن يموت قبل أجله فمخطىء. فإن قالوا: هذا الاستدلال إنما يتم إذا حملنا قوله: {وَمَآ أَهْلَكْنَا } على الموت أما إذا حملناه على عذاب الاستئصال فكيف يلزم. قلنا: قوله: {وَمَآ أَهْلَكْنَا } إما أن يدخل تحته الموت أو لا يدخل، فإن دخل الاستدلال ظاهر لازم وإن لم يدخل فنقول: إن ما لأجله وجب في عذاب الاستئصال أن لا يتقدم ولا يتأخر عن وقته المعين قائم في الموت، فوجب أن يكون الحكم ههنا كذلك، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : أي أجل مؤقت كتب لهم في اللوح المحفوظ.

البيضاوي

تفسير : {وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَـٰبٌ مَّعْلُومٌ } أجل مقدر كتب في اللوح المحفوظ، والمستثنى جملة واقعة صفة لقرية، والأصل أن لا تدخلها الواو كقوله: {أية : إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ }تفسير : [الشعراء: 208] ولكن لما شابهت صورتها الحال أدخلت تأكيداً للصوقها بالموصوف.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى: أنه ما أهلك قرية إلا بعد قيام الحجة عليها، وانتهاء أجلها، وأنه لا يؤخر أمة حان هلاكها عن ميقاتهم، ولا يتقدمون عن مدتهم، وهذا تنبيه لأهل مكة وإرشاد لهم إلى الإقلاع عما هم عليه من الشرك والعناد والإلحاد الذي يستحقون به الهلاك.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن } زائدة {قَرْيَةٍ } أريد أهلها {إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ } أجل {مَّعْلُومٌ } محدود لإِهلاكها.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل:{وما أهلكنا من قرية} يعني من أهل قرية. {إلا ولها كتاب معلوم} يحتمل وجهين: أحدهما: أجل مقدر. الثاني: فرض محتوم. قوله عز وجل:{ما تسبق من أمةٍ أجَلَها وما يَستأخرون} يحتمل وجهين: أحدهما: لا يتقدم هلاكهم عن أجله ولا يتأخر عنه. الثاني: لا يموتون قبل العذاب فيستريحوا، ولا يتأخر عنهم فيسلموا. وقال الحسن فيه تأويلاً ثالثاً: ما سبق من أمة رسولها وكتابها فتعذب قبلهما ولا يستأخر الرسول والكتاب عنها.

الخازن

تفسير : {وما أهلكنا من قرية} يعني من أهل قرية وأراد إهلاك الاستئصال {إلا ولها كتاب معلوم} أي أجل مضروب، ووقت معين لا يتقدم العذاب عليه، ولا يتأخر عنه ولا يأتيهم إلا في الوقت الذي حدد لهم في اللوح المحفوظ {ما تسبق من أمة أجلها} من زائدة, في قوله: من أمة كقولك ما جاءني من أحد. وقيل: هي على أصلها لأنها تفيد التبعيض إلى هذا الحكم فيكون ذلك في إفادة عموم النفي آكد، ومعنى الآية أن الأجل المضروب لهم وهو وقت الموت، أو نزول العذاب لا يتقدم ولا يتأخر وهو قوله سبحانه وتعالى: {وما يستأخرون} وإنما أدخل الهاء في أجلها لإرادة الأمة، وإخراجها من قوله وما يستأخرون لإرادة الرجال. قوله عز وجل {وقالوا} يعني مشركي مكة {يا أيها الذي نزل عليه الذكر} يعني القرآن وأرادوا به محمداً صلى الله عليه وسلم {إنك لمجنون} إنما نسبوه إلى الجنون لأنه صلى الله عليه وسلم، كان يظهر عند نزول الوحي عليه ما يشبه الغشي, فظنوا أن ذلك جنون فلهذا السبب نسبوه إلى الجنون، وقيل: إن الرجل إذا سمع كلاماً مستغرباً من غيره فربما نسبه إلى الجنون، ولما كانوا يستبعدون كونه رسولاً من عند الله، وأتى بهذا القرآن العظيم أنكروه ونسبوه إلى الجنون، وإنما قالوا: يا أيها الذي نزل عليه الذكر على طريق الاستهزاء وقيل: معناه يا أيها الذي نزل عليه الذكر في زعمه، واعتقاده واعتقاد أصحابه وأتباعه إنك لمجنون في ادعائك الرسالة {لو ما} قال الزجاج والفراء: لو ما ولولا لغتان ومعناهما هلا يعني هلا {تأتينا بالملائكة} يعني يشهدون لك بأنك رسول من عند الله حقاً {إن كنت من الصادقين} يعني في قولك وادعائك الرسالة {ما ننزل الملائكة إلا بالحق} يعني بالعذاب أو وقت الموت، وهو قوله تعالى {وما كانوا إذاً منظرين} يعني لو نزلت الملائكة إليهم لم يمهلوا ولم يؤخروا ساعة واحدة وذلك أن كفار مكة كانوا يطلبون من رسول الله صلى الله عليه وسلم إنزال الملائكة عياناً فأجابهم الله عز وجل بهذا، والمعنى لو نزلوا عياناً لزال عن الكفار الإمهال وعذبوا في الحال إن لم يؤمنوا ويصدقوا {إنّا نحن نزلنا الذكر} يعني القرآن أنزلناه عليك يا محمد، وإنما قال سبحانه وتعالى: إنا نحن نزلنا الذكر جواباً لقولهم: يا أيها الذي نزل عليه الذكر فأخبر الله عز وجل هو الذي نزل الذكر على محمد صلى الله عليه وسلم {وإنا له لحافظون} الضمير في له يرجع إلى الذكر يعني، وإنا للذكر الذي أنزلناه على محمد لحافظون يعني من الزيادة فيه، والنقص منه والتغيير والتبديل والتحريف، فالقرآن العظيم محفوط من هذه الأشياء كلها لايقدر أحد من جميع الخلق من الجن والإنس أن يزيد فيه، أو ينقص منه حرفاً واحداً أو كلمة واحدة، وهذا مختص بالقرآن العظيم بخلاف سائر الكتب المنزلة فإنه قد دخل على بعضها التحريف، والتبديل والزيادة والنقصان ولما تولى الله عز وجل حفظ هذا الكتاب بقي مصوناً على الأبد محروساً من الزيادة والنقصان، وقال ابن السائب ومقاتل: الكناية في له راجعة إلى محمد صلى الله عليه وسلم يعني وإنا لمحمد لحافظون ممن أراده بسوء فهو كقوله تعالى {أية : والله يعصمك من الناس}تفسير : [المائدة: 67] ووجه هذا القول أن الله سبحانه وتعالى لما ذكر الإنزال، والمنزل دل ذلك على المنزل عليه وهو محمد صلى الله عليه وسلم فحسن صرف الكناية إليه لكونه أمراً معلوماً إلا أن القول الأول أصح، وأشهر, وهو قول الأكثرين لأنه أشبه بظاهر التنزيل ورد الكناية إلى أقرب مذكور أولى، وهو الذكر وإذا قلنا: إن الكناية عائدة إلى القرآن، وهو الأصح فاختلفوا في كيفية حفظ الله عز وجل للقرآن فقال بعضهم: حفظه بأن جعله معجزاً باقياً مبايناً لكلام البشر فعجز الخلق عن الزيادة فيه، والنقصان منه لأنهم لو أرادوا الزيادة فيه والنقصان منه لتغيير نظمه، وظهر ذلك لكل عالم عاقل وعلموا ضرورة أن ذلك ليس بقرآن، وقال آخرون: إن الله حفظه وصانه من المعارضة فلم يقدر أحد من الخلق أن يعارضه. وقال آخرون: بل أعجز الله الخلق عن إبطاله وإفساده بوجه من الوجوه فقيض الله له العلماء الراسخين يحفظونه، ويذبون عنه إلى آخر الدهر لأن دواعي جماعة من الملاحدة واليهود متوفرة على إبطاله وإفساده فلم يقدروا على ذلك بحمد الله تعالى قوله سبحانه وتعالى: {ولقد أرسلنا من قبلك في شيع الأولين} لما تجرأ كفار مكة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وخاطبوه بالسفاهة وهو قولهم: إنك لمجنون وأساؤوا الأدب عليه أخبر الله سبحانه وتعالى نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم أن عادة الكفار في قديم الزمان مع أنبيائهم، كذلك فلك يا محمد أسوة في الصبر على أذى قومك بجميع الأنبياء ففيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم، وفي الآية محذوف تقديره ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك يا محمد، فحذف ذكر الرسل لدلالة الإرسال عليه، وقوله تعالى في شيع الأولين: الشيعة هم القوم المجتمعة المتفقة كلمتهم وقال الفراء: الشيعة هم الأتباع وشيعة الرجل أتباعه. وقيل: الشيعة من يتقوى بهم الإنسان. وقوله من شيع الأولين من باب إضافة الصفة إلى الموصوف {وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون كذلك نسلكه في قلوب المجرمين} السلوك النفاذ في الطريق، والدخول فيه والسلك إدخال الشيء في الشيء كإدخال الخيط في المخيط، ومعنى الآية كما سلكنا الكفر والتكذيب والاستهزاء في قلوب شيع الأولين، كذلك نسلكه أي ندخله في قلوب المجرمين يعني مشركي مكة، وفيه رد على القدرية والمعتزلة وهي أبين آية في ثبوت القدر لمن أذعن للحق، ولم يعاند قال الواحدي قال أصحابنا: أضاف الله سبحانه وتعالى إلى نفسه إدخال الكفر في قلوب الكفار، وحسن ذلك منه فمن آمن بالقرآن فليستحسنه، وقال الإمام فخرالدين الرازي: احتجّ أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى يخلق الباطل، والضلال في قلوب الكفار فقالوا قوله: كذلك نسلكه أي كذلك نسلك الباطل، والضلال في قلوب المجرمين وقالت المعتزلة لم يجر للضلال، والكفر ذكر فيما قيل هذا اللفظ فلا يمكن أن يكون الضمير عائد إليه، وأجيب عنه بأنه سبحانه وتعالى قال: ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون فالضمير في قوله كذلك نسلكه عائد إليه، والاستهزاء بالأنبياء كفر وضلال فثبت صحة قولنا: إن المراد من قوله كذلك نسلكه في قلوب المجرمين، أنه الكفر والضلال. قوله تعالى {لايؤمنون به} بمحمد صلى الله عليه وسلم وقيل بالقرآن {وقد خلت سنة الأولين} فيه وعيد وتهديد لكفار مكة، يخوفهم أن ينزل بهم مثل ما نزل بالأمم الماضية المكذبة للرسل، والمعنى وقد مضت سنة الله بإهلاك من كذب الرسل من الأمم الماضية فاحذروا يا أهل مكة أن يصيبكم مثل ما أصابهم من العذاب {ولو فتحنا عليهم باباً من السماء فظلوا فيه يعرجون} يعني ولو فتحنا على هؤلاء الذين قالوا: لو ما تأتينا بالملائكة باباً من السماء فظلوا. يقال: ظل فلان يفعل كذا إذا فعله بالنهار، كما يقل بات يفعل كذا إذا فعله بالليل فيه يعني في ذلك الباب يعرجون يعني يصعدون، والمعارج المصاعد وفي المشار إليه بقوله: فظلوا به يعرجون قولان: أحدهما أنهم الملائكة وهو قول ابن عباس والضحاك، والمعنى: لو كشف عن أبصار هؤلاء الكفار فرأوا باباً من السماء مفتوحاً والملائكة تصعد فيه لما آمنوا. والقول الثاني: أنهم المشركون وهو قول الحسن وقتادة والمعنى: فظل المشركون يصعدون في ذلك الباب فينظرون في ملكوت السموات، وما فيها من الملائكة لما آمنوا لعنادهم وكفرهم، ولقالوا إنا سحرنا وهو قوله تعالى {لقالوا إنما سكرت أبصارنا} قال ابن عباس: سدت أبصارنا مأخوذ من سكر النهر إذا حبس، ومنع من الجري وقيل: هو من سكر الشراب والمعنى أن أبصارهم حارت، ووقع بها من فساد النظر مثل ما يقع للرجل السكران من تغيير العقل، وفساد النظر وقيل سكرت يعني غشيت أبصارنا وسكنت عن النظر، وأصله من السكور يقال سكرت عينه إذا تحيرت، وسكنت عن النظر {بل نحن قوم مسحورون} يعني سحرنا محمد، وعمل فينا سحره. وحاصل الآية أن الكفار لما طلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن ينزل عليهم الملائكة فيروهم عياناً, ويشهدوا بصدقه أخبر الله سبحانه وتعالى أنه لو حصل لهم هذا وشاهدوه عياناً لما آمنوا ولقالوا سحرنا لما سبق لهم في الأزل من الشقاوة. قوله سبحانه وتعالى {ولقد جعلنا من السماء بروجاً} يعني البروج التي تنزلها الشمس في مسيرها واحدها برج، وهي بروج الفلك الاثنا عشر برجاً هي: الحمل والثور والجوزاء والسرطان والأسد والسنبلة والميزان والعقرب والقوس والجدي والدلو والحوت. وهذه البروج مقسومة على ثمانية وعشرين منزلاً لكل برج منزلان وثلث منزل، وقد تقدم ذكر منازل القمر في تفسير سورة يونس، وهذه البروج مقسومة على ثلثمائة وستين درجة لكل برج منها ثلاثون درجة تقطعها الشمس في كل سنة مرة، وبها تتم دورة الفلك ويقطعها القمر في ثمانية وعشرين يوماً، قال ابن عباس في هذه الآية يريد بروج الشمس والقمر، يعني منازلهما وقال ابن عطية: هي قصور في السماء عليها الحرس. وقال الحسن ومجاهد وقتادة: هي النجوم العظام. قال أبو إسحاق يريدون نجوم هذه البروج، وهي نجوم على ما صورت به. وسميت وأصل هذا كله من الظهور {وزيناها} يعني السماء بالشمس والقمر والنجوم {للناظرين} يعني المعتبرين المستدلين بها على وحيد خالقها، وصانعها وهو الله الذي أوجد كل شيء وخلقه وصوره {وحفظناها} يعني السماء {من كل شيطان رجيم} أي مرجوم فعيل بمعنى مفعول، وقيل: ملعون مطرود من رحمة الله. قال ابن عباس: كانت الشياطين لا يحجبون عن السموات وكانوا يدخلونها، ويأتون بأخبارها إلى الكهنة فيلقونها إليهم، فلما ولد عيسى عليه السلام منعوا من ثلاث سموات فلما ولد محمد صلى الله عليه وسلم، منعوا من السموات أجمع فما منهم من أحد يريد أن يسترق السمع إلا رمي بشهاب فلما منعوا من تلك المقاعد ذكروا لإبليس فقال: لقد حدث في الأرض حدث فبعثهم ينظرون فوجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلو القرآن فقالوا: هذا والله حدث.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم} قال: أجل معلوم، وفي قوله {ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون} قال: لا مستأخر بعده. وأخرج ابن جرير عن الزهري رضي الله عنه في قوله {ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون} قال: نرى أنه إذا حضر أجله، فإنه لا يؤخر ساعة ولا يقدم. وأما ما لم يحضر أجله، فإن الله يؤخر ما شاء ويقدم ما شاء.

ابو السعود

تفسير : {وَمَآ أَهْلَكْنَا} شروعٌ في بـيان سرِّ تأخيرِ عذابهم إلى يوم القيامة وعدمِ نظمِهم في سلك الأمم الدارجةِ في تمحيل العذاب أي ما أهلكنا {مِن قَرْيَةٍ} من القرى بالخَسف بها وبأهلها كما فُعل ببعضها أو بإخلائها عن أهلها غِبَّ إهلاكِهم كما فُعل بآخرين {إِلاَّ وَلَهَا} في ذلك الشأن {كِتَابٌ} أي أجلٌ مقدرٌ مكتوبٌ في اللوح واجبُ المراعاة بحيث لا يمكن تبديلُه لوقوعه حسب الحكمةِ المقتضيةِ له {مَّعْلُومٌ} لا يُنسى ولا يُغفل عنه حتى يُتصورَ التخلفُ عنه بالتقدم والتأخر، فكتابٌ مبتدأٌ خبرُه الظرفُ، والجملةُ حالٌ من (قرية) فإنها لعمومها ـ لا سيما بعد تأكّدِه بكلمة مِنْ ـ في حكم الموصوفة كما أشير إليه، والمعنى ما أهلكنا قريةً من القرى في حال من الأحوال إلا حالَ أن يكون لها كتابٌ أي أجلٌ موقتٌ لمهلِكها قد كتبناه لا نُهلكها قبل بلوغِه، معلومٌ لا يُغفل عنه حتى يمكنَ مخالفتُه بالتقدم والتأخر، أو مرتفعٌ بالظرف والجملةُ كما هي حال، أي ما أهلكنا قريةً من القرى في حال من الأحوال إلا وقد كان لها في حق هلاكِها كتابٌ أي أجلٌ مقدّرٌ مكتوبٌ في اللوح معلومٌ لا يُغفل عنه، أو صفة لكن لا للقرية المذكورة بل للمقدرة التي هي بدلٌ من المذكورة على المختار فيكون بمنزلة كونِه صفةً للمذكورة، أي ما أهلكنا قريةً من القرى إلا قريةً لها كتابٌ معلوم كما في قوله تعالى: { أية : لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ * لاَّ يُسْمِنُ} تفسير : [الغاشية: 6و7] فإن قوله تعالى: {لاَّ يُسْمِنُ} صفةٌ لكن لا للطعام المذكورِ لأنه إنما يدلّ على انحصار طعامِهم الذي لا يُسمن في الضريع، وليس المرادُ ذلك بل للطعام المقدر بعد إلا، أي ليس لهم طعامٌ من شيء من الأشياء إلا طعامٌ لا يُسمن، فليس فيه فصلٌ بـين الموصوف والصفة بكلمة إلا كما تُوُهم، وأما توسيطُ الواو بـينهما وإن كان القياسُ عدمَه فللإيذان بكمال الالتصاقِ بـينهما من حيث إن الواوَ شأنُها الجمعُ والربطُ، فإن ما نحن فيه من الصفة أقوى لُصوقاً بالموصوف منها به في قوله تعالى: { أية : وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ} تفسير : [الشعراء: 208] فإن امتناعَ الانفكاك والإهلاكِ عن الأجل المقدرِ عقليٌّ، وعن الإنذار عاديٌّ، جرى عليه السنةُ الإلٰهيةُ. ولما بـيّن أن الأممَ المهلَكة كان لكل منهم وقتٌ معين لهلاكهم وأن هلاكَهم لم يكن إلا حسبما كان مكتوباً في اللوح، بـيّن أن كلَّ أمةٍ من الأمم منهم ومن غيرهم لها كتابٌ لا يمكن التقدمُ عليه ولا التأخر عنه فقيل: {مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ} من الأمم المهلَكة وغيرِهم {أَجَلُهَا} المكتوبَ في كتابها، أي لا يجيء هلاكُها قبل مجيءِ كتابِها، أو لا تمضي أمةٌ قبل مُضيِّ أجلها، فإن السبْقَ إذا كان واقعاً على زمانيّ فمعناه المجاوزةُ والتخليف، فإذا قلت: سبق زيدٌ عمْراً، فمعناه أنه جاوزه وخلّفه وراءه، وإذا كان واقعاً على زمان كان الأمرُ بالعكس، والسرُّ في ذلك أن الزمانَ يعتبر فيه الحركةُ والتوجّه إلى المتكلم فما سبَقه يتحقق قبل تحققِه، وأما الزمانيُّ فإنما يعتبر فيه الحركةُ والتوجّه إلى ما سيأتي من الزمان، فالسابقُ ما تقدم إلى المقصِد، وإيرادُه بعنوان الأجل باعتبار ما يقتضيه من السبق كما أن إيرادَه بعنوان الكتابِ المعلوم باعتبار ما يوجبه من الإهلاك {وَمَا يَسْتَـئْخِرُونَ} أي وما يتأخرون، وصيغةُ الاستفعال للإشعار بعجزهم عن ذلك مع طلبهم له، وإيثارُ صيغةِ المضارع في الفعلين بعد ما ذُكر نفيُ الإهلاكِ بصيغة الماضي، لأن المقصودَ بـيانُ دوامِهما واستمرارِهما فيما بـين الأمم الماضية والباقية، وإسنادُهما إلى الأمة بعد إسنادِ الإهلاكِ إلى القرية لما أن السبقَ والاستئخارَ حالُ الأمةِ دون القرية مع ما في الأمة من العموم لأهل تلك القرى وغيرِهم ممن أُخِّرت عقوباتُهم إلى الآخرة، وتأخيرُ ذكر عدمِ سبقِهم مع كون المقام مقامَ المبالغةِ في بـيان تحققِ عذابِهم، إما باعتبار تقدّمِ السبقِ في الوجود وإما باعتبار أن المرادَ بـيانُ سرِّ تأخيرِ عذابِهم مع استحقاقهم لذلك، وإيرادُ الفعل على صيغة جمع المذكرِ للحمل على المعنى مع التغليب ولرعاية الفواصلِ، ولذلك حُذف الجار والمجرور، والجملةُ مبـينة لما سبق والمعنى أن تأخيرَ عذابِهم إلى يوم القيامة حسبما أشير إليه ببـيان وَدادتِهم للإسلام إذ ذاك، وبالأمر بتركهم وشأنَهم إلى أن يعلموا حقيقةَ الحال إنما هو لتأخّر أجلِهم المقدرِ لما يقتضيه من الحِكَم البالغةِ، ومن جملتها ما علم الله تعالى من إيمان بعضِ من يخرُجُ منهم إلى يوم القيامة. {وَقَالُواْ} شروعٌ في بـيان كفرِهم بمن أنزل عليه الكتابُ بعد بـيانِ كفرهم بالكتاب وما يؤول إليه حالُهم، والقائلون مشركو مكةَ لغاية تماديهم في العتوّ والغي {يـٰأَيُّهَا ٱلَّذِى نُزّلَ عَلَيْهِ ٱلذّكْرُ} خاطبوا به رسولَ الله صلى الله عليه وسلم لا تسليماً لذلك واعتقاداً له، بل استهزاءً به عليه الصلاة والسلام وإشعاراً بعلة حكمِهم الباطل في قولهم: {إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ} كدأب فرعونَ إذ قال: { أية : إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ} تفسير : [الشعراء: 27] يعنون يا من يدّعي مثل هذا الأمر البديعِ الخارقِ للعادات، إنك بسبب تلك الدعوى أو بشهادة ما يعتريك عندما تدّعي أنه ينزل عليك لمجنون، وتقديمُ الجارِّ والمجرور على القائم مَقامَ الفاعل لأن إنكارهم متوجِّهٌ إلى كون النازل ذِكْراً من الله تعالى، لا إلى كون المنزَّلِ عليه رسولَ الله بعد تسليم كون النازلِ منه تعالى كما في قوله تعالى: { أية : لَوْلاَ نُزّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءانُ عَلَىٰ رَجُلٍ مّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} تفسير : [الزخرف: 31] فإن الإنكارَ هناك متوجهٌ إلى كون المنزَّلِ عليه رسولَ الله تعالى، وإيرادُ الفعل على صيغة المجهولِ لإيهام أن ذلك ليس بفعل له فاعلٌ أو لتوجيه الإنكارِ إلى كون التنزيلِ عليه لا إلى استناده إلى الفاعل.

القشيري

تفسير : الآجال معلومة، والأحوال مقسومة؛ والمشيئة في الكائنات ماضية، ولا تخفى على الحق خافية.

اسماعيل حقي

تفسير : {وما أهلكنا} شروع فى بيان سر تأخير عذابهم الى يوم القيامة وعدم نظمهم فى سلك الامم الدارجة فى تعجيل العذاب اى وما اهلكنا {من قرية} من القرى بالخسف بها وباهلها كما فعل ببعضها او باخلائها عن اهلها غب اهلاكهم كما فعل بآخرين {الا ولها} فى ذلك الشأن {كتاب} اى جعل مقدر مكتوب فى اللوح المحفوظ واجب المراعاة بحيث لا يمكن تبديله لوقوعه حسب الحكمة المقتضية له {معلوم} لا ينسى ولا يغفل حتى يتصور التخلف عنه التقدم والتأخر. فكتاب مبتدأ خبره الظرف والجملة حال من قرية فانها لعمومها لا سيما بعد تأكده بكلمة من فى حكم الموصوفة كما اشير اليه. والمعنى وما اهلكنا قرية من القرى فى حال من الاحوال الا حال ان يكون لها كتاب اى اجل مؤقت لهلكها قد كتبناه لانهلكها قبل بلوغه معلوم لا يغفل عنه حتى تمكن مخالفته بالتقدم والتأخر او صفة للقرية المقدرة التى هى بدل من المذكورة على المختار فيكون بمنزلة كونه صفة للمذكورة اى وما اهلكنا قرية من القرى الا قرية لها كتاب معلوم وتوسيط بينهما وان كان القياس عدمه للايذان بكمال الالتصاق بينهما من حيث ان الواو شأنها الجمع والربط

الجنابذي

تفسير : {وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ} اجل مكتوب مثبت والمستثنى مفرّغ واقع موقع الحال ويكفى فى صحّة كون القرية ذا الحال وقوعه نكرة عامّة فى سياق النّفى.

اطفيش

تفسير : {وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ} بالاستئصال ومن للتأْكيد فى المفعول ويقدر مضاف أى من أهل قرية ولما حذف المضاف اعتبر المضاف إِليه فى الضمير بعد ويجوز أن يكون المراد بالقرية أهلها تسمية للحال باسم المحل، وهكذا فى مثل ذلك وعلى الوجه الأَخير اعتبر فى الضمير بعد ذلك لفظ القرية ولو كان المراد بها الأَهل ولك رد الضمير إِلى الأَهل المحذوف فى الوجه الأَول المعبر عنه بلفظ القرية فى الثانى. {إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ} أجل مقدر ومكتوب فى اللوح المحفوظ لإِهلاكها لا يتقدم ولا يتأَخر كما ذكره الله سبحانه وتعالى عقب هذا، والجملة نعت لقربة الجواز التفريغ فى الصفات والواو زائدة فى الصفة لتأْكيد لصوقها بالموصوف ووجه التأْكيد بها أن من معانيها مطلق الجمع والجمع إِلصاق وضم، وذلك ما ذكره الزمخشرى والقاضى وغيرهما وحملوا على ذلك وعسى أن تكرهوا سبعة وثامنهم أو كالذى مر على قرية ـ الآيات واعترضه ابن هشام بأَن الواو فيهن للحال وسوغ مجىء الحال من النكرة فى آية السورة تقدم النفى وفيها وباقى الآى امتناع الصفة والحال متى امتنع كونها صفة جاز مجيئها من النكرة وامتناع الوصفية لاقتران الجملة بأَلا والتفريغ لا يجوز فى الصفات لا تقول مررت بأَحد الأقايم، نص على ذلك أبو على وغيره وذلك فى آية السورة وللإِقتران بالواو فيها وفى الباقى وقد اختار ابن مالك وغيره أن الصفة لا تقترن بالواو، والذى للسعد فى شرح لمفتاح جواز التفريغ فى الصفات وقد أُجيب من جانب الزمخشرى ومن تبعه أن محل امتناع التفريغ فى الصفات وامتناع اقترانها بالواو وما إِذا لم تشبه الحال وإِذا شبهت الحال كما فى الآية جاز ذلك وفى كلام الزمخشرى إشارة إلى ذلك: {مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ}.

اطفيش

تفسير : {وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ} ما أَهلكنا قرية من القرى أَردنا إِهلاكها والمراد القوم، عبر عنهم بقرية مجازا لحلولهم أَو حقيقة أَو بتقدير مضاف، أَى قوم قرية، أَو أَهل قرية، وهذا بيان لوجه تأْخير العذاب فى قوله: فسوف يعلمون بأَن تأْخيره ليس إِهمالا بل ليبلغوا أَجله كما قال: {إِلاَّ وَلَهَا كِتابٌ} أَجل مؤقت مكتوب فى اللوح المحفوظ يهلكون فيه {مَعْلُومٌ} بالحد، الجملة قيل نعت لقرية مقرون بالواو لتأْكيد اللصوق بالمنعوت لشبهه بالحال الذى يقرن بالواو المؤكدة للصوقه بصاحبه، ولم يتغير المعنى بالواو وهو ضعيف؛ لأَن أَصل الحال المقيس عليه أَن لا يقرن بها لأَنه كخبر المبتدإِ، والخبر لا يقرن بها إِلا فى العطف عليه، وأَيضاً لا يعهد معنى اللصوق للواو ولم تكن فى قوله: "أية : إلا لها منذرون"تفسير : [الشعراء: 208] لأَن الوصف فيه لازم عادى جرت عليه سنة الله، أَن لا إِهلاك إِلا بعد الإِنذار، وفى آية السورة لازم عقلى أَن أُمور الحكيم لأَوقاتها،الأَصل أَيضاً أَلا يفصل النعت بإِلا، وجعل الجملة نعت البدل محذوف هكذا إلا قرية لها كتاب لا يرفع الإِشكال لوجود الواو فالأَولى أَن الواو للحال، والجملة حال من النكرة لوجود النفى المفيد للعموم.

الالوسي

تفسير : {وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ} أي قرية من القرى بالخسف بها وبأهلها الكافرين كما فعل ببعضها أو بإخلائها عن أهلها بعد إهلاكهم كما فعل بآخرين {إِلاَّ وَلَهَا} في ذلك الشأن {كِتَابٌ} أجل مقدر مكتوب في اللوح {مَّعْلُومٌ} لا ينسى ولا يغفل عنه حتى يتصور التخلف عنه بالتقدم والتأخر، وهذا شروع في بيان سر تأخير عذابهم. و {كِتَابٌ} مبتدأ خبره الظرف والجملة حال من {قَرْيَةٍ} ولا يلزم تقدمها لكون صاحبها نكرة لأنها واقعة بعد النفي وهو مسوغ لمجىء الحال لأنه في معنى الوصف لا سيما وقد تأكد بكلمة {مِنْ} والمعنى ما أهلكنا قرية من القرى في حال من الأحوال إلا حال أن يكون لها كتاب معلوم لا نهلكها قبل بلوغه ولا نغفل عنه ليمكن مخالفته، أو مرتفع بالظرف والجملة كما هي حال أيضاً أي ما أهلكنا قرية من القرى في حال من الأحوال إلا وقد كان لها في حق إهلاكها أجل مقدر لا يغفل عنه. وقال الزمخشري الجملة صفة ـ لقرية ـ والقياس أن لا يتوسط الواو بينهما كما في قوله تعالى: {أية : وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ } تفسير : [الشعراء: 208] وإنما توسطت لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف كما يقال في الحال: جاءني زيد عليه ثوب وجاءني وعليه ثوب، ووافقه على ذلك أبو البقاء، وتعقبه في «البحر» بأنا لا نعلم أحداً قاله من النحاة، وهو مبني على أن ما بعد إلا يجوز أن يكون صفة، وقد صرح الأخفش والفارسي بمنع ذلك، وقال ابن مالك: إن جعل ما بعد إلا صفة لما قبلها مذهب لم يعرف لبصري ولا كوفي فلا يلتفت إليه وأبطل القول بأن الواو توسطت لتأكيد اللصوق. ونقل عن منذر بن سعيد أن هذه الواو هي التي تعطي أن الحالة التي بعدها في اللفظ هي في الزمن قبل الحالة التي قبل الواو، ومنه قوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَا جَاءوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوٰبُهَا } تفسير : [الزمر: 73] واعتذر السكاكي بأن ذلك سهو ولا عيب فيه، ولم يرض بذلك صاحب "الكشف" وانتصر للزمخشري فقال: قد تكرر هذا المعنى منهم في هذا الكتاب فلا سهو كما اعتذر صاحب "المفتاح"، وإذا ثبت إقحام الواو كما عليه الكوفيون والقياس لا يدفعه لثبوته في الحال وفيما أضمر بعده الجار في نحو بعت الشاء شاة ودرهماً وكم وكم، وهذه تدل على أن الاستعارة شائعة في الواو نوعية بل جنسية فلا نعتبر النقل الخصوصي ولا يكون من إثبات اللغة بالقياس لثبوت النقل عن نحارير الكوفة واعتضاده بالقياس، والمعنى ولا يبعد من صاحب المعاني ترجيح المذهب الكوفي إذا اقتضاه المقام كما رجحوا المذهب التميمي على الحجازي في باب الاستثناء عنده، ولا خفاء أن المعنى على الوصف أبلغ وأن هذا الوصف ألصق بالموصوف منه في قوله تعالى: {أية : إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ } تفسير : [الشعراء: 208] لأنه لازم عقلي وذلك عادي جرى عليه سنة الله تعالى اهـ. وفي «الدر المصون» أنه قد سبق الزمخشري إلى ما قاله ابن جني وناهيك به من مقتدى. قال بعض المحققين: إن الموصوف ليس القرية المذكورة وإنما هو قرية مقدرة وقعت بدلاً من المذكورة على/ المختار فيكون ذلك بمنزلة كون الصفة لها أي ما أهلكنا قرية من القرى إلا قرية لها كتاب معلوم كما في قوله تعالى: {أية : لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ * لاَّ يُسْمِنُ وَلاَ يُغْنِى مِن جُوعٍ } تفسير : [الغاشية: 6-7] فإن {لاَّ يُسْمِنُ} الخ صفة لكن لا للطعام المذكور لأنه إنما يدل على انحصار طعامهم الذي لا يسمن ولا يغني من جوع في الضريع، وليس المراد ذلك بل للطعام المقدر بعد {إِلا} أي ليس لهم طعام من شيء من الأشياء إلا طعام لا يسمن الخ فليس هناك الفصل بين الموصوف والصفة بإلا، وأما توسيط الواو وإن كان القياس عدمه فللإيذان بكمال الاتصال انتهى. ولا يخفى أنه لم يأت في أمر التوسيط بما يدفع عنه القال والقيل، وما ذكره من تقدير الموصوف بعد ـ إلا ـ يدفع حديث الفصل لكن نقل أبو حيان عن الأخفش أنه قال بعد منع الفصل بين الصفة والموصوف بإلا: ونحو ما جاءني رجل إلا راكب تقديره إلا رجل راكب، وفيه قبح لجعلك الصفة كالاسم، ولعل الجواب عن هذا سهل. وقرأ ابن أبـي عبلة {إِلا لها} بإسقاط الواو، وهو على ما قيل يؤيد القول بزيادتها. ولما بين سبحانه أن الأمم المهلكة كان لكل منهم وقت معين لهلاكهم وأنه لم يكن إلا حسبما كان مكتوباً في اللوح بين جل شأنه أن كل أمة من الأمم منهم ومن غيرهم لهم كتاب لا يمكن التقدم عليه ولا التأخر عنه فقال عز قائلاً: {مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا...}.

ابن عاشور

تفسير : اعتراض تذييلي لأن في هذه الجملة حكماً يشملهم وهو حكم إمهال الأمم التي حق عليها الهلاك، أي ما أهلكنا أمّة إلا وقد متّعناها زمناً وكان لهلاكها أجل ووقت محدود، فهي ممتعة قبل حلوله، وهي مأخوذة عند إبانه. وهذا تعريض لتهديد ووعيد مؤيدٌ بتنظيرهم بالمكذبين السالفين. وإنما ذكر حال القرى التي أهلكت من قبلُ لتذكير هؤلاء بسنّة الله في إمهال الظالمين لئلا يغرّهم ما هم فيه من التمتع فيحسبوا أنهم أفلتوا من الوعيد. وهذا تهديد لا يقتضي أن المشركين قدر الله أجلاً لهلاكهم، فإن الله لم يستأصلهم ولكن هدى كثيراً منهم إلى الإسلام بالسيف وأهلك سادتهم يوم بدر. والقَرْية: المدينة. وتقدمت عند قوله تعالى: {أية : أو كالذي مرّ على قرية} تفسير : في سورة البقرة (259). والكتاب: القَدَر المحدود عند الله. شبّه بالكتاب في أنه لا يقبل الزيادة والنقص. وهو معلوم عند الله، لا يضلّ ربي ولا ينسى. وجملة {ولها كتاب معلوم} في موضع الحال، وكفاك علماً على ذلك اقترانها بالواو فهي استثناء من عموم أحوال، وصاحب الحال هو {قرية} وهو وإن كان نكرة فإن وقوعها في سياق النفي سوّغ مجيء الحال منه كما سوّغ العموم صحة الإخبار عن النكرة. وجملة {ما تسبق من أمةٍ أجلها} بيان لجملة {ولها كتاب معلوم} لبيان فائدة التحديد: أنه عدم المجاوزة بدءاً ونهاية. ومعنى (تسبق أجلها) تفوته، أي تُعْدم قبل حلوله، شبّه ذلك بالسبق. و{يستأخرون}: يتأخرون. فالسين والتاء للتأكيد. وأنّث مفرداً ضمير الأمّة مرة مراعاة للفظ، وجُمع مذكراً مراعاة للمعنى. وحذف متعلق {يستأخرون} للعلم به، أي وما يستأخرون عنه.

د. أسعد حومد

تفسير : (4) - وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ مِنَ القُرَى إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مُقَدَّرٌ مَكْتُوبٌ فِي اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، لاَ يُنْسَى، وَلا يُغْفَلُ عَنْهُ، وَلاَ يَتَقَدَّمُ وَلا يَتَأَخَّرُ. لَهَا كِتَابٌ - أَجَلٌ مُقَدَّرٌ مَكْتُوبٌ فِي اللَّوْحِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : أي: أنه سبحانه لا يأمر بهلاك أيّ قرية إلا في الأجل المكتوب لها. ويجعلها من المُثل التي يراها مَنْ يأتي بعدها لعله يتعظ ويتعرَّف على حقيقة الإيمان. وقد قال الحق سبحانه: {أية : وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ ٱللَّهِ فَأَذَاقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ وَٱلْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ} تفسير : [النحل: 112]. والمثل القريب من الذاكرة "لبنان" التي عاشت إلى ما قبل الخمسينات كبلد لا تجد فيه فندقاً لائقاً، ثم ازدهرتْ وانتعشتْ في الستينات والسبعينات؛ واستشرى فيها الفساد؛ فقال أهل المعرفة بالله: "لا بُدَّ أن يصيبها ما يصيب القرى الكافرة بأنعُمِ الله". وقد حدث ذلك وقامت فيها الحرب الأهلية، وانطبق عليها قول الحق سبحانه: {أية : وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ..} تفسير : [الأنعام: 65]. وهذا ما يحدث في الدنيا، وهي مُقدّمات تُؤكّد صِدْق ما سوف يحدث في الآخرة. وسبحان القائل: {أية : وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَاباً شَدِيداً كَانَ ذٰلِك فِي ٱلْكِتَابِ مَسْطُوراً} تفسير : [الإسراء: 58]. وبطبيعة الحال؛ فهذا ما يحدث لأيِّ قرية ظالم أهلُها؛ لأن الحق سبحانه لا يظلم مِثْقال ذرّة. وأذكر أن تفسير النسفي قد صُودِر في عصر سابق؛ لأن صاحب التفسير قال عند تفسيره لهذه الآية: "حدثني فلان عن فلان أن البلد الفلاني سيحصل فيه كذا؛ والبلد الآخر سوف يحدث فيه كذا إلى أن جاء إلى مصر وقال بالنص: ويدخل مصر رجل من جهينة، فويْل لأهلها، ووَيْل لأهل سوريا، ووَيْل لأهل الرَّمْلة، ووَيْل لأهل فلسطين، ولا يدخل بيت المقدس". ومادام الحق سبحانه قد قال: {أية : كَانَ ذٰلِك فِي ٱلْكِتَابِ مَسْطُورا} تفسير : [الإسراء: 58]. فهو يُعلّم بعضاً من خلقه بعضاً من أسراره، فلا مانعَ من أن نرى بعضاً من تلك الأسرار على ألسنتهم. وحين ذاعت تلك الحكاية، وقالوها للرئيس الذي كان موجوداً، وقالوا له: أنت من جهينة وهم يقصدونك. صُودِر تفسير النسفي. إذن: فقد ترك الحق سبحانه لنا في الدنيا مثلاً يؤكد صِدْقه فيما يحكيه عن الوعيد لبعض القرى حتى نُصدّق ما يمكن أن يكون بعد يوم القيامة. وحين يقول الحق سبحانه: {وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ} [الحجر: 4]. فليس لأحد أن يقول: "إن ذلك لم يحدث للبلد الفلاني" لأن كُلَّ أَمْر له أجَل. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: {مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا ...}.

زيد بن علي

تفسير : أخبرنا أبو جعفر. قالَ: حدّثنا عليُ بن أحمد. قالَ حدّثنا عطاءُ بن السائب عن أبي خالد عن زيد بن علي عليهما السَّلامُ في قولهِ تعالى: {إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ} معناه أجلٌ ومُدةٌ.