Verse. 1808 (AR)

١٥ - ٱلْحِجْر

15 - Al-Hijr (AR)

وَقَالُوْا يٰۗاَيُّھَا الَّذِيْ نُزِّلَ عَلَيْہِ الذِّكْرُ اِنَّكَ لَمَجْنُوْنٌ۝۶ۭ
Waqaloo ya ayyuha allathee nuzzila AAalayhi alththikru innaka lamajnoonun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وقالوا» أي كفار مكة للنبي صلى الله عليه وسلم «يا أيها الذي نُزّل عليه الذكر» القرآن في زعمه «إنك لمجنون».

6

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما بالغ في تهديد الكفار ذكر بعده شبههم في إنكار نبوته. فالشبهة الأولى: أنهم كانوا يحكمون عليه بالجنون، وفيه احتمالات: الأول: أنه عليه السلام كان يظهر عليه عند نزول الوحي حالة شبيهة بالغشي فظنوا أنها جنون، والدليل عليه قوله: { أية : وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ * وَمَا هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لّلْعَالَمِينَ } تفسير : [القلم: 51، 52] وأيضاً قوله: { أية : أَوَ لَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِم مّن جِنَّةٍ } تفسير : [الأعراف: 184]. والثاني: أنهم كانوا يستبعدون كونه رسولاً حقاً من عند الله تعالى، فالرجل إذا سمع كلاماً مستبعداً من غيره فربما قال له هذا جنون وأنت مجنون لبعد ما يذكره من طريقة العقل، وقوله: {إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ } في هذه الآية يحتمل الوجهين. أما قوله: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلذّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ } ففيه وجهان: الأول: أنهم ذكروه على سبيل الاستهزاء كما قال فرعون: { أية : إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ } تفسير : [الشعراء: 27] وكما قال قوم شعيب: { أية : إِنَّكَ لأَنتَ ٱلْحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ } تفسير : [هود: 87] وكما قال تعالى: { أية : فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } تفسير : [آل عمران: 21] لأن البشارة بالعذاب ممتنعة. والثاني: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلذّكْرُ } في زعمه واعتقاده، وعند أصحابه وأتباعه. ثم حكى عنهم أنهم قالوا في تقرير شبههم: {لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِٱلْمَلَـئِكَةِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: المراد لو كنت صادقاً في ادعاء النبوة لأتيتنا بالملائكة يشهدون عندنا بصدقك فيما تدعيه من الرسالة، لأن المرسل الحكيم إذا حاول تحصيل أمر، وله طريق يفضي إلى تحصيل ذلك المقصود قطعاً، وطريق آخر قد يفضي وقد لا يفضي، ويكون في محل الشكوك والشبهات، فإن كان ذلك الحكيم أراد تحصيل ذلك المقصود، فإنه يحاول تحصيله بالطريق الأول لا بالطريق الثاني، وإنزال الملائكة الذين يصدقونك، ويقررون قولك طريق يفضي إلى حصول هذا المقصود قطعاً، والطريق الذي تقرر به صحة نبوتك طريق في محل الشكوك والشبهات، فلو كنت صادقاً في ادعاء النبوة لوجب في حكمة الله تعالى إنزال الملائكة الذين يصرحون بتصديقك وحيث لم تفعل ذلك علمنا أنك لست من النبوة في شيء، فهذا تقرير هذه الشبهة، ونظيرها قوله تعالى في سورة الأنعام: { أية : وَقَالُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْكَ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِىَ ٱلأَمْرُ } تفسير : [الأنعام: 8] وفيه احتمال آخر: وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخوفهم بنزول العذاب إن لم يؤمنوا به، فالقوم طالبوه بنزول العذاب وقالوا له: {لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِٱلْمَلَـئِكَةِ } الذين ينزلون عليك ينزلون علينا بذلك العذاب الموعود، وهذا هو المراد بقوله تعالى: { أية : وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَاءهُمُ ٱلْعَذَابُ } تفسير : [العنكبوت: 53] ثم إنه تعالى أجاب عن هذه الشبهة بقوله: {مَا نُنَزِّلُ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ إِلاَّ بِٱلحَقِّ وَمَا كَانُواْ إِذًا مُّنظَرِينَ } فنقول: إن كان المراد من قولهم: {لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِٱلْمَلَـئِكَةِ } هو الوجه الأول، كان تقرير هذا الجواب أن إنزال الملائكة لا يكون إلا بالحق وعند حصول الفائدة، وقد علم الله تعالى من حال هؤلاء الكفار أنه لو أنزل عليهم الملائكة لبقوا مصرين على كفرهم، وعلى هذا التقرير فيصير إنزالهم عبثاً باطلاً، ولا يكون حقاً، فلهذا السبب ما أنزلهم الله تعالى، وقال المفسرون: المراد بالحق ههنا الموت، والمعنى: أنهم لا ينزلون إلا بالموت، وإلا بعذاب الاستئصال، ولم يبق بعد نزولهم إنظار ولا إمهال، ونحن لا نريد عذاب الاستئصال بهذه الأمة، فلهذا السبب ما أنزلنا الملائكة، وأما إن كان المراد من قوله تعالى: {لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِٱلْمَلَـئِكَةِ } استعجالهم في نزول العذاب الذي كان الرسول عليه السلام يتوعدهم به، فتقرير الجواب أن الملائكة لا تنزل إلا بعذاب الاستئصال، وحكمنا في أمة محمد صلى الله عليه وسلم أن لا نفعل بهم ذلك، وأن نمهلهم لما علمنا من إيمان بعضهم، ومن إيمان أولاد الباقين. المسألة الثانية: قال الفراء والزجاج: لولا ولوما لغتان: معناهما: هلا ويستعملان في الخبر والاستفهام، فالخبر مثل قولك لولا أنت لفعلت كذا، ومنه قوله تعالى: { أية : لَوْلاَ أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ } تفسير : [سبأ: 31] والاستفهام كقولهم: { أية : لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ } تفسير : [الأنعام: 8] وكهذه الآية. وقال الفراء: لوما الميم فيه بدل عن اللام في لولا، ومثله استولى على الشيء واستومى عليه، وحكى الأصمعي: خاللته وخالمته إذا صادقته، وهو خلى وخلمي أي صديقي. المسألة الثالثة: قوله: {مَا نُنَزّلُ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ إِلاَّ بِٱلحَقّ } قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم: {مَا نُنَزّلُ } بالنون وبكسر الزاي والتشديد، والملائكة بالنصب لوقوع الإنزال عليها. والمنزل هو الله تعالى، وقرأ أبو بكر عن عاصم: {مَا تُنَزَّلَ } عن فعل ما لم يسمى فاعله، والملائكة بالرفع. والباقون: ما تنزل الملائكة على إسناد فعل النزول إلى الملائكة، والله أعلم. المسألة الرابعة: قوله: {وَمَا كَانُواْ إِذًا مُّنظَرِينَ } يعني: لو نزلت الملائكة لم ينظروا أي يمهلوا فإن التكليف يزول عند نزول الملائكة. قال صاحب «النظم»: لفظ اذن مركبة من كلمتين: من إذ وهو اسم بمنزلة حين ألا ترى أنك تقول: أتيتك إذ جئتني أي حين جئتني. ثم ضم إليها أن، فصار إذ أن. ثم استثقلوا الهمزة، فحذفوها فصار إذن، ومجيء لفظة إذن دليل على اضمار فعل بعدها والتقدير: وما كانوا منظرين إذ كان ما طلبوا وهذا تأويل حسن. ثم قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: أن القوم إنما قالوا: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلذّكْرُ } [الحجر: 6] لأجل أنهم سمعوا النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: « حديث : إن الله تعالى نزل الذكر علي » تفسير : ثم إنه تعالى حقق قوله في هذه الآية فقال: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ }. فأما قوله: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذّكْرَ } فهذه الصيغة وإن كانت للجمع إلا أن هذا من كلام الملوك عند إظهار التعظيم فإن الواحد منهم إذا فعل فعلاً أو قال قولاً قال: إنا فعلنا كذا وقلنا كذا فكذا ههنا. المسألة الثانية: الضمير في قوله: {لَهُ لَحَـٰفِظُونَ } إلى ماذا يعود؟ فيه قولان: القول الأول: أنه عائد إلى الذكر يعني: وإنا نحفظ ذلك الذكر من التحريف والزيادة والنقصان، ونظيره قوله تعالى في صفة القرآن: { أية : لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَـٰطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ } تفسير : [فصلت: 42] وقال: { أية : وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلَـٰفاً كَثِيراً } تفسير : [النساء: 82]. فإن قيل: فلم اشتغلت الصحابة بجمع القرآن في المصحف وقد وعد الله تعالى بحفظه وما حفظه الله فلا خوف عليه. والجواب: أن جمعهم للقرآن كان من أسباب حفظ الله تعالى إياه فإنه تعالى لما أن حفظه قيضهم لذلك قال أصحابنا: وفي هذه الآية دلالة قوية على كون التسمية آية من أول كل سورة لأن الله تعالى قد وعد بحفظ القرآن، والحفظ لا معنى له إلا أن يبقى مصوناً من الزيادة والنقصان، فلو لم تكن التسمية من القرآن لما كان القرآن مصوناً عن التغيير، ولما كان محفوظاً عن الزيادة ولو جاز أن يظن بالصحابة أنهم زادوا لجاز أيضاً أن يظن بهم النقصان، وذلك يوجب خروج القرآن عن كونه حجة. والقول الثاني: أن الكناية في قوله: {لَهُ } راجعة إلى محمد صلى الله عليه وسلم والمعنى وإنا لمحمد لحافظون وهو قول الفراء، وقوى ابن الأنباري هذا القول فقال: لما ذكر الله الإنزال والمنزل دل ذلك على المنزل عليه فحسنت الكناية عنه، لكونه أمراً معلوماً كما في قوله تعالى: { أية : إِنَّا أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ } تفسير : [القدر: 1] فإن هذه الكناية عائدة إلى القرآن مع أنه لم يتقدم ذكره وإنما حسنت الكناية للسبب المعلوم فكذا ههنا، إلا أن القول الأول أرجح القولين وأحسنهما مشابهة لظاهر التنزيل، والله أعلم. المسألة الثالثة: إذا قلنا الكناية عائدة إلى القرآن فاختلفوا في أنه تعالى كيف يحفظ القرآن قال بعضهم: حفظه بأن جعله معجزاً مبايناً لكلام البشر فعجز الخلق عن الزيادة فيه والنقصان عنه لأنهم لو زادوا فيه أو نقصوا عنه لتغير نظم القرآن فيظهر لكل العقلاء أن هذا ليس من القرآن فصار كونه معجزاً كإحاطة السور بالمدينة لأنه يحصنها ويحفظها، وقال آخرون: إنه تعالى صانه وحفظه من أن يقدر أحد من الخلق على معارضته، وقال آخرون: أعجز الخلق عن إبطاله وإفساده بأن قيض جماعة يحفظونه ويدرسونه ويشهرونه فيما بين الخلق إلى آخر بقاء التكليف، وقال آخرون: المراد بالحفظ هو أن أحداً لو حاول تغييره بحرف أو نقطة لقال له أهل الدنيا: هذا كذب وتغيير لكلام الله تعالى حتى أن الشيخ المهيب لو اتفق له لحن أو هفوة في حرف من كتاب الله تعالى لقال له كل الصبيان: أخطأت أيها الشيخ وصوابه كذا وكذا، فهذا هو المراد من قوله: {وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ }. واعلم أنه لم يتفق لشيء من الكتب مثل هذا الحفظ، فإنه لا كتاب إلا وقد دخله التصحيف والتحريف والتغيير، إما في الكثير منه أو في القليل، وبقاء هذا الكتاب مصوناً عن جميع جهات التحريف مع أن دواعي الملحدة واليهود والنصارى متوفرة على إبطاله وإفساده من أعظم المعجزات وأيضاً أخبر الله تعالى عن بقائه محفوظاً عن التغيير والتحريف، وانقضى الآن قريباً من ستمائة سنة فكان هذا إخباراً عن الغيب، فكان ذلك أيضاً معجزاً قاهراً. المسألة الرابعة: احتج القاضي بقوله: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ } على فساد قول بعض الإمامية في أن القرآن قد دخله التغيير والزيادة والنقصان قال: لأنه لو كان الأمر كذلك لما بقي القرآن محفوظاً، وهذا الاستدلال ضعيف، لأنه يجري مجرى إثبات الشيء بنفسه، فالإمامية الذين يقولون إن القرآن قد دخله التغيير والزيادة والنقصان، لعلهم يقولون إن هذه الآية من جملة الزوائد التي ألحقت بالقرآن، فثبت أن إثبات هذا المطلوب بهذه الآية يجري مجرى إثبات الشيء نفسه وأنه باطل والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قاله كفار قريش لمحمد صلى الله عليه وسلم على جهة الاستهزاء، ثم طلبوا منه إتيان الملائكة دلالة على صدقه. و{لَّوْ مَا} تحضيض على الفعل كلولا وهلا. وقال الفراء: الميم في «لوما» بدل من اللام في لولا. ومثله استولى على الشيء واستوْمَى عليه، ومثله خالمته وخاللته، فهو خِلْمي وخِلي؛ أي صديقي. وعلى هذا يجوز «لوما» بمعنى الخبر، تقول: لوما زيد لضرب عمرو. قال الكسائي: لولا ولوما سواء في الخبر والاستفهام. قال ٱبن مُقْبِل:شعر : لَوْمَا الحياء ولوما الدِّين عبتكما ببعض ما فيكما إذ عبتما عَوَرِي تفسير : يريد لولا الحياء. وحكى النحاس لوما ولولا وهلا واحد. وأنشد أهل اللغة على ذلك:شعر : تعدّون عَقْر النِّيب أفضلَ مَجْدِكم بني ضَوْطَرَى لولا الكَمِيَّ المُقَنّعا تفسير : أي هلا تعدون الكمِيّ المقنعا.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى عن كفرهم وعنادهم في قولهم: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِى نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ} أي: الذي تدعي ذلك {إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ} أي: في دعائك إيانا إلى اتباعك، وترك ما وجدنا عليه آباءنا {لَّوْ مَا} أي: هلا {تَأْتِينَا بِٱلْمَلَـٰئِكَةِ} أي: يشهدون لك بصحة ما جئت به إن كنت من الصادقين، كما قال فرعون: {أية : فَلَوْلاَ أُلْقِىَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَآءَ مَعَهُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ مُقْتَرِنِينَ} تفسير : [الزخرف: 53]، {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْنَا ٱلْمَلَـٰئِكَةُ أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا لَقَدِ ٱسْتَكْبَرُواْ فِىۤ أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوّاً كَبِيراً يَوْمَ يَرَوْنَ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ لاَ بُشْرَىٰ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْراً مَّحْجُوراً } تفسير : [الفرقان:21-22]، وكذا قال في هذه الآية: { مَا نُنَزِّلُ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ إِلاَّ بِٱلحَقِّ وَمَا كَانُواْ إِذًا مُّنظَرِينَ} وقال مجاهد في قوله: {مَا نُنَزِّلُ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ إِلاَّ بِٱلحَقِّ}: بالرسالة والعذاب، ثم قرر تعالى أنه هو الذي أنزل عليه الذكر، وهو القرآن، وهو الحافظ له من التغيير والتبديل، ومنهم من أعاد الضمير في قوله تعالى: {لَهُ لَحَـٰفِظُونَ} على النبي صلى الله عليه وسلم كقوله: {أية : وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ} تفسير : [المائدة: 67] والمعنى الأول أولى، وهو ظاهر السياق.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَقَالُواْ } أي كفار مكة للنبي صلى الله عليه وسلم { يـَٰأَيُّهَا ٱلَّذِى نُزّلَ عَلَيْهِ ٱلذّكْرُ } القرآن في زعمه {إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ }.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {ما ننزل الملائكة إلا بالحق}فيه أربعة أوجه: أحدها: إلا بالقرآن، قاله القاسم. الثاني: إلا بالرسالة، قاله مجاهد. الثالث: إلا بالقضاء عند الموت لقبض أرواحهم، قاله الكلبي. الرابع: إلا بالعذاب إذا لم يؤمنوا، قاله الحسن. {وما كانوا إذاً منظرين}أي مؤخَّرين. قوله عز وجل:{إنا نحن نزلنا الذكر} قال الحسن والضحاك يعني القرآن. {وإنا له لحافظون} فيه قولان: أحدهما: وإنا لمحمد حافظون ممن أراده بسوء من أعدائه، حكاه ابن جرير. الثاني: وإنا للقرآن لحافظون. وفي هذا الحفظ ثلاثة أوجه: أحدها: حفظه حتى يجزى به يوم القيامة، قاله الحسن. الثاني: حفظه من أن يزيد فيه الشيطان باطلاً، أو يزيل منه حقاً، قاله قتادة. الثالث: إنا له لحافظون في قلوب من أردنا به خيراً، وذاهبوان به من قلوب من أردنا به شراً.

ابن عطية

تفسير : الضمير في {قالوا} يراد به كفار قريش. ويروى أن القائلين كانوا: عبد الله بن أبي أمية، والنضر بن الحارث، وأشباههما. وقرأ الأعمش: "يا أيها الذي ألقي إليه الذكر". وقولهم: {يا أيها الذي نزل عليه الذكر} كلام على جهة الاستخفاف، أي بزعمك ودعواك، وهذه المخاطبة كما تقول لرجل جاهل أراد أن يتكلم فيما لا يحسن: يا أيها العالم لا تحسن تتوضأ. و {لو ما} بمعنى لو لا، فتكون تحضيضاً - كما في هذه الآية - وقد تكون دالة على امتناع الشيء لوجود غيره، كما قال ابن مقبل: [البسيط] شعر : لو ما الحياء ولو ما الدين عبتكما ببعض ما فيكما إذ عبتما عوري تفسير : وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر: "ما تنزل الملائكة" بفتح التاء والرفع وقرأ عاصم - في رواية أبي بكر - "ما تُنزلُ" بضم التاء والرفع، وهي قراءة يحيى بن وثاب، وقرأ حمزة والكسائي وحفص "ما ننزلُ بنون العظمة - "الملائكةَ بالنصب، وهي قراءة طلحة بن مصرف. وقوله: {إلا بالحق} قال مجاهد: المعنى: بالرسالة والعذاب. قال القاضي أبو محمد: والظاهر أن معناه: كما يجب ويحق من الوحي والمنافع التي رآها الله لعباده، لا على اقتراح كافر، ولا باختيار معترض. ثم ذكر عادة الله في الأمم من أنه لم يأتهم بآية اقتراح إلا ومعها العذاب في إثرها إن لم يؤمنوا. فكأن الكلام: ما تنزل الملائكة إلا بالحق وواجب، لا باقتراحكم؛ وأيضاً فلو نزلت لم تنظروا بعد ذلك بالعذاب، أي تؤخروا، و"النظرة": التأخير، المعنى: فهذا لا يكون، إذ كان في علم الله أن منهم من يؤمن أو يلد من يؤمن. وقوله تعالى: {إنا نحن نزلنا الذكر} رد على المستخفين في قولهم: {يا أيها الذي نزل عليه الذكر}. وهذا كما يقول لك رجل على جهة الاستخفاف: يا عظيم القدر، فتقول له - على جهة الرد والنجه: نعم أنا عظيم القدر. ثم تأخذ في قولك - فتأمله. وقوله: {وإنا له لحافظون} قالت فرقة: الضمير في {له} عائد على محمد صلى الله عليه وسلم، أي يحفظه من أذاكم ويحوطه من مكركم وغيره، ذكر الطبري هذا القول ولم ينسبه؛ وفي ضمن هذه العدة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أظهر الله به الشرع وحان أجله. وقالت فرقة - وهي الأكثر - الضمير في {له} عائد على القرآن وقاله مجاهد وقتادة، والمعنى: {لحافظون} من أن يبدل أو يغير، كما جرى في سائر الكتب المنزلة، وفي آخر ورقة من البخاري عن ابن عباس: أن التبديل فيها إنما كان في التأويل وأما في اللفظ فلا؛ وظاهر آيات القرآن أنهم بدلوا اللفظ، ووضع اليد في آية الرجم هو في معنى تبديل الألفاظ. وقيل: {لحافظون} باختزانه في صدور الرجال. قال القاضي أبو محمد: والمعنى متقارب، وقال قتادة: هذه الآية نحو قوله تعالى: {أية : لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه} تفسير : [فصلت: 42]. قال القاضي أبو محمد: وقوله تعالى: {ولقد أرسلنا من قبلك} الآية، تسلية للنبي عليه السلام وعرض أسوة، أي لا يضيق صدرك يا محمد بما يفعله قومك من الاستهزاء في قولهم: {يا أيها الذي نزل عليه الذكر} وغير ذلك، فقد تقدم منا إرسال الرسل في شيع الأولين، وكانت تلك سيرتهم في الاستهزاء بالرسل. و {شيع} جمع شيعة، وهي الفرقة التابعة لرأس ما: مذهب أو رجل أو نحوه وهي مأخوذة من قولهم: شيعت النار: إذا استدمت وقدها بحطب أو غيره، فكأن الشيعة تصل أمر رأسها وتظهره وتمده بمعونة. وقوله: {أرسلنا} يقتضي رسلاً، ثم أوجز باختصار ذكرهم لدلالة الظاهر من القول على ذلك.

الثعالبي

تفسير : {وَقَالُواْ يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ...} الآية: القائلون هذه المقالة هُمْ كُفَّار قُريشٍ، «ولو ما» بمعنى: لولا، فتكون تحضيضاً؛ كما هي في هذه الآية، وفي البخاريِّ: {لَّوْ مَا تَأْتِينَا }: هَلاَّ تأتينا. وقوله: {إِلاَّ بِٱلْحَقِّ}: قال مجاهدٌ: المعنى: بالرسالةِ والعذاب، والظاهرُ أنَّ معناه كما ينبغي ويَحِقُّ من الوحْيِ والمنافعِ التي أراها اللَّه لعباده، لا على ٱقتراحِ كافرٍ، ثم ذكَر عادَتَهُ سبحانَهُ في الأُمَمِ من أنَّه لم يأتهم بآيَةِ ٱقتراحٍ، إِلا ومعها العَذَابُ في إِثِرها إِن لم يُؤْمِنوا، والنَّظِرَة: التأخير. وقوله سبحانه: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ }: رَدٌّ على المستَخفِّين في قولهم: {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ }، وقوله: {وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ}: قال مجاهدٌ وغيره: الضميرُ في «له» عائدٌ على القرآن، المعنى: وإِنا له لحافِظُونَ من أنْ يبدَّل أو يُغَيَّر.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله: {وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر} قال: القرآن. وأخرج أبو عبيد وابن جرير وابن المنذر عن ابن جرير في قوله: {لو ما تأتينا بالملائكة} قال: ما بين ذلك إلى قوله: {ولو فتحنا عليهم باباً من السماء} قال وهذا من التقديم والتأخير {فظلوا فيه يعرجون} أي فظلت الملائكة تعرج، فنظروا إليه {لقالوا إنما سكرت أبصارنا}. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: {ما ننزل الملائكة إلا بالحق} قال بالرسالة والعذاب. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله {وما كانوا إذاً منظرين} قال: وما كانوا لو تنزلت الملائكة بمنظرين من أن يعذبوا. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله {وإنا له لحافظون} قال: عندنا. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} وقال في آية آخرى {أية : لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه} تفسير : [فصلت: 42] والباطل إبليس. قال: فأنزله الله ثم حفظه، فلا يستطيع إبليس أن يزيد فيه باطلاً ولا ينقص منه حقاً، حفظه الله من ذلك والله أعلم بالصواب.

القشيري

تفسير : الجنون معنى يوجب إسناد ما ينكشف للعقلاء من التحصيل على صاحبه، فلمَّا كانوا بوصف التباس الحقائق عليهم فهم أَوْلَى بما وصوفه به، فهم كان في المَثَل: رَمَتْنِي بِدَائِها وانْسَلَّت.

اسماعيل حقي

تفسير : {وقالوا} اى مشركوا مكة وكفار العرب لغاية تماديهم فى العتو والغى. وفى بعض التفاسير نزلت فى عبد الله بن امية {يا ايها الذى نزل عليه الذكر} نادوا به النبى عليه السلام على وجه التهكم ولذا جننوه بقولهم {انك لمجنون} اذ لا يجتمع اعتقاد نزول الذكر عليه ونسبة الجنون اليه. والمعنى انك لتقول قول المجانين حين تدعى ان الله نزل عليك الذكر اى القرآن. وقال الكاشفى [بدرستى توديوانه كه مارا از نقد بنسيه مى خوانى] وجواب هذه الآية قوله تعالى فى سورة القلم {أية : ما انت بنعمة ربك بمجنون} تفسير : اى ما انت بمجنون حال كونك منعما عليك بالنبوة وكمال العقل. يقول الفقير الجنون من اوصاف النقصان يجب تبرئة ساحة الانبياء وكمل اولالياء منه وعد نسبته اليهم من الجنون اذ لاسفه اشد من نسبة النقصان وسخافة العقل والاذعان الى المراجيح الرزان ولا عقل من العقول الا وهو مستفيض من العقل الاول الذى هو الروح المحمدى والعاقل بالعقل المعادى مجنون عند العاقل بالعقل المعاشى وبالعكس ولا يكون مجنونا بالجنون المقبول الا بعد دخول ائرة العشق. قال حضرة الشيخ الاكبر قدس سره الاطهر شعر : جننا مثل مجنون بليلى شغفنا حب جيران بسلمى تفسير : يعنى جننا من الازل الى الابد بجنون عشق المعشوق الوجه الحق وحب المحبوب الجمال المطلق كما جن مجنون بجنون عشق المعشوق ليلى الخلق وحب المحبوب الجمال المقيد: قال الصائب شعر : روزن عالم غيبست دل اهل جنون من وآن شهركه ديوانه فراوان باشد

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله: {وقالوا}؛ أي: كفار قريش: {يا أيها الذين نُزِّل عليه الذكْرُ} في زعمه، أو قالوه تَهكماً، {إنك لمجنون} أي: إنك لتقول قول المجانين، حين تدعي أنه ينزل عليك الذكر، أي: القرآن. {لَوْ مَا}: هلا {تأتينا بالملائكة} ليصدقوك فيما تدعي، أو يعضدوك على الدعوى، أو للعقاب على تكذيبنا {إن كنت من الصادقين} في دعواك، قال تعالى: {ما نُنزّلُ الملائكة}؛ لعذابهم أو لغيره {إلا بالحق} من الوحي، والمصالح التي يريدها الله، لا باقتراح مقترح، أو اختبار كافر، أو: إلا تنزيلاً ملتبساً بالحق، أي: بالوجه الذي قدره في الأزل، واقتضته الحكمة الإلهية، وهو أنه لا تنزل إلا باستئصال العذاب، وقد سبق في العلم القديم أن من ذريتهم من سبقت كلمتنا له بالإيمان، أو يراد بالحق: العذاب، ويؤيده قوله: {وما كانوا إذاً منظَرين}؛ أي: ولو نزلت الملائكة لعوجلوا، وما كانوا، إذا نزلت، مُؤخرين عن العذاب ساعة. ثم رد إنكارهم نزولَ الذكر واستهزاءَهُمْ فقال: {إنا نحن نزلنا الذَّكَر}؛ أي: القرآن، وأكده بأن وضمير الفصل، وحفظه بعد نزوله، كما قال: {وإنا له لحافظون} من التحريف، والزيادة، والنقص، بأن جعلناه معجزاً، مبايناً لكلام البشر، لا يخفى تغيير نظمه على أهل اللسان. قال القشيري: نزل التوراة، وَوَكَلَ حفظها إلى بني إسرائيل، بما استحفظوا من كتاب الله، فحرَّفوا وبَدَّلوا، وأنزل القرآن، وأخبر أنه حافظه، فلا جرم أنه كتاب عزيز، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. ويقال: إنه أخبر أنه حافظ القرآن، وإنما يحفظه بقرائه، فقلوبُ القُرَّاءِ هي خزائنُ كتابه؛ وهو لا يضيع حفظة كتابه، فإن في ذلك تضييع كتابه. هـ. وقال ابن عطية على قوله {أية : ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ} تفسير : [البقرة: 75] ذهبت جماعة من العلماء إلى أنهم بدلوا ألفاظاً من تلقائهم، وأن ذلك ممكن في التوراة؛ لأنهم استحفظوها، وغير ممكن في القرآن؛ لأن الله تعالى ضمن حفظه. هـ. الإشارة: كل ما جاء في القرآن من الإنكار على الرسل على أيدي الكفرة وتنقصيهم، والاستهزاء بهم، ففيه تسلية لمن بعدهم من الأولياء. وكذلك ما ذكره الحق تعالى من مقالات أهل الجهل في جانبه؛ كقوله: {أية : لَّقَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ} تفسير : [ آل عمران: 181]، وقوله: {أية : وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ} تفسير : [المائدة: 64]، إلى غير ذلك من مقالات أهل الجهل، فكأن الحق تعالى يقول: لو سَلِم أحد من الناس، لسلمتُ أنا وأنبيائي، الذين هم خاصة خلقي، فليكن بي وبرسلي أسوة لمن أُوذي من أوليائي. وبالله التوفيق. ثم تمم تلك التسلية

اطفيش

تفسير : {وَقَالُوا} أى مشركو مكة لرسول الله، {يَا أَيُّهَا الَّذِى نُزِّلَ عَلَيْهِ} وقرأ الأعمش ألقى إِليه {الذِّكْرُ} القرآن أى فى زعمه لأَنهم غير مقرين بأَن القرآن نزل عليه من الله أو نادوه بذلك تهكماً كقول فرعون إِن رسولكم الذى أُرسل إِليكم لمجنون ويدل لذلك قولهم: {إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ} نسبوه للجنون لأَنه كان يعتريه شبه الغشاوة عند نزول الوحى عليه من رب العالمين وقيل على العادة فى نسبة الأَشياء الغريبة إِلى الجن وكان القرآن والوحى مستغربين عندهم أو لأَنهما عندهم غير صحيحين من الله كما أن كلام المجنون غير معتبر.

اطفيش

تفسير : { وقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِى نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ} تهكم به لأنهم لا يعتقدون تنزيل الذكر عليه وهو القرآن، أَلا ترى إلى قولهم {إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ} كقول فرعون"أية : إن رسولكم الذى أُرسل إليكم لمجنون "تفسير : [الشعراء: 27] والمراد شبه الجنون من الغشى الذى يصيبه حين نزول الوحى، تقول به ما يقول المجنون، ولم يريدوا أنه مجنون حقيقة، وهكذا في غير الآية، أَو رموه بالجنون لقوله ما لم يأْلفوه، أَو أُريد نزل عليه الذكر فى زعمه، أَو يا أَيها الذى نزل عليه الذكر من كلام الله أى قالوا فيك يا أَيها الذى نزل عليه الذكر إنك لمجنون، كما يقال: قيل يا زيد إِنك مجنون، كأَنه قيل: يا أَيها الذى نزل عليه الذكر قالوا فيه إٍنك لمجنون.

الالوسي

تفسير : {وَقَالُواْ} شروع في بيان كفرهم بمن أنزل عليه الكتاب/ المتضمن للكفر به وبيان ما يؤول إليه حالهم، والقائل أهل مكة قال مقاتل: نزلت الآية في عبد الله بن أمية والنضر بن الحرث ونوفل بن خويلد والوليد بن المغيرة وهم الذين قالوا له صلى الله عليه وسلم: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ} أي القرآن، وخاطبوه عليه الصلاة والسلام بذلك مع أنهم الكفرة الذين لا يعتقدون نزول شيء استهزاءً وتهكماً وإشعاراً بعلة حكمهم الباطل في قولهم: {إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ} يعنون يا من يدعي مثل هذا الأمر العظيم الخارق للعادة إنك بسبب تلك الدعوى متحقق جنونك على أتم وجه، وهذا كما يقول الرجل لمن يسمع منه كلاماً يستبعده: أنت مجنون، وقيل: حكمهم هذا لما يظهر عليه عليه الصلاة والسلام من شبه الغشي حين ينزل عليه الوحي بالقرآن، والأول على ما قيل هو الأنسب بالمقام، وذهب بعضهم إلى أن المقول الجملة المؤكدة دون النداء أما هو فمن كلام الله تعالى تبرئة له عليه الصلاة والسلام عما نسبوه إليه من أول الأمر. وتعقب بأنه لا يناسب قوله تعالى: {أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذّكْرَ } تفسير : [الحجر: 9] الخ فإنه كما سيأتي إن شاء الله تعالى رد لإنكارهم واستهزائهم، وقد يجاب بأن ذلك على هذا رد لما عنوه في ضمن قولهم المذكور لكن الظاهر كون الكل كلامهم. وقد سبقهم إلى نظيره فرعون عليه اللعنة بقوله في حق موسى عليه السلام: {أية : إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ } تفسير : [الشعراء: 27] وتقديم الجار والمجرور على نائب الفاعل كما قيل لأن إنكارهم متوجه إلى كون النازل ذكراً من الله تعالى لا إلى كون المنزل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد تسليم كون النازل منه تعالى كما في قوله سبحانه: {أية : لَوْلاَ نُزّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءانُ عَلَىٰ رَجُلٍ مّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ } تفسير : [الزخرف: 31] فإن الإنكار هناك متوجه إلى كون المنزل عليه رسول الله عليه الصلاة والسلام. وإيراد الفعل على صيغة المجهول لإيهام أن ذلك ليس بفعل له فاعل أو لتوجيه الإنكار إلى كون التنزيل عليه لا إلى إسناده إلى الفاعل. وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما (نزل عليه الذكر) بتخفيف {نَزَّلَ} مبنياً للفاعل ورفع {ٱلذّكْرُ} على الفاعلية، وقرىء {يا أيها الذي ألقي عليه الذكر}. قال أبو حيان: وينبغي أن تجعل هذه القراءة تفسيراً لمخالفتها سواد المصحف.

ابن عاشور

تفسير : عطف على جملة {أية : ذرهم يأكلوا ويتمتعوا } تفسير : [سورة الحجر: 3]. والمناسبة أن المعطوف عليها تضمنّت انهماكهم في الملذّات والآمال، وهذه تضمّنت توغّلهم في الكفر وتكذيبهم الرسالة المحمّدية. والمعنى: ذرهم يكذبون ويقولون شتى القول من التكذيب والاستهزاء. والجملة كلها من مقولهم. والنداء في {يأيها الذي نزل عليه الذكر} للتشهير بالوصف المنادى به، واختيار الموصولية لما في الصلة من المعنى الذي جعلوه سبب التهكّم. وقرينة التهكّم قولهم: {إنك لمجنون}. وقد أرادوا الاستهزاء بوصفه فأنطقهم الله بالحق فيه صَرفاً لألسنتهم عن الشتم. وهذا كما كانوا إذا شتموا النبي صلى الله عليه وسلم أو هجوه يدعونه مذمماً؛ فـحديث : قال النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة: «ألَمْ تَرَيْ كيف صرف الله عني أذى المُشركين وسبّهم، يسبون مُذمماً وأنا محمد».تفسير : وفي هذا إسناد الصلة إلى الموصول بحسب ما يدعيه صاحب اسم الموصول، لا بحسب اعتقاد المتكلم على طريقة التهكّم. و{الذكر}: مصدر ذكر، إذا تلفظ. ومصدر ذكر إذا خطر بباله شيء. فالذكر الكلام الموحَى به ليتلَى ويكرر، فهو للتلاوة لأنه يُذكر ويعاد؛ إما لأن فيه التذكير بالله واليوم الآخر، وإما بمعنى أن به ذكرهم في الآخرين، وقد شملها قوله تعالى: {أية : لقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم} تفسير : [سورة الأنبياء: 10] وقال: {أية : وإنه لذكر لك ولقومك} تفسير : [سورة الزخرف: 44] والمراد به هنا القرآن. فتسمية القرآن ذكرا تسمية جامعة عجيبة لم يكن للعرب علم بها من قبل أن تَرد في القرآن. وكذلك تسميته قُرآناً لأنه قصد من إنزاله أن يقرأ، فصار الذكر والقرآن صنفين من أصناف الكلام الذي يلقى للناس لقصد وعيه وتلاوته، كما كان من أنواع الكلام الشعر والخطبة والقصة والأسطورة. ويدلك لهذا قوله تعالى: {أية : وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرءان مبين} تفسير : [سورة يس: 69]، فنفى أن يكون الكتاب المنزل على محمد شعراً، ووصفه بأنه ذكر وقرآن، ولا يخفى أن وصفه بذلك يقتضي مغايرة بين الموصوف والصفة، وهي مغايرة باعتبار ما في الصفتين من المعنى الذي أشرنا إليه. فالمراد: أنه من صنف الذكر ومن صنف القرآن، لا من صنف الشعر ولا من صنف الأساطير. ثم صار القرآن بالتعريف باللام عَلَماً بالغلبة على الكتاب المنزّل على محمد كما علمت آنفاً. وإنما وصفوه بالجنون لتوهّمهم أن ادعاء نزول الوحي عليه لا يصدر من عاقل، لأن ذلك عندهم مخالف للواقع توهّماً منهم بأن ما لا تقبله عقولهم التي عليها غشاوة ليس من شأنه أن يقبله العقلاء، فالداعي به غير عاقل. والمجنون: الذي جُنّ، أي أصابه فساد في العقل من أثر مسّ الجنّ إياه في اعتقادهم، فالمجنون اسم مفعول مشتق من الفعل المبني للمجهول وهو من الأفعال التي لم ترد إلا مسندة للمجهول. وتأكيد الجملة ب (إن) واللام لقصدهم تحقيق ذلك له لعلّه يرتدع عن الاستمرار فيه أو لقصدهم تحقيقه للسامعين حاضري مجالسهم. وجملة {لو ما تأتينا بالملائكة} استدلال على ما اقتضته الجملة قبلها باعتبار أن المقصود منها تكذيب الرسول ــــ عليه الصلاة والسلام ــــ لأن ما يصدر من المجنون من الكلام لا يكون جارياً على مطابقة الواقع فأكثره كذب. و{لو ما} حرف تحضيض بمنزلة لولا التحضيضية. ويلزم دخولها الجملة الفعلية. والمراد بالإتيان بالملائكة حضورهم عندهم ليخبرهم بصدقه في الرسالة. وهذا كما حكى الله في الآية الأخرى بقوله تعالى: {أية : أو تأتي بالله والملائكة قبيلا} تفسير : [سورة الإسراء: 92]. و{من الصادقين} أي من الناس الذين صفتهم الصدق، وهو أقوى من (إن كنت صادقاً)، كما تقدم في قوله تعالى: {أية : وكونوا مع الصادقين} تفسير : في سورة براءة (119)، وفي قوله: {أية : قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين} تفسير : في سورة البقرة (67).

الشنقيطي

تفسير : قد يقال في هذه الآية الكريمة كيف يقرون بأنه أنزل إليه الذكر وينسبونه للجنون مع ذلك والجواب أن قولهم يا أيها الذي نزل عليه الذكر يعنون في زعمه تهكماً منهم به، ويوضح هذا المعنى ورود مثله من الكفار متهكمين بالرسل عليهم صلوات الله وسلامه في مواضع أخر كقوله تعالى عن فرعون مع موسى قال: {أية : إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِيۤ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ}تفسير : [الشعراء: 27] وقوله عن قوم شعيب {أية : إِنَّكَ لأَنتَ ٱلْحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ}تفسير : [هود: 87].

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: نزل عليه الذكر: أي القرآن الكريم. لو ما تأتينا بالملائكة: أي هلا تأتينا بالملائكة تشهد لك أنك نبي الله. وما كانوا إذاً منظرين: أي ممهلين، بل يأخذهم العذاب فور نزول الملائكة. إنا نحن نزلنا الذكر: أي القرآن. في شيع الأولين: أي في فرق وطوائف الأولين. معنى الآيات: قوله تعالى {وَقَالُواْ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ} أي قال الكافرون المنكرون للوحي والنبوة {إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ} أي غير عاقل وإلا لما ادعيت النبوة. وفي قولهم هذا استهزاء ظاهر بالرسول صلى الله عليه وسلم وهو ثمرة ظلمة الكفر التي في قلوبهم وقوله: {لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِٱلْمَلائِكَةِ} لو ما هنا بمعنى هلا التحضيضية أي هلا تأتينا بالملائكة نراهم عياناً يشهدون لك بأنك رسول الله {إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ} في دعواك النبوة والرسالة فأت بالملائكة تشهد لك. قال تعالى {مَا نُنَزِّلُ ٱلْمَلائِكَةَ إِلاَّ بِٱلحَقِّ} أي نزولاً ملتبساً بالحق. أي لا تنزل الملائكة إلا لإِحقاق الحق وإبطال الباطل لا لمجرد تشهي الناس ورغبتهم ولو نزلت الملاكئة ولم يؤمنوا لنزل بهم العذاب فوراً {وَمَا كَانُواْ إِذاً مُّنظَرِينَ} أي ممهلين بل يهلكون في الحال. وقوله تعالى في الآية [9] {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ} أي القرآن {وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} أي من الضياع ومن الزيادة والنقصان لأنه حجتنا على خلقنا إلى يوم القيامة. أنزلنا الذكر هدى ورحمة وشفاء ونوراً. هم يريدون العذاب والله يريد الرحمة. مع أن القرآن نزلت به الملائكة، والملائكة إن نزلت ستعود إلى السماء ولم يبق ما يدل على الرسالة إلا القرآن ولكن القوم لا يريدون أن يؤمنوا وليسوا في ذلك الكفر والعناد وحدهم بل سبقتهم طوائف وأمم أرسل فيهم فكذبوا وجاحدوا وهو قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي شِيَعِ ٱلأَوَّلِينَ} أي في فرقهم وأممهم {وَمَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} لأن علة المرض واحدة إذاً فلا تيأس يا رسول الله ولا تحزن بل اصبر وانتظر وعد الله لك بالنصر فإن وعده حق: {أية : كَتَبَ ٱللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِيۤ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} تفسير : [المجادلة: 21]. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان ما كان يلقاه رسول الله صلى الله عليه وسلم من استهزاء وسخرية من المشركين. 2- مظهر من مظاهر رحمة الله بالإِنسان، يطلب نزول العذاب والله ينزل الرحمة. 3- بيان حفظ الله تعالى للقرآن الكريم من الزيادة والنقصان ومن الضياع. 4- بيان سنة الله تعالى في الأمم والشعوب وهي أنهم ما يأتيهم من رسول ينكر عليهم مألوفهم ويدعوهم إلى جديد من الخير والهدى إلا وينكرون ويستهزءون.

القطان

تفسير : الذكر: القرآن. منظرين: مؤخرين. في شيع: في جماعات مفرده شيعة. نسلكه: ندخله. يعرجون: يصعدون. سكرت: سدت ومنعت من الابصار. بروجا: منازل الشمس والقمر. شهاب: شعلة من نار، والشهبُ ما ترى ليلا تتساقط من السماء. {وَقَالُواْ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ}. وقال بعض كفار قريش مستهزئين بالرسول الكريم: يا أيّها الرجلُ الذي زعم أنّه نُزّلَ عليه القرآن إنك لمجنون. وقال "مقاتِل": إن الذين قالوا ذلك هم: عبدُ الله بن أمية، والنضرُ بن الحارث، ونوفل بن خُويلد، والوليدُ بن المغيرة من زعماء قريش. {لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِٱلْمَلائِكَةِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ}. إن كان ما تدّعيه حقاً وقد أيَّدك اللهُ وأرسلك، فلماذا لا تسأل اللهَ ان يُنزِل معك ملائكةً من السماء يشهدون بصِدق نبوَّتِك؟ ويتكرر طلبُ نزول الملائكة في هذه السورة وغيرها مع الرسول الكريم ومع غيره من الرسل. وقد أجاب الله تعالى على ذلك التهكُّم والاستهزاء، بأن الملائكة لا تنزِلُ على الرسول إلاّ لهلاكِ المكذِّبين من قومه حين ينتهي الأجلُ المَعلوم فقال: {مَا نُنَزِّلُ ٱلْمَلائِكَةَ إِلاَّ بِٱلحَقِّ وَمَا كَانُواْ إِذاً مُّنظَرِينَ}. إنّنا لا نُنزل الملائكةَ إلاّ عندما نقرِّر أمراً له أهميته، ويكون قد مضى الأجلُ وحقَّ القولُ على الكافرين، ولو أنزلْنا الملائكةَ لأهلكنا أولئك الكافرين، ولم يكونوا مؤخَّرين. قراءات: قرأ حمزة والكسائي وحفص "ما ننزل الملائكة" بنونين وبنصب الملائكة. وقرأ ابو بكر "ما تنزل الملائكة" بالتاء والفعل يبنى للمجهول ورفع الملائكة. وقرأ الباقون: "ما تنزل الملائكة" بفتح التاء ورفع الملائكة. ثم أجابَ الله تعالى عن إنكارِهم تنزيلَ القرآن واستهزائهم بالرسول الكريم بقوله: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}. ان هذه من الآيات الجلية، والقرآن كلّه جليل عظيم، وفيها تحدّ كبير لكل معاند، وطمأنينةٌ للمؤمنين. فالله سبحانه وتعالى يمنُّ علينا بأن هذا القرآن من عنده، وهو حافظٌ له، لم يَكِلْ حِفظه لغيره، فهو ذِكرٌ حيٌّ خالد مصون من التحريف والزيادة والنقصان، وهو باقٍ محفوظ لا يندثر ولا يتبدّل. والتحدي قائمٌ لكل معاند. {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي شِيَعِ ٱلأَوَّلِينَ وَمَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ}. ولا تحزن أيها الرسول، فقد أرسلنا قبلك رسُلاً إلى أُممٍ قد مضت، وما أتى رسولٌ أمةً إلا كذّبوه واستهزأوا به. وفي هذا تسليةٌ للرسول الكريم عما أصابه من سَفَهِ قومه، بأن هذا دأبُ الأمم المكذِّبة لِرُسُلها من قبل.. فلقد أصابهم مثلُ ما أصابك، وقد نَصَرْنا رسُلَنا وسننصرك انت والمؤمنين، فَطِبْ نَفْساً، ولا يَضِيقنَّ صدرُك بما يقولون. {كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ ٱلأَوَّلِينَ}. وكما كانت حالُ الأمم الماضية حين أُنزلتْ عليهم الكتبُ من الملأ الأعلى فأصُّروا على الكفر والاستهزاء بالرسُل - كذلك نلقي القرآنَ في قلوب المجرمين من بين قومك وهو غيرُ مقبولٍ لديهم، لأنهم أجرموا بإصرارِهم على الكفر فلم يؤمنوا به. وقد مضت سنّةُ الله في إمهالهم، وهكذا تجدنا نفعلُ باللاحقين كما فعلنا بالسابقين. ثم بين الله تعالى عظيم عنادهم ومكابرتهم للحق فقال: {وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ ٱلسَّمَاءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ}. ولو فتحنا على هؤلاء المعاندين باباً من السماء يصعَدون فيه بأجسامِهم ويَرَوْن مَنْ فيها من الملائكة، وما فيها من العجائب - لقالوا لِفَرْطِ عنادهم، انما سُدَّتْ أبصارُنا، فما نراه تخيُّلٌ لا حقيقةَ له، وقد سَحَرَنا محمدٌ با يَظْهرُ على يده من الآيات، وظلّوا في عنادِهم ومكابَرَتِهم سادِرين. قراءات: قرأ ابن كثير: "سُكرِت" بالتخفيف، والباقون بالتشديد كما هو في المصحف. {وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي ٱلسَّمَاءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ}. بعد بيان مكابرة المعاندين، وانهم لا يؤمنون حتى بالأشياء المحسوسة، عَرَضَ هنا الآيات الكونيةَ، وما فيها من إبداعٍ لمن يفكّر ويُبْصِر. لقد أبدْعنا هذا الكونَ، وجعلنا في السماء أشكالاً عديدةً من النجوم، منها تلك البروجُ الظاهرة للعيان، البديعةُ، الدالَّةُ على جَمال هذا الكون، وحُسنِ نظامه وزينّاها بالكواكب للناظِرين المعتبرين والمفكرين. فهلاّ نظر أولئك المعاندون إلى هذه السماء وما فيها من بروج ظاهرة، ونجومٍ ساطعة وأقمار نّيرة، ومجَرّات عظيمة، فإن فيها عبرةً لمن اعتبر! {وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ إِلاَّ مَنِ ٱسْتَرَقَ ٱلسَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ}. ولقد حفظنا السماءَ ومنعنا كلَّ شيطانٍ رجيم من القرب منها، فلا ينالُها ولا يدنِّسها، ولكن من أرادَ من هؤلاء الشياطين ان يَستَرِقَ الاستماع من عالم الغيب، فنحن نلحقه بشهاب مشتعل محرق، فهم أعجَزُ من ان يَصِلوا إليها.

د. أسعد حومد

تفسير : {يٰأَيُّهَا} (6) - وَقَالَ الكَفَرَةُ الظَّالِمُونَ - اسْتِهْزَاءً وَتَهَكُّماً - لِلنَّبِيِّ: يَا أَيُّهَا الرَّجُلُ الذِي زَعَمَ أَنَّ اللهَ نَزَّلَ عَلَيْهِ القُرآنَ، إِنَّ مَا تَقُولُهُ إِنَّمَا أَمْلاَهُ عَلَيكَ الجُنُونُ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لآرَائِنَا وَمُعْتَقَداتِنا، فَكَيْفَ نَقْبَلُ مَا لاَ تَقْبَلُهُ العُقُولُ؟

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وهم هنا يسخرون من الرسول ومن القرآن؛ ذلك أنهم لو كانوا يؤمنون بالقرآن وبالرسول؛ لَمَا وصفوه صلى الله عليه وسلم بالجنون. والذين قالوا ذلك هم أربعة من كبار الكفار: عبد الله بن أبي أمية، والنضر بن الحارث، ونوفل بن خويلد، والوليد بن المغيرة. وقيل عن ابن عباس: إنهم الوليد بن المغيرة المخزومي؛ وحبيب بن عمرو الثقفي. وقيل عن مجاهد: إنهم عتبة بن ربيعة، وكنانة بن عبد ياليل. والظاهر من قولهم هو التناقض الواضح؛ فَهُمْ - شاءوا أم أبَوْا - يعترفون بالقرآن بأنه "ذِكْر"، والذِّكْر في اللغة له عدة مَعَانٍ، منها الشرف، وقد أُطلِق على القرآن، كما قال الحق سبحانه: {أية : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ} تفسير : [الزخرف: 44]. وسبق لهم أن تلمَّسُوا في هذا القرآن هناتٍ؛ فلم يجدوا، فكيف يَصِفون مَنْ نُزِّل عليه هذا القرآن بالجنون؛ وهم الذين شهدوا له من قَبْل بالصدق والأمانة. وقد شاء الحق سبحانه أن يُنصِف رسوله صلى الله عليه وسلم فقال: {أية : وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ} تفسير : [القلم: 4]. وهم في اتهامهم للرسول صلى الله عليه وسلم لم يلتفتوا إلى أنهم قد خاطبوه بقولهم: (يٰا أيها)، وهو خطاب يتطابق مع نفس الخطاب الذي يخاطبه به الله؛ وهكذا أجرى الحق سبحانه على ألسنتهم توقيراً واحتراماً للرسول صلى الله عليه وسلم دون أنْ يشعروا، وذلك من مشيئته سبحانه حين يُنطِق أهلَ العناد بالحق دون أن يشعروا. فقد قال الحق سبحانه عن المنافقين أنهم قالوا: {أية : لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّواْ ..} تفسير : [المنافقون: 7]. أي: لا تنفقوا على مَنْ عند النبي صلى الله عليه وسلم، حتى يجوعوا، فينفضوا من حوله. هم يقولون عنه "رسول الله"، فهل آمنوا بذلك؟ أم أن هذا من غلبة الحق؟ ويتابع سبحانه ما جاء على ألسنتهم: {لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِٱلْمَلائِكَةِ ...}.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: وقال المكذبون لمحمد صلى الله عليه وسلم استهزاء وسخرية: { يَا أَيُّهَا الَّذِي نزلَ عَلَيْهِ الذِّكْر } على زعمك { إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ } إذ تظن أنا سنتبعك ونترك ما وجدنا عليه آباءنا لمجرد قولك. { لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلائِكَةِ } يشهدون لك بصحة ما جئت به { إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ } فلما لم تأت بالملائكة فلست بصادق، وهذا من أعظم الظلم والجهل. أما الظلم فظاهر فإن هذا تجرؤ على الله وتعنت بتعيين الآيات التي لم يخترها وحصل المقصود والبرهان بدونها من الآيات الكثيرة الدالة على صحة ما جاء به، وأما الجهل، فإنهم جهلوا مصلحتهم من مضرتهم، فليس في إنزال الملائكة، خير لهم بل لا ينزل الله الملائكة إلا بالحق الذي لا إمهال على من لم يتبعه وينقد له. { وَمَا كَانُوا إِذًا } أي: حين تنزل الملائكة، إن لم يؤمنوا، ولن يؤمنوا بـ { مُنْظَرِينَ } أي: بمهملين، فصار طلبهم لإنزال الملائكة تعجيلا لأنفسهم بالهلاك والدمار، فإن الإيمان ليس في أيديهم وإنما هو بيد الله، {أية : ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون } تفسير : ويكفيهم من الآيات إن كانوا صادقين، هذا القرآن العظيم ولهذا قال هنا: { إِنَّا نَحْنُ نزلْنَا الذِّكْرَ } أي: القرآن الذي فيه ذكرى لكل شيء من المسائل والدلائل الواضحة، وفيه يتذكر من أراد التذكر، { وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } أي: في حال إنزاله وبعد إنزاله، ففي حال إنزاله حافظون له من استراق كل شيطان رجيم، وبعد إنزاله أودعه الله في قلب رسوله، واستودعه فيها ثم في قلوب أمته، وحفظ الله ألفاظه من التغيير فيها والزيادة والنقص، ومعانيه من التبديل، فلا يحرف محرف معنى من معانيه إلا وقيض الله له من يبين الحق المبين، وهذا من أعظم آيات الله ونعمه على عباده المؤمنين، ومن حفظه أن الله يحفظ أهله من أعدائهم، ولا يسلط عليهم عدوا يجتاحهم.