١٥ - ٱلْحِجْر
15 - Al-Hijr (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
8
Tafseer
القرطبي
تفسير : قرأ حفص وحمزة والكسائي {مَا نُنَزِّلُ ٱلْمَلائِكَةَ إِلاَّ بِٱلحَقِّ} واختاره أبو عبيد. وقرأ أبو بكر والمفضل «ما تُنَزَّل الملائكةُ»، الباقون «ما تَنَزَّلُ الملائكةُ» وتقديره: ما تتنزل بتاءين حذفت إحداهما تخفيفاً، وقد شدّد التاء البَزِّي، واختاره أبو حاتم اعتباراً بقوله: {أية : تَنَزَّلُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ} تفسير : [القدر: 4]. ومعنى {إِلاَّ بِٱلحَقِّ} إلا بالقرآن. وقيل بالرسالة؛ عن مجاهد. وقال الحسن: إلا بالعذاب إن لم يؤمنوا. {وَمَا كَانُواْ إِذاً مُّنظَرِينَ} أي لو تنزلت الملائكة بإهلاكهم لما أمهلوا ولا قبلت لهم توبة. وقيل: المعنى لو تنزلت الملائكة تشهد لك فكفروا بعد ذلك لم ينظَرُوا. وأصل «إذاً» إذْ أن ـ ومعناه حينئذ ـ فضم إليها أن، واستثقلوا الهمزة فحذفوها.
المحلي و السيوطي
تفسير : {مَا تُنَزَّلَ } فيه حذف إحدى التاءين {ٱلْمَلَٰئِكَةَ إِلاَّ بِٱلحَقِّ } بالعذاب {وَمَا كَانُواْ إِذًا } أي حين نزول الملائكة بالعذاب {مُنظَرِينَ } مؤخّرين.
ابن عبد السلام
تفسير : {إِلاَّ بِالْحَقِّ} القرآن، أو الرسالة، أو بالقضاء عند الموت بقبض أرواحهم، أو العذاب إن لم يؤمنوا.
البقاعي
تفسير : ولما كان في قولهم أمران، أجاب عن كل منهما على طريق الاستئناف على تقدير سؤال من كأنه قال: ربما إذا أجابهم؟ فقيل: أجاب عن الثاني لأنه أقرب بقوله: {ما نُنزل الملائكة} أي هذا النوع {إلا} تنزلاً ملتبساً {بالحق} أي بسبب عمل الأمر الثابت، وهو معنى ما قال البخاري في كتاب التوحيد: قال مجاهد: بالرسالة والعذاب، وأما على الرسل فبالحق من الأقوال، وأما على المنذرين فبالحق من الأفعال من الهلاك والنجاة، فلو نزلوا عليهم كما اقترحوا لقضي الأمر بينك وبينهم فهلكوا {وما كانوا} أي الكفار {إذاً} أي إذ تأتيهم الملائكة {منظرين *} أي حاصلاً لهم الإنظار على تقدير من التقادير، لأن الأمر الثابت يلزمه نجاة الطائع وهلاك العاصي في الحال من غير إمهال، وكان حينئذ يفوت ما قضينا به من تأخيرهم وإخراج من أردنا إيمانه من أصلابهم، وأجاب سبحانه عن الأول بقوله مؤكداً لتكذيبهم: {إنا نحن} أي على ما لنا من العظمة لا غيرنا من جن ولا إنس {نزلنا} أي بالتدريج على لسان جبريل عليه السلام {الذكر} أي الموعظة والشرف {وإنا له} أي بعظمتنا وإن رغمت أنوف الحاسدين {لحافظون *} أي دائماً، بقدرتنا وعلمنا، لما في سورة هود من أن ذلك لازم للحفظ فانتفى حينئذ جواز أن ينزل على مجنون مخلط لا سيما وهو على هذه الأساليب البديعة والمناهيج الرفيعة، فكأن المعنى: أرسلناك به حال كونك بشراً لا ملكاً قوياً سوياً، يعلمون أنك أكملهم عقلاً، وأعلاهم همة، وأيقنهم فكراً، وأتقنهم أمراً وأوثقهم رأياً، وأصلبهم عزيمة؛ روى البخاري في التفسير والفتن عن زيد بين ثابت رضي الله عنه قال: أرسل إليّ أبو بكر رضي الله عنه مقتل أهل اليمامة وعنده عمر رضي الله عنه، فقال أبو بكر: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحر يوم اليمامة بالناس - وفي رواية: بقراء القرآن - وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن، فيذهب كثير من القرآن، إلا أن تجمعوه، وإني لأرى أن تجمع القرآن، قال أبو بكر: فقلت لعمر: كيف أفعل شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ فقال عمر: هو والله خير! فلم يزل عمر يراحعني فيه حتى شرح الله لذلك صدري، ورأيت الذي رأى عمر. قال زيد بين ثابت: وعمر جالس عنده لا يتكلم، فقال أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل ولا نتهمك، كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فتتبع القرآن فاجمعه، فوالله لو كلفني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليّ مما أمرني به من جمع القرآن، قلت: كيف تفعلان شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال أبو بكر: هو والله خير! فلم أزل أراجعه حتى شرح الله صدري للذي شرح الله له صدر أبي بكر وعمر، فقمت فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع والأكتاف والعسب وصدور الرجال، حتى وجدت من سورة التوبة آيتين مع خزيمة - أو أبي خزيمة - الأنصاري، لم أجدهما - أي مكتوبتين - عند أحد غيره { لقد جاءكم رسول من أنفسكم} - إلى آخرها، وكانت الصحف التي جمع فيها القرآن عند أبي بكر حتى توفاه الله تعالى ثم عند عمر حتى توفاه الله، ثم حفصة بنت عمر - رضي الله عنهم. وساق هذا الأثر أيضاً في فضائل القرآن، وروي بعده عن أنس رضي الله عنه أن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قدم على عثمان رضي الله عنه، وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وآذربيجان مع أهل العراق فأفزع حذيفة رضي الله عنه اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان رضي الله عنهما: يا أمير المؤمنين! أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة - رضي الله عنهما أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام رضي الله عنهم، فنسخوها في المصاحف؛ وقال عثمان رضي الله عنه للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم، ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق. وله عن خارجه بن زيد بن ثابت أنه سمع زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: لما نسخنا الصحف في المصاحف فقدت آية من سورة الأحزاب كنت كثيراً أسمع الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقرأها، لم أجدها مع أحد إلا مع خزيمة الأنصاري - وفي رواية: فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة - الذي جعل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم شهادته شهادة رجلين {أية : من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه} تفسير : [الأحزاب:23] فألحقناها في سورتها في المصحف. وفي الأثر الأول دلالة على أنه كان - لما أمره الصديق رضي الله عنه - لا يكتب شيئاً إلا إذا وجد ما كان قد كتب منه بحضرة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأمره، وقابله مع ذلك على المحفوظ في صدور الرجال؛ وفي الأخير دليل من قوله: نسخنا المصحف في المصاحف - إلى آخره، أنه أعاد التتبع كما فعل أولاً ليصح قوله: فقدت آية من سورة الأحزاب. لأن افتقادها فرع العلم بها، ومن أبعد البعيد أن يكون سمع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كثيراً يقرأها ولا يحفظها، ولا سيما وهو مذكور فيمن جمع القرآن في حياة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما رواه البخاري من غير وجه عن أنس رضي الله عنه، والظاهر من مثل هذا التتبع الذي لا يجوِّز لمن مارس أمثال هذه الهمم أن يفهم غيره أن يكون لا ينقل آية إلا إذا وجد من حفاظها على حسب ما هي مكتوبة عدد التواتر والله أعلم. ولما كان هذا الكلام الذي قالوه عليه صلى الله عليه وعلى آله وسلم شاقاً وله غائظاً موجعاً، قال تعالى تسلية له على وجه راد عليهم: {ولقد أرسلنا} أي على ما لنا من العظمة والجلال والهيبة؛ ولما كان الإرسال بالفعل غير عام للزمان كله، قال: {من قبلك} أي كثيراً من الرسل {في شيع} أي فرق، سموا شيعاً لمتابعة بعضهم بعضاً في الأحوال التي يجتمعون عليها في الزمن الواحد من مملكة أو عمارة أو ديانة أو نحو ذلك من الأمور الجارية في العادة {الأولين *} كلهم، فما أرسلنا إلا رجالاً من أهل القرى مثلك يوحى إليهم، ولم نرسل مع أحد منهم ملائكة تراها أممهم، بل جعلنا مكاشفة الملائكة أمراً خاصاً بالرسل، فكذبوا رسلهم {وما يأتيهم} عبر بالمضارع تصويراً للحال، إيذاناً بما يوجب من الغضب، فإن ما تجعل المضارع حالاً والماضي قريباً منه، وأكد النفي فقال: {من رسول} أي على أي وجه كان {إلا كانوا به} أي جبلة وطبعاً {يستهزئون *} مكررين لذلك دائماً، فكأنهم تواصوا بمثل هذا، ولم ينقص هذا من عظمتنا شيئاً، فلا تبتئس بما يفعلون بك؛ والاستهزاء في الأصل: طلب الهزوء، والمراد به هنا - والله أعلم - الهزء، وهو إظهار ما يقصد به العيب على إيهام المدح كاللعب والسخرية، ولعله عبر عنه بالسين المفهمة للطلب إشارة إلى أن رغبتهم فيه لا تنقضي كما هو شأن الطالب للشيء، مع أنهم لا يقعون على مرادهم في حق أهل الله أصلاً، لأنهم لا يفعلون من ذلك فعلاً إلا كان ظاهر البعد عما يريدون، لظهور ما يدعو إليه حزب الله وثباته، فكانوا لذلك كطالب ما لم يقع، وإنما كان الناس إلى ما يوجبه الجهل من الاستهزاء ونحوه أسرع منهم إلى ما يوجبه العلم من الأخذ بالحزم والنظر في العواقب، لما في ذلك من تعجل الراحة واللذة وإسقاط الكلفة بإلزام النفس الانتقال من حال إلى حال - قاله الرماني. ولما كانت قلوب أهل الضلال موصوفة بالضيق والحرج، كان الداخل إليها لا يدخل إلا بغاية العسر، فلذلك قال جواباً لمن كأنه قال: أهذا خاص بهؤلاء؟ فقيل: لا، بل {كذلك} أي مثل هذا السلك العجيب الشأن، وعبر بالمضارع الدال مع التجدد على الاستمرار، لاقتضاء المقام له كما تقدم في أولها فقال: {نسلكه} أي الذكر {في قلوب المجرمين *} أي العريقين في الإجرام في كل زمن كما يسلك الخيط والرمح ونحوه فيما ينظر فيه من مخيط وغيره بغاية العسر، فلا يتسع له المحل فلا ينفع، حال كونهم {لا يؤمنون به} لشيء من الأشياء، لأن صدورهم لا تنشرح له كما رأيت سنتنا بذلك في قومك {وقد خلت} أي مضت من قبل هذا {سنة} أي طريقة {الأولين *} بذلك، ونحن قادرون على فعل ما نريد من تلك السنة بهذه الأمة من إهلاك وتيسير إيمان وغير ذلك، فهو ناظر إلى قوله { وقرآن مبين} والغرض بيان أنه تعالى يعمي بعض الأبصار على الجلي، ويبصر بعضها بالخفي، إظهاراً للقدرة والاختيار بإنفاذ الأمر على خلاف القياس. ولما أخبره بهذه الأسرار منبئة عن أحوالهم، وكانت النفس أشد شيء طلباً لقطع حجة المتعنت بإجابة سؤله، قال تعالى مخبراً بتحقيق ما ختم به من أنهم لا يؤمنون للخوارق ولو رأوا أعجب من الإيتان بالملائكة: {ولو فتحنا} أي بما لنا من العظمة {عليهم} أي على من قال: لو ما تأتينا بالملائكة {باباً} يناسب عظمتنا {من السماء} وأشار إلى أن ذلك حالهم - ولو كانوا في أجلى الأوقات وهو النهار - بقوله: {فظلوا} أي الكفار {فيه} أي ذلك الباب العالي {يعرجون *} أي يصعدون ماشين في الصعود مشية الفرح {لقالوا} عناداً وإبعاداً عن الإيمان: {إنما سكرت} أي سدت وغشيت {أبصارنا} أي حتى ظننا ما ليس بواقع واقعاً {بل نحن قوم} أي وإن كان لنا غاية القوة على ما نريد محاولته {مسحورون *} أي ثابت وقوع السحر علينا حتى صرنا نرى الأشياء على خلاف ما هي عليه ونثبت ما لا حقيقة له؛ والسكر: السد بإدخال اللطيف في المسام فيمنع الشيء كمال ما كان عليه، ومنه السكر بالشراب، والسحر: حيلة خفية توهم معنى المعجزة من غير حقيقة.
اسماعيل حقي
تفسير : فقال الله تعالى فى جوابهم {ما ننزل الملائكة الا بالحق} اى ملتبسا بالوجه الذى يحق ملابسة التنزيل مما تقتضيه الحكمة وتجرى به السنة الالهية والذى اقترحوه من التنزيل لاجل الشهادة لديهم وهم هم ومنزلتهم فى الحقارة والهوان منزلتهم مما لا يكاد يدخل تحت الصحة والحكمة اصلا فان ذلك من باب التنزيل بالوحى الذى لا يكاد يفتح على غير الانبياء العظام من افراد كمل المؤمنين فكيف على امثال اولئك الكفرة اللئام وانما الذى يدخل فى حقهم تحت الحكمة فى الجملة هو التنزيل للتعذيب والاستئصال كما فعل باضرابهم من الامم السالفة ولو فعل ذلك لاستؤصلوا بالمرة {وما كانوا اذن منظرين} اذن جواب وجزاء لشرط مقدر وهر مركبة من اذ وهو اسم بمعنى الحين ثم ضم اليه ان فصار اذان ثم استثقلوا الهمزة فحذفوها فمجيئ لفظة ان دليل على اضمار فعل بعدها والتقدير وما كانوا اذ ان كان ما طلبوه منظرين والانظار التأخير. والمعنى ولو نزلنا الملائكة ما كانوا مؤخرين بعد نزولهم طرفة عين كدأب سائر الامم المكذبة المستهزئة ومع استحقاقهم لذلك قد جرى قلم القضاء بتأخير عذابهم الى يوم القيامة لتعلق العلم والارادة بازديادهم عذابا وبايمان بعد ذراريهم. وفى تفسير الكاشفى {ما ننزل الملائكة الا بالحق} مكر بوحى نازل بعذاب: يعنى ملك رابصورت اصل وقتى توانندديدكه بجهت عذاب نازل شوند جنانجه قوم ثمود جبريل رادرزمان صيحه ديدند يا بوقت مرك جنانجه همه كس مى بينند {وما كانوا اذن} ونباشند آن هنكام كه ملائكه را بدين صورت فرستيم {منظرين} از مهلت داد كان يعنى فى الحال معذب شوند]
الجنابذي
تفسير : {مَا نُنَزِّلُ ٱلْمَلائِكَةَ} قرئ بالنّون وبالياء والبناء للفاعل وبالتّاء والبناء للمفعول وبالتّاء والبناء للفاعل مفتوح التّاء اصله تتنزّل الملائكة {إِلاَّ بِٱلحَقِّ} اى الاّ مع الحقّ واذا جاء الحقّ لم يبق منكم اثر لأنّكم باطلون ولا يبقى الباطل مع الحقّ، وقد مرّ مراراً انّ الحقّ هو الولاية المطلقة وهى اضافة الحقّ الاوّل تعالى شأنه اضافة اشراقيّة وان كلّ حقّ فهو حقّ بحقّيّته ولذلك قال {وَمَا كَانُواْ إِذاً مُّنظَرِينَ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ} ردّ عليهم فى استهزائهم بذكر تنزيل الذّكر {وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} ولا ينافى حفظه تعالى للذّكر بحسب حقيقته التّحريف فى صورة تدوينه فانّ التّحريف ان وقع وقع فى الصّورة الممالثة له كما قال فويل للّذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثمّ يقولون هو من عند الله وما هو من عند الله.
اطفيش
تفسير : {مَا نُنَزِّلُ الْمَلاَئِكَة} ما تنزل الملائكة بتاء مفتوحة والأَصل ما تتنزل بتاءين حذفت احداهما وقرأ أبو بكر بالبناء للمفعول وقرأ حفص وحمزة والكسائى بالنون مضمومة فنون مفتوحة وكسر الزاى مشددة ونصب الملائكة وقرئ ينزل بالمثناة تحت والتشديد ونصب الملائكة أى ما ينزل الله الملائكة، {إِلاَّ بِالْحَقِّ} متعلق بتنزل أو بمحذوف نعت لمصدر محذوف أى تنزيلا ثابتاً بالحق ملابساً للحق وهو الوجه الذى قدره الله واقتضته حكمته لا على اقتراحكم ولا حكمة فى أن تأتيكم الملائكة عياناً تشاهدونها وتشهد بصدق رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فإِن تصديقكم به حينئذ تصديق اضطرار كالتصديق عند معاينة أهوال القيامة ولا فضل فيه ولا حكمة فى أن تأْتيكم بصور تشاهدونها فإِنه لا يزيدكم إِلا لبساً ولا فى معاجلتكم بالعقاب فإِن له أجلا لا يتقدم عنه ولا يتأَخر. ومنكم ومن ذريتكم من سبقت له كلمتنا بالإِيمان، وقال مجاهد: الحق العذاب، وقيل الوحى، وعن مجاهد الرسالة والعذاب وذلك جواب الله جل جلاله عن نبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ {وَمَا كَانُوا} أى طالبو الإِتيان بالملائكة، {إِذاً} حرف جواب وجزاء لهم على طلبهم الإِتيان بالملائكة أو هو ظرف أى وما كانوا حين تأْتى الملائكة لو نزلناهم، وعبارة الزمخشرى وغيره أن إِذن جواب لهم وجزاء لشرط مقدر تقديره ولو نزلنا الملائكة ما كانوا. {مُّنظَرِينَ} مؤخرين عن العذاب إِن لم يؤمنوا بعد النزول على سنة الله سبحانه وتعالى فى الأُمم من أنه لم يأْتهم بآية اقترحوها إِلا والعذاب بأَثرها إِن لم يؤمنوا، وما كانوا مؤخرين عن العذاب إِن طلبوا مجىء الملائكة للعذاب فأَمر الله سبحانه بمجيئها.
الالوسي
تفسير : {مَا نُنَزّلُ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ } بالنون على بناء الفعل لضمير الجلالة من التنزيل، وهي قراءة حفص والأخوين وابن مصرف، وقرأ أبو بكر عن عاصم ويحيـى بن وثاب {تنزل الملائكة} بضم التاء وفتح النون والزاي مبنياً للمفعول ورفع {الملائكة} على النيابة عن الفاعل وقرأ الحرميان وباقي السبعة {تنزل الملائكة} بفتح التاء والزاي على أن الأصل تتنزل بتاءين فحذفت إحداهما تخفيفاً ورفع الملائكة على الفاعلية وإبقاء الفعل على ظاهره أولى من جعله بمعنى تنزل الثلاثي. وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما {ما نزل} ماضياً مخففاً مبنياً للفاعل ورفع الملائكة على الفاعلية. والبيضاوي بنى تفسيره على أن الفعل ينزل بالياء التحتية مبنياً للفاعل وهو ضمير الله تعالى و {الملائكة} بالنصب على أنه مفعوله، واعترض عليه أنه لم يقرأ بذلك أحد من العشرة بل لم توجد هذه القراءة في الشواذ وهو خلاف ما سلكه في "تفسيره"، ولعله رحمه الله تعالى قد سها. وهذا الكلام مسوق منه سبحانه إلى نبيه صلى الله عليه وسلم جواباً لهم عن مقالتهم المحكية ورداً لاقتراحهم الباطل الصادر عن محض التعصب والعناد، ولشدة استدعاء ذلك للجواب قدم رده على ما هو جواب عن أولها أعني قوله سبحانه: {أية : إِنَّا نَحْنُ } تفسير : [الحجر: 9] الخ والعدول عن تطبيقه لظاهر كلامهم بصدد الاقتراح بأن يقال مثلاً ما تأتيهم بهم للإيذان بأنهم قد أخطأوا في الاقتراح وأن الملائكة لعلو رتبتهم أعلى من أن ينسب إليهم مطلق الإتيان الشامل للانتقال من أحد الأمكنة المتساوية إلى الآخر منها بل من الأسفل إلى الأعلى وأن يكون مقصد حركاتهم أولئك الكفرة وأن يدخلوا تحت ملكوت أحد من البشر وإنما الذي يليق بشأنهم النزول من مقامهم العالي وكون ذلك بطريق التنزيل من جناب الرب الجليل قاله شيخ الإسلام. وقيل: لعل هذا جواب لما عسى أن يخطر بخاطره الشريف عليه الصلاة والسلام حين طلبوا منه الإتيان بالملائكة من سؤال التنزيل رغبة في إسلامهم فيكون وجه ذكر التنزيل ظاهراً وهو غير ظاهر كما لا يخفى. {إِلاَّ بِٱلْحَقّ } أي إلا تنزيلاً ملتبساً بالوجه الذي اقتضته الحكمة فالباء للملابسة والجار والمجرور في موضع الصفة للمصدر المحذوف مستثنى استثناءً مفرغاً، وجوز فيه الحالية من الفاعل والمفعول. وجوز أبو البقاء أن تكون الباء للسببية متعلقة بننزل وإليه يشير كلام ابن عطية الآتي إن شاء الله تعالى والأول أولى ومقتضى الحكمة التشريعية والتكوينية على ما قيل أن تكون الملائكة المنزلون بصور البشر وتنزيلهم كذلك يوجب اللبس كما قال الله تعالى: {أية : وَلَوْ جَعَلْنَـٰهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَـٰهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ } تفسير : [الأنعام: 9] وهذا إشارة إلى نفي ترتب الغرض وعدم النفع في ذلك. وقوله تعالى: {وَمَا كَانُواْ إِذًا مُّنظَرِينَ } إشارة إلى حصول الضرر وترتب نقيض المطلوب وكأنه عطف على مقدر يقتضيه الكلام السابق كأنه قيل: ما ننزل الملائكة عليهم إلا بصور الرجال لأنه الذي تقتضيه الحكمة فيحصل اللبس فلا ينتفعون وما كانوا إذا أنزلناهم منظرين أي ويتضررون بتنزيلهم لأنا نهلكهم لا محالة ولا نؤخرهم لأنه قد جرت عادتنا في الأمم قبلهم أنا لم نأتهم بآية اقترحوها إلا والعذاب في أثرها إن لم يؤمنوا وقد علمنا منهم ذلك؛ والمقصود نفي أن يكون لاقتراحهم الإتيان بهم وجه على أتم وجه بالإشارة إلى عدم نفعه أولاً والتصريح بضرره ثانياً، وقيل: يقدر المعطوف عليه لا يؤمنون كأنه قيل: ما ننزل الملائكة إلا بصور البشر لاقتضاء الحكمة ذلك فلا يؤمنون وما كانوا إذاً منظرين، وفي النفس من هذا ومما قبله شيء. وقال بعض المحققين: إن المعنى ما ننزل الملائكة إلا ملتبساً بالوجه الذي يحق ملابسة التنزيل به مما تقتضيه/ الحكمة وتجري به السنة الإلهية، والذي اقترحوه من التنزيل لأجل الشهادة لديهم وهم ـ هم ـ ومنزلتهم في (الحقارة والهوان) منزلتهم مما لا يكاد يدخل تحت الصحة والحكمة أصلاً فإن ذلك من باب التنزيل بالوحي الذي لا يكاد يفتح على غير الأنبياء الكرام عليهم الصلاة والسلام من أفراد كمَّل المؤمنين فكيف على أمثال أولئك الكفرة اللئام، وإنما الذي يدخل في حقهم تحت الحكمة في الجملة هو التنزيل للتعذيب والاستئصال كما فعل بأضرابهم من الأمم السالفة ولو فعل ذلك لاستؤصلوا بالمرة وما كانوا إذاً مؤخرين كدأب سائر الأمم المكذبة المستهزئة، ومع استحقاقهم لذلك قد جرى قلم القضاء بتأخير عذابهم إلى يوم القيامة حسبما أجمل في الآيات قبل، وحال حائل الحكمة بينهم وبين استئصالهم لتعلق العلم بازديادهم عذاباً وبإيمان بعض ذراريهم، ونظم إيمان بعضهم في سمط الحكمة يأباه تماديهم في الكفر والعناد ـ فما كانوا ـ الخ جواب لشرط مقدر أي ولو أنزلناهم ما كانوا الخ. واعترض بأن الأوفق بقوله تعالى: {أية : وَلَوْ جَعَلْنَـٰهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَـٰهُ رَجُلاً } تفسير : [الأنعام: 9] أن يكون الوجه الذي يحق ملابسة التنزيل به لمثل غرضهم كونهم بصور الرجال وذلك ليس من باب التنزيل بالوحي الذي لا يكاد يكون لهم أصلاً فلا يتم كلامه، وفيه بحث كما لا يخفى، وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وغيرهما عن مجاهد تفسير {ٱلْحَقّ} هنا بالرسالة والعذاب، ووجهت الآية على ذلك نحو هذا التوجيه فقيل: المعنى ما ننزل الملائكة إلا بالرسالة والعذاب ولو نزلناهم عليهم ما كانوا منظرين لأن التنزيل عليهم بالرسالة مما لا يكاد فتعين أن يكون التنزيل بالعذاب، وذكر الماوردي الاقتصار على الرسالة، وروي عن الحسن الاقتصار على العذاب، وفي معنى ذلك ما روي عن ابن عباس من أن المعنى ما ننزل الملائكة إلا بالحق الذي هو الموت الذي لا يقع فيه تقديم ولا تأخير. وقال ابن عطية: الحق ما يجب ويحق من الوحي والمنافع التي أرادها الله تعالى لعباده، والمعنى ما ننزل الملائكة إلا بحق واجب من وحي ومنفعة لا باقتراحكم، وأيضاً لو نزلنا لم تنظروا بعد ذلك بالعذاب لأن عادتنا إهلاك الأمم المقترحة إذا آتيناهم ما اقترحوه، وفيه ما فيه، وقال الزمخشري. المعنى إلا تنزلاً ملتبساً بالحكمة والمصلحة ولا حكمة في أن تأتيكم عياناً تشاهدونهم ويشهدون لكم بصدق النبـي صلى الله عليه وسلم لأنكم حينئذٍ مصدقون عن اضطرار، وهو مبني على أن الإنزال بصورهم الحقيقية، ومنه أخذ صاحب القيل المذكور أولاً قيله. والبيضاوي جعل المنافي للحكمة إنزالهم بصور البشر حيث قال: لا حكمة في أن تأتيكم بصور تشاهدونها فإنه لا يزيدكم إلا لبساً. وقال بعضهم: أريد أن إنزال الملائكة لا يكون إلا بالحق وحصول الفائدة بإنزالهم وقد علم الله تعالى من حال هؤلاء الكفرة أنه لو أنزل إليهم الملائكة لبقوا مصرين على كفرهم فيصير إنزالهم عبثاً باطلاً ولا يكون حقاً، وتعقب الأقوال الثلاثة البعض من المحققين بأنه مع إخلال كل من ذلك بفظيعة الآتي لا يلزم من فرض وقوع شيء من ذلك تعجيل العذاب الذي يفيده قوله سبحانه: {وَمَا كَانُواْ إِذًا مُّنظَرِينَ } ومن الناس من تكلف لتوجيه اللزوم على بعض هذه الأقوال بما تكلف، واختار بعضهم كون المراد من {ٱلْحَقّ } الهلاك والجملة بعد جواب سؤال مقدر فكأنه لما قيل: ما ننزل الملائكة إلا بالهلاك إذ هو الذي يحق لأمثالهم من المعاندين قيل: فليكن ذلك فأجيب بأنه لو فعلنا ما كانوا منظرين أي وهم قد كانوا منظرين كما أجمل فيما قبل من قوله سبحانه: {أية : ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ ٱلأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } تفسير : [الحجر: 3] وحاصل الجواب حينئذٍ على ما قيل أن ما طلبوه من الإتيان بالملائكة ليشهدوا بصدق النبـي صلى الله عليه وسلم مما لا يكون لهم لأن ما اقتضته حكمتنا وجرت به عادتنا مع أمثالهم ليس إلا التنزيل بالهلاك دون الشهادة فإن الحكمة لا تقتضيه والعادة لم تجر فيه لأنه إن كان والملائكة بصورهم/ الحقيقية لم يحصل الإيمان بالغيب ولم يتحقق الاختيار الذي هو مدار التكليف وإن كان وهم بصور البشر حصل اللبس فكان وجوده كعدمه ولزم التسلسل، ويمنع من التنزيل بالهلاك كما فعل مع أضرابهم من المعاندين أنا جعلناهم منظرين فلو نزلنا الملائكة وأهلكناهم عاد ذلك بالنقض لما أبرمناه حسبما نعلم فيه من الحكم، وقيل: في توجيه الآية على تقدير كون اقتراحهم لإتيان الملائكة لتعذيبهم: إن المعنى إنا ما ننزل الملائكة للتعذيب إلا تنزيلاً ملتبساً بما تقتضيه الحكمة ولو نزلناهم حسبما اقترحوا ما كان ذلك ملتبساً بما تقتضيه لأنها اقتضت تأخير عذابهم إلى يوم القيامة، وحيث كان في نسبة تنزيلهم للتعذيب إلى عدم موافقة الحكمة نوع إيهام لعدم استحقاقهم التعذيب عدل عما يقتضيه الظاهر إلى ما عليه النظم الكريم فكأنه قيل: لو نزلناهم ما كانوا منظرين وذلك غير موافق للحكمة، فتدبر جميع ذاك والله تعالى يتولى هداك. هذا ولفظة {إِذَاً} قال في «الكشاف»: جواب وجزاء لأن الكلام جواب لهم وجزاء لشرط مقدر أي ولو نزلنا، وصرح بإفادتها هذا المعنى سيبويه إلا أن الشلوبين حمل ذلك على الدوام وتكلف له، وأبو علي على الغالب، وقد تتمحض للجواب عنده، وهي حرف بسيط عند الجمهور، وذهب قوم إلى أنها اسم ظرف وأصلها إذا الظرفية لحقها التنوين عوضاً من الجملة المضاف إليها ونقلت إلى الجزائية فبقي فيها معنى الربط والسبب؛ وذهب الخليل إلى أنها حرف تركب من إذ وإن غلب عليها حكم الحرفية ونقلت حركة الهمزة إلى الذال ثم حذفت والتزم هذا النقل فكان المعنى إذا قال القائل أزورك فقلت إذا أزورك قلت حينئذٍ زيارتي واقعة ولا يتكلم بهذا. وذهب أبو علي عمر بن عبد المجيد الزيدي إلى أنها مركبة من إذا وإن وكلاهما يعطي ما يعطي كل واحدة منهما فيعطي الربط كإذا والنصب كان ثم حذفت همزة إن ثم ألف إذا لالتقاء الساكنين، والظاهر أنه لو قدر في الكلام شرط كانت لمجرد التأكيد، وجعلوا من ذلك قوله تعالى: {أية : وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم مّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَاً } تفسير : [البقرة: 145] الخ، ونقل عن الكافيجي أنه قال في مثل ذلك: ليست إذاً هذه الكلمة المعهودة وإنما هي إذا الشرطية حذفت جملتها التي تضاف إليها وعوض عنها التنوين كما في يومئذٍ، وله سلف في ذلك فقد قال الزركشي في "البرهان" بعد ذكره: لإذا معنيين وذكر لها بعض المتأخرين معنى ثالثاً وهو أن تكون مركبة من إذا التي هي ظرف زمان ماض ومن جملة بعدها تحقيقاً أو تقديراً لكنها حذفت تخفيفاً وأبدل منها التنوين كما في قولهم حينئذٍ، وليست هذه الناصبة للمضارع لأن تلك تختص به وهذه لا بل تدخل على الماضي نحو {أية : إِذاً لأمْسَكْتُمْ} تفسير : [الإسراء: 100] وعلى الاسم نحو {أية : وَإِنَّكُمْ إِذاً لَّمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ } تفسير : [الشعراء: 42] ثم قال: وهذا المعنى لم يذكره النحويون لكنه قياس ما قالوه في إذ، وفي "التذكرة" لأبـي حيان ذكر لي علم الدين أن القاضي تقي الدين بن رزين كان يذهب إلى أن تنوين إذاً عوض من الجملة المحذوفة وليس قول نحوي، وقال الجوني: وأنا أظن أنه يجوز أن تقول لمن قال: أنا آتيك إذا أكرمك بالرفع على معنى إذا أتيتني أكرمك فحذفت أتيتني وعوضت التنوين فسقطت الألف لالتقاء الساكنين والنصب الذي اتفق عليه النحاة لحملها على غير هذا المعنى وهو لا ينفي الرفع إذا أريد بها ما ذكر. وذكر الجلال السيوطي أن الإجماع في القرآن على كتابتها بالألف والوقف عليه دليل على أنها اسم منون لا حرف آخره نون خصوصاً إذا لم تقع ناصبة للمضارع، فالصواب إثبات هذا المعنى لها كما جنح إليه شيخنا الكافيجي ومن سبق النقل عنه، وعلى هذا فالأولى حملها في الآية على ما ذكر، وقد ذكرنا فيما مضى بعضاً من هذا الكلام فتذكر. ثم إنه تعالى رد إنكارهم التنزيل واستهزاءهم برسول الله صلى الله عليه وسلم وسلاه/ عليه الصلاة والسلام بقوله سبحانه: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذّكْرَ...}.
ابن عاشور
تفسير : مستأنفة ابتدائية جواباً لكلامهم وشبهاتهم ومقترحاتهم. وابتدىء في الجواب بإزالة شبهتهم إذ قالوا: {أية : لو ما تأتينا بالملائكة} تفسير : [سورة الحجر: 7]. أريد منه إزالة جهالتهم إذ سألوا نزول الملائكة علامة على التصديق لأنهم وإن طلبوا ذلك بقصد التهكم فهم مع ذلك معتقدون أن نزول الملائكة هو آية صدق الرسول، فكان جوابهم مشوباً بطرف من الأسلوب الحكيم، وهو صرفهم إلى تعليمهم الميز بين آيات الرسل وبين آيات العذاب، فأراد الله أن لا يدخرهم هدياً وإلا فهم أحرياء بأن لا يجابوا. والنزول: التدلي من علو إلى سفل. والمراد به هنا انتقال الملائكة من العالم العلوي إلى العالم الأرضي نزولاً مخصوصاً. وهو نزولهم لتنفيذ أمر الله بعذاب يرسله على الكافرين، كما أنزلوا إلى مدائن لوط عليه السلام. وليس مثل نزول جبريل عليه السلام أو غيره من الملائكة إلى الرسل عليهم السلام بالشرائع أو بالوحي. قال تعالى في ذكر زكرياء عليه السلام {أية : فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشّرك بيحيى} تفسير : [سورة آل عمران: 39]. والمراد ب الحق هنا الشيء الحاقّ، أي المقضي، مثل إطلاق القضاء بمعنى المقضيّ. وهو هنا صفة لمحذوف يعلم من المقام، أي العذاب الحاقّ. قال تعالى: {أية : وكثير حقّ عليه العذاب} تفسير : [سورة الحج: 18] وبقرينة قوله: {وما كانوا إذا منظرين}، أي لا تنزل الملائكة للناس غير الرسل والأنبياء. عليهم الصلاة والسلام ــــ إلا مصاحبين للعذاب الحاقّ على الناس كما تنزلت الملائكة على قوم لوط وهو عذاب الاستئصال. ولو تنزلت الملائكة لعجل للمنزل عليهم ولما أمهلوا. ويفهم من هذا أن الله منظرهم، لأنه لم يُرد استئصالهم، لأنه أراد أن يكون نشر الدين بواسطتهم فأمهلهم حتى اهتدوا، ولكنه أهلك كبراءهم ومدبريهم. ونظير هذا قوله تعالى في سورة الأنعام (8): {أية : وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكاً لقضي الأمر ثم لا ينظرون}. تفسير : وقد نزلت الملائكة عليهم يوم بدر يقطعون رؤوس المشركين. والإنظار: التأخير والتأجيل. و{إذاً} حرف جواب وجزاء. وقد وسطت هنا بين جزأي جوابها رعياً لمناسبة عطف جوابها على قول: {ما تنزل الملائكة}. وكان شأن (إذن) أن تكون في صدر جوابها. وجملتها هي الجواب المقصود لقولهم: {أية : لو ما تأتينا بالملائكة} تفسير : [سورة الحجر: 7]. وجملة ما تنزل الملائكة إلا بالحق مقدمة من تأخير لأنها تعليل للجواب، فقدم لأنه أوقع في الرد، ولأنه أسعد بإيجاز الجواب. وتقدير الكلام لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين إذن ما كنتم مُنظرين بالحياة ولعجل لكم الاستئصال إذ ما تنزل الملائكة إلا مصحوبين بالعذاب الحاقّ. وهذا المعنى وارد في قوله تعالى: {أية : ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب} تفسير : [سورة العنكبوت: 53]. وقرأ الجمهور {ما تنزل} بفتح التاء على أن أصله (تتنزَّل). وقرأ أبو بكر عن عاصم ــــ بضم التاء وفتح الزاي على البناء للمجهول ورفع الملائكة على النيابة ــــ. وقرأ الكسائي، وحفص عن عاصم، وخلف {ما ننزل الملائكة} ــــ بنون في أوله وكسر الزاي ونصب الملائكة على المفعولية ــــ.
الشنقيطي
تفسير : بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه ما ينزل الملائكة إلا بالحق أي بالوحي وقيل بالعذاب، وقال الزمخشري: "إلا تنزيلاً متلبساً بالحكمة والمصلحة ولا حكمة في أن تأتيكم الملائكة عياناً تشاهدونهم ويشهدون لكم بصدق النَّبي صلى الله عليه وسلم لأنكم حينئذ مصدقون عن اضطرار" قال: "ومثل هذا قوله تعالى: {أية : وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ}تفسير : [الحجر: 85] وبين تعالى في هذه الآية الكريمة أنهم لو نزلت عليهم الملائكة، ما كانوا منظرين وذلك في قوله: {وَمَا كَانُواْ إِذاً مُّنظَرِينَ} لأن التنوين في قوله إذاً عوض عن جملة، ففيه شرط وجزاء، وتقدير المعنى ولو نزلت عليكم الملائكة ما كانوا منظرين أي ممهلين بتأخير العذاب عنهم وقد بين هذا المعنى في مواضع أخر كقوله: {أية : يَوْمَ يَرَوْنَ ٱلْمَلاَئِكَةَ لاَ بُشْرَىٰ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ} تفسير : [الفرقان: 22] الآية وقوله: {أية : وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِيَ ٱلأَمْرُ ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ} تفسير : [الأنعام: 8] إلى غير ذلك من الآيات. وقوله {مَا نُنَزِّلُ ٱلْمَلائِكَةَ} قرأه حفص وحمزة والكسائي: ننزل بنونين، الأولى مضمومة والثانية مفتوحة مع كسر الزاي المشددة، والملائكة بالنصب مفعول به لننزل. وقرأ شعبة: تنزل بتاء مضمومة ونون مفتوحة مع تشديد الزاي مفتوحة بالبناء للمفعول، والملائكة بالرفع نائب فاعل تنزل. وقرأ الباقون: تنزل بفتح التاء والنون والزاي المشددة أصله تتنزل فحذفت إحدى التاءين، والملائكة بالرفع فاعل تنزل كقوله: {أية : تَنَزَّلُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ} تفسير : [القدر: 4] الآية.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْمَلائِكَةَ} (8) - وَيَرُدُّ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ قَائِلاً: إِنَّهُ لاَ يُنْزِلُ المَلاَئِكَةَ لِيَشْهَدُوا عَلَى صِدْقِ الأَنْبِيَاءِ فِي دَعْوَتِهِمْ، وَإِنَّمَا يُنْزِلُهُمْ لِنُصْرَةِ الرُّسُلِ، وَتَدْمِيرِ المُكَذِّبِينَ. وَحِينَ يُنْزِلُ اللهُ المَلاَئِكَةَ إِلَى قَوْمِكَ يَا مُحَمَّدُ، فَإِنَّهُ يُحِلُّ بِهِمُ العَذَابَ سَرِيعاً وَلاَ يُنْظَرُونَ، لأَِنَّ سُنَّةَ اللهِ قَدْ جَرَتْ فِي الأُمَمِ السَّابِقَةِ أَنَّهُمْ إِذا اقْتَرَحُوا آيَةً وَأَنْزَلَهَا اللهُ إِلَيْهِمْ، وَلَمْ يُؤْمِنُوا، أَهْلَكَهُمُ اللهُ فَوْراً دُونَ إِمْهَالٍ. مُنْظَرِينَ - مُؤَخَّرِينَ فِي العَذَابِ. إِلاّ بِالحَقِّ - إِلاّ بَالوْجَهِ الذِي تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وهكذا يُعلِّمنا الحق سبحانه أنه لا يُنزّل الملائكة إلا بمشيئة حكمته سبحانه، ولو نزل الملَك - كما طلبوا - لمساعدة رسول الله صلى الله عليه وسلم في البلاغ عن الله، فالملَك إما أن يكون على هيئة البشر؛ فلن يستطيعوا تمييز المَلَك من البشر، وإما أن يكون على هيئة الملك، فلا يستطيع البشر أنْ يروْه؛ وإلاَّ هلكوا. ذلك أن البشر لا تستطيع تحمُّل التواصل مع القوة التي أودعها الله في الملائكة. والحق سبحانه هو القائل: {أية : وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِيَ ٱلأَمْرُ ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ} تفسير : [الأنعام: 8]. ولو جعله الحق سبحانه في هيئة البشر وتواصلوا معه لالتبس عليهم الأمر، ولَظنّوا أن الملَك بشرٌ مثلهم. وفي هذا يقول الحق سبحانه: {أية : وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ} تفسير : [الأنعام: 9]. لم يُنزِل الحق سبحانه الملائكة؛ لأنه لم يَشَأْ أن يُهِلكهم ورسولُ الله فيهم، فالحق سبحانه قد قال: {أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} تفسير : [الأنفال: 33]. وقد آمن معظمهم ودخلوا في دين الله من بعد ذلك واستغفروا لذنوبهم، وكان الله غفوراً رحيماً؛ لأن الإسلام يجُبُّ ما قبله. وحين ننظر إلى صَدْر الآية نجد أنه سبحانه قال: {مَا نُنَزِّلُ ٱلْمَلائِكَةَ إِلاَّ بِٱلحَقِّ ..} [الحجر: 8]. فلو نزلت الملائكة لكان عذاباً لهم، فالحق سبحانه إذا أعطى قوماً آية طلبوها، فإما أن يؤمنوا، وإما أن يهلكهم، ولذلك يقول الحق سبحانه: {أية : وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلأَوَّلُونَ} تفسير : [الإسراء: 59]. فالحق سبحانه لم يُجبهم إلى الآيات والمعجزات التي طلبوها؛ لأن السابقين لهم، كذَّبوا بها قبل ذلك، وهم يريدون أن يُكذّبوا أيضاً، فحتى لو نزلت الآية فسيكذبونها، وحين يكذبون في آية مقترحة من عندهم، فلا بُدّ أن نهلكهم. أما لو كذبوا في آية مُنزّلة من عند الله فإن الله يمهلهم. إذن: فلو نزلنا الملائكة كما يريدون فسننزلهم بالحق، والحق هو أن نهلكهم إذا كذَّبوا. ويُذيّل الحق سبحانه الآية بقوله: {وَمَا كَانُواْ إِذاً مُّنظَرِينَ} [الحجر: 8]. أي: ما كان أجَلُ المشركين قد حانَ ليُنزل الله لهم الملائكة لإهلاكهم، كما سبق وأهلك الأمم السابقة التي طلبتْ الآيات، فنزلت لهم كما طلبوها، ولَمّا لم يُصدِّقوا ويؤمنوا أهلكهم الله. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):