١٥ - ٱلْحِجْر
15 - Al-Hijr (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
10
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن القوم لما أساؤوا في الأدب وخاطبوه بالسفاهة وقالوا: إنك لمجنون، فالله تعالى ذكر أن عادة هؤلاء الجهال مع جميع الأنبياء هكذا كانت. ولك أسوة في الصبر على سفاهتهم وجهالتهم بجميع الأنبياء عليهم السلام، فهذا هو الكلام في نظم الآية وفيه مسائل: المسألة الأولى: في الآية محذوف والتقدير: ولقد أرسلنا من قبلك رسلاً إلا أنه حذف ذكر الرسل لدلالة الإرسال عليه. وقوله: {فِى شِيَعِ ٱلأَوَّلِينَ } أي في أمم الأولين وأتباعهم. قال الفراء: الشيع الأتباع واحدهم شيعة وشيعة الرجل أتباعه، والشيعة الأمة سموا بذلك، لأن بعضهم شايع بعضاً وشاكله، وذكرنا الكلام في هذا الحرف عند قوله: { أية : أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً } تفسير : [الأنعام: 65] قال الفراء: وقوله: {فِى شِيَعِ ٱلأَوَّلِينَ } من إضافة الصفة إلى الموصوف كقوله: { أية : حَق ٱلْيَقِينِ } تفسير : [الواقعة:95] وقوله: { أية : بِجَانِبِ ٱلْغَرْبِيّ } تفسير : [القصص: 44] وقوله: { أية : وَذَلِكَ دِينُ ٱلقَيّمَةِ } تفسير : [البينة: 5] أما قوله: {وَمَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ } أي عادة هؤلاء الجهال مع جميع الأنبياء والرسل ذلك الاستهزاء بهم كما فعلوا بك ذكره تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم. واعلم أن السبب الذي يحمل هؤلاء الجهال على هذه العادة الخبيثة أمور. الأول: أنهم يستثقلون التزام الطاعات والعبادات والاحتراز عن الطيبات واللذات. والثاني: أن الرسول يدعوهم إلى ترك ما ألفوه من أديانهم الخبيثة ومذاهبهم الباطلة، وذلك شاق شديد على الطباع. والثالث: أن الرسول متبوع مخدوم والأقوام يجب عليهم طاعته وخدمته وذلك أيضاً في غاية المشقة. والرابع: أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد يكون فقيراً ولا يكون له أعوان وأنصار ولا مال ولا جاه فالمتنعمون والرؤساء يثقل عليهم خدمة من يكون بهذه الصفة. والخامس: خذلان الله لهم وإلقاء دواعي الكفر والجهل في قلوبهم، وهذا هو السبب الأصلي؛ فلهذه الأسباب وما يشبهها تقع الجهال والضلال مع أكابر الأنبياء عليهم السلام في هذه الأعمال القبيحة والأفعال المنكرة. أما قوله تعالى: {كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِى قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: السلك إدخال الشيء في الشيء كإدخال الخيط في المخيط والرمح في المطعون، وقيل: في قوله: { أية : مَا سَلَكَكُمْ فِى سَقَرَ } تفسير : [المدثر: 42] أي أدخلكم في جهنم. وذكر أبو عبيدة وأبو عبيد: سلكته وأسلكته بمعنى واحد. المسألة الثانية؛ احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى يخلق الباطل في قلوب الكفار، فقالوا: قوله {كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ } أي كذلك نسلك الباطل والضلال في قلوب المجرمين، قالت المعتزلة: لم يجر للضلال والكفر ذكر فيما قبل هذا اللفظ، فلا يمكن أن يكون الضمير عائداً إليه لا يقال: إنه تعالى قال: {وَمَا يَأْتِيهِم مّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } وقوله: {يَسْتَهْزِئُونَ } يدل على الاستهزاء، فالضمير في قوله: {كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ } عائد إليه، والاستهزاء بالأنبياء كفر وضلال، فثبت صحة قولنا المراد من قوله: {كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِى قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ } هو أنه كذلك نسلك الكفر والضلال والاستهزاء بأنبياء الله تعالى ورسله في قلوب المجرمين، لأنا نقول: إن كان الضمير في قوله: {كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ } عائداً إلى الاستهزاء وجب أن يكون الضمير في قوله: {لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ } عائداً أيضاً إلى الاستهزاء لأنهما ضميران تعاقبا وتلاصقا، فوجب عودهما إلى شيء واحد فوجب أن لا يكونوا مؤمنين بذلك الاستهزاء، وذلك يوجب التناقض، لأن الكافر لا بد وأن يكون مؤمناً بكفره، والذي لا يكون كذلك هو المسلم العالم ببطلان الكفر فلا يصدق به، وأيضاً فلو كان تعالى هو الذي يسلك الكفر في قلب الكافر ويخلقه فيه فما أحد أولى بالعذر من هؤلاء الكفار، ولكان على هذا التقدير يمتنع أن يذمهم في الدنيا وأن يعاقبهم في الآخرة عليه، فثبت أنه لا يمكن حمل هذه الآية على هذ الوجه فنقول: التأويل الصحيح أن الضمير في قوله تعالى: {كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ } عائد إلى الذكر الذي هو القرآن فإنه تعالى قال قبل هذه الآية: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذّكْرَ } وقال بعده: {كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ } أي هكذا نسلك القرآن في قلوب المجرمين، والمراد من هذا السلك هو أنه تعالى يسمعهم هذا القرآن ويخلق في قلوبهم حفظ هذا القرآن ويخلق فيها العلم بمعانيه وبين أنهم لجهلهم وإصرارهم لا يؤمنون به مع هذه الأحوال عناداً وجهلاً، فكان هذا موجباً للحوق الذم الشديد بهم، ويدل على صحة هذا التأويل وجهان: الأول: أن الضمير في قوله: {لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ } عائد إلى القرآن بالإجماع فوجب أن يكون الضمير في قوله: {كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ } عائداً إليه أيضاً لأنهما ضميران متعاقبان فيجب عودهما إلى شيء واحد. والثاني: أن قوله: {كَذٰلِكَ } معناه: مثل ما عملنا كذا وكذا نعمل هذا السلك فيكون هذا تشبيهاً لهذا السلك بعمل آخر ذكره الله تعالى قبل هذه الآية من أعمال نفسه، ولم يجر لعمل من أعمال الله ذكر في سابقة هذه الآية إلا قوله: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذّكْرَ } فوجب أن يكون هذا معطوفاً عليه ومشبهاً به، ومتى كان الأمر كذلك كان الضمير في قوله: {نَسْلُكُهُ } عائداً إلى الذكر وهذا تمام تقرير كلام القوم. والجواب: لا يجوز أن يكون الضمير في قوله: {نَسْلُكُهُ } عائداً على الذكر، ويدل عليه وجوه: الوجه الأول: أن قوله: {كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ } مذكور بحرف النون، والمراد منه إظهار نهاية التعظيم والجلالة، ومثل هذا التعظيم إنما يحسن ذكره إذا فعل فعلاً يظهر له أثر قوي كامل بحيث صار المنازع والمدافع له مغلوباً مقهوراً. فأما إذا فعل فعلاً ولم يظهر له أثر ألبتة، صار المنازع والمدافع غالباً قاهراً، فإن ذكر اللفظ المشعر بنهاية العظمة والجلالة يكون مستقبحاً في هذا المقام، والأمر ههنا كذلك لأنه تعالى سلك أسماع القرآن وتحفيظه وتعليمه في قلب الكافر لأجل أن يؤمن به، ثم إنه لم يلتفت إليه ولم يؤمن به فصار فعل الله تعالى كالهدر الضائع، وصار الكافر والشيطان كالغالب الدافع، وإذا كان كذلك كان ذكر النون المشعر بالعظمة والجلالة في قوله: {نَسْلُكُهُ } غير لائق بهذا المقام، فثبت بهذا التأويل الذي ذكروه فاسد. والوجه الثاني: أنه لو كان المراد ما ذكروه لوجب أن يقال: {كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِى قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ } ولا يؤمنون به، أي ومع هذا السعي العظيم في تحصيل إيمانهم لا يؤمنون أما لم يذكر الواو فعلمنا أن قوله: {لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ } كالتفسير، والبيان لقوله: {نَسْلُكُهُ فِى قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ } وهذا إنما يصح إذا كان المراد أنا نسلك الكفر والضلال في قلوبهم. والوجه الثالث: أن قوله: { أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذّكْرَ } تفسير : [الحجر: 9] بعيد، وقوله: {يَسْتَهْزِئُونَ } قريب، وعود الضمير إلى أقرب المذكورات هو الواجب. أما قوله: لو كان الضمير في قوله: {نَسْلُكُهُ } عائداً إلى الاستهزاء لكان في قوله؛ {لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ } عائداً إليه، وحينئذ يلزم التناقض. قلنا: الجواب عنه من وجوه: الوجه الأول: أن مقضتى الدليل عود الضمير إلى أقرب المذكورات، ولا مانع من اعتبار هذا الدليل في الضمير الأول وحصل المانع من اعتباره في الضمير الثاني فلا جرم قلنا: الضمير الأول عائد إلى الاستهزاء، والضمير الثاني عائد إلى الذكر، وتفريق الضمائر المتعاقبة على الأشياء المختلفة ليس بقليل في القرآن، أليس أن الجبائي والكعبي والقاضي قالوا في قوله تعالى: { أية : هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ وٰحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحاً لنكونن من الشاكرين* فلما آتاهما صالحاً جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا ءاتَـٰهُمَا فَتَعَـٰلَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } تفسير : [الأعراف: 189، 190] فقالوا هذه الضمائر من أول الآية إلى قوله: {جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء } عائدة إلى آدم وحواء، وأما في قوله: {جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا ءاتَـٰهُمَا فَتَعَـٰلَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } عائدة إلى غيرهما، فهذا ما اتفقوا عليه في تفاسيرهم، وإذا ثبت هذا ظهر أنه لا يلزم من تعاقب الضمائر عودها إلى شيء واحد بل الأمر فيه موقوف على الدليل فكذا ههنا، والله أعلم. والوجه الثاني: في الجواب قال بعض الأدباء من أصحابنا قوله: {لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ } تفسير للكناية في قوله: {نَسْلُكُهُ } والتقدير: كذلك نسلك في قلوب المجرمين أن لا يؤمنوا به والمعنى نجعل في قلوبهم أن لا يؤمنوا به. والوجه الثالث: وهو أنا بينا بالبراهين العقلية القاهرة أن حصول الإيمان والكفر يمتنع أن يكون بالعبد، وذلك لأن كل أحد إنما يريد الإيمان والصدق، والعلم والحق، وأن أحداً لا يقصد تحصيل الكفر والجهل والكذب فلما كان كل أحد لا يقصد إلا الإيمان والحق ثم إنه لايحصل ذلك، وإنما يحصل الكفر والباطل، علمنا أن حصول ذلك الكفر ليس منه. فإن قالوا: إنما حصل ذلك الكفر لأنه ظن أنه هو الإيمان: فنقول: فعلى هذا التقدير إنما رضي بتحصيل ذلك الجهل لأجل جهل آخر سابق عليه فينقل الكلام إلى ذلك الجهل السابق فإن كان ذلك لأجل جهل آخر لزم التسلسل وهو محال، وإلا وجب انتهاء كل الجهالات إلى جهل أول سابق حصل في قلبه لا بتحصيله بل بتخليق الله تعالى، وذلك هو الذي قلناه: أن المراد من قوله: {كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِى قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ } والمعنى: نجعل في قلوبهم أن لا يؤمنوا به، وهو أنه تعالى يخلق الكفر والضلال فيها، وأيضاً قدماء المفسرين مثل ابن عباس وتلامذته أطبقوا على تفسير هذه الآية بأنه تعالى يخلق الكفر والضلال فيها، والتأويل الذي ذكره المعتزلة تأويل مستحدث لم يقل به أحد من المتقدمين، فكان مردوداً، وروى القاضي عن عكرمة أن المراد كذلك نسلك القسوة في قلوب المجرمين، ثم قال القاضي: إن القسوة لا تحصل إلا من قبل الكافر بأن يستمر على كفره ويعاند، فلا يصح إضافته إلى الله تعالى، فيقال للقاضي: إن هذا يجري مجرى المكابرة، وذلك لأن الكافر يجد من نفسه نفرة شديدة عن قبول قول الرسول ونبوة عظيمة عنه حتى أنه كلما رآه تغير لونه واصفر وجهه، وربما ارتعدت أعضاؤه ولا يقدر على الالتفات إليه والاصغاء لقوله، فحصول هذه الأحوال في قلبه أمر اضطراري لا يمكنه دفعها عن نفسه، فكيف يقال: إنها حصلت بفعله واختياره؟ فإن قالوا: إنه يمكنه ترك هذه الأحوال، والرجوع إلى الانقياد والقبول فنقول هذا مغالطة محضة، لأنك إن أردت أنه مع حصول هذه النفرة الشديدة في القلب، والنبوة العظيمة في النفس يمكنه أن يعود إلى الإنقياد والقبول والطاعة والرضا فهذا مكابرة، وإن أردت أن عند زوال هذه الأحوال النفسانية يمكنه العود إلى القبول والتسليم فهذا حق، إلا أنه لا يمكنه إزالة هذه الدواعي والصوارف عن القلب فإنه إن كان الفاعل لها هو الإنسان لافتقر في تحصيل هذه الدواعي والصوارف إلى دواعي سابقة عليها ولزم الذهاب إلى ما لا نهاية له وذلك محال، وإن كان الفاعل لها هو الله تعالى فحينئذ يصح أنه تعالى هو الذي يسلك هذه الدواعي والصوارف في القلوب وذلك عين ما ذكرناه، والله أعلم. أما قوله تعالى: {وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ ٱلأَوَّلِينَ } ففيه قولان: الأول: أنه تهديد لكفار مكة يقول قد مضت سنة الله بإهلاك من كذب الرسل في القرون الماضية. الثاني: وهو قول الزجاج: وقد مضت سنة الله في الأولين بأن يسلك الكفر والضلال في قلوبهم، وهذا أليق بظاهر اللفظ.
القرطبي
تفسير : المعنى: ولقد أرسلنا من قبلك رسلاً، فحذف. والشّيَع جمع شيعة وهي الأُمَّة، أي في أممهم؛ قاله ابن عباس وقتادة. الحسن: في فرقهم. والشّيعة: الفرقة والطائفة من الناس المتآلفة المتفقة الكلمة. فكأن الشّيَع الفِرَق؛ ومنه قوله تعالى: {أية : أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً} تفسير : [الأنعام: 65]. وأصله مأخوذ من الشِّياع وهو الحطب الصغار يوقد به الكبار ـ كما تقدم في «الأنعام». وقال الكلبي: إن الشيَع هنا القرى.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مسلياً لرسوله صلى الله عليه وسلمفي تكذيب من كذبه من كفار قريش: إنه أرسل من قبله في الأمم الماضية، وإنه ما أتى أمة من رسول إلا كذبوه واستهزؤوا به، ثم أخبر أنه سلك التكذيب في قلوب المجرمين الذين عاندوا، واستكبروا عن اتباع الهدى. قال أنس والحسن البصري: { كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِى قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ} يعني: الشرك. وقوله: {وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ ٱلأَوَّلِينَ} أي: قد علم ما فعل تعالى بمن كذب رسله من الهلاك والدمار، وكيف أنجى الله الأنبياء وأتباعهم في الدنيا والآخرة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ } رسلاً {فِى شِيَعِ } فرق {ٱلأَوَّلِينَ }.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل:{ولقد أرسلنا من قبلك في شيع الأولين}فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن الشيع الأمم، قاله ابن عباس وقتادة. الثاني: أن الشيع جمع شيعة، والشيعة الفرقة المتآلفة المتفقة الكلمة، فكأن الشيع الفرق، ومنه قوله تعالى {أية : أو يلبسكم شيَعاً} تفسير : [الأنعام:65] أي فرقاً، وأصله مأخوذ من الشياع وهو الحطب الصغار يوقد به الكبار، فهو عون النار. الثالث: أن الشيع القبائل، قاله الكلبي. قوله عز وجل:{كذلك نسلكه في قلوب المجرمين} فيه أربعة أوجه: أحدها: كذلك نسلك الاستهزاء في قلوب المجرمين، وإن لم يعرفوا، قاله قتادة. الثاني: كذلك نسلك التكذيب في قلوب المجرمين، قاله ابن جريج. الثالث: كذلك نسلك القرآن في قلوب المجرمين، وإن لم يؤمنوا، قاله الحسن. الرابع: كذلك إذا كذب به المجرمون نسلك في قلوبهم أن لا يؤمنوا به. قوله عز وجل: {لا يؤمنون به} يحتمل وجهين: أحدهما: بالقرآن أنه من عند الله. الثاني: بالعذاب أن يأتيهم. {وقد خلت سنة الأولين} السنة: الطريقة، قال عمر بن أبي ربيعة: شعر : لها من الريم عيناه وسُنّتُهُ ونحرُه السابق المختال إذ صَهَلا تفسير : فيه وجهان: أحدهما: قد خلت سنة الأولين بالعذاب لمن أقام على تكذيب الرسل. الثاني: بأن لا يؤمنوا برسلهم إذا عاندوا. ويحتمل ثالثاً: بأن منهم مؤمناً وكافراً. كما يحتمل رابعاً: من أقام على الكفر بالمعجزات بعد مجيء ما طلب من الآيات.
ابن عبد السلام
تفسير : {شِيَعِ} أمم، أو القرى، أو جمع شيعة، والشيعة: الفرقة المتآلفة المتفقة الكلمة، مأخوذ من الشياع وهو الحطب الصغار يوقد بها الكبار، فهو عون للنار.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي شِيَعِ ٱلأَوَّلِينَ } الآية: تسليةٌ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم: أيْ: لا يضقْ صدْرُكَ، يا محمَّد، بما يفعله قومُكَ من ٱلاستهزاءِ في قولهم: {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ}، وغير ذلك، و«الشيعة»: الفرقة التابعة لرأْسٍ مَّا. * ت *: قال الفرَّاء {فِي شِيَعِ ٱلأَوَّلِينَ } إِنَّه من إِضافة الموصوفِ إِلى صفته كــ { أية : حَقُّ ٱلْيَقِينِ } تفسير : [الواقعة:95]، و { أية : جَانِبِ الغَرْبِيِّ } تفسير : [القصص:44]، وتأوَّله البصريُّون على حذف الموصوفِ، أي: شيع الأمم الأولين. انتهى من * ص * وقوله سبحانه: {كَذَٰلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ * لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ ٱلأَوَّلِينَ}: يحتمل أنْ يكون الضَّميرُ في {نَسْلُكُهُ } يعودُ على الذكْر المحفوظِ المتقدِّم، وهو القرآن، ويكون الضميرُ في «به» عائداً عليه أيضاً، ويحتمل أن يعود الضميران معاً على الاستهزاء والشرك ونحوه، والباء في «به»: باء السبب، أي: لا يؤمنون بسبب شركهم وٱستهزائهم، ويحتملُ أنْ يكون الضمير في {نَسْلُكُهُ } عائداً على ٱلاستهزاءِ والشركِ، والضمير في «به» عائداً على القرآن، والمعنى، في ذلك كلِّه، ينظر بعضه إِلى بعض، و{نَسْلُكُهُ }: معناه: ندخله و{ٱلْمُجْرِمِينَ}؛ هنا: يراد بهم كُفَّار قريش، ومعاصرو النبيِّ صلى الله عليه وسلم. وقوله: {لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ } عمومٌ، معناه الخصوصُ فيمن حُتِمَ عليه، وقوله: {وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ ٱلأَوَّلِينَ}: أي: على هذه الوتيرَةِ، {وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم }، أي: على قريشٍ وكفَرَةِ العَصْر، والضميرُ في قوله: {فَظَلُّواْ } عائدٌ عليهم، وهو تأويلِ الحَسَنِ، و{يَعْرُجُونَ }: معناه يَصْعَدُون، ويحتملُ أنْ يعود على الملائكةِ، أي: ولو رأوا الملائكة يَصْعَدُون ويتصرَّفون في بابٍ مفتوحٍ في السماء لما آمنوا، وهذا هو تأويلُ ابنِ عبَّاسٍ، وقرأ السبْعَةُ سِوَى ٱبن كثيرٍ: «سُكِّرَتْ» - بضم السِّين وشدِّ الكاف -، وقرأ ابن كثير بتخفيف الكافِ، تقول العربُ: سَكِرَتِ الرِّيحُ تَسْكَرُ سُكُوراً، إِذا ركَدَتْ، ولم تنفذ لما كانت بسبيله أولاً، وسَكِرَ الرجُلُ من الشَّرابِ، إِذا تغيَّرت حاله وركَدَ، ولم ينفذ لما كان بسبيله أنْ ينفذ فيه، وتقول العرب: سَكَرْتُ البَثْقَ في مجاري المَاءِ سكراً؛ إِذا طَمَسْتَهُ وَصَرَفْتَ الماء عنه، فلم يَنْفذ لوجْهه. قال * ع *: فهذه اللفظةِ «سُكِّرَتْ» - بشدِّ الكافِ - إِن كانَتْ من سُكْرِ الشراب، أوْ من سُكُور الريحِ، فهي فعلٌ عُدِّيَ بالتضعيفِ، وإِن كانَتْ من سكرِ مجاري الماءِ، فتضعيفُها للمبالغة، لا للتعدِّي، لأن المخفَّف من فعله متعدٍّ، ومعنى هذه المقالةِ منهم: أي: غُيِّرَتْ أبصارنا عما كانَتْ عليه، فهي لا تنفذ وتعطينا حقائقَ الأشياءِ: كما كانَتْ تفعلُ.
ابن عادل
تفسير : قوله: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا} مفعوله محذوف، أي: أرسلنا رُسُلاً {مِن قَبْلِكَ} فـ{مِن قَبْلِكَ} يجوز أن يتعلق بـ"أرْسَلْنَا"، وأن يتعلق بمحذوف على أنه نعتٌ للمعفو ل المحذوف. و{فِي شِيَعِ ٱلأَوَّلِينَ}، قال الفراء: هو من إضافة الموصوف لصفته، والأصل: في الشِّيعِ الأوَّلين؛ كصَلاةِ الأولى، وجَانبِ الغربي وحقِّ اليَقينِ، وجين القيمة. والبصريون: يؤولونه على حذف [الموصوف]، أي: في شيعِ الأممِ الأولين، وجانب المكان الغربي، وصلاةِ السَّاعةِ الأولى. والشِّيعُ: قال الفراء: الشيَّاعُ واحدهم: شِيعَة، وشِيعَةُ الرجُلِ: أتْباعهُ، والشِّيعَةُ: وهم القوم المجتمعة المتفقة، سموا بذلك؛ لأن بعضهم يُشَايعُ بعضاً، وتقدم الكلام على هذا الحرف عند قوله تعالى: {أية : أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً}تفسير : [الأنعام:65]. قوله: {وَمَا يَأْتِيهِم} قال الزمخشري: "حكاية حال ماضية؛ لأنَّ "مَا" لا تدخل على المضارع إلاَّ وهو في موضعِ الحالِ، ولا على ماضٍ إلا وهو قريبٌ من الحال". وهذا الذي ذكره هو الأكثر في لسانهم؛ لكنَّه قد جاءت ما مقارنة للمضارع المراد به الاستقبال؛ كقوله تعالى: {أية : قُلْ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَآءِ نَفْسِيۤ}تفسير : [يونس:15]، وأنشدوا للأعشى يمدحُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم: [الطويل] شعر : 3266ـ لَهُ نَافِلاتٌ ما يَغِبُّ نَوالُهَا ولَيْسَ عطَاءُ اليَوْمِ مَانِعَهُ غَدا تفسير : وقال أبُو ذؤيب: [الكامل] شعر : 3267ـ أوْدَى بَنِيَّ وأوْدَعُونِي حَسْرَةً عِنْدَ الرُّقَادِ وعَبْرَةً مَا تٌقلِعُ تفسير : قوله: "إلا كانوا" هذه الجملة يجوز أن تكون حالاً من مفعول "تَأتيهم"، ويجوز أن تكون صفة لـ"رسُولٍ" فيكون في محلِّها وجهان: الجرُّ باعتبار اللفظ، والرفع باعتبار الموضع، وإذا كانت حالاً فهي حالٌ مُقدَّرةٌ. فصل في معنى الآية المعنى: أنَّ عادة هؤلاء الجهَّال مع جميع الأنبياء والرسول ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ الاستهزاءُ بهم؛ كما فعلًُوا بك؛ ذكره تسليةً للنبي ـ صلى الله عليه وسلم. واعلم أنَّ السَّبَبَ الذي يحمِلُ هؤلاء الجهال على هذه العادة الخبيثة: إما لأنَّ الانتقال من المذاهب يشقُّ على الطِّباع. وإمَّا لكونِ الرسول ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ يكون فقِيراً، وليس له أعوان، ولا أنصارٌ؛ فالرؤساءُ يَثقُل عليهم خدمة من يكون بهذه الصِّفة. وأمّا خذلانُ الله تعالى لهم، فبإلقاء دواعي الكفرِ والجهلِ في قلوبهم، وهذا هو السبب الأصليّ. قوله: {كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ}، يجوز في الكاف أن تكون مرفوعة المحلِّ على خبرها مبتدأ مضمر، أي: الأمر كذلك، و"نَسْلكهُ" مستأنف، ويجوز أن تكون منصوبة المحل، إمَّا نعتاً لمصدرٍ محذوفٍ، أي: مثل ذلك السلك؛ ويجوز نسلكه، أي: نسلكُ الذكر، إما حالاً من المصدر المقدَّر، والهاء في "نَسْلكُهُ" يجوز عودها للذكر، وهو الظاهر، وقيل: يعود للاستهزاء، وقيل: على الشركِ. والهاء في "بِهِ" يجوز عودها على ما تقدم من الثَّلاثة، ويكون تأويلُ عودها على الاستهزاء والشرك، أي: لا يؤمنون بسببه. وقيل: للرسول ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ وقيل: للقرآن. وقال أبو البقاء: "ويجوز أن يكون حالاً، أي: لا يؤمنون مستهزئين" كأنه جعل "بِهِ" متعلقاً بالحالِ المحذوفة قائمة مقامها. وهو مردودٌ، لأن الجارَّ إذا وقع حالاً أو نعتاً أو صلة أو خبراً، تعلَّق بكون مطلق لا خاصِّ، وكذا الظرف. ومحل "لا يُؤمِنُونَ" النَّصب على الحالِ، ويجوز ألاَّ يكون لها محلٌّ؛ لأنها بيان لقوله {كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ}، وقوله تعالى: {وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ ٱلأَوَّلِينَ} استئنافٌ، والسَّلكُ: الإدخال، يقال: سَلكْتُ الخَيْطَ في الإبْرةِ، والرُّمحَ في المَطْعُونِ ومنه {أية : مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ}تفسير : [المدثر:42]. قال أبو عبيدة، وأبو عبيد: يقال: سَلكْتهُ وأسْلَكتهُ، أي: نظمته، قال: [الوافر] شعر : 3268ـ وكُنْتُ لِزازَ خَصْمكَ لَمْ أعَرِّدْ وقَدْ سَلكُوكَ في يَوْمٍ عَصِيبِ تفسير : وقال الآخر في "أسْلكَ": [البسيط] شعر : 3269ـ حتَّى إذَا أسْلَكُوهُمْ فِي قُتَائِدةٍ شَلاًّ كَمَا تَطْردُ الجَمَّالةُ الشُّردا تفسير : فصل في المعنى الإجمالي للآية قال الزجاج: المعنى: قد مضت سنة الله في الأولين بأن سلك الكفر والضَّلال في قلوبهم. وقيل: إنه تهديدٌ لكفار مكة، أي: قد مضت سنة الله بإهلاك من كذب الرسل من القرون الماضية، والأول أليق بظاهر اللفظ. قوله تعالى: {وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ ٱلسَّمَاءِ} الآية، هذا هو المراد في سورة الأنعام، في قوله تعالى: {أية : وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ}تفسير : [الأنعام:7] الآية يعني: أنَّ الذين يقولون: {أية : لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِٱلْمَلائِكَةِ}تفسير : [الحجر:7]، فلو أنزلنا الملائكة، "فظلُّوا فيه" أي: فظلت الملائكة فيها "يَعْرجُونَ"، وهم يرونها عياناً. و"ظلَّ" هذه الناقصة، والضمير في "فظَلُّوا" يعود على الملائكةِ، وهو الصحيح وقال الحسن ـ رضي الله عنه ـ: يعود على الكفَّار المفتح لهم الباب. وقرأ الأعمش، وأبو حيوة "يَعْرجُونَ" بكسر الراء؛ وهي لغةُ هذيل في عَرَجَ: يَعْرِجُ، أي: صعد. قوله: {لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا} قرأ ابن كثير: "سُكِرَتْ" مبنياً للمفعول، مخفَّف الكاف، وباقي السبعة كذلكـ إلا أنهم شدَّدوا الكاف، والزهري: بفتح السين، وكسر الكاف خفيفة مبنياً للفاعل. فأما القراءة الأولى: فيجوز أن تكون بمعنى المشددة؛ فإن التخفيف يصلح للقليل والكثير، وهما مأخوذتان من: السِّكر، بكسر السين، هو السَّدُّ. والمعنى: حُبِسَتْ أبصارنا، وسُدَّت، وقيل: بمعنى: أخذت، وقيل: بمعنى: سُحِرَت، وقيل المشدد من: سَكِرَ الماءُ بالكسر، والمخفف من سَكُرَ الشَّراب بالضم. والمشهور أن "سَكِرَ" لا يتعدى فكيف بُنِي للمفعول؟. فقال أبو علي: "ويجوز أن يكون سمع متعدِّياً في البصر". والذي قاله المحقِّقون من أهل اللغةِ: أنَّ "سَكِر" إن كان من: "سَكِرَ الشَّرابُ، أو مِنْ سَكِرَ الرِّيحُ" فالتضعيف فيه للتعدية، وإن كان من "سَكِرَ الماءً" فالتضعيف فيه للتكثير؛ لأنه متعد مخفَّفاً، وذلك أنه يقال: سَكرَت الرِّيحُ تَسْكرُ سَكْراً، إذا رَكدَت، وسَكِرَ الرَّجلُ منَ الشِّرابِ سَكْراً، إذا رَكَدَ، ولم ينقد لحاجته. فهذان قاصران فالتضعيف فيها للتعدية، ويقال: سَكِرتُ الماء في مجاريه: إذا منعتهُ من الجَرْي، فهذا متعدِّ، فالتضعيف فيه للتكثير. وأما قراءةٌ ابن كثير: فإن كانت من "سَكِرَ الماءُ" فهي واضحةٌ؛ لأنه متعدِّ، وإن كانت من "سَكُرَ الشَّرابُ أو سَكِرَ الرِّيحُ" فيجوز أن يكون الفعل استعمل لازماً تارة، ومتعدياً أخرى، نحو: "رَجَعَ زيْدٌ، ورَجَعه غَيْرُه، وسَعِدَ وسَعِدَه غَيْرُه" وقال الزمخشريُّ: "وسُكِّرَتْ: حُيِّرت أو حبست من السَّكرِ أو السُّكر، وقرىء: "سُكرَتْ" بالتخفيف، أي: حُبسَتْ كمَا يُحْبَسُ المُهْرُ عنِ الجري"، فجعل قراءة التشديد محتملة لمعنيين، وقراءة التخفيف محتملة لمعنى واحدٍ. وأما قراءة الزهريِّ، فواضحةٌ، أي: غطيت، وقيل: هي مطاوع: أسْكرتُ المكان فَسَكرَ: أي: سَددْتهُ فانْسَدَّ. {بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ}، أي عمل فينا السِّحْرُ، وسحرنا محمَّدٌ صلى الله عليه وسلم. فإن قيل: كيف يجوز من الجماعة العظيمة أن يكونوا شاكِّين في وجود ما يشهدونه بالعين السليمة في النهار الواضح؛ ولو جاز حصول الشكِّ في ذلك، كانت السَّفسطةٌ لازمة، ولا يبقى حينئذٍ اعتمادٌ على الحس والمشاهدة؟. أجاب القاضي ـ رحمه الله ـ: بأنه ـ تعالى ـ ما وصفهم بالشكِّ فيما يبصرون، وإنما وصفهم بأنهم يقولون هذا القول، وقد يجوز أن يقدم الإنسانُ على الكذب على سبيل العنادِ والمكابرة، ثم سأل نفسه، أيصحُّ من الجمع العظيم أن يظهر الشك في المشاهدات؟. وأجاب: بأنه يصحُّ ذلك، إذا جمعهم عليه غرضٌ صحيحٌ معتبر من مواطأةٍ على دفع حجَّةٍ أو غلبة خصم، وأيضاً: فهذه الحكاية إنما وقعت عن قوم مخصوصين، سألُوا الرسول صلى الله عليه وسلم إنزال الملائكةِ، وهذا السؤال إنما كان من رؤساءِ القوم، وكانوا قليلي العددِ، وإقدامُ العددِ القليلِ على ما يجري مجرى المكابرة، جائزٌ. قوله: "فظلُوا" يقال: ظلّ فُلانٌ نَهارهُ يفعل كذا: إذا فعلهُ بالنَّهارِ، ولا تقول العربُ: "ظَلّ يَظَلّ" إلاَّ لكلِّ عملٍ بالنهارِ؛ كما لا يقولون: بَاتَ يَبِيتُ إلا بالليل، والمصدر الظُّلُول. والعُروجُ: الصُّعودُ، يقال: عَرَج يَعْرجُ عُرُوجاً، ومنه: المَعَارجُ، وهي المصاعدُ التي يصعد عليها. فإن قلنا: إن الضمير في: "فَظلُّوا" للملائكة، فقد تقدم بيانه، وإن قلنا: يعود على المشركين، فقال ابن عباسٍ ـ رضي الله عنهما ـ: "فظلَّ المشركون يصعدون في تلك المعارج، وينظرون إلى ملكوتِ الله ـ سبحانه وتعالى ـ وقدرته، وسلطانه، وإلى عباده، وملائكته ـ عليهم السلام ـ لشكُّوا في تلك الرؤية، وأصرُّوا على جهلهم وكفرهم؛ كما جحدوا سائر المعجزات من انشقاقِ القمرِ، ومجيء القرآن الذي لا يستطيع الجنُّ والإنس أن يأتوا بمثله".
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله {ولقد أرسلنا من قبلك في شيع الأولين} قال: أمم الأولين. وأخرج ابن أبي حاتم عن أنس في قوله {كذلك نسلكه في قلوب المجرمين لا يؤمنون به} قال: الشرك نسلكه في قلوب المشركين. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الحسن في قوله {كذلك نسلكه} قال: الشرك نسلكه في قلوبهم. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله {كذلك نسلكه في قلوب المجرمين لا يؤمنون به} قال: إذا كذبوا سلك الله في قلوبهم أن لا يؤمنوا به {وقد خلت سُنّةُ الأولين} قال: وقائع الله فيمن خلا من الأمم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله {كذلك نسلكه} قال: هم كما قال الله هو أضلهم ومنعهم الإِيمان.
القشيري
تفسير : أخبر أنه كانت عادتهم التكذيب، وأنه أدام سُنَّته معهم في التعذيب. ثم قال: {كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ}: وهم لا يؤمنون به لأنه أزاح قلوبهم عن شهود الحقيقة، وسَدَّ ـ بالحرمان ـ عليهم سلوكَ الطريقة، وبيَّن أنه لو أراهم الآياتِ عياناً ما ازدادوا إلا عتواً وطغياناً، وأن مَنْ سَبَقَ له الحُكْمُ بالشقاء فلا يزداد على ممر الأيام إلا ما سَبَقَ به القضاء.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولقد ارسلنا} اى رسلا وانما لم يذكر لدلالة ما بعده عليه {من قبلك} متعلق بارسلنا {فى شيع الاولين} اى فرقهم واحزابهم جمع شيعة وهى الفرقة المتفقة على طريقة ومذهب سموا بذلك لان بعضهم يشايع بعضا ويتابعه من شايعه اذا تبعه ومنه الشيعة وهم الذين شايعوا عليا وقالوا انه الامام بعد رسول الله واعتقدوا ان الامامة لا تخرج عنه وعن اولاده واضافته الى الاولين من اضافة الموصوف الى صفة عند الفراء والاصل فى الشيع الاولين ومن حذف الموصوف عند البصريين اى فى شيع الامم الاولين ومعنى ارسالهم فيهم جعل كل منهم رسولا فيما بين طائفة منهم ليتابعوه فى كل ما يأتى وما يذر من امور الدين
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: في تسلية رسوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ {ولقد أرسلنا مِن قبْلِكَ} رسلاً {في شِيَعٍ}: فرق {الأولين} أي: القرون الماضية، جمع شيعة، وهي: الفرقة المتفقة على طريق واحد، وتتشيع لمذهب أو رجل، من شاعه إذا تبعه، أي: نبأنا رجالاً فيهم، وجعلناهم رسلاً إليهم، فكذبوهم واستهزؤوا بهم، فكانوا: {ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون} كما يفعل بك هؤلاء المجرمون. {كذلك نَسْلُكُه} أي: ندخل الاستهزاء {في قلوب المجرمين}. والسلك: إدخال الشيء كالخيط في المخيط، وفيه دليل على أنه تعالى يخلق الباطل دليل على أنه تعالى يخلق الباطل في قلوبهم. وإذا سلك في قلوبهم التكذيب {لا يؤمنون به} أبداً. أو: نسلكه، أي: القرآن؛ مستهزءاً به، أي: مثل ذلك السلك نسلك الذكر في قلوب المجرمين؛ مُكَذَّباً غير مؤمن به، ثم هددهم على عدم الإيمان به، فقال: {وقد خلت سُنَّةُ الأولين} أي: تقدمت طريقتهم على هذه الحالة من الكفر والاستهزاء، حتى هلكوا بسبب ذلك، أو مضت سنته في الأولين بإهلاك من كذب الرسل منهم، فيكون وعيداً لأهل مكة. {ولو فتحنا عليهم} أي: على هؤلاء المقترحين المعاندين من كفار قريش، {باباً من السماء فظلوا فيه يعرجُون}: يصعدون إليها، ويرون عجائبها طول نهارهم، لكذبوا، أو فظلت الملائكة يعرجون فيها وهم يشاهدونهم لقالوا؛ من شدة عنادهم وتشكيكهم في الحق: {إنما سُكِّرتْ}: حيرت {أبصارُنا}، فرأينا الأمر على غير حقيقته؛ من أجل السكر الذي أصابنا بالسحر. ويحتمل أن يكون مشتقاً من السَكر بفتح السين، وهو السد، أي: سُدَّت أبصارنا، ومُنعنا من الرؤية الحقيقية. {بل نحن قوم مسحورون}؛ سحرنا محمد، كما قالوا عند ظهور غيره من الآيات. قال البيضاوي: وفي كلمتي الحصر والإضراب دلالة على جزمهم بأن ما يرونه لا حقيقة له، بل هو باطل خُيّل ما خيل لهم بنوع من السحر. هـ. وذلك من فرط عنادهم، وشقاوتهم. والعياذ بالله. الإشارة: هذا كله من قبيل التسلية لأهل الخصوصية، إذا قوبلوا بالإنكار والاستهزاء، فيرجعون إلى الله، والاكتفاء بعلمه، والاشتغال بالله عنه. وقد قال شيخ شيوخنا سيدي علي الجمل رضي الله عنه: عداوة العدو حقاً هي اشتغالك بمحبة الحبيب، وأما إذا اشتغلت بعداوة العدو نال مراده منك، وفاتتك محبة الحبيب. وقال الولي الصالح سيدي أبو القاسم الخصاصي رضي الله عنه لبعض تلامذته: لا تشتغل قط بمن يؤذيك، واشتغل بالله يرده عنك، فإنه هو الذي حركه عليك، ليختبر دعواك في الصدق. وقد غلط في هذا الأمر خلق كثير اشتغلوا بإيذاء من آذاهم، فدام الأذى مع الإثم، ولو أنهم رجعوا إلى الله لردهم عنهم، وكفاهم أمرهم. هـ. ثمَّ دلهم على المعجزة الحقيقية التي تدلهم على التوحيد
الطوسي
تفسير : يقول الله (عز وجل) لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم تسلية له عن كفر قومه {لقد أرسلنا من قبلك في شيع الأولين} قال ابن عباس وقتادة: شيع الامم واحدهم شيعة لمتابعة بعضهم بعضاً في الاحوال التي يجتمعون عليها في الزمن الواحد من مملكة أو عمارة أو بادية أو نحو ذلك من الأمور الجارية في العادة، والمرسل محذوف لدلالة {أرسلنا} عليه. وقوله {وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزؤن} اخبار منه تعالى أنه لم يبعث رسولاً فيما مضى الا وكانت اممهم تستهزىء بهم، واستهزاؤهم بهم حملهم عليهم واستبعادهم ما دعوا اليه واستيحاشهم منه، واستكبارهم له، حتى توهموا أنه مما لا يكون، ولا يصح مع مخالفته لما وجدوا عليه آباءهم وأجدادهم واسلافهم، فكان عندهم كأنه دعا الى خلاف المشاهدة والى ما فيه جحد الضرورة والمكابرة. والهزؤ إِظهار ما يقصد به العيب على ايهام المدح، وهو بمعنى اللعب والسخرية. وقوله {كذلك نسلكه في قلوب المجرمين لا يؤمنون به وقد خلت سنة الأولين} قيل في معناه قولان: احدهما - كذلك نسلك القرآن الذي هو الذكر باخطاره على البال ليؤمنوا به، فهم لا يؤمون به، ماضين على سنة من تقدمهم، من تكذيب الرسل، كما سلكنا دعوة الرسل في قلوب من سلف من الامم. ذهب اليه البلخي والجبائي. وقال الحسن وقتادة: يسلك الاستهزاء بإِخطاره على البال ليجتنبوه، ولو كان المراد أنه يسلك الشرك في قلوبهم، لكان يقول: انهم لا يؤمنون بالشرك ولو كانوا كذلك، كانوا محمودين غير مذمومين، يقال: سلكه فيه يسلكه سلكاً وسلوكاً، واسلكه اسلاكاً، قال عدي بن زيد: شعر : وكنت لزاز خصمك لم اعرّد وقد سلكوك في يوم عصيب تفسير : وقال الآخر: شعر : حتى اذا سلكوهم في قتائدة شلا كما تطرد الجمَّالة الشردا تفسير : ومعنى قوله: {وقد خلت سنة الأولين} اي في اهلاك من اقام على الكفر بالمعجزات بعد مجيء ما طلب من الآيات. ويحتمل ان يكون المراد وقد خلت سنة الاولين في تكذيب رسلهم والكفر بما جاؤوا به.
الجنابذي
تفسير : {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا..} فى فرقهم والشّيعة هى الفرقة المتّفقة على طريقة واحدة.
اطفيش
تفسير : {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ} لا مفعول لأرسلنا هنا لأَن المراد مجرد الإِخبار بالإِرسال كأَنه قيل ولقد أثبتنا الرسالة من قبلك {فِى شِيَعِ الأَوَّلِينَ} ويجوز أن يقدر له مفعول منعوت بقوله فى شيع أى ولقد أرسلنا من قبلك رسلا ثابتة فى شيع أو يقدر وتعلق فى بارسلنا كالوجه الأول والشيع جمع شيعة وهى الفرقة المتفقة على طريق ومذهب من شاعه إِذا تبعه، ولذا قال الفراء: الشيعة الاتباع للرئيس الذين يتقوى بهم كما قيل إِن أصله الشياع وهو الحطب الصغار يوقد به الكبار، قال وإِضافة شيع للأَولين إِضافة موصوف لصفة وأوله البصريون بحذف الموصوف أى شيع الأَمم الأَولين أو بأَن الإِضافة للتبعيض.
الالوسي
تفسير : {وَلَقَدْ أَرْسَلنَا} أي رسلاً كما روي عن ابن عباس وإنما لم يذكر لظهور الدلالة عليه {مِن قَبْلِكَ} متعلق بأرسلنا أو بمحذوف وقع نعتاً لمفعوله المحذوف أي رسلاً كائنة من قبلك {فِى شِيَعِ ٱلأَوَّلِينَ} أي فرقهم كما قال الحسن والكلبـي، وإليه ذهب الزجاج، وهو وكذا أشياع جمع شيعة وهي والفرقة الجماعة المتفقة على طريقة ومذهب مأخوذ من شاع المتعدي بمعنى تبع لأن بعضهم يشايع بعضاً ويتابعه، وتطلق الشيعة على الأعوان والأنصار، وأصل ذلك على ما قيل من الشياع بالكسر والفتح صغار الحطب يوقد به الكبار، والمناسبة في ذلك نظراً للإطلاق الثاني ظاهرة وللإطلاق الأول أن التابع من حيث إنه تابع أصغر ممن يتبعه، وإضافته إلى الأولين من إضافة الموصوف إلى صفته عند الفراء ومن حذف الموصوف عند البصريين أي شيع الأمم الأولين، والجار والمجرور متعلق بأرسلنا. ومعنى إرسال الرسل في الشيع جعل كل منهم رسولاً فيما بين طائفة منهم ليتابعوه في كل ما يأتي ويذر من أمور الدين وكأنه لو قيل ـ إلى ـ بدل {فِى} لم يظهر إرادة هذا المعنى، وقيل: إنما عدل عن إلى إليها للإعلام بمزيد التمكين، وزعم بعضهم أن الجار والمجرور متعلق بمحذوف هو صفة للمفعول المقدر أو حال ولا يخفى بعده.
ابن عاشور
تفسير : عطف على جملة {أية : إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} تفسير : [الحجر: 9] باعتبار أن تلك جواب عن استهزائهم في قولهم: {أية : يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون} تفسير : [الحجر: 6] فإن جملة {إنا نحن نزلنا الذكر} قَول بموجَب قولهم: {يا أيها الذي نزل عليه الذكر}. وجملة {ولقد أرسلنا من قبلك في شيع الأولين} إبطال لاستهزائهم على طريقة التمثيل بنظرائهم من الأمم السالفة. وفي هذا التنظير تحقيق لكفرهم لأن كفر أولئك السالفين مقرّر عند الأمم ومتحدِّث به بينهم. وفيه أيضاً تعريض بوعيد أمثالهم وإدماج بالكناية عن تسلية الرسول ــــ عليه الصلاة والسلام ــــ. والتأكيد بلام القسم و (قَد) لتحقيق سبق الإرسال من الله، مثل الإرسال الذي جحدوه واستعجبوه كقوله: {أية : أكان للناس عجباً أن أوحينا إلى رجل منهم} تفسير : [سورة يونس: 2]. وذلك مقتضى موقع قوله: {من قبلك}. والشِيَع جمع شيعة وهي الفرقة التي أمرها واحد، وتقدم ذلك عند قوله تعالى: {أية : أو يلبسكم شيعا}تفسير : في سورة الأنعام (65). ويأتي في قوله تعالى:{أية : ثم لننزعن من كل شيعة } تفسير : في سورة مريم (69)، أي في أمم الأولين، أي القرون الأولى فإن من الأمم من أرسل إليهم ومن الأمم من لم يرسل إليهم. فهذا وجه إضافة {شيع} إلى {الأولين}. و{كانوا به يستهزءون} يدلّ على تكرر ذلك منهم وأنه سنتهم، فــــ (كان) دلّت على أنه سجية لهم، والمضارع دل على تكرره منهم. ومفعول {أرسلنا} محذوف دلت عليه صيغة الفعل، أي رُسلاً، ودلّ عليه قوله: {من رسول}. وتقديم المجرور على {يستهزءون} يفيد القصر للمبالغة، لأنهم لما كانوا يكثرون الاستهزاء برسولهم وصار ذلك سجية لهم نزلوا منزلة من ليس له عمل إلا الاستهزاء بالرسول.
د. أسعد حومد
تفسير : (10) - يُسَلِّي اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم عَنْ تَكْذِيبِ الكُفَّارِ لَهُ، وَيَقُولُ لَهُ: إِنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ أَرْسَلَ رُسُلاً إِلَى الأُمَمِ الخَالِيَةِ التِي كَانَتْ تَكْفُرُ بِرَبِّهَا، وَتُكْذِّبُ رُسُلَهُ، وَقَدْ أًَهْلَكَهُمُ اللهُ، لأَِنَّهُمْ أَصَرُّوا عَلَى كُفْرِهِمْ وَتَكْذِيبِهِمْ رُسُلَ رَبِّهِمْ. شِيَعِ الأَوَّلِينَ - فِرَقِ الأُمَمِ السَّابِقِينَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وهنا يُسلِّى الحق سبحانه رسوله الكريم، ويوضح له أن ما حدث له من إنكار ليس بِدعاً، بل حدث مثله مع غيره من الرسل سواء من إنكار أو تجاهل أو سخرية. وإذا كنت أنت سيد الرسل وخاتم الأنبياء؛ فلا بُدَّ أن تكون مشقتك على قََدْر مهمتك، ولا بُدَّ أن يكون تعبُك على قَدْر جسامة الرسالة الخاتمة. و {شِيَعِ} [الحجر: 10]. تعني الجماعة الذين اجتمعوا على مذهب واحد؛ سواء كان ضلالاً أم حقاً. والمثَل على مَنِ اجتمعوا على باطل هو قوله الحق: {أية : أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً...} تفسير : [الأنعام: 65]. والمثَل على مَنْ اجتمعوا على الحق قوله سبحانه: {أية : وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لإِبْرَاهِيمَ} تفسير : [الصافات: 83]. وهكذا تكون كلمة (شِيع) تعني الجماعة التي اجتمعت على الحق أو الباطل. وقول الحق سبحانه: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي شِيَعِ ٱلأَوَّلِينَ} [الحجر: 10]. يعني أنك لن تكون أقلّ من الرُّسل السابقين عليك، بل قد تكون رحلتك في الرسالة شاقّة بما يناسب مهمتك، ويناسب إمامتك للرسل وختامك للأنبياء. ويُكمِل سبحانه ما حدث للرسل السابقين على رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقول: {وَمَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {فِي شِيَعِ ٱلأَوَّلِينَ} معناه الأُمُمُ. والشِّيعُ: الأَولِياءُ والأَصْحَابُ. واحدُها: شِيعةٌ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى لنبيه إذ كذبه المشركون: لم يزل هذا دأب الأمم الخالية والقرون الماضية: { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الأوَّلِينَ } أي: فرقهم وجماعتهم رسلا. { وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ } يدعوهم إلى الحق والهدى { إِلا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } { كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ } أي: ندخل التكذيب { فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ } أي: الذين وصفهم لظلم والبهت، عاقبناهم لما اشتبهت قلوبهم بالكفر والتكذيب، تشابهت معاملتهم لأنبيائهم ورسلهم بالاستهزاء والسخرية وعدم الإيمان ولهذا قال: { لا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ } أي: عادة الله فيهم بإهلاك من لم يؤمن بآيات الله.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):