١٥ - ٱلْحِجْر
15 - Al-Hijr (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
12
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ} أي الضلال والكفر والاستهزاء والشرك. {فِي قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ} من قومك؛ عن الحسن وقتادة وغيرهما. أي كما سلكناه في قلوب من تقدم من شِيع الأولين كذلك نسلكه في قلوب مشركي قومك حتى لا يؤمنوا بك، كما لم يؤمن مَن قبلهم برسلهم. وروى ابن جُريج عن مجاهد قال: نسلك التكذيب. والسَّلْك: إدخال الشيء في الشيء كإدخال الخيط في الْمِخْيَط. يقال: سَلَكه يَسْلُكه سَلْكاً وسُلوكاً، وأسلكه إسلاكاً. وسَلَكَ الطريق سُلُوكاً وسَلْكاً وأسلكه دخله، والشيءُ في غيره مثله، والشيءَ كذلك والرُّمْحَ، والخيط في الجوهر؛ كلُّه فَعَل وأفعل. وقال عَدِيّ بن زيد:شعر : وقد سلـكوك في يوم عَصيـب تفسير : والسِّلك (بالكسر) الخيط. وفي الآية ردّ على القَدَرية والمعتزلة. وقيل: المعنى نسلك القرآن في قلوبهم فيكذبون به. وقال الحسن ومجاهد وقتادة القولَ الذي عليه أكثر أهل التفسير، وهو ألزم حجة على المعتزلة. وعن الحسن أيضاً: نسلك الذكر إلزاماً للحجة؛ ذكره الغَزْنَوِيّ. {وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ ٱلأَوَّلِينَ} أي مضت سنة الله بإهلاك الكفار، فما أقرب هؤلاء من الهلاك. وقيل: «خلت سنة الأولين» بمثل ما فعل هؤلاء من التكذيب والكفر، فهم يقتدون بأولئك.
البيضاوي
تفسير : {كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ } ندخله. {فِى قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ } والسلك إدخال الشيء في الشيء كالخيط في المخيط، والرمح في المطعون والضمير للاستهزاء. وفيه دليل على أن الله يوجد الباطل في قلوبهم. وقيل لـ {ٱلذّكْرِ } فإن الضمير الآخر في قوله:
المحلي و السيوطي
تفسير : {كَذَٰلِكَ نَسْلُكُهُ } أي مثل إدخالنا التكذيب في قلوب أولئك نُدْخله {فِى قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ } أي كفار مكة.
ابن عطية
تفسير : يحتمل أن يكون الضمير في {نسلكه} يعود على الاستهزاء والشرك ونحوه - وهو قول الحسن وقتادة وابن جرير وابن زيد - ويكون الضمير في {به} يعود أيضاً على ذلك بعينه، وتكون باء السبب، أي لا يؤمنون بسبب شركهم واستهزائهم، ويكون قوله: {لا يؤمنون به} في موضع الحال. ويحتمل أن يكون الضمير في {نسلكه} عائداً على الذكر المحفوظ المتقدم الذكر وهو القرآن، أي مكذباً به مردوداً مستهزأ به ندخله في قلوب المجرمين، ويكون الضمير في {به} عائداً عليه أيضاً أي لا يصدقون به. ويحتمل أن يكون الضمير في {نسلكه} عائداً على الاستهزاء والشرك، والضمير في {به} يعود على القرآن، فيختلف - على هذا - عود الضميرين. والمعنى في ذلك كله ينظر بعضه إلى بعض. و {نسلكه} معناه: ندخله، يقال: سلكت الرجل في الأمر، أي أدخلته فيه، ومن هذا قول الشاعر [عدي بن زيد]: [الوافر] شعر : وكنت لزاز خصمك لم أعرد وقد سلكوك في يوم عصيب تفسير : ومنه قول الآخر [عبد مناف بن ربع الهذلي]: [البسيط] شعر : حتى إذا سلكوهم في قتايدة شلاكما تطرد الجمالة الشردا تفسير : ومنه قول أبي وجزة يصف حمر وحش: [البسيط] شعر : حتى سلكن الشوى منهن في مسك من نسل جوابة الآفاق مهداج تفسير : قال الزجاج: ويقرأ: "نُسلِكه" بضم النون وكسر اللام، و {المجرمين} في هذه الآية يراد بهم كفار قريش ومعاصري محمد صلى الله عليه وسلم. وقوله: {لا يؤمنون به} عموم معناه الخصوص فيمن حتم عليه. وقوله: {وقد خلت سنة الأولين} أي على هذه الوتيرة. وتقول: سلكت الرجل في الأمر، وأسلكته، بمعنى واحد. ويروى: حتى إذا أسلكوهم في قتايدة؛ البيت. وقوله: {ولو فتحنا عليهم}، الضمير في {عليهم} عائد على قريش وكفرة العصر المحتوم عليهم. والضمير في قوله: {فظلوا} يحتمل أن يعود عليهم - وهو أبلغ في إصرارهم - وهذا تأويل الحسن: و {يعرجون} معناه: يصعدون. وقرأ الأعمش وأبو حيوة "يعرِجون" بكسر الراء، والمعارج الأدراج، ومنه: المعراج، ومنه قول كثير: [الطويل]. شعر : إلى حسب عود بني المر قبله أبوه له فيه معارج سلم تفسير : ويحتمل أن يعود على {أية : الملائكة} تفسير : [الحجر: 7] لقولهم: {أية : لو ما تأتينا بالملائكة} تفسير : [الحجر: 7]، فقال الله تعالى: "ولو رأوا الملائكة يصعدون ويتصرفون في باب مفتوح في السماء، لما آمنوا": وهذا تأويل ابن عباس. وقرأ السبعة سوى ابن كثير: "سُكّرت" بضم السين وشد الكاف، وقرأ ابن كثير وحده بتخفيف الكاف، وهي قراءة مجاهد. وقرأ ابن الزهري بفتح السين وتخفيف الكاف، على بناء الفعل لفاعل. وقرأ أبان بن تغلب "سحرت أبصارنا"، ويجيء قوله: {بل نحن قوم مسحورون} انتقالاً إلى درجة عظمى من سحر العقل والجملة. وتقول العرب: سكرت الريح تسكر سكوراً: إذا ركدت ولم تنفذ لما كانت بسبيله أولاً، وتقول سكر الرجل من الشراب سكراً: إذا تغيرت حاله وركد ولم ينفذ فيما للإنسان أن ينفذ فيه، ومن هذا المعنى: سكران لا يبت - أي لا يقطع أمراً، وتقول العرب: سكرت الفتق في مجاري الماء سكراً: إذا طمسته وصرفت الماء عنه، فلم ينفذ لوجهه. قال القاضي أبو محمد: فهذه اللفظة "سكّرت" - بشد الكاف - إذا كانت من سكر الشراب أو من سكور الريح فهي فعل عدي بالتضعيف، وإن كانت من سكر مجاري الماء فتضعيفها للمبالغة، لا للتعدية، لأن المخفف من فعله متعد. ورجح أبو حاتم هذه القراءة، لأن "الأبصار" جمع، والتثقيل مع الجمع أمثل، كما قال: {أية : مفتحة لهم الأبواب} تفسير : [ص: 50] ومن قرأ "سُكرت" - بضم السين وتخفيف الكاف، فإن كانت اللفظة من سكر الماء فهو فعل متعد؛ وإن كانت من سكر الشراب أو من سكور الريح، فيضمنا أن الفعل بني للمفعول إلى أن ننزله متعدياً، ويكون هذا الفعل من قبيل: رجح زيد ورجحه غيره، وغارت، وغارت العين وغارها الرجل: فتقول - على هذا - سكر الرجل، وسكره غيره، وسكرت الريح، وسكرها شيء غيرها. ومعنى هذه المقالة منهم: أي غيرت أبصارنا عما كانت عليه، فهي لا تنفذ وتعطينا حقائق الأشياء كما كانت تفعل. قال القاضي أبو محمد: وعبر بعض المفسرين عن هذه اللفظة بقوله: غشي على أبصارنا وقال بعضهم عميت أبصارنا، وهذا ونحوه تفسير بالمعنى لا يرتبط باللفظ. ولقال أيضاً هؤلاء المبصرون عروج الملائكة، أو عروج أنفسهم، بعد قولهم: {سكرت أبصارنا} بل سحرنا حتى ما نعقل الأشياء كما يجب، أي صرف فينا السحر.
ابن عبد السلام
تفسير : {نَسْلُكُهُ} الاستهزاء، أو التكذيب، أو نسلك القرآن في قلوبهم وإن لم يؤمنوا به، أو إذا كذبوا به سلكنا في قلوبهم أن لا يؤمنوا به.
النسفي
تفسير : { كَذٰلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ} أي كما سلكنا الكفر أو الاستهزاء في شيع الأولين نسلكه أي الكفر أو الاستهزاء في قلوب المجرمين من أمتك من اختار ذلك. يقال: سلكت الخيط في الإبرة وأسلكته إذا أدخلته فيها وهو حجة على المعتزلة في الأصلح وخلق الأفعال {لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ } بالله أو بالذكر وهو حال {وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ ٱلأَوَّلِينَ } مضت طريقتهم التي سنها الله في إهلاكهم حين كذبوا رسله وهو وعيد لأهل مكة على تكذيبهم {وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِنَ ٱلسَّمَآءَ } ولو أظهرنا لهم أوضح آية وهو فتح باب من السماء {فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ } يصعدون {لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَـٰرُنَا } حيرت أو حبست من الإبصار أو من السكر، {سكِرت} مكي أي حبست كما يحبس النهر من الجري، والمعنى أن هؤلاء المشركين بلغ من غلوهم في العناد أن لو فتح لهم باب من أبواب السماء ويسر لهم معراج يصعدون فيه إليها ورأوا من العيان ما رأوا لقالوا هو شيء نتخايله لا حقيقة له ولقالوا {بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ } قد سحرنا محمد بذلك، أو الضمير للملائكة أي لو أريناهم الملائكة يصعدون في السماء عياناً لقالوا ذلك. وذكر الظلول ليجعل عروجهم بالنهار ليكونوا مستوضحين لما يرون وقال: إنما ليدل على أنهم يبتون القول بأن ذلك ليس إلا تسكيراً للأبصار {وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِى ٱلسَّمَآءَ} خلقنا فيها {بُرُوجاً } نجوماً أو قصوراً فيها الحرس أو منازل للنجوم {وَزَيَّنَّـٰهَا } أي السماء {لِلنَّـٰظِرِينَ وَحَفِظْنَـٰهَا } أي السماء {مِن كُلِّ شَيْطَـٰنٍ رَّجِيمٍ } ملعون أو مرمي بالنجوم {إِلاَّ مَنِ ٱسْتَرَقَ ٱلسَّمْعَ } أي المسموع و«من» في محل النص على الاستثناء {فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ } نجم ينقض فيعود {مُّبِينٌ } ظاهر للمبصرين. قيل: كانوا لا يحجبون عن السماوات كلها فلما ولد عيسى عليه السلام منعوا من ثلاث سماوات، فلما ولد محمد صلى الله عليه وسلم منعوا من السماوات كلها
البقلي
تفسير : قوله تعالى {كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ} اى كما ادخلت الضلال والكفر فى قلوب منكرى انبيائنا واوليائنا الاولين حتى كفروا بهم ولم يؤمنوا بما جاؤا به يدخل فى قلوب هولاء المنكرين الكفر والضلال ونسدّد ابصار قلوبهم عن رؤية حقيقة مشاهدة آياتنا ونحجب بصائرهم عن ادراك لطائف كتابنا وما يبدو من انوارنا عن وجوه اوليائنا حتى لا يذوقوا طعم لطيف الخطاب ولا يروا الينا طريق المآب قال الاستاد ازاغ قلوبهم عن شهود الحقيقة وسد بالحرمان عليها سلوك الطريقة.
اسماعيل حقي
تفسير : {كذلك} اى كادخالنا الاستهزاء فى قلوب الاولين {نسلكه} اى ندخل الاستهزاء. والسلك ادخال الشيء فى الشيء كادخال الخيط فى المخيط اى الابرة والرمح فى المطعون {فى قلوب المجرمين} على معنى انه يخلقه ويزينه فى قلوبهم والمراد بالمجرمين مشركوا مكة ومن شايعهم فى الاستهزاء والتكذيب
اطفيش
تفسير : {كَذَلِكَ نَسْلُكْهُ} أى كما أدخلنا الاستهزاء أو التكذيب فى قلوب شيع الأَولين ندخله، {فِى قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ} من قومك ومعنى هذا الادخال الخذلان والقدر لا الجبر كما زعمت الجبرية والآية دليل لثبوت القدر رادة على نافية من المعتزلة وغيرهم، وقرىء بضم النون وكسر اللام من اسلكه والإِسلاك والسلك الإِدخال. والهاء للاستهزاء أو التكذيب كما علمت. وقد كنت فيما مضى أرجع الهاءَ إلى الذكر وهو القرآن على أن المعنى كما نسلك ندخل الاستهزاء أو التكذيب فى شيع الأَولين ندخل القرآن فى قلوب مجرمى قومك بمعنى نعلمهم به ونطلعهم عليه بدون أن يؤمنوا به وتدل له الهاء فى قومه.
اطفيش
تفسير : {كَذَلِكَ} مثل الاستهزاءِ أَو ذلك المسلك الذى سلكنا كلام الرسل أَو كتبهم، أَو ذلك التكذيب المذكور على الأَولين {نَسْلُكُهُ} ندخل الذكر أَو الاستهزاءَ، والأَول أَولى لأَن الأَصل الكلام للذكر، ولأَن الضمير فى به للذكر لا للاستهزاءِ، ولأَن لفظ ا لاستهزاءِ غير مذكور بل ذكر فعله، ولفظ الذكر مذكور، ويستهزىءُ ولو كان أَقرب لكنه ليس اسماً بل يؤْخذ منه الاسم، ورجوع هاءِ به للرسول كرجوعها للذكر {فِى قُلُوبِ الْمُجْرِمِينََ} كفار مكة.
الالوسي
تفسير : {كَذٰلِكَ} أي مثل السلك الذي سلكناه في قلوب أولئك المستهزئين برسلهم وبما جاؤوا به {نَسْلُكُهُ} أي ندخله يقال: سلكت الخيط في الإبرة والسنان في المطعون أي أدخلت: وقرىء {نسلكه} وسلك وأسلك/ كما ذكر أبو عبيدة بمعنى واحد، والضمير عند جمع ومنهم الحسن على ما ذكره الغزنوي للذكر {فِي قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ} أي أهل مكة أو جنس المجرمين فيدخلون فيه دخولاً أولياً، ومعنى المثلية كونه مقرورناً بالاستهزاء غير مقبول لما تقتضيه الحكمة، وحاصلة انه تعالى يلقي القرآن في قلوب المجرمين مستهزأ به غير مقبول لأنهم من أهل الخذلان ليس لهم استحقاق لقبول الحق كما ألقى سبحانه كتب الرسل عليهم السلام في قلوب شيعهم مستهزأ بها غير مقبولة لذلك، وصيغة المضارع لكون المشبه به مقدماً في الوجود وهو السلك الواقع في شيع الأولين.
ابن عاشور
تفسير : استئناف بياني ناشىء عن سؤال يخطر ببال السامع لقوله {أية : وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزءون } تفسير : [سورة الحجر: 11] فيتساءل كيف تواردت هذه الأمم على طريق واحد من الضلال فلم تفدهم دعوة الرسل عليهم السلام كما قال تعالى: {أية : أتواصوا به بل هم قوم طاغون } تفسير : [سورة الذاريات: 53]. والجملة مستأنفة استئنافاً بيانياً ناشئاً عن جملة {أية : وإنا له لحافظون} تفسير : [سورة الحجر: 9]؛ إذ قد يخطر بالبال أن حفظ الذكر يقتضي أن لا يكفر به من كفر. فأجيب بأن ذلك عقاب من الله لهم لإجرامهم وتلقّيهم الحق بالسخرية وعدم التدبر، ولأجل هذا اختير لهم وصف المجرمين دون الكافرين لأن وصف الكفر صار لهم كاللقب لا يشعر بمعنى التعليل. ونظيره قوله في الآية الأخرى {أية : وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم} تفسير : [سورة التوبة: 125]. والتعبير بصيغة المضارع في {نسلكه} للدلالة على أن المقصود إسلاك في زمن الحال، أي زمن نزول القرآن، ليعلم أن المقصود بيان تلقي المشركين للقرآن، فلا يتوهم أن المراد بالمجرمين شيع الأولين مع ما يفيده المضارع من الدلالة على التجديد المناسب لقوله: {وقد خلت سنة الأولين}، أي تجدد لهؤلاء إبلاغ القرآن على سنة إبلاغ الرسالات لمن قبلهم. وفيه تعريض بأن ذلك إعذار لهم ليحل بهم العذاب كما حل بمن قبلهم. والمشار إليه بقوله: {كذلك} هو السلك المأخوذ من {نسلكه} على طريقة أمثالها المقررة في قوله تعالى: {أية : وكذلك جعلناكم أمّة وسطاً} تفسير : في سورة البقرة (143). والسلك: الإدخال. قال الأعشى:شعر : كما سَلَك السّكّي في الباب فَيْتَق تفسير : أي مثل السلك الذي سنصفه نسلك الذكر في قلوب المجرمين، أي هكذا نولج القرآن في عقول المشركين، فإنهم يسمعونه ويفهمونه إذ هو من كلامهم ويدركون خصائصه؛ ولكنه لا يستقر في عقولهم استقرار تصديق به بل هم مكذبون به، كما قال تعالى: {أية : وإذ ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيّكم زادته هذه إيماناً فأما الذين آمنوا فزادتهم إيماناً وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجساً إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون} تفسير : [سورة التوبة: 124 - 125]. وبهذا السلوك تقوم الحجة عليهم بتبليغ القرآن إليهم ويعاد إسماعهُم إياه المرة بعد المرة لتقوم الحجة. فضمير {نسلكه} و{به} عائدان إلى {الذكر} في قوله: {أية : إنا نحن نزلنا الذكر} تفسير : [سورة الحجر: 9] أي القرآن. والمجرمون هم كفار قريش. وجملة {لا يؤمنون به} بيان للسلك المشبه به أو حال من المجرمين، أي تعيه عقولهم ولا يؤمنون به. وهذا عام مراد به من ماتوا على الكفر منهم. والمراد أنهم لا يؤمنون وقتاً ما. وجملة {وقد خلت سنة الأولين} معترضة بين جملة {لا يؤمنون به} وجملة {أية : ولو فتحنا عليهم باباً من السماء} تفسير : [الحجر: 14] الخ. والكلام تعريض بالتهديد بأن يحل بهم ما حل بالأمم الماضية معاملة للنظير بنظيره، لأن كون سنة الأولين مضت أمر معلوم غير مفيد ذكره، فكان الخبر مستعملاً في لازمه بقرينة تعذر الحمل على أصل الخبرية. والسنّة: العادة المألوفة. وتقدم في قوله تعالى: {أية : قد خلت من قبلكم سنن} تفسير : في سورة آل عمران (137). وإضافتها إلى {الأولين} باعتبار تعلقها بهم، وإنما هي سنة الله فيهم لأنها المقصود هنا، والإضافة لأدنى ملابسة.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: كذلك نسلكه: أي التكذيب بالقرآن أو النبي صلى الله عليه وسلم. وقد خلت سنة الأولين: أي مضت سنة الأمم السابقة. فظلوا فيه يعرجون: أي يصعدون. إنما سُكِّرت: أي سدت كما يُسَكَّرُ النهر أو الباب. في السماء بروجا: أي كواكب ينزلها الشمس والقمر. شيطان رجيم: أي مرجومٌ بالشهب. شهاب مبين: كوكب يُرجم به الشيطان يحرقه أو يمزقه أو يُخْبلُهُ أي يفسده. معنى الآيات: ما زال السياق في المكذبين للنبي المطالبين بنزول الملائكة لتشهد للرسول بنبوته حتى يؤمنوا بها. قال تعالى: {كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ} أي التكذيب في قلوب المجرمين من قومك، كما سلكناه حسب سنتنا في قلوب من كذبوا الرسل من قبلك فسلكه {فِي قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ} من قومك فلا يؤمنون بك ولا بالذكر الذي أنزل عليك، وقوله تعالى: {وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ ٱلأَوَّلِينَ} أي مضت وهي تعذيب المكذبين للرسل المستهزئين بهم لأنهم لا يؤمنون حتى يروا العذاب الأليم. وقوله تعالى: {وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ ٱلسَّمَاءِ فَظَلُّواْ} أي الملائكة أو المكذبون {فِيهِ} أي في ذلك الباب {يَعْرُجُونَ} أي يصعدون طوال النهار طالعين هابطين ولقالوا في المساء {إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا} أي منعت من النظر الحقيقي فلم نر الملائكة ولم نرى السماء {بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ} فأصبحنا نرى أشياء لا حقيقة لها، وقوله تعالى: {وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي ٱلسَّمَاءِ بُرُوجاً} أي كواكب هي منازل للشمس والقمر ينزلان بها وعلى مقتضاها يعرف عدد السنين والحساب. وقوله: {وَزَيَّنَّاهَا} أي السماء بالنجوم {لِلنَّاظِرِينَ} فيها من الناس. وقوله: {وَحَفِظْنَاهَا} أي السماء الدنيا {مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ} أي مرجوم ملعون. وقوله: {إِلاَّ مَنِ ٱسْتَرَقَ ٱلسَّمْعَ} إلا مارد من الشياطين طلع إلى السماء لاستراق السمع من الملائكة لينزل بالخبر إلى وليه من الكهان من الناس {فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ} من نار {مُّبِينٌ} أي يبين أثره في الشيطان إما بإخباله وإفساده وإما بإحراقه. هذه الآيات وهي قوله تعالى: {وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي ٱلسَّمَاءِ بُرُوجاً} إلى آخر ما جاء في هذا السياق الطويل، القصد منه إظهار قدرة الله تعالى وعلمه وحكمته ورحمته وكلها مقتضية لإِرسال الرسول وإنزال الكتاب لهداية الناس إلى عبادة ربهم وحده عبادة يكملون عليها ويسعدون في الدنيا والآخرة، ولكن المكذبين لا يعلمون. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- بيان سنة الله تعالى في المكذبين المعاندين وهي أنهم لا يؤمنون حتى يروا العذاب الأليم. 2- مطالبة المكذبين المجرمين بالآيات كرؤية الملائكة لا معنى لها إذ القرآن أكبر آية ولم يؤمنوا به فلذا لو فتح باب من السماء فظلوا فيه يعرجون لما آمنوا. 3- بيان مظاهر قدرة الله تعالى وعلمه وحكمته ورحمته فيما حَمَلَت الآيات من مظاهر لذلك، بدءاً من قوله: {وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي ٱلسَّمَاءِ بُرُوجاً} إلى الآية السابعة والعشرين من هذا السياق الكريم.
د. أسعد حومد
تفسير : (12) - وَكَذلِكَ يُلْقِي اللهُ تَعَالَى القُرْآنَ فِي قُلُوبِ المُجْرِمِينَ، وَيَسْلُكُهُ فِيها مُكَذَّباً بِمَا فِيهِ، مُسْتَهْزَأً بِهِ غَيْرَ مَقْبُولٍ لَدَيْهِمْ لأَِنَّهُ لَيْسَ فِي نُفُوسِهِمْ اسْتِعْدَادٌ لِتَلَقِّي الحَقِّ، وَلا تُضِيءُ نُفُوسُهُمْ بِمَصَابِيحِ هِدَايَتِهِ الرَّبَّانِيَّةِ كَمَا فَعَلَ الذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مَعَ أَنْبِيَائِهِمْ فَأَهْلَكَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ وَتَكْذِيبِهِمْ، فَلَكَ يَا مُحَمَّدُ أُسْوَةٌ بِمَنْ سَبَقَكَ مِنَ الرُّسُلِ. نَسْلُكُهُ - نُدْخِلُهُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : و "سلك الشيء" أي: أدخله، كما نُدخِل الخيط في ثقب الإبرة. والحق سبحانه يقول: {أية : مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ ٱلْمُصَلِّينَ} تفسير : [المدثر: 42-43]. أي: ما أدخلكم في النار؛ فتأتي إجابتهم: {أية : لَمْ نَكُ مِنَ ٱلْمُصَلِّينَ} تفسير : [المدثر: 43]. وهنا يقول الحق سبحانه: {كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ} [الحجر: 12]. أي: كما سلكنا الكفر والتكذيب والاستهزاء في قلوب شيع الأولين، كذلك نُدخِله في قلوب المجرمين. يعني: مشركي مكّة، لأنهم أدخلوا أنفسهم في دائرة الشرك التي دعتهم إلى هذا الفعل، فنالوا جزاءَ ما فعلوا مثل ما سبق من أقوام مثلهم؛ وقد يجد من تلك القلوب تصديقاً يكذبونه بألسنتهم، مثلما قال الحق سبحانه: {أية : وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ..} تفسير : [النمل: 14]. فهم أمة بلاغة ولغةٍ وبيانٍ؛ وقد أثّر فيهم القرآن بحلاوته وطلاوته؛ ولكنه العناد، وها هو واحد منهم يقول: "إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لَمُثمِر، وإن أسفله لمغدق". لقد قال ذلك كافر بالرسول والرسالة. ونعلم أن الذين استمعوا إلى القرآن نوعان؛ والحق سبحانه هو القائل عن أحدهما: {أية : وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّىٰ إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفاً أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَٱتَّبَعُوۤاْ أَهْوَآءَهُمْ} تفسير : [محمد: 16]. أي: أن قوله لا يعجبهم وما يتلوه عليهم لا يستحق السماع، فقال الحق سبحانه رداً عليهم: {أية : قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ وَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِيۤ آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ..} تفسير : [فصلت: 44]. وهي مسألة - كما أقول دائماً - تتعلق بالقابل الذي يستقبل الحدث؛ إما أنْ يُصفِّي قلبه ليستقبل القرآن؛ وإما أنْ يكون قلبه - والعياذ بالله - مُمْتلِئاً بالكفر، فلا يستقبل شيئاً من كتاب الحق. وقد حدث أن أدخل الحق سبحانه كتبه السماوية في قلوب الأقوام السابقة على رسول الله، ولكنهم لفساد ضمائرهم وظُلْمة عقولهم؛ سَخِروا من تلك الكتب، ولم يؤمنوا بها. ويَصِف الحق سبحانه هؤلاء المجرمين بقوله: {لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ ...}.
همام الصنعاني
تفسير : 1431- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ * لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ}: [الآية: 12-13]، قال: إذا كذبوا سلك الله في قلوبهم ألا يؤمنوا به. 1432- حدثنا عبد الرزاق، عن الثوريّ، عن حُمَيْد، عن الحسنِ في قوله تعالى: {كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ}: الآية: 12]، قال: الشرك.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):