١٥ - ٱلْحِجْر
15 - Al-Hijr (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
13
Tafseer
البيضاوي
تفسير : {لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ } له وهو خال من هذا الضمير، والمعنى مثل ذلك السلك نسلك الذكر في قلوب المجرمين مكذباً غير مؤمن به، أو بيان للجملة المتضمنة له، وهذا الاحتجاج ضعيف إذ لا يلزم من تعاقب الضمائر توافقها في المرجوع إليه ولا يتعين أن تكون الجملة حالاً من المجرمين، ولا ينافي كونها مفسرة للمعنى الأول بل يقويه. {وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ ٱلاْوَّلِينَ } أي سنة الله فيهم بأن خذلهم وسلك الكفر في قلوبهم، أو بإهلاك من كذب الرسل منهم فيكون وعيداً لأهل مكة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ } بالنبيّ صلى الله عليه وسلم {وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ ٱلأّوَّلِينَ } أي سنة الله فيهم من تعذيبهم بتكذيبهم أنبياءهم وهؤلاء مثلهم.
ابن عبد السلام
تفسير : {سُنَّةٌ الأََوَّلِينَ} بالعذاب، أو بألا يؤمنوا برسلهم إذا عاندوا والسنة: الطريقة.
ابو السعود
تفسير : {لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} أي بالذكر، حالٌ من ضمير نسلكه أي غيرَ مؤمَنٍ به، أو بـيانٌ للجملة السابقة فلا محل لها، وقد جُعل الضميرُ للاستهزاء فيتعين البـيانيةُ إلا أن يُجعل الضميرُ المجرورُ أيضاً له، على أن الباء للملابسة أي نسلك الاستهزاءَ في قلوبهم حالَ كونِهم غيرَ مؤمنين بملابسته، والحالُ إما مقدّرةٌ أو مقارنة للإيذان بأن كفرَهم مقارِنٌ للإلقاء كما في قوله تعالى: { أية : فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ} تفسير : [البقرة الآية 89] {وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ ٱلأَوَّلِينَ} أي قد مضت طريقتهم التي سنها الله تعالى في إهلاكهم حين فعلوا ما فعلوا من التكذيب والاستهزاءِ، وهو استئنافٌ جيء به تكملةً للتسلية وتصريحاً بالوعيد والتهديد. {وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم} أي على هؤلاء المقترِحين المعاندين {بَاباً مِنَ ٱلسَّمَاء} أي باباً ما، لا باباً من أبوابها المعهودة كما قيل، ويسرنا لهم الرُّقيَّ والصعودَ إليه {فَظَلُّواْ فِيهِ} في ذلك الباب {يَعْرُجُونَ} بآلة أو بغيرها ويرون ما فيها من العجائب عِياناً كما يفيده الظلول، أو فظل الملائكةُ الذين اقترحوا إتيانَهم يعرُجون في ذلك الباب وهم يرَونه عياناً مستوضحين طولَ نهارهم. {لَقَالُواْ} لفرط عنادِهم وغلوِّهم في المكابرة وتفاديهم عن قَبول الحق {إِنَّمَا سُكّرَتْ أَبْصَـٰرُنَا} أي سُدّت من الإحساس من السُكر كما يدل عليه القراءةُ بالتخفيف، أو حُيِّرت كما يعضُده قراءة من قرأ سكرت أي حارت. {بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ} قد سحَرنا محمد صلى الله عليه وسلم كما قالوه عند ظهورِ سائرِ الآياتِ الباهرة، وفي كلمتي الحصر والإضراب دلالةٌ على أنهم يبتون القولَ بذلك، وأن ما يرَونه لا حقيقةَ له وإنما هو أمر خُيِّل إليهم بالسحر، وفي اسميةِ الجملة الثانيةِ دَلالةٌ على دوام مضمونِها، وإيرادُها بعد تسكير الأبصارِ لبـيان إنكارِهم لغير ما يرونه بعيونهم، فإن عروجَ كل منهم إلى السماء وإن كان مرئياً لغيره فهو معلوم بطريق الوجدانِ مع قطع النظرِ عن الأبصار، فهم يدعون أن ذلك نوعٌ آخرُ من السحر غيرُ تسكير الأبصار. {وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِى ٱلسَّمَاء بُرُوجًا} قصوراً ينزلها السيارات، وهي البروجُ الاثنا عشر المشهورةُ المختلفةُ الهيئاتِ والخواصِّ حسبما يدل عليه الرصْدُ والتجرِبة مع ما اتفق عليه الجمهور من بساطة السماء، والجعلُ إن جُعل بمعنى الخلق والإبداعِ ـ وهو الظاهرُ ـ فالجار متعلقٌ به، وإن جعل بمعنى التصيـيرِ فهو مفعولٌ ثانٍ له متعلقٌ بمحذوف أي جعلنا بروجاً كائنة في السماء {وَزَيَّنَّـٰهَا} أي السماء بتلك البروجِ المختلفةِ الأشكال والكواكب سياراتٍ كانت أو ثوابتَ {لِلنَّـٰظِرِينَ} إليها، فمعنى التزيـينِ ظاهرٌ، أو للمتفكرين المعتبرين المستدلين بذلك على قدرة مقدّرها وحكمةِ مدبرّها، فتزيـينُها بترتيبها على نظام بديع مستتبعٍ للآثار الحسنة. {وَحَفِظْنَـٰهَا مِن كُلّ شَيْطَـٰنٍ رَّجِيمٍ} مَرْميَ بالنجوم فلا يقدر أن يصعَدَ إليها ويوسوسَ في أهلها ويتصرّفَ فيها ويقفَ على أحوالها.
اسماعيل حقي
تفسير : {لا يؤمنون به} اى بالذكر وهو بيان للجملة السابقة واختار المولى ابو السعود رحمه الله ان يكون ذلك اشارة الى ما دل عليه الكلام السابق من القاء الوحى مقرونا بالاستهزاء وان يعود ضمير نسلكه به والى الذكر على ان يكون لا يؤمنون به حالا من ضمير نسلكه. والمعنى اى مثل ذلك المسلك الذى سلكناه فى قلوب اولئك المستهزئين برسلهم وبما جاءوا به من الكتب نسلك الذكر فى قلوب اهل مكة او جنس المجرمين حال كونه مكذبا غير مؤمن به لانهم كانوا يسمعون القرآن بقراءة النبى صلى الله عليه وسلم فيدخل فى قلوبهم ومع ذلك لا يؤمنون لعدم استعدادهم لقبول الحق لكونهم من اهل الخذلان: قال السعدى قدس سره شعر : كسى را كه بندار در سر بود مبندار هر كزكه بشنود زعلمش ملال آيد ازوعظ ننك شقائق بباران نرويد ز سنك تفسير : قال سعدى المفتى مكذبا اى حال الالقاء من غير توقف كقوله تعالى {أية : فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به} تفسير : اى فى ذلك الزمان من غير توقف وزتفكر فلا حاجة الى جعلها حالا مقدرة اى كما فعله الطيبى. وفى التأويلات النجمية {كذلك نسلكه} اى الكفر {فى قلوب المجرمين لا يؤمنون به} بواسطة جرمهم فان الجرم يسلك الكفر فى القلوب كما يسلك الايمان بالعمل الصالح فى القلوب نظيره {أية : بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون الا قليلا} تفسير : {وقد خلت سنة الاولين} اى قد مضت طريقتهم التى سنها الله فى اهلاكهم حين فعلوا ما فعلوا من التكذيب والاستهزاء: يعنى [هركه ازايشان هلاك شده بترك قبول حق وتكذيب رسل بوده] وفيه وعيد لاهل مكة على استهزائهم وتكذيبهم شعر : نه هر كز شنيدم درين عمر خويش كه برمردرا نيكى آمد به بيش
اطفيش
تفسير : {لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} أى بالذكر فإِن الأَصل فى الضمائر المتعاقبة التوافق فى المرجع إِلا لمانع ولو كان ذلك غير متعين ولا مانع هنا فضعف تضعيف القاضى لهذا القول الذى قلته من عندى ووافقت عليه غيرى إذ ضعفه بأَنه لا يلزم توافق الضمائر فى المرجع لأَنا نقول بأَصالة التوافق وترجيحه لا بلزومه والجملة حال من هنا، نسلكه على أنها ضمير الذكر أى نسلك الذكر فى قلوب المجرمين غير مؤمن به بفتح الميم الثانية ويجوز أن تكون مستأْنفة لبيان الجملة قبلها أو حالا من المجرمين سواء رجعنا الهاء الأُولى للاستهزاء أو التكذيب أو رجعناها للذكر ولا ينافى فى كونها حالا من المجرمين كونها مبنية لإدخال الاستهزاء أو التكذيب فى قلوب المجرمين بل يقويه لأن عدم الإِيمان بالقرآن من جملة التكذيب ومترتب عليه الاستهزاء ويجوز عود الهاءين معاً للاستهزاء أو التكذيب فتكون الياء سببية أى لا يؤمنون بسبب استهزائهم أو تكذيبهم وقيل الهاء الآخرة لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ {وَقَدْ خَلَتْ} مضت، {سُنَةُ الأَوَّلِينَ} أى عادتهم الواقعة عليهم أو سنة الله فيهم وهى تعذيبهم بتكذيب رسلهم وقومك يا محمد مثلهم فذلك وعيد لكفار مكة أو هى خذلانهم وسلك الكفر فى قلوبهم.
اطفيش
تفسير : {لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} تفسير للسلك، كأَنه قيل نمر به فى قلوبهم بلا بقاءِ أَثر منه فيها، سواءُ جعلنا الجملة حالا من هاءِ نسلكه أَو من المجرمين، أَو مستأْنفة {وَقَدْ خَلَتْ} مضت {سُنَّةُ الأَوَّلِينَ} سنة الله فيهم بإِهلاكهم لاستهزائِهم وعدم إيمانهم، أَو بسلك الوحى فى قلوبهم بلا بقاءِ أَثر فيها وإِهلاكهم على ذلك، وهذا تهديد لأَهل مكة أَن يقع بهم ذلك الإهلاك بكفرهم.
الالوسي
تفسير : . {لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} الضمير للذكر أيضاً، والجملة في موضع الحال من مفعول {أية : نَسْلُكُهُ } تفسير : [الحجر: 12] أي غير مؤمن به، وهي إما مقدرة وإما مقارنة على معنى أن الإلقاء وقع بعده الكفر من غير توقف فهما في زمان واحد عرفاً، ويجوز أن تكون بياناً للجملة السابقة فلا محل لها من الإعراب، قال في "الكشف": وهو الأوجه لأن في طريقة الإبهام والتفسير لا سيما في هذا المقام ما يجل موقع الكلام. وفي "إرشاد العقل السليم" أنه قد جعل ضمير {أية : نَسْلُكُهُ } تفسير : [الحجر: 12] للاستهزاء المفهوم من {أية : يَسْتَهْزِئُونَ } تفسير : [الحجر: 11] فتتعين البيانية إلا أن يجعل ضمير {بِهِ} له أيضاً على أن الباء للملابسة أي يسلك الاستهزاء في قلوبهم حال كونهم غير مؤمنين بملابسة الاستهزاء، وقد ذهب إلى جواز ارجاع الضميرين إلى الاستهزاء ابن عطية إلا أنه جعل الباء للسببية، وكذا الفاضل الجلبـي، ولا يخفى أن بعد ذلك يغنى عن رده. وذهب البيضاوي إلى كون الضمير الأول للاستهزاء وضمير {بِهِ } للذكر وتفريق الضمائر المتعاقبة على الأشياء المختلفة إذا دل الدليل عليه ليس ببدع في القرآن، وجوز على هذا كون الجملة حالاً من {أية : ٱلْمُجْرِمِينَ } تفسير : [الحجر: 12] ولا يتعين كونها حالاً من الضمير ليتعين رجوعه للذكر، وذكر أن عوده على الاستهزاء لا ينافي كونها مفسرة بل يقويه إذ عدم الإيمان بالذكر أنسب بتمكن الاستهزاء في قلوبهم، وجعل الآية دليلاً على أنه تعالى يوجد الباطل في قلوبهم ففيها رد على المعتزلة في قولهم: إنه قبيح فلا يصدر منه سبحانه، وكأنه رحمه الله تعالى ظن أن ما فعله الزمخشري من جعل الضميرين للذكر كان رعاية لمذهبه ففعل ما فعل، ولا يخفى أنه لم يصب المحز وغفل عن قولهم: الدليل إذا طرقه الاحتمال بطل به الاستدلال. وفي "الكشف" بعد كلام ان رجع الضمير إلى الاستهزاء أو الكفر مع ما فيه من تنافر النظم لا ينكره أهل الاعتزال إلا كإنكار سلك الذكر بصفة التكذيب والتأويل كالتأويل، وكأنهم غفلوا عما ذكره جار الله في الشعراء حيث أجاب عن سؤال إسناد سلك الذكر بتلك الصفة إلى نفسه جل وعلا بأن المراد تمكنه مكذوباً في قلوبهم أشد التمكن كشيء جبلوا عليه؛ ولخص المعنى هٰهنا بأنه تعالى يلقيه في قلوبهم مكذباً لا أن التكذيب فعله سبحانه. نعم أخرج ابن أبـي حاتم عن أنس والحسن تفسير ضمير {أية : نَسْلُكُهُ } تفسير : [الحجر: 12] إلى الشرك، وأخرج هو وابن جرير عن ابن زيد أنه قال في الآية: هم كما قال الله تعالى هو أضلهم ومنعهم الإيمان لكن هذا أمر وما نحن فيه آخر، واعترض بعضهم رجوع الضمير إلى {أية : ٱلذّكْرِ } تفسير : [الحجر: 9] بأن نون العظمة لا تناسب ذلك فإنها إنما تحسن إذا كان فعل المعظم نفسه فعلاً يظهر له أثر قوي وليس كذلك هنا فإنه تدافع وتنازع فيه. وأجاب بأن المقام إذا كان للتوبيخ يحسن ذلك، ولا يلزم أن تكون العظمة باعتبار القهر والغلبة فقد تكون باعتبار اللطف والإحسان. وتعقب ذلك الشهاب بقوله: لا يخفى أنه باعتبار القهر والغلبة يقتضي أن يؤثر ذلك في قلوبهم وليس كذلك لعدم إيمانهم/ به، وكذا باعتبار اللطف والإحسان يقتضي أن يكون سلكه في قلوبهم إنعاماً عليهم فأي إنعام عليهم بما يقتضي الغضب فلا وجه لما ذكر، وأنت تعلم أنه إذا كان المراد سلك ذلك وتمكينه في قلوبهم مكذباً به غير مقبول فكون الإسناد باعتبار القهر والغلبة مما لا ينبغي أن ينتطح فيه كبشان، والأثر الظاهر القوي لذلك بقاؤهم على الكفر والإصرار على الضلال ولو جاءتهم كل آية، ولا يخفى ما في {أية : كَذٰلِكَ } تفسير : [الحجر: 12] مما يناسب نون العظمة أيضاً وقد مر التنبيه عليه غير مرة. {وَقَدْ خَلَتْ} مضت {سُنَّةُ} طريقة {ٱلأَوَّلِينَ} والمراد عادة الله تعالى فيهم على أن الإضافة لأدنى ملابسة لا على الإضافة بمعنى في، والمراد بتلك العادة على تقدير أن يكون ضمير {أية : نَسْلُكُهُ } تفسير : [الحجر: 12] للاستهزاء الخذلان وسلك الكفر في قلوبهم أي قد مضت عادته سبحانه وتعالى في الأولين ممن بعث إليهم الرسل عليهم السلام أن يخذلهم ويسلك الكفر والاستهزاء في قلوبهم، وعلى تقدير أن يكون للذكر الإهلاك، وعلى هذا قول الزمخشري أي مضت طريقتهم التي سنها الله تعالى في اهلاكهم حين كذبوا برسلهم والمنزل عليهم، وذكر أنه وعيد لأهل مكة على تكذيبهم، وإلى الأول ذهب الزجاج، وادعى الإمام أنه الأَليق بظاهر اللفظ؛ وبين ذلك الطيبـي قائلاً: إن التعريف في {أية : ٱلْمُجْرِمِينَ } تفسير : [الحجر: 12] للعهد، والمراد بهم المكذبون من قوم رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنهم المذكورون بعد أي مثل ذلك السلك الذي سلكناه في قلوب أولئك المستهزئين المكذبين للرسل الماضين نسلكه في قلوب هؤلاء المجرمين فلك أسوة بالرسل الماضية مع أممهم المكذبة، ولست بأوحدي في ذلك وقد خلت سنة الأولين، والمقام يقتضي التقرير والتأكيد فيكون في هذا مزيد تسلية للرسول عليه السلاة والسلام، والوعيد بعيد لأنه لم يسبق لإهلاك الأمم ذكر، وإيثار ذلك لأنه أقرب إلى مذهب الاعتزال اهـ. وفيه غفلة عن مغزى الزمخشري، وقد تفطن لذلك صاحب "الكشف" ولله تعالى دره حيث قال: أراد أن موقع {قَدْ خَلَتْ } إلى آخره موقع الغاية في الشعراء [201] أعني قوله تعالى هنالك, {حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ} فإنهم لما شبهوا بهم قيل: لا يؤمنون وقد هلك من قبلهم ولم يؤمنوا فكذلك هؤلاء، ومنه يظهر أن الكلام على هذا الوجه شديد الملاءمة، وأما أن الوعيد بعيد لعدم سبق ذكر لإهلاك الأمم ففيه أن لفظ السنة مضافاً إلى ما أضيف إليه ينبىء عن ذلك أشد الإنباء، ثم إنه ليس المقصود منه الوعيد على ما قررناه، وقد صرح أيضاً بعض الأجلة أن الجملة استئنافية جيء بها تكملة للتسلية وتصريحاً بالوعيد والتهديد، ثم ما ذهب إليه الزمخشري من المراد بالسنة مروي عن قتادة فقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وغيرهما عنه أنه قال في الآية: قد خلت وقائع الله تعالى فيمن خلا من الأمم. وعن ابن عباس أن المراد سنتهم في التكذيب، ولعل الإضافة على هذا على ظاهرها.
د. أسعد حومد
تفسير : (13) - وَقَوْمُكَ، يَا مُحَمَّدُ، لاَ يُؤْمِنُونَ بِهذا القُرْآنِ مَعَ أَنَّهُمْ عَلِمُوا بِمَا فَعَلَهُ اللهُ بِمَنْ كَذَّبَ رُسُلَهُ مِنَ العَذَابِ وَالاسْتِئْصَالِ، وَكَيْفَ نَجَّى رُسُلَهُ وَالذِينَ آمَنُوا لَهُمْ، وَهذِهِ هِيَ سُنَّةُ اللهِ، وَسَيَحِلُّ بِهؤُلاءِ الذِينَ يُكَذِّبُونَكَ مَا حَلَّ بِالمُكَذِّبِينَ السَّابِقِينَ، وَنَنْصُرُكَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ حِينٍ. خَلَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ - مَضَتْ عَادَةُ اللهِ بٍِإِهْلاَكِ المُكَذِّبِينَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وهكذا يوضح الحق سبحانه أن قلوب الكَفرة لا تلين بالإيمان؛ ولا تُحسِن استقبال القرآن، ذلك أن قلوبهم مُمْتلئة بالكفر، تماماً كما حدث من الأقوام السابقة، فتلك سُنة مَنْ سبقوهم إلى الكفر. والسُّنة هي الطريقة التي تأتي عليها قضايا النتائج للمُقدِّمات وهي أولاً وأخيراً قضايا واحدة. ومرة نجد الحق سبحانه يقول: {أية : سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً} تفسير : [الأحزاب: 62]. ونعلم أن الإضافة تختلف حَسْب ما يقتضيه التعبير. فـ (سنة الأولين) تعني الأمور الكونية التي قدَّرها الله لعباده. و(سنة الله) تعني سُنّة منسوبة لله، ومن سُنَن الحق سبحانه أن يُهلك المُكذِّبين للرسل إنْ طلبوا آية فجاءتهم، ثم واصلوا الكفر. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: {وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ ٱلسَّمَاءِ ...}.
الجيلاني
تفسير : لذلك {لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} أي: بالرسول المنزل إليهم {وَ} كيف يؤمن بك يا أكمل الرسل هؤلاء الكفرة؛ إذ {قَدْ خَلَتْ} مضت {سُنَّةُ ٱلأَوَّلِينَ} [الحجر: 13] أي: سنة الله في الكفرة الماضين، أو سنة كل فرقة من أسلافهم، وهم أيضاً على أثرهم وطبقهم تقليداً لهم؟!. {وَ} من خبث طينتهم، وفسوقهم وغفلتهم {لَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم} أي: على هؤلاء المستهزئين المنهمكين في الغي والضلال {بَاباً مِّنَ ٱلسَّمَاءِ} على خلاف العادة ليؤمنوا بك وبدينك وكتابك {فَظَلُّواْ فِيهِ} وصاروا {يَعْرُجُونَ} [الحجر: 14] يصعدون منه نحو السماء، ويستوضحون ما فيها. {لَقَالُواْ} من شدة غيهم وضلالهم: {إِنَّمَا سُكِّرَتْ} وحيرت {أَبْصَارُنَا} بسحر محمد وتلبيسه، وإنما فُعل بنا هذا؛ لنؤمن له، ونصدق قوله وكتابه، ونقبل دينه {بَلْ} أمرنا كذلك بلا شك وتردد؛ إذ {نَحْنُ} بمشاهدة هذا الفتح والعروج {قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ} [الحجر: 15] مغبوطون مخبوطون، لبس علينا الأمر هذا الشخصُ بالسحر والشعبذة. ثمَّ قال سبحانه امتناناً لعباده بتهيئة أسباب معاشهم: {وَلَقَدْ جَعَلْنَا} وقدرنا {فِي ٱلسَّمَاءِ بُرُوجاً} اثني عشر تدور وتتبدل فيها الشمس في كل سنةٍ شتاءً وصيفاً، ربيعاً وخريفاً، والقمرُ في كل شهر تتميماً لأسباب معاشكم، وتنضيجاً لأقواتكم وأثمَّاركم {وَزَيَّنَّاهَا} أي: حسناً نظمها وترتيبها، وهيئاتها وأشكالها {لِلنَّاظِرِينَ} [الحجر: 16] المتأملين في كيفية حركاها ودوراتها وانقلاباتها؛ ليستدلوا بها على قدرة مبدعهخا، ومتانة أمر صانعها ومخترعها إلى أن ينكشفوا بوحدة المظهر ورجوع الكل إليه. {وَ} مع ذلك {حَفِظْنَاهَا مِن} اطلاع {كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ} [الحجر: 17] على ما فيها من السرائر والحكم المودعة. {إِلاَّ مَنِ ٱسْتَرَقَ} واختلس من الشياطين {ٱلسَّمْعَ} والاستطلاع من سكان السماوات، وتكلف في الصعود والرقي نحوها {فَأَتْبَعَهُ} من كمال قهر الله إياه {شِهَابٌ} جذوةُ نارٍ على مثال كوكب {مُّبِينٌ} [الحجر: 18] ظاهرٍ عند أولي الأبصار زجراً له، ومنعاً عن الاستطلاع بالسرائر. {وَٱلأَرْضَ} أيضاً {مَدَدْنَاهَا} أي: مهَّدناها وبسطناها {وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ} شامخات لتقررها وتثبيتها؛ ولتكون مقراً للمياه والعيون، ومعدناً للجواهر {وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ} [الحجر: 19] مطبوعٍ ملائمٍ، تستحسنها الطباع وتستلذ به. {وَ} إنما {جَعَلْنَا} وخلقنا كل ذلك؛ أي: العلويات والسلفليات؛ ليحصل {لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ} تعيشون بها، وتقومون مزاجكم منها؛ لتتمكنوا وتقدروا على سلوك طريق التوحيد والعرفان الذي هو سبب إيجادكم، والباعث على إظهاركم؛ إذ ما خُلقتم وجُبلتم إلاَّ لأجله {وَ} كذا معايش {مَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ} [الحجر: 20] من أخلاقكم وأولادكم، وإن كنتم تظنون أنكم رازقون لهم ظناً كاذباً، بل رزقكم وزقهم ورزق جميع من في حيطة الوجود علينا. {وَ} كيف لا يكون رزق الكل علينا {إِن مِّن شَيْءٍ} أي: ما من رطب ولا يابس مما يطلق عليه اسم الشيء {إِلاَّ عِندَنَا} أي: في حيطة قدرتنا ومشيئتنا {خَزَائِنُهُ} أي: مخزننات كل شيء عندنا لا ينتهي قدرتنا دون مقدور، بل لنا القدرة الكاملة بإيجاد الخزائن من كل شيء {وَ} لكن اقتضت حكتمنا أنا {مَا نُنَزِّلُهُ} ونظهره {إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ} [الحجر: 21] عندنا، وفي حيطة علمنا، وأجل مقدر لدينا لا اطلاع لأحد عليه؟!. {وَ} من بدائع حكمتنا، وعجائب صنعتنا {أَرْسَلْنَا} من مقام فضلنا وجودنا {ٱلرِّيَاحَ} الهابة ي فصل الربيع {لَوَاقِحَ} أي: ملقحات تجعل الأشجار حوامل بالأثمَّار {فَأَنزَلْنَا} بعد صيرورتها حوامل {مِنَ} جانب {ٱلسَّمَآءِ مَاءً} لتربيتها وتنميتها {فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ} أي: وقت الصلاح والحصاد {وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ} أي: للماء {بِخَازِنِينَ} [الحجر: 22] حافظين؛ أي: ليس في وسعكم وطاقتكم حفظه في الحياض والغدائر، كذا إلقاح الأشجار وإنباتها وسقيها وإصلاحها، وجميع ما يحتاج إليها؛ إذ ليس عندكم خزائن كل شيء. {وَ} أيضاً من غرائب مبدعاتنا {إنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي} ونظهر على مقتضى أوصافنا اللطيفة البسيطة {وَنُمِيتُ} ونعدم على مقتضى أوصافنا القهرية القبضية {وَنَحْنُ ٱلْوَارِثُونَ} [الحجر: 23] الباقون بعد انتهاء المظاهر وفنائها بعد الطامة الكبرى. {وَ} من كمال علمنا وخبرتنا أنا {لَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَقْدِمِينَ} المتقدمين في الوجود {مِنكُمْ} أي: من أسلافكم، بل من شئونكم ونشأتكم التي في أصلابل آباءكم وأرحام أمهاتكم، بل استعداداتكم في ذرائر العناصر، بل حصصكم من الروح الأعظم {وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَأْخِرِينَ} [الحجر: 24] المتأخيرين منكم في الوجود على الوجه المذكور. {وَ} بالجملة: {إِنَّ رَبَّكَ} يا أكمل الرسل {هُوَ} المطلع بسرائر الماضي والحال المستقبل {يَحْشُرُهُمْ} في المحشر وموعد القيامة، والحساب والجزاء، وكيف لا {إِنَّهُ} في اذته وأوصافه وأفعاله {حَكِيمٌ} متقن الفعل، متين الصنع {عَلِيمٌ} [الحجر: 25] لا يعزب عن حيطة حضرة علمه شيء؟!.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):