١٥ - ٱلْحِجْر
15 - Al-Hijr (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
36
Tafseer
الرازي
تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: قوله: {فَأَنظِرْنِى } متعلق بما تقدم والتقدير: إذا جعلتني رجيماً ملعوناً إلى يوم الدين فأنظرني فطلب الإبقاء من الله تعالى عند اليأس من الآخرة إلى وقت قيام القيامة. لأن قوله: {إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ } المراد منه يوم البعث والنشور وهو يوم القايمة، وقوله: {فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ * إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ } اعلم أن إبليس استنظر إلى يوم البعث والقيامة، وغرضه منه أن لا يموت لأنه إذا كان لا يموت قبل يوم القيامة، وظاهره أن بعد قيام القيامة لا يموت أحد فحينئذ يلزم منه أن لا يموت ألبتة. ثم إنه تعالى منعه عن هذا المطلوب وقال: {إِنَّكَ مِنَ ٱلمُنظَرِينَ * إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ } واختلفوا في المراد منه على وجوه: أحدها: أن المراد من يوم الوقت المعلوم وقت النفخة الأولى حين يموت كل الخلائق، وإنما سمي هذا الوقت بالوقت المعلوم لأن من المعلوم أن يموت كل الخلائق فيه. وقيل: إنما سماه الله تعالى بهذا الاسم، لأن العالم بذلك الوقت هو الله تعالى لا غير كما قال تعالى: { أية : إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبّي لاَ يُجَلّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ } تفسير : [الأعراف: 187] وقال: { أية : إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ } تفسير : [لقمان: 34]. وثانيها: أن المراد من يوم الوقت المعلوم هو الذي ذكره إبليس وهو قوله: {إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ } وإنما سماه تعالى بيوم الوقت المعلوم؟ لأن إبليس لما عينه وأشار إليه بعينه صار ذلك كالمعلوم. فإن قيل: لما أجابه الله تعالى إلى مطلوبه لزم أن لا يموت إلى وقت قيام الساعة وبعد قيام القيامة لا يموت أيضاً، فيلزم أن يندفع عنه الموت بالكلية. قلنا: يحمل قوله: {إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ } إلى ما يكون قريباً منه. والوقت الذي يموت فيه كل المكلفين قريب من يوم البعث، وعلى هذا الوجه فيرجع حاصل هذا الكلام إلى الوجه الأول. وثالثها: أن المراد بيوم الوقت المعلوم يوم لا يعلمه إلا الله تعالى، وليس المراد منه يوم القيامة. فإن قيل: إنه لا يجوز أن يعلم المكلف متى يموت، لأن فيه إغراء بالمعاصي، وذلك لا يجوز على الله تعالى. أجيب عنه بأن هذا الإلزام إنما يتوجه إذا كان وقت قيام القيامة معلوماً للمكلف. فأما إذا علم أنه تعالى أمهله إلى وقت قيام القيامة إلا أنه تعالى ما أعلمه الوقت الذي تقوم القيامة فيه فلم يلزم منه الإغراء بالمعاصي. وأجيب عن هذا الجواب بأنه وإن لم يعلم الوقت الذي فيه تقوم القيامة على التعيين إلا أنه علم في الجملة أن من وقت خلقة آدم عليه الصلاة والسلام إلى وقت قيام القيامة مدة طويلة فكأنه قد علم أنه لا يموت في تلك المدة الطويلة. أما قوله تعالى: {قَالَ رَبّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِى لازَيّنَنَّ لَهُمْ فِى ٱلأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } ففيه بحثان: البحث الأول: الباء في {بِمَآ أَغْوَيْتَنِى } للقسم وما مصدرية، وجواب القسم لأزينن. والمعنى أقسم بإغوائك إياي لأزينن لهم، ونظيره قوله تعالى: { أية : فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } تفسير : [صۤ: 82] إلا أنه في ذلك الموضع أقسم بعزة الله، وهي من صفات الذات، وفي قوله: {بِمَآ أَغْوَيْتَنِى } أقسم بإغواء الله وهو من صفات الأفعال. والفقهاء قالوا: القسم بصفات الذات صحيح، أما بصفات الأفعال فقد اختلفوا فيه. ونقل الواحدي عن قوم آخرين أنهم قالوا: الباء ههنا بمعنى السبب، أي بسبب كوني غاوياً لأزينن كقول القائل، أقسم فلان بمعصيته ليدخلن النار، وبطاعته ليدخلن الجنة. البحث الثاني: اعلم أن أصحابنا قد احتجوا بهذه الآية على أنه تعالى قد يريد خلق الكفر في الكافر ويصده عن الدين ويغويه عن الحق من وجوه: الأول: أن إبليس استمهل وطلب البقاء إلى قيام القيامة مع أنه صرح بأنه إنما يطلب هذا الإمهال والإبقاء لإغواء بني آدم وإضلالهم وأنه تعالى أمهله وأجابه إلى هذا المطلوب، ولو كان تعالى يراعي مصالح المكلفين في الدين لما أمهله هذا الزمان الطويل، ولما مكنه من الإغواء والإضلال والوسوسة. الثاني: أن أكابر الأنبياء والأولياء مجدون ومجتهدون في إرشاد الخلق إلى الدين الحق، وأن إبليس ورهطه وشيعته مجدون ومجتهدون في الضلال والإغواء، فلو كان مراد الله تعالى هو الإرشاد والهداية لكان من الواجب إبقاء المرشدين والمحققين وإهلاك المضلين والمغوين، وحيث فعل بالضد منه، علمنا أنه أراد بهم الخذلان والكفر. الثالث: أنه تعالى لما أعلمه بأنه يموت على الكفر وأنه ملعون إلى يوم الدين كان ذلك إغراء له بالكفر والقبيح، لأنه أيس عن المغفرة والفوز بالجنة يجترىء حينئذ على أنواع المعاصي والكفر. الرابع: أنه لما سأل الله تعالى هذا العمر الطويل، مع أنه تعالى علم منه أنه لا يستفيد من هذا العمر الطويل إلا زيادة الكفر والمعصية، وبسبب تلك الزيادة يزداد استحقاقه لأنواع العذاب الشديد كان هذا الإمهال سبباً لمزيد عذابه، وذلك يدل على أنه تعالى أراد به أن يزداد عذابه وعقابه. الخامس: أنه صرح بأن الله أغواه فقال: {رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِى } وذلك تصريح بأن الله تعالى أغواه لا يقال: هذا كلام إبليس وهو ليس بحجة، وأيضاً فهو معارض بقول إبليس: {فَبِعِزَّتِكَ لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } فأضاف الإغواء إلى نفسه، لأنا نقول. أما الجواب عن الأول: فهو أنه لما ذكر هذا الكلام فإن الله تعالى ما أنكره عليه وذلك يدل على أنه كان صادقاً فيما قال. وأما الجواب عن الثاني: فهو أنه قال في هذه الآية: {رَبّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِى لأزَيّنَنَّ لَهُمْ } فالمراد ههنا من قوله: {لأزَيّنَنَّ لَهُمْ } هو المراد من قوله في تلك الآية: {لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } إلا أنه بين في هذه الآية أنه إنما أمكنه أن يزين لهم الأباطيل لأجل أن الله تعالى أغواه قبل ذلك، وعلى هذا التقدير فقد زال التناقض ويتأكد هذا بما ذكره الله تعالى حكاية عن الشياطين في سورة القصص: { أية : هَـؤُلاء ٱلَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَـٰهُمْ كَمَا غَوَيْنَا } تفسير : [القصص: 63]. السؤال السادس: أنه اقل: {رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِى } وهذا اعتراف بأن الله تعالى أغواه فنقول: إما أن يقال: إنه كان قد عرف بأن الله تعالى أغواه، أو ما عرف ذلك، فإن كان قد عرف بأن الله تعالى أغواه امتنع كونه غاوياً لأنه إنما يعرف أن الله تعالى أغواه إذا عرف أن الذي هو عليه جهل وباطل، ومن عرف ذلك امتنع بقاؤه على الجهل والضلالة، وأما إن قلنا: بأنه ما عرف أن الله أغواه فكيف أمكنه أن يقول: {رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِى } فهذا مجموع السؤالات الواردة في هذه الآية. أما الإشكال الأول: فللمعتزلة فيه طريقان: الطريق الأول: وهو طريق الجبائي أنه تعالى إنما أمهل إبليس تلك المدة الطويلة، لأنه تعالى علم أنه لا يتفاوت أحوال الناس بسبب وسوسته، فبتقدير أن لا يوجد إبليس ولا وسوسته فإن ذلك الكافر، والعاصي كان يأتي بذلك الكفر والمعصية، فلما كان الأمر كذلك، لا جرم أمهله هذه المدة. الطريق الثاني: وهو طريق أبي هاشم أنه لا يبعد أن يقال: إنه تعالى علم أن أقواماً يقعون بسبب وسوسته في الكفر والمعصية، إلا أن وسوسته ما كانت موجبة لذلك الكفر والمعصية، بل الكافر والعاصي بسبب اختياره اختار ذلك الكفر وتلك المعصية، أقصى ما في الباب أن يقال: الاحتراز عن القبائح حال عدم الوسوسة أسهل منه حال وجودها، إلا أن على هذا التقدير تصير وسوسته سبباً لزيادة المشقة في أداء الطاعات، وذلك لا يمنع الحكيم من فعله، كما أن إنزال المشاق وإنزال المتشابهات صار سبباً لمزيد الشبهات، ومع ذلك فلم يمتنع فعله فكذا ههنا، وهذان الطريقان هما بعينهما الجواب عن السؤال الثاني. وأما السؤال الثالث: وهو أن إعلامه بأنه يموت على الكفر يحمله على الجرأة على المعاصي والإكثار منها، فجوابه أن هذا إنما يلزم إذا كان علم إبليس بموته على الكفر يحمله على الزيادة في المعاصي أما إذا علم الله تعالى من حاله أن ذلك لايوجب التفاوت ألبتة، فالسؤال زائل، وهذا بعينه هو الجواب عن السؤال الرابع. وأما السؤال الخامس: وهو أن إبليس صرح بأن الله تعالى أغواه وأضله عن الدين، فقد أجابوا عنه بأنه ليس المراد ذلك بل فيه وجوه أخرى: أحدها: المراد بما خيبتني من رحمتك لأخيبنهم بالدعاء إلى معصيتك. وثانيها؛ المراد كما أضللتني عن طريق الجنة أضلهم أنا أيضاً عنه بالدعاء إلى المعصية. وثالثها: أن يكون المراد بالإغواء الأول الخيبة، وبالثاني الإضلال. ورابعها: أن المراد بإغواء الله تعالى إياه هو أنه أمره بالسجود لآدم فأفضى ذلك إلى غيه، يعني أنه حصل ذلك الغي عقيبه باختيار إبليس، فأما أن يقال: إن ذلك الأمر صار موجباً لذاته لحصول ذلك الغي، فمعلوم أنه ليس الأمر كذلك، هذا جملة كلام القوم في هذا الباب وكله ضعيف، أما قوله إنه لا يتفاوت الحال بسبب وسوسة إبليس فنقول: هذا باطل، ويدل عليه القرآن والبرهان، أما القرآن فقوله تعالى: { أية : فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَـٰنُ } تفسير : [البقرة: 36] فأضاف تلك الزلة إلى الشيطان، وقال: { أية : فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ } تفسير : [طه: 117] فأضاف الإخراج إليه، وقال موسى عليه السلام: { أية : هَـٰذَا مِنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ } تفسير : [القصص: 15] وكل ذلك يدل على أن لعمل الشيطان في تلك الأفعال أثراً، وأما البرهان فلأن بداية العقول شاهدة بأنه ليس حال من ابتلى بمجالسة شخص يرغبه أبداً في القبائح. وينفره عن الخيرات، مثل شخص كان حاله بالضد منه، والعلم بهذا التفاوت ضروري. وأما قوله إن وجوده يصير سبباً لزيادة المشقة في الطاعة فنقول: تأثير زيادة المشقة إنما هو في كثرة الثواب على أحد التقديرين، وفي الإلقاء في العذاب الشديد على التقدير الثاني وهو التقدير الأكثر الأغلب، وكل من يراعي المصالح، فإن رعاية هذا التقدير الثاني أولى عنده من رعاية التقدير الأول لأن دفع الضرر العظيم أولى من السعي في طلب النفع الزائد الذي لا حاجة إلى حصوله أصلاً، ولما اندفع هذان الجوابان عن هذا السؤال قويت سائر الوجوه المذكورة، وأما قوله: المراد من قوله: {رَبّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِى } الخيبة عن الرحمة أو الإضلال عن طريق الجنة فنقول: كل هذا بعيد، لأنه هو الذي خيب نفسه عن الرحمة وهو الذي أضل نفسه عن طريق الجنة، لأنه لما أقدم على الكفر باختياره فقد خيب نفسه عن الرحمة، وأضل نفسه عن طريق الجنة فكيف يحسن إضافته إلى الله تعالى فثبت أن الإشكالات لازمة وأن أجوبتهم ضعيفة، والله أعلم. وأما قوله: {إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن إبليس استثنى المخلصين، لأنه علم أن كيده لا يعمل فيهم، ولا يقبلون منه، وذكرت في مجلس التذكير أن الذي حمل إبليس على ذكر هذا الإستثناء أن لا يصير كاذباً في دعواه فلما احترز إبليس عن الكذب علمنا أن الكذب في غاية الخساسة. المسألة الثانية: قرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو: {ٱلْمُخْلَصِينَ } بكسر اللام في كل القرآن، والباقون بفتح اللام. وجه القراءة الأولى أنهم الذين أخلصوا دينهم وعبادتهم عن كل شائب يناقض الإيمان والتوحيد، ومن فتح اللام فمعناه: الذين أخلصهم الله بالهداية والإيمان، والتوفيق، والعصمة، وهذه القراءة تدل على أن الإخلاص والإيمان ليس إلا من الله تعالى. المسألة الثالثة: الإخلاص جعل الشيء خالصاً عن شائبة الغير فنقول: كل من أتى بعمل فإما أن يكون قد أتى به لله فقط أو لغير الله فقط، أو لمجموع الأمرين، وعلى هذا التقدير الثالث فإما أن يكون طلب رضوان الله راجحاً أو مرجوحاً أو معادلاً، والتقدير الرابع أن يأتي به لا لغرض أصلاً وهذا محال، لأن الفعل بدون الداعية محال. أما الأول: فهو الإخلاص في حق الله تعالى، لأن الحامل له على ذلك الفعل طلب رضوان الله، وما جعل هذه الداعية مشوبة بداعية أخرى بل بقيت خالصة عن شوائب الغير، فهذا هو الإخلاص. وأما الثاني: وهو الإخلاص في حق غير الله، فظاهر أن هذا لا يكون إخلاصاً في حق الله تعالى. وأما الثالث: وهو أن يشتمل على الجهتين إلا أن جانب الله يكون راجحاً، فهذا يرجى أن يكون من المخلصين، لأن المثل يقابله المثل. فيبقى القدر الزائد خالصاً عن الشوب. وأما الرابع والخامس: فظاهر أنه ليس من المخلصين في حق الله تعالى، والحاصل أن القسم الأول: إخلاص في حق الله تعالى قطعاً. والقسم الثاني: يرجى من فضل الله أن يجعله من قسم الإخلاص وأما سائر الأقسام فهو خارج عن الإخلاص قطعاً، والله أعلم. أما قوله تعالى: {قَالَ هَذَا صِرٰطٌ عَلَىَّ مُسْتَقِيمٌ } ففيه وجوه: الأول: أن إبليس لما قال: {إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ } فلفظ المخلص يدل على الإخلاص، فقوله هذا عائد إلى الإخلاص، والمعنى: أن الإخلاص طريق علي وإلي، أي أنه يؤدي إلى كرامتي وثوابي، وقال الحسن: معناه هذا صراط إلي مستقيم، وقال آخرون: هذا صراط من مر عليه، فكأنه مر علي وعلى رضواني وكرامتي وهو كما يقال: طريقك علي. الثاني: أن الإخلاص طريق العبودية فقوله: {هَذَا صِرٰطٌ عَلَىَّ مُسْتَقِيمٌ } أي هذا الطريق في العبودية طريق علي مستقيم. الثالث: قال بعضهم: لما ذكر إبليس أنه يغوي بني آدم إلا من عصمه الله بتوفيقه تضمن هذا الكلام تفويض الأمور إلى الله تعالى وإلى إرادته فقال تعالى: {هَذَا صِرٰطٌ عَلَىَّ } أي تفويض الأمور إلى إرادتي ومشيئتي طريق علي مستقيم. الرابع: معناه: هذا صراط علي تقريره وتأكيده، وهو مستقيم حق وصدق، وقرأ يعقوب: {صِرٰطٌ عَلَىَّ } بالرفع والتنوين على أنه صفة لقوله: {صِرٰطِ } أي هو علي بمعنى أنه رفيع مستقيم لا عوج فيه. قال الواحدي: معناه أن طريق التفويض إلى الله تعالى والإيمان بقضاء الله طريق رفيع مستقيم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ } هذا السؤال من إبليس لم يكن عن ثقته منه بمنزلته عند الله تعالى، وأنه أهل أن يجاب له دعاء؛ ولكن سأل تأخير عذابه زيادة في بلائه؛ كفعل الآيس من السلامة. وأراد بسؤاله الإنظار إلى يوم يبعثون: ألا يموت؛ لأن يوم البعث لا موت فيه ولا بعده. قال الله تعالى: {فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ} يعني من المؤجَّلين. {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ } قال ابن عباس: أراد به النفخة الأولى، أي حين تموت الخلائق. وقيل: الوقت المعلوم الذي استأثر الله بعلمه، ويجهله إبليس. فيموت إبليس ثم يبعث؛ قال الله تعالى: {أية : كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ}. تفسير : [الرحمن: 26]. وفي كلام الله تعالى له قولان: أحدهما: كلمه على لسان رسوله. الثاني: كلمه تغليظاً في الوعيد لا على وجه التكرمة والتقريب.
المحلي و السيوطي
تفسير : {قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِى إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ } أي الناس.
النسفي
تفسير : {قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِى } فأخرني {إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ } {يوم الدين} و{يوم يبعثون} و{يوم الوقت المعلوم} في معنى واحد، ولكن خولف بين العبارات سلوكاً بالكلام طريقة البلاغة. وقيل: إنما سأل الإنظار إلى اليوم الذي فيه يبعثون لئلا يموت لأنه لا يموت يوم البعث أحد فلم يجب إلى ذلك وانظر إلى آخر أَيام التكليف {قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِى } الباء للقسم و«ما» مصدرية وجواب القسم لأزينن لهم ومعنى أقسم بإغوائك إياي {لازَيِّنَنَّ لَهُمْ } المعاصي ونحو قوله {بما أغويتني لأزينن لهم} {أية : فَبِعِزَّتِكَ لاَغْوِيَنَّهُمْ }تفسير : [ص: 82] في أنه إقسام إلا أن أحدهما إقسام بصفه الذات والثاني بصفة الفعل، وقد فرق الفقهاء بينهما فقال العراقيون: الحلف بصفة الذات كالقدرة والعظمة والعزة يمين، والحلف بصفة الفعل كالرحمة والسخط ليس بيمين. والأصح أن الأيمان مبنية على العرف فما تعارف الناس الحلف به يكون يميناً ومالاً فلا، والآية حجة على المعتزلة في خلق الأفعال. وحملهم على التسبيب عدول عن الظاهر {فِى ٱلأَرْضِ } في الدنيا التي هي دار الغرور، وأراد إني أقدر على الاحتيال لآدم والتزيين له الأكل من الشجرة وهو في السماء فأنا على التزيين لأولاده في الأرض أقدر. {وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ } وبكسر اللام: بصري ومكي وشامي استثنى المخلص لأنه علم أن كيده لا يعمل فيهم ولا يقبلونه منه. {قَالَ هَذَا صِرٰطٌ عَلَىَّ مُسْتَقِيمٌ إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰنٌ إِلاَّ مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ } أي هذا طريق حق عليَّ أن أراعيه وهو أن لا يكون لك سلطان على عبادي إلا من اختار اتباعك منهم لغوايته. وقيل: معنى {على} إلي. {على} يعقوب من علو الشرف والفضل
البقاعي
تفسير : ولما علم من هذا دوام لعنه، لأنه منع التقرب في دار العمل، وما بعد ذلك محل الجزاء لا العمل، وكان ذلك مفهماً لإنظاره إلى ذلك الحد، وكان ظاهره أن لعنه معني به، كان كأنه قيل: فماذا قال حين سمع ذلك؟ فقيل: {قال} ذاكراً صفة الإحسان والتسبب في سؤال الإنظار: {رب} فاعترف بالعبودية والإحسان إليه، ولم يحمله ذلك على التوبة للحكم بدوام لعنه فلا يطمع طامع في إيمان من ختم بكفره بالإجابة إلى ما يقترح، وأتى بفاء السبب لما فهم من الإملاء فقال: {فأنظرني} والإنظار: تأخير المحتاج للنظر في أمره {إلى يوم يبعثون *} فحمل يوم الدين على حقيقته، وأراد التصريح بالإنظار إليه ليأمن الموت. فكأنه قيل: ماذا قيل له؟ فقيل: {قال} له ربه: {فإنك} أي بسبب ما تقدم من الحكم {من المنظرين *} وقطع عليه ما دبج به من المكر فقال: {إلى} ولما كان اليوم ما يتم فيه أمر ظاهر، وكانت الأيام الهائلة ثلاثة: زمان موت الأحياء الخارجين من دار الخلد، ثم بعث الأموات، ثم الفصل بينهم بإحلال كل فريق في داره، قال: {يوم} ولما كان الوقت أدل ألفاظ الزمان على الأجل، قال: {الوقت} ولما كان قد دبج في سؤاله هذا تدبيجاً أوهم تجاهله بتحتم الموت على كل مكلف، بين تعالى أنه مما لا يجهل فقال: {المعلوم *} أي الذي قدرت عليك الموت فيه، وهو النفخة الأولى وما يتبعها من موت كل مخلوق لم يكن في دار الخلد. ولما أفهم ما تقدم - كما قلنا - الحكم بإغوائه، كان السامع كأنه قال: فماذا قال؟ فقيل: {قال} منسوباً نفسه بالمعبود العلي - الذي لا يسأل عما يفعل، وكل أفعاله عدل وحكمة - بعد أن رفع نفسه على العبد البشري: {رب} أي أيها الموجد والمربي لي وعزتك {بما أغويتني} أي بسبب إغوائك لي من أجلهم، وللاهتمام بهذا السبب قدمه على جواب القسم الدال على المقسم به، وهو قوله: {لأزينن لهم} أي تزييناً عظيماً، المعاصي والمباحات الجارّة إليها الشاغلة عن الطاعة الصارفة عنها {في الأرض} أي التي هي محل الغفلة وهم منها، والشيء إلى ما هو منه أميل، فهي بهذا التقدير مساوية لآية "ص" "فبعزتك"؛ والتزيين: جعل الشيء متقبلاً في النفس من جهة الطبع والعقل بحق أو بباطل {ولأغوينهم} أي بالإضلال عن الطريق الحميدة {أجمعين} انتقاماً لنفسي {إلا عبادك منهم} أي المشرفين بالإضافة إليك، فهم لذلك لا يميلون عنك إلى شيء سواك، فلذلك أبدل منهم {المخلصين *} فزاد بهذا الكلام في الضلال، ولم يقدر أن يقول بدل ذلك: ربّ تب عليّ - ونحوه من الاستعطاف كما قال آدم عليه السلام لما حفه اللطف وداركه العفو، فارعوا هذه النعمة! والإخلاص: إفراد الشيء عما يشوبه من غيره، فكأنه قيل: فبماذا أجيب؟ فقيل: {قال} الله في جوابه، راداً على ما أوهمه كلامه من أن له فعلاً يستقل به، مكذباً له: {هذا} أي الذي ذكرته من حال المستثنى والمستثنى منه {صراط عليّ مستقيم *} لأني قضيت به ولو لم تقله أنت وحكمت به عليك وعليهم، فلا محيص لكم عنه، فكأنه قيل: عليّ إقامته، أو هو وارد عليّ ألا عوج لسالكيه عن الرجوع إليّ والمرور عليّ - يعني أنه لا يقدر أحد أن يعمل شيئاً بغير إرادتي، فإني بالمرصاد؛ ثم شرح ذلك بقوله - مضيفاً جميع العباد إليه كما هو الحقيقة، نافياً ما قد يوهمه الكلام من أن لإبليس عملاً مستقلاً -: {إن عبادي} أي عامة {ليس لك} أي بوجه من الوجوه {عليهم سلطان} أي لتردهم كلهم عما يرضيني {إلا من اتبعك} أي بتعمد منه ورغبة في اتباعك {من الغاوين} ومات عن غير توبة؛ فإني جعلت لك عليهم سلطاناً بالتزيين والإغواء، وقيل وهو ظاهر: إن الإضافة للتشريف، فلا تشمل إلا الخلص، فحينئذ يكون الاستثناء منقطعاً، وفائدة سوقه بصورة الاستثناء - على تقدير الانقطاع - الترغيب في رتبة التشرف بالإضافة إليه والرجوع عن اتباع العدو إلى الإقبال عليه، لأن ذوي الأنفس الأبية والهمم العلية ينافسون في ذلك المقام، ويرونه - كما هو الحق - أعلى مرام {وإن جهنم لموعدهم} أي الغاوين من إبليس ومن شايعه {أجمعين *} ثم بين أنهم متفاوتون فيها فقال: {لها سبعة أبواب} قال الرماني: وهي أطباق بعضها فوق بعض - عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه والحسن وقتادة وابن جريح رحمهم الله {لكل باب منهم} أي الغاوين خاصة، لا يشاركهم فيه مخلص {جزء مقسوم *} معلوم لنا من القدم لتقديرنا إياه، لا يزيد شيئاً ولا ينقص شيئا، فلا فعل فيه بغير التسبب الذي أظهرناه، لنربط به الأحكام على ما يقتضيه عقولكم ومجاري عاداتكم، وعن ابن جريح أن العليا جهنم، ثم لظى، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم سقر، ثم الجحيم، ثم الهاوية، وفي نسخة تقديم سقر على لظى، وعن الضحاك أن العليا لأهل التوحيد، ثم يخرجون، والثانية للنصارى، والثالثة لليهود، والرابعة للصائبة، والخامسة للمجوس، والسادسة لمشركي العرب، والسابعة للمنافقين، والسبب في تصاعدها اختلاف أنواع الكفر في الغلط والخفة {أية : ولا يظلم ربك أحداً} تفسير : [الكهف:49] رحمة منه سبحانه، ولعلها كانت سبعة باعتبار أصناف الكفار، لأنهم إما معطلة أو مثبتة، والمثبتة إما يهود أو صابئة أو نصارى أو مجوس أو عباد أوثان، والكل إما مصارحون أو منافقون، ولما كان المنافق لا يعرف ظاهراً من أيّها هو؟ عدَّ قسماً واحداً ووكل أمره في ميزه إلى العليم الخبير، ولما كان الكل عاملين بما لم يأذن به الله كانوا في حكم المعطلة، لوصفهم الله بغير صفته، فرجعت الأقسام إلى ستة، فأضيفت إليها العصاة من كل فرقة فجعلت جزء الطبقة العليا من النار مقابلة لقسم المنافقين من كل أمة، لعملهم أعمال الكفار مع الإيمان، كما أن عمل المنافقين عمل المؤمنين مع الكفران، فكانوا أخفى الكفار فكان لهم الدرك الأسفل من النار، ثم رأيت في "رشف النصائح الإيمانية وكشف الفضائح اليونانية" للعارف بالله تعالى شهاب الدين عمر بن محمد السهروردي رحمه الله أنها جعلت سبعة على وفق الأعضاء السبعة من العين، والأذن، واللسان، والبطن، والفرج، واليد، والرجل، لأنها مصادر السيئات، فكانت مواردها الأبواب السبعة - وهو مأخوذ من كتاب المحاسبة من كتاب الإحياء للإمام الغزالي - ولما كانت هي بعينها مصادر الحسنات بشرط النية، والنية من أعمال القلب، زادت الأعضاء واحداً، فجعلت أبواب الجنان ثمانية هذا معنى قوله، قال: وأعمال القلوب من السيئات غير مؤاخذ بها. ولما ذكر الكافرين وما جرهم إلى الضلال، وجرأهم على قبائح الأعمال، ذكر المخلصين فقال - مؤكداً لإنكار المكذبين بالبعث: {إن المتقين} أي العريقين في هذا الوصف؛ والمتقي: من جعل الإيمان بإخلاصه حاجزاً بينه وبين العقاب {في جنَّات وعيون}.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون} قال: أراد إبليس أن لا يذوق الموت، فقيل {إنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم} قال: النفخة الأولى يموت فيها إبليس، وبين النفخة والنفخة أربعون سنة. قال: فيموت إبليس أربعين سنة. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله {قال فإنك من المنظرين} قال: فلم ينظره إلى يوم البعث، ولكن أنظره إلى الوقت المعلوم. وأخرج ابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه في قوله {إلا عبادك منهم المخلصين} يعني المؤمنين. وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله {إلا عبادك منهم المخلصين} قال: هذه ثنية الله. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {هذا صراط عليّ مستقيم} قال: الحق يرجع إلى الله، وعليه طريقه لا يعرج على شيء. وأخرج ابن جرير عن الحسن رضي الله عنه في قوله {هذا صراط عليّ مستقيم} يقول: إليّ مستقيم. وأخرج أبو عبيد وابن جرير وابن المنذر، عن زياد بن أبي مريم وعبد الله بن كثير، أنهما قرآ "هذا صراط مستقيم" وقالا {عليّ} هي إليّ وبمنزلتها. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه أنه قرأ {هذا صراط عليّ مستقيم} أي رفيع مستقيم. وأخرج أبو عبيد وابن جرير وابن المنذر، عن ابن سيرين أنه كان يقرأ {هذا صراط علي مستقيم} يعني رفيع. وأخرج ابن جرير عن قيس بن عبّاد أنه قرأ {هذا صراط علي مستقيم} يقول: رفيع. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان} قال: عبادي الذين قضيت لهم الجنة {ليس لك عليهم} أن يذنبوا ذنباً إلا أغفره لهم. وأخرج ابن أبي الدنيا في مكايد الشيطان، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: لما لعن إبليس تغيرت صورته عن صورة الملائكة، فجزع لذلك فرنّ رنّة. فكل رنة في الدنيا إلى يوم القيامة منها. وأخرج ابن جرير عن زيد بن قسيط قال: "كانت الأنبياء تكون لهم مساجد خارجة من قراها، فإذا أراد النبي أن يستنبئ ربه عن شيء، خرج إلى مسجد فصلى ما كتب له ثم سأل ما بدا له. فبينما نبي في مسجده إذ جاء إبليس حتى جلس بينه وبين القبلة، فقال النبي: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ثلاثاً. فقال إبليس: أخبرني بأي شيء تنجو مني؟ قال النبي: بل أخبرني بأي شيء تغلب ابن آدم؟ فأخذ كل واحد منهما على صاحبه، فقال النبي: إن الله يقول {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين} قال إبليس: قد سمعت هذا قبل أن تولد. قال النبي: ويقول الله {أية : وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله}تفسير : [الأعراف: 200] وإني والله ما أحسست بك قط إلا استعذت بالله منك. قال إبليس: صدقت... بهذا تنجو مني. فقال النبي: فأخبرني بأي شيء تغلب ابن آدم؟ قال: آخذه عند الغضب وعند الهوى". وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {لها سبعة أبواب} قال: جهنم، والسعير، ولظى، والحطمة، وسقر، والجحيم، والهاوية، وهي أسفلها. وأخرج ابن المبارك وهناد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأحمد في الزهد، وابن أبي الدنيا في صفة النار، وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث من طرق، عن علي قال: أبواب جهنم سبعة، بعضها فوق بعض. فتملأ الأوّل ثم الثاني ثم الثالث حتى تملأ كلها. وأخرج أحمد في الزهد عن خطاب بن عبدالله قال: قال علي: أتدرون كيف أبواب جهنم؟ قلنا كنحو هذه الأبواب. قال: لا، ولكنها هكذا. ووضع يده فوق وبسط يده على يده. وأخرج البيهقي في البعث، عن الخليل بن مرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا ينام حتى يقرأ {تبارك} و {حم} السجدة. وقال: الحواميم سبع، وأبواب جهنم سبع: جهنم، والحطمة، ولظى، وسعير، وسقر، والهاوية، والجحيم. تجيء كل حاميم منها يوم القيامة تقف على باب من هذه الأبواب فتقول: اللهم لا تدخل هذا الباب من كان يؤمن بي ويقرأني، مرسل. وأخرج البخاري في تاريخه والترمذي وابن مردويه، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لجهنم سبعة أبواب، باب منها لمن سلّ السيف على أمتي ". تفسير : وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول والبزار، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : للنار باب لا يدخله إلا من شفى غيظه بسخط الله ". تفسير : وأخرج أبو نعيم عن عطاء الخراساني قال: لجهنم سبعة أبواب، أشدها غمّاً وكرباً وحراً، وأنتنها ريحاً للزناة. وأخرج ابن مردويه عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لجهنم باب لا يدخل منه إلا من أخفرني في أهل بيتي وأراق دماءهم من بعدي ". تفسير : وأخرج أحمد وابن حبان والطبري وابن مردويه والبيهقي في البعث، عن عتبة بن عبدالله رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : للجنة ثمانية أبواب، وللنار سبعة أبواب، وبعضها أفضل من بعض ". تفسير : وأخرج سعيد بن منصور والطبراني عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: تطلع الشمس من جهنم بين قرني شيطان، فما ترفع من السماء قصبة إلا فتح لها باب من أبواب النار، حتى إذا كانت الظهيرة فتحت أبواب النار كلها. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عكرمة رضي الله عنه في قوله {لها سبعة أبواب} قال: لها سبعة أطباق. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله {لها سبعة أبواب} قال: أوّلها جهنم، ثم لظى، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم سقر، ثم الجحيم، ثم الهاوية. والجحيم فيها أبو جهل. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله {لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم} قال: فهي والله منازل بأعمالهم. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الأعمش رضي الله عنه قال: أسماء أبواب جهنم: الحطمة، والهاوية، ولظى، وسقر، والجحيم، والسعير، وجهنم، والنار هي جماع. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه في قوله {جزء مقسوم} قال: فريق مقسوم. وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه في قوله {لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم} قال: باب لليهود وباب للنصارى وباب للصابئين وباب للمجوس وباب للذين أشركوا - وهم كفار العرب - وباب للمنافقين وباب لأهل التوحيد، فأهل التوحيد يُرْجَى لهم ولا يرجى للآخرين أبداً. وأخرج سعيد بن منصور والطبراني، عن ابن مسعود قال: تطلع الشمس من جهنم بين قرني شيطان، فما ترتفع من السماء قصة إلا فتح لها باب من أبواب النار، حتى إذا كانت الظهيرة فتحت أبواب النار كلها. وأخرج ابن مردويه والبيهقي في البعث، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الصراط بين ظهري جهنم دحض مزلة، والأنبياء عليه يقولون: اللهم سلم سلم، والمارُّ كلمع البرق وكطرف العين، وكأجاويد الخيل والبغال والركاب. وشدّ على الأقدام فناج مسلم، ومخدوش مرسل ومطروح فيها و {لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم} ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن سمرة بن جندب، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله {لكل باب منهم جزء مقسوم} قال: "حديث : إن من أهل النار مَنْ تأخذه النار إلى كَعْبَيه، وإن منهم من تأخذه النار إلى حجزته، ومنهم من تأخذه إلى تراقيه منازل بأعمالهم، فذلك قوله {لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم} قال: على كل باب منها سبعون ألف سرادق من نار، في كل سرادق سبعون ألف قبة من نار، في كل قبة سبعون ألف تنور من نار، لكل تنور منها سبعون ألف كوّة من نار، في كل كوّة سبعون ألف صخرة من نار، على كل صخرة منها سبعون ألف حجر من النار، في كل حجر منها سبعون ألف عقرب من النار، لكل عقرب منها سبعون ألف ذنب من نار، لكل ذنب منها سبعون ألف فقارة من نار، في كل فقارة منها سبعون ألف قلة من سم وسبعون ألف موقد من نار، يوقدون تلك النار. وقال: إن أوّل من دخل من أهل النار وجدوا على الباب أربعمائة ألف من خزنة جهنم، سود وجوههم، كالحة أنيابهم، قد نزع الله الرحمة من قلوبهم ليس في قلب واحدٍ منهم مثقال ذرة من الرحمة ". تفسير : وأخرج أبو نعيم عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن جهنم لَتُسَعَّرُ كل يوم وتفتح أبوابها، إلا يوم الجمعة فإنها لا تفتح أبوابها ولا تُسَعَّر ". تفسير : وأخرج سعيد بن منصور عن مسروق رضي الله عنه قال: إن أحق ما استعيذ من جهنم في الساعة التي تفتح فيها أبوابها. وأخرج ابن أبي حاتم عن يزيد بن أبي مالك رضي الله عنه قال: جهنم سبعة نيران، ليس منها نار إلا وهي تنظر إلى النار التي تحتها تخاف أن تأكلها. وأخرج ابن أبي حاتم عن عبدالله بن عمرو قال: إن في النار سجناً لا يدخله إلا شرّ الأشرار، قراره نار وسقفه نار وجدرانه نار، وتلفح فيه النار. وأخرج عبد الرزاق والحكيم الترمذي في نوادر الأصول، عن كعب رضي الله عنه قال: للشهيد نور، ولمن قاتل الحرورية عشرة أنوار، وكان يقول: لجهنم سبعة أبواب، باب منها للحرورية. قال: ولقد خرجوا في زمان داود عليه السلام. وأخرج ابن مردويه والخطيب في تاريخه، عن أنس رضي الله عنه قال: حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى {لكل باب منهم جزء مقسوم} قال:جزء أشركوا بالله، وجزء شكوا في الله، وجزء غفلوا عن الله . تفسير : وأخرج الترمذي والحاكم وصححه، وابن ماجة وابن مردويه والبيهقي في الدلائل، عن عبدالله بن سلام رضي الله عنه قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، انجفل الناس إليه، فجئته لأنظر في وجهه فلما رأيت وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب، فكان أول شيء سمعت منه أن قال: "حديث : يا أيها الناس، أطعموا الطعام، وأفشوا السلام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله {آمنين} قال: أمنوا الموت، فلا يموتون ولا يكبرون ولا يسقمون ولا يعرون ولا يجوعون. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر من طريق لقمان بن عامر، عن أبي أمامة قال: لا يدخل الجنة أحد حتى ينزع الله ما في صدورهم من غل، وحتى أنه لينزع من صدر الرجل بمنزلة السبع الضاري. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق القاسم، عن أبي أمامة قال: يدخل أهل الجنة الجنة على ما في صدورهم في الدنيا من الشحناء والضغائن، حتى إذا نزلوا وتقابلوا على السرر، نزع الله ما في صدورهم في الدنيا من غل. وأخرج ابن جرير عن علي {ونزعنا ما في صدورهم من غل} قال: العداوة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن قتادة في قوله {ونزعنا ما في صدورهم من غل} قال: حدثنا أبو المتوكل الناجي، عن أبي سعيد الخدري. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : يخلص المؤمنون من النار فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هُذِّبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة: فوالذي نفسي بيده لأحدهم أهدى لمنزله في الجنة من منزله الذي كان في الدنيا"تفسير : قَالَ قَتَادةُ: وَكَانَ يُقَالُ: ما يُشَبَّهُ بِهِمْ إِلاَّ أَهْلُ جُمُعَةٍ حِينَ انْصَرَفُوا مِنْ جُمُعَتِهِمْ. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : يحبس أهل الجنة بعد ما يجوزون الصراط، حتى يؤخذ لبعضهم من بعض ظلاماتهم في الدنيا، ويدخلون الجنة وليس في قلوب بعضهم على بعض غل ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الكريم بن رشيد قال: ينتهي أهل الجنة إلى باب الجنة وهم يتلاحظون تلاحظ الغيران، فإذا دخلوها نزع الله ما في صدورهم من غل. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه، عن الحسن البصري قال: قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: فينا والله أهل بدر نزلت {ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين}. وأخرج ابن مردويه من طريق عبد الله بن مليل، عن علي في قوله {ونزعنا ما في صدورهم من غل} قال: نزلت في ثلاثة أحياء من العرب: في بني هاشم، وبني تميم، وبني عدي. وفي أبي بكر وفي عمر. وأخرج ابن أبي حاتم وابن عساكر عن كثير النواء قال: قلت لأبي جعفر إن فلاناً حدثني عن علي بن الحسين، إن هذه الآية نزلت في أبي بكر وعمر وعلي {ونزعنا ما في صدورهم من غل} قال: والله إنها لفيهم أنزلت. وفيمن تنزل إلا فيهم؟ قلت: وأي غل هو؟ قال: غل الجاهلية. إن بني تميم وبني عدي وبني هاشم، كان بينهم في الجاهلية. فلما أسلم هؤلاء القوم تحابّوا وأخذت أبا بكر الخاصرة، فجعل علي يسخن يده فيكوي بها خاصرة أبي بكر. فنزلت هذه الآية. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم من طرق، عن علي أنه قال لابن طلحة: إني أرجو أن أكون أنا وأبوك من الذين قال الله فيهم {ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين} فقال رجل من همدان: إن الله أعدل من ذلك. فصاح علي عليه صيحة تداعى لها القصر، وقال: فمن اذن إن لم نكن نحن أولئك؟. وأخرج سعيد بن منصور وابن مردويه عن علي قال: إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان والزبير وطلحة ممن قال الله {ونزعنا ما في صدورهم من غل}. وأخرج ابن مردويه من طريق مجاهد، عن ابن عباس في قوله {ونزعنا ما في صدورهم من غل ...} الآية. قال: نزلت في علي وطلحة والزبير. وأخرج الشيرازي في الألقاب وابن مردويه وابن عساكر من طريق الكلبي، عن أبي صالح عن ابن عباس {ونزعنا ما في صدورهم من غل} قال: نزلت في عشرة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف وعبدالله بن مسعود. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن أبي صالح موقوفاً عليه. وأخرج ابن مردويه من طريق النعمان بن بشير، عن علي {ونزعنا ما في صدورهم من غل} قال: ذاك عثمان وطلحة والزبير وأنا. وأخرج هنّاد وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله {على سرر متقابلين} قال: لا يرى بعضهم قفا بعض. وأخرج ابن المنذر وابن مردويه من طريق مجاهد، عن ابن عباس قال: أهل الجنة لا ينظر بعضهم في قفا بعض، ثم قرأ {متكئين عليها متقابلين}. وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني وأبو القاسم البغوي وابن مردويه وابن عساكر، عن زيد بن أبي أوفى قال: حديث : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلا هذه الآية {إخوانا على سرر متقابلين} "المتحابين في الله في الجنة ينظر بعضهم إلى بعض" ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله {لا يمسهم فيها نصب} قال: المشقة والأذى.
القشيري
تفسير : ولمَّا أبعده الحقُّ - سبحانه - عن معرفته، وأفرده باللعنة استنظره إلى يوم القيامة والبعث، فأجابه. وظَنَّ اللَّعينُ أنه حصل في الخير مقصوده، ولم يعلم أنه أراد بذلك تعذيبه عذاباً شديداً، فكأنه كان في الحقيقة مكراً - وإن كان في الحال في صورة إجابة السؤال بما يُشْبِهُ اللطفَ والبِرَّ. وبعض أهل الرجاء يقول: إن الحق - سبحانه - حينما يهين عدوَّه لا يَرُدُّ دعاءَه في الإمهال ولا يمنعه من الاستنظار؛ فالمؤمن - إذ أَمْرُهُ الاستغفارُ السؤالُ بوصفِ الافتقارِ - أَوْلَى ألا يقنظَ مِنْ رحمتهِ، لأنَّ إنظارَ اللعين زيادةُ شقاء له تحقيق عطاء.
اسماعيل حقي
تفسير : {قال} ابليس عليه ما يستحق {رب} [اى بروردكار] {فانظرنى} الفاء متعلقة بمحذوف دل عليه فاخرج منها فانك رجيم اى اذا جعلتنى رجيما فامهلنى واخرنى {الى يوم يبعثون} اى آدم وذريته للجزاء بعد فنائهم والبعث احياء الميت كالنشر واراد بذلك ان يجد لاغوائهم ويأخذ منهم ثاره وينجو من الموت اذ لا موت بعد يوم البعث فاجابه الى الاول دون الثانى كما قال تعالى {قال} الله تعالى
اطفيش
تفسير : {قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنَى} أخرنى أى إِن أخرجتنى وألزمتنى الرحم والعنة فانظرنى عن الموت {إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} نعت اليوم والرابط محذوف أى يبعثون فيه طلب أن لا يموت إِلى يوم البعث فتتسع له الفسحة فى الإِغواء وينجو من الموت لأَنه لا موت بعد البعث، فأَجابه الله جل جلاله إِلى اتساع الفسحة ويموت عند قيام الساعة لا إِلى أن لا يموت بما فى قوله.
اطفيش
تفسير : {قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِى} أَخرنى عن الموت والجزاءِ والتعطيل عن الإِغواءِ، والفاءُ عطفت أَنظرنى على كلام الله، أَو على محذوف، أى فعلت ذلك، أَو قضيت ذلك فأَنظرنى، عطف طلب على خبر ولا يقدر إِذ جعلتنى رجيماً ملعوناً فأَنظرنى؛ لأَن الجعل واقع متحقق لا مستقبل، ولا إِن جعلتنى رجيماً لأَنه لم يشك فى الجعل، وكذا تقول فى مثل ذلك {إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} يبعث الناس، فإِذا أُخر إلى يوم البعث لم يمت بعد فلم يصبه الموت كما أصاب الناس فلا يعذب، أو يستمر على الإِغواءِ بعد بعثهم أَيضاً، وهذا لجهله أَنه لا تكليف بعد البعث، ولا معصية بعده، وأَنه لا بد له من الموت، أَو علم ذلك ودعا بخلافه هذا طمعه فأَجابه الله عز وجل بقوله: {قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ} وهو وقت نفخة الموت فيموت كغيره ويبعثون بعد أربعين سنة بنفخة، ويجوز أن يكون يوم يبعثون هو الوقت المعلوم بأَن سمى وقت النفخ بالموت يوم بعث، وأَنه وما بعده وقت واحد، وعلى هذا فلم يرد أَنه يحيى أَبداً، ولا أنه يغوى الناس بعد البعث فعبر عنه بيوم الجزاءِ ويوم البعث، وبالمعلوم لوقوعه فى الكلامين يقول الله تعالى لملك الموت: جعلت فيك قوة أَهل الأرضين والسماوات السبع وأَلبستك أَثواب السخط فاذهب بغضبى وسطوتى مع سبعين ألف ملك امتلئوا غيظاً وغضبا مع كل واحد سلسلة من جهنم وغل إلى إبليس وانزعوا روحه الخبيثة بسبعين ألف كلاب، وناد ملكاً ليفتح أبواب جهنم ويبرز له بصورة لو أَبصرها أَهل السماوات والأَرض لماتوا، فيفعل ويقول: قف يا خبيث لأَذيقك موته الأولين والآخرين، فيهرب إلى المشرق وإلى المغرب وإلى جهة السماءِ، ويغوص فى البحر وفى الأرض، ويجد فى ذلك كله ملك الموت سابقاً له فيجىءُ موضع آدم وحواءَ فيقول: من أجلك صرت هكذا، ويحييهما الله - عز وجل - ليشاهدا عذابه، ويقال له: اسجد لآدم، فيقول: لم أَسجد له حياً فكيف أسجد له ميتاً، وقد جعلت له الأرض جمرة، وطعنته الملائِكة بالكلاليب.
الالوسي
تفسير : {قَالَ رَبّ فَأَنظِرْنِى} أمهلني وأخرني ولا تمتني، والفاء متعلقة بمحذوف مفهوم من الكلام أي إذ جعلتني رجيما فامهلني {إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ} أي آدم عليه السلام وذريته للجزاء وأراد بذلك أن يجد فسحة لإغوائهم ويأخذ منهم ثأره، قيل: ولينجوا من الموت إذ لا موت بعد البعث وهو المروي عن ابن عباس والسدي، وكأنه عليه اللعنة طلب تأخير موته لذلك ولم يكتف بما أشار إليه سبحانه في التغيى من التأخير لما أنه يمكن كون تأخير العقوبة كسائر من أخرت عقوباتهم إلى الآخرة من الكفرة.
ابن عاشور
تفسير : سؤاله النظِرة بعد إعلامه بأنه ملعون إلى يوم الدين فاض به خبث جبلته البالغ نهاية الخباثة التي لا يشفيها إلا دوام الإفساد في هذا العالم، فكانت هذه الرغبة مجلبة لدوام شقوته. ولما كانت اللعنة تستمر بعد انعدام الملعون إذا اشتهر بين الناس بسوء لم يكن توقيتها بالأبد مقيداً حياة الملعون، فلذلك لم يكن لإبليس غنى بقوله تعالى {إلى يوم الدين} عن أن يسأل الإبقاء إلى يوم الدين ليكون مصدر الشرور للنفوس قضاء لما جبل عليه من بثّ الخُبث؛ فكان بذلك حريصاً على دوامها بما يوجه إليه من اللّعنة، فسأل النظرة حباً للبقاء لما في البقاء من استمرار عمله. وخاطب الله بصفة الربوبية تخضّعاً وحثّاً على الإجابة، والفاء في {فأنظرني} فاء التفريع. فرع السؤال عن الإخراج. ووسّط النداء بين ذلك. وذُكرت هذه الحالة من أوصاف نفسيته بعثاً لكراهيته في نفوس البشر الذين يرون أن حق النفس الأبية أن تأنف من الحياة الذميمة المحقرة، وذلك شأن العرب، فإذا علموا هذا الحوص من حال إبليس أبغضوه واحتقروه فلم يرضوا بكل عمل ينسب إليه. والإنظار: الإمهال والتأخير. وتقدم في قوله: {أية : فنظرة إلى ميسرة} تفسير : في سورة البقرة (280). والمراد تأخير إماتته لأن الإنظار لا يكون للذات، فتعين أنه لبعض أحوالها وهو الموت بقرينة السياق. وعبر عن يوم الدين بـ {يوم يبعثون} تمهيداً لما عقد عليه العزم من إغواء البشر، فأراد الإنظار إلى آخر مدة وجود نوع الإنسان في الدنيا. وخلق الله فيه حب النظرة التي قدرها الله له وخلقه لأجلها وأجل آثارها ليحمل أوزار تبعة ذلك بسبب كسبه واختياره تلك الحالة، فإن ذلك الكسب والاختيار هو الذي يجعله ملائماً لما خلق له، كما أومأ إلى ذلك البيان النبوي بقوله: «حديث : كل ميسر لما خلق له»تفسير : . وضمير {يبعثون} للبشر المعلومين من تركيب خلق آدم ــــ عليه السلام ــــ، وأنه يكون له نسل ولا سيما حيث خلقت زوجه حينئذٍ فإن ذلك يقتضي أن يكون منهما نسل. وعبر عن يوم البعث بــــ {يوم الوقت المعلوم} تفنّناً تفادياً من إعادة اللفظ قضاء لحق حسن النظم، ولما فيه من التعليم بأن الله يعلم ذلك الأجل. فالمراد: المعلوم لدينا. ويجوز أن يراد المعلوم للناس أيضاً علماً إجمالياً. وفيه تعريض بأن من لم يؤمنوا بذلك اليوم من الناس لا يعبأ بهم فهم كالعدم. وهذا الإنظار رمز إلهي على أن ناموس الشر لا ينقضي من عالم الحياة الدنيا وأن نظامها قائم على التصارع بين الخير والشر والأخيار والأشرار، قال تعالى: {أية : بل نقذف بالحق على الباطل} تفسير : [سورة الأنبياء: 18] وقال: {أية : كذلك يضرب الله الحقّ والباطل} تفسير : [سورة الرعد: 17]. فلذلك لم يستغن نظام العالم عن إقامة قوانين العدل والصلاح وإيداعها إلى الكفاة لتنفيذها والذّود عنها. وعطفت مقولات هذه الأقوال بالفاء لأن كل قول منها أثاره الكلام الذي قبله فتفرّع عنه.
د. أسعد حومد
تفسير : (36) - وَلَمَّا تَحَقَّقَ إِبْلِيسُ مِنَ الغَضَبِ الذِي لاَ مَصرفَ لَهُ عَنْهُ، سَأَلَ الرَّبَّ الكَرِيمَ النَّظِرَةَ وَالإِمْهَالَ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَأَنْ يُؤَخِّرَ مَوْتَهُ إِلى ذلِكَ اليَوْمِ، وَذَلِكَ مِنْ شِدَّةِ حَسَدِهِ لآِدَمَ وَذُرِّيَتِهِ. أَنْظِرْنِي - أَمْهِلْنِي وَلاَ تُمِتْنِي.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وكأن إبليس بهذا القول أراد أن يُفْلِتَ من الموت، ولكن مثل هذا المَكْر لا يجوز على الله أو معه، فإذا كان إبليس قد أراد أنْ يظلَّ في الدنيا إلى يوم بَعْث البشر؛ فذلك دليلٌ على أمنيته بالهروب من الموت. ويقول الحق سبحانه رداً على دعاء إبليس: {قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):