١٥ - ٱلْحِجْر
15 - Al-Hijr (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
39
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي ٱلأَرْضِ} تقدّم معنى الإغواء والزينة في الأعراف. وتزيينه هنا يكون بوجهين: إما بفعل المعاصي، وإما بشغلهم بزينة الدنيا عن فعل الطاعة. ومعنى {وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} أي لأضلنهم عن طريق الهدى. وروى ابن لَهيعة عبدُ الله عن دُرّاج أبي السمح عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدريّ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن إبليس قال يا رب وعزتك وجلالك لا أزال أغوي بني آدم ما دامت أرواحهم في أجسامهم فقال الرب وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني».
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مخبراً عن إِبليس وتمرده وعتوه: أنه قال للرب: {بِمَآ أَغْوَيْتَنِى} قال بعضهم: أقسم بإِغواء الله له. (قلت): ويحتمل أنه بسبب ما أغويتني وأضللتني {لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ} أي: لذرية آدم عليه السلام {فِى ٱلأَرْضِ} أي: أحبب إليهم المعاصي، وأرغبهم فيها، وأؤزهم إليها، وأزعجهم إليها إزعاجاً، {وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} أي: كما أغويتني، وقدرت عليّ ذلك، { إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ} كقوله: {أية : أَرَءَيْتَكَ هَـٰذَا ٱلَّذِى كَرَّمْتَ عَلَىَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً} تفسير : [الإسراء: 62]، {قَالَ} الله تعالى له متهدداً ومتوعداً: {هَذَا صِرَٰطٌ عَلَىَّ مُسْتَقِيمٌ} أي: مرجعكم كلكم إليّ، فأجازيكم بأعمالكم، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر؛ كقوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ }. وقيل: طريق الحق مرجعها إلى الله تعالى، وإليه تنتهي، قاله مجاهد والحسن وقتادة: كقوله: {أية : وَعَلَى ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ} تفسير : [النحل: 9] وقرأ قيس بن عبادة ومحمد بن سيرين وقتادة: {هذا صِراط عَلِيٌّ مستقيمٌ}؛ كقوله: {أية : وَإِنَّهُ فِىۤ أُمِّ ٱلْكِتَـٰبِ لَدَيْنَا لَعَلِىٌّ حَكِيمٌ} تفسير : [الزخرف: 4] أي: رفيع، والمشهور القراءة الأولى. وقوله: {إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰنٌ} أي: الذين قدرت لهم الهداية، فلا سبيل لك عليهم، ولا وصول لك إليهم، {إِلاَّ مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ} استثناء منقطع. وقد أورد ابن جرير ههنا من حديث عبد الله بن المبارك عن عبد الله بن موهب: حدثنا يزيد بن قسيط قال: كانت الأنبياء يكون لهم مساجد خارجة من قراهم، فإذا أراد النبي أن يستنبىء ربه عن شيء، خرج إلى مسجده، فصلى ما كتب الله له، ثم سأله ما بدا له، فبينا نبي في مسجده، إِذ جاء عدو الله - يعني: إِبليس - حتى جلس بينه وبين القبلة، فقال النبي: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال: فردد ذلك ثلاث مرات، فقال عدو الله: أخبرني بأي شيء تنجو مني؟ فقال النبي: بل أخبرني بأي شيء تغلب ابن آدم مرتين؟ فأخذ كل واحد منهما على صاحبه، فقال النبي: إن الله تعالى يقول: { إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰنٌ إِلاَّ مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ}. قال عدو الله: قد سمعت هذا قبل أن تولد. قال النبي: ويقول الله: {أية : وَإِمَّا يَنَزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} تفسير : [الأعراف: 200]، وإني و الله ما أحسست بك قط إلا استعذت بالله منك. قال عدو الله: صدقت بهذا تنجو مني، فقال النبي: أخبرني بأي شيء تغلب ابن آدم؟ قال: آخذه عند الغضب والهوى. قوله: { وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ} أي: جهنم موعد جميع من اتبع إِبليس، كما قال عن القرآن {أية : وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ ٱلأَحْزَابِ فَٱلنَّارُ مَوْعِدُهُ} تفسير : [هود: 17]، ثم أخبر أن لجهنم سبعة أبواب {لِكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ} أي: قد كتب لكل باب منها جزء من أتباع إبليس يدخلونه لا محيد لهم عنه، أجارنا الله منها، وكل يدخل من باب بحسب عمله، ويستقر في درك بقدر عمله. قال إسماعيل بن علية وشعبة، كلاهما عن أبي هارون الغنوي عن حطان بن عبد الله: أنه قال: سمعت علي بن أبي طالب وهو يخطب قال: إن أبواب جهنم هكذا - قال أبو هارون - أطباقاً بعضها فوق بعض - وقال إسرائيل عن أبي إسحاق عن هبيرة بن يريم، عن علي رضي الله عنه قال: أبواب جهنم سبعة، بعضها فوق بعض، فيمتلىء الأول، ثم الثاني، ثم الثالث، حتى تمتلىء كلها. وقال عكرمة: سبعة أبواب سبعة أطباق، وقال ابن جريج: سبعة أبواب: أولها جنهم، ثم لظى، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم سقر، ثم الجحيم، ثم الهاوية. وروى الضحاك عن ابن عباس نحوه. وكذا روي عن الأعمش بنحوه أيضاً، وقال قتادة: { لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ} هي والله منازل بأعمالهم، رواهن ابن جرير. وقال جويبر عن الضحاك: { لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ} قال: باب لليهود، وباب للنصارى، وباب للصابئين، وباب للمجوس، وباب للذين أشركوا، وهم كفار العرب، وباب للمنافقين، وباب لأهل التوحيد، فأهل التوحيد يرجى لهم، ولا يرجى لأولئك أبداً. وقال الترمذي: حدثنا عبد بن حميد، حدثنا عثمان بن عمر عن مالك بن مغول عن جنيد عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لجهنم سبعة أبواب، باب منها لمن سل السيف على أمتي - أو قال -: على أمة محمد» تفسير : ثم قال: لا نعرفه إلا من حديث مالك بن مغول. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا عباس بن الوليد الخلال، حدثنا زيد - يعني: ابن يحيى - حدثنا سعيد بن بشير عن قتادة عن أبي نضرة عن سمرة بن جندب، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {لِكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ} قال: «حديث : إن من أهل النار من تأخذه النار إلى كعبيه، وإن منهم من تأخذه النار إلى حجزته، ومنهم من تأخذه النار إلى تراقيه، منازلهم بأعمالهم، فذلك قوله: {لِكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ}».
المحلي و السيوطي
تفسير : {قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِى } أي بإغوائك لي، والباء للقسم، وجوابه {لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِى ٱلأَرْضِ } المعاصي {وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ }.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل:{قال ربِّ بما أغوَيتني}فيه ثلاثة أوجه: أحدها: بما أضللتني، قاله ابن عباس. الثاني: بما خيبتني من رحمتك. الثالث: بما نسبتني إلى الإغواء. ويحتمل هذا من إبليس وجهين: أحدهما: أنه يقوله على وجه القسم وتقديره: وحق إغوائك لي. الثاني: أنه يقوله على وجه الجزاء، وتقديره لأجل إغوائك لي. {لأزينن لهم في الأرض} يحتمل وجهين: أحدهما: لأزينن لهم فعل المعاصي. الثاني: لأشغلنهم بزينة الدنيا عن فعل الطاعة. {ولأغوينهم أجمعين}أي لأضلنهم عن الهدى. {إلاّ عبادك منهم المخلصين}وهم الذين أخلصوا العبادة من فساد أو رياء حكى أبو ثمامة أن الحواريين سألوا عيسى عليه السلام عن المخلص للّه، فقال: الذي يعمل لله ولا يحب أن يحمده الناس. قوله عز وجل:{قال هذا صراطٌ عليَّ مستقيم}فيه أربعة تأويلات: أحدها: معناه هذا صراط يستقيم بصاحبه حتى يهجم به على الجنة، قاله عمر رضي الله عنه. الثاني: هذا صراط إليَّ مستقيم، قاله الحسن فتكون عليَّ بمعنى إليَّ. الثالث: أنه وعيد وتهديد، ومعناه أن طريقه إليَّ ومرجعه عليَّ، كقول القائل لمن يهدده ويوعده: عليَّ طريقك، قاله مجاهد. الرابع: معناه هذا صراط، عليّ استقامته بالبيان والبرهان. وقيل بالتوفيق والهداية. وقرأ الحسن وابن سيرين: {عليٌّ مستقيم}برفع الياء وتنوينها، ومعناه رفيع مستقيم، أي رفيع أن ينال، مستقيم أن يمال.
ابن عبد السلام
تفسير : {أَغْوَيْتَنِى} أضللتني "ع"، أو خيبتني من رحمتك، أو نسبتني إلى الإغواء.
ابو السعود
تفسير : {قَالَ رَبّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِى} الباء للقسم وما مصدريةٌ والجواب {لأزَيّنَنَّ لَهُمْ} أي أقسم بإغوائك إيايَ لأزينن لهم المعاصيَ {فِى ٱلأَرْضِ} أي في الدنيا التي هي دارُ الغرور كقوله تعالى: { أية : أَخْلَدَ إِلَى ٱلأَرْضِ} تفسير : [الأعراف: 176] وإقسامُه بعزة الله المفسَّرةِ بسلطانه وقهره لا ينافي إقسامَه بهذا، فإنه فرْعٌ من فروعها وأثرٌ من آثارها، فلعله أقسم بهما جميعاً فحُكي تارة قسمُه بهذا وأخرى بذاك، أو للسببـية، وقوله: لأزينن، جوابُ قسمٍ محذوف، والمعنى بسبب تسبُّبِك لإغوائي أقسم لأفعلن بهم مثلَ ما فعلت بـي من التسبـيب لإغوائهم بتزيـين المعاصي وتسويلِ الأباطيل، والمعتزلةُ أوّلوا الإغواءَ بالنسبة إلى الغيّ أو التسببب له لأمره إياه بالسجود لآدم عليه الصلاة والسلام، واعتذروا عن إمهال الله تعالى وتسليطِه له على إغواء بني آدم بأنه تعالى قد علِم منه وممن تبِعه أنهم يموتون على الكفر ويصيرون إلى النار، أُمهل أم لم يُمهَل، وأن في إمهاله تعويضاً لمن خالفه لاستحقاق مزيدِ الثواب {وَلأَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} لأحمِلنّهم على الغواية. {إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ} الذين أخلصتَهم لطاعتك وطهَّرتَهم من الشوائب، فلا يعملُ فيهم كيدي، وقرىء بكسر اللام، أي الذين أخلصوا نفوسَهم لله تعالى.
السلمي
تفسير : قوله عز وجل: {لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي ٱلأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ} [الآية: 39- 40]. قال أبو حفص: العبد المخلص من لا يخالف سيده ظاهرًا وباطنًا وسرًا وعلنًا. قال أبو عثمان: المخلص من العبيد هم الواقفون مع الله تعالى عند حدوده. قال رجل ليحيى بن معاذ: بماذا أكرم الله تعالى عباده المخلصين؟ قال: بالإيمان بالغيب والمشاهدة. سمعت أحمد بن على بن جعفر يقول: سمعت فارسًا يقول: قال ذو النون: أو سهل: الناس كلهم موتى إلا العلماء، والعلماء كلهم نيام إلا العاملون، والعاملون كلهم مغترون إلا المخلصين، والمخلصون على خطر عظيم. قال النصرآباذى: المخلص على خطر عظيم لأنه بإياه والمخلص جاوز حد الخطر لأنه بغيره لا به.
القشيري
تفسير : الباء في: {بِمَآ أَغْوَيْتَنِي} باء القَسَم، ولم يكن إغواؤه إياه مما يجب أن يُقْسِم به لولا فَرْطُ جَهْلِه. ثم هو في المعنى صحيح، لأنَّ الإغواء مما يتفرَّدُ بالحق بالقدرة عليه، ولا يشاركه فيه أحد، ولكن اللَّعِينَ لا يعرف الله الحقيقة، إذ لو عَرَفَه لم يدعُ إلى الضلال، لأنه لو قدر على إضلالِ غيره لاستبقى على الهدايةِ نَفْسَه. وعند أهل التحقيق إنه يقول جميع ذلك حَدْساً وهو لم يَعْرِفْ الله - على الحقيقة - قَطُّ.
اسماعيل حقي
تفسير : {قال} ابليس {رب} [اى برورد كار من] {يما اغويتنى} الباء للقسم وما مصدرية والجواب {لازينن لهم} اى اقسم باغوائك اياى لازينن لهم اى لذرية آدم المعاصى والشهوات واللذات فالمفعول محذوف. والاغواء [بى راه كردن] يقال غوى غواية ضل. والتزيين [بياراستن] {فى الارض} اى فى الدنيا التى هى دار الغرور كما فى قوله تعالى {أية : اخلد الى الارض} تفسير : لان الارض محل متاعها ودارها. وفى التبيان ازين لهم المقام فى الارض كى يطمئنوا اليها واقسامه بعزة الله المفسرة بسلطانه وقهره كما فى قوله {أية : فبعزتك} تفسير : لا ينافى اقسامه بهذا فانه فرع من فروعها واثر من آثارها فلعله اقسم بهما جميعا فحكى تارة قسمه بصفة فعله وهو الاغواء واخرى بصفة ذاته وهى العزة. قال الكاشفى [برخى برانندكه دربما اغويتنى باسبى است يعنى سبب آنكه مرا كمراه كردى من بيارايم معاصى رابجشم مردمان] وجعله سعدى المفتى اولى لان جعل الاغواء مقسما به غير متعارف اذ الايمان مبنية على العرف [هرجه بعرف مردمان أنرا سوكند توان كفت يمين است والالا]. يقول الفقير حفظه الله القدير سمعت من حضرة شيخى وسندى روح الله روحه ان آدم عليه السلام كاشف عن شأنه الذاتى فسلك طريق الادب حيث {أية : قال ربنا ظلمنا انفسنا} تفسير : واما ابليس فلم يكن له ذلك ولذلك قال {بما اغويتنى} حيث اسند الاغواء الى الله تعالى اذ تلك الغواية كانت ثابتة فى عينه العلمية وشأنه الغيبى فاقتضت الظهور فى هذا العالم فاظهرها الله تعالى ومن المحال ان يظهر الله تعالى ما ليس بثابت ولا مقدور وقولهم السعادة الازلية والعناية الرحمانية من طريق الادب والا فاحوال كل شئ تظهر لا محالة فاسمع واحفظ وصن: قال الحافظ شعر : بير ما كفت خطا برقلم صنع نرفت آفرين بر نظر باك خطا بوشش بود تفسير : {ولاغوينهم اجمعين} ولاحملنهم اجمعين على الغواية والضلالة
الطوسي
تفسير : لما أجاب الله تعالى إِبليس الى الانظار الى يوم الوقت المعلوم، قال عند ذلك يا رب {بما أغويتني} اي فيما خيبتني من رحمتك، لان الغي الخيبة قال الشاعر. شعر : فمن يلق خيراً يحمد الناس امره ومن يغو لا يعدم على الغي لائما تفسير : وقال قوم: معناه بما نسبتني الى الغي ذمّاً لي، وحكمت علي بالغي. وقال البلخي: معناه فيما كلفتني السجود لآدم الذي غويت عنده، فسمي ذلك غواية، كما قال {أية : فزادتهم رجساً إلى رجسهم}تفسير : لما ازدادوا عندها، على ان هذا حكاية قول إِبليس، ويجوز ان يكون اعتقد ان الله خلق فيه الغواية، فكفر بذلك، كما كفر بالامتناع من السجود. والباء في قوله {فبما أغويتني} قيل في معناها قولان: احدهما - ان معناها القسم؛ كقولك بالله لافعلن. والآخر - بخيبتي {لأغوينهم} كأنها سبب لاغوائهم، كقولك بمعصيته ليدخلنَّ النار، وبطاعته ليدخلن الجنة. والاغواء الدعاء الى الغي، والاغواء خلاف الارشاد، فهذا أصله، وقد يكون الاغواء بمعنى الحكم بالغي، على وجه الذم والتزيين جعل الشيء منقبلا في النفس من جهة الطبع والعقل، بحق ام بباطل. واغواء الشيطان تزيينه الباطل حتى يدخل صاحبه فيه، ويرى ان الحظ بالدخول فيه. و {لأغوينهم} اي أدعوهم الى ضد الرشاد، ثم أستثنى من جملتهم عباد الله المخلصين الذين أخلصوا عبادتهم لله وامتنعوا من اجابة الشيطان، في ارتكاب المعاصي، لأنه ليس للشيطان عليهم سبيل، كما قال تعالى {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان} يعنى عباد الله الذين فعلوا ما أمرهم به وانتهوا عما نهاهم عنه. ومن كسر اللام فلقوله {أية : وأخلصوا دينهم لله} تفسير : ومن فتحها أراد ان الله أخلصهم بأن وفقهم لذلك، ولطف لهم فيه.
الجنابذي
تفسير : {قَالَ} غيظاً {رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي} كما هو عادة اتباعه فانّهم اذا لم يجدوا ما طلبوا نسبوا التّقصير الى غيرهم بل الى سيّدهم {لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي ٱلأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ} قرئ بكسر اللاّم وفتحها.
اطفيش
تفسير : {قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِى} قال أبو عبيدة: وغيره الباء للقسم وما مصدرية وجواب القسم هو قوله، {لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ} المعاصى وحب الدنيا، {فِى الأَرْضِ} أى فى الدنيا وذكرها لأَنه حين الخطاب كان فى السماء أى أقسم بإِغوائك إِياى لأزينن وينعقد القسم باسم الله وصفته نحو والله لأقومن وبعزتك لأقعدن وفى انعقاد القسم بفعله خلاف فقيل ينعقد فتلزم الحانث كفارة مرسلة وقيل لا ينعقد فلا تلزم ويجوز أن تكون الباء سببية والقسم محذوف أى أقسم بسبب إِغوائك إِياى بك أو بعزتك لأزينن ويجوز أن يكون ذكر الأَرض للتعميم فى التزيين أى لأَضلن بتزيينى كل من على وجه الأَرض من الثقلين لكن لا يؤثر فى بعض، أو ذكرها إِشارة إِلى أنها دار الغرور كقوله تعالى أخلده إِلى الأَرض أى يوقع بهم التزيين فى الأَرض حتى يختاروها على الآخرة وإِشارة إِلى أنى قادر على التزيين لآدم فى الجنة وأنه على التزيين لهم فى الأرض أقدر ومعنى إِغواء الله إِياه خذلانه إِياه، ومن قال من المعتزلة: لأَن العبد خالق لأَفعاله وموجد لها يؤول الإِغواء بالنسبة إِلى الغى أو بالتسمية غاوياً أى بما نسبتنى إِلى الغى أو بما نسبتنى غاوياً كقولك أفسقته أى نسبته إِلى الفسق أو سميته فاسقاً أو بالتسبب له فى الغواية بأَمره إِياه بالسجود لآدم عليه السلام وتعتذر المعتزلة وبعض الناس عن إِمهال الله إِياه مع أنه سبب لزيادة غيه وإِغواء بنى آدم بأَن الله تعالى قد علم منه وممن تبعه أنهم يموتون على الكفر ويصيرون إِلى النار ولو لم يمهلهم وإِن فى إِمهاله تعريضاً بمن خالفه لاستحقاق مزيد الثواب، قلنا خالق أفعال العبد هو الله جل جلاله ولا خالق لشىء سواه وله أن يفعل ما يشاء من إِرشاد وإِضلال وغيرهما من سائر الأَفعال وكل ما فعل حكمة، وليس إِضلاله جوراً لأَنه ليس جبراً بل من ضل فقد اختار لنفسه الضلالة {وَلأُغْوِيَنَّهُمْ} ألقيهم فى الغواية بالوسوسة. {أَجْمِعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} أى الذين أخلصتهم أى اخترتهم لتوحيدك وعبادتك فلا أقدر على إِغوائهم ولو تسببت فى إِغوائهم جهدى، وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو بكسر اللام فى كل القرآن أى الذين أخلصوا أعمالهم لله أو نفوسهم له بأَن استعملوها فى العمل الصالح والاعتقاد الحسن. لا يسمى الفعل خالصاً إِلا إِذا كان تاماً لله وحده وأخطأَ من قال: إِنه إِن كان لله وغيره أثيب عليه أن ترجح جانبه الذى لله.
اطفيش
تفسير : {قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِى} ما مصدرية والباءُ للقسم أى فبإِغوائِك إياى، وجوابه قوله تعالى: {لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِى الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِين * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلِصِينَ} ومفعول اُزين محذوف للعموم تقديره لأُزينن لهم فى الأرض المعاصى وما يوصل إليها أو ينقصها أو يقللها، وفى الآية القسم بفعل الله وهو الإغواء، والحلف فى ذلك فقيل حائِز وهو الصحيح عندى، وقيل غير جائِز، فقيل ينعقد فتلزم الكفارة بالحنث وهو الصحيح عندى، وقيل: لا ينعقد فلا تلزم، وفى سورة ص القسم بالصفة وهى العزة إِذ قال: فبعزتك، وفى الأعراف بالفعل وهو الإغواءُ، والقصة واحدة، فإما أن يكون أقسم مرتين مرة بفعل الله وهو ما هنا وفى الأَعراف، وتارة بصفته وهو ما فى ص، وأَما أَن تجعل ما اسماً واقعاً علىالعزة وحذف الرابط المجرور ولو بلا وجود لشروط حذفه، فإن من النحاة من أجاز الحذف بدليل مطلقاً وأَجاز حمل الكلام عليه، والتقدير فبما أغويتنى بها مراعاة للمعنى أَو به مراعاة اللفظ كأَنه قيل: فبعزتك التى أغويتنى بها، وإما أن تجعل الباءَ سببية متعلقة بمحذوف أَى أَجتهد فى كيدهم لإغوائك إياى، والمعتزلة منعوا أَن يحدث الله الضلال، فأَولوا الإِغواء بالنسبة إلى الغى مثل تأْويل أن يغل بأَن ينسب إِلى الغلوب، أَو بكونه سببا لغيه، وذلك بأَمره بالسجود المترتب عليه الامتناع منه، ذهب بعض معتزلة البصرة إِلى وجوب الأَصلح فى الدين، أَى الأَنفع لعبده على الله وذلك مذهب الجبائِى، وقال بعض معتزلة البصرة كذلك إلا أن الأولين اعتبروا الأَنفع فى جانب علم الله عز وجل والأخرين لم يعتبروا ذلك وزعموا أن من علم الله منه الكفر على تقدير التكليف يجب عليه تعريضه للثواب بأَن لا يموت صغيرا أو كبيرا مجنونا من صغره إلى موته، وقالت معتزلة بغداد إِنه يجب على الله الأصلح فى الدين والدنيا معا بمعنى الأَوفق فى الحكمة والتدبير، وأَمهل إبليس ليزداد عذابا ويلتحق به متبعوه ويعظم الثواب لمن خالفهم، ولا واجب على الله، وقد علم إبليس أن فعل العبد منسوب إلى الله ومخلوق له، وذلك كالإِغواءِ هنا، وجهلته المعتزلة، والأَرض أرض الدنيا يُريد أَنى أغويهم فى الأرض كما أغويت أباهم فى الجنة، وأن له قوة، وأَراد بالأرض الحياة الدنيا، والهاءُ فى لهم للناس، ومعنى أغويتنى خذلتنى، ومعنى أُغوينهم أحملهم على الغواية بالوسوسة، والمخلصين من اختارهم الله بالهدى والسعادة فيؤمنوا، ولا يؤثر فيهم كيد إبليس، ولو لم يقل إلا عبادك لكان كاذبا، فقال له تحرز عن قبح الكذب لخبثه فى ذلك، لا لتقوى ولا لخوف.
الالوسي
تفسير : {قَالَ رَبّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِى} أي بسبب إغوائك إياي {لأزَيّنَنَّ} أي أقسم لأزينن {لَهُمْ} أي لذريته وهو مفهوم من السياق وإن لم يجر له ذكر، وقد جاء مصرحاً به في قوله تعالى حكاية عن اللعين أيضاً: {أية : لأَحْتَنِكَنَّ ذُرّيَّتَهُ } تفسير : [الإسراء: 62] ومفعول {أزينن} محذوف أي المعاصي {فِى ٱلأَرْضِ} أي هذا الجرم المدحو وكأن اللعين أشار بذلك إلى أني أقدر على الاحتيال لآدم والتزيين له الأكل من الشجرة في السماء فأنا على التزيين لذريته في الأرض أقدر، ويجوز أنه أراد بالأرض الدنيا لأنها محل متاعها ودارها، وذكر بعضهم أن هذا المعنى عرفي للأرض وأنها إنما ذكرت بهذا اللفظ تحقيراً لها، ولعل التقييد على ما قيل للإشارة إلى أن للتزيين محلاً يقوي قبوله أي لأزينن لهم المعاصي في الدنيا التي هي دار الغرور، وجوز أن يكون يراد بها هذا المعنى وينزل الفعل منزلة اللازم ثم يعدى بفي، وفي ذلك دلالة على أنها مستقر التزيين وأنه تمكن المظروف في ظرفه، ونحوه قول ذي الرمة:شعر : / فإن تعتذر بالمحل من ذي ضروعها إلى الضيف يجرح في عراقيبها نصلي تفسير : والمعنى لأحسنن الدنيا وأزيننها لهم حتى يشتغلوا بها عن الآخرة، وجوز جعل الباء للقسم و {مَا} مصدرية أيضاً أي أقسم بإغوائك إياي لأزينن، وإِقسامه بعزة الله تعالى المفسرة بسلطانه وقهره لا ينافي إِقسامه بهذا فإنه فرع من فروعها وأثر من آثارها فلعله أقسم بهما جميعاً فحكى تارة قسمه بهذا وأخرى بذاك، وزعم بعضهم أن السببية أولى لأنه وقع في مكان آخر {أية : فَبِعِزَّتِكَ } تفسير : [ص:82] والقصة واحدة والحمل على محاورتين لا موجب له ولأن القسم بالإِغواء غير متعارف انتهى. وفيه نظر ظاهر فإن قوله: {أية : فَبِعِزَّتِكَ } تفسير : [ص: 82] يحتمل القسمية أيضاً، وقد صرح الطيبـي بأن مذهب الشافعية أن القسم بالعزة والجلال يمين شرعاً فالآية على الزاعم لا له. نعم إن دعواه عدم تعارف القسم بالإغواء مسلمة وهو عندي يكفي لأولوية السببية ولعدم التعارف مع عدم الإشعار بالتعظيم لا يعد القسم بها يميناً شرعاً فإن القائلين بانعقاد القسم بصفة له تعالى يشترطون أن تشعر بتعظيم ويتعارف مثلها، وفي نسبة الإغواء إليه تعالى بلا إنكار منه سبحانه قول بأن الشر كالخير من الله عز وجل، وأول المعتزلة ذلك وقالوا: المراد النسبة إلى الغي كفسَّقته نسبته إلى الفسق لا فعلته أو أن المراد فعل به فعلاً حسناً أفضى به لخبثه إلى الغي حيث أمره سبحانه بالسجود فأبى واستكبر أو أضله عن طريق الجنة وترك هدايته واللطف به واعتذروا عن إنظار الله تعالى إياه مع أنه مفض إلى الإغواء القبيح بأنه تعالى قد علم منه وممن اتبعه أنهم يموتون على الكفر ويصيرون إلى النار أنظر أم لم ينظر وأن في إنظاره تعريضاً لمن خالفه لاستحقاق مزيد الثواب. وأنت تعلم أن في إنظار إبليس عليه اللعنة وتمكينه من الإغواء وتسليطه على أكثر بني آدم ما يأبى القول وجوب رعاية الأصلح المشهور عن المعتزلة، وأيضاً من زعم أن حكيماً أو غيره يحصر قوماً في دار ويرسل فيها النار العظيمة والأفاعي القاتلة الكثيرة ولم يرد أذى أحد من أولئك القوم بالإحراق أو اللسع فقد خرج عن الفطرة البشرية. فحينئذ الذي تحكم به الفطرة أن الله تعالى أراد بالإنظار إضلال بعض الناس فسبحانه من إله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. وتمسك بعض المعتزلة في تأويل ما تقدم بقوله: {وَلأغْوِيَنَّهُمْ} حيث أفاد أن الإغواء فعله فلا ينبغي أن ينسب إلى الله تعالى، وأجيب بأن المراد به هنا الحمل على الغواية لا إيجادها وتأويل اللاحق للسابق أولى من العكس، وبالجملة ضعف الاستدلال ظاهر فلا يصلح ذلك متمسكاً لهم {أَجْمَعِينَ} أي كلهم فهو لمجرد الإحاطة هنا.
ابن عاشور
تفسير : الباء في {بما أغويتني} للسببية، و (ما) موصولة، أي بسبب إغوائك إياي، أي بسبب أن خلقتني غاوياً فسأغوي الناس. واللام في {لأزينن} لام قسم محذوف مراد بها التأكيد، وهو القسم المصرح به في قوله: {أية : قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين} تفسير : [سورة ص: 82]. والتزيين: التحسين، أي جعل الشيء زينا، أي حسناً. وحذف مفعول {لأُزَينَنّ} لظهوره من المقام، أي لأزينن لهم الشر والسيئات فيرونها حسنة، وأزيّن لهم الإقبال على الملاذ التي تشغلهم عن الواجبات. وتقدم عند قوله تعالى: {أية : زين للذين كفروا الحياة الدنيا} تفسير : في سورة البقرة (212). والإغواء: جعلهم غاوين. والغّواية بفتح الغين: الضلال. والمعنى: ولأضلنّهم. وإغواء الناس كلهم هو أشد أحوال غاية المغوي إذ كانت غوايته متعدية إلى إيجاد غواية غيره. وبهذا يعلم أن قوله: {بما أغويتني} إشارة إلى غَواية يعلمها الله وهي التي جبله عليها، فلذلك اختير لحكايتها طريقة الموصولية، ويعلم أن كلام الشيطان هذا طفح بما في جبلّته، وليس هو تشفّياً أو إغاظة لأن العظمة الإلهية تصده عن ذلك. وزيادة {في الأرض} لأنها أول ما يخطر بباله عند خطور الغواية لاقتران الغواية بالنزول إلى الأرض الذي دلّ عليه قوله تعالى: {أية : فاخرج منها} تفسير : [سورة الحجر: 34]، أي اخرج من الجنة إلى الأرض كما جاء في الآية الأخرى قال: {أية : وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر} تفسير : [سورة البقرة: 36]، ولأن جعل التزيين في الأرض يفيد انتشاره في جميع ما على الأرض من الذوات وأحوالها. وضمائر: {لهم}، و{لأغوينهم} و{منهم}، لبني آدم، لأنه قد علم علماً ألقي في وجدانهِ بأن آدم ــــ عليه السلام ــــ ستكون له ذرية، أو اكتسب ذلك من أخبار العالم العلوي أيام كان من أهله وملئه. وجعل المُغْوَيْن هم الأصل، واستثنى منهم عباد الله المخلصين لأن عزيمته منصرفة إلى الإغواء، فهو الملحوظ ابتداء عنده، على أن المُغوَيْن هم الأكثر. وعكسه قوله تعالى: {أية : إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك} تفسير : [سورة الحجر: 42]. والاستثناء لا يُشعر بقلّة المستثنى بالنسبة للمستثنى منه ولا العكس. وقرىء {المخلصين} ــــ بفتح اللام ــــ لنافع وحمزة وعاصم والكسائي على معنى الذين أخلصتَهم وطهّرتهم. و ــــ بكسر اللام ــــ لابن كثير وابن عامر وأبي عَمرو، أي الذين أخلَصوا لك في العمل.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي} الآية. قال بعض العلماء هذا قسم من إبليس بإغواء الله له على أنه يغوي بني آدم إلا عباد الله المخلصين ويدل له أنه أقسم بعزته تعالى على ذلك في قوله {أية : قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ}تفسير : [ص: 82] الآية وقيل الباء في قوله {بِمَآ أَغْوَيْتَنِي} سببية. قوله تعالى: {لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي ٱلأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ}. ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن إبليس أخبر أنه سيبذل جهده في إضلال بني آدم حتى يضل أكثرهم وبين هذا المعنى في مواضع أخر كقوله: {أية : لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ}تفسير : [الأعراف: 16-17] وقوله: {أية : وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً} تفسير : [النساء: 118] الآية وقوله: {أية : قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَـٰذَا ٱلَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً} تفسير : [الإسراء: 62] وهذا قاله إبليس قبل أن يقع ظناً منه أنه يتمكن من إضلال أكثر بني آدم، وقد بين تعالى أنه صدق ظنه هذا بقوله {أية : وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَٱتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقاً مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ}تفسير : [سبأ: 20] وكل آية فيها ذكر إضلال إبليس لبني آدم بين فيها أن إبليس وجميع من تبعه كلهم في النار كما قال هنا {أية : وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَاب}تفسير : [الحجر: 43-44] الآية، وقال في الأعراف: {أية : قَالَ ٱخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُوماً مَّدْحُوراً لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ}تفسير : [الأعراف: 18] وقال في سورة بني إسرائيل: {أية : قَالَ ٱذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ جَزَاءً مَّوْفُوراً} تفسير : [الإسراء: 63] وقال في ص: {أية : قَالَ فَٱلْحَقُّ وَٱلْحَقَّ أَقُولُ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ}تفسير : [ص: 84-85].
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 39- قال إبليس المتمرد العاصى: يا خالقى الذى يبقينى، لقد أردت لى الضلال فوقعت فيه، وبسبب ذلك لأزينن لبنى آدم السوء، ولأعملن على ضلالهم أجمعين. 40- ولن ينجو من إضلالى إلا الذين أخلصوا لك من العباد، ولم أتمكن من الاستيلاء على نفوسهم لعمرانها بذكرك. 41- إن خلوص العباد الذين أخلصوا دينهم هو طريق مستقيم بحق علىَّ لا أتعداه، لأنى لا أستطيع إضلالهم. 42- قال اللَّه تعالى: إن عبادى الذين أخلصوا لى دينهم ليس لك قدرة على إضلالهم، لكن من اتبعك من الضالين الموغلين فى الضلال لك سلطان على نفوسهم. 43- وإن النار الشديدة العميقة هى ما يوعدون به أجمعين من عذاب أليم. 44- وليس للنار الشديدة باب واحد، بل لها أبواب سبعة لكثرة المستحقين لها، لكل باب طائفة مختصة به، ولكل طائفة مرتبة معلومة تتكافأ مع شرهم. 45- هذا جزاء الذين يتبعون الشيطان، أما الذين عجز الشيطان عن إغوائهم لأنهم يجعلون بينه وبين نفوسهم حجابا، فلهم حدائق عظيمة وعيون جارية. 46- يقول لهم ربهم: ادخلوا هذه الجنات باطمئنان آمنين فلا خوف عليكم، ولا تحزنون على أوقاتكم. 47- وإن أهل الإيمان يعيشون فى هذا النعيم طيبة نفوسهم، فقد أخرجنا ما فيها من حقد، فهم جميعاً يكونون إخوانا يجلسون على أسِرَّةٍ تتقابل وجوههم بالبشر والمحبة، ولا يتدابرون كل ينقب عما وراء الآخر.
د. أسعد حومد
تفسير : (39) - فَقَالَ إِبْلِيسُ لِلرَّبِ جَلَّ وَعَلا: رَبِّ بِسَبَبِ إِغْوَائِكَ إِيَّايَ، وَإِضْلاَلِكَ لِي لأُحَبِّبَنَّ لِذرِّيَةِ آدَمَ (لأَزَيِّنَنَّ لَهُمْ) المَعَاصِيَ، وَلأَرَغِّبَنَّهُمْ فِيهَا، وَلأُغْوِيَنَّهُمْ وَأُضِلَّنَّهُمْ جَمِيعاً، كَمَا أَغْوَيْتَنِي، وَقَدَّرْتَ ذَلِكَ عَلَيَّ. لأُغْوِيَنَّهُمْ - لأَحْمِلَنَّهُمْ عَلَى الغوَايَةِ وَالضَّلاَلِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وقول الشيطان: {رَبِّ ..} [الحجر: 39]. هو إقرار بالربوبية؛ ولكن هذا الإقرار متبوع بعد الاعتراف بأنه قد سبّب لنفسه الطَّرد واللعنة؛ فقد قال: {بِمَآ أَغْوَيْتَنِي ..} [الحجر: 39]. والحق سبحانه لم يُغوِه؛ بل أعطاه الاختيار الذي كان له به أن يؤمن ويطيع، أو يعصي ويُعاقب، فسبحانه قد مَكّن إبليس من الاختيار بين الفعل وعدم الفعل؛ فخالف إبليسُ أمرَ الله وعصاه. ويتابع إبليس: {لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي ٱلأَرْضِ ..} [الحجر: 39]. وفي هذا إيضاح أن كُلّ وسوسة للشيطان تقتصر فقط على الحياة المترفة. وفي الأشياء التي تُدمّر العافية، كمَنْ يشرب الخمر، أو يتناول المخدرات، أو يتجه إلى كل ما يُغضب الله بالانحراف. ولذلك نجد أن مَنْ يحيا بدخْلٍ يكفيه الضرورات؛ فهو يَأْمن على نفسه من الانحراف. ونقول أيضاً لمَنْ يحاولون أن يضبطوا موازينهم المالية: إن الاستقامة لا تُكلّف؛ ولن تتجه بك إلى الانحراف. وتزيين الشيطان لن يكون في الأمور الحلال؛ لأن كل الضرورات لم يُحرِّمها الحق سبحانه؛ بل يكون التزيين دائماً في غير الضرورات، ولذلك فالاستقامة عملية اقتصادية، تُوفّر على الإنسان مشقة التكلفة العالية لبعض من ألوان الانحرافات. ولذلك نجد المسرفين على أنفسهم يحسدون مَنْ هم على الاستقامة، ويحاولون أَخْذهم إلى طريق الانحراف؛ لأن كل منحرف إنما يلوم نفسه متسائلاً: لماذا أخيب وحدي؛ ولا يخيب معي مثل هذا المستقيم؟ وتمتلئ نفسه بالاحتقار لنفسه. وكذلك كان إبليس في حُمْق ردِّه على الله، ولكنه ينتبه إلى مكانته ومكانة ربه؛ أيدخل في معركة مع الله، أم مع أبناء آدم الذي خلقه سبحانه كخليفة ليعمر الأرض؟ لقد حدّد إبليس موقعه من الصراع، فقال: {أية : فَأَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ} تفسير : [الحجر: 36]. وهذا يعني أن مجالَ معركته مع الخَلْق لا مع الخالق؛ لذلك قال: {وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} [الحجر: 39]. وكلمة (أجمعين) تفيد الإحاطةَ لكل الأفراد، وهذا فوق قدرته بعد أنْ عرف مُقَامه من نفسه ومن ربه، فقال ما جاء به الحق سبحانه في الآية التالية: {إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):