١٥ - ٱلْحِجْر
15 - Al-Hijr (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
42
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن إبليس لما قال: {لأزَيّنَنَّ لَهُمْ فِى ٱلأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ } أوهم هذا الكلام أن له سلطاناً على عباد الله الذين يكونون من المخلصين، فبين تعالى في هذه الآية أنه ليس له سلطان على أحد من عبيد الله سواء كانوا مخلصين أو لم يكونوا مخلصين، بل من اتبع منهم إبليس باختياره صار متبعاً له، ولكن حصول تلك المتابعة أيضاً ليس لأجل أن إبليس يقهره على تلك المتابعة أو يجبره عليها والحاصل في هذا القول: أن إبليس أوهم أن له على بعض عباد الله سلطاناً، فبين تعالى كذبه فيه، وذكر أنه ليس له على أحد منهم سلطان ولا قدرة أصلاً، ونظير هذه الآية قوله تعالى حكاية عن إبليس أنه قال: { أية : وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مّن سُلْطَـٰنٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي } تفسير : [إبراهيم: 22] وقال تعالى في آية أخرى: { أية : إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَلَىٰ رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَـٰنُهُ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَٱلَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ } تفسير : [النحل: 99، 100] قال الجبائي: هذه الآية تدل على بطلان قول من زعم أن الشيطان والجن يمكنهم صرع الناس وإزالة عقولهم كما يقوله العامة، وربما نسبوا ذلك إلى السحرة قال وذلك خلاف ما نص الله تعالى عليه، وفي الآية قول آخر، وهو أن إبليس لما قال: { أية : إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ } تفسير : [الحجر: 40] فذكر أنه لا يقدر على إغواء المخلصين صدقه الله في هذا الاستثناء فقال: {إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰنٌ إِلاَّ مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ } فلهذا قال الكلبي: العباد المذكورون في هذه الآية هم الذين استثناهم إبليس. واعلم أن على القول الأول يمكن أن يكون قوله: {إِلاَّ مَنِ ٱتَّبَعَكَ } استثناء، لأن المعنى: أن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين فإن لك عليهم سلطاناً بسبب كونهم منقادين لك في الأمر والنهي. وأما على القول الثاني فيمتنع أن يكون استثناء، بل تكون لفظة (إلا) بمعنى لكن، وقوله: {إِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ } قال ابن عباس: يريد إبليس وأشياعه، ومن اتبعه من الغاوين. ثم قال تعالى: {لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ } وفيه قولان: القول الأول: إنها سبع طبقات: بعضها فوق البعض وتسمى تلك الطبقات بالدركات، ويدل على كونها كذلك قوله تعالى: { أية : إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِى ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ } تفسير : [النساء: 145]. والقول الثاني: إن قرار جهنم مقسوم سبعة أقسام: ولكل قسم باب، وعن ابن جريج: أولها: جهنم. ثم لظى. ثم الحطمة. ثم السعير. ثم سقر. ثم الجحيم. ثم الهاوية. قال الضحاك: الطبقة الأولى: فيها أهل التوحيد يعذبون على قدر أعمالهم ثم يخرجون. والثانية: لليهود. والثالثة: للنصارى. والرابعة: للصابئين. والخامسة: للمجوس. والسادسة: للمشركين. والسابعة: للمنافقين. وقوله: {لِكُلّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قرأ عاصم في رواية أبي بكر: {جُزْءٌ مَّقْسُومٌ } والباقون (جز) بتخفيف الزاي. وقرأ الزهري: (جز) بالتشديد، كأنه حذف الهمزة وألقى حركتها على الزاي، كقولك: خب في خبء، ثم وقف عليه بالتشديد. المسألة الثانية: الجزء بعض الشيء، والجمع الأجزاء، وجزأته جعلته أجزاء. والمعنى: أنه تعالى يجزي أتباع إبليس إجزاء، بمعنى أنه يجعلهم أقساماً وفرقاً، ويدخل في كل قسم من أقسام جهنم طائفة من هؤلاء الطوائف. والسبب فيه أن مراتب الكفر مختلفة بالغلظ والخفة، فلا جرم صارت مراتب العذاب والعقاب مختلفة بالغلظ والخفة، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} قال العلماء: يعني على قلوبهم. وقال ٱبن عُيينة: أي في أن يلقيهم في ذنب يمنعهم عفوي ويضيّقه عليهم. وهؤلاء الذين هداهم الله واجتباهم واختارهم واصطفاهم. قلت: لعل قائلاً يقول: قد أخبر الله عن صفة آدم وحواء عليهما السلام بقوله: {أية : فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَانُ} تفسير : [البقرة: 36]، وعن جملة من أصحاب نبيّه بقوله: {أية : إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ} تفسير : [آل عمران: 155] فالجواب ما ذكر، وهو أنه ليس له سلطان على قلوبهم، ولا موضع إيمانهم، ولا يلقيهم في ذنب يؤول إلى عدم القبول، بل تزيله التوبة وتمحوه الأوْبة. ولم يكن خروج آدم عقوبة لما تناول؛ على ما تقدّم في «البقرة» بيانه. وأما أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم فقد مضى القول عنهم في آل عمران. ثم إن قوله سبحانه: «ليس لك عليهِم سلطان» يحتمل أن يكون خاصاً فيمن حفظه الله، ويحتمل أن يكون في أكثر الأوقات والأحوال، وقد يكون في تسلطه تفريج كربة وإزالة غمة؛ كما فُعل ببلال، إذ أتاه يهدّيه كما يهدّى الصبيّ حتى نام، ونام النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه فلم يستيقظوا حتى طلعت الشمس، وفزعوا وقالوا: ما كفارة ما صنعنا بتفريطنا في صلاتِنا؟ فقال لهم النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : ليس في النوم تفريط» تفسير : ففرّج عنهم. {إِلاَّ مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ} أي الضالين المشركين. أي سلطانه على هؤلاء؛ دليله {أية : إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَٱلَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ} تفسير : [النحل: 100]. الثانية: وهذه الآية والتي قبلها دليل على جواز ٱستثناء القليل من الكثير والكثير من القليل؛ مثل أن يقول: عشرة إلا درهماً. أو يقول: عشرة إلا تسعة. وقال أحمد بن حنبل: لا يجوز أن يستثني إلا قدر النصف فما دونه. وأما ٱستثناء الأكثر من الجملة فلا يصح. ودليلنا هذه الآية؛ فإن فيها استثناء «الغاوين» من العباد والعباد من الغاوين، وذلك يدل على أن استثناء الأقل من الجملة واستثناء الأكثر من الجملة جائز.
المحلي و السيوطي
تفسير : وهو {إِنَّ عِبَادِى } أي المؤمنين {لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَٰنٌ } قوّة {إِلاَّ } لكن {مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ } الكافرين.
الخازن
تفسير : {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان} أي قوة وقدرة وذلك أن إبليس لما قال: لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين، أوهم بهذا الكلام أن له سلطاناً على غير المخلصين فبين الله سبحانه وتعالى، أنه ليس له سلطان على أحد من عبيده سواء كان من المخلصين، أو لم يكن من المخلصين. قال أهل المعاني: ليس لك عليهم سلطان على قلوبهم، وسئل سفيان بن عيينة عن هذه الآية فقال: معناه ليس لك عليهم سلطان أن تلقيهم في ذنب يضيق عنه عفوي، وهؤلاء خاصته أي الذين هداهم، واجتباهم من عباده {إلا من اتبعك من الغاوين} يعني إلا من اتبع إبليس من الغاوين، فإن له عليهم سلطاناً بسبب كونهم منقادين له فيما يأمرهم به {وإن جهنم لموعدهم أجمعين} يعني موعد إبليس وأتباعه وأشياعه {لها} يعني لجهنم {سبعة أبواب} يعني سبع طبقات. قال علي بن أبي طالب: تدرون كيف أبواب جهنم هكذا ووضع إحدى يديه على الأخرى أي سبعة أبواب بعضها فوق بعض. قال ابن جريج: النار سبع دركات أولها جهنم، ثم لظى، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم سقر، ثم الجحيم، ثم الهاوية {لكل باب منهم جزء مقسوم} يعني لكل دركة قوم يسكنونها والجزء بعض الشيء, وجزأته جعلته أجزاء، والمعنى أن الله سبحانه وتعالى يجزىء أتباع إبليس سبعة أجزاء فيدخل كل قسم منهم في النار دركة من النار والسبب فيه أن مراتب الكفر مختلفة فلذلك اختلفت مراتبهم في النار، قال الضحاك: في الدركة الأولى أهل التوحيد الذين أدخلوا النار يعذبون فيها بقدر ذنوبهم ثم يخرجون منها، وفي الثانية النصارى، وفي الثالثة اليهود، وفي الرابعة الصابئون، وفي الخامسة المجوس، وفي السادسة أهل الشرك، وفي السابعة المنافقون فذلك، قوله سبحانه وتعالى {أية : إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار}تفسير : [النساء: 145] عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : لجهنم سبعة أبواب باب منها لمن سل السيف على أمتي أو قال على أمة محمد صلى الله عليه وسلم"تفسير : أخرجه الترمذي. وقال: حديث غريب قوله سبحانه وتعالى {إن المتقين في جنات وعيون} المراد بالمتقين الذين اتقوا الشرك في قول جمهور المفسرين وقيل: هم الذين اتقوا الشرك والمعاصي والجنات والبساتين والعيون والأنهار الجارية في الجنات، وقيل: يحتمل أن تكون هذه العيون غير الأنهار الكبار التي في الجنة، وعلى هذا فهل يختص كل واحد من أهل الجنة بعيون أو تجري هذه العيون من بعضهم إلى بعض؟ وكلا الأمرين محتمل فيحتمل أن كل واحد من أهل الجنة يختص بعيون تجري في جناته, وقصوره ودوره فينتفع بها هو ومن يختص به من حوره وولدانه، ويحتمل أنها تجري من جنات بعضهم إلى جنات بعض لأنهم قد طهروا من الحسد والحقد.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} [الآية: 42]. قال بعضهم: عبادى الذين أوصلتهم إلى قربى من غير كلفة ولا سابقة أفنيتهم عن صفاتهم وزينتهم بإظهار صفاتى عليهم فهم مع الخلق بالهياكل، ومعى بالأرواح والسرائر لا عليهم من الخلق أثر، ولا لهم مما هم فيه خبر أولئك هم عبادى حقًا ليس لهم مطلب سواى ولا مرجع إلا إلى هم هم لا بإياهم بل أنا أنا ولا هم هم، فلا صفة لهم، ولا أخبار عنهم لفنائهم عنهم، وبقائهم بى.
القشيري
تفسير : السلطان الحجة، وهي لله على خَلْقه، وليس للعدوِّ حجة على مخلوق، إذ لا تَتَعدَّى مقدرتُه محلَّه، فلا تَسلَّطَ - في الحقيقة - لمخلوق بالتأثير فيه. {إِنَّ عِبَادِي}: إذا سمى الله واحداً عبداً فهو من جملة الخواص، فإذا أضافه إلى نفسه فهو خاص الخاص، وهم الذين محاهم عن شواهدهم، وحفظهم وصانهم عن أسباب التفرقة وجرَّدهم عن حَوْلهم وقُوَّتِهم، وكان النائبَ عنهم في جميع تصرفاتهم وحالاتهم، وحفظ عليهم آدابَ الشرع، وألبَسُهم صِدارَ الاختيار في أوان أداء التكليف، وأخذهم عنهم باستهلاكهم في شهوده، واستغراقهم في وجوده.. فأيُّ سبيلٍ للشيطان إليهم؟ وأي يدٍ للعدو عليهم؟ ومَنْ أشهدِ الحقُّ حقائقَ التوحيد، ورأى العالَمَ مُصَرَّفاً في قبضة التقدير، ولم يكن نهباً للأغيار.. فمتى يكون لِلَّعين عليه تسلط، وفي معناه قالوا: شعر : جحودي فيك تقديـسُ وعقلي فيك تهويـسُ فـــمـــن آدم إلاَّكَ ومَـنْ في البيـت إبليـسُ
اسماعيل حقي
تفسير : {ان عبادى} وهم المشار اليهم بالمخلصين الجديرون بالاضافة الى جنابه تعالى لخلوصهم فى الايمان وسلامتهم من اضافة الوجوج الى انفسهم وحريتهم عما سوى الله تعالى {ليس لك عليهم} على قلوبهم {سلطان} تسلط وتصرف بالاغواء. قال فى الاسئلة قيل للشيطان ما حالك مع ابى مدين قال كمثل رجل يبول فى البحر المحيط يريد ان يلوثه هل اسفه منه او كمثل رجل يريد ان يطفئ انوار الشمس بنفسه هل ترى اجهل منه. وقيل لبعضهم كيف مجاهدتك للشيطان قال ما الشيطان نحن قوم صرفنا هممنا الى الله تعالى فكفانا من دونه وفى معناه انشد شعر : تسترت عن دهرى بظل جنابه فعينى ترى دهرى وليس يرانا فلو تسأل الايام ما اسمى ما درت واين مكانى ما عرفن مكانيا تفسير : {الا من اتبعك من الغاوين} [مكر آنكس كه متابعت تو كند از كمراهان كه توبدو مسلط توانى شد]. وفيه اشراة الى ان اغواءه للغاوين ليس بطريق السلطان بمعنى القهر والجبر بل بطريق اتباعهم له بسوء اختيارهم فيتسلط عليهم بالوسوسة والتزيين. فان قلت ان الله تعالى لم يمنع ابليس عن النبى صلى الله عليه وسلم. قلت سلطه عليه ثم عصمه منه ولذا اسلم شيطانه على يديه واخذه مرة وجعل رداءه فى عنقه حتى استعاذ منه فهو كمثل الفراش يريد ان يطفئ نور السراج فيحرق نفسه. قال على رضى الله عنه الفرق بين صلاتنا وصلاة اهل الكتاب وسوسة الشيطان لانه فرغ من عمل الكفار لانهم وافقوه يقول اذا كفر احد انى بريئ منك والمؤمن يخالفه والمحاربة تكون مع المخالفة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ان الشيطان يوسوس لكم ما لو تكلمتم به لكفرتم فعليكم بقراءة قل هو الله احد " تفسير : قال حضرة شيخى وسندى روح الله روحه {أية : وعباد الرحمن} تفسير : العلماء الصلحاء {أية : الذين يمشون على الارض هونا واذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما} تفسير : وهم الذين قال الله تعالى فى حقهم {ان عبادى ليس لك عليهم سلطان} والعلماء الفسقاء الجهلاء الذين يمشون على الارض كبرا وتعظما واذا خاطبهم العالمون قالوا كلاما شنيعا وملاما قبيحا وهم الذين قال الله فى حقهم {الا من اتبعك من الغاوين} فاتقوا الله يا اولى الالباب من العلم الخبيث الذى مال اليه الخبيثون اذ الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات واطلبوا يا ذوى القلوب العلم الطيب الذى قصد اليه الطيبون اذ الطيبات للطيبين والطيبون للطيبات اولئك هم الراشدون المهديون لعلكم تفلحون فى الدنيا والآخرة بالعلم النافع والعمل الصالح وانفع جميع العلوم النافعة هو العلم الالهى الحاصل بالتجلى الالهى والفيض الرحمانى والالهام الربانى المؤيد بالكتاب الالهى والحديث النبوى ولا يحصل ذلك العلم بهذا التجلى والفيض والالهام الا عند اصلاح الطبيعة بالشريعة وتزكية النفس بالطريقة وتخلية القلب وتحلية الفؤاد بالمعرفة وتجلية الروح وتصفية السر بالحقيقة باكمل التوحيد واشمل التجريد وافضل التفريد من جميع ما سوى الله حتى لا يبقى فى الطلب والقصد والتوجه والمحبة شئ مما سواه من السلفات الفانية ففروا الى الله من جميع ما سوى الله سبق المفردون السابقون السابقون اولئك المقربون انتهى كلام الشيخ فى اللائحات البرقيات: قال الجامى شعر : از عالم صورت كه همه نقش خيالست ره سوى حقيقت نبرى درجه خيالى
ابن عجيبة
تفسير : قلت: (إلا من اتبعك): يحتمل ان يكون منقطعاً، ويريد بالعباد: الخصوص من أهل الإيمان والإخلاص، أي إن عبادي المخلَصين لا تسلط لك عليهم، لكن من اتبعك من الغاوين فهو من حزبك. ويحتمل الاتصال، ويريد بالعباد جيمع الناس، أي: إن عبادي كلهم ليس لك عليهم سلطان، إلا من اتبعك من أهل الغواية. فإنك تتسلط عليه بالوسوسة والتزيين والتحريض فقط، فيتبعك؛ لقوله يوم القيامة: {أية : وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي} تفسير : [إبراهيم: 22]. وعلى الاتصال يكون المستثنى منه أكثر من المستثنى، وإلا تناقض مع قوله: {لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين}. قال أبو المعالي: كون المستثنى أكثر من المستثنى منه ليس معروفاً في كلام العرب. انظر ابن عطية والبيضاوي. و{منهم}: حال من جزء مقدم، أي: لكل باب جزء حاصلٌ منهم مقسوم، أو من المستكن في الظرف لا من مقسوم، لأن الصفة لا تعمل فيما تقدم موصوفها. و {إخواناً}: حال من الضمير المضاف إليه؛ لأنه جزء ما أضيف إليه، والعامل فيه: الاستقرار، أو معنى الإضافة، وكذا: {على سُرُر متقابلين}، ويجوز أن يكون صفتين لإخوان، أو حالين من ضميره. يقول الحق جل جلاله: {إنَّ عبادي} المتحققين بالعبودية لي، المخلصين في أعمالهم، {ليس لك} يا إبليس {عليهم سلطانٌ} أي: غلبة وتسلط بالغواية والإضلال، {إلا من اتبعك من الغاوين} الذين سبقت لهم الغواية، وتنكبتهم العناية. {وإنَّ جهنم لموعدهم}: لموضع إبعاد الغاوين أو المتبعين لك {أجمعين}، {لها سبعة أبواب} يدخلون فيها لكثرتهم، أو طبقات ينزلونها بحسب مراتبهم في المتابعة، وفي كل طبقة باب يسلك منه إليها، فأعلاها: جهنم، وهي للمذنبين من الموحدين، ثم لظى لليهود، ثم الحُطمة للنصارى، ثم السعير للصابئين، ثم سقر للمجوس، ثم الجحيم للمشركين، وكبيرهم أبو جهل، ثم الهاوية، وهي الدرك الأسفل، للمنافقين، وعبَّر في الآية عن النار؛ جملة، بجهنم؛ إذ هي أشهر منازلها وأولها، وهو موضع العصاة الذين لا يخلدون، ولهذا رُوي أن جهنم تخرب وتبلى، يعني: حين يخرج العصاة منها. وقيل: أبواب الطبقات السبع كلها من جهنم، ثم ينزل من كل باب إلى طبقته التي تفضى إليه. قاله ابن عطية. قال البيضاوي: ولعل تخصيص العدد بالسبعة، لانحصار مجامع المهلكات في الركون إلى المحسوسات، ومتابعة القوة الشهوية والغضبية. هـ. فالقوة الشهوية محلها ست وهي: السمع والبصر والشم واللسان والبطن والفرج. والقوة الغضبية في البطش باليد والرجل، فالمعاصي المهلكات جلها من هذه السبع، ومَلِكها القلب، إذا صلح صلحت، وإذا فسد فسدت. كما في الحديث ثم قال البيضاوي: أو لأن أهلها فرق سبع هـ يعني الفرق التي تقدمت للطبقات، قال تعالى: {لكل بابٍ منهم} أي: من الأتباع {جُزْءٌ مَقْسومٌ} أفرد له، لا يدخل إلا منه، ولا يسكن إلا في طبقته. وقد تقدم أهل كل طبقة، من عصاة الموحدين إلى المنافقين. ثم شفع بضدهم، على عادته سبحانه وتعالى في كتابه، فقال: {إنَّ المتقين} للكفر والفواحش، أو لمتابعة إبليس، {في جنات وعيون}، لكل واحد جنة وعين، أو لكل واحد جنات وعيون، يقال لهم عند دخولهم: {ادخلُوها}، وقرأ رويس عن يعقوب: "أدخلُوها"؛ بضم الهمزة وكسر الخاء، على البناء للمفعول، فلا يكسر حينئذٍ التنوين، أي: تقول الملائكة لهم: ادخلوها، أو قد أدخلهم الله إياها. {بسلام} أي: سالمين من المكاره والآلام، أو مسلماً عليكم بالتحية والإكرام، {آمنين} من الآفة والزوال. {وَنَزَعْنا ما في صُدُورهم من غلٍّ} أي: من حقد وعداوة كانت في الدنيا، وعن علي رضي الله عنه: (أرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير منهم)، أو من التحاسد على درجات ومراتبِ القُرْبِ. قلت: أما التحاسد على مراتب القرب فلا يكون؛ لاستغناء كل أحد بما لديه، وأما التأسف والندم على فوات ذلك بالتفريط في الدنيا فيحصل، ففي الحديث: "حديث : ليس يَتَحَسَّرُ أهْلُ الجَنَّةِ على شيء إلاَّ على سَاعَةٍ مَرَّتْ لهم لَمْ يَذْكُرُوا الله فيهَا"تفسير : . ولا يحصل التحسر حتى يرى ما فاته باعتبار وقوفه. قال ابن عطية: ذكر هنا نزع الغل من قلوب أهل الجنة، ولم يذكر له موطناً، وجاء في بعض الحديث أن ذلك على الصراط، وجاء في بعضها: أن ذلك على أبواب الجنة، وفي بعضها: ان الغل يبقى على أبوابها كمعاطن الإبل. ثم قال: وجاء في بعض الأحاديث: أن نزع الغل إنما يكون بعد استقراهم في الجنة. والذي يقال في هذا: أن الله ينزعه في موطن من قوم وفي موطن من آخرين. هـ. قلت: والذي جاء في الأحاديث الواردة في أخبار الآخرة: ان أهل الجنة، إذا قربوا منها وجدوا على بابها عينين، فيغتسلون في إحداهما، فتنقلب إجسادهم على صورة آدم عليه السلام، ثم يشربون من الأخرى فتطهر قلوبهم من الغل والحسد، وسائر الأمراض، وهو الشراب الطهور. قاله القشيري في قوله تعالى: {أية : وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً} تفسير : [الإنسان: 21]: يقال: يُطَهَّرُهم من محبة الأغيار، ويقالُ: ويُطَهَّرُهم من الغلِّ والغِشِّ والدَّعوى... الخ ما ياتي إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم، وسترى وتعلم. ثم قال تعالى: {إخواناً}، أي: لما نزعنا ما في صدورهم من الغل صاروا إخواناً متوددين، لا تباغض بينهم ولا تحاسد، {على سُرُرٍ متقابلين}؛ يقابل بعضهم بعضاً على الأسرة، لا ينظر أحد في فناء صاحبه. وقال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي: المتجه أن المقابلة معنوية، وهي عدم إضمار الغل والإعراض، سواء اتفق ذلك حسّاً أم لا، ومن أضمر لأخيه غلاً فليس بمقابله، ولو كان وجهه إلى وجهه، بل ذلك أخلاقُ نفاقٍ، ولذلك شواهد بذمه لا بمدحه. هـ. {لا يَمسُّهم فيها نَصَبٌ} أي: تعب، {وما هم منها بمخْرَجين}، لأن تمام النعمة لا يكون إلا بالخلود والدوام فيها. أكرمنا الله بتمام نعمته، ودوام النظر إلى وجهه آمين. الإشارة: لا ينقطع عن العبد تسلط الشيطان حتى يدخل مقام الشهود والعيان، حين يكون عبداً خالصاً لله، حراً مما سواه، وذلك حين ينخرط في سلك القوم، ويزول عنه لوث الحدوث والعدم، فيفنى من لم يكن، ويبقى من لم يزل، وذلك بتحقيق مقام الفناء، ثم الرجوع إلى مقام البقاء. قال الشيخ أبو المواهب رضي الله عنه: من رجع إلى البقاء أمن من الشقاء؛ وذلك أن العبد حين يتصل بنور الله، ويصير نوراً من أنواره، يحترق به الباطل ويدمغ، فلا سبيل للأغيار عليه. ولذلك قال بعضهم: نحن قوم لا نعرف الشيطان، فقال له القائل: فكيف، وهو مذكور في كتاب الله تعالى، قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوّاً} تفسير : [فاطر: 6]؟. فقال: نحن قوم اشتغلنا بمحبة الحبيب، فكفانا عداوة العدو. وحين يتحقق العبد بهذا المقام ينخرط في سلك قوله تعالى: {إن المتقين في جنات وعيون ادخلوها بسلام آمنين ونزعنا ما في صدورهم من غل..} الآية، وهذا لا ينال إلا بالخضوع لأهل النور، حتى يوصلوه إلى نور النور، فيصير قطعة من نور غريقاً في بحر النور. ومع هذا لا ينقطع عنه الخوف والرجاء
الجنابذي
تفسير : {إِنَّ عِبَادِي..} ممّن هو مثلك فى الغواية والضّلالة الذّاتيّة التّكوينيّة.
اطفيش
تفسير : {إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} قوة تجبرهم بها على الغواية {إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} استثناء منقطع لأَنه لا قوة له يجبر بها أحداً على الغواية أى لكن من اتبعك من الغاوين فقد تبعك باختياره لوسوستك له فيعذب كما تعذب فهذا تكذيب له فيما أوهمه أن له سلطانا على غير مخلصين ويجوز أن يكون الاستثناء متصلا على أن يكون معنى السلطان القوة بتأْثير الوسوسة فقط فيكون ذلك تصديقاً له فى قوله إِلا عبادك منهم المخلصين وأصل هذا الكلام على هذا لا تأثير لإغوائك فى عبادى المخلصين وعدل عن هذا إِلى قوله: {إِن عبادى ليس لك عليهم}.. الخ لتعظيم المخلصين وإِقناط الشيطان منهم ولا دليل فى الآية على جواز استثناء الأَكثر ولو كان الأَكثر الغاوين وهم تسعمائة وتسعة وتسعون من كل ألف والأَقل الناجون وهم الواحد من كل ألف لاحتمال كون الاستثناء منقطعاً على كيفية المذكورة أولا أو على كيفيه أخرى مثل أن يراد بعبادى العباد المخلصين.
الالوسي
تفسير : {إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰنٌ} أي تسلط وتصرف بالإغواء والمراد بالعباد المشار إليهم بالمخلصين فالإضافة للعهد، والاستثناء على هذا في قوله تعالى: {إِلاَّ مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ } منقطع واختار ذلك غير واحد، واستدل عليه بسقوط الاستثناء في الإسراء، وجوز أن يكون المراد بالعباد العموم والاستثناء متصل والكلام كالتقرير لقوله: {أية : إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ } تفسير : [الحجر: 40] ولذا لم يعطف على ما قبله، وتغيير الوضع لتعظيم المخلصين بجعلهم هم الباقين بعد الاستثناء. وفي الآية دليل لمن جوز استثناء الأكثر وإلى ذلك ذهب أبو عبيد والسيرافي وأكثر الكوفية، واختاره ابن خروف والشلوبين وابن مالك، وأجاز هؤلاء أيضاً استثناء النصف، وذهب بعض البصرية إلى أنه لا يجوز كون المستثنى قدر نصف المستثنى منه أو أكثر ويتعين كونه أقل من النصف واختاره ابن عصفور والآمدي وإليه ذهب أبو بكر الباقلاني من الأصوليين، وذهب البعض الآخر من علماء البلدين إلى أنه يجوز أن يكون المخرج النصف فما دونه ولا يجوز أن يكون أكثر وإليه ذهب الحنابلة، واتفق النحويون كما قال أبوحيان وكذا الأصوليون عند الإمام والآمدي خلافاً لما اقتضاه نقل القرافي عن "المدخل" لابن طلحة على أنه لا يجوز أن يكون المستثنى مستغرقاً للمستثنى منه، ومن الغريب نقل ابن مالك عن الفراء جواز له على الف إلا ألفين، وقيل: إن كان المستثنى منه عدداً صريحاً يمتنع فيه النصف والأكثر وإن كان غير صريح لا يمتنعان، وتحقيق هذه المسألة في الأصول، والمذكور في بعض كتب العربية عن أبـي حيان أنه قال: المستقرأ من كلام العرب إنما هو استثناء الأقل وجميع ما استدل به على خلافه محتمل التأويل؛ وأنت تعلم أن الآية تدفع مع ما تقدم/ قول من شرط الأقل لما يلزم عليه من الفساد لأن استثناء الغاوين هنا يستلزم على ذلك أن يكونوا أقل من المخلصين الذين هم الباقون بعد الاستثناء من جنس العباد، واستثناء {أية : ٱلْمُخْلَصِينَ} تفسير : [الحجر: 40] هناك يستلزم أن يكونوا أقل من الغاوين الذين هم الباقون بعد الاستثناء من ذلك فيكون كل من المخلصين والغاوين أقل من نفسه وهو كما ترى. وأجاب بعضهم بأن المستثنى منه هنا جنس العباد الشامل للمكلفين وغيرهم ممن مات قبل أن يكلف ولا شك أن الغاوين أقل من الباقي منهم بعد الاستثناء وهم المخلصون ومن مات غير مكلف والمستثنى منه هناك المكلفون إذ هم الذين يعقل حملهم على الغواية والضلال إذ غير المكلف لا يوصف فعله بذلك والمخلصون أقل من الباقي منهم بعد الاستثناء أيضاً ولا محذور في ذلك، وذكر بعضهم أن الكثرة والقلة الادعائيتين تكفيان لصحة الشرط فقد ذكر السكاكي في آخر قسم الاستدلال وكذا لا تقول لفلان عليَّ ألف إلا تسعمائة وتسعين إلا وأنت تنزل ذلك الواحد منزلة الألف بجهة من الجهات الخطابية مع أنه ممن يشترط كون المستثنى أقل من الباقي اهـ، وظاهر كلام الأصوليين ينافيه. وجوز أن يكون الاستثناء منقطعاً على تقدير إرادة الجنس أيضاً ويكون الكلام تكذيباً للملعون فيما أوهم أن له سلطاناً على من ليس بمخلص من عباده سبحانه فإن منتهى قدرته أن يغرهم ولا يقدر على جبرهم على اتباعه كما قال: {أية : وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مّن سُلْطَـٰنٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِى } تفسير : [إبراهيم: 22]. فحاصل المعنى أن من اتبعك ليس لك عليهم سلطان وقهر بل أطاعوك في الإغواء واتبعوك لسوء اختيارهم ولا يضر في الانقطاع دخول الغاوين في العباد بناء على ما قالوا من أن المعتبر في الاتصال والانقطاع الحكم، ويفهم كلام البعض أنه يجوز أن تكون الآية تصديقاً له عليه اللعنة في صريح الاستثناء وتكذيباً في جعل الإخلاص علة للخلاص حسبما يشير إليه كلامه فإن الصبيان والمجانين خلصوا من إغوائه مع فقد هذه العلة. {وَمِنْ} على جميع الأوجه المذكورة لبيان الجنس أي الذين هم الغاوون. واستدل الجبائي بنفي أن يكون له سلطان على العباد على رد قول من يقول: إن الشيطان يمكنه صرع الناس وإزالة عقولهم، وقد تقدم الكلام في إنكار المعتزلة تخبط الشيطان والرد عليهم.
د. أسعد حومد
تفسير : {سُلْطَانٌ} (42) - إِنَّ عِبَادِي الذِينَ قَدَّرْتُ لَهُمُ الهِدَايَةَ لاَ سُلْطَانَ لَكَ عَلَيْهِمْ، وَلَيْسَ لَكَ قُدْرَةٌ عَلَى إِضْلاَلِهِمْ، وَلاَ عَلَى أَنْ تَحْمِلَهُمْ عَلَى ارْتِكَابِ ذُنُوبٍ يَضِيقُ عَنْهَا عَفْوِي، وَلَكِنَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنْهُمْ بِاخْتِيَارِهِ صَارَ مِنْ أَتْبَاعِكَ، وَسَيَكُونُ سُلْطَانُكَ عَلَى هؤُلاءِ. سُلْطَانٌ - تسَلُّطٌ وَقُدْرَةٌ عَلَى الإِغْوَاءِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وهكذا أصدر الحق سبحانه حُكْمه بألاَّ يكون لإبليس سلطان على مَنْ أخلص لله عبادة، وأمر إبليس ألاَّ يتعرض لهم؛ فسبحانه هو الذي يَصُونهم منه؛ إلا مَنْ ضَلَّ عن هدى الله سبحانه، وهم مَنْ يستطيع إبليس غوايتهم. وهكذا نجد أن "الغاوين" هي ضد "عبادي"، وهم الذين اصطفاهم الله من الوقوع تحت سلطان الشيطان؛ لأنهم أخلصوا وخَلَّصوا نفوسهم لله، وسنجد إبليس وهو ينطق يوم القيامة أمام الغاوين: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ ..} تفسير : [إبراهيم: 22]. ومن نِعَم الله علينا أن أخبرنا الحق سبحانه بكلّ ذلك في الدنيا، ولسوف يُقِر الشيطان بهذا كله في اليوم الآخر؛ ذلك أنه لم يملك سلطاناً يقهرنا به في الدنيا، بل مجرد إشارة ونَزْغ؛ ولا يملك سلطانَ إقناع ليجعلنا نفعل ما ينزغ به إلينا. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك ما يُؤكّد أن جزاء الغاوين قَاسٍ أليم: {وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ ...}.
الجيلاني
تفسير : {إِنَّ عِبَادِي} الذين هم تحت قبابي {لَيْسَ لَكَ} أيها المضل المغوي {عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} أي: استيلاء وغلبة {إِلاَّ مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ} [الحجر: 42] الضالين بإغوائك عن منهج اليقين، وهم وإن كانوا من جنسهم صورةً ليسوا منهم حقيقةً. {وَإِنَّ جَهَنَّمَ} البعد والخذلان {لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ} [الحجر: 43] أي: تابعاً ومتوبعاً. {لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ} على عدد مداخلها من الشهوات السبعة المقتضية إياها، المذكورة في كريمة {أية : زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَاتِ مِنَ ٱلنِّسَاءِ وَٱلْبَنِينَ}تفسير : [آل عمران: 14]. {لِكُلِّ بَابٍ} من الأبواب السبعة الجهنمية {مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ} [الحجر: 44] أي: طائفة مفروزة منهم بالدخول من كل بابٍ، وإن كان الكل شريكاً في الكل. ثمَّ قال سبحانه على مقتضى سنته المستمرة: {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ} المخلِّصين نفوسهم عن وسوسة الشياطين {فِي جَنَّاتٍ} منتزهاتٍ من العلم والعين والحق {وَعُيُونٍ} [الحجر: 45] جاريات من زلال الحقائق والمعارف، صافياتٍ عن كدر الرياء ودرن التقليدات. ويقول لهم الملائكة حين وجدانهم متصفين بحيلة التقوى: {ٱدْخُلُوهَا بِسَلامٍ} أي: سالمين عن شدائد الحساب وصعوبته {آمِنِينَ} [الحجر: 46] عن خوف العذاب والعقاب. {وَ} كيف لا يكونون سالمين آمنين؛ إذ {نَزَعْنَا} وأخرجنا بنور الإيمان والتوحيد {مَا فِي صُدُورِهِم} وضمائرهم {مِّنْ غِلٍّ} أي: حقدٍ وحسدٍ متمكن في نفوسهم، متعلق لبني نوعهم حتى صاروا {إِخْوَٰناً} أصدقاء متكئين {عَلَىٰ سُرُرٍ} متساوية من الصداقة {مُّتَقَـٰبِلِينَ} [الحجر: 47] متناظرين مطالعين كل منهم في مرآة أخيه محامد أخلاقه، ومحاسن شيمه. {لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ} [الحجر: 48] حتى يخافوا منه، بل هم فيها خالدون مخلدون، مستمرون ما شاء الله. ثمَّ قال سبحانه تسليةً لعموم عباده، وتبشيراً لهم بسعة فضله ورحمته: {نَبِّىءْ} أي: أخبر وأعلم يا أكمل الرسل المبعوث على كافة الأمم عموم {عِبَادِي} مؤمنهم وكافرهم، مطيعهم وعاصيهم {أَنِّي} من كمال برّي ومرحمتي إياهم {أَنَا ٱلْغَفُورُ} المبالغ في الستر والعفو لمن استرجع إلي، واستغفر عن ظهر القلب، وأناب عن محض الندم {ٱلرَّحِيمُ} [الحجر: 49] لهم، أرحمهم وأقبل منهم توبتهم، وأعفو عنهم زلتهم. {وَ} أي: محنة وعناء حتى يشوشوا بها {وَمَا هُمْ مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ} نبئهم أيضاً {أَنَّ عَذَابِي} وانتقامي وبطشي على من أصر على عنادي، واستمر على ترك طاعتي وانقيادي {هُوَ ٱلْعَذَابُ ٱلأَلِيمُ} [الحجر: 50] المؤلم المستمر الذي لا نجاة لأحد فيه. {وَ} إن أنكروا على إنعامي وانتقامي {نَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ} [الحجر: 51] تبييناً وتوضيحاً لهم. وقت {إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ} جرد مرد، صباح ملاح {فَقَالُواْ} ترحيباً وتكريماً: {سَلاماً} أي: نسلم عليك سلاماً، ثمَّ لما تفرس إبراهيم بنور النبوة أنهم ملائكة جاءوا بأمر خطير {قَالَ} على سبيل المخالفة: {إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ} [الحجر: 52] أي: خائفون؛ لأنهم جاءوا هفوة، ودخلوا عليه بغتة بلا إذن واستئذان على عادة المسافرين، ولا يظهر عليه أثر السفر. {قَالُواْ} آمناً له، وتسكيناً لخوفه واضطرابه: {لاَ تَوْجَلْ} منَّا {إِنَّا نُبَشِّرُكَ} من عند ربك {بِغُلامٍ عَلِيمٍ} [الحجر: 53] قابل للنبوة والرسالة، والحكمة الكاملة. {قَالَ} إبراهيم عليه السلام متأوهاً آيساً، مستفهماً على سبيل الاستبعاد: {أَبَشَّرْتُمُونِي} أيها المبشرون في زمانٍ قد انقطع الرجاء فيه عادةً {عَلَىٰ أَن مَّسَّنِيَ ٱلْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ} [الحجر: 54] المانع من الاستيلاء والاستنماء العادي؛ إذ هو في سنٍ قد انقطعت الشهوة عنه، وعن زوجته أيضاً؛ إذ هما في سن الهرم والكهولة. {قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ} ملتبساً {بِٱلْحَقِّ} المطابق للواقع بإذن الحق، وعلى مقتدى قدرته الكاملة بإيجاد شيء بلا سبق السبب العادي له {فَلاَ تَكُن} أيها النبي المتمكن في مقام الرضا والتسليم، المسند المفوِّض جميع الحوادث الكائنة في علام الكون والفساد إلى الفاعدل المختار بلا اعتبار الوسائل والأسباب {مِّنَ ٱلْقَانِطِينَ} [الحجر: 55] الجازمين بفقدان الشيء عند فقدان أسبابه العادية. {قَالَ} مستبعداً مستوحشاً: {وَمَن يَقْنَطُ} وييأس {مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ} التي وسعت كل شيء على مقتضى جوده تفضلاً بلا سبق استحقاق واستعدادٍ أسباب {إِلاَّ ٱلضَّآلُّونَ} [الحجر: 56] المقيَّدون بسلاسل الأسباب الطبيعية، وأغلال الوسائق الهيولانية، ونحن معاشر الأنبياء لا نقول بأمثال هذه الأباطيل الزائغة. ثمَّ لما جرى بينهم ما جرى {قَالَ} ابراهيم عليه السلام على مقتضى نفوسه منهم: {فَمَا خَطْبُكُمْ} أي: أمركم العظيم الذي جئتم لأجله {أَيُّهَا ٱلْمُرْسَلُونَ} [الحجر: 57] المهيبون؟. {قَالُواْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ} [الحجر: 58] خارجين عن مقتضى العقل والشرع والطبع؛ إذ فعلتهم الفاحشة الشنيعة مما يستقبحه ويستكرهه العقول والطباع مطلقاً، فكيف الشرع، فنلهكهم اليوم بالمرة على مقتضى أمر الله وقدره.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):