١٥ - ٱلْحِجْر
15 - Al-Hijr (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
49
Tafseer
الرازي
تفسير : في الآية مسألتان: المسألة الأولى: أثبتت الهمزة الساكنة في (نبىء) صورة، وما أثبتت في قوله: {دِفْء} {وجزء } لأن ما قبلها ساكن فهي تحذف كثيراً وتلقى حركتها على الساكن قبلها، فـ(ـنبىء) في الخط على تحقيق الهمزة، وليس قبل همزة (نبىء) ساكن فاجرؤها على قياس الأصل: المسألة الثانية: اعلم أن عباد الله قسمان: منهم من يكون متقياً، ومنهم من لا يكون كذلك، فلما ذكر الله تعالى أحوال المتقين في الآية المتقدمة، ذكر أحوال غير المتقين في هذه الآية فقال: {نَبّىء عِبَادِى }. واعلم أنه ثبت في أصول الفقه أن ترتيب الحكم على الوصف المناسب مشعر بكون ذلك الوصف علة لذلك الحكم، فههنا وصفهم بكونهم عباداً له، ثم أثبت عقيب ذكر هذا الوصف الحكم بكونه غفوراً رحيماً، فهذا يدل على أن كل من اعترف بالعبودية ظهر في حقه كونه الله غفوراً رحيماً ومن أنكر ذلك كان مستوجباً للعقاب الأليم. وفي الآية لطائف: أحدها: أنه أضاف العباد إلى نفسه بقوله: {عِبَادِي } وهذا تشريف عظيم. ألا ترى أنه لما أراد أن يشرف محمداً صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج لم يزد على قوله: { أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ } تفسير : [الإسراء: 1]. وثانيها: أنه لما ذكر الرحمة والمغفرة بالغ في التأكيد بألفاظ ثلاثة: أولها: قوله: {أَنّى }. وثانيها: قوله: {أَنَاْ }. وثالثها: ادخال حرف الألف واللام على قوله: {ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ } ولما ذكر العذاب لم يقل أني أنا المعذب وما وصف نفسه بذلك بل قال: {وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ ٱلْعَذَابُ ٱلأَلِيمُ }. وثالثها: أنه أمر رسوله أن يبلغ إليهم هذا المعنى فكأنه أشهد رسوله على نفسه في التزام المغفرة والرحمة. ورابعها: أنه لما قال: {نَبّىء عِبَادِي } كان معناه نبىء كل من كان معترفاً بعبوديتي، وهذا كما يدخل فيه المؤمن المطيع، فكذلك يدخل فيه المؤمن العاصي، وكل ذلك يدل على تغليب جانب الرحمة من الله تعالى. وعن قتادة قال: بلغنا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : لو يعلم العبد قدر عفو الله تعالى ما تورع من حرام، ولو علم قدر عقابه لبخع نفسه » تفسير : أي قتلها وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مر بنفر من أصحابه، وهم يضحكون فقال: « حديث : أتضحكون والنار بين أيديكم » تفسير : فنزل قوله: {نَبّىء عِبَادِى أَنّى أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ }، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : هذه الآية وزانُ قوله عليه السلام: «حديث : لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بجنته أحد ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قَنِط من رحمته أحد» تفسير : أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة. وقد تقدّم في الفاتحة. وهكذا ينبغي للإنسان أن يذكّرنفسه وغيره فيخوّف ويرجّى، ويكون الخوف في الصحة أغلب عليه منه في المرض. وجاء في الحديث حديث : أن النبيّ صلى الله عليه وسلم خرج على الصحابة وهم يضحكون فقال: «أتضحكون وبين أيديكم الجنة والنار» تفسير : فشق ذلك عليهم فنزلت الآية. ذكره الماورديّ والمهدويّ. ولفظ الثعلبيّ حديث : عن ابن عمر قال: اطّلع علينا النبيّ صلى الله عليه وسلم من الباب الذي يدخل منه بنو شَيْبة ونحن نضحك فقال: «ما لكم تضحكون لا أراكم تضحكون» ثم أدبر حتى إذا كان عند الحِجْر رجع القهقرى فقال لنا: «إني لما خرجت جاءني جبريل فقال يا محمد لم تُقنّط عبادي من رحمتي «نبّىء عِبادي أني أنا الغفور الرحِيم. وأن عذابِي هو العذاب الألِيم»تفسير : . فالقنوط إياس، والرجاء إهمال، وخير الأمور أوساطها.
البيضاوي
تفسير : {نَبّىءْ عِبَادِى أَنِّى أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِى هُوَ ٱلْعَذَابُ ٱلاْلِيمُ} فذلكة ما سبق من الوعد والوعيد وتقرير له، وفي ذكر المغفرة دليل على أنه لم يرد بالمتقين من يتقي الذنوب بأسرها كبيرها وصغيرها، وفي توصيف ذاته بالغفران والرحمة دون التعذيب ترجيح الوعد وتأكيده وفي عطف. {وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ } على {نَبِّئ عِبَادِى } تحقيق لهما بما يعتبرون به. {إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلامًا } أي نسلم عليك سلاماً أو سلمنا سلاماً. {قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ } خائفون وذلك لأنهم دخلوا بغير إذن وبغير وقت، ولأنهم امتنعوا من الأكل والوجل اضطراب النفس لتوقع ما تكره.
ابن كثير
تفسير : أي: أخبر يا محمد عبادي: أني ذو رحمة، وذو عذاب أليم، وقد تقدم ذكر نظير هذه الآية الكريمة، وهي دالة على مقامي الرجاء والخوف، وذكر في سبب نزولها ما رواه موسى بن عبيدة عن مصعب بن ثابت قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على ناس من أصحابه، يضحكون فقال: «حديث : اذكروا الجنة واذكروا النار» تفسير : فنزلت: { نَبِّىءْ عِبَادِى أَنِّى أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِى هُوَ ٱلْعَذَابُ ٱلأَلِيمُ } رواه ابن أبي حاتم، وهو مرسل. وقال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثنا إسحاق، أخبرنا ابن المكي، أخبرنا ابن المبارك، أخبرنا مصعب بن ثابت، حدثنا عاصم بن عبيد الله عن ابن أبي رباح، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: طلع علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الباب الذي يدخل منه بنو شيبة، فقال: «حديث : ألا أراكم تضحكون» تفسير : ثم أدبر حتى إذا كان عند الحجر، رجع إلينا القهقرى، فقال: «حديث : إني لما خرجت، جاء جبريل عليه السلام، فقال: يا محمد إن الله يقول لك: لم تقنط عبادي؟ { نَبِّىءْ عِبَادِى أَنِّى أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِى هُوَ ٱلْعَذَابُ ٱلأَلِيمُ }» تفسير : وقال شعبة عن قتادة في قوله: { نَبِّىءْ عِبَادِى أَنِّى أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ} قال: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لو يعلم العبد قدر عفو الله، لما تورع من حرام، ولو يعلم العبد قدر عذاب الله، لبخع نفسه».
المحلي و السيوطي
تفسير : {نَبِّىء } خَبِّرْ يا محمد {عِبَادِى أَنّى أَنَا ٱلْغَفُورُ } للمؤمنين {ٱلرَّحِيمُ } بهم.
النسفي
تفسير : {نَبِّىءْ عِبَادِى أَنِّي أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ ٱلْعَذَابُ ٱلأَلِيمُ } تقريراً لما ذكر وتمكيناً له في النفوس. قال عليه السلام: «حديث : لو يعلم العبد قدر عفو الله لما تورع عن حرام ولو يعلم قدر عذابه لبخع نفسه في العبادة ولما أقدم على ذنب»تفسير : وعطف {وَنَبِّئْهُمْ } وأخبر أمتك. عطفه على {نبىء عبادي} ليتخذوا ما أحل من العذاب بقوم لوط عبرة يعتبرون بها سخط الله وانتقامه من المجرمين ويتحققوا عنده أن عذابه هو العذاب الأليم {عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ } أي أضيافه وهو جبريل عليه السلام مع أحد عشر ملكاً، والضيف يجىء واحداً وجمعاً لأنه مصدر ضافه {إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلامًا } أي نسلم عليك سلاماً أو سلمنا سلاماً {قَالَ } أي إبراهيم {إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ } خائفون لامتناعهم من الأكل أو لدخولهم بغير إذن وبغير وقت {قَالُواْ لاَ تَوْجَلْ } لا تخف {إِنَّا نُبَشِّرُكَ } استئناف في معنى التعليل للنهي عن الوجل أي إنك مبشر آمن فلا توجل. وبالتخفيف وفتح النون: حمزة {بِغُلَـٰمٍ عَلِيمٍ } هو إسحاق لقوله في سورة هود{أية : فبشرناها بإسحاق{تفسير : [هود: 71] {قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِى عَلَىٰ أَن مَّسَّنِىَ ٱلْكِبَرُ } أي أبشرتموني مع مس الكبر بأن يولد لي أي إن الولادة أمر مستنكر عادة مع الكبر {فَبِمَ تُبَشِّرُونَ } هي «ما» الاستفهامية دخلها معنى التعجب كأنه قيل: فبأي أعجوبة تبشرون، وبكسر النون والتشديد: مكي، والأصل «تبشرونني» فأدغم نون الجمع في نون العماد ثم حذفت الياء وبقيت الكسرة دليلاً عليها. {تبشرون} بالتخفيف: نافع، والأصل «تبشرونني» فحذفت الياء اجتزاء بالكسرة وحذف نون الجمع لاجتماع النونين، والباقون: بفتح النون، وحذف المفعول والنون نون الجمع
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ} أثبتت الهمزة الساكنة في "نَبِّىء" صورة، وما أثبتت في قوله: "دِفْءٌ"؛ لأنَّ ما قبلها ساكنٌ، فهي تحذف كثيراً، وتلقى حركتها على الساكن قبلها فـ "نَبِّىءْ" في الخط على تحقيق الهمزة، وليس قبل همزة "نَبِّىْ" ساكن؛ فأخَّروها على قياس الأصل. وقوله "أنَا الغَفورُ" يجوز في "أنَا" أن يكون تأكيداً، أن يكون فصلاً. وقوله: {هُوَ ٱلْعَذَابُ} يجوز في "هُوَ" الابتداء، والفصل، ولا يجوز التوكيد؛ إذ المظهر لا يؤكَّد بالمضمر. فصل ثبت في أصول الفقه أنَّ ترتيب الحكم على الوصف المناسب يشعر بغلبةِ ذلك الوصف، فهاهنا وصفهم بكونهم عباده، ثم ذكر عقب هذا الوصف الحكم بكونه غفوراً رحيماً، وهذا يدلُّ على أنَّ كلَّ من اعترف بالعبودية، وكان في حقِّه غفوراً رحيماً، ومن أنكر ذلك، كان مستوجباً للعذاب الأليم. وفي الآية لطائف: أولها: أنه أضاف العباد إلى نفسه بقوله: "عِبَادي" وهذا تشريفٌ عظيمٌ، ويدل عليه قوله: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ}تفسير : [الإسراء:1]. وثانيها: أنه لما ذكر المغفرة، والرحمة بالغ في التَّأكيدات بألفاظٍ ثلاثة: أولها: قوله: "أنِّي". وثانيها: "أنَا". وثالثها: إدخال الألف واللام على قوله: "الغَفُور الرَّحيمُ"، ولما ذكر العذاب، لم يقول: إني أنا ولَمْ يَصفْ نفسهُ بِذلكَ، بل قال عزَّ وجلَّ: {عَذَابِي هُوَ ٱلْعَذَابُ ٱلأَلِيمُ}. وثالثها: أنه ـ تعالى ـ أمر رسوله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ أن يبلغ إليهم هذا المعنى، فكأنه أشهد رسوله على نفسه بالتزام المغفرة، والرحمة. ورابعها: أنه ـ تعالى ـ لمَّا قال: {نَبِّىءْ عِبَادِي} كان معناه: كلّ من اعترف بعبوديَّتي، وهذا يشمل المؤمن، والعاصي، وكل ذلك يدل على تغليب جانب الرحمة من الله ـ تعالى ـ. قال قتادة: بلغنا أن نبيَّ الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لَو يَعْلمُ العَبدُ قَدْرَ عَفْوِ الله لمَا تورَّع عن حرامٍ، ولوْ عَلِمَ قدر عِقابِهِ لبَخَعَ نَفْسَهُ"تفسير : أي: قتلها. وعن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه مرَّ بِنفَرٍ من أصحابه، وهم يضحكُون، فقال: أتَضحَكُون وبيْنَ أيديكمُ النَّارُ؟ فنزَل جِبريلُ ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ بِهذِهِ الآية، وقال: "يقُول لك يا محمَّد: لِمَ تقنط عِبادِي". وقال ابن عبَّاسِ ـ رضي الله عنهما ـ: معنى: {أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ} لمن تاب منهم.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن مردويه من طريق عطاء بن أبي رباح، حديث : عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: اطلع علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الباب الذي يدخل منه بنو شيبة فقال: "ألا أراكم تضحكون؟ ثم أدبر حتى إذا كان عند الحجر رجع إلينا القهقرى فقال: إني لمّا خرجت جاء جبريل فقال: يا محمد، إن الله يقول: لم تقنط عبادي؟ {نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم. وأن عذابي هو العذاب الأليم} . تفسير : وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مصعب بن ثابت قال: " حديث : مر النبي صلى الله عليه وسلم على ناس من أصحابه يضحكون فقال: اذكروا الجنة والنار. فنزلت {نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم} ". تفسير : وأخرج البزار والطبراني وابن مردويه، عن عبدالله بن الزبير قال: "حديث : مر النبي صلى الله عليه وسلم بنفر من أصحابه وقد عرض لهم شيء يضحكهم فقال: أتضحكون وذكر الجنة والنار بين أيديكم؟ ونزلت هذه الآية {نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم. وأن عذابي هو العذاب الأليم} ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : "لو تعلمون ما أعلم، لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً". فقال: "هذا الملك ينادي لا تقنط عبادي" ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله {نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم. وأن عذابي هو العذاب الأليم} قال: بلغنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لو يعلم العبد قدر عفو الله، لما تورّع من حرام. ولو يعلم قدر عذابه، لجمع نفسه ". تفسير : وأخرج البخاري ومسلم والبيهقي في الأسماء والصفات، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن الله خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة، فأمسك عنده تسعة وتسعين رحمة وأرسل في خلقه كلهم رحمة واحدة. فلو يعلم الكافر كل الذي عند الله من رحمته، لم ييأس من الرحمة. ولو يعلم المؤمن بكل الذي عند الله من العذاب، لم يأمن من النار ". تفسير : وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن أبي هريرة: "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم، خرج على رهط من الصحابة وهم يتحدثون فقال: والذي نفسي بيده، لو تعلمون ما أعلم لَضَحكْتُمْ قليلاً وَلَبَكيتُم كثيراً. فلما انصرفنا أوحى الله إليه، أن يا محمد، لم تقنط عبادي؟... فرجع إليهم: ابشروا وقاربوا وسددوا ".
السلمي
تفسير : قال: أقم عبادى بين الخوف والرجاء ليصح لهم سبل الاستقامة فى الإيمان فإنه من غلب عليه رجاؤه عطّله، ومن غلب عليه خوفه أقنطه.
القشيري
تفسير : لمَّا ذَكَرَ حديثَ المتقين وما لهم من علوِّ المنزلة انكسرت قلوب العاصين، فَتَدارَك اللَّهُ قلوبهم، وقال لنبيِّه - صلى الله عليه وسلم - أخبر عبادي العاصين أني غفور رحيم، وأني إنْ كنتُ الشكورَ الكريمَ بالمطيعين فأنا الغفورُ الرحيمُ بالعاصين. ويقال مَنْ سَمِعَ قوله: {أَنِّي أَنَا} بسمع التحقيق لا يبقى فيه مساغٌ لسماع المغفرة والرحمة؛ لأنه يكون عندئذ مُخْتَطَفاً عن شاهده، مُسْتَهَلكاً في أنيته.
اسماعيل حقي
تفسير : {نبئ عبادى} [آورده اندكه روزى حضرت بيغمبر صلى الله عليه وسلم درباب بنى شيبه بمسجد الحرام در آمد جمعى از اصحابه را ديدكه مى خندند فرمودكه "حديث : مالى اراكم تضحكون" تفسير : جيست كه شمارا خندان مى بينم صحابه رايحه عتابى ازين سخن استشمام نمودند وآن حضرت در كنشت وهنوز بحجره نار سيده باز كشت وكفت جبرائيل آمد وبيغام آوردكه جرابتد كان مرا نا اميد سازى] {نبئ عبادى} اى اعلم عبادى واخبرهم {انى} اى بانى {انا} وحدى فهو لقصر المسند على المسند اليه {الغفور} [من آمر زنده ام كسى راكه آمرزش طلبد] {الرحيم} [وبخشنده ام بركسى كه توبه كند] اى لا يستر عليهم ولا يمحو ما كان منهم ولا ينعم عليهم بالجنة الا انا وحدى ولا يقدر على ذلك غيرى
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: {نبِّىءُ}: أخبر، {عبادي أني أنا الغفور الرحيم} لمن آمن بي، وصدق رسلي، {وأنَّ عذابي هو العذابُ الأليم} لمن كفر بي، وجحد رسلي، أو بعضهم. قال البيضاوي: هي فذلكة ما سبق من الوعد والوعيد، وتقرير له، وفي ذكر المغفرة دليل على أنه لم يرد بالمتقين متقى الذنوب بأسرها، كبيرها وصغيرها، وفي توصيف ذاته بالغفران والرحمة دون التعذيب ـ أي: لم يقل وأنا المعذب المؤلم ـ ترجيح الوعد. هـ. وذكر ابن عطية ان سبب نزولها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء إلى جماعة من أصحابه، عند باب بني شَيْبَةَ في الحرم، فوجدهم يضحكون، فزجرهم ووعظهم، ثم ولى، فجاءه جبريل عن الله، فقال: يا محمد أتُقَنِّط عبادي؟ وتلى عليه الآية، فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم وأعلمهم. هـ. ثم قال: ولو لم يكن هذا السبب لكان ما قبلها يقتضيها؛ إذ تقدم ذكر ما في النار وذكر ما في الجنة، فأكّد تعالى تنبيه الناس بهذه الآية. هـ. قيل: وهذه الآية أبلغ ما في القرآن في إثارة الخوف والرجاء من الآي التي لا تشبهها في الإجمال؛ لما فيها من التصريح، ثم الرجاء فيها أغلب؛ لأجل التقديم، مع ذكره في آية الرجاء، لصفاته العلية وأسمائه الحسنى، وذلك يؤذن بالتهمم به وترجيحه، وهو مذهب الصوفية في حال الحياة والممات. الإشارة: الخوف والرجاء يتعاقبان على الإنسان، فتاره يغلب عليه الخوف، وتارة يغلب عليه الرجاء. هذا قبل الوصول، وأما بعد الوصول فالغالب عليهم الاعتدال، قال في التنبيه: أما العارفون الموحدون فإنهم على بساط القرب والمشاهدة، ناظرون إلى ربهم، فانون عن أنفسهم، فإذا وقعوا في ذلة، أو أصابتهم غفلة، شهدوا تصريف الحق تعالى لهم، وجريان قضائه عليهم. كما أنهم إذا صدرت منهم طاعة، أو لاح منهم لائح من يقظة، لم يشهدوا في ذلك أنفسهم، ولم يروا فيها حولهم ولا قوتهم؛ لأن السابق إلى قلوبهم ذكر ربهم، فأنفسهم مطمئنة تحت جريان أقداره. وقلوبهم ساكنة بما لاح لهم من أنواره، ولا فرق عندهم بين الحالين؛ لأنهم غرقى في بحار التوحيد، قد استوى خوفهم ورجاؤهم، فلا ينقص من خوفهم ما يجتنبونه من العصيان، ولا يزيد في رجائهم ما يأتون من الإحسان. هـ. قلت: بل طرق الرجاء عندهم أرجح كما تقدم؛ لأن الرجاء ناشئ عن غلبة المحبة، وهي غالبة. والله تعالى أعلم. ثم ذكر قصة إبراهيم مع إضافة ...
الطوسي
تفسير : أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم ان يخبر عباد الله الذين خلقهم لعبادته على وجه الترغيب لهم في طاعته والتخويف عن معصيته، باني انا الذي أعفو واستر على عبادي معاصيهم، ولا افضحهم بها يوم القيامة اذا تابوا منها، لرحمتي وانعامي عليهم، وان مع ذلك عذابي وعقوبتي {هوالعذاب الأليم} المؤلم الموجع، فلا تعوّلوا على محض غفراني، وخافوا عقابي، وكونوا على حذر باجتناب معاصي والعمل بطاعتي.
اطفيش
تفسير : {نَبِّىءْ} أعلم، {عِبَادِىَ أَنِّى} وسكن الياءين غير نافع وابن كثير وأبى عمرو أو أخبر عبادى بأنى {أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} لمن تاب منهم، كما قال ابن عباس: ففى ذلك دليل على أنه لم يرد بالمتقين من لم يفعل ذنباً قط.
اطفيش
تفسير : {نَبِّىءْ عِبَادِى أَنِّى أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وأَنَّ عذابِى هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ} تقرير بإجمال لما تقدم تفصيلا من الوعد والوعيد كما تقول: لك ألفان وثلاثة آلاف، فذلك خمسة آلاف، إِلا أَنه قدم فى هذا الإِجمال ما أَخر من التفصيل، وهو قوله: إِن المتقين إِلخ، وأَخر ما قدم وهو إن جهنم إِلخ، وليس فى ذكر المغفرة ما يدل على أن المراد بالتقين متقو الشرك فإن الكبائِر التى دون الشرك مهلكة إن لم تغفر، والصغائِر أيضا تغفر باجتناب بالكبائِر، والعقاب على الصغائِر مع اجتناب الكبائِر جائز عقلا لا وقوعا لأَن الله عز وجل أخبرنا بغفرانها لو شاءَ لعذب عليها لكن لم يشأْ، وفى الآية توكيد الرحمة والمغفرة وتوسيعهما لأَنه أَخبر بهما عن نفسه وزاد، أَنا وأَخبر عن عذابه بأَنه مؤلم لا عن نفسه بأَنه معذب العذاب الأليم قال الله تعالى: رحمتى سبقت غضبى - وذكر مثل ذلك الوعد والوعيد فى قوله: {وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ} فإن إبراهيم وأهله ولوطا ومن آمن به متقون، وقوم لوط مجرمون، والمراد بالعباد فى الآية قبل وبضميره فى الآية هذه مطلق العباد، ويجوز أَن يراد بهما عباده المخلصون، فالإضافة للتشريف، وقدم الرحمة تأكيدا وإطماعا وسبقها غضبه، وأكدها بوصفى المبالغة، قال أَبو هريرة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إِن الله خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة فأَمسك عنده تسعاً وتسعين وأرسل فى خلقه رحمة واحدة حتى أنه لترفع الدابة بها رجلها عن ولدها، وبها يتراحم الناس، ولو علم الكافر بكل ما عند الله من الرحمة لم ييأْس من الجنة، ولو علم المؤمن بكل الذى عند الله من العذاب لم يأْمن من النار"تفسير : ، أَى لتغلب عليه الخوف، قال عبادة بن الصامت: لو يعلم العبد قدر عفو الله ما تورع عن حرام، ولو علم قدر عذاب الله لبخع نفسه أى قتلها، وروى أنه صلى الله عليه وسلم مر بنفر من أصحابه وهم يضحكون فقال:" حديث : أَتضحكون وبين أَيديكم النار"تفسير : ، ولما وصل الحجر رجع إِليهم فقال:"حديث : إِن الله تعالى أَوحى إِلى لم تقنط عبادى"تفسير : ونزل: نَبِّىءْ عبادى أَنى أَنا الغفور الرحيم، وأن عذابى هو العذاب الأَليم، وذكر قصص الأَنبياءِ وأَممهم ترغيباً وترهيباً، وضيف إِبراهيم لإِهلاك قوم لوط وتبشير إبراهيم فناسب ذكر الرحمة والعذاب فى الآية قبل، وكذلك ناسب التفصيل السابق، وضيف إبراهيم اثنا عشر ملكاً أَو عشرة أَو ثلاثة، على صفة غلمان حسان، أَقوال، منهم جبريل، وأَصل الضيف مصدر يصلح للقليل والكثير، ولذلك قال: {إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ} بواو الجماعة، وإذ بدل اشتمال من ضيف كأَنه قيل عن وقت دخولهم، وإن كانت عن لا تدخل على إِذ بناءً على أَنه لا يلزم صلوح عمل عامل المبدل منه فى المبدل، أَو مفعول لمحذوف مبدل من نبىءْ أَى اذكر إِذْا ومتعلق بضيف بمعنى إضافة أو ضيافة، ولا يتعلق بلفظ خبر مقدر أًى عن خبر ضيف؛ لأن الإخبار لم يقع فى زمان إبراهيم، ويجوز تقدير عن قصة ضيف إبراهيم الواقعة إذ دخلوا عليه {فَقَالُوا سَلاَماً} أى ذكروا لفظ سلام بأَن ذكروه بالنصب فى كلامهم على معنى سلمنا سلاماً أَو نسلم سلاماً، أَو بالرفع فى كلامهم مع عليكم فى كلامهم، أو مع حذفه، وسلمنا أو نسلم المقدر للإِنشاءِ لا للأِخبار والمضارع للحال هنا، لا للاستمرار كما قيل، كما تقول: بعث قاصداً لعقد البيع فى الحال، وتقول: أَبيع قاصداً لعقده كذلك، ولم يذكر رد السلام هنا ولا بقية القصة لتقدم ذكرهما فى سورة هود {قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ} خائفون؛ لأَنهم دخلوا بلا إذن وفى غير وقت الدخول كما بعد العتمة أو فى وسط الليل أو السحر، ولامتناعهم من الأكل من العجل الحنيذ، وهذا القول بلسان حال لان فى الآية الأَخرى: "أية : فأَوجس منهم خيفة"تفسير : [الذاريات: 28] إِلا أَن يقال: قال بلسانه بعد الإيجاس {قَالُوا لاَ تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرْكَ بِغُلاَمٍ عَليمٍ} ولا يخاف أَحد ممن جاءَ للتبشير، لا توجل منا لأَنا ملائِكةٌ أَرسلنا ربك لنبشرك بغلام كثير العلم إذا بلغ، أَو إذا أُوحى إليه وهو إسحاق وفسر عليم بنبى.
الالوسي
تفسير : {نَبّىء عِبَادِى} قيل: مطلقاً، وقيل: الذين عبر عنهم بالمتقين أي أخبرهم {أَنّي أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ}.
سيد قطب
تفسير : يتضمن هذا الدرس نماذج من رحمة الله وعذابه، ممثلة في قصص إبراهيم وبشارته على الكبر بغلام عليم، ولوط ونجاته وأهله إلا امرأته من القوم الظالمين، وأصحاب الأيكة وأصحاب الحجر وما حل بهم من عذاب أليم. هذا القصص يساق بعد مقدمة: {نبىء عبادي أني أنا الغفور الرحيم. وأن عذابي هو العذاب الأليم} فيجيء بعضه مصداقاً لنبأ الرحمة، ويجيء بعضه مصداقاً لنبأ العذاب.. كذلك هو يرجع إلى مطالع السورة، فيصدق ما جاء فيها من نذير: {أية : ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون. وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون}.. تفسير : فهذه نماذج من القرى المهلكة بعد النذر، حل بها جزاؤها بعد انقضاء الأجل.. وكذلك يصدق هذا القصص ما جاء في مطالع السورة في شأن الملائكة حين يرسلون: {أية : وقالوا: يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون. لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين. ما ننزل الملائكة إلا بالحق، وما كانوا إذا منظرين }.. تفسير : فتبدو السورة وحدة متناسقة، يظاهر بعضها بعضا.. وذلك مع ما هو معلوم من أن السور لم تكن تنزل جملة إلا نادرا، وأن الآيات الواردة فيها لم تكن تنزل متتالية تواليها في المصحف. ولكن ترتيب هذه الآيات في السور ترتيب توقيفي، فلا بد من حكمة في ترتيبها على هذا النسق، وقد كشفت لنا جوانب من هذه الحكمة حتى الآن في السور التي عرضناها في تماسك بنيان السور، واتحاد الجو والظلال في كل سورة.. والعلم بعد ذلك لله. إنما هو اجتهاد. والله الموفق إلى الصواب. {نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم. وأن عذابي هو العذاب الأليم}.. يجيء هذا الأمر للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعد ذكر جزاء الغاوين وجزاء المتقين في سياق السورة. والمناسبة بينهما ظاهرة في السياق. ويقدم الله نبأ الغفران والرحمة على نبأ العذاب. جرياً على الأصل الذي ارتضت مشيئته. فقد كتب على نفسه الرحمة. وإنما يذكر العذاب وحده أحياناً أو يقدم في النص لحكمة خاصة في السياق تقتضي إفراده بالذكر أو تقديمه. ثم تجيء قصة إبراهيم مع الملائكة المرسلين إلى قوم لوط.. وقد وردت هذه الحلقة من قصة إبراهيم وقصة لوط في مواضع متعددة بأشكال متنوعة، تناسب السياق الذي وردت فيه. ووردت قصة لوط وحده في مواضع أخرى. وقد مرت بنا حلقة من قصة لوط في الأعراف، وحلقة من قصة إبراهيم ولوط في هود.. فأما في الأولى فقد تضمنت استنكار لوط لما يأتيه قومه من الفاحشة، وجواب قومه: {أية : أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون}.. تفسير : وإنجاءه هو وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين. وذلك دون ذكر لمجيء الملائكة إليه وائتمار قومه بهم.. وأما في الثانية فقد جاءت قصة الملائكة مع إبراهيم ولوط مع اختلاف في طريقه العرض. فهناك تفصيل في الجزء الخاص بإبراهيم وتبشيره وامرأته قائمة، وجداله مع الملائكة عن لوط وقومه. وهو ما لم يذكر هنا. وكذلك يختلف ترتيب الحوادث في القسم الخاص بلوط في السورتين.. ففي سورة هود لم يكشف عن طبيعة الملائكة إلا بعد أن جاءه قومه يهرعون إليه وهو يرجوهم في ضيفه فلا يقبلون رجاءه، حتى ضاق بهم ذرعاً وقال قولته الأسيفة: {أية : لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد!}.تفسير : وأما هنا فقدم الكشف عن طبيعة الملائكة منذ اللحظة الأولى، وأخر حكاية القوم وائتمارهم بضيف لوط. لأن المقصود هنا ليس هو القصة بترتيبها الذي وقعت به، ولكن تصديق النذير، وأن الملائكة حين ينزلون فإنما ينزلون للعذاب فلا ينظر القوم ولا يمهلون.. {ونبئهم عن ضيف إبراهيم. إذ دخلوا عليه فقالوا: سلاما. قال: إنا منكم وجلون. قالوا: لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم. قال: أبشرتموني على أن مسني الكبر؟ فبم تبشرون؟ قالوا: بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين. قال: ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون؟}. فقالوا: سلاما. قال: إنا منكم وجلون.. ولم يذكر هنا سبب قوله، ولم يذكر أنه جاءهم بعجل حنيذ.. {أية : فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة}..تفسير : كما جاء في سورة هود. ذلك أن المجال هنا هو مجال تصديق الرحمة التي ينبئ الله بها عباده على لسان رسوله، لا مجال تفصيلات قصة إبراهيم.. {قالوا: لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم}.. وهكذا عجلوا له البشرى، وعجل بها السياق دون تفصيل. كذلك يثبت هنا رد إبراهيم ولا يدخل امرأته وحوارها في هذه الحلقة: {قال: أبشرتموني على أن مسني الكبر؟ فبم تبشرون؟} فقد استبعد إبراهيم في أول الأمر أن يرزق بولد وقد مسه الكبر (وزوجته كذلك عجوز عقيم كما جاء في مجال آخر) فرده الملائكة إلى اليقين: {..قالوا: بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين}.. أي من اليائسين. فآب إبراهيم سريعا، ونفى عن نفسه القنوط من رحمة الله: {قال: ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون؟} وبرزت كلمة {الرحمة} في حكاية قول إبراهيم تنسيقا مع المقدمة في هذا السياق؛ وبرزت معها الحقيقة الكلية: أنه لا يقنط من رحمة ربه إلا الضالون. الضالون عن طريق الله، الذين لا يستروحون روحه، ولا يحسون رحمته، ولا يستشعرون رأفته وبره ورعايته. فأما القلب الندي بالإيمان، المتصل بالرحمن، فلا ييأس ولا يقنط مهما أحاطت به الشدائد، ومهما ادلهمت حوله الخطوب، ومهما غام الجو وتلبد، وغاب وجه الأمل في ظلال الحاضر وثقل هذا الواقع الظاهر.. فإن رحمة الله قريب من قلوب المؤمنين المهتدين. وقدرة الله تنشئ الأسباب كما تنشئ النتائج، وتغير الواقع كما تغير الموعود. وهنا ـ وقد اطمأن إبراهيم إلى الملائكة، وثابت نفسه واطمأنت للبشرى ـ راح يستطلع سبب مجيئهم وغايته: {قال: فما خطبكم أيها المرسلون؟ قالوا: إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين. إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين، إلا امرأته قدرنا إنها لمن الغابرين}.. ولا يعرض السياق لجدال إبراهيم عن لوط وقومه هنا كما عرض له في سورة هود؟ بل يصل إخبار الملائكة له، بالنبأ كله. ذلك أنه يصدق رحمة الله بلوط وأهله، وعذابه لامرأته وقومه. وينتهي بذلك دورهم مع إبراهيم، ويمضون لعملهم مع قوم لوط.. {فلما جاء آل لوط المرسلون، قال: إنكم قوم منكرون. قالوا: بل جئناك بما كانوا فيه يمترون. وآتيناك بالحق وإنا لصادقون. فأسر بأهلك بقطع من الليل، واتبع أدبارهم، ولا يلتفت منكم أحد، وامضوا حيث تؤمرون. وقضينا إليه ذلك الأمر: أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين}.. وهكذا يعجل السياق إخبارهم للوط بأنهم الملائكة، جاءوه بما كان قومه يمترون فيه من أخذهم بذنوبهم وإهلاكهم جزاء ما يرتكبون، تصديقا لوعد الله، وتوكيدا لوقوع العذاب حين ينزل الملائكة بلا إبطاء. {قال: إنكم قوم منكرون}.. قالها ضيّق النفس بهم، وهو يعرف قومه، ويعرف ماذا سيحاولون بأضيافه هؤلاء، وهو بين قومه غريب، وهم فجرة فاحشون.. إنكم قوم منكرون ان تجيئوا إلى هذه القرية وأهلها مشهورون بما يفعلون مع أمثالكم حين يجيئون! {قالوا: بل جئناك بما كانوا فيه يمترون، وآتيناك بالحق وإنا لصادقون}.. وهذه التوكيدات كلها تصور لنا جزع لوط وكربه. وهو في حيرة بين واجبه لضيفه وضعفه عن حمايتهم في وجه قومه. فجاءه التوكيد بعد التوكيد، لإدخال الطمأنينة عليه قبل إلقاء التعليمات إليه: {فأسر بأهلك بقطع من الليل. واتبع أدبارهم، ولا يلتفت منكم أحد، وامضوا حيث تؤمرون}.. والسرى سير الليل. والقطع من الليل جزؤه. وقد كان الأمر للوط أن يسير بقومه في الليل قبل الصبح، وأن يكون هو في مؤخرتهم يتفقدهم ولا يدع أحدا منهم يتخلف أو يتلكأ أو يتلفت إلى الديار على عادة المهاجرين الذين يتنازعهم الشوق إلى ما خلفوا من ديارهم فيتلفتون إليها ويتلكأون. وكان الموعد هو الصبح والصبح قريب: {وقضينا إليه ذلك الأمر: أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين}.. وأطلعناه على ذلك الأمر الخطير: أن آخر هؤلاء القوم ـ وهو دابرهم ـ مقطوع في الصباح. وإذا انقطع آخرهم فقد انقطع أولهم؛ والتعبير على هذا النحو يصور النهاية الشاملة التي لا تبقي أحدا. فلا بد من الحرص واليقظة كي لا يتخلف أحد ولا يتلفت، فيصيبه ما يصيب أهل المدينة المتخلفين. قدم السياق هذه الواقعة في القصة لأنها الأنسب لموضوع السورة كله. ثم أكمل ما حدث من قوم لوط قبلها. لقد تسامعوا بأن في بيت لوط شبانا صباح الوجوه ففرحوا بأن هناك صيدا: {وجاء أهل المدينة يستبشرون}.. والتعبير على هذا النحو يكشف عن مدى الشناعة والبشاعة الذي وصل إليه القوم في الدنس والفجور في الفاحشة الشاذة المريضة. يكشف عن هذا المدى في مشهد أهل المدينة يجيئون جماعة، يستبشرون بالعثور على شبان يعتدون عليهم جهرة وعلانية. هذه العلانية الفاضحة في طلب هذا المنكر ـ فوق المنكر ذاته ـ شيء بشع لا يكاد الخيال يتصور وقوعه لولا أنه وقع. فقد يشذ فرد مريض فيتوارى بشذوذه، ويتخفى بمرضه، ويحاول الحصول على لذته المستقذرة في الخفاء وهو يخجل أن يطلع عليه الناس. وإن الفطرة السليمة لتتخفى بهذه اللذة حين تكون طبيعية. بل حين تكون شرعية. وبعض أنواع الحيوان يتخفى بها كذلك.. بينما أولئك القوم المنحوسون يجاهرون بها، ويتجمهرون لتحصيلها، ويستبشرون جماعات وهم يتلمظون عليها! إنها حالة من الارتكاس معدومة النظير. فأما لوط فوقف مكروباً يحاول أن يدفع عن ضيفه وعن شرفه. وقف يستشير النخوة الآدمية فيهم ويستجيش وجدان التقوى لله. وإنه ليعلم أنهم لا يتقون الله، ويعلم أن هذه النفوس المرتكسة المطموسة لم تعد فيها نخوة ولا شعور إنساني يستجاش. ولكنه في كربه وشدته يحاول ما يستطيع: {قال: إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون. واتقوا الله ولا تخزون}.. وبدلا من أن يثير هذا في نفوسهم رواسب المروءة والحياة، إذا هم يتبجحون فيؤنبون لوطا على استضافة أحد من الرجال. كأنما هو الجاني الذي هيأ لهم أسباب الجريمة ودفعهم إليها وهم لا يملكون له دفاعا! {قالوا: أولم ننهك عن العالمين؟}.. ويمضي لوط في محاولته يلوح لهم باتجاه الفطرة السليم إلى الجنس الآخر. إلى الإناث اللواتي جعلهن الله لتلبية هذا الدافع العميق في نظام الحياة؛ ليكون النسل الذي تمتد به الحياة وجعل تلبية هذا الدافع معهن موضع اللذة السليمة المريحة للجنسين معا ـ في الحالات الطبيعية ـ ليكون هذا ضمانا لامتداد الحياة، بدافع من الرغبة الشخصية العميقة.. يمضي لوط في محاولته هذه: {قال: هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين}.. ولوط النبي لا يعرض بناته على هؤلاء الفجار ليأخذوهن سفاحا. إنما هو يلوح لهم بالطريق الطبيعي الذي ترضاه الفطرة السليمة، لينبه فيهم هذه الفطرة. وهو يعلم أنهم إن ثابوا إليها فلن يطلبوا النساء سفاحا. فهو مجرد هتاف للفطرة السليمة في نفوسهم لعلها تستيقظ على هذا العرض الذي هم عنه معرضون. وبينما هذا المشهد معروض. القوم في سعارهم المريض يستبشرون ويتلمظون. ولوط يدافعهم ويستشير نخوتهم، ويستجيش وجدانهم، ويحرك دواعي الفطرة السليمة فيهم، وهم في سعارهم مندفعون.. بينما المشهد البشع معروض على هذا النحو المثير يلتفت السياق خطابا لمن يشهد ذلك المشهد، على طريقة العرب في كلامهم بالقسم: {لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون}.. لتصوير حالتهم الأصلية الدائمة التي لا يرجى معها أن يفيقوا ولا ان يسمعوا هواتف النخوة والتقوى والفطرة السليمة. ثم تكون الخاتمة. وتحق عليهم كلمة الله: {أية : ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذن منظرين }.. تفسير : وإذا نحن أمام مشهد الدمار والخراب والخسف والهلاك المناسب لتلك الطبائع المقلوبة: {فأخذتهم الصيحة مشرقين، فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل}.. وقد خسف بقرى لوط بظاهرة تشبه ظاهرة الزلازل أو البراكين وتصاحبها أحيانا ظاهرة الخسف وتناثر أحجار ملوثة بالطين وهبوط مدن بكاملها تسيح في الأرض. ويقال: إن بحيرة لوط الحالية وجدت بعد هذا الحادث، بعد انقلاب عمورة وسدوم في باطن الأرض، وهبوط مكانها وامتلائه بالماء. ولكننا لا نعلل ما وقع لهم بأنه كان زلزالا أو بركانا عابراً مما يقع في كل حين.. فالمنهج الإيماني الذي نحرص عليه في هذه الظلال يبعد كل البعد عن هذه المحاولة! إننا نعلم علم اليقين أن الظواهر الكونية كلها تجري وفق ناموس الله الذي أودعه هذا الكون. ولكن كل ظاهرة وكل حادث في هذا الكون لا يقع بأية حتمية إنما يقع وفق قدر خاص به. بلا تعارض بين ثبات الناموس وجريان المشيئة بقدر خاص لكل حدث.. كذلك نحن نعلم علم اليقين أن الله سبحانه يجري في حالات معينة أقداراً معينة بأحداث معينة لوجهة معينة. وليس من الضروري أن يكون ذلك الذي دمر قرى لوط زلزال أو بركان عادي؛ فقد يريد الله أن ينزل بهم ما يشاء، وقتما يشاء، فيكون ما يشاء، وفق ما يشاء.. وهذا هو المنهج الإيماني في تفسير معجزات الرسل أجمعين.. وقرى لوط تقع في طريق مطروق بين الحجاز والشام يمر عليها الناس. وفيها عظات لمن يتفرس ويتأمل، ويجد العبرة في مصارع الغابرين.. وإن كانت الآيات لا تنفع إلا القلوب المؤمنة المتفتحة المستعدة للتلقي والتدبر واليقين: {إن في ذلك لآيات للمتوسمين. وإنها لبسبيل مقيم. إن في ذلك لآية للمؤمنين}.. وهكذا صدق النذير، وكان نزول الملائكة إيذانا بعذاب الله الذي لا يرد ولا يمهل ولا يحيد. كذلك كان الحال مع قوم شعيب ـ أصحاب الأيكة ـ ومع قوم صالح ـ أصحاب الحجر: {وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين، فانتقمنا منهم. وإنهما لبإمام مبين. ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين؛ وآتيناهم آياتنا فكانوا عنها معرضين؛ وكانوا ينحتون من الجبال بيوتاً آمنين؛ فأخذتهم الصيحة مصبحين، فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون}.. وقد فصل القرآن قصة شعيب مع قومه: أهل مدين وأصحاب الأيكة في مواضع أخرى. فأما هنا فيشير إشارة إلى ظلمهم وإلى مصرعهم تصديقا لنبأ العذاب، في هذا الشوط، ولإهلاك القرى بعد انقضاء الأجل المعلوم الوارد في مطالع السورة. ومدين والأيكة كانتا بالقرب من قرى لوط. والإشارة الواردة هنا.. {وإنهما لبإمام مبين..} قد تعني مدين والأيكة، فهما في طريق واضح غير مندثر، وقد تعني قرى لوط السالفة الذكر وقرية شعيب، جمعهما لأنهما في طريق واحد بين الحجاز والشام. ووقوع القرى الداثرة على الطريق المطروق أدعى إلى العبرة، فهي شاهد حاضر يراه الرائح والغادي. والحياة تجري من حولها وهي داثرة كأن لم تكن يوماً عامرة. والحياة لا تحفلها وهي ماضية في الطريق! أما اصحاب الحجر فهم قوم صالح، والحجر تقع بين الحجاز والشام إلى وادي القرى، وهي ظاهرة إلى اليوم. فقد نحتوها في الصخر في ذلك الزمان البعيد، مما يدل على القوة والأيد والحضارة. {ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين}.. وهم لم يكذبوا سوى رسولهم صالح. ولكن صالحا ليس إلا ممثلا للرسل أجمعين؛ فلما كذبه قومه قيل: إنهم كذبوا المرسلين. توحيدا للرسالة وللرسل وللمكذبين. في كل أعصار التاريخ، وفي كل جوانب الأرض، على اختلاف الزمان والمكان والأشخاص والأقوام. {وآتيناهم آياتنا فكانوا عنها معرضين}.. وآية صالح كانت الناقة. ولكن الآيات في هذا الكون كثير. والآيات في هذه الأنفس كثير. وكلها معروضة للأنظار والأفكار. وليست الخارقة التي جاءهم بها صالح هي وحدها الآية التي آتاهم الله. وقد أعرضوا عن آيات الله كلها، ولم يفتحوا لها عينا ولا قلبا، ولم يستشعرها فيهم عقل ولا ضمير. {وكانوا ينحتون من الجبال بيوتاً آمنين، فأخذتهم الصيحة مصبحين، فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون}.. وهذه اللمحة الخاطفة من الأمن في البيوت الحصينة في صلب الجبال، إلى الصيحة التي تأخذهم فلا تبقي لهم مما جمعوا ومما كسبوا ومما بنوا ومما نحتوا شيئاً يغني عنهم ويدفع الهلاك الخاطف.. هذه اللمحة تلمس القلب البشري لمسة عنيفة. فما يأمن قوم على أنفسهم أكثر مما يأمن قوم بيوتهم منحوتة في صلب الصخور. وما يبلغ الاطمئنان بالناس في وقت أشد من اطمئنانهم في وقت الصباح المشرق الوديع.. وها هم أولاء قوم صالح تأخذهم الصيحة مصبحين وهم في ديارهم الحصينة آمنون. فإذا كل شيء ذاهب، وإذا كل وقاية ضائعة، وإذا كل حصين موهون... فما شيء من هذا كله بواقيهم من الصيحة. وهي فرقعة ريح أو صاعقة، تلحقهم فتهلكهم في جوف الصخر المتين. وهكذا تنتهي تلك الحقائق الخاطفة من القصص في السورة، محققة سنة الله في أخذ المكذبين عند انقضاء الأجل المعلوم. فتتناسق نهاية هذا الشوط مع نهايات الأشواط الثلاثة السابقة في تحقيقة سنة الله التي لا ترد، ولا تتخلف، ولا تحيد.
ابن عاشور
تفسير : هذا تصدير لذكر القصص التي أريد من التذكير بها الموعظة بما حلّ بأهلها، وهي قصة قوم لوط وقصة أصحاب الأيكة وقصة ثمود. وابتدىء ذلك بقصة إبراهيم ــــ عليه الصلاة والسلام ــــ لما فيها من كرامة الله له تعريضاً بالمشركين إذ لم يقتفوا آثاره في التوحيد. فالجملة مستأنفة استئنافاً ابتدائياً وهو مرتبط بقوله في أوائل السورة:{أية : وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم} تفسير : [سورة الحجر: 4]. وابتداء الكلام بفعل الإنباء لتشويق السامعين إلى ما بعده كقوله تعالى: {أية : هل أتاك حديث الجنود} تفسير : [سورة البروج: 17] ونحوه. والمقصود هو قوله تعالى الآتي: {أية : ونبئهم عن ضيف إبراهيم} تفسير : [سورة الحجر: 51]. وإنما قدم الأمر بإعلام الناس بمغفرة الله وعذابه ابتداء بالموعظة الأصلية قبل الموعظة بجزئيات حوادث الانتقام من المعاندين وإنجاء من بينهم من المؤمنين لأن ذلك دائر بين أثر الغفران وبين أثر العذاب. وقدمت المغفرة على العذاب لسبق رحمته غضبه. وضمير {أنا} وضمير {هو} ضميرا فصل يفيدان تأكيد الخبر. واعلم أن في قوله تعالى: {نبىء عبادي} إلى {الرحيم} من المحسّنات البديعية محسّن الاتّزان إذا سكنت ياء {أني} على قراءة الجمهور بتسكينها، فإن الآية تأتي متزنة على ميزان بحر المجتث الذي لحقه الخبن في عروضه وضربه فهو متَفْعلن فَعِلاتن مرتين.
د. أسعد حومد
تفسير : (49) - أَخْبِرْ، يَا مُحَمَّدُ، عِبَادِي أَنِّي غَفُورٌ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ، أَغْفِرُ ذَنْبَ مَنْ تَابَ وَاسْتَغْفَرَ وَأَخْلَصَ العَمَلَ، فَلا أَفْضَحُهُ وَلا أُعَاقِبُهُ، وَلاَ أُعَذِّبُهُ عَلَى ذَنْبٍ بَعْدَ أَنْ يَتُوبَ مِنْهُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والخطاب هنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم. والإنباء هو الإخبار بأمر له خطورته وعظمته؛ ولا يقال (نبىء) في خبر بسيط. وسبق أن قال الحق سبحانه عن هذا النبأ: {أية : عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ * عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ} تفسير : [النبأ: 1-2]. وقال سبحانه أيضاً عن هذا النبأ: {أية : قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ} تفسير : [ص: 67-68]. ونفهم من القول الكريم أنه الإخبار بنبأ الآخرة ما سوف يحدثُ فيها، وهنا يأتي سبحانه بخبر غُفْرانه ورحمته الذي يختصُّ به عباده المخلصين المُتقِين الذين يدخلون الجنة، ويتمتَّعون بخيْراتها خالدين فيها. ولقائل أنْ يسأل: أليستْ المغفرة تقتضي ذَنْباً؟ ونقول: إن الحق سبحانه خلقنا ويعلم أن للنفس هواجسَ؛ ولا يمكن أنْ تسلمَ النفس من بعض الأخطاء والذنوب والوسوسة؛ بدليل أنه سبحانه قد حَرَّم الكثير من الأفعال على المسلم؛ حمايةً للفرد وحمايةً للمجتمع أيضاً، ليعيش المجتمع في الاستقرار الآمن. فقد حرَّم الحق سبحانه على المسلم السرقة والزِّنَا وشُرْب الخمر، وغيرها من المُوبِقات والخطايا، والهواجس التي تقوده إلى الإفساد في الأرض، وما دام قد حرَّم كل ذلك فهذا يعني أنها سوف تقع، ونزل منهجه سبحانه مُحرِّماً ومُجَرِّماً لمن يفعل ذلك، كما يُلزم كل المؤمنين به بضرورة تجنُّب هذه الخطايا. وهنا يُوضِّح سبحانه أن مَنْ يغفل من المؤمنين ويرتكب معصية ثم يتوب عنها، عليه ألاَّ يُؤرِّق نفسه بتلك الغفلات؛ فسبحانه رءوفٌ رحيم. ونحن حين نقرأ العربية التي قد شرَّف اللهُ أهلَها بنزول القرآن بها، نجد أقسامَ الكلام إما شِعْراً أو نَثْراً، والشعر له وَزْن وقافية، وله نَغَم وموسيقى، أما النثر فليس له تلك الصِّفات، بل قد يكون مَسْجوعاً أو غَيْرَ مسجوع. وإنْ تكلمتَ بكلام نثريٍّ وجِئْتَ في وسطه ببيت من الشعر، فالذي يسمعك يُمكِنه أن يلحظ هذا الفارقَ بين الشعر والنثر. ولكن القرآن كلامُ ربٍّ قادر؛ لذلك أنت تجد هذه الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها وتقرؤها وكأنها بَيْتٌ من الشعر فهي موزونة مُقفَّاة: "نَبِّيء عِبَادِي أَنِّي أنَا الغفورُ الرَّحيمُ" ووزنها من بَحْر المُجْتث ولكنها تأتي وَسْط آيات من قبلها ومن بعدها فلا تشعر بالفارق، ولا تشعر أنك انتقلتَ من نثرٍ إلى شعٍر، ومن شعر إلى نثر؛ لأن تضامن المعاني مع جمال الأسلوب يعطينا جلال التأثير المعجز، وتلك من أسرار عظمة القرآن. ثم يقول الحق سبحانه فيما يخص الكافرين أهل الغواية: {وَأَنَّ عَذَابِي ...}.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ} [الحجر: 49] لأنه يشير إلى أن المختصين بعبوديته هم الأحرار عن رقّ عبودية ما سواه من الهوى والدنيا والعقبى وهم مظاهر صفات لطفه ورحمته {وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ ٱلْعَذَابُ ٱلأَلِيمُ} [الحجر: 50] ذلك لمن يكون عبد الهوى والدنيا وما سوى الله وأنه مظهر صفات قهره ووعيده، وفيه إشارى أخرى إلى أن سير السائرين وطيران الطائرين في هواء العبودية وقضاء الربوبية إنما يكون على قدمي الخوف والرجاء وبجناحي الأنس والهيبة معتدلاً فيها من غير زيادة إحداهما على الأخرى. {وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ} [الحجر: 51] قد مضى تحقيق هذه القصة وقصة لوط في سورة هود. فأما في قصة إبراهيم عليه السلام فإشارة أخرى إلى أن بشارته {بِغُلامٍ عَلِيمٍ} [الحجر: 53] مع كبره وكبر امرأته بشارة للطالب الصادق أنه وإن كان مسناً وقد ضعف جسمه وقواه وعجز عن جهاد النفس ومكابدتها واستعمالها في مباشرة الطاعات والأعمال البدنية يوسوسه الشيطان من نيل درجات القربة، لأن أسباب تحصيل الكمال قد تناهت ومعظمها العمر والشباب؛ ولهذا قال المشايخ: الصوفي بعد الأربعين نادر {وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ} [الحجر: 56]
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):