١٥ - ٱلْحِجْر
15 - Al-Hijr (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
51
Tafseer
الرازي
تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما بالغ في تقرير أمر النبوة ثم أردفه بذكر دلائل التوحيد، ثم ذكر عقيبه أحوال القيامة وصفة الأشقياء والسعداء، أتبعه بذكر قصص الأنبياء عليهم السلام ليكون سماعها مرغباً في الطاعة الموجبة للفوز بدرجات الأنبياء، ومحذراً عن المعصية لاستحقاق دركات الأشقياء، فبدأ أولاً بقصة إبراهيم عليه السلام، والضمير في قوله: {وَنَبّئْهُمْ } راجع إلى قوله: {عِبَادِى } والتقدير: ونبىء عبادي عن ضيف إبراهيم، يقال: أنبأت القوم إنباء ونبأتهم تنبئة إذا أخبرتهم وذكر تعالى في الآية أن ضيف إبراهيم عليه السلام بشروه بالولد بعد الكبر. وبانجاء المؤمنين من قوم لوط من العذاب وأخبروه أيضاً بأنه تعالى سيعذب الكفار من قوم لوط بعذاب الاستئصال، وكل ذلك يقوي ما ذكره من أنه غفور رحيم للمؤمنين، وأن عذابه عذاب أليم في حق الكفار. المسألة الثانية: الضيف في الأصل مصدر ضاف يضيف إذا أتى إنساناً لطلب القرى، ثم سمى به، ولذلك وحد في اللفظ وهم جماعة. فإن قيل: كيف سماهم ضيفاً مع امتناعهم عن الأكل؟ قلنا: لما ظن إبراهيم أنهم إنما دخلوا عليه لطلب الضيافة جاز تسميتهم بذلك. وقيل أيضاً: إن من يدخل دار الإنسان ويلتجىء إليه يسمى ضيفاً وإن لم يأكل، وقوله تعالى: {إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلامًا } أي نسلم عليك سلاماً أو سلمت سلاماً، فقال إبراهيم: {إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ } أي خائفون، وكان خوفه لامتناعهم من الأكل. وقيل: لأنهم دخلوا عليه بغير إذن وبغير وقت وقرأ الحسن: {لاَ تَوْجَلْ } بضم التاء من أوجله يوجله إذا أخافه. وقرىء لا تأجل ولا تواجل من واجله بمعنى أو جله، وهذه القصة قد مر ذكرها بالاستقصاء في سورة هود. وقوله: {قَالُواْ لاَ تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشّرُكَ بِغُلَـٰمٍ عَلِيمٍ } فيه أبحاث: البحث الأول: قرأ حمزة: {إِنَّا نُبَشّرُكَ } بفتح النون، وتخفيف الباء، والباقون: {نُبَشّرُكَ } بالتشديد. البحث الثاني: قوله: {إنا نُبَشّرُكَ } استئناف في معنى التعليل للنهي عن الوجل، والمعنى: أنك بمثابة الآمن المبشر فلا توجل. البحث الثالث: قوله: {إِنَّا نُبَشّرُكَ بِغُلَـٰمٍ عَلِيمٍ } بشروه بأمرين: أحدهما: أن الولد ذكر والآخر أنه يصير عليماً، واختلفوا في تفسير العليم، فقيل: بشروه بنبوته بعده. وقيل: بشروه بأنه عليم بالدين. ثم حكى الله تعالى عن إبراهيم عليه السلام أنه قال: أبشرتموني على أن مسني الكبر فيم تبشرون، فمعنى: {عَلَىٰ } ههنا للحال أي حالة الكبر، وقوله: {فَبِمَ تُبَشّرُونَ } فيه مسألتان: المسألة الأولى: لفظ ما ههنا استفهام بمعنى التعجب كأنه قال: بأي أعجوبة تبشروني؟ فإن قيل: في الآية إشكالان: الأول: أنه كيف استبعد قدرة الله تعالى على خلق الولد منه في زمان الكبر وإنكار قدرة الله تعالى في هذا الموضع كفر. الثاني: كيف قال: {فَبِمَ تُبَشّرُونَ } مع أنهم قد بينوا ما بشروه به، وما فائدة هذا الإستفهام. قال القاضي: أحسن ما قيل في الجواب عن ذلك أنه أراد أن يعرف أنه تعالى يعطيه الولد مع أنه يبقيه على صفة الشيخوخة أو يقلبه شاباً، ثم يعطيه الولد، والسبب في هذا الاستفهام أن العادة جارية بأنه لا يحصل الولد حال الشيخوخة التامة وإنما يحصل في حال الشباب. فإن قيل: فإذا كان معنى الكلام ما ذكرتم فلم قالوا: بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين. قلنا: إنهم بينوا أن الله تعالى بشره بالولد مع إبقائه على صفة الشيخوخة وقوله: فلا تكن من القانطين. لا يدل على أنه كان كذلك، بدليل أنه صرح في جوابهم بما يدل على أنه ليس كذلك فقال: {وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبّهِ إِلاَّ ٱلضَّآلُّونَ } وفيه جواب آخر، وهو أن الإنسان إذا كان عظيم الرغبة في شيء وفاته الوقت الذي يغلب على ظنه حصول ذلك المراد فيه، فإذا بشر بعد ذلك بحصوله عظم فرحه وسروره ويصير ذلك الفرح القوي كالمدهش له والمزيل لقوة فهمه وذكائه فلعله يتكلم بكلمات مضطربة في ذلك الفرح في ذلك الوقت، وقيل أيضاً: إنه يستطيب تلك البشارة فربما يعيد السؤال ليسمع تلك البشارة مرة أخرى ومرتين وأكثر طلباً للالتذاذ بسماع تلك البشارة، وطلباً لزيادة الطمأنينة والوثوق مثل قوله: { أية : وَلَـٰكِن لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى } تفسير : [البقرة: 260] وقيل أيضاً: استفهم أبأمر الله تبشرون أم من عند أنفسكم واجتهادكم؟ المسألة الثانية: قرأ نافع: {تُبَشّرُونَ } بكسر النون خفيفة في كل القرآن، وقرأ ابن كثير بكسر النون وتشديدها. والباقون بفتح النون خفيفة، أما الكسر والتشديد فتقديره تبشرونني أدغمت نون الجمع في نون الإضافة، وأما الكسر والتخفيف فعلى حذف نون الجمع استثقالاً لاجتماع المثلين وطلباً للتخفيف قال أبو حاتم: حذف نافع الياء مع النون. قال: وإسقاط الحرفين لا يجوز، وأجيب عنه: بأنه أسقط حرفاً واحداً وهي النون التي هي علامة للرفع. وعلى أن حذف الحرفين جائز قال تعالى في موضع: {وَلاَ تَكُ } وفي موضع: {وَلاَ تَكُن } فأما فتح النون فعلى غير الإضافة والنون علامة الرفع وهي مفتوحة أبداً، وقوله: {بَشَّرْنَـٰكَ بِٱلْحَقّ } قال ابن عباس: يريد بما قضاه الله تعالى والمعنى: أن الله تعالى قضى أن يخرج من صلب إبراهيم إسحق عليه السلام. ويخرج من صلب إسحق مثل ما أخرج من صلب آدم فإنه تعالى بشر بأنه يخرج من صلب إسحق أكثر الأنبياء فقوله: {بِٱلْحَقّ } إشارة إلى هذا المعنى وقوله: {فَلاَ تَكُن مّنَ ٱلْقَـٰنِطِينَ } نهي لإبراهيم عليه السلام عن القنوط وقد ذكرنا كثيراً أن نهي الإنسان عن الشيء لا يدل على كون المنهى فاعلاً للمنهى عنه كما في قوله: { أية : وَلاَ تُطِعِ ٱلْكَـٰفِرِينَ وَٱلْمُنَـٰفِقِينَ } تفسير : [الأحزاب: 1] ثم حكى تعالى عن إبراهيم عليه السلام أنه قال: {وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبّهِ إِلاَّ ٱلضَّآلُّونَ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: هذا الكلام حق، لأن القنوط من رحمة الله تعالى لا يحصل إلا عند الجهل بأمور: أحدها: أن يجهل كونه تعالى قادراً عليه. وثانيها؛ أن يجهل كونه تعالى عالماً باحتياج ذلك العبد إليه. وثالثها: أن يجهل كونه تعالى منزهاً عن البخل والحاجة والجهل فكل هذه الأمور سبب للضلال، فلهذا المعنى قال: {وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبّهِ إِلاَّ ٱلضَّآلُّونَ }. المسألة الثانية: قرأ أبو عمرو والكسائي: (يقنط) بكسر النون ولا تقنطوا كذلك، والباقون بفتح النون وهما لغتان: قنط يقنط، نحو ضرب يضرب، وقنط يقنط نحو علم يعلم، وحكى أبو عبيدة: قنط يقنط بضم النون، قال أبو علي الفارسي: قنط يقنط بفتح النون في الماضي وكسرها في المستقبل من أعلى اللغات يدل على ذلك اجتماعهم في قوله: { أية : مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ } تفسير : [الشورى: 28] وحكاية أبي عبيدة تدل أيضاً على أن قنط بفتح النون أكثر، لأن المضارع من فعل يجيء على يفعل ويفعل مثل فسق يفسق ويفسق ولا يجيء مضارع فعل على يفعل، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ} ضيفُ إبراهيم: الملائكة الذين بشروه بالولد وبهلاك قوم لوط. وقد تقدّم ذكرهم. وكان إبراهيم عليه السلام يكنى أبا الضيفان وكان لقَصْره أربعة أبواب لكيلا يفوته أحد. وسمي الضيف ضيفاً لإضافته إليك ونزوله عليك. وقد مضى من حكم الضيف في «هود» ما يكفي والحمد لله. {إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ} جمع الخبر لأن الضيف اسم يصلح للواحد والجمع والتثنية والمذكر والمؤنث كالمصدر. ضافه وأضافه أماله؛ ومنه الحديث: «حديث : حين تَضيف الشمس للغروب»تفسير : ، وضيفوفة السهم، والإضافة النحوية. {فَقَالُواْ سَلاماً} أي سلَّموا سلاماً. {قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ} أي فزعون خائفون، وإنما قال هذا بعد أن قرّب العجل ورآهم لا يأكلون، على ما تقدّم في هود. وقيل: أنكر السلام ولم يكن في بلادهم رسم السلام. {قَالُواْ لاَ تَوْجَلْ} أي قالت الملائكة لا تخف. {إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ} أي حليم؛ قاله مقاتل. وقال الجمهور: عالم. وهو إسحاق. {قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَىٰ أَن مَّسَّنِيَ ٱلْكِبَرُ} «أنْ» مصدرية؛ أي على مس الكبر إياي وزوجتي، وقد تقدّم في هود وإبراهيم؛ حيث يقول: «فَبِمَ تُبَشِّرُونَ» استفهام تعجب. وقيل: استفهام حقيقي. وقرأ الحسن «تُوجل» بضم التاء. والأعمش «بشرتمونِي» بغير ألف، ونافع وشيبة «تُبَشِّرونِ» بكسر النون والتخفيف؛ مثل «أتحاجّونِي» وقد تقدّم تعليله. وقرأ ابن كَثير وابن محيصِن «تُبَشِّرُونِّ» بكسر النون مشدّدة، تقديره تبشرونني، فأدغم النون في النون. الباقون «تُبشرون» بنصب النون بغير إضافة.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: وأخبرهم يا محمد عن قصة {ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ} والضيف يطلق على الواحد والجمع؛ كالزور والسفر، وكيف {دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ} أي: خائفون، وقد ذكر سبب خوفه منهم لما رأى أيديهم لا تصل إلى ما قربه إليهم من الضيافة، وهو العجل السمين الحنيذ {قَالُواْ لاَ تَوْجَلْ} أي: لا تخف {أية : وَبَشَّرُوهُ بِغُلَـٰمٍ عَلَيمٍ} تفسير : [الذاريات: 28] أي: إسحاق عليه السلام؛ كما تقدم في سورة هود، ثم {قَالَ} متعجباً من كبره وكبر زوجته، ومتحققاً للوعد: {أَبَشَّرْتُمُونِى عَلَىٰ أَن مَّسَّنِىَ ٱلْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ} فأجابوه مؤكدين لما بشروه به تحقيقاً وبشارة بعد بشارة { قَالُواْ بَشَّرْنَـٰكَ بِٱلْحَقِّ فَلاَ تَكُن مِّنَ ٱلْقَـٰنِطِينَ} وقرأ بعضهم: القنطين، فأجابهم بأنه ليس يقنط، ولكن يرجو من الله الولد، وإن كان قد كبر، وأسنَّت امرأته، فإنه يعلم من قدرة الله ورحمته ما هو أبلغ من ذلك.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ } هم الملائكة إثنا عشر أو عشرة أو ثلاثة منهم جبريل.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل:{قالوا لا توجل}أي لا تخف، ومنه قول معن بن أوس: شعر : لعمرك ما أدري وأني لأوجل على أينا تعدو المنيةُ أوّلُ تفسير : {إنّا نبشِّرك بغلامٍ عليم}أي بولد هو غلام في صغره، عليم في كبره، وهو إسحاق. لقوله تعالى{فضحكت فبشرناها بإسحاق}. وفي{عليم} تأويلان: أحدهما: حليم، قاله مقاتل. الثاني: عالم، قاله الجمهور. فأجابهم عن هذه البشرى مستفهماً لها متعجباً منها{قال أبَشّرتموني على أن مسنيَ الكبر} أي علو السن عند الإياس من الولد. {فبم تبشرونَ} فيه وجهان: أحدهما: أنه قال ذلك استفهاماً لهم، هل بشروه بأمر الله؟ ليكون أسكن لنفسه. الثاني: أنه قال ذلك تعجباً من قولهم، قاله مجاهد. {قالوا بشرناك بالحقّ}أي بالصدق، إشارة منهم إلى أنه عن الله تعالى. {فلا تكن مِنَ القانطين}أي من الآيسين من الولد.
ابن عطية
تفسير : قرأ أبو حيوة "ونبهُم" بضم الهاء من غير همز، وهذا ابتداء قصص بعد انصرام الغرض الأول، و {ضيف} مصدر وصف به فهو للواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث بلفظ واحد كعدل وغيره، قال النحاس وغيره: التقدير عن أصحاب ضيف. قال القاضي أبو محمد: ويغني عن هذا أن هذا المصدر عومل معاملة الأسماء كما فعل في رهن ونحوه، والمراد بـ "الضيف" هنا الملائكة الذين جاؤوا لإهلاك قوم لوط وبشروا إبراهيم، وقد تقدم قصصهم. وقوله {سلاماً} مصدر منصوب بفعل مضمر تقديره سلمنا أو نسلم سلاماً، والسلام هنا التحية، وقوله {سلاماً} حكاية قولهم فلا يعمل القول فيه، وإنما يعمل إذا كان ما بعده ترجمة عن كلام ليس يحكى بعينه كما تقول لمن قال لا إله إلا الله قلت حقاً ونحو هذا وقوله {إنا منكم وجلون} أي فزعون، وإنما وجل إبراهيم عليه السلام منهم لما قدم إليهم العجل الحنيذ فلم يرهم يأكلون، وكانت عندهم العلامة المؤمنة أكل الطعام، وكذلك هو في غابر الدهر أمنة للنازل والمنزول به، وقرأ الجمهور "لا توجل" مستقبل وجل، وقرأ الحسن "لا تُؤجل" بضم التاء على بناء الفعل للمفعول من أوجل، لأن وجل لا يتعدى، وكانت هذه البشارة بإسحاق، وذلك بعد مولد إسماعيل بمدة، وقول إبراهيم {أية : الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق} تفسير : [إبراهيم: 39] وليس يقتضي أنهما حينئذ وهبهما بل قبل الحمد بكثير. وقرأ الجمهور "أبشرتموني" بألف الاستفهام، وقرأ الأعرج "بشرتموني" بغير ألف. وقوله: {على أن مسني الكبر}، أي في حالة قد مسني فيها الكبر، وقرأ ابن محيصن "الكُبْر" بضم الكاف وسكون الباء، وقرأ أبو عمرو وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي "تُبشرونَ" بفتح النون التي هي علامة الرفع، والفعل على هذه القراءة غير معدى، وقرأ الحسن البصري "تبشروني" بنون مشددة وياء، وقرأ ابن كثير بشد النون دون ياء، وهذه القراءة أدغمت فيها نون العلامة في النون التي هي للمتكلم موطئة للياء، وقرأ نافع "تبشرونِ" بكسر النون، وغلط أبو حاتم نافعاً في هذه القراءة، وقال إن شاهد الشعر في هذا اضطرار. قال القاضي أبو محمد: وهذا حمل منه، وتقدير هذه القراءة أنه حذفت النون التي للمتكلم وكسرت النون التي هي علامة الرفع بحسب الياء، ثم حذفت الياء لدلالة الكسرة عليها، ونحو هذا قول الشاعر أنشده سيبويه: [الوافر] شعر : تراه كالثغام يعل مسكاً يسوء الفاليات إذا فليني تفسير : ومنه قول الآخر: شعر : أبالموت الذي لا بد أني ملاق لا أباك تخوفيني تفسير : ومن حذف هذه النون قول الشاعر: شعر : قدني من نصر الخبيبين قدي تفسير : يريد عبد الله ومصعباً ابني الزبير، وكان عبد الله يكنى أبا خبيب، وقرأ الحسن "فبم تَبشُرون" بفتح التاء وضم الشين، وقول إبراهيم عليه السلام {فبم تبشرون} تقرير على جهة التعجب والاستبعاد لكبرهما، أو على جهة الاحتقار وقلة المبالاة بالمسرة الدنيوية لمضي العمر واستيلاء الكبر. قال مجاهد: عجب من كبره ومن كبر امرأته، وقد تقدم ذكر سنه وقت البشارة. وقولهم {بشرناك بالحق} فيه شدة ما، أي بشر بما بشرت به ودع غير ذلك، وقرأ جمهور الناس "القانطين" والقنوط: أتم اليأس، وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش وابن مصرف ورويت عن عمرو "القنطين"، وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم وابن عامر وحمزة، "من يقنَط" بفتح النون في كل القرآن، وقرأ أبو عمرو والكسائي "ومن يقنِط" بكسر النون، وكلهم قرأ من {أية : بعد ما قنطوا} تفسير : [الشورى: 28] بفتح النون، ورد أبو عبيدة قراءة أهل الحرمين وأنكر أن يقال قِنط بكسر النون، وليس كما قال لأنهم لا يجمعون إلا على قوي في اللغة مروي عندهم، وهي قراءة فصيحة إذ يقال قَنَط يقنَط يقنِط مثل نَقَم ونقِم، وقرأ الأعمش هنا "يقنِط" بكسر النون، وقرأ {أية : من بعد ما قنطوا} تفسير : [الشورى: 28] بكسر النون أيضاً، فقرأ باللغتين، وقرأ الأشهب "يقنُط" بضم النون وهي قراءة الحسن والأعمش أيضاً وهي لغة تميم.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {إذ دخلوا} وبابه مدغماً: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف غير هشام {إنا نبشرك} بسكون الباء وضم الشين: حمزة. الآخرون بالتشديد {تبشرون} بالتشديد وكسر النون المخففة: نافع مثله. ولكن مشددة النون: ابن كثير. الباقون بفتح النون على أنها علامة رفع {يقنط} بكسر النون: أبو عمرو وسهل ويعقوب وعلي وخلف وكذلك بابه. الآخرون بالفتح {آل لوط} مدغماً حيث كان شجاع {لمنجوهم} بالتخفيف: يعقوب وحمزة علي وخلف. الباقون بالتشديد {قدرنا} بالتخفيف حيث كان: أبو بكر وحماد {بناتي إن} بفتح الياء: أبو جعفر ونافع {أني أنا} بفتح ياء المتكلم: جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو. الوقوف: {إبراهيم} ه ج لئلا يصير {إذا دخلوا} ظرفاً {لنبئهم} فإنه محال {سلاماً} ط {وجلون} ه {عليم} ه {تبشرون} ه {القانطين} ه {الضالون} ه {المرسلون} ه {مجرمين} ه لا للاستثناء. {آل لوط} ط {أجمعين} ه لا {قدرنا} لا لأن الجملة بعده مفعول والكسر لدخول اللام في الخبر {الغابرين} ه {المرسلون} ه لا لأن ما بعده جواب "لما" {منكرون} ه {يمترون} ه {لصادقون} ه {تؤمرون} ه {مصبحين} ه {يستبشرون} ه {فلا تفضحون} ه لا للعطف {ولا تخزون} ه {العالمين} ه {فاعلين} ه ط لابتداء القسم {يعمهون} ه {مشرقين} ه لا لاتصال انقلابها بالصيحة {من سجيل} ط {للمتوسمين} ه {مقيم} ه {للمؤمنين} ه ط لتمام القصة {لظالمين} ه لا لاتصال الانتقام بظلمهم {منهم} ه ط لأن الواو للابتداء فلو وصل لشابه الحال وهو محال {مبين} ه ط لتمام قصتهم {المرسلين} ه لا لأن الواو بعده للحال وقد آتيناهم {معرضين} ه لا للعطف {آمنين} ه ط {مصبحين} ه ط للاتصال معنى {يكسبون} ه م لتمام القصص {إلا بالحق} ط {الجميل} ه {العليم} ه {العظيم} ه {للمؤمنين} ه {المبين} ه ج لجواز تعلق الكاف بقوله: {فأخذتهم} أو بقوله: {فانتقمنا} ولجواز تعلقها بمحذوف أي أنزلنا عليهم العذاب كما أنزلنا، وتمام البحث سيجيء في التفسير. {المقتسمين} ه لا {عضين} ه {أجمعين} ه لا {يعملون} ه {المشركين} ه {المستهزئين} ه لا {آخر} ج لابتداء التهديد مع الفاء {يعلمون} ه {يقولون} ه لا لاتصال الأمر بالتسبيح تسلية {الساجدين} ه لا للعطف {اليقين} ه. التفسير: إنه سبحانه عطف {ونبئهم} على {نبىء عبادي} ليكون سماع هذه القصص مرغباً في الطاعة الموجبة للفوز بدرجات الأولياء، ومحذراً من المعصية المستتبعة لدركات الأشقياء، ولما في قصة لوط من ذكر إنجاء المؤمنين وإهلاك الظالمين، وكل ذلك يقوّي ما ذكر من أنه غفور رحيم للمؤمنين، وأن عذابه عذاب أليم للكافرين. وعند المعتزلة غفور للتائبين معذب لغيرهم. وقد مر تفسير أكثر هذه القصة في سورة هود فنذكر الآن ما هو مختص بالمقام. فقوله: {وجلون} معناه خائفون خافهم لامتناعهم من الأكل أو لدخولهم بغير إذن وفي غير وقت. {إنا نبشرك} استئناف في معنى تعليل النهي عن الوجل. بشروه بالولد الذكر بكونه عليماً فقيل: أرادوا بعلمه نبوته. وقيل: العلم مطلقاً. وقوله: {على أن مسني} في موضع الحال أي مع هذه الحالة استفهم منكراً للولادة في حالة الهرم أنها أمر عجيب عادة لا لأنه شك في قدرة الله تعالى ولذلك قال: {فبم تبشرون} "ما" استفهامية دخلها معنى التعجب كأنه قال: فبأي أعجوبة تبشروني أي أو أنكم لا تبشروني بشيء في الحقيقة لأن ذلك أمر غير متصور في العادة؟ وأحسن ما قيل فيه أن لا يكون قوله: "بما" صلة للتبشير بل يكون سؤالاً عن الوجه والطريقة يعني إذا كان الطريق. المعتاد ممتنعاً فبأي طريق تبشرونني بالولد، فلذلك قالوا في جوابه {بشرناك بالحق} أي باليقين الذي لا لبس فيه، أو بشرناك بالولد بطريق هو حق وذلك قول الله تعالى ووعده وأنه قادر على خلق الولد من غير أبوين فضلاً من شيخ فانٍ وعجوز عاقر. قال أبو حاتم: حذف نافع ياء المتكلم مع النون وإسقاط الحرفين لا يجوز. وأجيب بأنه لم يحذف إلا الياء اكتفاء بالكسرة ونون الوقاية لم يوردها كما أوردت في قراءة التشديد، وإنما كسر نون الجمع لأجل الياء وكلتا اللغتين فصيحة. قيل: عظم فرحه بتلك البشارة فدهش عن الجواب المنتظم فتكلم بالكلام المضطرب. وقيل: طلب مزيد الطمأنينة كقوله: {أية : ولكن ليطمئن قلبي}تفسير : [البقرة: 260] عن ابن عباس: يريد بالحق ما قضى الله أن يخرج من صلب إبراهيم إسحق ومن صلب إسحق أكثر الأنبياء. وقوله: {فلا تكن من القانطين} لا يدل على أنه كان قانطاً فقد ينهى عن الشيء ابتداء كقوله: {أية : ولا تطع الكافرين}تفسير : [الأحزاب: 48]. ولذلك أنكر إبراهيم نهيهم بقول: {ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون} أي المخطئون طريق الصواب أو الكافرون نظيره {أية : إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون}تفسير : [يوسف: 87] وفيه أنه لم يستنكر ذلك قنوطاً من رحمته ولكن استبعاداً له في العادة التي أجراها الله هما لغتان: قنط يقنط مثل ضرب يضرب، وقنط يقنط مثل علم يعلم. وزعم الفارسي أن الأولى أعلى اللغتين. ثم سأل عما لأجله أرسلهم الله حيث قال: {فما خطبكم} والخطب الشأن العظيم. فسئل أنهم لما بشروه بالولد الذكر العليم فما وجه السؤال عن مجيئهم؟ وأجاب الأصم بأن المراد ما الأمر الذي وجهتم فيه سوى البشرى؟. وقال القاضي: إنه علم أن المقصود لو كان التبشير فقط لكان الملك الواحد كافياً. وقيل: علم أنه لو كان تمام الغرض البشارة لذكروها أول ما دخلوا قبل أن يوجس إبراهيم منهم خيفة. قلت: لعله استصغر أمر التبشير إما لأجل التواضع وإما لأنه واقعة خاصة فسألهم عن الأمر الذي هو أعظم من ذلك وأعم تعظيماً لشأنهم {قالوا إنا أرسلنا} زعم صاحب الكشاف أن الإرسال ههنا في معنى التعذيب والإهلاك كإرسال الحجر أو السهم إلى المرمى. وأقول: كأنه لا حاجة إلى هذا التجوز لقوله في سورة الذاريات {أية : إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين لنرسل عليهم حجارة من طين}تفسير : [الآيتان: 32 - 33] فالتقدير إنا أرسلنا إليهم لنهلكهم {إلا آل لوط} وعلى هذا يكون الاستثناء منقطعاً لاختلاف الجنسين، فإن القوم موصوفون بالإجرام دون آل لوط. يكون قوله: {إنا لمنجوهم} جارياً مجرى خبر "لكن" كأنه قيل: لكن قوم لوط منجون، ويكون قوله: {إلا امرأته} استثناء من الاستثناء أي أرسلنا إليهم لنهلكهم إلا آل لوط {إلا امرأته} كقول المقر: لفلان علي عشرة إلا ثلاثة إلا واحداً. وجوز في الكشاف أن يكون قوله: {إلا آل لوط} مستثنى من الضمير في {مجرمين} حتى يكون الاستثناء متصلاً أي إلى قوم قد أجرموا كلهم إلا آل لوط وحدهم. ولم لا يجوزالاستثناء من الاستثناء بناء على أن {آل لوط} مستثنى من معمول {أرسلنا} أو {مجرمين} و {إلا امرأته} من معمول {منجوهم} وقد عرفت ما فيه على أنه إذا جعل الإرسال بمعنى الإهلاك كما قرره هو آل الأمر إلى ما ذكرنا فلا أدري لم استبعده مع وفور فضله. قال أهل اللغة: قدرت الشيء وقدرته بالتخفيف والتثقيل جعلت الشيء على مقدار غيره، ومنه قدر الله الأقوات أي جعلها على مقدار الكفاية، وقدر الأمور أي جعلها على مقدار ما يكفي في أبواب الخير والشر. وقيل: في معنى قدرنا: كتبنا. وقال الزجاج: دبرنا. وقيل: قضينا. والكل متقارب، والمشدد في هذا المعنى أكثر استعمالاً وأنه جواب سؤال كأنه قيل: ما بالها استثنيت من الناجين؟ فقيل: {قدرنا إنها لمن الغابرين} أي الباقين في الهوالك. ويقال للماضي أيضاً غابر وهو من الأضداد. قال في الكشاف: علق فعل التقدير مع أن التعليق من خصائص أفعال القلوب لأنه في معنى العلم. وإنما أسندوا الفعل إلى أنفسهم مع التقدير لله عز وجل بياناً لاختصاصهم به تعالى كما يقول خاصة الملك دبرنا كذا أو أمرنا بكذا ولعل المدبر والآمر هو الملك وحده. ثم إن الملائكة لما بشروا إبراهيم عليه السلام بالولد وأخبروه بأنهم مرسلون إلى قوم مجرمين ذهبوا بعد ذلك إلى لوط وذلك قوله: {فلما جاء آل لوط المرسلون قال} أي لوط {إنكم قوم منكرون} تنكركم نفسي وتنفر منكم. وذلك أنهم هجموا عليه فلم يعرفهم وخاف أن يطرقوه بشر فلذلك {قالوا بل جئناك بما كانوا فيه يمترون} أي ما جئناك بما توهمت بل جئناك بما فيه فرجك وتشفيك من عدوك وهو العذاب الذي كنت تخوفهم به وهم يشكون في وقوعه. {وأتيناك بالحق} باليقين الثابت. وقال الكلبي: بالعذاب الذي لا شك فيه {وإنا لصادقون} فيما أخبرناك به {فأسر بأهلك بقطع من الليل} أي في آخره وقدم في سورة هود وزاد ههنا قوله: {واتبع أدبارهم} لأنه إذا ساقهم وكان من ورائهم علم بنجاتهم، ولا يخفى حالهم. ففي الآية زيادة بيان لكيفية الإسراء ثم زاد في البيان فقال: {ولا يلتفت منكم أحد} ولم يستثن امرأته اكتفاء بما مر في السورة من قوله: {إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين إلا امرأته} قال جار الله: إنما أمر باتباع أدبارهم ونهى عن الالتفات ليكون فارغ البال من حالهم فيخلص قلبه لشكر الله، ولئلا يتخلف منهم أحد لغرض له فيصيبه العذاب، ولئلا يشاهدوا عذاب قومهم فيرقوا لهم مع أنهم ليسوا من أهل الرقة عليهم، وليوطنوا نفوسهم على المهاجرة ولا يتحسروا على ما خلفوا. وجوز أن يكون النهي عن الالتفات كناية عن مواصلة السير وترك التواني، لأن من يلتفت لا بد أن يقع له أدنى وقفة {وامضوا حيث تؤمرون} قال الجوهري: مضى الشيء مضياً ذهب، ومضى في الأمر مضياً أنفذه. وقال في الكشاف: عدى {وامضوا} إلى {حيث} تعديته إلى الظرف المبهم لأن {حيث} مبهم في الأمكنة، وكذلك الضمير في {تؤمرون} قلت: حاصل الكلام يرجع إلى قوله: اذهبوا إلى المكان الذي تؤمرون بالذهاب إليه، أو أنفذوا أمر الذهاب إلى هنالك. عن ابن عباس: إنه الشام. وقيل: مصر. وقال المفضل: حيث يقول لكم جبرائيل وكانت قرية معينة ما عمل أهلها عمل قوم لوط. ثم أخبر عن حالهم مجملاً فقال: {وقضينا} ضمن معنى أوحينا ولذلك عدي بإلى كأنه قيل: وأوحينا. {إليه ذلك الأمر} مقتضياً مبتوتاً. ثم فسر ذلك الأمر بقوله: {أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين} أي يستأصلون عن آخرهم حال ظهور الصبح ودخولهم فيه. وفي هذا الإجمال والتفسير تفخيم لشأن الأمر وتعظيم له. ثم حكى ما أبدى قوم لوط من الفعال بعد نزول الملائكة فقال: {وجاء أهل المدينة} أي أهل سذوم التي ضرب بقاضيها المثل فقيل أجور من قاضي سذوم. {يستبشرون} بظهور السرور بمجيء الملائكة لأنهم رأوهم مرداً حسان الوجوه {قال} لوط لما قصدوا أضيافه {إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون} بفضيحة ضيفي لأن الضيف يجب إكرامه فإذا أسيء إليه في دار المضيف كان ذلك إهانة وفضيحة للمضيف. يقال: فضحه يفضحه فضحاً وفضيحة إذا أظهر من أمره ما يلزمه العار {واتقوا الله ولا تخزون} مر في "هود" {قالوا} في جواب لوط {أو لم ننهك عن العالمين} أي ألسنا نهيناك عن أن تكلمنا في شأن أحد من الناس إذا قصدناه بالفاحشة؟ وكانوا يتعرضون لكل أحد، وكان لوط عليه السلام ينهاهم عن ذلك فأوعدوه نظيره {أية : لئن لم تنته يا لوط لتكونن من المخرجين}تفسير : {الشعراء: 116] وقيل: نهوه عن ضيافة الناس وإنزالهم {قال هؤلاء بناتي} من الصلب أو أراد نساء أمته كما مر في "هود". قال جار الله {إن كنتم فاعلين} شك في قبولهم لقوله كأنه قال وما أظنكم تفعلون. وقيل: إن كنتم تريدون قضاء الشهوة فبما أحل الله دون ما حرم. ثم قالت الملائكة للوط عليه السلام {لعمرك} مبتدأ محذوف الخبر لكثرة الاستعمال أي قسمي أو هو ما أقسم به. والعمر والعمر بالفتح والضم واحد إلاّ أنهم خصوا القسم بالمفتوح اتباعاً للأخف، فإن الحلف كثير الدور على ألسنتهم {إنهم لفي سكرتهم} غوايتهم التي أذهبت عقولهم حتى لم يميزوا بين خطئهم وصوابك {يعمهون} يتحيرون فكيف يقبلون قولك الذي تأمرهم به من ترك البنين إلى البنات؟ وقيل: إنه سبحانه خاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقسم بحياته صلى الله عليه وسلم كرامة له صلى الله عليه وسلم وما أقسم بحياة أحد قط وذلك يدل على أنه أكرم الخلق على الله {فأخذتهم الصيحة مشرقين} داخلين في الشروق وهو بزوغ الشمس كان اتبداء العذاب من أول الصبح لقوله: {مصبحين} أليس الصبح بقريب؟ وغلبته كانت عن طلوع الشمس قال المفسرون: هي صيحة جبرائيل. قلت: ويحتمل أن تكون صيحة قلب المدائن وإرسال الحجارة عليهم. قال بعض المفسرين: إنما قال: {وأمطرنا عليهم} وفي سورة هود {أية : وأمطرنا عليها}تفسير : [الآية: 82] لأنه أراد ههنا من شذ من القرية منهم. وقيل: سبب تخصيص هذه السورة بجمع المذكر هو بناء القصة على قوله: {إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين} {إن في ذلك لآيات للمتوسمين} للمتفرسين. وحقيقة التوسم التثبت في النظر حتى يعرف حقيقة سمة الشيء فعبر به عن التأمل والتفكر {وإنها} يعني تلك القرى وآثارها {لبسبيل مقيم} ثابت يسلكه الناس المارة من الحجاز إلى الشام يشاهدون آثار قهر الله وغضبه هنالك. قال بعضهم: إنما جميع الآيات في قوله: {إن في ذلك لآيات للمتوسمين} لأنه أشار إلى ما تقدم عن ضيف براهيم وقصة لوط وقلب المدينة وإمطار الحجارة عليها وعلى من غاب منهم. وقال في الثانية {وإنها} أي القرية {لبسبيل} وهذه واحدة من تلك الآيات فلذلك قال: {إن في ذلك لآية للمؤمنين} وقيل: ما جاء من القرآن من الآيات فلجمع الدلائل، وما جاء من الآية فلوحدانية المدلول عليه، فلما ذكر عقيبه المؤمنين وهم مقرون بوحدانيته وحد الآية نظيره في "العنكبوت" {أية : خلق الله السموات والأرض بالحق إن في ذلك لآية للمؤمنين}تفسير : [الآية: 44]. ثم أجمل قصة قوم شعيب فقال: {وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين} "إن" مخففة من الثقيلة ولذلك دخلت اللام الفارقة في خبرها. كانوا أصحاب غياض ومواضع ذات شجر فنسبوا إليها. والآيكة الشجر الملتف. والضمير في قوله: {وإنهما} يعود إلى قرى قوم لوط وإلى الأيكة. وقيل: بل إلى الآيكة ومدين لأن شعيباً كان مبعوثاً إليهما فدل بذكر أحد الموضعين ههنا - وهو الأيكة - على الآخر {لبإمام مبين} لبطريق واضح. قال الفراء والزجاج: سمي الطريق إماماً لأنه يؤم ويتبع. وقال ابن قتيبة: لأن المسافر يأتم به حتى يصير إلى الموضع الذي يريده. ثم ختم القصص بقصة ثمود فقال: {ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين} وهو واد بين الشأم والمدينة. وجمع المرسلين لأن تكذيب نبي واحد- وهو صالح - كتكذيب جميع الأنبياء، أو لأن القوم كانوا براهمة منكرين لكل الرسل، أو أراد صالحاً ومن معه من المؤمنين، {وآتيناهم} أي أعطينا رسولهم {آياتنا} أراد الناقة وكانت فيها آيات خروجها من الصخر وعظم خلقها وكثرة لبنها إلى غير ذلك كما حكينا في "الأعراف" {فكانوا عنها} أي عن النظر فيها والاعتبار بها {معرضين} وفيه أن التقليد مذموم والاستدلال واجب {وكانوا ينحتون من الجبال بيوتاً آمنين} من أن تنهدم ويتداعى بنيانها أو يقع سقفهم عليهم، أو آمنين من عذاب الله أو من حوادث الدهر. {فما أغنى عنهم} لم يدفع عنهم شيئاً من عذاب الله {ما كانوا يكسبون} من بناء البيوت الوثيقة ومن جمع الأموال والعدد. ولم فرغ من القصص قال: {وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق} أي متلبسة بالفوائد والغايات والحكم الصحيحة منها: اشتغال المكلفين بالعبادة والطاعة حتى لو تركوها وأعرضوا عنها وجب في الحكمة إهلاكهم وتطهير الأرض منهم، وهذا النظم يناسب أصول الاعتزال، قال الجبائي: فيه بطلان مذهب الجبرية الذين يزعمون أن أكثر ما خلق الله بين السموات والأرض من الكفر والمعاصي باطل. وأجيب بأن أفعال العباد من جملة ما بين السموات والأرض فوجب أن يكون الله خالقها. ويمكن أن يقال في وجه النظم: إن هذا ابتداء شروع في تسلية النبي صلى الله عليه و سلم وتصبيره على أذيات قومه بعد اقتصاص أحوال الأمم السالفة ومعاملاتهم مع أنبيائهم، ويؤيد هذا النظم قوله: {وإن الساعة لآتية} معناه أن الله سينتقم لك فيها من أعدائك ويجازيك وإياهم على حسناتك وسيئاتهم فإنه ما خلق السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق والعدل فكيف يليق بحكمته وفضله إهمال أمرك؟ ولما صبره على أذى قومه رغبه في الصفح فقال: {فاصفح الصفح الجميل} أي فأعرض عنهم إعراضاً جميلاً بحلم وإغضاء إن كان اللام الجنس فالمراد هذا النوع من الصفح لا الذين يشتمل على حقد واجتهال ومكر، وإن كان للعهد فلعل المراد ما أمر به في نحو قوله: {أية : خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين}تفسير : [الأعراف: 199] وقيل: هذا منسوخ بآية السيف والأظهر أن حسن المعاشرة والمخالقة مأمور به ما أمكن فلا حاجة إلى ارتكاب النسخ {إن ربك هو الخلاق} كثير الخلق {العليم} الكامل العلم يعلم ما يجري بين الخلائق من الأحوال والأخلاق وإن كثروا وكثرت فيجازيهم يوم القيامة على حسب ذلك. وقيل: أراد أنه الذي خلقكم وعلم ما هو الأصلح لكم، فاليوم الصفح أصلح فاصفحوا إلى أن يكون السيف أصلح. ثم حثه على الصفح والتجاوز بذكر النعم العظام التي خصه بها فقال: {ولقد آتيناك سبعاً من المثاني} أكثر المفسرين على أن المراد بها فاتحة الكتاب وهو قول عمر وعلي رضي الله عنهما وابن مسعود وأبي هريرة والحسن وأبي العالية ومجاهد والضحاك وسعيد بن جبير وقتادة. وذلك أنها سبع آيات. والمثاني جمع مثناة من التثنية أو جمع مثنية لأنها تثنى في كل صلاة. وقال الزجاج: تثنى بما يقرأ بعدها معها. وأيضاً قسمت بنصفين قسم ثناء وقسم دعاء، وقد ورد الحديث في هذا المعنى "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين" وقد مر في أول الكتاب. وأيضاً كلماتها مثناة مثل: {الرحمن الرحيم} {إياك} و{إياك} {الصراط} {صراط} {عليهم} {عليهم} واشتمالها على ثناء الله تعالى وتحميده مقرر ومما يتفرع على هذا القول ما نقل القاضي عن أبي بكر الأصم أنه قال: كان ابن مسعود لا يكتب في مصحفه فاتحة الكتاب. فقيل: كأنه رأى أنه تعالى عطف عليه قوله: {والقرآن العظيم} والعطف يوجب المغايرة فوجب أن تكون السبع المثاني غير القرآن. والجواب أنه قد يكون بعطف الجزء على الكل كقوله: {أية : وملائكته وجبريل}تفسير : [البقرة: 98] أو بالعكس كما في الآية. والمقصود في الوصفين تميز البعض عن الكل تنبيهاً على مزية ذلك البعض وشرفه. فإن قلت: ليس لعطف لكل على البعض نظير، والاستدلال بالآية استدلال بصورة النزاع من غير دليل. قلنا: يكفي بقوله: {ولقد آتيناك} دليلاً على أنه من القرآن. وعن ابن عمر وسعيد بن جبير في رواية: أن السبع المثاني هي السبع الطوال سميت بذلك لما وقع فيها من تكرير القصص والمواعظ والوعد والوعيد وغير ذلك، أو لأنها تثني على الله بأفعاله العظمى وصفاته الحسنى. وأنكر الربيع هذا القول لأن هذه السورة مكية وأكثر تلك السورة مدنية. وأجيب بأن المراد من الإيتاء إنزالها إلى السماء الدنيا، والمكية والمدنية في ذلك سيان، وضعف بأن إطلاق لفظ الإيتاء على ما لم يصل بعد إليه خلاف الظاهر. وقال قوم: السبع المثاني هي التي دون الطول والمئين وفوق المفصل، واحتجوا عليه بما روى ثوبان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن الله أعطاني السبع الطوال مكان التوراة، وأعطاني المئين مكان الإنجيل، وأعطاني المثاني مكان الزبور وفضلني ربي بالمفصل" تفسير : . قال الواحدي: والقول في تسمية هذه السور مثاني كالقول في تسمية الطول مثاني. وروي عن ابن عباس وإليه ذهب طاوس أنها هي القرآن لقوله سبحانه: {أية : كتاباً متشابهاً مثاني}تفسير : [الزمر: 23] وأنها سبعة أسباع كرر فيها دلائل التوحيد والنبوة والتكاليف. ومعنى العطف على هذا القول الجمعية كقوله: إلى الملك القرم وابن الهمام. وكأنه قيل: آتيناك ما هو الجامع لكونه سبعاً مثاني ولكونه قرآناً عظيماً. قال الزجاج ووافقه صاحب الكشاف: و"من" في {من المثاني} للبيان أو للتبعيض إذا أردت بالسبع الفاتحة أو الطول، وللبيان إذا أردت الأسباع. ولما عرف رسوله نعمه الدينية ورغبه فيها نفره من اللذات العاجلة الزائلة لأن كل نعمة وإن عظمت فإنها بالنسبة إلى نعمة القرآن ضيئلة حقيرة، ومنه الحديث "حديث : من لم يتغن بالقرآن أي لم يستغن به - فليس منا"تفسير : وقول أبي بكر: من أوتي القرآن فرآى أن أحداً أوتي من الدنيا أفضل مما أوتي فقد صغر عظيماً وعظم صغيراً. فمن حق قارىء القرآن الواقف على معانيه أن لا يشغل سره بالالتفات إلى الدنيا وزهرتها. قال الواحدي: إنما يكون مادّاً عينيه إلى الشيء إذا أدام النظر نحوه، وإدامة النظر إليه تدل على استحسانه وتمنيه. وقال في الكشاف: معنى {لا تمدن} لا تطمح ببصرك طموح راغب فيه متمن له {إلى ما متعنا به أزواجاً منهم} أي أصنافاً من الكفار قاله ابن قتيبة. وقال الجوهري: الأزواج القرناء. وقال بعضهم: لا تمدن عينيك أي لا تحسدنّ أحداً على ما أوتي من الدنيا. وضعف بأن الحسد منهي عنه مطلقاً فكيف يحسن تخصيص الرسول به؟ ويمكن أن يجاب بأن المراد منه نهي التكوين كقوله: {أية : ولا تكونن من المشركين}تفسير : [الأنعام: 14] أو المراد الغبطة فهي محظورة عليه صلى الله عليه وسلم لجلالة منصبه وإن كانت جائزة لأمته. ويروى أنه وافت من بلاد الشام سبع قوافل ليهود بني قريظة والنضير فيها أنواع البز والطيب والجوهر، فقال المسلمون: لو كانت هذه الأموال لنا لتقوّينا بها ولأنفقناها في سبيل الله. فقال لهم الله عز وجل: لقد أعطيتكم سبع آيات هي خير من هذه القوافل السبع. وإنما قال في هذه السورة {لا تمدن} بغير واو العطف لأنه لم يسبقه طلب بخلاف ما في سورة طه. ثم لما نهاه عن الالتفات إلى أموالهم وأمتعتهم نهاه عن الالتفات إليهم أنفسهم وإن لم يحصل لهم في قلبه قدر ووزن فقال: {ولا تحزن عليهم} أي على أنهم لم يؤمنوا فيتقوى بمكانهم الإسلام وينتعش بهم المؤمنون، وكما أمره بالتكبر على الأغنياء والترفع عنهم إذا كانوا كفاراً أمره بالتواضع للفقراء، إذا كانوا مؤمنين فقال: {واخفض جناحك للمؤمنين} الخفض نقيض الرفع، وجناحا الإنسان يداه، وخفضهما كناية عن اللين والرفق. وإنما قال في سورة الشعراء بزيادة {أية : لمن اتبعك}تفسير : [الآية: 215] لأنه قال قبله {أية : وأنذر عشيرتك الأقربين}تفسير : [الآية: 214] فلو لم يذكر هذه الزيادة لكان الظاهر أن اللام للعهد فصار الأمر بخفض الجناح مختصاً بالأقربين من عشيرته فزيد {لمن اتبعك} [الشعراء: 215] ليعلم أن هذا التشريف شامل لجميع متبعيه من الأمة. ولما بعثه على الرفق بأهل الإيمان أمره بالإنذار لكل المكلفين فقال: {وقل إني أنا النذير المبين} ويدخل تحت كونه نذيراً كونه مبلغاً لجميع التكاليف، لأن كل ما كان واجباً ترتب على تركه عذاب، وكل ما كان حراماً ترتب على فعله عقاب. ويدخل في كونه مبيناً كونه شارحاً لجميع مراتب أهل التكاليف من الجنة والنار. فالإنذار بالنار والإحذار بالجنة هو الإخبار عن موجب الحرمان عنها. وفي متعلق قوله: {كما أنزلنا} وجهان بعد ما مر به في الوقوف: أحدهما أن يتعلق بقوله: {ولقد آتيناك} أي أنزلنا} أي أنزلنا عليك ما أنزلنا {على المقتسمين} ومن هم؟ قيل: أهل الكتاب {الذين جعلوا القرآن عضين} أي أجزاء جمع عضة وأصلها عضوة "فعلة" من عضى الشاة إذا جعلها أجزاء وأعضاء، أو "فعلة" من عضهته إذا بهته فالمحذوف منها الهاء لا الواو. وعن عكرمة: العضه السحر بلسان قريش يقولون للساحرة عاضهة. ولعن رسول الله صلى الله عليه وسلم العاضهة والمستعضهة فينقصانها الهاء أيضاً. وجمعت العضة بالمعاني جمع العقلاء لما لحقها من الحذف، فجعلوا الجمع بالواو والنون عوضاً عما لحقها من الحذف كسنين. فمعنى الآية أن اليهود اقتسموا القرآن إلى حق وباطل وجزؤه فقالوا بعضه حق موافق للتوراة والإنجيل، وبعضه باطل مخالف لهما. ويجوز أن يراد بالقرآن ما يقرأونه من كتبهم وقد اقتسموه بتحريفهم وتكذيبهم، والإقرار بالبعض والتكذيب بالبعض كقوله: {أية : أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض}تفسير : [البقرة: 85] وفي هذا تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن تكذيب قومه وعداوتهم، ولهذا وسط بين المتعلق بقوله: {لا تمدن} الآية لأنه مدد للتسلية لما فيه من النهي عن الالتفات إلى دنياهم والتأسف على كفرهم ومن الإقبال بالكلية على المؤمنين. الوجه الثاني أن يتعلق بقوله: {النذير المبين} وعلى هذا لا يكون بد من التزام إضمار أو زيادة، أما الإضمار فأن يكون التقدير: أنا النذير عذاباً كما أنزلنا كقولك رأيت كالقمر في الحسن أي وجهاً كالقمر، وأما الزيادة فأن تكون الكاف زائدة كقوله: {أية : ليس كمثله شيء}تفسير : [الشورى: 11] ويمكن أن يقال: الكاف بمعنى مثل ولا حاجة إلى الالتزام والتقدير: أنذر قريشاً مثل ما أنزلنا على المقتسمين وهم إما اليهود ويراد بالعذاب ما جرى على قريظة والنضير فيكون قد جعل المتوقع بمنزلة الواقع وهو من الإعجاز لأنه إخبار بما سيكون وقد كان، وإما غيرهم من أهل مكة أو من قوم صالح. قال ابن عباس: هم الذين اقتسموا طرق مكة ومداخلها أيام الموسم فقعدوا في كل مدخل متفرقين لينفروا الناس عن الإيمان بالله ورسوله. يقول بعضهم: لا تغتروا بالخارج منا فإنه ساحر، ويقول الآخر كذاب، والآخر شاعر، فأهلكهم الله يوم بدر وقبله بآفات وكانوا قريباً من أربعين، منهم الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل والأسود بن عبد المطلب. وقال عكرمة: اقتسموا القرآن استهزاء وكان يقول بعضهم سورة البقرة لي ويقول الآخر سورة آل عمران لي وقال مقاتل: اقتسموه. قال بعضهم سحر، وبعضهم شعر، وبعضهم كذب، وبعضهم أساطير الأولين. وقال ابن زيد: المقتسمون هم الذين تقاسموا بالله ليبيتن صالحاً كما سيجيء في سورة النمل، فرمتهم الملائكة بالحجارة وقتلوهم، وعلى هذا يكون قوله: {الذين جعلوا} منصوباً بالنذير أي أنذر المعضين الذين يجزؤن القرآن إلى سحر وشعر وأساطير مثل ما أنزلنا على المقتسمين. ثم أقسم على سبيل الوعيد فقال: {فوربك لنسألنهم} الآية وقد مر تفسير مثله في أول "الأعراف" وذلك قوله {أية : فلنسألن الذين أرسل إليهم}تفسير : [الأعراف: 6]. والأظهر أن الضمير عائد إلى جميع المكلفين المنذرين، وأن السؤال يكون عن جميع الأعمال، وقد يخص الضمير بالمقتسمين والسؤال بالاقتسام. ثم شجع نبيه قائلاً {فاصدع} أي اجهر {بما تؤمر} وأظهره وفرق بين الحق والباطل. وأصل الصدع الشق والفصل ومنه سمي الصبح صديعاً كما سمي فلقاً. وصدع بالحجة إذا تكلم بها جهاراً. قال النحويون: الجار محذوف والمعنى بالذي تؤمر به من الشرائع مثل "أمرتك الخير". وجوز أن تكون "ما" مصدرية أي بأمرك وشأنك مصدر من المبني للمفعول. وقالوا: وما زال النبي صلى الله عليه وسلم مستخفياً حتى نزلت هذه الآية. ثم قال: {وأعرض عن المشركين} أي لا تبال بهم ولا تلتفت إلى لومهم إياك على إظهار الدعوة وهذا لا ينافي آية القتال حتى يلزم النسخ على ما ظن بل يؤكدها. ثم أكد النهي عن الاكتراث بهم وقوّى قلبه فقال: {إنا كفيناك المستهزئين} ولا ريب أنهم طبقة ذو شوكة قدروا على الاستهزاء بالرسول مع جلالة قدره. والآية لا تفيد إلا هذا القدر لكن المفسرين ذكروا عددهم وأسماءهم مع اختلاف بينهم. والأشهر على ما رواه عروة بن الزبير أنهم خمسة نفر من الأشراف: الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والأسود بن عبد يغوث، والأسود بن المطلب، والحرث بن الطلاطلة. وعن ابن عباس: ماتوا كلهم قبل يوم بدر. وقال جبرائيل عليه السلام لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أمرت أن أكفيكهم فأومأ إلى ساق الوليد فمر بنبال فتعلق بثوبه سهم فلم ينعطف تعظماً لأخذه فأصابه عرقاً في عقبة فقطعه فمات. وأومأ إلى أخمص العاص بن وائل فدخلت فيها شوكة فقال: لدغت لدغت فانتفخت رجله حتى صارت كالرحى ومات، وأشار إلى عيني الأسود بن المطلب فعمي، وأشار إلى أنف الحرث فامتخط قيحاً فمات، وإلى الأسود بن عبد يغوث وهو قاعد في أصل شجرة فجعل ينطح رأسه بالشجر ويضرب وجهه بالشوك حتى مات، ثم زاد في تسلية نبيه صلى الله عليه وسلم {ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون} من المطاعن فيك وفي القرآن لأن الجبلة البشرية والمزاج الإنساني يقتضي ذلك. ثم أمره لكشف ما نابه بأربعة أشياء: بالتسبيح والتحميد والسجود والعبادة إلى إتيان اليقين. عن ابن عباس: هو الموت سمي بذلك لأنه أمر متيقن ولا يجب الإخلال بالعبادة ما دام المكلف حياً وهذا كما قيل في تحديد مدة طلب العلم: إنه من المهد إلى اللحد. وكيف يصير الإقبال على الطاعات سبباً لزوال ضيق القلب؟ قال المحققون: لأنه ينكشف له أضواء عالم الربوبية فيهون في نظره المصالح الدنيوية فلا يستوحش من فقدانها ولا يستأنس بوجدانها. وقال أهل السنة: إذا نزل بالعبد بعض المكاره فعليه أن يفزع إلى الله بالذكر الدائم والسجود وسائر أنواع العبادة فكأنه يقول: وجب عليّ عبادتك سواء أعطيتني الخيرات أو ألقيتني في المكاره. وقالت المعتزلة: من اعتقد تنزيه الله عن القبائح سهل عليه تحمل المشاق لأنه يعلم أنه تعالى عدل منزه عما لا فائدة فيه ولا غرض فيطيب قلبه. التأويل: في بشارة إبراهيم إشارة إلى أن الطالب الصادق وإن كان مسناً ضعيف القوى كما قيل: الصوفي بعد الأربعين بارد. فأنه ينبغي أن لا يقنط من رحمة الله، ويتقرب إليه بالأعمال القلبية ليتقرب إليه ربه بأصناف الألطاف وجذبات الأعطاف، فيخرج من صلب روحه ورحم قلبه غلاماً عليماً بالعلوم اللدنية وهو واعظ الله الذي في قلب المؤمن {إن في ذلك لآيات} لأصحاب القلوب المتوسمين بشواهد أحكام الغيب. وما خلقنا سموات الأرواح وأرض الأشباح، وما بينهما من النفوس والقلوب والأسرار والخفيات {إلا بالحق} أي إلا لمظهر الحق، ومظهره هو الإنسان المخصوص بذلك من بين سائر المخلوقات {وإن الساعة} يعني قيامة العشق {لآتية} لنفوس الطالبين الصادقين من أصحاب الرياضات لأن أنفسهم تموت بالرياضة ومن مات فقد قامت قيامته {فاصفح} أيها الطالب الصادق عن النفس المرتاضة بأن تداويها وتواسيها، فإن في قيامة العشق يحصل من تزكية النفس في لحظة واحدة ما لا يحصل بالمجاهدة في سنين كثيرة ومن هنا قيل: جذبة من جذبات الرحمن توازي عمل الثقلين. {إن ربك هو الخلاق} لصور المخلوقات ولمعانيها ولحقائقها {العليم} بمن خلقه مستعداً لمظهرية ذاته وصفاته ومظهريتهما وليس ذلك في السموات والأرض وما بينهما إلا الإنسان الكامل وغيره مختص بمظهرية الصفات دون الذات وان كان ملكاً فلهذا قال: {ولقد آتيناك سبعاً} أي سبع صفات ذاتية لله تبارك وتعالى: السمع والبصر والكلام والحياة والعلم والإرادة والقدرة {من المثاني} أي من خصوصية المظهرية، والمظهرية الذات والصفات. {والقرآن العظيم} ولهذا صار خلقه عظيماً لأنه كان خلقه القرآن {لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً} من أهل الدنيا والآخرة {واخفض جناحك للمؤمنين} بهذا المقام ليصلوا بجناح همتك إليه {على المتقسمين} الذين قسموا قهر الله على أنفسهم فصاروا مظاهر القهر {الذين جعلوا القرآن عضين} أي جزؤوه في الاستعمال فقوم قرأوه ليقال لهم القراء وبه يأكلون، وقوم حفظوه ليقال لهم الحفاظ وبه يجرّون الرزق، وقوم حصلوا تفسيره وتأويله إظهاراً للفضل وطلباً للشهرة، وقوم استنبطوا معانيه وفقهه على وفق آرائهم ومذاهبهم فكفروا إذ فسروا القرآن برأيهم. {إنا كفيناك المستهزئين} الذين يستعملون الشريعة بالطبيعة استهزاء بدين الله {الذين يجعلون مع الله إلهاً آخر} من الهوى والدنيا {فسبح بحمد ربك} لأنك لست منهم {وكن من الساجدين} سجدة الشكر {واعبد ربك} بالإخلاص {حتى يأتيك اليقين} أي إلى الأبد لأن كل مقام يحصل فيه اليقين بالعيان بعد العرفان فإنه يحصل فوقه مقام آخر مشكوك فيه إلى أن يحصل برد اليقين فيه أيضاً، فهناك مراتب لا تتناهى فاليقين يكون إشارة إلى الأبد والله أعلم.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ...} الآية: هذا ابتداءُ قصصٍ بعدَ ٱنصرامِ الغرضِ الأول، و«الضيف»: مصدرٌ وصف به، فهو للواحدِ وٱلاثنينِ والجمعِ، والمذكَر والمؤنَّث؛ بلفظٍ واحدٍ، وقوله: {إِنَّا مِنكُمْ وَجِلُونَ }، أي: فزعون، وَإِنما وَجِلَ منهم؛ لما قَدَّم إِليهم العجْلَ الحنيذ، فلم يرهم يأكُلُون، وكانَتْ عندهم العلامة المُؤَمِّنة أكْلَ الطعام؛ وكذلك هو في غابِرِ الدهْرِ أمْنَةً للنازلِ، والمنزولِ به. وقوله: {أَن مَّسَّنِيَ ٱلْكِبَرُ }، أي: في حالةٍ قد مسَّني فيها الكِبَر، وقول إِبراهيم عليه السلام: {فَبِمَ تُبَشِّرُونَ }: تقرير على جهة التعجُّب وٱلاستبعاد، لكبرهما، أو على جهةَ ٱلاحتقار وقلَّة المبالاة بالمَسَرَّات الدنيويَّة، لمضيِّ العمر، وٱستيلاءِ الكِبَر، وقولُهم: {بَشَّرْنَـٰكَ بِٱلْحَقِّ}: فيه شدَّة مَّا، أي: أبشرْ بما بُشِّرْتَ به، ولا تكُنْ من القانِطِينَ، والقنوطُ: أتمُّ اليأس.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ} القصَّة: لما قرَّر أمر النبوة، أردفه بدلائل التوحيد، ثمَّ عقبه بذكر أحوال القيامةِ، وصفة الأشقياء، والسعداء، أتبعه بذكر قصص الأنبياء، صلوات الله وسلامه عليهم ـ، ليكون سماعها مرغِّباً للعبادة الموجبة للفوز بدرجاتِ الأولياءِ، ومحذراً عن المعصية الموجبةِ لاستحقاقِ دركاتِ الأشقياءِ. فقوله: "ونَبِّئْهُم"، هذا الضمير راجعٌ إلى قوله عز وجل: "عِبَادِي"، أي: ونبِّىء عبادي، يقال: أنْبأتُ القوم إنباءً ونَبَّأتهُم تَنْبئةً إذا أخبرتهم. قوله: "عَن ضَيْفِ"، أي [أضياف إبراهيم]، والضَّيْفُ في الأصل مصدر ضَافَ يضيفُ: إذا أتى إنساناً يطلب القوى، وهو اسمٌ يقع على الواحدِ، والاثنين، والجمع، والمذكر، والمؤنَّث. فِإن قيل: كيف سمَّاهم ضيفاً، مع امتناعهم من الأكلِ؟. فالجواب: لمن ظنَّ إبراهيم ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ أنَّهم إنَّما دخلوا عليه لطلب الضِّيافة، جاز تسميتهم ذلك. وقيل: من دخل [دار] إنسان، والتجأ إليه سمِّي ضيفاً، وإن لم يأكل، وكان إبراهيم ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ يكنَّى أبا الضيفان، كان لقصره أربعة أبوابٍ، لكي لا يفوته أحدٌ. وسمِّي الضيف ضيفاً؛ لإضافته إليك، ونزوله عليك. قال القرطبي ـ رحمه الله ـ:"ضَافهُ مَالَ إليه، وأضَافهُ: [أماله]، ومنه الحديث: حِينَ تضيفُ الشَّمسُ للغُروبِ. وضَيفُوفَةُ السَّهم، والإضافةُ النَّحوية". قوله: {إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ} في "إذْ" وجهان: أحدهما: أنه مفعول لفعل مقدر، أي: اذكر إذ دخلوا. والثاني: أنه ظرف على بابه، وفي العامل فيه وجهان: أحدهما: أنه محذوف، تقديره: خبر ضيف. والثاني: أنه نفس "ضَيْفِ"، وفي توجيه ذلك وجهان: أحدهما: أنه لما كان في الأصل مصدراً اعتبر ذلك فيه، ويدلُّ على اعتبار مصدريته بعد الوصف به: عدم مطابقته لما قبله تثنية، وجمعاً وتأنيثاً في الأغلب، ولأنه قائم مقام وصفه، والوصف يعمل. والثاني: أنه على حذف مضاف، أي: أصحاب ضيف إبراهيم، أي: ضيافته، فالمصدر باقٍ على حاله، فلذلك عمل. قال أبو البقاء بعد أن قدر أصحاب ضيافته: والمصدر على هذا مضاف إلى المفعول. قال شهابُ الدِّين: وفيه نظر، إذ الظَّاهر إضافته لفاعله؛ لأنه النبي صلى الله عليه وسلم. قوله تعالى: {فَقَالُواْ سَلاماً}، أي نُسلِّم لك سلاماً أو سلَّمتُ سلاماً، أو سلمُوا سَلاماً، قاله القرطبي رحمه الله تعالى. قال: {إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ} أي: خائفون؛ لأنهم لم يأكلوا طعامه، وقيل: لأنهم دخلوا بغير إذن، وبغير وقت. قوله: "لا تَوجَلْ" العامة على فتح التاء من "وجِلَ" كـ:"شَرِبَ" يَشربُ، والفتح قياس "فَعِلَ" إلا أن العرب آثرت [يفعل بالكسر] في بعض الألفاظ إذا كانت واواً، نحو: "نَبِقَ" وقرأ الحسن: "لا تُوجَل" مبنياً للمفعول من الإيجال. وقرىء: "لا تَأجَلْ"، والأصل: "تَوْجل" كقراءة العامة، إلاَّ أنه أبدل من الواو ألفاً لانفتاح ما قبلها، وإن لم تتحرَّك كقولهم: "تَابةٌ"، و"صَامةٌ" في "تَوْبة"، و"صَوْمة" وسمع: اللَّهُم تقبَّل تَابتِي، وصَامتِي. وقرىء أيضاً: "لا تُواجِل" من المواجلة. ومعنى الكلام: لاتخف؛ "إنَّا نَبشِّرُكَ"، قرأ حمزة: "إنَّا نَبْشُركَ" بفتح النون وتخفيف الباء، والباقون بضم النون، وفتح الباء، و"إنَّا نُبشِّرُكَ" استئناف بمعنى التعليل للنهي عن الوجل، والمعنى إنَّك بمثابة الآمن المبشر فلا توجل. واعلم أنَّهم بشروه بأمرين: أحدهما: أنَّ الولد ذكرٌ، والثاني: أنه عليمٌ. فقيل: بشَّروه بنبوته بعده. وقيل: عليم بالدِّين، فعجب إبراهيم أمره و {قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَىٰ أَن مَّسَّنِيَ ٱلْكِبَرُ} قرأ الأعرج: "بشَّرتُمونِي" بإسقاط أداة الاستفهام، فيحتمل الإخبار، ويحتمل الاستفهام، وإنما حذفت أداته للعلم به. وِ"على أنْ مسَّنيَ" في محل نصبٍ على الحال. وقرأ ابن محيصن: "الكُبْر" بزنة "فُعْل". قوله: "فبمَ تبشّرون" "بِمَ" متعلقٌ بـ "تُبشِّرُون"، وقدم وجوباً؛ [لأنه] استفهام وله صدر الكلام. وقرأ العام: بفتح النون مخففة على أنها نون الرفع؟ ولم يذكر مفعول التبشير، وقرأ نافع بكسرها، والأصل: تبشروني فحذف الياء مجتزئاً عنها بالكسرة. وقد غلطه أبو حاتم، وقال: هذا يكون في الشعر اضطراراً. وقال مكي: "وقد طعن في هذه القراءة قومٌ لبُعدِ مخرجِها في العربيَّة؛ لأنَّ حذف النون التي تصحبُ الياء لا يحسنُ إلاَّ في الشِّعر، وإن قُدِّر حذف النون الأولى حذفت [علم] الرفع من غير ناصب، ولا جازم؛ ولأنَّ نون الرفع كسرها قبيحٌ، إنَّما حقُّها الفتح". وهذا الطعن لا يلتفت إليه، لأنَّ ياء المتكلم قد كثر حذفها مجتزءاً عنها بالكسرة، وقد قرىء بذلك في قوله تعالى: {أية : قُلْ أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَأْمُرُونِّيۤ}تفسير : [الزمر:64] كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى ـ. ووجهه: أنَّه لما اجتمع نونان أحدهما نون الرفع، والأخرى نون الوقاية استثقل اللفظ، فمنهم من أدغم، ومنهم من حذف، ثم اختلف في المحذوفة، هل هي الأولى، أو الثانية، وتقدَّم الكلام على ذلك في سورة الأنعام [الأنعام:80]. وقرأ ابن كثير بتشديدها مكسورة، أدغم الأولى في الثانية، وحذف ياء الإضافة، والحسن: أثبت الياء مع تشديد النون، ورجح قراءة من أثبت مفعول: "يُبشِّرُون" وهو الياء. قوله: {قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بِٱلْحَقِّ} "بَشَّرْناكَ"، و"بالحقِّ" متعلق بالفعل قبله، وضعف أن يكون حالاً، أي: قالوا بَشَّرنَاكَ. ومعنى: "بالحَقِّ" هنا استفهام بمعنى التعجُّب، كأنه قيل: بأيِّ أعجوبةٍ تبشروني؟. فِإن قيل: كيف استبعد قدرة الله ـ تعالى ـ على خلقِ الولدِ منه في زمانِ الكبرِ؟ وما فائدة هذا الاستفهام مع أنهم قد بينوا ما بشَّروا به؟. فِأجاب القاضي: بأنه أراد أن يعرف أنه ـ تعالى ـ هل يعطيه الولد مع أنه يبقيه على صفة الشيخوخة، أو يقلبه شابًّا، ثم يعطيه الولد؟. وسبب هذا الاستفهام:أن العادة جارية بأنه لا يحصل الولد حال الشيخوخة التامَّة، وإنما يحصل في حال الشَّبابِ. فإن قيل: فإذا كان معنى الكلام ما ذكرتم، فلم قالوا: {بَشَّرْنَاكَ بِٱلْحَقِّ فَلاَ تَكُن مِّنَ ٱلْقَانِطِينَ}؟. قلنا: إنهم بيَّنوا أنه ـ تعالى ـ بشَّرهُ بالولد مع إبقائه على صفة الشَّيخوخَةِ، وقولهم {بَشَّرْنَاكَ بِٱلْحَقِّ فَلاَ تَكُن مِّنَ ٱلْقَانِطِينَ} لا يدل على أنه كان كذلك بدليل أنه صرَّح في جوابهم بما يدلُّ على أنَّه ليس كذلك فقال: {وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ ٱلضَّآلُّونَ}. وأجاب غيره: بأن الإنسان إذا كان عظيم الرغبة في شيءٍ، وفاته الوقت الذي يغلب على ظنِّه حصول المراد فيه، فإذا بشِّر بعد ذلك بحصوله عظم فرحه، وسروره، ويصير ذلك الفرحُ القويُّ كالمدهش له، والمزيل لقوَّة فهمه، وذكائه، فربَّما تكلم بكلماتٍ مضطربة في ذلك الوقت. وقيل أيضاً: إنه يستطيب تلك البشارة، فربَّما يعيد السؤال ليسمع تلك البشارة مرَّة أخرى ومرتين وأكثر طلباً للالتذاذ بسماع تلك البشارة، أو طلباً لزيادة الطمأنينة والوثوق، كقوله: {أية : وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي}تفسير : [البقرة:260] وقيل أيضاً: استفهم: أبأمرِ الله تبشروني، أم من عند أنفسكم، واجتهادكم؟. قوله: {قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بِٱلْحَقِّ} قال ابن عبَّاسٍ ـ رضي الله عنهما ـ يريد بما قضى الله تعالى. وقوله: {فَلاَ تَكُن مِّنَ ٱلْقَانِطِينَ} نهي لإبراهيم ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ عن القنوطِ، وقد تقدَّم أنَّ النهي لإنسان عن الشَّيء لا يدل على كون المنهي فاعلاً للمنهيّ عنه، كقوله ـ جلَّ وعزَّ ـ {أية : وَلاَ تُطِعِ ٱلْكَافِرِينَ وَٱلْمُنَافِقِينَ}تفسير : [الأحزاب:48] {أية : وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ}تفسير : [القصص:78]. قوله: {وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ} هذا استفهام معناه النفي، ولذلك وقع بعد الإيجاب بـ "إلاّ". وقرأ أبو عمرو، والكسائي: "يَقْنِطُ" بكسر عين هذا المضارع حيث وقع، والباقون بفتحها وزيد بن علي والأشهب بضمها، وفي الماضي لغتان "قنط" بكسر النون، "يَقنَطُ" بفتحها، وقنط "يقْنِطُ" بكسرها، ولولا أن القراءة سنة متبعة، لكان قياس من قرأ: {أية : مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ}تفسير : [الشورى:28] والفتح في الماضي هو الأكثر، ولذلك أجمع عليه. قال الفارسي: فتح النون في الماضي، وكسرها في المستقبل من أعلى اللغات، ويرجحُ قراءة "يَقْنَطُ" بالفتح قراءة أبي عمرو في بعض الروايات "فلا تكن من القنطين" كفَرِحَ يفرح فهو فَرِحٌ. والقُنُوط: شدَّة اليأسِ من الخَيرِ، وحكى أبو عبيدة: "قَنُطَ" يَقْنُطُ بضمِّ النون. قال ابن الخطيب: "وهذا يدلُّ على أنَّ "قَنَطَ" بفتح النون أكثر؛ لأن المضارع من "فَعَل" يجيء على "يَفْعِلُ ويَفْعُل" مثل: فَسقَ: ويَفْسِقُ، ويَفْسُقُ، لا يجيء مضارع فَعَلَ على يَفْعَلُ". فصل جواب إبراهيم ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ حق؛ لأنَّ القنوط من رحمة الله تعالى لا يحصل إلاَّ عند الجهل بأمور: أحدها: أن يجهل كونه ـ تعالى ـ قادراً عليه. وثانيها: أن يجهل كونه ـ تعالى ـ عالماً باحتياج ذلك العبد إليه. وثالثها: أن يجهل كونه ـ تعالى ـ منزّهاً عن البخل، والحاجة. والجهل بكلِّ هذه الأمور سبب للضَّلالِ، والقُنوط من رحمة الله كبيرة، كالأمن من مكرهِ. قوله تعالى: {فَمَا خَطْبُكُمْ} الخطب: الشأن، والأمر، سألهم عمَّا لأجله أرسلهم الله ـ تعالى ـ. فِإن قيل: إنَّ الملائكة لما بشَّروه بالولد الذَّكر العليمِ، كيف قال لهم بعد ذلك "فَمَا خَطْبُكمْ"؟. فالجواب: قال الأصم: معناه: ما الذي وجهتم له سوى البُشْرَى؟. وقال القاضي: إنه علم أنه لو كان المقصود أيضاً البشارة، لكان الواحد من الملائكة كافياً، فلمَّا رأى جمعاً من الملائكة؛ علم أنَّ لهم غرضاً آخر سوى إيصال البشارة، فلا جرم قال: "فَما خَطْبكُمْ"؟. قيل: إنَّهم قالوا: إنَّا نُبشِّرُكَ بغُلامٍ عَليم لإزالة الخوف، والوجل، ألا ترى أنّه لما قال: {إنا منكم وجلون} قالوا له: {لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم}، فلو كان المقصود من المجيء هو البشارة؛ كانوا ذكروا البشارة في أوَّل دخولهم، فلمَّا لم يكن الأمر كذلك علم إبراهيم ـ صلوات الله وسلام عليه ـ أنَّ مجيئهم ما كان لمجرَّد البشارة، بل لغرض آخر فلا جرم سألهم عن ذلك الغرض، قال: {فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا ٱلْمُرْسَلُونَ قَالُواْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ} مشركين، وإنَّما اقتصوار على هذا القدر، لعلم إبراهيم ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ بأنَّ الملائكة إذا أرسلوا إلى المجرمين، كان ذلك لأهلاكهم. ويدل على ذلك قوله: {إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ} قوله "إلا آل لُوطٍ" فيه وجهان: أحدهما: أنه استثناء متصل على أنه مسثنى من الضمير المستكن في: "مُجرمِينَ" بمعنى أجرموا كلهم إلاَّ آل لوطٍ؛ فإنَّهم لم يجرموا، ويكون قولهم "إنَّا لمنجوهم" استئناف إخبار بنجاتهم، لكونهم لم يجرموا ولكون الإرسال حينئذ شاملاً للمجرمين ولآل لوط لإهلاك أولئك وإنجاء هؤلاء. والثاني: أنه اسثناء منقطع؛ لأن آل لوط لم يندرجوا في المجرمين آلبتَّة. قال أبو حيان: وإذا كان استثناء منقطعاً، فهو مما يجبُ فيه النصب؛ لأنه من الاستثناء الذي لا يمكن توجه العامل إلى المستثنى منه؛ لأنهم لم يرسلوا إليهم، إنما أرسلوا إلى القوم المجرمين خاصَّة، ويكون قوله: "إنَّا لمُنجَّوهُمْ" جَرَى مَجْرى خبر لكن في اتِّصاله بـ "آل لُوطٍ"؛ لأن المعنى: لكنَّ آل لوط منجوهم، وقد زعم بعض النحويين في الاستثناء المنقطع المقدَّر بلكن، إذ لم يكن بعده ما يصحُّ أن يكون خبراً: أنَّ الخبر محذوف، وأنه في موضع رفع لجريان: "إلاَّ"، وتقديرها بـ"لَكِن". قال شهابُ الدِّين: "وفيه نظرٌ؛ لأن قوله لا يتوجه إليه العامل أي: لا يمكن، نحو: ضحك القوم إلا حمارهم، وصهلت الخيلُ إلا الإبل. وأمَّا هذا، فيمكن الإرسال إليهم من غير منع، وأمَّا قوله: لأنهم لم يرسلوا إليهم فصحيح؛ لأنَّ حكم الاستثناء كلَّه هكذا، وهو أن يكون خارجاً عمَّا حكم به على الأوَّل، لكنَّه لو سلط عليه لصحَّ ذلك بخلاف ما تقدَّم من أمثلتهم". قوله: {إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ} قرأ الأخوان: "لمُنْجُوهمْ" مخففاً؛ وكذلك خففا أيضاً فعل هذه الصيغة في قوله تعالى في العنكبوت {أية : لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ}تفسير : [العنكبوت:32]؛ وكذلك خففا أيضاً قوله فيها: {أية : إِنَّا مُنَجُّوكَ}تفسير : [العنكبوت:33] فهما جاريتان على سننٍ واحدٍ. وقد وافقهما ابن كثير، وأبو بكر على تخفيف: "مُنجوكَ" كأنهما جمعا بَيْنَ اللغتين، وباقي السبعة بتشديد الكل. والتخفيف والتشديد لغتان مشهورتان من: نَجَّى وأنْجى، وأنزلَ، ونزَّل، وقد نطق بفعلهما، قال: {أية : فَلَمَّا نَجَّاهُمْ}تفسير : [العنكبوت:65] وفي موضع {أية : أَنجَاهُمْ}تفسير : [يونس:23]. قوله: {ٱمْرَأَتَهُ} فيه وجهان: أحدهما: أنه استثناء من "آل لُوطٍ". قال أبو البقاء ـ رحمه الله ـ: "والاستنثاء إذا جاء بعد الاستثناء كان الاستثناء الثاني مضافاً إلى المبتدأ كقولك: "لهُ عِندِي عشرةٌ إلا أربعة إلا درهماً" فإن الدرهم يستثنى من الأربعة، فهو مضاف إلى العشرة، فكأنك قلت: أحد عشر إلاَّ أربعة، أوعشرة إلاَّ ثلاثة". والثاني: أنها مستثناةٌ من الضمير المجرور في قوله "لمُنَجوهمْ". وقد منع الزمخشري ـ رحمه الله ـ الوجه الأول، وعيَّن الثاني فقال: "فإن قلت: قوله: "إلا امرأتهُ" مِمَّ استثني؟ وهل هو استثناء من استثناء؟. قلت: مستثنى من الضمير المجرور في قوله: "لمُنَجُّوهم"، وليس من الاستثناء في شيء؛ لأن الاستثناء من الاستثناء إنَّما يكون فيما اتَّحد الحكم فيه، وأن يقال: أهلكناهم إلا آل لوط إلا امرأتهُ، كما اتَّحد في قول المطلِّق: أنت طالقٌ ثلاثاً إلا اثنين إلا واحدة، وقول المقرّ: لفلان علي عشرة دراهم إلا ثلاثة إلا درهماً، وأما الآية فقد اختلف الحكمان؛ لأنَّ: "آل لوطٍ" متعلق بـ"أرْسَلْنَا" أو بـ"مُجرمِينَ"، و"إلاَّ امْرأتهُ" قد تعلَّق بقوله: "لمُنجوهم" فأنَّى يكون استثناء من استثناء". قال أبو حيَّان: ولما استسلف الزمخشري أنَّ "امرأتهُ" استثناء من الضمير في "لمُنجُّوهم" أبى أن يكون استثناء من استثناء، ومن قال: إنه استثناء من استثناء، فيمكن [تصحيح قوله] بأحد وجهين: أحدهما: أنه لما كان امرأته مستثنى من الضمير في "لمُنَجوهُم"، وهو عائدٌ على "آل لوطٍ" صار كأنَّه مستثنى من: "آل لوطٍ"؛ لأنَّ المضمر هو الظاهر. والوجه الآخر: أن قوله "إلاَّ آل لوطٍ" لمَّا حكم عليهم بغير الحكم الذي حكم به على قوم مجرمين، اقتضى ذلك نجاتهم فجاء قوله: {إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ} تأكيداً لمعنى الاستثناء، إذ المعنى: إلا آل لوط لم نرسل إليهم بالعذاب، ونجاتهم مرتبة على [عدم] الإرسال إليهم بالعذاب، فصار نظير ذلك: قام القومُ إلاَّ زيداً لم يقم أو إلاَّ زيداً فإنه لم يقم، فهذه الجملة تأكيدٌ لما تضمَّنهُ الاستثناء من الحكم على ما بعد إلاَّ بضدِّ الحكم السَّابق على المستثنى منه، فـ:"إلاَّ امْرَأتهُ" على هذا التدقير الذي قرَّرناه مستثنى من: "آلَ لُوطٍ"؛ لأنَّ الاستثناء ممَّا جيء به للتَّأسيس أولى من الاستثناء ممَّا جيء به للتأكيد. قوله "قدَّرْنَا" قرأ أبو بكر ههنا، وفي سورة النمل بتخفيف الدَّال، والباقون بتشديدها، وهما لغتان: قَدَّر، وقَدَر. قوله: "إنَّها" كسرت من أجل اللاَّم في خبرها، ولولاها [لَفُتِحَتْ]، وهي معلقة لما قبلها؛ لأنَّ فعل التقدير قد يعلق إجراء له مجرى العلم إمَّا لكونه بمعناه، وإمَّا لأنه مترتب عليه. قال الزمخشري: "فإن قلت: لم جاز تعليق فعل التقدير في قوله: {قَدَّرْنَآ إِنَّهَا لَمِنَ ٱلْغَابِرِينَ}، والتعليق من خصائص أفعال القلوب؟ قلت: لتضمن فعل التقدير معنى العلم". قال أبو حيَّان ـ رحمه الله تعالى ـ "وكسرت "إِنَّهَا" إجراء لفعل التقدير مجرى العلم". وهذا لا يصحُّ علة لكسرها، إنَّما يصحُّ علةً لتعليقها الفعل قبلها. فصل معنى التقدير في اللغة: جعل الشيء على مقدار غيره، يقال: قدر هذا الشيء بهذا، أي: اجعله على مقداره، وقدَّر الله ـ سبحانه ـ الأقوات، أي: جعلها على مقدار الكفاية، ثمَّ يفسر التقدير بالقضاء فيقال: قضى الله عليه، وقَدرَ عليه، أي: جعله على مقدار ما يكفي في الخير، والشر. وقيل: معنى: "قَدَّرْنَا" كتبنا. وقال الزجاج: دبرنا. فإن [قيل] لم أسند الملائكة فعل التقدير إلى أنفسهم مع أنه لله عزَّ وجلَّ؟ فالجواب: إنَّما ذكروا هذه العبارة لما لهم من القرب والاختصاص بالله، كما يقول خاصة الملك: دبرنا كذا [وأمرنا بكذا]، والمدبر، والآمر هو الملك لا هم، وإنَّما يريدون بهذا الكلام إظهار ما لهم من الاختصاص بذلك الملك، فكذا هنا. قوله تعالى: {إِنَّهَا لَمِنَ ٱلْغَابِرِينَ} في موضع مفعول، التقدير: قضينا أنها تتخلف، وتبقى مع من يبقى حتَّى يهلك، فتلحق بالهالكين. قوله تعالى: {فَلَمَّا جَآءَ آلَ لُوطٍ ٱلْمُرْسَلُونَ} القصة لما بشروا إبراهيم ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ بالولد، وأخبروه بأنهم مرسلون بالعذاب إلى قوم مجرمين ذهبوا بعد ذلك إلى لوط عليه السلام، وإلى آله، وإنَّ لوطاً، وقومه ما عرفوا أنهم ملائكة الله. فقالوا: {إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ}؛ لأنهم لما هجموا عليه؛ استنكرهم، وخاف من دخولهم لأجل شر يوصلونه إليه. وقيل: خاف؛ لأنهم كانوا شبايا مرداً حسان الوجوه، فخاف أن يهجم قومه عليهم لطلبهم، فقال هذه الكلمة. وقيل: إنَّ النكرة ضدّ المعرفة، فقوله: {إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ}، أي: لا أعرفكم، ولا أعرف أنكم من أي الأقوام، ولأي غرض دخلتم عليّ، فقال: {إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ}. قوله: {بَلْ جِئْنَاكَ} إضراب عن الكلام المحذوف، تقديره: ما جئناك بما ينكر، {بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا [كَانُواْ فِيهِ يَمْتَرُونَ}]. وقد تقدَّم الخلاف في قوله: "فأسْرِ" قطعاً ووصلاً في هود: [81]. وقرأ اليماني فيما نقل ابن عطية، وصاحب اللوامح: "فَسِرْ" من السير. وقرأت فرقة بفتح الطاء، وقد تقدَّم في يونس أنَّ الكسائي، وابن كثير قرآه بالسكون في قوله "قِطْعاً" والباقون بالفتح. قوله: قالت الملائكة {بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُواْ فِيهِ يَمْتَرُونَ} يشكون أنه نازلٌ بهم، وهو العذاب؛ لأنه كان يوعدهم بالعذاب، فلا يصدقونه، ثمَّ أكدوا ذلك بقولهم: {وَآتَيْنَاكَ بِٱلْحَقِّ} قال الكلبيُّ: بالعذاب، [وقيل باليقين والأمر الثابت الذي لا شك فيه وهو العذاب] ثم أكدوا هذه التَّأكيد بقولهم {وَإِنَّا لَصَادِقُونَ}. {فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ ٱللَّيْلِ} والقِطْعُ والقَطع: آخر الليل؛ قال: [الخفيف] شعر : 3280ـ افْتَحِي البَابَ وانظُرِي في النُّجُومِ كَم عليْنَا مِن قِطْعِ ليْلٍ بَهِيمِ تفسير : {وَٱتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ}، أي سر خلفهم {وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ} لئلا ترتاعوا من أمر عظيم فأنزل بهم من العذاب. وقيل: معناه الإسراع، وترك الاهتمام لما خلف وراءه، كما يقول: امض لشأنك، ولا تعرج على شيءٍ. وقيل: المعنى لو بقي [منه] متاعٌ في ذلك الموضع، فلا يرجعن بسببه ألبتَّة. وقيل: جعل الله ذلك علامة لمن ينجو من آل لوطٍ. {وَٱمْضُواْ حَيْثُ تُؤْمَرُونَ} قال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ: يعني "الشَّام". وقال المفضل: حيث يقول لكم جبريل. وقال مقاتل: يعني زغر. وقيل: "الأرْدن". قوله: {حَيْثُ تُؤْمَرُونَ} "حَيْثُ" على بابها من كونها ظرف مكان مبهمٍ، ولإبهامها تعدي إليها الفعل من غير واسطةٍ، على أنه قد جاء في الشِّعر تعديته إليها بـ "في" كقوله: [الطويل] شعر : 3281ـ فَأصْبحَ في حَيْثُ التَقيْنَا شَريدُهمْ طَليقٌ ومكْتوفُ اليَديْنِ ومُزْعِفُ تفسير : وزعم بعضهم أنها هنا ظرف زمانٍ، مستدلاً بقوله: {بِقِطْعٍ مِّنَ ٱللَّيْلِ} ثم قال {وَٱمْضُواْ حَيْثُ تُؤْمَرُونَ} أي: في ذلك الزَّمان. وهو ضعيف، ولو كان كما قال، لكان التركيب وامضوا حيث أمرتم على أنه لو جاء التَّركيب كذا لم يكن فيه دلالة. قوله: {وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ} ضمَّن القضاء معنى الإيجاء؛ فلذلك تعدَّى تعديته ـ "إلى"، ومثله {أية : وَقَضَيْنَآ إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ}تفسير : [الإسراء:4]. و"ذَلكَ الأمْرَ" "ذَلِكَ" مفعول القضاءِ، والإشارة به إلى ما وعد من إهلاكِ قومه، و"الأمْرَ" إمَّا بدلٌ منه، أو عطف بيانٍ له. قوله: {أَنَّ دَابِرَ هَؤُلآءِ} العامة على فتح "أنَّ" وفيها أوجه: أحدها: أنها بدل من "ذَلِكَ" إذا قلنا: "الأمْرَ" عطف بيان. الثاني: أنَّها بدلٌ من "الأمْرَ" سواء قلنا: إنه بيان أو بدل مما قبله. الثالث: أنه على حذف الجار، أي: بأنَّ دابر، ففيه الخلاف المشهور. وقرأ زيد بن علي، والأعمش بكسرها؛ لأنه بمعنى القول. وعلَّله أبو حيان: بأنه لمَّا علق ما هو بمعنى العلم؛ كسر. وفيه النظر المتقدم. ويؤيِّد إضمار القول قراءة ابن مسعودٍ: وقلنا إنَّ دابر هؤلاء. ودابرهم: آخرهم "مَقطوعٌ" مستأصل، يعني مستأصلون عن آخرهم؛ حتى لا يبقى منهم أحد "مُصْبحينَ"، أي في حال ظهور الصبح، فهو حال من الضمير المستتر في: "مَقطُوعٌ"، وإنَّما جمع حملاً على المعنى، وجعله الفرَّاء، وأبو عبيدة خبراً لكان المضمرة، قالا: تقديره: إذا كانوا مصبحين، نحو "أنْتَ مَاشِياً أحسنُ مِنْكَ رَاكِباً". وهو تكلفٌ، و"مُصْبحِينَ" داخلين في الصَّباحِ. قوله: {وَجَآءَ أَهْلُ ٱلْمَدِينَةِ}، أي: مدينة لوط، يعني: "سدُوم" "يَسْتبشِرُونَ" حالٌ، أي: يستبشرون بأضياف لوطٍ، يبشر بعضهم بعضاً في ركوب الفاحشة منهم. قيل: إنَّ الملائكة لما كانوا في غاية الحسن اشتهر خبرهم. وقيل: أخبرتهم امرأة لوطٍ بذلك؛ فذهبوا إلى دارِ لوطٍ؛ طلباً منهم لأولئك المردِ. فقال لهم لوط ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ: "هَؤلاءِ ضَيْفِي" وحق على الرجل إكرام ضيفه، "فلا تَفْضحُونِ" فيهم. يقال: فَضحَهُ يَفضحُه فَضْحاً، وفَضِيحَةً، إذا أظهر من أمره ما يلزمه به العار، والفَضِيحُ والفَضِيحةُ: البيان، والظُّهورُ، ومنه: فَضِيحَةُ الصُّبْحِ؛ قال الشاعر: [البسيط] شعر : 3282ـ وَلاحَ ضَوءُ هِلالِ اللَّيْلِ يَفْضحُنَا مِثْلَ القُلامَةِ قَدْ قُصَّتْ مِنَ الظُّفُرِ تفسير : إلا أنَّ الفضيحة اختصت بما هو عارٌ على الإنسان عند ظهوره. ومعنى الآية: أن الضيف يجب إكرامه، فإذا قصدتموه بالسُّوءِ كان ذلك إهانة بي، ثمَّ أكد ذلك بقوله: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلاَ تُخْزُونِ} ولا تخجلون، فأجابوه بقولهم: {أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ ٱلْعَالَمِينَ}، أي: عن أن تضيِّف أحداً من العالمين. وقيل: ألم ننهك أن تدخل الغرباء المدينة؛ فإنا نركبُ منهم الفاحشة. قوله: {هَؤُلآءِ بَنَاتِي} يجوز فيه أوجه: أحدها: أن يكون {هَؤُلآءِ بَنَاتِي} مفعولاً بفعل مقدرٍ، أي: تزوَّجُوا هؤلاء، و"بَناتِي" بدلٌ، أو بيانٌ. الثاني: أن يكون {هَؤُلآءِ بَنَاتِي} مبتدأ وخبراً، ولا بدَّ من شيء محذوف تتمُّ به الفائدة، أي: فتزوَّجُوهنَّ. الثالث: أن يكون "هَولاءِ" مبتدأ، و"بَناتِي" بدلٌ، أو بيان والخبر محذوف، أي: هُنَّ أطهر لكم كما جاء في نظيرتها. وتقدَّم الكلام على هذه المعاني في هود. قوله {لَعَمْرُكَ} مبتدأ محذوف الخبر وجوباً، ومثله: لايْمُن الله، و"إنَّهُمْ"، وما في حيزه جواب القسم، تقديره: لعمرك قسمي، أو يميني إنهم، والعُمُرُ والعَمْر بالفتح والضم هو البقاء، إلا أنَّهم التزموا الفتح في القسم. قال الزجاج: لأنه أخفُّ عليهم، وهم يكثرون القسم بـ "لعَمْرِي ولعَمْرُكَ". وله أحكام كثيرة: منها: أنه متى اقترن بلام الابتداء؛ ألزم فيه الرفع بالابتداء، وحذف خبره لسد جواب القسم مسدَّه. ومنها: أنه يصير صريحاً في القسم، أي: يتعيَّن فيه، بخلاف غيره نحو: عَهْدُ اللهِ ومِثاقُه. ومنها: أنه يلزم فتح عينه. فإن لم يقترن به لام الابتداء، جاز نصبه بفعلٍ مقدرٍ، نحو: عَمْرُ اللهِ لأفعلنَّ، ويجوز حينئذٍ في الجلالة وجهان: النَّصبُ والرفع فالنصب على أنه مصدرٌ مضاف لفاعله، وفي ذلك معنيان: أحدهما: أن الأصل: أسألك بعمرك الله، أي: بوصفك الله ـ تعالى ـ بالبقاء، ثم حذف زوائد المصدر. والثاني: أن المعنى: بعبادتك الله، والعَمْرُ: العِبادةُ. حكى ابن الأعرابي: إنِّي عمرتُ ربِّي، أي: عبدته، وفلان عامر لربِّه، أي: عابده. وأمَّا الرفع: فعلى أنه مضاف لمفعوله. قال الفارسي رحمه الله: معناه: [عَمَّرك] الله تعميراً، وقال الأخفش: أصله: أسْألك بِيُعمرك الله، فحذف زوائد المصدر، والفعل، والياء، فانتصب، وجاز أيضاً ذكر خبره، فتقول: عمرك قسمي لأقومن، وجاز أيضاً ضمُّ عينه، وينشد بالوجهين قوله: [الخفيف] شعر : 3283ـ أيُّهَا المُنْكِحُ الثُريَّا سُهَيلاً عَمركَ الله كيْفَ يَلتقِيَانِ هِيَ شَامِيَّةٌ إذَا ما استقلَّتْ وسُهَيْلٌ إذا اسْتقل يَمانِي تفسير : ويجوز دخول باء الجر عليه؛ نحو: بعمرك لأفعلنَّ؛ قال: [الوافر] شعر : 3284ـ رُقيَّ بِعمْرِكُم لا تَهْجُرينَا ومَنِّينَا المُنَى ثُمَّ امْطُلينا تفسير : وهو من الأسماء اللازمة للإضافة، فلا يقطع عنها، ويضاف لكل شيء، وزعم بعضهم: أنه لا يضاف إلى الله ـ تعالى ـ. قيل: كان هذا يوهم أنه لا يستعمل إلا في الانقطاع، وقد سمع إضافته للباري تعالى. قال الشاعر: [الوافر] شعر : 3285ـ إذَا رَضِيَتْ عليَّ بَنُو قُشيْرٍ لعَمْرُ الله أعْجَبنِي رِضَاهَا تفسير : ومنع بعضهم إضافته إلى ياء المتكلِّم، قال لأنه حلف بحياة المقسم، وقد ورد ذلك، قال النابغة: [الطويل] شعر : 3286ـ لعَمْرِي وما عمْرِي عليَّ بِهيِّنٍ لقد نَطقَتْ بُطلاً عليَّ الأقَارعُ تفسير : وقد قلبته العرب لتقديم رائه على لامه، فقالوا: وعملي، وهي رديئة. "إنَّهُمْ" العامة على كسر "إنَّ" لوقوع اللام في خبرها، وقرأ أبو عمرو في رواية الجهضمي له "أنَّ" فتحها، وتخريجها على زيادة اللام، وهي كقراءة ابن جبيرٍ (ألا أنهم ليأكلون الطعام) بالفتح. وقرأ الأعمش: "سَكْرهُمْ" بغير تاء، وابن أبي عبلة "سَكرَاتهِمِ" جمعاً، والأشهب: "سُكْرتِهِم" بضم السين. و"يَعْمَهُونَ" حال إمَّا من الضمير المستكن في الجار، وإمَّا من الضمير المجرور بالإضافة، والعامل إمَّا نفس سكرة، لأنَّها مصدر، وإمَّا معنى الإضافة. فصل قيل: إن الملائكة ـ عليهم السلام ـ قالت للوطٍ ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ "لعَمُركَ إنَّهم لَفِي سَكرتِهمْ يَعْمَهُونَ": يتحيَّرون. وقال قتادة: يلعبون فكيف يعقلون قولك ويتلفتون إلى نصيحتك؟. وقيل: إنَّ الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم وإنَّه أقسم بحياته وما أقسم بحياة أحدٍ. روى أبو الجوزاء عن ابن عبَّاس ـ رضي الله عنهما ـ قال ما خلقَ الله نفساً أكرم على الله من محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وما أقْسمَ بحياةِ أحدٍ إلاَّ بحياتهِ. قال ابن العربي: قال المفسرون بإجماعهم: أقسم الله تعالى ها هنا بحياةِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم تشريفاً له، أنَّ قومه من قريش في سكرتهم يعمهون وفي حيرتهم يترددون، وقال القاضي عياضٌ: اتفق أهل التفسير في هذا: أنَّه قسم من الله تعالى بمدة حياة محمد صلى الله عليه وسلم وأصله ضمُّ العين من العمر، ولكنها فتحت بكثرة. قال ابن العربي: ما الذي يمنعُ أن يقسم الله ـ تعالى ـ بحياة لوطٍ، ويبلغ به من التشريف ما شاء، وكلُّ ما يعطيه الله للوطٍ من فضل، يعطي ضعفه لمحمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّه أكرم على الله منه؛ أو لا تراه سبحانه أعطى إبراهيم الخلَّة، وموسى التكليم، وأعطى ذلك لمحمدٍ صلى الله عليه وسلم، فإذا أقسم بحياة لوطٍ، فحياة محمدٍ صلى الله عليه وسلم أرفعُ، ولا يخرج من كلام إلى كلام لم يجر له ذكرٌ لغير ضرورةٍ. قال القرطبيُّ: ما قاله حسنٌ، فإنَّه كان يكون قسمه سبحانه بحياة محمد صلى الله عليه وسلم، كلاماً معترضاً في قصَّة لوط. قال القشيريُّ: يحتمل أن يرجع ذلك إلى قوم لوطٍ؛ أي كانوا في سكرتهم يعمهون، أي لمَّا وعظ لوطٌ قومه وقال: هؤلاء بناتي، قالت الملائكة: يا لوط لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون، ولا يدرون ما يحلُّ بهم صباحاً. فإن قيل: فقد أقسم الله تعالى بالتِّين، والزَّيتونِ، وطور سنين، وما في هذا من الفضل؟ قيل له: ما من شيء أقسم الله به، إلاّ وفي ذلك دلالة على فضل على ما يدخل في عداده، فكذلك محمد صلى الله عليه وسلم. ثم قال: {فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ}، ولم يذكر في الآية صيحة من هي فإن ثبت بدليل قوي أن تلك صيحة جبريل قيل به وإلا فليس في الآية دليلٌ على أنه جاءتهم صيحة مهلكة. قوله "مُشْرقينَ" "حال من مفعول "أخَذتْهُمْ"، أي داخلين في الشروق، أي: بزوغِ الشَّمسِ. يقال: شَرَق الشارق يَشْرُق شُرُوقاً لكل ما طلع من جانب الشرق، ومنه قوله: ما ذرَّ شَارِقٌ، أي طلع طَالعٌ فكان ابتداء العذاب حين أصبحوا وتمامه حين أشرقوا. والضمير في: "عَاليهَا وسَافِلهَا" للمدينة. وقال الزمخشريُّ: "لقرى قوم لوط". ورجح الأول بأنه تقدَّم ذكر المدينة في قوله {وَجَآءَ أَهْلُ ٱلْمَدِينَةِ} فعاد الضمير إليها بخلاف الثاني، فإنه لم يتقدَّم لفظ القرى. {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً} تقدم الكلام على ذلك كله في هود: [82]. قوله {لِلْمُتَوَسِّمِينَ} متعلق بمحذوف على أنه صفة لـ "آيَاتٌ" وأجود أن يتعلق بنفس "آيَاتٌ"؛ لأنَّها بمعنى العلامات. والتوسُّم: تفعل من الوسم، والوسمُ أصله: التَّثبت، والتَّفكر مأخوذ من الوسمِ، وهو التَّأثير بحديد في جلد البعير، أو غيره. وقال ثعلب: الوَاسِمُ النَّاظر إليك من [قرنك] إلى قدمك، وفيه معنى التَّثبيت. وقال الزجاج: حقيقة المتوسِّمين في اللغة: المتثبتون في نظرهم حتَّى يعرفوا سمة الشيء، وصفته وعلامته وهو استقصاءُ وجوه التَّعرف قال: [الكامل] شعر : 3287ـ أوَ كُلما وردَتْ عُكاظَ قَبيلَةٌ بَعَثَتْ إليَّ عَريفَهَا يَتوسَّم تفسير : وقيل: هو تفعُّل من الوسمِ، وهو العلامة، توسَّمتُ فيك خيراً، أي: ظهر لي مِيسَمُهُ عليك. قال ابن رواحة يمدحُ النبي صلى الله عليه وسلم: [البسيط] شعر : 3288ـ إنِّي تَوسَّمْتُ فِيكَ الخَيْرَ أعْرفهُ واللهُ يَعْلمُ أنِّي ثَابتُ البَصرِ تفسير : وقال آخر: [الطويل] شعر : 3289ـ تَوسَّمْتهُ لمَّا رَأيْتُ مَهَابَةٌ عَليْهِ، وقُلْتُ المَرْءُ مِنْ آلِ هَاشمِ تفسير : ويقال: اتَّسمَ الرَّجلُ، إذا اتَّخذَ لِنفْسِه عَلامةً يُعرف بِهَا، وتوسَّم: إذا طلبَ كلأ الوسمي، أي: العُشْبَ النَّابت في أوَّل المطر. واختلف المفسِّرون: فقال ابن عبَّاس ـ رضي الله عنهما ـ للنَّاظرين. وقال مجاهدٌ للمتفرِّسين، وقال قتادة للمعتبرين، وقال مقاتلٌ للمتفكرين. قوله: {وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ} الظاهر عود الضمير على المدينة، أو القرى وقيل على الحجارة وقيل: على الآيات، والمعنى: بطريقٍ واضح قال مجاهد هذا طريق معلم، وليس بخفيّ، ولا زائلٍ. ثم قال: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ}، إي: كل من آمن بالله، ويصدق بالأنبياء، والرُّسلِ ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ؛ عرف أنَّما كان انتقامُ الله من الجُهَّال لأجل مخالفتهم، وأمَّا الذين لا يؤمنون؛ فيحملونه على حوادث [العالم]، وحصول القرانات الكوكبية، والاتصالات الفلكية.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة {قالوا لا توجل} قالوا: لا تخف. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد {فبم تبشرون} قال: عجب من كبره، وكبر امرأته. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي {من القانطين} قال: الآيسين. وأخرج أبو عبيد وابن المنذر من طريق الأعمش، عن يحيى أنه قرأها "فلا تكن من القنطين" بغير ألف. قال: وقرأ {ومن يقنط من رحمة ربه} مفتوحة النون. وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان بن عيينة قال: من ذهب يقنط الناس من رحمة الله، أو يقنط نفسه فقد أخطأ، ثم نزع بهذه الآية {ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون}. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي {ومن يقنط من رحمة ربه} قال: من ييأس من رحمة ربه. وأخرج ابن أبي حاتم وأحمد في الزهد، عن موسى بن علي، عن أبيه قال: بلغني أن نوحاً عليه السلام قال لابنه سام: يا بني، لا تدخلن القبر وفي قلبك مثقال ذرة من الشرك بالله؛ فإنه من يأت الله عز وجل مشركاً فلا حجة له. ويا بني، لا تدخل القبر وفي قلبك مثقال ذرة من الكبر؛ فإن الكبر رداء الله، فمن ينازع الله رداءه يغضب الله عليه. ويا بني، لا تدخلن القبر وفي قلبك مثقال ذرة من القنوط؛ فإنه لا يقنط من رحمة الله إلا ضال. وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الفاجر الراجي لرحمة الله، أقرب منها من العابد القنط ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن إبراهيم النخعي قال: بيني وبين القدرية هذه الآية {إلا امرأته قدرنا إنها لمن الغابرين}. وأخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله {إنكم قوم منكرون} قال: أنكرهم لوط. وفي قوله {بما كانوا فيه يمترون} قال: بعذاب قوم لوط. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن قتادة {بما كانوا فيه يمترون} قال: يشكون. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله {واتبع أدبارهم} قال: أمر أن يكون خلف أهله يتبع أدبارهم في آخرهم إذا مشوا. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي {وامضوا حيث تؤمرون} قال: أخرجهم الله إلى الشام. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن زيد {وقضينا إليه ذلك الأمر} قال: أوحينا إليه. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله {أن دابر هؤلاء مقطوع} يعني استئصالهم وهلاكهم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة {وجاء أهل المدينة يستبشرون} قال: استبشروا بأضياف نبي الله لوط، حين نزلوا به لما أرادوا أن يأتوا إليهم من المنكر. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله {أو لم ننهك عن العالمين} قال: يقولون أن تضيف أحداً أو تؤويه {قال هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين} قال: أمرهم لوط بتزويج النساء، وأراد أن يقي أضيافه ببناته والله أعلم. وأخرج ابن أبي شيبة والحرث بن أبي أسامة وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي معاً في الدلائل، عن ابن عباس قال: ما خلق الله وما ذرأ وما برأ نفساً أكرم عليه من محمد صلى الله عليه وسلم. وما سمعت الله أقسم بحياة أحد غيره. قال {لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون} يقول: وحياتك يا محمد وعمرك وبقائك في الدنيا. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {لعمرك} قال: لعيشك. وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ما حلف الله بحياة أحد إلا بحياة محمد، قال {لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون} وحياتك يا محمد ". تفسير : وأخرج ابن جرير عن إبراهيم النخعي قال: كانوا يكرهون أن يقول الرجل: لعمري، يرونه كقوله وحياتي. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله {إنهم لفي سكرتهم يعمهون} أي في ضلالتهم يلعبون. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن الأعمش أنه سئل عن قوله تعالى {لَعَمْرُكَ إنهم لفي سكرتهم يعمهون} قال: لفي غفلتهم يترددون. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله {فأخذتهم الصيحة} قال: {الصيحة} مثل الصاعقة، كل شيء أهلك به قوم فهو صاعقة وصيحة. وأخرج ابن جرير عن ابن جريج في قوله {مشرقين} قال: حين أشرقت الشمس. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم، عن ابن عباس في قوله {إن في ذلك لآيات} قال: علامة. أما ترى الرجل يرسل بخاتمه إلى أهله فيقول هاتوا كذا وكذا؟ فإذا رأوه عرفوا أنه حق. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله {لآيات للمتوسمين} قال: للناظرين. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة، عن قتادة في قوله {لآيات للمتوسمين} قال: للمعتبرين. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله {لآيات للمتوسمين} قال: هم المتفرسون. وأخرج أبو نعيم في الحلية عن جعفر بن محمد في قوله {إن في ذلك لآيات للمتوسمين} قال: هم المتفرسون. وأخرج البخاري في تاريخه والترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن السني وأبو نعيم معاً في الطب، وابن مردويه والخطيب، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اتقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله"تفسير : . ثم قرأ {إن في ذلك لآيات للمتوسمين} قال: المتفرسين. وأخرج ابن جرير عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اتقوا فراسة المؤمن، فإن المؤمن ينظر بنور الله ". تفسير : وأخرج ابن جرير عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : احذروا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله وينطق بتوفيق الله ". تفسير : وأخرج الحكيم الترمذي والبزار وابن السني وأبو نعيم، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن لله عباداً يعرفون الناس بالتوسم ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {وإنها لبسبيل مقيم} يقول: لبهلاك. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {وإنها لبسبيل مقيم} يقول: لبطريق واضح.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلاماً}. أَلا عرِّفهم كيف كانت فتوة الخليل في الضيافة، وقيامه بحقِّ الضيفان، وكان الخليلُ عليه السلام يقوم بنفسه بخدمة الضيفان، فلمَّا سلموا من جانبهم وردَّ عليهم وانْفَضُّوا عن تناولِ طعامِه: قوله جلّ ذكره: {قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ}. وَجلون أي خائفون، فإنَّ الإمساكَ عن تناول طعام الكرام موضعٌ للريبة. ولمَّا عَلِمَ أنهم ملائكة خاف أن يكونوا نزلوا لتعذيب قومه إذ كانوا مجرمين. ولكن سكن رَوْعُه عندما قالوا له: قوله جلّ ذكره: {قَالُواْ لاَ تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ}. فليس لك موضِعٌ للوَجَلِ لكن موضِعٌ للفَرَجِ؛ فإنا جئناك مُبَشِّرين، وإن كُنَّا لغيرِكَ مُعَذِّبين. نحن {نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ}: أي يعيش حتى يعلم، لأن الطفل ليس من أهل العلم، وكانت بشارتُهم بالوَلَدِ وببقاءِ الولد هي العجب فقال: {قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَىٰ أَن مَّسَّنِيَ ٱلْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بِٱلْحَقِّ فَلاَ تَكُن مِّنَ ٱلْقَانِطِينَ قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ ٱلضَّآلُّونَ}. قال أبشرتموني وقد مسَّني الكِبَرُ؟ وإنَّ الكبير قد فاته الوقت الذي يفرح فيه من الدنيا بشيء. بماذا تبشروني وقد طَعَنْتُ في السنِّ، وعن قريب أرتحل إلى الآخرة؟ قالوا: بشرناك بالحق فلا تكن من جملة من يقنط من رحمة الله، ولا يقنط من رحمة ربه إلا من كان ضالاً. قال: كيف أخطأ ظنكم فيّ فتوهمتم أني أقنط من رحمة ربي؟ فلما فرغ قلبه من هذا الحديث، وعرف أنه لن يُصيبَه ضررٌ منهم سألهم عن حالهم: قوله جلّ ذكره: {قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا ٱلْمُرْسَلُونَ قَالُواْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ قَدَّرْنَآ إِنَّهَا لَمِنَ ٱلْغَابِرِينَ}. قال ما شأنكم؟ وإلى أين قصدكم؟ قالوا: أُرْسِلْنا لعذاب قوم لوط، ولننجيَ أهله إلا امرأته لمشاركتها معهم في الفساد، وكانت تدل على أضيافه، فاستوجبت العقوبة. فلمَّا وافى المرسلون من آل لوطٍ أنكرهم لأنه لم يجدهم على صورة البشر، وتفرَّس فيهم على الجملة أنهم جاءوا لأمرٍ عظيم، قالوا: بل جئناكَ بما كان قومُك يَشُكُّونَ فيه مِنْ تعذيبنا إياهم، وآتيناك بالحق، أي بالحكم الحق.
اسماعيل حقي
تفسير : {ونبئهم} واخبر امتك يا محمد {عن ضيف ابراهيم} يستوى فيه القليل والكثير اى اضيافه وهو جبريل مع احد عشر ملكا على صورة الغلمان الوضاء وجوههم جعلهم ضيفا لانهم كانوا فى صورة الضيف او لكونهم ضيفا في حسبان ابراهيم عليه السلام
ابن عجيبة
تفسير : قلت: (سلاماً): مفعول بمحذوف، أي: سلمنا سلاماً، أو نسلم عليكم سلاماً. والضيف يطلق على الواحد والجماعة، والمراد هنا: جماعة من الملائكة، و(تُبشرون): قرئ بشد النون؛ بإدغام نون الرفع في نون الوقاية، وبالتخفيف؛ بحذف إحدى النونين، وبالفتح على أنها نون الرفع. و(يقنط): بالفتح والكسر، يقال: قنط كضرِب وعلم. يقول الحق جل جلاله: {ونَبَّئهم} أي: وأخبر عبادي {عن ضيف إبراهيمَ} حين بشروه بالولد، وأعلموه بعذاب قوم لوط، لعلهم يعتبرون فيرجون رحمته ويخافون عذابه. أو: ونبئهم أن من اعتمد منهم على كفره وغوايته، فالعذاب لاحق به في الدنيا، كحال قوم لوط. ثم ذكر قصتهم من أولها فقال: {ونبئهم عن ضيف إبراهيم}، وذلك حين {دخلوا عليه}، وهم أربعة: جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل، {فقالوا سلاماً} أي: نُسلم عليكم سلاماً، قال: سلام، ثم أتاهم بعجل حنيذ، فلما قربه إليهم، قالوا: إنا لا نأكل طعاماً إلا بثمن، فقال إبراهيم: إن له ثمناً، قالوا: وما ثمنه؟ قال: تذكرون اسم الله على أوله، وتحمدونه على آخره، فنظر جبريل إلى ميكائيل فقال: حق لهذا ان يتخذه ربه خليلاً، فلما رأى أنهم لا يأكلون فزع منهم. ومن طريق آخر: أن جبريل مسح بجناحه العجْل، فقام يدرج حتى لحق بأمه في الدار. هـ. هكذ ذكر القصة المحشي الفاسي عن ابن حجر. فلما أحس إبراهيم عليه السلام بالخوف منهم {قال إنما منكم وَجِلُون}: خائفون؛ إما لامتناعهم من أكل طعامه، أو لأنهم دخلوا بغير إذن، أو في غير وقت الدخول. والوجل: اضطراب النفس لتوقع مكروه. {قالوا لا تَوْجَلْ}: لا تخف، ثم عللوا نهيه عن الخوف فقالوا: {إنا نبشِّرك بغلام} وهو إسحاق، لقوله: {أية : فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ} تفسير : [هود: 71]، {عليمٍ} إذا بلغ أوان العلم. {قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَىٰ أَن مَّسَّنِيَ ٱلْكِبَرُ} أي: أبشرتموني بالولد مع أني قد كبر سني، وكان حينئذٍ من مائة سنة وأكثر، {فبِمَ تُبَشِّرونِ}؟ أي: فبأي أعجوبة تبشرون؟ أو فبأي شيء تبشرون؟ فإن البشارة بما لا يتصور وقوعه عادة بشارة بغير شيء. قال ذلك على وجه التعجب من ولادته في كِبَرهِ. {قالوا بشرناك بالحق}: باليقين الثابت الذي لا محالة في وقوعه، فلا تستبعده، ولا تشك فيه، {فلا تكن من القانطين}: من الآيسين، فإن الله تعالى قادر على أن يخلق بشراً من غير أبوين، فكيف من شيخ فانٍ وعجوز عاقرٍ. وكان استعجاب إبراهيم باعتبار العادة، دون القدرة؛ ولذلك {قال ومن يَقْنَطُ من رحمة ربه} أي: لا ييأس من رحمة ربه {إلا الضالون}: أي: المخطئون طريق المعرفة، فلا يعرفون سعة رحمته تعالى، وكمال قدرته، قال القشيري: أي: من الذي يقنط من رحمة الله إلا من كان ضالاً، فكيف أخطأ ظنكم بي، فتوهمتم أني أقنط من رحمة ربي؟.هـ. وفيه دليل على تحريم القنوط؛ قال تعالى: {أية : إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْكَافِرُونَ} تفسير : [يوسف: 87]. {قال فما خَطْبُكم أيها المرسلون} أي: ما شانكم الذي أرسلتم لأجله سوى البشارة؟ ولعله علم ان كمال المقصود ليس هو البشارة فقط، لأنهم كانوا عدداً، والبشارة لا تحتاج إلى عدد، ولذلك اكتفى بالواحد في بشارة زكريا ومريم. أو لأنهم بشروه في تضاعيف الحال؛ لأزالة الوجل، ولو كانت تمام المقصود لابتدروه بها. ثم أجابوه: {قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين}؛ يعني: قوم لوط؛ لأن شأنهم الإجرام بفعل الفاحشة، {إلا آل لوطٍ} أي: لكن آل لوط لم نُرْسَل إلى عذابهم؛ إذ ليسوا مجرمين: أو أرسلنا إلى قوم أجرموا كلهم، إلا آل لوط، لنهلك المجرمين وننجي آل لوط، ويدل عليه قوله: {إنا لمنجُّوهم أجمعين} من العذاب الذي يهلك به قوم لوط. قال ابن جزي: قوله: {إلا آل لوط}: يحتمل أن يكون استثناء من قومه، فيكون منقطعاً؛ لوصف القوم بالإجرام، ولم يكن آل لوط مجرمين. ويحتمل أن يكون استثناء من الضمير في {مجرمين}؛ فيكون متصلاً، كأنه قال: إلى قوم أجرموا كلهم إلا آل لوط فلم يجرموا، قوله: {إلا امرأته}؛ استثناء من آل لوط، فهو استثناء من استثناء. قيل: وفيه دليل على أن الأزواج من الآل؛ لأنه استثنى امرأته من آله. وقال الزمخشري: إنما هو استثناء من الضمير المجرور في قوله: {إنا لمنجوهم}، وذلك هو الذي يقتضيه المعنى. هـ. أي: إنا لمنجوهم من العذاب {إلا امرأته قدَّرنا إنها لمن الغابرين}؛ الباقين في العذاب مع الكفرة؛ لتهلك معهم، وقرأ أبو بكر عن عاصم: "قدرنا" بالتخفيف، وهما لغتان، يقال: قدّر الله وكذا وقدره، قال البيضاوي: وإنما علق، والتعليق من خواص أفعال القلوب؛ لتضمنه معنى العلم، ويجوز أن يكون (قدرنا): أجرى مجرى قلنا؛ لأن التقدير بمعنى القضاء قول، وأصله: جعل الشيء على مقدار غيره، وإسناد التقدير إلى إنفسهم، وهو فعل الله تعالى؛ لما لهم من القرب والاختصاص. هـ. قلت: وفيه إشارة إلى حذف الوسائط، كما هو توحيد المحققين. والله تعالى أعلم. الإشارة: لا يلزم من ثبوت الخصوصية عدم وصف البشرية، فالوجل والخوف والفرح والحزن والتعجب والاستعظام للأشياء الغريبة، كل ذلك من وصف البشر، يقع من الخصوص وغيرهم، لكن فرق بين خاطر وساكن، فالخصوص تهجم عليهم ولا تثبت، بخلاف العموم. ويؤخذ من الآية: أن صحبة الخصوص لا تنفع إلا مع الاعتقاد والتعظيم، فإنَّ امرأة نبي الله لوط كانت متصلة به حساً، ومصاحبة له، ولم ينفعها ذلك، حيث لم يكن لها فيه اعتقاد ولا تعظيم. وكذلك صحبة الأولياء: لا تنفع إلا مع صدق والتعظيم. وقول ابن عطاء الله: سبحان من لم يجعل الدليل على أوليائه إلا من حيث الدليل عليه. ولم يوصل إليهم إلا من اراد أن يوصله إليه": مقيد بوصول التعظيم والاعتقاد، والاستماع والاتباع. والله تعالى أعلم. ثمَّ ذكر قصة هلاك قوم لوط
الطوسي
تفسير : قرأ نافع {تبشرون} بكسر النون مع التخفيف بمعنى تبشرونني وحذف النون استثقالاً، لاجتماع المثلين، وبقيت الكسرة الدالة على الياء المفعولة، والنون الثانية محذوفة، لان التكرير بها وقع، ولم تحذف الاولى لانها علامة الرفع ومثله قول الشاعر: شعر : تراه كالثغام يعلّ مسكاً بسوء الغاليات اذا قليني تفسير : أراد قلينني، فحذف إِحدى النونين. وقال اهل الكوفة: ادغم ثم حذف، وحجتهم {أية : وكادوا يقتلونني}تفسير : وقوله {أية : أتعدانني}تفسير : فأظهر النونات، وأما حرف المشدد نحو {أية : تأمروني}تفسير : و {أية : أتحاجوني}تفسير : وما أشبه ذلك. وشدد النون وكسرها ابن كثير. الباقون بفتح النون. قال أبو علي: من شدد النون أدغم النون الاولى التي هي علامة الرفع في الثانية المتصلة بالياء التي للمضمر المنصوب للمتكلم، وفتحها، لانه لم يعدّ الفعل الى مفعول به، كما عداه غيره. وحذف المفعول كثير. ولو لم يدغم، وبيّن، كان حسناً في القياس مثل (يقتلونني) في جواز البيان والادغام. ومن فتح النون جعلها علامة الرفع، ولم يعد الفعل فيجتمع نونان. أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم ان يخبر من تقدم ذكره {عن ضيف إبراهيم} والضيف هو المنضوي الى غيره لطلب القرى، وجمعه ضيوف وأضياف وضيفان {إِذ دخلوا عليه} يتعلق بـ {ضيف} وضيف يقع على الواحد والاثنين والجمع، فلذلك قال {إِذ دخلوا عليه} فكنى بكناية الجمع. وسماهم ضيفاً، وهم ملائكة، لانهم دخلوا بصورة البشر {فقالوا سلاماً} نصبه على المصدر، والمعنى سلمت سلاماً على وجه الدعاء، والنحية. ومثله قوله {أية : وإِذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً}تفسير : والمعنى سلمنا منكم سلاماً، والسلامة نقيض البلاء والآفة المخوفة، والنجاة نقيض الهلاك. وقوله {قال إِنا منكم وجلون} اخبار عما أجاب به ابراهيم ضيفانه بأنه خائف منهم، والوجل الخوف، فأجابه الضيفان، وقالوا {لا توجل} أي لا تخف انا جئناك {نبشرك بغلام عليم}. والتبشير الإِخبار بما يسرّ، بما يظهر في بشرة الوجه سروراً به يقال: بشرته أبشره بشارة وأبشر ابشاراً بمعنى استبشر، وبشرته تبشيراً، وانما وصفه بأنه {عليم} قبل كونه؛ لدلالة البشارة به على انه سيكون بهذه الصفة، لانه إِنما بشر بولد يرزقه الله اياه ويكون عليماً، فقال لهم ابراهيم {أبشرتموني على أن مسني الكبر} اي كيف يكون لي ولد وقد صرت كبيراً، لان معنى {مسني الكبر} أي غيرني الكبر عن حال الشباب التي يطمع معها في الولد، الى حال الهرم. وقيل في معناه قولان: احدهما - انه عجب من ذلك لكبره، فقاله على هذا الوجه. والآخر - انه استفهم فقال: أأمر الله ان تبشرونني، في قول الجبائي. ومعنى {على أن مسني} أي بأن مسني، كما قال {أية : حقيق على أن لا أقول}تفسير : بمعنى بأن لا أقول.
الجنابذي
تفسير : لامتناعهم عن الاكل كما سبق.
الأعقم
تفسير : {ونبّئهم} أي أخبرهم {عن ضيف ابراهيم} وهم الملائكة الذين دخلوا عليه وسماهم ضيفاً وان لم يأكلوا لأنهم جاؤوا مجيء الأضياف، وقد تقدم هذا الكلام في سورة هود، وكذلك أيضاً خبر قوم لوط، وقوله: {قال انا منكم وجلون} خائفون {قالوا لا توجل} لا تخف {إنا نبشرك بغلام عليم} بأن يولد لك ويكون عالماً {قال ابراهيم أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون} كيف تبشرون، وقيل: عجب من ذلك لكبره وكبر امرأته {قالوا بشرناك بالحق} بالولد إنه كائن لا محالة {فلا تكن من القانطين} الآيسين من رحمة الله، ولم يكن فيه (صلى الله عليه وآله وسلم) قنوطاً {قال} ابراهيم {ومن يقنط من رحمة ربه إلاَّ الضالون} {قال فما خطبكم} أي ما شأنكم وما الأمر الذي له أرسلتم {قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين} مفرطين في المعاصي فأخبروه بإهلاكهم {إلاَّ آل لوط} أهله واتباعه {إنا لمنجّوهم أجمعين} قوله تعالى: {إلاَّ امرأته} يعني امرأة لوط كانت كافرة {قدّرنا}، قيل: علمنا وكتبنا {إنها لمن الغابرين} أي من الباقين بالعذاب بكفرهم {فلما جاء آل لوط المرسلون} يعني الملائكة لما خرجوا من عند ابراهيم أتوا لوطاً مبشرين بهلاك قومه {قال إنكم قوم منكرون} أي لا أعرفكم لأنه رآهم في صور حسنة {قالوا} يعني الملائكة {بل جئناك بما كانوا فيه يمترون} يعني العذاب الذي كانوا يشكون فيه {فأسر بأهلك بقطع من الليل} بقطعة، وقيل: وقت السحر {واتبع أدبارهم ولا يلتفت منكم أحد}، قيل: لا يتخلف أحد عن السير، وقيل: لا ينظرون وراءهم فيلحقهم رعبٌ {وامضوا حيث تؤمرون}، قيل: إلى الشام، وقيل: إلى مصر {وقضينا} أعلمنا وأوحينا {اليه} إلى لوط {ذلك الأمر أنَّ دابر هؤلاء مقطوع مصبحين} أي كائن ذلك عند الصباح {وجاء أهل المدينة} أي قوم لوط أي جماعة منهم والمدينة سدوم وهو أنهم جاوؤا إلى لوط مستبشرين يظهرون السرور، وقيل: بشر بعضهم بعضاً لما رأوا من حسن صورهم فقال لهم لوط: {إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون} بالاقدام على ما يكون عاراً عليَّ {واتقوا الله ولا تخزون} والخزي والعار والعتب نظائر والإخزاء والإهانة نظائر، فأجابوا لوطاً {وقالوا أو لم ننهك عن العالمين} فلما قالوا ذلك لم يجد بما يمنع أضيافه فـ {قال هؤلاء بناتي} يعني إن لم تشفعوني بأضيافي فهؤلاء بناتي إن كان لكم رغبة في التزويج، وكان يجوز تزويج الكفار، وقيل: بناتي أشار إلى قومه، لأن كل أمّة أولاد نبيها رجالهم بنوه ونساؤهم بناته، فكأنه قال لهم: هؤلاء بناتي فانكحوهن {إن كنتم فاعلين} شك في قبولهم لقوله كأنه قال: إن فعلتم ما أقول لكم وما أظنكم فاعلين، وقيل: إن كنتم تريدون قضاء الشهوة فيما أحل الله دون ما حرم {لعمرك} قالت الملائكة للوط (عليه السلام): {لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون} أي في غوايتهم التي أذهبت عقولهم يعمهون يتحيرون، وقيل: الخطاب لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأنه أقسم بحياته وما أقسم بحياة أحد قط كرامة له {فأخذتهم الصيحة} صاح بهم جبريل {مشرقين} داخلين في الشروق وهو بزوغ الشمس أي حين أشرقت الشمس {فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجّيل}، قيل: من طين، وقيل: هو من السجل {إن في ذلك لآيات للمتوسمين} المتوسم الناظر في السمة وهي العلامة، والعلامة الدلالة، وهذا راجع إلى قصة قوم لوط وضيف ابراهيم، وقوله: المتوسمين المتفكرين، يعني تفكروا فيعلموا أنه قادر على ما شاء وعلى إهلاكهم كما أهلك من قبلهم، وقيل: المتوسمين المتفرسين المستملين {وانها} وإن هذه القرية يعني أثارها {لبسبيل مقيم} أي بطريق واضح معلوم لمن شاهد فسمع الأخبار، وقيل: تلك الآيات معلومة قائمة، وقد روي أن دور قوم لوط بين المدينة والشام {إن في ذلك لآيةً} لعبرة {للمؤمنين}.
اطفيش
تفسير : {وَنَبِّئْهُمْ} عطف على نبىء عبادى وفائدته أن يعتبر والتلويح بالسلامة دنيا وأُخرى إِن تابوا والتبشير بخيرهما ولو فعلوا ما فعلوا إِن تابوا وعدم القنوط كما جرى لإِبراهيم وتنجيتهم كآل لوط وإِهلاكهم كقومه وامرأته إِن أصروا {عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ} وهم اثنا عشر ملكا أحدهم جبريل أو عشرة أو ثلاثة وأصل الضيف مصدر بمعنى الميل والإِضافة بمعنى الإِمالة ولذلك يطلق على الجماعة كما هنا وعلى ما دونها والمذكر والمؤنث بلفظ واحد.
الالوسي
تفسير : {وَنَبّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ} الخ، وقيل: إنه تفصيل لما تضمنته الآية السابقة منهما لا من الوعيد فقط كما قيل، والمراد بضيف إبراهيم الملائكة عليهم السلام الذين بشروه بالولد وبهلك قوم لوط عليه السلام، وإنما سموا ضيفاً لأنهم في صورة من كان ينزل به عليه السلام من الأضياف وكان لا ينزل به أحد إلا أضافه، وكان لقصره عليه السلام أربعة أبواب من كل جهة باب لئلا يفوته أحد، ولذا كان يكنى أبا الضيفان، واختلف في عددهم كما تقدم، وهو في الأصل مصدر والأفصح أن لا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث للمثنى والمجموع والمؤنث فلا حاجة إلى تكلف إضمار أي أصحاب ضيف كما قاله النحاس وغيره، ولم يتعرض سبحانه لعنوان رسالتهم لأنهم لم يكونوا مرسلين إليه عليه السلام بل إلى قوم لوط عليه السلام كما يأتي إن شاء الله تعالى ذكره. وقرأ أبو حيوة {ونبيهم} بإبدال الهمزة ياء.
ابن عاشور
تفسير : هذا العطف مع اتحاد الفعل المعطوف بالفعل المعطوف عليه في الصيغة دليل على أن المقصود الإنباء بكلا الأمرين لمناسبة ذكر القصة أنها من مظاهر رحمته تعالى وعذابه. و{ضيف إبراهيم}: الملائكة الذين تشكلوا بشكل أناس غرباء مارّين ببيته. وتقدمت القصة في سورة هود. وجملة {قال إنا منكم وجلون} جاءت مفصولة بدون عطف لأنها جواب عن جملة {فقالوا سلاماً}. وقد طوي ذكر رده السلام عليهم إيجازاً لظهوره. صُرح به في قوله: {أية : قال سلام قوم منكرون} تفسير : [سورة الذاريات: 25]، أي قال إنا منكم وجلون بعد أن رد السلام. وفي سورة هود أنه أوجس منهم خِيفة حين رآهم لم يمدّوا أيديهم للأكل. وضمير {إنا} من كلام إبراهيم ــــ عليه السلام ــــ فهو يعني به نفسه وأهله، لأن الضيف طرقوا بيتهم في غير وقت طروق الضيف فظنّهم يريدون به شراً، فلما سلموا عليه فاتحهم بطلب الأمْن، فقال: {إنا منكم وجلون}، أي أخفتمونا. وفي سورة الذاريات أنه قال لهم: {أية : قوم منكرون} تفسير : [سورة الحجر: 62]. والوجِل: الخائف. والوجَل بفتح الجيم الخوف. ووقع في سورة هود (70) {أية : نكِرهم وأوجس مِنهم خِيفة}.تفسير : وقد جُمع في هذه الآية متفرق كلام الملائكة، فاقتصر على مجاوبتهم إياه عن قوله: {إنا منكم وجلون}، فنِهاية الجواب هو {لا توجل}. وأما جملة {إنا نبشرك بغلام عليم} فهي استئناف كلام آخر بعد أن قدّم إليهم القِرى وحضرت امرأته فبشّروه بحضرتها كما فُصّل في سورة هود. والغلام العليم: إسحاق ــــ عليه السلام ــــ أي عليم بالشريعة بأن يكون نبيئاً. وقد حكي هنا قولهم لإبراهيم ــــ عليه السلام ــــ، وحكي في سورة هود قولهم لامرأته لأن البشارة كانت لهما معاً فقد تكون حاصلة في وقت واحد فهي بشارتان باعتبار المبشّر، وقد تكون حصلت في وقتين متقاربين بشّروه بانفراد ثم جاءت امرأته فبشروها. وقرأ الجمهور {نبشرك} ــــ بضم النون وفتح الموحدة وتشديد الشين المكسورة مضارع بشر بالتشديد ــــ. وقرأ حمزة وحده {نَبْشُرُكَ} ــــ بفتح النون وسكون الموحدة وضم الشين ــــ وهي لغة. يقال بشَرَه يبشره من باب نصر. والاستفهام في {أبشرتموني} للتعجب. و{على} بمعنى (مع): دالة على شدة اقتران البشارة بمسّ الكبر إياه. والمسّ: الإصابة. والمعنى تعجب من بشارته بولد مع أن الكبر مسّه. وأكد هذا التعجب بالاستفهام الثاني بقوله: {فَبِمَ تُبَشِّرُونِ} استفهام تعجب. نُزل الأمر العجيب المعلوم منزلة الأمر غير المعلوم لأنه يكاد يكون غير معلوم. وقد علم إبراهيم ــــ عليه السلام ــــ من البشارة أنهم ملائكة صادقون فتعين أن الاستفهام للتعجب. وحذف مفعول «بشرتموني» لدلالة الكلام عليه. قرأ نافع {تبشرونِ} ــــ بكسر النون مخففة دون إشباع ــــ على حذف نون الرفع وحذف ياء المتكلم وكل ذلك تخفيف فصيح. وقرأ ابن كثير ــــ بكسر النون مشددة ــــ على حذف ياء المتكلم خاصة. وقرأ الباقون ــــ بفتح النون ــــ على حذف المفعول لظهوره من المقام، أي تبشرونني. وجواب الملائكة إياه بأنهم بشّروه بالخَبَر الحق، أي الثابت لا شك فيه إبطالاً لما اقتضاه استفهامه بقوله: {فبم تبشرون} من أن ما بشروه به أمر يكاد أن يكون منتفياً وباطلاً. فكلامهم رد لكلامه وليس جواباً على استفهامه لأنه استفهام غير حقيقي. ثم نهوه عن استبعاد ذلك بأنه استبعاد رحمة القدير بعد أن علم أن المبشّرين بها مرسلون إليه من الله فاستبعاد ذلك يفضي إلى القنوط من رحمة الله فقالوا: {فلا تكن من القانطين}. ذلك أنه لما استبعد ذلك استبعاد المتعجب من حصوله كان ذلك أثَراً من آثار رسوخ الأمور المعتادة في نفسه بحيث لم يقلعه منها الخبر الذي يعلم صدقه فبقي في نفسه بقية من التردّد في حصول ذلك فقاربتْ حاله تلك حال الذين يَيأسون من أمر الله. ولما كان إبراهيم ــــ عليه السلام ــــ منزّهاً عن القنوط من رحمة الله جاءوا في موعظته بطريقة الأدب المناسب فنهوه عن أن يكون من زمرة القانطين تحذيراً له مما يدخله في تلك الزمرة، ولم يفرضوا أن يكون هو قانطاً لرفعة مقام نبوءته عن ذلك. وهو في هذا المقام كحاله في مقام ما حكاه الله عنه من قوله: {أية : أرني كيف تحيي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي} تفسير : [سورة البقرة: 260]. وهذا النّهي كقول الله تعالى لنوح عليه السلام {أية : إني أعظك أن تكون من الجاهلين } تفسير : [سورة هود: 46]. وقد ذكرته الموعظة مقاماً نسيه فقال: {ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون}. وهو استفهام إنكار في معنى النفي، ولذلك استثنى منه {إلا الضالون}. يعني أنه لم يذهب عنه اجتناب القنوط من رحمة الله، ولكنه امتلكه المعتاد فتعجب فصار ذلك كالذهول عن المعلوم فلما نبّهه الملائكة أدنى تنبيه تذكّر. القنوط: اليأس. وقرأ الجمهور {ومن يقنط} ــــ بفتح النون ــــ. وقرأه أبو عمرو والكسائي ويعقوب وخلف ــــ بكسر النون ــــ وهما لغتان في فعل قَنط. قال أبو علي الفارسي: قَنَط يقنِط ــــ بفتح النون في الماضي وكسرها في المستقبل ــــ من أعلى اللغات. قال تعالى: {أية : وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنَطوا} تفسير : [سورة الشورى: 28]. قلت: ومن فصاحة القرآن اختياره كل لغة في موضع كونها فيه أفصح، فما جاء فيه إلا الفتح في الماضي، وجاء المضارع بالفتح والكسر على القراءتين.
الشنقيطي
تفسير : بين في مواضع أخر أن ضيف إبراهيم المذكورين في هذه الآية أنهم ملائكة كقوله في هود: {أية : وَلَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بِٱلْبُـشْرَىٰ قَالُواْ سَلاَماً قَالَ سَلاَمٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ}تفسير : [هود: 69] كما تقدم وقوله: {أية : قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا ٱلْمُرْسَلُونَ قَالُواْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ} تفسير : [الحجر: 57-58] إلى غير ذلك من الآيات.
القطان
تفسير : وجلون: خائفون. لا توجل: لا تخف. من القانطين: من اليائسين. ما خطبكم: ما شأنكم، ماذا تريدون. قدرنا: قضينا. الغابرين: الباقين في الهلاك. {وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ...}. يتناول القرآن الكريم قصص الأنبياءِ والمرسَلين، ويذكر طرفاً من أخبارهم ومعجزاتهم، وليس الغرضُ من هذا القصص التاريخَ ولا استقراء الوقائع، وانما الغرضُ منه الهداية والعِبرة والعظة. {أية : لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ}تفسير : [سورة يوسف: 111]. وقد وردتْ قصةُ إبراهيمَ ولوطٍ في مواضعَ متعدّدة بأشكال متنوعة، تناسب السياقَ الذي وردت فيه، ووردتْ قصة لوط وحدَه في مواضع اخرى. وهنا يقول الله تعالى: اخبرْهم أيها النبيّ عن حالِ ضيفِ إبراهيم، عندما دخلوا عليه وسلّموا، فقال: إنّا منكم خائفون، فطمأنوه وقاولوا له: لا تخفْ، إنّا جئنا نبشّرك بغلام عليم. قال: كيف تبشّرونني بمولودٍ يولَد لي وأنا شيخٌ كبير السنّ، إنّ هذا الأمر لغريب عجيب! فأجابوه مؤكدين ما بشّروه به: لقد بشّرناك بالحقّ فلا تكنْ من القانِطين اليائسين. فقال إبراهيم، إنّي لا أيأسُ من رحمةِ الله، فإنه لا يقنَطُ من رحمة الله إلا الضالون. ثم لما استأنس بهم وعرف أنهم جاؤا بأمرٍ عظيم،واستفسر منهم فقال لهم: ما شأنكم بعد هذه البشرى أيّها المرسلون؟ قالوا: لقد أرسلَنا اللهُ تعالى الى قومٍ مجرمين في حقّ الله وحقِّ نبيِّهم وحق أنفسِهم، وسنهلكهم إلا آل لوط ومن اتّبعه فإنهم ناجون، دونَ امرأته (لأنها كفرتْ بالله ولم تتّبع زوجَها) فستكون من الماكثين في الهلاك مع القوم المجرمين. قراءات: قرأ نافع: "فبم تبشرونِ" وقرأ ابن كثير: "تبشرونِّ" بكسر النون مشددة. وقرأ الباقون: تشرونَ بفتح النون وقرأ ابو عمرو والكسائي: "ومن يقنط" بكسر النون، والباقون "يقنط" بفتح النون.
د. أسعد حومد
تفسير : {إِبْرَاهِيمَ} (51) - وَخَبِّرْهُمْ عَنْ قِصَّةِ الضَّيْفِ الذِينَ نَزَلُوا عَلَى إِبْرَاهِيمَ، (وَكَلِمَةُ ضَيْفٍ تُطْلَقُ عَلَى الوَاحِدَ وَعَلَى الجَمْعِ) وَضَيْفُ إِبْرَاهِيمَ هؤُلاءِ هُمُ المَلاَئِكَةُ الكِرَامُ، الَّذِينَ أَرْسَلَهُمُ اللهُ تَعَالَى إِلَى قَوْمِ لُوطٍ لإِيقَاعِ العَذَابِ بِهِمْ. ضَيْفِ إِبراهِيمَ - أَضْيَافِهِ وَكَانُوا مِنَ المَلاَئِكَةِ.
الثعلبي
تفسير : {وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ} يعني الملائكة الذين أرسلهم الله ليبشروا إبراهيم بالولد ويهلكوا قوم لوط {إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ} جمع الخبر لأن الضيف اسم يصلح للواحد والإثنين والجمع والمؤنث والمذكر {فَقَالُواْ سَلاماً قَالَ} إبراهيم {إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ} [خائفون] {قَالُواْ لاَ تَوْجَلْ} لا تخف {إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ} يعني إسحاق، فعجب إبراهيم من كبره وكبر إمراته {قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَىٰ أَن مَّسَّنِيَ ٱلْكِبَرُ} أي على الكبر {فَبِمَ تُبَشِّرُونَ} فأي شيء تبشرون. واختلف القراء في هذا القول، فقرأ أهل المدينة والشام بكسر النون والتشديد على معنى تبشرونني، فأدغمت نون الجمع في نون الإضافة. وقرأ بعضهم: بالتخفيف على الخفض. وقرأ الباقون: في النون من غير إضافة. {قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بِٱلْحَقِّ فَلاَ تَكُن مِّنَ ٱلْقَانِطِينَ}. قرأه العامّة: بالألف. وقرأ يحيى بن وثاب: القانطين. {قَالَ وَمَن يَقْنَطُ}. قرأ الأعمش وأبو عمرو والكسائي بكسر النون، وقرأ الباقون: بفتحه [وقال الزجاج]: قنط يقنط، وقنط يقنط إذا يئس من رحمة الله. {مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ ٱلضَّآلُّونَ * قَالَ} لهم إبراهيم {فَمَا خَطْبُكُمْ} شأنكم وأمركم {أَيُّهَا ٱلْمُرْسَلُونَ} {قَالُواْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ} مشركين {إِلاَّ آلَ لُوطٍ} أتباعه وأهل دينه {إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ}. قرأ أهل الحجاز وعاصم وأبو عمرو: [لمنجّوهم] بالتشديد، وإختاره أبو عبيد وأبو حاتم، وخففه الآخرون. {إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ} سوى إمرأة لوط {قَدَّرْنَآ} قضينا {إِنَّهَا لَمِنَ ٱلْغَابِرِينَ} الباقين في العذاب، وخفف إبن كثير قدرنا. قال أبو عبيد: استثنى آل لوط من القوم المجرمين، ثمّ إستثنى إمراته من آل لوط فرجعت إمرأته في التأويل إلى القوم المجرمين، لأنه استثناء مردود على استثناء، وهذا كما تقول في الكلام: لي عليك عشرة دراهم إلاّ أربعة إلاّ درهماً، فلك عليه سبعة دراهم؛ لأنك لما قلّت: إلاّ أربعة، كان لك عليه ستة، فلما قلت: إلاّ درهماً كان هذا استثناء من الأربعة فعاد إلى الستة فصار سابعاً. {فَلَمَّا جَآءَ آلَ لُوطٍ ٱلْمُرْسَلُونَ} لوط لهم {إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ} يعني لا أعرفكم {قَالُواْ بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُواْ فِيهِ يَمْتَرُونَ} يعني يشكّون إنه ينزل بهم وهو العذاب {وَأَتَيْنَاكَ بِٱلْحَقِّ} وجئناك باليقين، وقيل: بالعذاب {وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} في قولنا {فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ ٱلَّيْلِ وَٱتَّبِعْ أَدْبَارَهُم} أي كن ورائهم وسر خلفهم {وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ وَٱمْضُواْ حَيْثُ تُؤْمَرُونَ}. قال ابن عبّاس: يعني الشام. وقال خليل: يعني مصدر. {وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ ٱلأَمْرَ} يعني وفرغنا إلى لوط من ذلك الأمر، وأخبرناه {أَنَّ دَابِرَ هَؤُلآءِ}. يدل عليه قراءة عبد الله: وقلنا له إن دابر هؤلاء، يعني أصلهم، {مَقْطُوعٌ} مستأصل {مُّصْبِحِينَ} في وقت الصبح إذ دخلوا فيه {وَجَآءَ أَهْلُ ٱلْمَدِينَةِ} يعني سدوم {يَسْتَبْشِرُونَ} بأضياف لوط طمعاً منهم في ركوب الفاحشة {قَالَ} لوط لقومه {إِنَّ هَؤُلآءِ ضَيْفِي} وحق على الرجل بإكرام ضيفه {فَلاَ تَفْضَحُونِ} فيهم {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلاَ تُخْزُونِ} فلا تهينون ولا تخجلون، يجوز أن يكون من الخزي، ويحتمل أن يكون الخزاية {قَالُواْ أَوَ لَمْ نَنْهَكَ عَنِ ٱلْعَالَمِينَ} أولم ننهك أن تضيّف أحداً من العالمين. {قَالَ هَؤُلآءِ بَنَاتِي} أزوجهّن إياكم إن أسلمتم فأتوا النساء الحلال ودعوا ماحرم الله عليكم من إتيان الرجال {إِن كُنْتُمْ فَاعِلِينَ} ما أمركم به. قال قتادة: أراد أن يقي أضيافه ببناته، وقيل: رأى أنهم سادة إليهم يؤول أمرهم فأراد أن يزوجهم بناته ليمنعوا قومهم من التعرّض لأضيافه، وقيل: أراد بنات أمته لأن النبي [أب] لامته، قال الله {لَعَمْرُكَ} يا محمّد يعني وحياتك. وفيه لغتان: وعمرُ وعمرَ. يقول العرب: عَمرك وعمرك. {إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ} ضلالتهم وحيرتهم {يَعْمَهُونَ} يترددون. قاله مجاهد، وقال قتادة: يلعبون. ابن عبّاس: يتمادون. أبو الجوزاء عن ابن عبّاس قال: فالخلق لله عزّ وجلّ ولا برأ ولا ذرأ نفساً أكرم عليه من محمّد، وما سمعت الله أقسم بحياة أحد إلاّ حياته قال: {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ}. {فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ} حيت أشرقت الشمس، أي أضاءت، وهو نصب على الحال {فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ} قال ابن عبّاس والضحاك: للناظرين. مجاهد: للمتفرسين. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله"تفسير : ثمّ قرأ هذه الآية. وقال الشاعر: شعر : توسمته لما رأيت مهابة عليه وقلت المرء من آل هاشم تفسير : وقال آخر: شعر : أو كلما وردت عكاظ قبيلة بعثوا إليّ عريفهم يتوسّم تفسير : وقال قتادة: للمعتبرين. {وَإِنَّهَا} يعني قرى قوم لوط {لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ} بطريق واضح. قاله قتادة، ومجاهد، والفراء، والضحاك: بطريق معلّم ليس بخفي ولا زائغ. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ * وَإِن كَانَ أَصْحَابُ ٱلأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ} وقد كان أصحاب الغيضة لكافرين، وهم قوم شعيب كانوا أصحاب غياض ورياض وشجر متناوش متكاوش ملتف وكانوا يأكلون في الصيف الفاكهة الرطبة وفي الشتاء اليابسة وكان عامة شجرهم الدوم وهو المُقل {فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ} بالعذاب، وذلك أن الله سلّط عليهم الحرّ سبعة أيام لايمنعهم منه شيء، فبعث الله عليهم سحابة فالتجأوا إلى ظلّها يلتمسون روحها فبعث الله عليهم منها ناراً فأحرقتهم فذلك قوله: {أية : فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ ٱلظُّلَّةِ}تفسير : [الشعراء: 189] {وَإِنَّهُمَا} يعني مدينة قوم لوط ومدينة أصحاب الأيكة {لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ} طريق مستبين، وسمّي الطريق إماماً لأنه يؤتم به. {وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ ٱلحِجْرِ} أي الوادي، وهو مدينة ثمود وقوم صالح وهي فيما بين المدينة والشام {ٱلْمُرْسَلِينَ} أراد صالحاً وحده. حديث : عبدالله بن عمر وجابر بن عبد الله قالا: مررنا مع النبي صلى الله عليه وسلم على الحجر، فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلاّ أن تكونوا باكين حذراً بأن يصيبكم مثل ما أصابهم" ثمّ قال: "هؤلاء قوم صالح أهلكهم الله إلاّ رجلاً في حرم الله منعه حرم الله من عذاب الله" قيل: من هو يارسول الله؟ قال: "أبو رغال" ثمّ زجر صلى الله عليه وسلم فأسرع حتّى خلفها . تفسير : {وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا} يعني الناقة وولدها و[السير] {فَكَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ * وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً آمِنِينَ} من الخراب ووقوع الجبل عليهم {فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ} يعني صيحة العذاب والهلاك {مُصْبِحِينَ} في وقت الصبح وهو نصب على الحال {فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} من الشرك والأعمال الخبيثة. {وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لآتِيَةٌ} وإن القيامة لجائية {فَٱصْفَحِ ٱلصَّفْحَ ٱلْجَمِيلَ} فأعرض عنهم واعف عفواً حسناً، نسختها آية القتال. {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلْخَلاَّقُ ٱلْعَلِيمُ}.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وكلمة (ضيف) تدلُّ على المائل لغيره لقِرَىً أو استئناس، ويُسمونه "المُنْضوي" لأنه ينضوي إلى غيره لطلب القِرَى، ولطلب الأمن. ومن معاني المُنْضوي أنه مالَ ناحية الضَّوْء. وكان الكرماء من العرب من أهل السماحة؛ لا تقتصر سماحتهم على مَنْ يطرقون بابهم، ولكنهم يُعلِنون عن أنفسهم بالنار ليراها مَنْ يسير في الطريق ليهتدي إليهم. وكلنا قرأنا ما قاله حاتم الطائي للعبد الذي يخدمه: شعر : أَوْقِد النارَ فإنَّ الليْلَ لَيْل قُرّ والريحُ يَا غُلامُ ريحُ صِرّ إنْ جلبت لنَا ضَيْفاً فأنت حُر تفسير : وهكذا نعرف أصلَ كلمة انضوى. أي: تَبِع الضوء. وكلمة (ضيف) لفظ مُفْرد يُطلَق على المفرد والمُثنَّى والجمع، إناثاً أو ذكوراً، فيُقال: جاءني ضيف فأكرمته، ويقال: جاءني ضيف فأكرمتها، ويقال: جاءني ضيف فأكرمتهما، وجاءني ضيف فأكرمتهم، وجاءني ضيف فأكرمتهُنَّ. وكلُّ ذلك لأن كلمة "ضيف" قامت مقام المصدر. ولكن هناك من أهل العربية مَنْ يجمعون "ضيف" على "أضياف"؛ ويجمعون "ضيف" على "ضيوف"، أو يجمعون "ضيف" على "ضِيفان". ولننتبه إلى أن الضيفَ إذا أُطلِق على جَمْع؛ فمعناه أن فرداً قد جاء ومعه غيره، وإذا جاءت جماعة، ثم تبعتْهَا جماعة أخرى نقول: وجاءت ضيف أخرى. وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها نعلم أنهم ليسوا ضيفاً من الآية التي تليها؛ التي قال فيها الحق سبحانه: {إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ ...}.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: { وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ } أي: عن تلك القصة العجيبة فإن في قصك عليهم أنباء الرسل وما جرى لهم ما يوجب لهم العبرة والاقتداء بهم، خصوصا إبراهيم الخليل، الذي أمرنا الله أن نتبع ملته، وضيفه هم الملائكة الكرام أكرمه الله بأن جعلهم أضيافه. { إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلامًا } أي: سلموا عليه فرد عليهم { قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ } أي: خائفون، لأنه لما دخلوا عليه وحسبهم ضيوفا ذهب مسرعا إلى بيته فأحضر لهم ضيافتهم، عجلا حنيذا فقدمه إليهم، فلما رأى أيديهم لا تصل، إليه خاف منهم أن يكونوا لصوصا أو نحوهم. فـ { قَالُوا } له: { لا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ } وهو إسحاق عليه الصلاة والسلام، تضمنت هذه البشارة بأنه ذكر لا أنثى عليم أي: كثير العلم، وفي الآية الأخرى {أية : وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ }. تفسير : فقال لهم متعجبا من هذه البشارة: { أَبَشَّرْتُمُونِي } بالولد { عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ } وصار نوع إياس منه { فَبِمَ تُبَشِّرُونَ } أي: على أي وجه تبشرون وقد عدمت الأسباب؟ { قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ } الذي لا شك فيه لأن الله على كل شيء قدير، وأنتم بالخصوص -يا أهل هذا البيت- رحمة الله وبركاته عليكم فلا يستغرب فضل الله وإحسانه إليكم. { فَلا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ } الذين يستبعدون وجود الخير، بل لا تزال راجيا لفضل الله وإحسانه، وبره وامتنانه، فأجابهم إبراهيم بقوله: { وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلا الضَّالُّونَ } الذين لا علم لهم بربهم، وكمال اقتداره وأما من أنعم الله عليه بالهداية والعلم العظيم، فلا سبيل إلى القنوط إليه لأنه يعرف من كثرة الأسباب والوسائل والطرق لرحمة الله شيئا كثيرا، ثم لما بشروه بهذه البشارة، عرف أنهم مرسلون لأمر مُهم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):