Verse. 1856 (AR)

١٥ - ٱلْحِجْر

15 - Al-Hijr (AR)

قَالَ اَبَشَّرْتُمُوْنِيْ عَلٰۗي اَنْ مَّسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُوْنَ۝۵۴
Qala abashshartumoonee AAala an massaniya alkibaru fabima tubashshirooni

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قال أبشرتموني» بالولد «على أن مسني الكبر» حال أي مع مسه إياي «فبم» فبأي شيء «تبشرون» استفهام تعجب.

54

Tafseer

البيضاوي

تفسير : {قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِى عَلَىٰ أَن مَّسَّنِىَ ٱلْكِبَرُ} تعجب من أن يولد له مع مس الكبر إياه، أو إنكار لأن يبشر به في مثل هذه الحالة وكذا قوله: {فَبِمَ تُبَشِّرُونَ} أي فبأي أعجوبة تبشرون، أو فبأي شيء تبشرون فإن البشارة بما لا يتصور وقوعه عادة بشارة بغير شيء، وقرأ ابن كثير بكسر النون مشددة في كل القرآن على إدغام نون الجمع في نون الوقاية وكسرها وقرأ نافع بكسرها مخففة على حذف نون الجمع استثقالاً لإِجتماع المثلين ودلالة بإبقاء نون الوقاية وكسرها على الياء. {قَالُواْ بَشَّرْنَـٰكَ بِٱلْحَقِّ} بما يكون لا محالة، أو باليقين الذي لا لبس فيه أو بطريقة هي حق وهو قول الله تعالى وأمره. {فَلاَ تَكُن مِّنَ ٱلْقَـٰنِطِينَ} من الآيسين من ذلك فإنه تعالى قادر على أن يخلق بشراً من غير أبوين فكيف من شيخ فان وعجوز عاقر، وكان استعجاب إبراهيم عليه السلام باعتبار العادة دون القدرة ولذلك: {قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ ٱلضَّآلُّونَ} المخطئون طريق المعرفة فلا يعرفون سعة رحمة الله تعالى وكمال علمه وقدرته كما قال تعالى: {أية : إِنَّهُ لا يَيأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلا القَوْمُ الكَافِرُونَ }تفسير : [يوسف: 87] وقرأ أبو عمرو والكسائي يقنط بالكسر، وقرىء بالضم وماضيهما قنط بالفتح. {قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا ٱلْمُرْسَلُونَ } أي فما شأنكم الذي أرسلتم لأجله سوى البشارة، ولعله علم أن كمال المقصود ليس البشارة لأنهم كانوا عدداً والبشارة لا تحتاج إلى العدد، ولذلك اكتفى بالواحد في بشارة زكريا ومريم عليهما السلام، أو لأنهم بشروه في تضاعيف الحال لإزالة الوجل ولو كانت تمام المقصود لابتدؤوا بها. {قَالُواْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ } يعني قوم لوط. {إِلا ءَالَ لُوطٍ } إن كان استثناء من {قَوْمٌ } كان منقطعاً إذ الـ {قَوْمٌ } مقيد بالإِجرام وإن كان استثناء من الضمير في {مُّجْرِمِينَ } كان متصلاً، والقوم والإِرسال شاملين للمجرمين، و {آلَ لُوطٍ} المؤمنين به وكأن المعنى: إنا أرسلنا إلى قوم أجرم كلهم إلا آل لوط منهم لنهلك المجرمين وننجي آل لوط منهم، ويدل عليه قوله: {إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ } أي مما يعذب به القوم، وهو استئناف إذا اتصل الاستثناء ومتصل بآل لوط جار مجرى خبر لكن إذا انقطع وعلى هذا جاز أن يكون قوله: {إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ } استثناء من {آلًَ لُوطٍ}، أو من ضميرهم، وعلى الأول لا يكون إلا من ضميرهم لاختلاف الحكمين اللهم إلا أن يجعل {إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ } اعتراضاً، وقرأ حمزة والكسائي {لَمُنْجُوهُمْ} مخففاً. {قَدَّرْنَآ إِنَّهَا لَمِنَ ٱلْغَـٰبِرِينَ } الباقين مع الكفرة لتهلك معهم. وقرأ أبو بكر عن عاصم {قََدَرْنا} هنا وفي «النمل» بالتخفيف، وإنما علق والتعليق من خواص أفعال القلوب لتضمنه معنى العلم. ويجوز أن يكون {قَدَّرْنَآ} أجري مجرى قلنا لأن التقدير بمعنى القضاء قول، وأصله جعل الشيء على مقدار غيره وإسنادهم إياه إلى أنفسهم. وهو فعل الله سبحانه وتعالى لما لهم من القرب والاختصاص به. {فَلَمَّا جَآء ءالَ لُوطٍ ٱلْمُرْسَلُونَ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ} تنكركم نفسي وتنفر عنكم مخافة أن تطرقوني بِشَرٍ. {قَالُواْ بَلْ جِئْنَـٰكَ بِمَا كَانُواْ فِيهِ يَمْتَرُونَ } أي ما جئناك بما تنكرنا لأجله بل جئناك بما يسرك ويشفي لك من عدوك، وهو العذاب الذي توعدتهم به فيمترون فيه. {وَآتَيْنَـٰكَ بِٱلْحَقِّ} باليقين من عذابهم. {وِإِنَّا لَصَـٰدِقُونَ } فيما أخبرناك به. {فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ } فاذهب بهم في الليل، وقرأ الحجازيان بوصل الهمزة من السرى وهما بمعنى وقرىء «فسر» من السير. {بِقِطْعٍ مِّنَ ٱلَّيْلِ } في طائفة من الليل وقيل في آخره قال:شعر : افتَحِي البَابَ وَانْظُرِي فِي النُّجُوم كَمْ عَلَيْنَا مِنْ قِطَعٍ لَيْلٍ بَهِيمِ تفسير : {وَٱتَّبِعْ أَدْبَـٰرَهُمْ } وكن على أثرهم تذودهم وتسرع بهم وتطلع على حالهم. {وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ } لينظر ما وراءه فيرى من الهول ما لا يطيقه أو فيصيبه ما أصابهم أو ولا ينصرف أحدكم ولا يتخلف امرؤ لغرض فيصيبه العذاب. وقيل نهوا عن الالتفات ليوطنوا نفوسهم على المهاجرة. {وَٱمْضُواْ حَيْثُ تُؤْمَرُونَ } إلى حيث أمركم الله بالمضي إليه، وهو الشام أو مصر فعدي {وَٱمْضُواْ } إلى «حَيْثُ تُؤْمَرُون» إلى ضميره المحذوف على الاتساع. {تُؤْمَرُونَ وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ } أي وأوحينا إليه مقضياً، ولذلك عدي بإلى. {ذَلِكَ ٱلاْمْرَ } مبهم يفسره. {إِنَّ دَابِرَ هَـؤُلآْء مَقْطُوعٌ } ومحله النصب على البدل منه وفي ذلك تفخيم للآمر وتعظيم له. وقرىء بالكسر على الاستئناف والمعنى: أنهم يستأصلون عن آخرهم حتى لا يبقى منهم أحد. {مُّصْبِحِينَ } داخلين في الصبح وهو حال من هؤلاء، أو من الضمير في مقطوع وجمعه للحمل على المعنى. فـ {أَنَّ دَابِرَ هَـؤُلآْء } في معنى مدبري هؤلاء.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِى } بالولد {عَلَىٰ أَن مَّسَّنِىَ ٱلْكِبَرُ } حال أي مع مسه إياي؟ {فَبِمَ } فبأيّ شيء {تُبَشِّرُونَ }؟ استفهام تعجب.

ابن عبد السلام

تفسير : {أَبَشَّرْتُمُونِى} تعجب {فَبِمَ تُبَشِّرُونَ} تعجباً من قولهم، أو استفهم هل بشروه بأمر الله ـ تعالى ـ ليكون أسكن لقلبه.

السلمي

تفسير : قوله عز وجل: {أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَىٰ أَن مَّسَّنِيَ ٱلْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ} [الآية: 54]. قال الجوزجانى: أتاكم الكبر أيام القنوط من الدنيا وما فيها والإقبال على الآخرة، وما عند الله. ألا ترى أن إبراهيم عليه السلام لم يقبل البشرى بالولد من الملائكة عند الكبر وقال: {فَبِمَ تُبَشِّرُونَ} إلى أن ذكروا له أن البشرى من الله تعالى فزال عنه القنوط لعلمه بقدرة الله على ما يشاء.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَىٰ أَن مَّسَّنِيَ ٱلْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ} ثم ان الله سبحانه اذا اغلق ابواب الفراسة على الانبياء والصديقين لا يرون مرقومات المقدرات ولا يعلمون بحقائق المغيبات الا ترى كيف غاب حديث رؤية روح اسحاق ويعقوب عن الخليل حتى قنط من نفسه ان يكون ذلك فى كبره ولو راى ذلك فى سر القدر لم يقل ابشرتمونى على ان مسنى الكبر ولم يكن شاكا فى قدرة الله ولكن لم ير هناك فى ذلك الوقت ما عند الله من مكنون سره وايضا كان فى كبر سنة هايما فى اودية الخلة مستغرقا بوصف الشوق فى بحار المحبة مستانسا بجمال المشاهدة مستوحشا من احكام الحدوثية فقال اى وقت لتربية الولد وانى كنت على جناح سفر الوصلة وتصديق ذلك قوله فبم تبشرون اى باى شئ تبشرون وانى غائب فى الحق واصل النكتة فى هذا ان الخليل راى فى سطور مقدرات الغيب بنور النبوة اسم اسحاق ويعقوب وراى بروحه روحهما فقال ابشرتمونى على ان وصل الى الكبر وبلّغنى الحق الى درجة الشيخوخية ولا يخفى مثل ذلك علىّ فبم تبشرون وانى ارى بنور نبوتى ما لا ترون بنور الملكية قال الجوزجانى ايام الكبر ايام القنوط من الدنيا وما فيها والاقبال على الآخرة وما عند الله الا ترى ان ابراهيم عليه السلام لم يقبل بشرى الولد من الملائكة عند الكبر فقال ابشرتمونى على ان مسنى الكبر فبم تبشرون الى ان ذكروا له ان البشرى له من الله فزال عنه القنوط لعلمه بقدرة الله على ما يشاء.

اسماعيل حقي

تفسير : {قال أبشرتمونى} [آيا بشارت ميدهدمرا] {على ان مسنى الكبر} واثر فى الاستفهام للتعجب والاستبعاد عادة وعلى بمعنى مع اى مع مس الكبر بان يولد لى اى ان الولادة امر مستنكر عادة مع الكبر وامر عجيب من بين هرمين وهو حال اى أبشرتمونى كبيرا او بمعنى بعد اى بعدما اصابنى الكبر والهرم {فبم تبشرون} هى ما الاستفهامية دخلها معنى التعجب كأنه قيل فبأى اعجوبة تبشرون. وفى التفسير الفارسى [بس بجه نوع مرده ميدهيدمرا] وهو بفتح النون مع التخفيف لانها نون الجماعة وقرئ بكسر النون مع التخفيف لان اصله تبشرونى حذفت الياء واقيم الكسر مقامها

الجنابذي

تفسير : {قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَىٰ أَن مَّسَّنِيَ ٱلْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بِٱلْحَقِّ} بأمرٍ واقع حقّ {فَلاَ تَكُن مِّنَ ٱلْقَانِطِينَ} لقدرته تعالى على ما لم يوافقه الاسباب.

اطفيش

تفسير : {قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِى} بالولد {عَلَى أَن مَّسَّنِىَ الْكِبَرُ} أى مع مس الكبر إِياى متعلق بمحذوف حال والمعنى أبشرتمونى به وأنا شيخ كبير ويجوز إِبقاء على بمعنى الاستعلاء وهو مجازى وكونها بمعنى فى والاستفهام للتعجب من أن يلد مثله فى الكبر أو لإِنكار أن يبشر به فى حال لا يشتهيه لقلة المبالاة بالمسرة الدنيوية لمضى العمر واستيلاء الكبر كذا قيل قلت ويرده أن الغلام العليم ليست المسرة به دنيوية وإِنه قد دعى الله أن يهب له من الصالحين فكيف نقل مبالاته وكيف لا يشتهيه وقد وصفه الله بأَنه غلام عليم {فَبِمَ تُبَشِّرُونَ} بأَى أُعجوبة تبشرون وهذا أيضا استفهام تعجب كيف يحصل له الولد على الكبر أو للمبالغة فى التعجب حتى كأَنه إِنكار للصحة وليس إِنكار أى هذا الذى بشرتمونى به لفرط غرابته كالذى لا يتصور فكأَنكم بشرتمونى بما لا يتحصل أو هذا كالذى لا يتصور فبأَى شىء متصور تبشرون والمعنى بأَى طريق يقع لى التبشير بالولد فإِن هذا لا طريق لها فى العادة والنون نون الوقاية وحذفت نون الرفع قبلها تخفيفا عن اجتماع نونين أو المحذوفة نون الوقاية لحصول الثقل بها والموجودة نون الرفع كسرت للياء والياء محذوفة لدلالة نون الوقاية أو الكسرة وقرأ ابن كثير بتشديد النون إدغاما لنون الرفع فى نون الوقاية وقرىء بفتح النون مخففة على أنه لم تدخل نون الوقاية ولا الياء فهو من حذف المفعول من اللفظ أصلا ورأسا.

اطفيش

تفسير : {قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِى} بالولد {عَلى أَنْ مَسَّنِىَ الْكِبرُ} على مس الكبر إياى ومس زوجى، كما فى غير هذه السورة، الاستفهام للتعجب من أَن يولد له وهو على مائَة سنة أَو مائة وعشرين من ذات تسعين أَو مائة على ما فى ذلك من أَقوال، وعلى للاستعلاءِ المجازى متعلق ببشر، وكذا إِن جعل للمصاحبة، ولا حاجة إلى تعليقه بمحذوف حال، وأجيز أَن يكون للإنكار، وفيه أَن الإِنكار تكذيب للرسل وهم الملائِكة حاشاه عن تكذيبهم إِلا أن يقال: لم يعلم أَنهم ملائِكة حين قالوا ذلك بعد، لكن لا مانع على هذا أن يجعل الاستفهام حقيقياً كأَنه قال: أَحق تبشيركم. ثم إِنه قد يصح الإِنكار مع علمه بأَنهم ملائِكة على طريق شدة الحيرة فى ذلك والوله وضعف البشر أَو على طريق أَن لا ولادة عادة فى مثل كبرى، أَو على طريق أَن مثلى فى السن يكره الولادة فلا تكون بشارة له، ولا ينقص ذلك أَنهم جعلوه تبشيراً لأَنه يرجع عليه إِلى أَنه بشارة ويفرح بالولد، وهذه الأَوجه كلها أَيضاً فى قوله {فَبِمَ تُبَشِّرُونِ} وزاد وجها آخر، وهو أَن يكون استفهاماً حقيقياً مع علمه بأَنهم ملائِكة بمعنى فعلى أَى وجه يكون التبشير، ويجوز أَن يكون الإنكار فى الموضعين بمعنى: أَن نفسى نافية لذلك، ولو كان حقاً، وإِذا كان هذا استفهاماً عن طريق أَو كيفية فالملائكة لم يجيبوه عليها، لأَن الأَحسن له أَلا يسأَل عنها بل يصدق ويفرح {قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ} بأَمر غير باطل بل واقع ولا بد، أَو بأَمر أَيقناه لا نتردد فيه، والباءُ متعلق ببشر أَو بشرناك، ونحن على الحق فى تبشيرنا، فتعلق بحال محذوف أَى ملتبسين بطريق هو الله وأَمره، وإِبراهيم عليه السلام مؤْمن بقدرة الله عز وجل، لكن صورة كلامه كصورة القانط فقالوا عليها {فَلاَ تَكُن مِّن الْقَانِطِينَ} كما قال كيف تحيى الموتى فقال عز وجل: أَو لم تؤْمن، والقانط الآيس، وأَضرب عن صورة القنوط إلى التصريح بما رسخ فى قلبه بقوله: {قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ} أَى لا يقنط منها إلا الضالون، والله قادر على أن تلد لى عجوز عاقر وأنا كبير، وقد خلق أَبى آدم بلا أب ولا أُم، وقد يقال فى الآية نوع تعريض منه عليه السلام بأَنهم لم يصيبوا فى نهيهم إياه عن القنوط مع أَنه غير صادر منه، على أَنه لم يعلمهم ملائِكة إلا بعد، وعلى علمه بهم أَشار إلى أَن فى كلامهم غلظة، والملك لا يخطأَ، لكن توجع عليه السلام بقولهم، والضالون المخطئُون عن معرفة سعة رحمة الله وقدرته.

الالوسي

تفسير : {قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِى} بذلك {عَلَىٰ أَن مَّسَّنِىَ ٱلْكِبَرُ} وأثر فيَّ والاستفهام للتعجب، و {عَلَىٰ} بمعنى مع مثلها في قوله تعالى: {أية : وَآتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ} تفسير : [البقرة:177] على أحد القولين في الضمير، والجار والمجرور في موضع الحال فيكون قد تعجب عليه السلام من بشارتهم إياه مع هذه الحال المنافية لذلك، ويجوز أن يكون الاستفهام للإنكار و {عَلَىٰ} على ما سمعت بمعنى أنه لا ينبغي أن تكون البشارة مع الحال المذكورة. وزعم بعض المنتمين إلى أهل العلم أن الأولى جعل {عَلَىٰ} بمعنى في مثلها في قوله تعالى: {أية : وَدَخَلَ ٱلْمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ } تفسير : [القصص: 15] وقوله سبحانه: {أية : وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَـٰطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ } تفسير : [البقرة: 102] لوجهين الاستغناء عن التقدير وكون المصاحبة لصدقها بأول المس لا تنافي البشارة، وهو لعمري ضرب من الهذيان كما لا يخفى على إنسان. ثم إنه عليه السلام زاد في ذلك فقال: {فَبِمَ تُبَشّرُونَ} أي فبأي أعجوبة تبشرون أو بأي شيء تبشرون فإن البشارة بما لا يقع عادة بشارة بغير شيء. وجوز أن تكون الباء للملابسة والاستفهام سؤال عن الوجه والطريقة أي تبشرون ملتبسين بأي طريقة ولا طريق لذلك في العادة. وقرأ الأعرج {بشرتمون} بغير همزة الاستفهام، وابن محيصن {الكبر} بضم الكاف وسكون الباء. وقرأ ابن كثير بكسر النون مشددة بدون ياء على إدغام نون الجمع في نون الوقاية والاكتفاء بالكسرة عن الياء. وقرأ نافع بكسر النون مخففة، واعترض على ذلك أبو حاتم بأن مثله لا يكون إلا في الشعر وهو مما لا يلتفت إليه، وخرج على حذف نون الرفع كما هو مذهب سيبويه استثقالاً لاجتماع المثلين ودلالة بإبقاء نون الوقاية على الياء. وقيل: حذفت نون الوقاية وكسرت نون الرفع وحذفت الياء اجتزاءً بالكسرة وحذفها كذلك كثير فصيح وقد قرىء به في مواضع عديدة، ورجح الأول بقلة المؤنة واحتمال عدم حذف نون في هذه القراءة بأن يكون اكتفى بكسر نون الرفع من أول الأمر خلاف المنقول في كتب النحو والتصريف وإن ذهب إليه بعضهم./ وقرأ الحسن كابن كثير إلا أنه أثبت الياء وباقي السبعة يقرؤون بفتح النون وهي نون الرفع.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَىٰ أَن مَّسَّنِيَ ٱلْكِبَرُ}. بين تعالى في هذه الآية الكريمة أن نبيه إبراهيم قال: إنه وقت البشرى بإسحاق مسه الكبر. وصرح في هود بأن امرأته أيضاً قالت إنه شيخ كبير في قوله عنها: {أية : وَهَـٰذَا بَعْلِي شَيْخاً} تفسير : [هود: 72] كما صرح عنها هي أنها وقت البشرى عجوز كبيرة السن وذلك كقوله في هود: {أية : يٰوَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ} تفسير : [هود: 72] الآية، وقوله في الذاريات: {أية : فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ}تفسير : [الذاريات: 29]. وبين في موضع آخر عن نبيه إبراهيم أنه وقت هبة الله له ولده إسماعيل أنه كبير السن أيضاً وذلك قوله تعالى: {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى ٱلْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ}تفسير : [إبراهيم: 39]. قوله تعالى: {فَبِمَ تُبَشِّرُونَ}. الظاهر أن استفهام نبي إبراهيم الله عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام للملائكة بقوله {فَبِمَ تُبَشِّرُونَ} استفهام تعجب من كمال قدرة الله تعالى ويدل لذلك أنه تعالى ذكر أن ما وقع له وقع نظيره لامرأته حيث قالت {أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ} وقد بين تعالى أن ذلك الاستفهام لعجبها من ذلك الأمر الخارق للعادة في قوله: {أية : قَالُوۤاْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ}تفسير : [هود: 73] الآية ويدل له أيضاً وقوع مثله من نبي الله زكريا عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام لأنه لما قال: {أية : رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً}تفسير : [آل عمران: 38] الآية {أية : فَنَادَتْهُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي ٱلْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَـىٰ} تفسير : [آل عمران: 39]عجب من كمال قدرة الله تعالى فقال: {أية : رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِي ٱلْكِبَرُ وَٱمْرَأَتِي عَاقِرٌ} تفسير : [آل عمران: 40] الآية وقوله {فَبِمَ تُبَشِّرُونَ} قرأه ابن عامر وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي بفتح النون مخففة وهي نون الرفع وقرأه نافع بكسر النون مخففة وهي نون الوقاية مع حذف ياء المتكلم لدلالة الكسرة عليها وقرأة ابن كثير بالنون المكسورة المشددة مع المد فعلى قراءة ابن كثير لم يحذف نون الرفع ولا المفعول به بل نون الرفع مدغمة في نون الوقاية وياء المتكلم هي المفعول به وعلى قراءة الجمهور فنون الرفع ثابتة والمفعول به محذوف على حد قول ابن مالك. شعر : وحذف فضلة أخبر إن لم يضر كحذف ما سيق جوابا أو حصر تفسير : وعلى قراءة نافع فنون الرفع محذوفة لاستثقال اجتماعها مع نون الوقاية. تنبيه حذف نون الرفع له خمس حالات ثلاث منها يجب فيها حذفها وواحدة يجوز فيها حذفها وإثباتها وواحدة يقصر فيها حذفها على السماع، أما الثلاث التي يجب فيها الحذف فالأولى منها إذا دخل على الفعل عامل جزم والثانية إذا دخل عليه عامل نصب الثالثة إذا أكد الفعل بنون التوكيد الثقيلة نحو لتبلون وأما الحالة التي يجوز فيها الإثبات الحذف فهي ما إذا اجتمعت مع نون الرفع نون الوقاية لكون المفعول ياء المتكلم فيجوز الحذف والإثبات ومن الحذف قراءة نافع في هذه الآية {فَبِمَ تُبَشِّرُونَ} بالكسر وكذلك قوله تعالى: {أية : قَالَ أَتُحَاجُّوۤنِّي فِي ٱللَّهِ} تفسير : [الأنعام: 80]. وقوله تعالى: {أية : وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ} تفسير : [النحل: 27] بكسر النون مع التخفيف في الجميع أيضاً وقوله {أية : قُلْ أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَأْمُرُونِّيۤ أَعْبُدُ} تفسير : [الزمر: 64] الآية بالكسر مع التخفيف أيضاً وكلها قرأها بعض القراء بالتشديد لإثبات نون الرفع وإدغامها في نون الوقاية وأما الحالة الخامسة المقصورة على السماع فهي حذفها لغير واحد من الأسباب الأربعة المذكورة كقول الراجز: شعر : أبيت أسري وتبيت تدلكي وجهك بالعنبر والمسك الذكي تفسير : أما بقاء نون الرفع مع الجازم في قوله: شعر : لولا فوارس من نعم وأسرتهم يوم الصليفاء لم يوفون بالجار تفسير : فهو نادر حملاً للم على أختها لا النافية أو ما النافية وقيل هو لغة قوم كما صرح به في التسهيل وكذلك بقاء النون مع حرف النصب في قوله: شعر : أن تقرأن على أسماء ويحكما مني السلام وألا تشعرا أحدا تفسير : فهو لغة قوم حملوا أن المصدرية على أختها ما المصدرية في عدم النصب بها كما أشار له في الخلاصة بقوله: شعر : وبعضهم أهمل أن حملاً على ما أختها حيث استحقت عملا تفسير : ولا ينافي كون استفهام إبراهيم للتعجب من كمال قدرة الله قول الملائكة له فيما ذكر الله عنهم: {أية : قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بِٱلْحَقِّ فَلاَ تَكُن مِّنَ ٱلْقَانِطِينَ} تفسير : [الحجر: 55] بدليل قوله: {أية : قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ ٱلضَّآلُّونَ}تفسير : [الحجر: 56] لأنه دليل على أن استفهامه ليس استفهام منكر ولا قانط والعلم عند الله تعالى.

د. أسعد حومد

تفسير : (54) - فَقَالَ لَهُمْ مُتَعَجِّباً أَنْ يُوْلَدُ لَهُ وَلَدٌ، بَعْدَ أَنْ كَبِرَ وَطَعَنَ فِي السِّنِّ هُوَ وَزَوْجَتُهُ: كَيْفَ تُبَشِّرُونَنِي بِوِلاَدَةِ وَلَدٍ لِي بَعْدَ أَنْ عَلاَنِيَ الكِبَرُ، وَأَثَّرَ فِيَّ، وَتِلْكَ حَالٌ تَتَنَافَى مَعْ هَذِهِ البُشْرَى، فَبَأَيِّ أُعْجُوبَةٍ تُبَشِّرُونَ؟ وَقَدْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ هَذَا القَوْلَ مُتَعَجِّباً، لاَ مُسْتَبْعِداً حُصُولَ ذلِكَ عَلَى قُدْرَةِ اللهِ، فَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ الله تَعَالَى لاَ يُعْجِزُهُ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ونعلم أن الحق - سبحانه وتعالى - يخلق الخَلْق على أنحاء مُتعدّدة؛ حتى يعلمَ المخلوق أن خَلْقه لا ضرورة أن يكونَ بطريقة محددة؛ بل طلاقة القدرة أن يأتي المخلوق كما يشاء الله. والشائع أن يُولَد الولد من أَبٍ وأم؛ ذكرٍ وأنثى. أو بدون الأمرين معاً مثل آدم عليه السلام، ثُمَّ خلق حواء من ذكر فقط، وكما خلق عيسى من أم فقط، وخلق محمداً صلى الله عليه وسلم من ذكرٍ وأنثى. وفي الآية التي نحن بصددها نجد إبراهيم عليه السلام يتعجب كيف يُبشِّرونه بغلام، وهو على هذه الدرجة من الكِبَر، في قوله تعالى: {عَلَىٰ أَن مَّسَّنِيَ ٱلْكِبَرُ ..} [الحجر: 54]. يعني أن "على" هنا جاءت بمعنى "مع" أي: أنه يعيش مع الكِبَر؛ ويرى أنه من الصعب أنْ يجتمعَ الكِبَر مع القدرة على الإِنجاب. وأقول دائما: إن كلمة (على) لها عطاءاتٌ واسعة في القرآن الكريم، فهي تترك مرة ويأتي الحق سبحانه بغيرها لتؤدي معنًى مُعيناً؛ مثل قوله تعالى: {أية : وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ} تفسير : [طه: 71]. والصَّلْب إنما يكون على جذوع النخل؛ ولكن الحق سبحانه جاء بـ (في) بدلاً من (على) ليدلَّ على أن الصَّلْبَ سيكون عنيفاً، بحيث تتدخل الأيدي والأرجُل المَصْلوبة في جذوع النخل. وهنا يقول الحق سبحانه: {أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَىٰ أَن مَّسَّنِيَ ٱلْكِبَرُ ..} [الحجر: 54]. أي: أَتُبشِّرونني بالغلام العليم مع أنِّي كبير في العمر؛ والمفهوم أن الكِبَر والتقدُّم في العمر لا يتأتَّى معه القدرة على الإنجاب. وهكذا تأتي "على" بمعنى "مع". أي: كيف تُبشِّرونني بالغلام مع أنِّي كبير في العمر، وقد قال قولته هذه مُؤمِناً بقدرة الله؛ فإبراهيم أيضاً هو الذي أورد الحق سبحانه قَوْلاً له: {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى ٱلْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ} تفسير : [إبراهيم: 39]. وكأن الكِبَر لا يتناسب مع الإنجاب، ويأتي رَدُّ الملائكة على إبراهيم خليل الرحمن: {قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ ...}.