١٥ - ٱلْحِجْر
15 - Al-Hijr (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
57
Tafseer
الرازي
تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: قوله: {فَمَا خَطْبُكُمْ } سؤال عما لأجله أرسلهم الله تعالى، والخطب والشأن والأمر سواء: إلا أن لفظ الخطب أدل على عظم الحال. فإن قيل: إن الملائكة لما بشروه بالولد الذكر العليم فكيف قال لهم بعد ذلك: {فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا ٱلْمُرْسَلُونَ }. قلنا: فيه وجوه: الأول: قال الأصم: معناه ما الأمر الذي توجهتم له سوى البشرى. الثاني: قال القاضي: إنه علم أنه لو كان كمال المقصود إيصال البشارة لكان الواحد من الملائكة كافياً، فلما رأى جمعاً من الملائكة علم أن لهم غرضاً آخر سوى إيصال البشارة فلا جرم قال: {فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا ٱلْمُرْسَلُونَ }. الثالث: يمكن أن يقال إنهم قالوا: إنا نبشرك بغلام عليم. في معرض إزالة الخوف والوجل، ألا ترى أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام لما خاف قالوا له: { أية : لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم } تفسير : [الحجر:53] ولو كان تمام المقصود من المجيء هو ذكر تلك البشارة لكانوا في أول ما دخلوا عليه ذكروا تلك البشارة، فلما لم يكن الأمر كذلك علم إبراهيم عليه الصلاة والسلام بهذا الطريق أنه ما كان مجيئهم لمجرد هذه البشارة بل كان لغرض آخر فلا جرم سألهم عن ذلك الغرض فقال: {فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا ٱلْمُرْسَلُونَ }. ثم حكى تعالى عن الملائكة أنهم قالوا: {إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ } وإنما اقتصروا على هذا القدر لعلم إبراهيم عليه السلام بأن الملائكة إذا أرسلوا إلى المجرمين كان ذلك لإهلاكهم واستئصالهم وأيضاً فقولهم: {إِلا ءالَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ } يدل على أن المراد بذلك الإرسال إهلاك القوم. أما قوله تعالى: {إِلا ءالَ لُوطٍ } فالمراد من آل لوط أتباعه الذين كانوا على دينه. فإن قيل: قوله: {إِلا ءالَ لُوطٍ } هل هو استثناء منقطع أو متصل؟ قلنا: قال صاحب «الكشاف»: إن كان هذا الاستثناء استثناء من (قوم) كان منقطعاً، لأن القوم موصوفون بكونهم مجرمين وآل لوط ما كانوا مجرمين، فاختلف الجنسان، فوجب أن يكون الاستثناء منقطعاً. وإن كان استثناء من الضمير في (مجرمين) كان متصلاً كأنه قيل: إلى قوم قد أجرموا كلهم إلا آل لوط وحدهم كما قال: { أية : فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مّنَ ٱلْمُسْلِمِينَ } تفسير : [الذاريات: 36] ثم قال صاحب «الكشاف»: ويختلف المعنى بحسب اختلاف هذين الوجهين، وذلك لأن آل لوط يخرجون في المنقطع من حكم الإرسال، لأن على هذا التقدير الملائكة أرسلوا إلى القوم المجرمين خاصة وما أرسلوا إلى آل لوط أصلاً، وأما في المتصل فالملائكة أرسلوا إليهم جميعاً ليهلكوا هؤلاء وينجوا هؤلاء، وأما قوله: {إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ } فاعلم أنه قرأ حمزة والكسائي {منجوهم} خفيفة، والباقون مشددة وهما لغتان. أما قوله تعالى: {إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ } قال صاحب «الكشاف»: هذا استثناء من الضمير المجرور في قوله: {لَمُنَجُّوهُمْ } وليس ذلك من باب الاستثناء من الاستثناء، لأن الاستثناء من الإستثناء إنما يكون فيما اتحد الحكم فيه، كما لو قيل: أهلكناهم إلا آل لوط إلا امرأته، وكما لو قال: المطلق لامرأته أنت طالق ثلاثاً إلا ثنتين إلا واحدة، وكما إذا قال: المقر لفلان على عشرة دراهم إلا ثلاثة إلا درهماً، فأما في هذه الآية فقد اختلف الحكمان، لأن قوله: {إِلا ءالَ لُوطٍ } متعلق بقوله: {أَرْسَلْنَا } أو بقوله {مُّجْرِمِينَ } وقوله: {إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ } قد تعلق بقوله: {منجوهم} فكيف يكون هذا استثناء من استثناء. وأما قوله: {قَدَّرْنَآ إِنَّهَا لَمِنَ ٱلْغَـٰبِرِينَ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن معنى التقدير في اللغة: جعل الشيء على مقدار غيره. يقال: قدر هذا الشيء بهذا أي اجعله على مقداره، وقدر الله تعالى الأقوات أي جعلها على مقدار الكفاية، ثم يفسر التقدير بالقضاء، فقال: قضى الله عليه كذا، وقدره عليه أي جعله على مقدار ما يكفي في الخير والشر، وقيل في معنى: {قَدَّرْنَآ } كتبنا. قال الزجاج: دبرنا. وقيل: قضينا، والكل متقارب. المسألة الثانية: قرأ أبو بكر عن عاصم {قَدَّرْنَآ } بتخفيف الدال ههنا وفي النمل. وقرى الباقون فيهما بالتشديد. قال الواحدي يقال: قدرت الشيء وقدرته، ومنه قراءة ابن كثير: { أية : نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ } تفسير : [الواقعة: 60] خفيفاً، وقراءة الكسائي: {وَٱلَّذِى قَدَّرَ فَهَدَىٰ } ثم قال: والمشددة في هذا المعنى أكثر استعمالاً لقوله تعالى؛ { أية : وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوٰتَهَا } تفسير : [فصلت: 10] وقوله: { أية : وَخَلَقَ كُلَّ شَىْء فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً } تفسير : [الفرقان:2]. المسألة الثالثة: لقائل أن يقول: لم أسند الملائكة فعل التقدير إلى أنفسهم مع أنه لله تعالى، ولم لم يقولوا: قدر الله تعالى؟ والجواب: إنما ذكروا هذه العبارة لما لهم من القرب والاختصاص بالله تعالى كما يقول خاصة الملك دبرنا كذا وأمرنا بكذا والمدبر والآمر هو الملك لا هم، وإنما يريدون بذكر هذا الكلام إظهار ما لهم من الاختصاص بذلك الملك، فكذا ههنا. والله أعلم. المسألة الرابعة: قوله؛ {إِنَّهَا لَمِنَ ٱلْغَـٰبِرِينَ } في موضع مفعول التقدير قضينا أنها تتخلف وتبقى مع من يبقى حتى تهلك كما يهلكون. ولا تكون ممن يبقى مع لوط فتصل إلى النجاة والله أعلم.
القرطبي
تفسير : فيه مسألتان: الأولى: لما علم أنهم ملائكة ـ إذ أخبروه بأمر خارق للعادة وهو بشراهم بالولد ـ قال: فما خطبكم؟ والخطب الأمر الخطير. أي فما أمركم وشأنكم وما الذي جئتم به. {قَالُواْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ} أي مشركين ضالين. وفي الكلام إضمار؛ أي أرسلنا إلى قوم مجرمين لنهلكهم. {إِلاَّ آلَ لُوطٍ} أتباعه وأهل دينه. {إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ} وقرأ حمزة والكسائي «لَمُنْجُوهم» بالتخفيف من أنجى. الباقون: بالتشديد من نجّى، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم. والتنجية والإنجاء التخليص. {إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ} استثنى من آل لوط امرأته وكانت كافرة فالتحقت بالمجرمين في الهلاك. وقد تقدّمت قصة قوم لوط في «الأعراف» وسورة «هود» بما فيه كفاية. {قَدَّرْنَآ إِنَّهَا لَمِنَ ٱلْغَابِرِينَ} أي قضينا وكتبنا إنها لمن الباقين في العذاب. والغابر: الباقي. قال:شعر : لا تكسع الشّوْل بأغبارها إنك لا تدري مَنِ النّاتج تفسير : الأغبار بقايا اللبن. وقرأ أبو بكر والمفضل «قَدَرنا» بالتخفيف هنا وفي النمل، وشدد الباقون. الهَروِيّ: يقال قدّر وقَدَر، بمعنًى. الثانية: لا خلاف بين أهل اللسان وغيرهم أن الإستثناء من النفي إثبات ومن الإثبات نفي؛ فإذا قال رجل: له عليّ عشرة دراهم إلا أربعة إلا درهماً؛ ثبت الإقرار بسبعة؛ لأن الدرهم مستثنًى من الأربعة، وهو مثبت لأنه مستثنى من منفي، وكانت الأربعة منفية لأنها مستثناة من موجب وهو العشرة، فعاد الدرهم إلى الستة فصارت سبعة. وكذلك لو قال: عليّ خمسة دراهم إلا درهماً إلا ثلثيه؛ كان عليه أربعة دراهم وثلث. وكذلك إذا قال: لفلان عليّ عشرة إلا تسعة إلا ثمانية إلا سبعة؛ كان الاستثناء الثاني راجعاً إلى ما قبله، والثالث إلى الثاني فيكون عليه درهمان؛ لأن العشرة إثبات والثمانية إثبات فيكون مجموعها ثمانية عشر. والتسعة نفي والسبعة نفي فيكون ستة عشر تسقط من ثمانية عشر ويبقى درهمان، وهو القدر الواجب بالإقرار لا غير. فقوله سبحانه: {إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ} فاستثنى آل لوط من القوم المجرمين، ثم قال «إلا ٱمرأته» فاستثناها من آل لوط، فرجعت في التأويل إلى القوم المجرمين كما بينا. وهكذا الحكم في الطلاق، لو قال لزوجته: أنت طالق ثلاثاً إلا ٱثنتين إلا واحدة طلقت ثنتين؛ لأن الواحدة رجعت إلى الباقي من المستثنى منه وهي الثلاث. وكذا كل ما جاء من هذا فتفهّمه.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى إخباراً عن إبراهيم عليه السلام لما ذهب عنه الروع وجاءته البشرى: أنه شرع يسألهم عما جاؤوا له، فقالوا: {إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ} يعنون: قوم لوط، وأخبروه أنهم سينجون آل لوط من بينهم، إلا امرأته، فإنها من الهالكين، ولهذا قالوا: { إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ قَدَّرْنَآ إِنَّهَا لَمِنَ ٱلْغَـٰبِرِينَ} أي: الباقين المهلكين.
المحلي و السيوطي
تفسير : {قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ } شأنكم {أَيُّهَا ٱلْمُرْسَلُونَ }.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل:{قالوا إنا أُرسلنا إلى قومٍ مجرمين إلاّ آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين}آل لوط اتباعه ومؤمنو قومه، سمّاهم آلَهُ لنصرتهم له، وإيمانهم به، فاستثناهم من المجرمين المأمور بهلاكهم، فخرجوا بالاستثناء منهم. ثم قال تعالى{إلاّ امْراَته}فكانت مستثناة من آل لوط ولاحقة بالمجرمين، لأن كل استثناء يعود إلى ما تقدمه فيخالفه في حكمه. فإن عاد إلى إثبات كان الاستثناء نفياً، وإن عاد إلى نفي كان الاستثناء إثباتاً، فصارت امرأة لوط ملحقة بالمجرمين المهلكين. ومثال هذا في الإقرار أن يقول له: عليّ عشرة إلا سبعة إلا أربعة، فيكون عليه سبعة لأن الأربعة استثناء يرجع إلى السبعة التي قبلها، فصار الباقي منها ثلاثة. وتصير الثلاثة الباقية هي الاستثناء الراجع إلى العشرة، فيبقى منها سبعة. وهكذا في الطلاق لو قال لزوجته: أنت طالق ثلاثاً أو اثنتين إلا واحدة طلقت ثنتين لأن الواحدة ترجع إلى الثنتين، فتبقى منها واحدة فتصير الواحدة هي القدر المستثنى من الثلاثة فيصير الباقي منها ثنتين وهكذا حكم قوله: {إلا امرأته}. {قدرنا}فيه وجهان: أحدهما: معناه قضينا، قاله النخعي. الثاني: معناه كتبنا، قاله علي بن عيسى. {إنها لَمِنَ الغابرين} فيه وجهان: أحدهما: أي من الباقين في العذاب مع المجرمين. الثاني: من الماضين بالعذاب.
ابن عطية
تفسير : القائل هنا إبراهيم عليه السلام، وقوله: {فما خطبكم} سؤال فيه عنف، كما تقول لمن تنكر حاله: ما دهاك وما مصيبتك؟ وأنت إنما تريد استفهاماً عن حاله فقط. لأن"الخطب" لفظة إنما تستعمل في الأمور الشداد، على أن قول إبراهيم عليه السلام {أيها المرسلون} وكونهم أيضاً قد بشروه يقتضي أنه قد كان عرف أنهم ملائكة حين قال {فما خطبكم}، فيحتمل قوله {فما خطبكم} مع هذا أنه أضاف الخطب إليهم من حيث هم حملته إلى القوم المعذبين أي ما هذا الخطب الذي تتحملونه وإلى أي أمة. و {لقوم مجرمين} يراد به أهل مدينة سدوم الذين بعث فيهم لوط عليه السلام، والمجرم الذي يجر الجرائر ويرتكب المحظورات، وأصل جرم وأجرم كسب، ومنه قول الشاعر: [الوافر] شعر : جريمة ناهض في رأس نيق تفسير : أي كسب عقاب في قنة شامخ، ولكن اللفظة خصّت في عرفها بالشر، لا يقال لكاسب الأجر مجرم، وقولهم {إلا آل} استثناء منقطع، والأول القوم الذين يؤول أمرهم إلى المضاف إليه، كذا قال سيبويه، وهذا نص في أن لفظة {آل} ليست لفظة أهل كما قال النحاس، ويجوز على هذا إضافة {آل} إلى الضمير، وأما أهيل فتصغير أهل، واجتزوا به عن تصغير "آل"، فرفضوا "أويلاً" وقرأ جمهور السبعة "لمُنجُّوهم" وقرأ حمزة والكسائي "لمنْجُوهم" بسكون النون وضم الجيم مخففة، والضمير في {لمنجوهم} في موضع خفض بالإضافة، وانحذفت النون للمعاقبة، هذا قول جمهور النحويين، وقال الأخفش الضمير في موضع نصب وانحذفت النون لأنه لا بد من اتصال هذا الضمير. قال القاضي أبو محمد: وفي هذا نظر، وقوله {إلا امرأته} استثناء بعد استثناء وهما منقطعان فيما حكى بعض النحاة لأنهم لم يجعلوا امرأته الكافرة من آله. قال القاضي أبو محمد: وفي هذا نظر، لأنها قبل الاستثناء داخلة في اللفظ الذي هو الأول، وليس كذلك الأول مع "المجرمين"، فيظهر الاستثناء الأول منقطعاً والثاني متصلاً، والاستثناء بعد الاستثناء يرد المستثنى الثاني في حكم أمر الأول، ومثل بعض الناس في هذا بقولك: لي عندك مائة درهم إلا عشرة دراهم إلا درهمين، فرجعت الدرهمان في حكم التسعين الدرهم، وقال المبرد: ليس هذا المثال بجيد، لأنه من خلق الكلام ورثه إذ له طريق إلى أداء المعنى المقصود بأجمل من هذا التخليق، وهو أن يقول لي عندك مائة إلا ثمانية، وإنما ينبغي أن يكون مثالاً للآية قولك: ضربت بني تميم إلا بني دارم إلا حاجباً، لأن حاجباً من بني دارم فلما كان المستثنى الأول في ضمنه ما لا يجري الحكم عليه، والضرورة تدخله في لفظه ولا يمكنك العبارة عنه دون ذلك يجري الحكم عليهم اضطررت إلى استثناء ثان. قال القاضي أبو محمد: ونزعة المبرد في هذا نبيلة، وقرأ جميعهم سوى عاصم في رواية أبي بكر "قدّرنا" بتشديد الدال في كل القرآن، وقرأ عاصم "قدَرنا" بتخفيفها، ونقل في رواية حفص، والتخفيف يكون بمعنى التثقيل كما قال الهذلي أبو ذؤيب: [الطويل] شعر : ومفرهة عنس قدرت لساقها فخرت كما تتابع الريح بالقفل تفسير : يريد قدرت ضربي لساقها، وكقول النبي عليه السلام في الاستخارة: "حديث : واقدر لي الخير حيث كان" تفسير : ، ويكون أيضاً بمعنى سن ووفق ومنه قول الشاعر: [يزيد بن مفرغ] شعر : بقندهار ومن تقدير منيته يرجع دونه الخبر تفسير : وكسرت الألف من {إنها} بسبب اللام التي في قوله {لمن} والغابر الباقي في الدهر وغيره، وقالت فرقة منهم النحاس: هو من الأضداد، يقال في الماضي وفي الباقي، وأما في هذه الآية فهي للبقاء أي من الغابرين في العذاب، وقوله تعالى: {فلما جاء آل لوط المرسلون} الآيات، تقدم القول وذكر القصص في أمر لوط وصورة لقاء الرسل له، وقيل إن الرسل كانوا ثلاثة، جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وقيل كانوا اثني عشر وقوله {منكرون} أي لا يعرفون في هذا القطر، وفي هذه اللفظة تحذير وهو من نمط ذمه لقومه وجريه إلى أن لا ينزل هؤلاء القوم في تلك المدينة خوفاً منه أن يظهر سوء فعلهم وطلبهم الفواحش، فقالت الرسل للوط بل جئناك بما وعدك الله من تعذيبهم على كفرهم ومعاصيهم، وهو الذي كانوا يشكون فيه ولا يحققونه، وقرأت فرقة "فاسر" بوصل الألف، وقرأت فرقة "فأسر" بقطع الألف، يقال سرى وأسرى بمعنى، إذا سار ليلاً، وقال النابغة: [البسيط] شعر : أسرت عليه من الجوزاء سارية تفسير : فجمع بين اللغتين في بيت، وقرأ اليماني "فيسر بأهلك"، وهذا الأمر بالسرى هو عند الله تعالى، أي يقال لك، و"القطع" الجزء من الليل، وقرأت فرقة "بقطَع" بفتح الطاء حكاه منذر بن سعيد. وقوله: {واتبع أدبارهم} أي كن خلفهم وفي ساقتهم حتى لا يبقى منهم أحد ولا يتلوى، و {حيث} في مشهورها ظرف مكان، وقالت فرقة أمر لوط أن يسير إلى زغر، وقيل: إلى موضع نجاة غير معروف عندنا، وقالت فرقة: {حيث} قد تكون ظرف زمان، وأنشد أبو علي في هذا بيت طرفة: [المديد] شعر : للفتى عقل يعيش به حيث تهدي ساقه قدمه تفسير : كأنه قال مدة مشيه وتنقله، وهذه الآية من حيث أمر أن يسري {بقطع من الليل} ثم قيل له "حيث تؤمر". ونحن لا نجد في الآية أمراً له لا في قوله {بقطع من الليل} أمكن أن تكون {حيث} ظرف زمان، و {يلتفت} مأخوذ من الالتفات الذي هو نظر العين، قال مجاهد: المعنى لا ينظر أحد وراءه. قال القاضي أبو محمد: ونهوا عن النظر مخافة العقلنة وتعلق النفس بمن خلف، وقيل بل لئلا تتفطر قلوبهم من معاينة ما جرى على القرية في رفعها وطرحها. وقيل {يلتفت} معناه يتلوى من قولك لفت الأمر إذا لويته، ومنه قولهم للعصيدة لفيتة لأنها تلوى، بعضها على بعض.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا ٱلْمُرْسَلُونَ}: لفظةُ الخَطْب إِنما تستعمل في الأمور الشِّدَاد، وقولهم: {إِلا آلَ لُوطٍ }: ٱستثناءٌ منقطعٌ، و«الآلُ»: القومُ الذي يَؤولُ أمرهم إِلى المضافِ إِليه؛ كذا قال سَيبَوَيْهِ؛ وهذا نصٌّ وفي أن لفظة «آل» ليست لفظة «أهْل»؛ كما قال النَّحَّاس، و{إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ}: استثناءٌ متصلٌ، وٱلاستثناءُ بعد ٱلاستثناءِ يردُّ المستثنى الثاني في حُكْم الأمر الأول، و{ٱلْغَـٰبِرِينَ }؛ هنا: أي: الباقين في العذابِ، و«وغَبَر»: من الأضدادِ، يقال في الماضِي وفي الباقي، وقولُ الرسُل للوط: {بَلْ جِئْنَـٰكَ بِمَا كَانُواْ فِيهِ يَمْتَرُونَ }، أي: بما وَعَدَكَ اللَّه من تعذيبهم الذي كانوا يَشْكُونَ فيه، و«الْقَطْعُ»: الجُزْءُ من الليل. وقوله سبحانه: {وَٱتَّبِعْ أَدْبَـٰرَهُمْ }، أي: كن خلفهم، وفي ساقتهم، حتى لا يبقَى منهم أحد، {وَلاَ يَلْتَفِتْ }: مأخوذٌ من ٱلالتفاتِ الذي هو نظر العين، قال مجاهد: المعنى: لا ينظر أحد وراءه، ونُهُوا عن النظر مَخَافَةَ العُلْقَةِ، وتعلُّقِ النفْسِ بِمَنْ خلف، وقيل: لَئِلاَّ تنفطر قلوبُهُمْ من معايَنَة ما جَرَى على القَرْية في رَفْعها وطَرْحِها.
اسماعيل حقي
تفسير : {قال} ابراهيم {فما خطبكم ايها المرسلون} اى امركم وشأنكم الخطر لعل ابراهيم عليه السلام علم بالقرائن ان مجيئ الملائكة ليس لمجرد البشارة بل لهم شأن آخر لاجله ارسلوا فكأنه قال ان لم يكن شأنكم مجرد البشارة فماذا هو {قالوا} اى الملائكة {انا ارسلنا الى قوم مجرمين} مصرين على اجرامهم متناهين فى آثامهم وهم قوم لوط
الطوسي
تفسير : فقال ابراهيم (ع) بعد ذلك للملائكة {ما خطبكم} اي ما الأمر الجليل الذي بعثتم له، والخطب الأمر الجليل، ومثله ما شأنك، وما أمرك، ومنه الخطبة، لأنها في الأمر الجليل، فأجابته الملائكة بأنّا {أرسلنا إلى قوم مجرمين} وقوم الرجل: هم الذين يقيمون بنصرته، والنفر الذين ينفرون في مهام الأمور. وقوم لوط هم الذين كان يجب عليهم القيام بنصرته ومعونته على أمره. وقال قوم: إِنه يقع على الرجال دون النساء. والمجرم المنقطع عن الحق الى الباطل، وهو القاطع لنفسه عن المحاسن الى المقابح، والمعنى {إنا أرسلنا إلى} من وصفنا لنهلكهم، وننزل بهم العقوبة. ثم استثنى من ذلك {آل لوط} وأخبر انهم ينجونهم كلهم، يقال: نجيت فلاناً وانجيته، فمن قرأ بالتشديد أراد التكثير. ثم استثنى من جملة آل لوط امرأته، وبين انها هالكة مع الهالكين، {وقدرنا} اي كتبنا {إنها لمن الغابرين} والغابر الباقي في من يهلك. والغابر الباقي في مثل الغبرة، مما يوجب الهلكة. قال الشاعر: شعر : فما ونى محمد مذ أن غفر له الإله ما مضى وما غبر تفسير : وآل الرجل أهله الذين يرجعون إِلى ولايته، ولهذا يقال أهل البلد، ولا يقال آل البلد، ولكن آل الرجل اتباعه الذين يرجع أمرهم اليه بولايته ونصرته. وقيل: إِن امرأة لوط كانت في جملة الباقين. ثم اهلكت فيما بعد {وقدرنا} بالتخفيف مثل {قدّرنا} بالتشديد، وكلهم قرأ - ها هنا - مشدداً إِلا أبا بكر عن عاصم، فإِنه خففها، ويكون ذلك من التقدير، كما قال {أية : ومن قدر عليه رزقه}.تفسير : وقال ابو عبيدة: في الآية معنى فقر، وكان ابو يوسف يتأوله فيها، لان الله تعالى استثنى آل لوط من المجرمين، ثم استثنا استثناء رده على استثناء كان قبله، وكذلك كل استثناء في الكلام إِذا جاء بعد آخر عاد المعنى إِلى أول الكلام، كقول الرجل: لفلان علي عشرة إِلا أربعة إِلا درهم، فأنه يكون اقرار بسبعة، وكذلك لو قال: علي خمسة إِلا درهماً إِلا ثلثاً، كان إِقرار بأربعة وثلث، وكذلك لو قال لأمرأته أنت طالق ثلاثاً إِلا اثنتين إِلا واحدة كانت طالقاً إِثنتين، قال: واكثر ما يستثنى ما هو أقل من النصف، ولم يسمع اكثر من النصف الا بيت أنشده الكسائي: شعر : ادوا التي نقصت سبعين من مئة ثم ابعثوا حكماً بالعدل حكّاما تفسير : فجعلها مئة إِلا سبعين، وهو يريد ثلاثين، وضعف المبرد الاحتجاج بهذا البيت، ولم يجز إِستثناء الأكثر من الجملة ولا نصفها، وإِنما جاز استثناء ما دون النصف من الجملة حتى قال: لا يجوز ان يقال: له عندي عشرة إِلا نصف ولا عشرة إِلا واحد، قال: لان تسعة ونصف أولى بذلك، وكذلك لا يجوز: له الف إِلا مئة، لأن تسعة مئة أولى بذلك، وإِنما يجوز الف إِلا خمسين وإِلا سبعين والا تسعين، قال: وعلى هذا النحو بني هذا الباب. والصحيح الأول، عند اكثر العلماء من المتكلمين والفقهاء واكثر النحويين.
الجنابذي
تفسير : {قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ} امركم وشغلكم بعد البشارة {أَيُّهَا ٱلْمُرْسَلُونَ قَالُواْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ} اى قوم لوط.
اطفيش
تفسير : {قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ} ما أمركم الذى أرسلتم لأَجله وهذا يدل على أن إبراهيم عليه السلام قد علم أنهم لم يجيئوا للتبشير بالولد مجيئا مقصودا بالذات بل مجيئا عارضا فسأَلهم عما قصدوه بالذات فيحتمل أنه علم ذلك من كونهم عددا والتبشير بالولد لا يحتاج للعدد وقد اكتفى فى تبشير زكريا ومريم عليهما السلام بالواحد ويحتمل أنه علم ذلك من كونهم ابتدءُوا بغير التبشير ثم بشروه فى وصف الكلام لإِزالة الوجل بعدما قال أنكم وجلون ولو كان المقصود الذات التبشير لا تبدءوا به فلعل المقصود بالذات إِخباره بالإِرسال إِلى قوم لوط ثم ما بينوا له إِلا بعدما سأَلهم ويحتمل أن يريد فما خطبكم بعد هذا الخطب إِلى الذى هو التبشير بالولد.
اطفيش
تفسير : عطف على محذوف، أَى هذا تبشيركم فما خطبكم أَيها الملائِكة الذين أَرسلهم فى خطب بالذات، وفى التبشير بالعرض عطف، عطف إِنشاءٍ على إِخبار، أَو قد بشرتمونى فما خطبكم عطف إِنشاءٍ، واسمية على إِخبار وفعليه، أَو على، فبم تبشرون عطف إِنشائِية على فعلية إِنشائية، وعلم أًنهم أُرسلوا أَصالة لغير التبشير من أنهم جماعة ولا يعهد أن التبشير يكون بها بل بفرد كما بشر بعده بواحد زكريا ومريم، على أَن المراد بالملائِكة جبريل تعظيماً له، وبشر مريم عند النفخ لكن عاجلته بالإِنكار إِذ رأَته على صورة شاب جميل أَمرد، أَو علم إبراهيم أن مجيئهم أَصالة لغير التبشير من كونهم لم يبدأُوا بها بل ذكروها فى أَثناءِ مطلق الكلام لإِزالة الوجل، أَو علم أَنهم جاءُوا أَصالة لغيره من قلة كلامهم بالبشارة مع مكثهم معه بعدها، والعذاب يحتاج فيه إلى العدد عادة، ولهذا ولتعظيم لوط أرسل إِليه ملائكة مع أَن الواحد يكفى فى إهلاك قومه وقلب قراهم ورجمها كما قلبها جبريل بجناح واحد أَو بريشة، وكما قال الله: "أية : بخمسة آلاف من الملائكة"تفسير : [آل عمران: 125] مع أن الله كاف، والملك الواحد بأَمره تعالى كاف، والخطب والشأَن والأَمر واحد الأُمور بمعنى إِلا أَن الخطب فيما يعظم.
الالوسي
تفسير : {قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ} أي أمركم وشأنكم الخطير الذي لأجله أرسلتم سوى البشارة {أَيُّهَا ٱلْمُرْسَلُونَ} لعله عليه السلام علم أن كمال المقصود ليس البشارة من مقالة لهم في أثناء المحاورة مطوية هنا، وتوسيط {قَالَ} بين كلاميه عليه السلام مشيراً إلى أن هناك ما طوي ذكره، وخطابه لهم عليهم السلام بعنوان الرسالة بعد ما كان خطابه السابق مجرداً عن ذلك مع تصديره بالفاء ظاهر في أن مقالتهم المطوية كانت متضمنة ما فهم منه ذلك فلا حاجة إلى الالتجاء إلى أن علمه عليه السلام بأن كل المقصود ليس البشارة بسبب أنهم كانوا ذوي عدد والبشارة لا تحتاج إلى عدد ولذلك اكتفى بواحد في زكريا ومريم عليهما السلام ولا إلى أنهم بشروه في تضاعيف الحال لإزالة الوجل ولو كانت تمام المقصود لابتدأوا بها على أن فيما ذكر بحثاً فقد قيل: إن التعذيب كالبشارة لا يحتاج أيضاً إلى العدد؛ ألا يرى أن جبريل عليه السلام قلب مدائنهم بأحد جناحيه، وأيضاً يرد على قوله: ولذلك اكتفى الخ/ أن زكريا عليه السلام لم يكتف في بشارته بواحد كما يدل عليه قوله تعالى: {أية : فَنَادَتْهُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي ٱلْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَـىٰ} تفسير : [آل عمران: 39] وأما مريم عليها السلام فإنما جاءها الواحد لنفخ الروح والهبة كما يدل عليه قوله: {أية : لأَهَبَ لَكِ غُلَـٰماً زَكِيّاً } تفسير : [مريم: 19] وقوله تعالى: {أية : فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا } تفسير : [الأنبياء: 91] وأما التبشير فلازم لتلك الهبة وفي ضمنها وليست مقصودة بالذات، وأيضاً يخدش قوله: ولو كانت تمام المقصود لابتدأوا بها ما في قصة مريم عليها السلام : {أية : قَالَتْ إِنِّيۤ أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً * قَالَ إِنَّمَا أَنَاْ رَسُولُ رَبّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلَـٰماً زَكِيّاً} تفسير : [مريم: 18-19]. فيجوز أن يكون قولهم: {أية : لاَ تَوْجَلْ } تفسير : [الحجر: 53] تمهيداً للبشارة. وأجيب عن هذا بأنه لا ورود له لأن مريم عليها السلام لنزاهة شأنها أول ما أبصرته متمثلاً عاجلته بالاستعاذة فلم تدعه يبتدىء بالبشارة بخلاف ما نحن فيه، وعما تقدم بأن المعنى إن العادة الجارية بين الناس ذلك فيرسل الواحد للبشارة والجمع لغيرها من حرب وأخذ ونحو ذلك والله تعالى يجري الأمور للناس على ما اعتادوه فلا يرد قصة جبريل عليه السلام في ذلك وإن قيل: المراد بالملائكة في تلك الآية جبريل عليه السلام كقولهم فلان يركب الخيل ويلبس الثياب أي الجنس الصادق بالواحد من ذلك قاله بعض المحققين، وتعقب ما تقدم من كون العلم من كلام وقع في أثناء المحاورة وطوي ذكره بأنه بعيد وتوسيط {قَالَ } والفاء والخطاب بعنوان الرسالة لا يقربه، أما الأول فلجواز أن يكون لما أن هناك انتقالاً إلى بحث آخر ومثله كثير في الكلام، وأما الثاني فلجواز أن تكون فصيحة على معنى إذا تحقق هذا فأخبروني ما أمركم الذي جئتم له سوى البشرى؟، وأما الثالث فلجواز أن يقال: إنه عليه السلام لم يعلم بأنهم ملائكة مرسلون من الله تعالى إلا بعد البشارة ولم يكن يحسن خطابهم بذلك عند الإنكار أو التعجب من بشارتهم، وكذا لا يحسن في الجواب كما لا يخفى على أرباب الأذواق السليمة بل قد يقال: إنه لا يحسن أيضاً عند قوله: {أية : إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ } تفسير : [الحجر: 52] على تقدير أن يكون علم عليه السلام ذلك قبل البشارة لما أن المقام هناك ضيق من أن يطال فيه الكلام بنحو ذلك الخطاب فتدبر.
ابن عاشور
تفسير : حكاية هذا الحوار بين إبراهيم والملائكة ــــ عليهم السلام ــــ لأنه يجمع بين بيان فضل إبراهيم ــــ عليه السلام ــــ وبين موعظة قريش بما حل ببعض الأمم المكذبين، انتقل إبراهيم ــــ عليه السلام ــــ إلى سؤالهم عن سبب نزولهم إلى الأرض، لأنه يعلم أن الملائكة لا ينزلون إلا لأمر عظيم كما قال تعالى: {أية : ما ننزل الملائكة إلا بالحقّ} تفسير : [سورة الحجر: 8]. وقد نزل الملائكة يوم بدر لاستئصال سادة المشركين ورؤسائهم. والخطب تقدم في قوله تعالى {أية : قال ما خطبكنّ} تفسير : في [سورة يوسف: 51]. والقوم المجرمون هم قوم لوط أهل سدوم وقُراها. وتقدم ذكرهم في سورة هود. والاستثناء في {إلا آل لوط} منقطع لأنهم غير مجرمين. واستثناء {إلا امرأته} متصل لأنها من آل لوط. وجملة {إنا لمنجوهم أجمعين} استئناف بياني لبيان الإجمال الذي في استثناء آل لوط من متعلق فعل {أرسلنا} لدفع احتمال أنهم لم يرسلوا إليهم ولا أمروا بإنجائهم. وفي قوله: {أرسلنا إلى قوم مجرمين} إيجاز حذف. وتقدير الكلام: إنا أرسلنا إلى لوط لأجل قوم مجرمين، أي لعذابهم. ودل على ذلك الاستثناء في {إلا آل لوط}. وقرأ الجمهور {لمنجوهم} ــــ بفتح النون وتشديد الجيم ــــ مضارع نجّى المضاعف. وقرأه حمزة والكسائي وخلف ــــ بسكون النون وتخفيف الجيم ــــ مضارع أنجى المهموز. وإسناد التقدير إلى ضمير الملائكة لأنهم مُزمعون على سببه. وهو ما وكلوا به من تحذير لوط ــــ عليه السلام ــــ وآله من الالتفات إلى العذاب، وتَرْكِهم تحذير امرأته حتى التفتت فَحل بها ما حل بقوم لوط. وقرأ الجمهور {قدرنا} ــــ بتشديد الدال ــــ من التقدير. وقرأه أبو بكر عن عاصم ــــ بتخفيف الدال ــــ من قدَر المجرد وهما لغتان. وجملة {إنها لمن الغابرين} مستأنفة. و (إن) معلقة لفعل {قدرنا} عن العمل في مفعوله. وأصل الكلام قدرنا غُبُورها، أي ذهابها وهلاكها. والتعليق يطرأ على الأفعال كلها وإنما يكثر في أفعال القلوب ويقلّ في غيرها. وليس من خصائصها على التحقيق. وتقدم ذكر الغابرين في سورة الأعراف.
الواحدي
تفسير : {قال: فما خطبكم} ما شأنكم وما الذي جئتم له؟ {قالوا: إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين} يعني: قوم لوط. {إلاَّ آل لوط} أتباعه الذين كانوا على دينه. وقوله: {قدَّرنا} قضينا ودبَّرنا أنَّها تتخلَّف وتبقى مع مَنْ بقي حتى تهلك.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: قال فما خطبكم: أي ما شأنكم؟ إلى قوم مجرمين: هم قوم لوط عليه السلام. إنا لمنجوهم أجمعين: أي لإِيمانهم وصالح أعمالهم. الغابرين: أي الباقين في العذاب. قوم منكرون: أي لا أعرفكم. بما كانوا فيه يمترون: أي بالعذاب الذي كانوا يشكون في وقوعه بهم. حيث تؤمرون: أي إلى الشام حيث أمروا بالخروج إليه. وقضينا إليه ذلك الأمر: أي فرغنا إلى لوط من ذلك الامر، وأوحينا إليه أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين. معنى الآيات: ما زال السياق في الحديث عن ضيف إبراهيم، وها هو ذا قد سألهم بما أخبر به تعالى عنه بقوله: {قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا ٱلْمُرْسَلُونَ} أي ما شأنكم أيها المرسلون من قبل الله تعالى إذ هم ملائكته؟ {قَالُواْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ} أي على أنفسهم، وعلى غيرهم وهم اللوطيون لعنهم الله. وقوله تعالى: {إِلاَّ آلَ لُوطٍ} أي آل بيته والمؤمنين معه، {إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ قَدَّرْنَآ} أي قضينا {إِنَّهَا لَمِنَ ٱلْغَابِرِينَ} أي الباقين في العذاب، أي قضى الله وحكم بإهلاكها في جملة من يهلك لأنها كافرة مثلهم، إلى هنا انتهى الحديث مع إبراهيم وانتقلوا إلى مدينة لوط عليه السلام قال تعالى {فَلَمَّا جَآءَ آلَ لُوطٍ ٱلْمُرْسَلُونَ} أي انتهوا إليهم ودخلوا عليهم الدار قال لوط عليه السلام لهم {إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ} أي لا أعرفكم وأجابوه قائلين: نحن رسل ربك جئناك بما كان قومك فيه يمترون أي يشكون وهو عذابهم العاجل جزاء كفرهم وإجرامهم، {وَآتَيْنَاكَ بِٱلْحَقِّ} الثابت الذي لا شك فيه {وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} فيما أخبرناك به وهو عذاب قومه المجرمين. وعليه {فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ ٱلَّيلِ} أي أسر بهم في جزء من الليل، {وَٱتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ} أي امش وراءهم وهم أمامك {وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ} بأن ينظر وراءه، أي حتى لا يرى ما يسوءه عند نزول العذاب بالمجرمين، وقوله {وَٱمْضُواْ حَيْثُ تُؤْمَرُونَ} أي يأمركم ربكم وقد أمروا بالذهاب إلى الشام، وقوله تعالى: {وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ ٱلأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلآءِ مَقْطُوعٌ مُّصْبِحِينَ} أي وفرغنا إلى لوط من ذلك الأمر، وأوحينا إليه أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين، أي أنهم مُهلكون عن آخرهم في الصباح الباكر ما أن يطلع الصباح حتى تُقلب بهم الأرض ويهلكوا عن آخرهم. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- التنديد بالإِجرام وبيان عقوبة المجرمين. 2- لا قيمة للنسب ولا للمصاهرة ولا عبرة بالقرابة إذا فصل الكفر والإِجرام بين الأنساب والأقرباء فامرأة لوط هلكت مع الهالكين ولم يشفع لها أنها زوجة نبي ورسول عليه السلام. 3- مشروعية المشي بالليل لقطع المسافات البعيدة. 4- مشروعية مشي المسئول وكبير القوم وراء الجيش والقافلة لتفقد أحوالهم، والاطلاع على من يتخلف منهم لأمر، وكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل. 5- كراهية الإِشفاق على الظلمة الهالكين، لقوله: ولا يلتفت منكم أحد أي: بقلبه.
د. أسعد حومد
تفسير : (57) - وَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ، وَجَاءَتْهُ البُشْرَى، أَخَذَ يَسْأَلُ المَلاَئِكَةَ الكِرَامَ عَمَّا جَاؤُوا مِنْ أَجْلِهِ غَيْرَ البُشْرَى، فَهُمْ أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدٍ، وَالبُشْرَى لاَ تَحْتَاجُ إِلى هذا العَدَدِ. فَمَا خَطْبُكُمْ - فَمَا شَأْنُكُمُ الخَطِيرُ؟
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : أي: ما هو الأمر العظيم الذي جِئْتم من أجله؛ لأن الخَطْب هو الحَدث الجَلل الذي ينتاب الإنسان؟ وسُمِّي خَطْباً لأنه يشغل بال الناس جميعاً فيتخاطبون به، وكلما التقتْ جماعة من البشر بجماعة أخرى فَهُمْ يتحدثون في هذا الأمر. ولذلك سُمِّيتْ رغبة الزواج بين رجل وامرأة وَتَقدّمه لأهلها طَلباً لِيَدها "خِطْبة"؛ لأنه أمر جلَلَ وهَامّ؛ ذلك أن أحداً لو نظر إلى المرأة؛ ورآه واحدٌ من أهلها لَثَار من الغَيْرة؛ ولكن ما أن يدقَّ البابَ طالباً يدَها، فالأمر يختلف؛ لأن أهلها يستقبلون مَنْ يتقدّم للزواج الاستقبالَ الحسن؛ ويقال: "جدعَ الحلالُ أنْفَ الغَيْرة". وهنا قال إبراهيم - عليه السلام - للملائكة: ما خَطْبكم أيها المُرْسلون؟ أي: لأيِّ أمر جَلَلٍ أتيتُم؟ ويأتي الجواب من الملائكة في قول الحق سبحانه: {قَالُواْ إِنَّآ ...}.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ويتقرب إليه بالأعمال القلبية ليتقرب إليه وبه وبأصناف ألطافه الربوبية وجذبات أعطافه، فيخرج من صلب روحه ورحم قلبه غلاماً عليماً بالعلوم اللدنية والرسوم اللدنية، وهو واعظ الله الذي في قلب كل مؤمن، وفي القصص المذكورة في الآيات أيضاً إهلاك الأمم الماضية، وإنجاء الأنبياء والمؤمنين منهم اتعاظ وانتباه ووعد ووعيد وتأديب لهذه الأمم المعتبرين منهم.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: { قَالَ } الخليل عليه السلام للملائكة: { فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ } أي: ما شأنكم ولأي شيء أرسلتم؟ { قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ } أي: كثر فسادهم وعظم شرهم، لنعذبهم ونعاقبهم، { إِلا آلَ لُوطٍ } أي: إلا لوطا وأهله { إِلا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ } أي: الباقين بالعذاب، وأما لوط فسنخرجنه وأهله وننجيهم منها، فجعل إبراهيم يجادل الرسل في إهلاكهم ويراجعهم، فقيل له: {أية : يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك وإنهم آتيهم عذاب غير مردود } تفسير : فذهبوا منه. { فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ * قَالَ } لهم لوط { إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ } أي لا أعرفكم ولا أدري من أنتم. { قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ } أي جئناك بعذابهم الذي كانوا يشكون فيه ويكذبونك حين تعدهم به { وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ } الذي ليس بالهزل { وَإِنَّا لَصَادِقُونَ } فيما قلنا لك. { فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ } أي في أثنائه حين تنام العيون ولا يدري أحد عن مسراك { وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ } أي بادروا وأسرعوا { وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ } كأن معهم دليلا يدلهم إلى أين يتوجهون { وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ } أي أخبرناه خبرا لا مثنوية فيه { أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ } أي سيصبحهم العذاب الذي يجتاحهم ويستأصلهم { وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ } أي المدينة التي فيها قوم لوط { يَسْتَبْشِرُونَ } أي يبشر بعضهم بعضا بأضياف لوط وصباحة وجوههم واقتدارهم عليهم وذلك لقصدهم فعل الفاحشة فيهم فجاءوا حتى وصلوا إلى بيت لوط فجعلوا يعالجون لوطا على أضيافه ولوط يستعيذ منهم ويقول { إِنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ * وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ } أي: راقبوا الله أول ذلك وإن كان ليس فيكم خوف من الله فلا تفضحون في أضيافي، وتنتهكوا منهم الأمر الشنيع. فـ { قَالُوا } له جوابا عن قوله ولا تخزون فقط: { أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ } أن تضيفهم فنحن قد أنذرناك، ومن أنذر فقد أعذر. فـ { قَالَ } لهم لوط من شدة الأمر الذي أصابه: { هَؤُلاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ } فلم يبالوا بقوله ولهذا قال الله لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم { لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ } وهذه السكرة هي سكرة محبة الفاحشة التي لا يبالون معها بعذل ولا لوم. فلما بينت له الرسل حالهم، زال عن لوط ما كان يجده من الضيق والكرب، فامتثل أمر ربه وسرى بأهله ليلا فنجوا، وأما أهل القرية { فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ } أي: وقت شروق الشمس حين كانت العقوبة عليهم أشد، { فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا } أي: قلبنا عليهم مدينتهم، { وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ } تتبع فيها من شذ من البلد منهم. { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ } أي: المتأملين المتفكرين، الذين لهم فكر وروية وفراسة، يفهمون بها ما أريد بذلك، من أن من تجرأ على معاصي الله، خصوصا هذه الفاحشة العظيمة، وأن الله سيعاقبهم بأشنع العقوبات، كما تجرأوا على أشنع السيئات. { وَإِنَّهَا } أي: مدينة قوم لوط { لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ } للسالكين، يعرفه كل من تردد في تلك الديار { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ } وفي هذه القصة من العبر: عنايته تعالى بخليله إبراهيم، فإن لوطا عليه السلام من أتباعه، وممن آمن به فكأنه تلميذ له، فحين أراد الله إهلاك قوم لوط حين استحقوا ذلك، أمر رسله أن يمروا على إبراهيم عليه السلام كي يبشروه بالولد ويخبروه بما بعثوا له، حتى إنه جادلهم عليه السلام في إهلاكهم حتى أقنعوه، فطابت نفسه. وكذلك لوط عليه السلام، لما كانوا أهل وطنه، فربما أخذته الرقة عليهم والرأفة بهم قدَّر الله من الأسباب ما به يشتد غيظه وحنقه عليهم، حتى استبطأ إهلاكهم لما قيل له: {أية : إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب } تفسير : ومنها: أن الله تعالى إذا أراد أن يهلك قرية [ازداد] شرهم وطغيانهم، فإذا انتهى أوقع بهم من العقوبات ما يستحقونه.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):