١٥ - ٱلْحِجْر
15 - Al-Hijr (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
67
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن المراد بأهل المدينة قوم لوط، وليس في الآية دليل على المكان الذي جاؤه إلا أن القصة تدل على أنهم جاؤوا دار لوط. قيل: إن الملائكة لما كانوا في غاية الحسن اشتهر خبرهم حتى وصل إلى قوم لوط. وقيل: امرأة لوط أخبرتهم بذلك، وبالجملة فالقوم قالوا: نزل بلوط ثلاثة من المرد ما رأينا قط أصبح وجهاً ولا أحسن شكلاً منهم فذهبوا إلى دار لوط طلبها منهم لأولئك المرد والاستبشار إظهار السرور فقال لهم لوط لما قصدوا أضيافه كلامين: الكلام الأول: قال: {إِنَّ هَـؤُلآء ضَيْفِى فَلاَ تَفْضَحُونِ } يقال فضحه يفضحه فضحاً وفضيحة إذا أظهر من أمره ما يلزمه به العار، والمعنى أن الضيف يجب إكرامه فإذا قصدتموهم بالسوء كان ذلك إهانة بي، ثم أكد ذلك بقوله: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلاَ تُخْزُونِ } فأجابوه بقولهم: {أَوَ لَمْ نَنْهَكَ عَنِ ٱلْعَـٰلَمِينَ } والمعنى: ألسنا قد نهيناك أن تكلمنا في أحد من الناس إذا قصدناه بالفاحشة. والكلام الثاني: مما قاله لوط قوله: {هَـٰؤُلآء بَنَاتِى إِن كُنْتُمْ فَـٰعِلِينَ } قيل: المراد بناته من صلبه، وقيل: المراد نساء قومه، لأن رسول الأمة يكون كالأب لهم وهو كقوله تعالى: { أية : ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوٰجُهُ أُمَّهَـٰتُهُمْ } تفسير : [الأحزاب: 6] وفي قراءة أبي وهو أب لهم، والكلام في هذه المباحث قد مر بالاستقصاء في سورة هود عليه السلام. أما قوله: {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِى سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ } فيه مسائل: المسألة الأولى: العمر والعمر واحد وسمي الرجل عمراً تفاؤلاً أن يبقى ومنه قول ابن أحمر: شعر : ذهب الشباب وأخلق العمر تفسير : وعمر الرجل يعمر عمراً وعمرا، فإذا أقسموا به قالوا: لعمرك وعمرك فتحوا العين لا غير. قال الزجاج: لأن الفتح أخف عليهم وهم يكثرون القسم بلعمري ولعمرك فالتزموا الأخف. المسألة الثانية: في قوله: {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِى سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ } قولان: الأول: أن المراد أن الملائكة قالت للوط عليه السلام: {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِى سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ } أي في غوايتهم يعمهون، أي يتحيرون فكيف يقبلون قولك، ويلتفتون إلى نصيحتك. والثاني: أن الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه تعالى أقسم بحياته وما أقسم بحياة أحد، وذلك يدل على أنه أكرم الخلق على الله تعالى قال النحويون: ارتفع قوله: {لَعَمْرُكَ } بالابتداء والخبر محذوف، والمعنى: لعمرك قسمي وحذف الخبر، لأن في الكلام دليلاً عليه وباب القسم يحذف منه الفعل نحو: بالله لأفعلن، والمعنى: أحلف بالله فيحذف لعلم المخاطب بأنك حالف. ثم قال تعالى: {فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ } أي صيحة جبريل عليه السلام قال أهل المعاني: ليس في الآية دلالة على أن تلك الصيحة صيحة جبريل عليه السلام فإن ثبت ذلك بدليل قوي قيل به، وإلا فليس في الآية دلالة إلا على أنه جاءتهم صيحة عظيمة مهلكة وقوله: {مُشْرِقِينَ } يقال شرق الشارق يشرق شروقاً لكل ما طلع من جانب الشرق، ومنه قولهم ما ذر شارق أي طلع طالع فقوله: {مُشْرِقِينَ } أي داخلين في الشروق يقال أشرق الرجل إذا دخل في الشروق، وهو بزوغ الشمس. واعلم أن الآية تدل على أنه تعالى عذبهم بثلاثة أنواع من العذاب: أحدها: الصيحة الهائلة المنكرة. وثانيها: أنه جعل عاليها سافلها. وثالثها: أنه أمطر عليهم حجارة من سجيل، وكل هذه الأحوال قد مر تفسيرها في سورة هود. ثم قال تعالى: {إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَـٰتٍ لِلْمُتَوَسّمِينَ } يقال توسمت في فلان خيراً أي رأيت فيه أثراً منه وتفرسته فيه، واختلفت عبارات المفسرين في تفسير المتوسمين قيل: المتفرسين، وقيل: الناظرين، وقيل: المتفكرين، وقيل: المعتبرين، وقيل: المتبصرين. قال الزجاج: حقيقة المتوسمين في اللغة المتثبتون في نظرهم حتى يعرفوا سمة الشيء وصفته وعلامته، والمتوسم الناظر في السمة الدالة تقول: توسمت في فلان كذا أي عرفت وسم ذلك وسمته فيه. ثم قال: {وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ } الضمير في قوله: {وَإِنَّهَا } عائد إلى مدينة قوم لوط، وقد سبق ذكرها في قوله؛ {وَجَآء أَهْلُ ٱلْمَدِينَةِ } وقوله: {لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ } أي هذه القرى وما ظهر فيها من آثار قهر الله وغضبه لبسبيل مقيم ثابت لم يندرس ولم يخف، والذين يمرون من الحجاز إلى الشام يشاهدونها. ثم قال: {إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ } أي كل من آمن بالله وصدق الأنبياء والرسل عرف أن ذلك إنما كان لأجل أن الله تعالى انتقم لأنبيائه من أولئك الجهال، أما الذين لا يؤمنون بالله فإنهم يحملونه على حوادث العالم ووقائعه، وعلى حصول القرانات الكوكبية والاتصالات الفلكية، والله أعلم.
البيضاوي
تفسير : {وَجَآء أَهْلُ ٱلْمَدِينَةِ } سدوم. {يَسْتَبْشِرُونَ } بأضياف لوط طمعاً فيهم.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى عن مجيء قوم لوط لما علموا بأضيافه وصباحة وجوههم، وأنهم جاؤوا مستبشرين بهم فرحين { قَالَ إِنَّ هَـٰؤُلآءِ ضَيْفِى فَلاَ تَفْضَحُونِ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلاَ تُخْزُونِ } وهذا إنما قاله لهم قبل أن يعلم أنهم رسل الله؛ كما قال في سورة هود، وأما ههنا، فتقدم ذكر أنهم رسل الله وعطف بذكر مجيء قومه ومحاجته لهم، ولكن الواو لا تقتضي الترتيب، ولا سيما إذا دل دليل على خلافه، فقالوا له مجيبين: {أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ ٱلْعَـٰلَمِينَ} أي: أو ما نهيناك أن تضيف أحداً؟ فأرشدهم إلى نسائهم، وما خلق لهم ربهم منهن من الفروج المباحة. وقد تقدم إيضاح القول في ذلك بما أغنى عن إعادته. هذا كله وهم غافلون عما يراد بهم، وما قد أحاط بهم من البلاء، وماذا يصبحهم من العذاب المنتظر. ولهذا قال تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم { لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِى سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ} أقسم تعالى بحياة نبيه صلوات الله وسلامه عليه، وفي هذا تشريف عظيم ومقام رفيع وجاه عريض. قال عمرو بن مالك البكري عن أبي الجوزاء عن ابن عباس أنه قال: ما خلق الله وما ذرأ وما برأ نفساً أكرم عليه من محمد صلى الله عليه وسلم وما سمعت الله أقسم بحياة أحد غيره، قال الله تعالى: { لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِى سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ} يقول: وحياتك وعمرك وبقاؤك في الدنيا{إِنَّهُمْ لَفِى سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ} رواه ابن جرير، وقال قتادة: {لَفِى سَكْرَتِهِمْ} أي: في ضلالهم { يَعْمَهُونَ} أي: يلعبون، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: {لَعَمْرُكَ}: لعيشك {إِنَّهُمْ لَفِى سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ} قال: يترددون.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَجَآءَ أَهْلُ ٱلْمَدِينَةِ } مدينة سدوم، وهم قوم لوط لما أُخبروا أن في بيت لوط مُرْداً حساناً وهم الملائكة {يَسْتَبْشِرُونَ } حال طمعاً في فعل الفاحشة بهم.
الشوكاني
تفسير : ذكر سبحانه ما كان من قوم لوط عند وصول الملائكة إلى قريتهم فقال: {وَجَآء أَهْلُ ٱلْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ } أي: أهل مدينة قوم لوط، وهي سلام كما سبق، وجملة {يستبشرون} في محل نصب على الحال، أي: مستبشرون بأضياف لوط طمعاً في ارتكاب الفاحشة منهم فقال لهم لوط {إِنَّ هَـؤُلآء ضَيْفِى } وحد الضيف؛ لأنه مصدر كما تقدّم، والمراد: أضيافي، وسماهم ضيفاً؛ لأنه رآهم على هيئة الأضياف، وقومه رأوهم مردا حسان الوجوه، فلذلك طمعوا فيهم {فَلاَ تَفْضَحُونِ } يقال: فضحه يفضحه فضيحة وفضحاً: إذا أظهر من أمره ما يلزمه العار بإظهاره. والمعنى: لا تفضحون عندهم بتعرضكم لهم بالفاحشة فيعلمون أني عاجز عن حماية من نزل بي، أو لا تفضحون بفضيحة ضيفي، فإن من فعل ما يفضح الضيف فقد فعل ما يفضخ المضيف {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } في أمرهم {وَلاَ تُخْزُونِ } يجوز أن تكون من الخزي: وهو الذلّ والهوان، ويجوز أن يكون من الخزاية وهي الحياء والخجل. وقد تقدّم تفسير ذلك في هود. {قَالُواْ } أي: قوم لوط، مجيبين له: {أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ ٱلْعَـٰلَمِينَ } الاستفهام للإنكار، والواو للعطف على مقدّر، أي: ألم نتقدّم إليك وننهك عن أن تكلمنا في شأن أحد من الناس إذا قصدناه بالفاحشة؟ وقيل: نهوه عن ضيافة الناس، ويجوز حمل ما في الآية على ما هو أعمّ من هذين الأمرين. {قَالَ هَـٰؤُلآء بَنَاتِى } فتزوّجوهنّ {إِن كُنتُمْ فَـٰعِلِينَ } ما عزمتم عليه من فعل الفاحشة بضيفي فهؤلاء بناتي تزوّجوهنّ حلالاً ولا تركبوا الحرام. وقيل: أراد ببناته نساء قومه، لكون النبيّ بمنزلة الأب لقومه، وقد تقدّم تفسير هذا في هود {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِى سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ } العمر والعمر بالفتح والضم واحد، لكنهم خصوا القسم بالمفتوح، لإيثار الأخف فإنه كثير الدور على ألسنتهم. ذكر ذلك الزجاج. قال القاضي عياض: اتفق أهل التفسير في هذا أنه قسم من الله، جلّ جلاله، بمدة حياة محمد صلى الله عليه وسلم، وكذا حكى إجماع المفسرين على هذا المعنى أبو بكر بن العربي، فقال: قال المفسرون بأجمعهم: أقسم الله تعالى ها هنا بحياة محمد صلى الله عليه وسلم تشريفاً له. قال أبو الجوزاء: ما أقسم الله سبحانه بحياة أحد غير محمد صلى الله عليه وسلم لأنه أكرم البرية عنده. قال ابن العربي: ما الذي يمتنع أن يقسم الله سبحانه بحياة لوط ويبلغ به من التشريف ما شاء، وكل ما يعطيه الله تعالى للوط من فضل يؤتى ضعفه من شرف لمحمد صلى الله عليه وسلم لأنه أكرم على الله منه، أو لا تراه سبحانه أعطى إبراهيم الخلة وموسى التكليم، وأعطى ذلك لمحمد صلى الله عليه وسلم؟ فإذا أقسم الله سبحانه بحياة لوط فحياة محمد أرفع. قال القرطبي: ما قاله حسن، فإنه يكون قسمه سبحانه بحياة محمد صلى الله عليه وسلم كلاماً معترضاً في قصة لوط. فإن قيل: قد أقسم الله سبحانه بالتين والزيتون وطور سينين، ونحو ذلك فما فيهما من فضل؟ وأجيب بأنه ما من شيء أقسم الله به إلاّ وفي ذلك دلالة على فضله على جنسه، وذكر صاحب الكشاف وأتباعه: أن هذا القسم هو من الملائكة على إرادة القول أي: قالت الملائكة للوط: لعمرك، ثم قال: وقيل الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه أقسم بحياته وما أقسم بحياة أحد قط كرامة له. انتهى. وقد كره كثير من العلماء القسم بغير الله سبحانه، وجاءت بذلك الأحاديث الصحيحة في النهي عن القسم بغير الله، فليس لعباده أن يقسموا بغيره. وهو سبحانه يقسم بما شاء من مخلوقاته {أية : لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْـئَلُونَ } تفسير : [الأنبياء: 23]. وقيل: الإقسام منه سبحانه بالتين والزيتون، وطور سينين، والنجم، والضحى، والشمس، والليل، ونحو ذلك هو على حذف مضاف هو المقسم به، أي: وخالق التين، وكذلك ما بعده. وفي قوله: {لَعَمْرُكَ } أي: وخالق عمرك. ومعنى {إِنَّهُمْ لَفِى سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ }: لفي غوايتهم يتحيرون، جعل الغواية، لكونها تذهب بعقل صاحبها كما تذهب به الخمر سكرة، والضمير لقريش. على أن القسم بمحمد صلى الله عليه وسلم، أو القوم لوط على أن القسم للرسول عليه السلام {فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ } العظيمة، أو صيحة جبريل حال كونهم {مُشْرِقِينَ } أي: داخلين في وقت الشروق، يقال: أشرقت الشمس أي: أضاءت. وشرقت: إذا طلعت، وقيل: هما لغتان بمعنى واحد. وأشرق القوم: إذا دخلوا في وقت شروق الشمس. وقيل: أراد شروق الفجر. وقيل: أوّل العذاب كان عند شروق الفجر وامتدّ إلى طلوع الشمس. والصيحة: العذاب {فَجَعَلْنَا عَـٰلِيَهَا سَافِلَهَا } أي: عالي المدينة سافلها {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مّن سِجّيلٍ } من طين متحجر. وقد تقدّم الكلام مستوفى على هذا في سورة هود. {إِنَّ فِى ذَلِكَ } أي: في المذكور من قصتهم، وبيان ما أصابهم {لآيَاتٍ } لعلامات يستدلّ بها {لِلْمُتَوَسّمِينَ }: للمتفكرين الناظرين في الأمر ومنه قول زهير:شعر : وفيهن ملهى للصديق ومنظر أنيق لعين الناظر المتوسم تفسير : وقال الآخر:شعر : أو كلما وردت عكاظ قبيلة بعثوا إليّ عريفهم يتوسم تفسير : وقال أبو عبيدة: للمتبصرين. وقال ثعلب: الواسم: الناظر إليك من قرنك إلى قدمك. والمعنى متقارب، وأصل التوسم: التثبت والتفكر، مأخوذ من الوسم، وهو التأثير بحديدة في جلد البعير {وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ } يعني: قرى قوم لوط أو معدينتهم على طريق ثابت، وهي الطريق من المدينة إلى الشام، فإن السالك في هذه الطريق يمرّ بتلك القرى {إِنَّ فِى ذَلِكَ } المذكور من المدينة أو القرى {لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ } يعتبرون بها، فإن المؤمنين من العباد هم الذين يعتبرون بما يشاهدونه من الآثار. وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {وَجَآء أَهْلُ ٱلْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ } قال: استبشروا بأضياف نبيّ الله لوط حين نزلوا به لما أرادوا أن يأتوا إليهم من المنكر. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه في قوله: {أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ ٱلْعَـٰلَمِينَ } قال: يقولون: أولم ننهك أن تضيف أحداً، أو تؤويه؟ {قَالَ هَـٰؤُلآء بَنَاتِى إِن كُنْتُمْ فَـٰعِلِينَ } أمرهم لوط بتزويج النساء، وأراد أن يبقي أضيافه ببناته. وأخرج ابن أبي شيبة، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، وأبو نعيم عن ابن عباس قال: ما خلق الله وما ذرأ وما برأ نفساً أكرم عليه من محمد صلى الله عليه وسلم، وما سمعت الله أقسم بحياة أحد غيره قال: {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِى سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ } يقول: وحياتك يا محمد، وعمرك وبقائك في الدنيا. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه في قوله: {لَعَمْرُكَ } قال: لعيشك. وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: ما حلف الله بحياة أحد إلاّ بحياة محمد قال: {لَعَمْرُكَ } الآية. وأخرج ابن جرير عن إبراهيم النخعي قال: كانوا يكرهون أن يقول الرجل لعمري يرونه كقوله وحياتي. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة {إِنَّهُمْ لَفِى سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ } أي: في ضلالهم يلعبون. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن الأعمش في الآية: لفي غفلتهم يتردّدون. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج {فأخذتهم الصيحة} مثل الصاعقة، وكل شيء أهلك به قوم فهو صاعقة وصيحة. وأخرج ابن جرير عنه {مُشْرِقِينَ } قال: حين أشرقت الشمس. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم عن ابن عباس في قوله: {إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَةً } قال: علامة، أما ترى الرجل يرسل خاتمه إلى أهله، فيقول: هاتوا كذا وكذا، فإذا رأوه، عرفوا أنه حق. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه {لِلْمُتَوَسّمِينَ } قال: للناظرين. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ في العظمة عن قتادة قال: للمعتبرين. وأخرج ابن جريج، وابن المنذر عن مجاهد قال: للمتفرّسين، وأخرج البخاري، في التاريخ، والترمذي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن السني، وأبو نعيم، وابن مردويه، والخطيب عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : اتقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله، ثم قرأ: {إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَـٰتٍ لِلْمُتَوَسّمِينَ }»تفسير : . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس {وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ } يقول: لبهلاك. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: لبطريق مقيم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة قال: لبطريق واضح.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل:{لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون}لعمرك: قسم فيه أربعة أوجه: أحدها: معناه وعيشك، وهذا مروي عن ابن عباس. الثاني: معناه وعملك، قاله قتادة. الثالث: معناه وحياتك، وهذا مروي عن ابن عباس أيضاً وقال: ما أقسم الله تعالى بحياة غيره. الرابع: وحقك، يعني الواجب على أمتك، والعمر الحق، ومنه قولهم: لعمر الله، أي وحق الله. وفي{سكرتهم} وجهان: أحدهما: في ضلالتهم، قاله قتادة. الثاني: في غفلتهم، قاله الأعمش. وفي{يعمهون} أربعة أوجه: أحدها: معناه يترددون، قاله ابن عباس ومجاهد وأبو العالية وأبو مالك. الثاني: يتمارون، قاله السدي. الثالث: يلعبون، قاله الأعمش. الرابع: يمنعون، قاله الكلبي.
النسفي
تفسير : {وَجَآءَ أَهْلُ ٱلْمَدِينَةِ } سدوم التي ضرب بقاضيها المثل في الجور {يَسْتَبْشِرُونَ } بالملائكة طمعاً منهم في ركوب الفاحشة {قَالَ } لوط {إِنَّ هَـؤُلآءِ ضَيْفِى فَلاَ تَفْضَحُونِ } بفضيحة ضيفي لأن من أساء إلى ضيفي فقد أساء إليّ {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلاَ تُخْزُونِ } أي ولا تذلوني بإذلال ضيفي من الخزي وهو الهوان. وبالياء فيهما: بعقوب {قَالُواْ أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ ٱلْعَـٰلَمِينَ } عن أن تجير منهم أحداً أو تدفع عنهم فإنهم كانوا يتعرضون لكل أحد، وكان عليه السلام يقوم بالنهي عن المنكر والحجز بينهم وبين المتعرض له فأوعدوه وقالوا {أية : لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يٰلُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُخْرَجِينَ }تفسير : [الشعراء: 167] أو عن ضيافة الغرباء {قَالَ هَـٰؤُلآءِ بَنَاتِى } فانكحوهن وكان نكاح المؤمنات من الكفار جائزاً ولا تتعرضوا لهم {إِن كُنتُمْ فَـٰعِلِينَ } إن كنتم تريدون قضاء الشهوة فيما أحل الله دون ما حرم فقالت الملائكة للوط عليه السلام {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِى سَكْرَتِهِمْ } أي في غوايتهم التي أذهبت عقولهم وتمييزهم بين الخطإ الذي هم عليه وبين الصواب الذي تشير به عليهم من ترك البنين إلى البنات {يَعْمَهُونَ } يتحيرون فيكيف يقبلون قولك ويصغون إلى نصيحتك، أو الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قسم بحياته وما أقسم بحياة أحد قط تعظيماً له. والعُمر والعَمر واحد وهو البقاء إلا أنهم خصوا القسم بالمفتوح إيثاراً للأخف لكثرة دور الحلف على ألسنتهم ولذا حذفوا الخبر وتقديره لعمرك قسمي
البقاعي
تفسير : فلما تم ما دار بينه وبين الرسل مقدماً لما بيّن، أتبعه البيان عن حال قومه إشارة إلى أن الملائكة إن كانوا بصفات البشر لم يعرفهم الكفرة، وإن كانوا بصفاتهم أو بإظهار شيء من خوارقهم لم تحتمله قواهم، فلا نفع لهم في مكاشفتهم في حالة من الحالات، فسؤالهم الإتيان بهم جهل عظيم، فقال تعالى: {وجاء أهل المدينة} أي التي كان هذا الأمر فيها - قالوا: وهي سدوم - لإرادة عمل الفاحشة بالأضياف {يستبشرون *} أي يلوح على بشراتهم السرور، فهم يوجدونه لأنفسهم إيجاد من هو شديد الرغبة في طلبه، فكان حال لوط عليه السلام أن {قال} لهم: {إن هؤلاء} أي الأقرباء مني {ضيفي}. ولما كان إكرام الضيف إكراماً لمن هو عنده وإهانته إهانته، سبب عن ذلك ما أشار إليه الكلام فقال: {فلا تفضحون *} في إصابتهم بفاحشة، وكان ذلك قبل معرفته أنهم ملائكة {واتقوا الله} أي الذي له جميع العظمة {ولا تخزون *} أي بإهانة ضيفي، فيكون ذلك عاراً عليّ مدى الدهر، فلم يكفهم ذلك بل {قالوا} بفظاظة، عاطفين على ما تقديره: ألم تعلم أنا لا نترك هذا الأمر لشيء من الأسباب: {أو لم ننهك} أي من قبل هذا {عن العالمين *} أن تجير علينا أحداً منهم، فما وصلوا إلى هذا الحد من الوقاحة، ذكر لهم الحريم ليحملهم ذلك على الحياء، لأنه دأب من له أدنى مروءة ولا سيما ذكر الأبكار في سياق يكاد يصرح بمراده، بأن {قال هؤلاء} مشيراً إلى بيته الذي فيه بناته صلى الله عليه وسلم ورضي عنهن {بناتي إن كنتم} ولا بد {فاعلين *} أي قد عزمتم عزماً ماضياً على هذا الفعل، إشارة بأداة الشك إلى أن هذا الفعل مما لا ينبغي أن يفعل، يعني وأنتم عالمون بأني لا أسلم بناتي أبداً، فعلم من ذلك أن وصولكم إلى أضيافي دون هلاكي محال. ولما ذكر ما ذكر من أمورهم وعظيم فجورهم، وهم قد فرغ من أمرهم وقضي باستئصالهم، كان كل من يعلم ذلك قاضياً بأنهم لا عقول لهم، فأتبع سبحانه ذلك ما يدل عليه بقوله: {لعمرك} أي وحياتك يا كريم الشمائل، وأكد لأن الحال قاض في ذلك الحين استبعاد ردهم، ولتحقيق أن ذلك ضلال منهم صرف وتعنت محض، فقال: {إنهم لفي سكرتهم} أي غوايتهم الجاهلية {يعمهون *} أي يتحيرون ولا يبصرون طريق الرشد، فلذلك لا يقبلون قول النصوح، فإن كان المخاطب لوطاً عليه السلام، كان ضمير الغيبة لقومه، وإن كان المخاطب نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم - وهو الظاهر - كان الضمير لقومه، وكان التقدير أنهم في خبط بعيد عن السنن في طلبهم إتيان الملائكة كما كان قوم لوط عليه السلام يقصدون الالتذاذ بالفاحشة بمن مكن من هلاكهم، فشتان ما بين القصدين! وهيهات لما بين الفعلين! فصار المعنى أن ما قذفوك به أول السورة بهم لابك، لأن من يطلب إتيان الملائكة - مع جواز أن يكون حاله حال قوم لوط عليه السلام عند إتيانهم - هو المجنون؛ والعمر - بالفتح: العمر - بالضم، وهو مدة بقاء الشيء حيّاً، لكنه لا يقال في القسم إلا بالفتح لخفته مع كثرة دور القسم، ولذلك حذفوا الذي تقديره: قسمي، والسكرة: غمور السهو للنفس.
ابو السعود
تفسير : {وَجَآء أَهْلُ ٱلْمَدِينَةِ} شروعٌ في حكاية ما صدر عن القوم عند وقوفِهم على مكان الأضيافِ من الفعل والقول وما ترتب عليه بعدما أشير إلى ذلك إجمالاً حسبما نبه عليه، أي جاء أهلُ سدومَ منزلَ لوط عليه الصلاة والسلام {يَسْتَبْشِرُونَ} أي مستبشرين بأضيافه عليه الصلاة والسلام طمعاً فيهم. {قَالَ إِنَّ هَـؤُلآء ضَيْفِى} الضيفُ حيث كان مصدراً في الأصل أُطلق على الواحد والمتعددِ والمذكرِ والمؤنث، وإطلاقُه على الملائكة بحسب اعتقادِه عليه الصلاة والسلام لكونهم في زِيّ الضيف، والتأكيدُ ليس لإنكارهم بذلك بل لتحقيق اتِّصافِهم به وإظهارِ اعتنائه بشأنهم وتشمُّره لمراعاة حقوقِهم وحمايتهم من السوء، ولذلك قال: {فَلاَ تَفْضَحُونِ} أي عندكم بأن تتعرضوا لهم بسوء فيعلموا أنه ليس لي عندكم قدْرٌ وحرمة، أو لا تفضحونِ بفضيحة ضيفي فإن من أُسيء إلى ضيفه فقد أُسيءَ إليه، يقال: فضحَه فضحاً وفضيحةً إذا أظهر من أمره ما يلزمه العار. {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} في مباشرتكم لما يسؤوني {وَلاَ تُخْزُونِ} أي لا تُذِلوني ولا تُهينوني بالتعرض ـ لمن أجَرْتُهم ـ بمثل تلك الفَعْلةِ الخبـيثة، وحيث كان التعرضُ لهم ـ بعد أن نهاهم عليه الصلاة والسلام عن ذلك بقوله: فلا تفضحونِ ـ أكثرَ تأثيراً في جانبه عليه الصلاة والسلام وأجلبَ للعار إليه، إذِ التعرّضُ للجار قبل شعورِ المُجير بذلك ربما يُتسامَح فيه، وأما بعد الشعورِ به والمناصبةِ لحمايته والذبِّ عنه فذاك أعظمُ العار، عبّر عليه الصلاة والسلام عما يعتريه من جهتهم بعد النهي المذكورِ بسبب لَجاجِهم ومُجاهرتِهم بمخالفته بالخِزي وأمرَهم بتقوى الله تعالى في ذلك، وإنما لم يصرَّحْ بالنهي عن نفس تلك الفاحشةِ لأنه كان يعرِف أنه لا يفيدهم ذلك، وقيل: المرادُ تقوى الله تعالى في ركوب الفاحشةِ، ولا يساعده توسيطُه بـين النهيَـيْن عن أمرين متعلقين بنفسه عليه الصلاة والسلام. وكذلك قوله تعالى: {قَالُواْ أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ ٱلْعَـٰلَمِينَ} أي عن التعرض لهم بمنعهم عنا وضيافتِهم، والهمزةُ للإنكار والواو للعطف على مقدر، أي ألم نتقدمْ إليك ولم ننْهَكَ عن ذلك فإنهم كانوا يتعرضون لكل أحدٍ من الغرباء بالسوء، وكان عليه الصلاة والسلام ينهاهم عن ذلك بقدر وُسعِه وكانوا قد نهَوْه عليه الصلاة والسلام عن أن يُجير أحداً، فكأنهم قالوا: ما ذكرتَ من الفضيحة والخِزي إنما جاءك من قِبَلك لا من قِبَلنا إذ لولا تعرضُك لما نتصدَّى له لَما اعتراك تلك الحالةُ. ولمّا رآهم لا يُقلِعون عما هم عليه.
اسماعيل حقي
تفسير : {وجاء اهل المدينة} [جون زن لوط مهمانان نيكورورا ديد خبر بقوم فرستاد] وجاء اهل سدوم التى ضرب بقاضيها المثل فى الجور منزل لوط ومدائن قوم لوط كانت اربعا وقيل سبعا واعظمها سدوم.br> وفى درياق الذنوب لابن الجوزى كانت خمسين قرية {يستبشرون} الاستبشار [شاد شدن] اى مظهرين السرور بانه نزل بلوط عدة من المرد فى غاية الحسن والجمال قصدا الى ارتكاب الفاحشة
الجنابذي
تفسير : {وَجَآءَ أَهْلُ ٱلْمَدِينَةِ} بعد اطّلاعهم بواسطة امرأة لوطٍ (ع) كما مضى {يَسْتَبْشِرُونَ} باضياف لوطٍ (ع) طمعاً فيهم وبدخول لوطٍ (ع) على زعمهم فى مثل فعلهم.
اطفيش
تفسير : {وَجَآءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ} مدينة قرى قوم لوط تسمى سذوم بذال معجمة لا مهملة كما قيل وبقاضيها يضرب المثل فى الجور قال، أبو الحسن جازم بن محمد الأَنصارى القرطاجنى من قرطاجنة الأَندلس لا من قرطاجنة تونس فى واقعة سيبويه والكسائى بعد كلام من كل أجور حكما فى سذوم قضى عمرو بن عثمان مما قد قضى سدما. من كل متعلق بقضى بمعنى مات وعمرو بن عثمان سيبويه وقضى الثانى بمعنى حكم وسدما مفعول لأَجله بمعنى الحزن. {يَسْتَبْشِرُونَ} بأَضيافِ لوط طمعا فى عمل الفاحشة بهم والاستبشار إِظهار الفرح وقيل يبشر بعض بعضا والجملة حال.
اطفيش
تفسير : {وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ} مدينة تسمى سدوم أَكبر قرى قوم لوط، وبقاضيها يضرب المثل فى الجور بفتح السين وضم الذال المعجمة، قيل: خطأَ من أَهملها وليس كذلك فقد روى إِهمالها، وفى الصحاح أَنها مهملة، وهو معرب فبذا قيل إِنه معجم بعد التعريب ومهمل قبله، وأَصل سدُوم اسم ملك من بقايا اليونان سميت به المدينة وكان ظلوما، وكان بمدينة سرمين من أَرض قنسرين كذا قال الطبرى، وهذا المجىءُ قبل قول الملائِكة: {فأَسر بأَهلك} كما فى هود ليستقل الكلام ببيان كيفية نصر الصابرين، وآخره هنا ليصل ذكر أُمه بأُخرى فى الكفر إِذ قال: " أية : وإِن كان أَصحاب الأَيْكةِ لظالمين" تفسير : [الحجر: 78] وقال: " أية : ولقد كذب أَصحاب"تفسير : [الحجر: 80] وقال: "أية : كما أَنزلنا على المقتسمين"تفسير : [الحجر: 90] وقال: " أية : إِنا كفيناك المستهزئين"تفسير : [الحجر: 95] {يَسْتَبْشِرُونَ} يفرح بعض إلى بعض بأَضياف لوط فى بيته، وهم ملائِكة على صور فتيان مرد حسان الوجوه طمعا فى فعل الفاحشة بهم، ولا يعرف لوط ولا هم أنهم ملائِكة.
الالوسي
تفسير : {وَجَآء أَهْلُ ٱلْمَدِينَةِ} شروع في حكاية ما صدر من القوم عند وقوفهم على مكان الأضياف من الفعل وما ترتب عليه مما أشير إليه أولاً على سبيل الإجمال، وهذا مقدم وقوعاً على العلم بهلاكهم كما سمعت والواو لا تدل على الترتيب، وقال ابن عطية: يحتمل أن يكون هذا بعد العلم بذلك وما صدر منه عليه السلام من المحاورة معهم كان على جهة التكتم عنهم والإملاء لهم والتربص بهم، ولا يخفى أن كون المساءة وضيق الذرع من باب التكتم والإملاء أيضاً مما يأبى عنه الطبع السليم، والمراد بالمدينة سذوم وبأهلها أولئك القوم المجرمون، ولعل التعبير عنهم بذلك للإشارة إلى كثرتهم مع ما فيه من الإشارة إلى مزيد فظاعة فعلهم، فإن اللائق بأهل المدينة أن يكرموا الغرباء الواردين على مدينتهم ويحسنوا المعاملة معهم فهم عدلوا عن هذا اللائق مع من حسبوهم غرباء واردين إلى قصد الفاحشة التي ما سبقهم بها أحد من العالمين وجاءوا منزل لوط عليه السلام {يَسْتَبْشِرُونَ} مستبشرين مسرورين إذ قيل لهم: إن عنده عليه السلام ضيوفاً مرداً في غاية الحسن والجمال فطمعوا قاتلهم الله تعالى فيهم.
ابن عاشور
تفسير : عطف جزء من قصة قوم لوط وهو الجزء الأهم فيها. ومجيء أهل المدينة إليه ومحاورته معهم كان قبل أن يعلم أنهم ملائكة ولو علم ذلك لما أشفق مما عزم عليه أهل المدينة لمّا علم بما عزموا عليه بعد مجادلتهم معه، كما جاء في قوله تعالى: {أية : قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك } تفسير : في سورة هود (81). والواو لا تفيد ترتيب معطوفها. ويجوز جعل الجملة في موضع الحال من ضمير لوط المستتر في فعل {أية : قال إنكم قوم منكرون} تفسير : [سورة الحجر: 62]، أو من الهاء في {إليه}، ولا إشكال حينئذٍ. والمدينة هي سدوم. و{يستبشرون} يفرحون ويسرون. وهو مطاوع بشره فاستبشر، قال تعالى: {أية : فاستبشروا ببيعكم} تفسير : في سورة براءة (111). وصيغ بصيغة المضارع لإفادة التجدد مبالغة في الفرح. ذلك أنهم علموا أن رجالاً غرباء حلوا ببيت لوط عليه السلام ففرحوا بذلك ليغتصبوهم كعادتهم السيئة. وقد تقدمت القصة في سورة هود. والفضح والفضيحة: شهرة حال شنيعة. وكانوا يتعيرون بإهانة الضيّف ويعد ذلك مذلة لمُضيفه. وقد ذكرهم بالوازع الديني وإن كانوا كفاراً استقصاء للدعوة التي جاء بها، وبالوازع العرفي فقال: {واتقوا الله ولا تخزون} كما في قول عبد بني الحسحاس:شعر : كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا تفسير : والخزي: الذلّ والإهانة. وتقدم في قوله تعالى: {أية : إلا خزي في الحياة الدنيا} تفسير : في أوائل سورة البقرة (85). وتقدم في مثل هذه القصة في سورة هود.
الشنقيطي
تفسير : سبب استبشار قوم لوط أنهم ظنوا أنهم ظنوا الملائكة شباباً من بني آدم فحدثتهم أنفسهم بأن يفعلوا بهم فاحشة اللواط كما يشير لذلك قوله تعالى: {أية : إِنَّ هَؤُلآءِ ضَيْفِي فَلاَ تَفْضَحُونِ} تفسير : [الحجر: 68] وقوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَآ أَعْيُنَهُمْ}تفسير : [القمر: 37] الآية وقوله: {أية : وَجَآءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ}تفسير : [هود: 78] إلى غير ذلك من الآيات.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: وجاء أهل المدينة يستبشرون: أي مدينة سدُوم، أي فرحين بإتيانهم الفاحشة. واتقوا الله ولا تخزون: أي لا تذلوني في انتهاك حرمة ضيفي. أولم ننهك عن العالمين: أي عن إجارتك لهم واستضافتك. لفي سكرتهم يعمهون: أي غوايتهم، وشدة غُلْمتهم التي أزالت عقولهم، يترددون. مشرقين: أي وقت شروق الشمس. من سجيل: أي طين طُبِخَ بالنار. لآيات للمتوسمين: أي الناظرين المعتبرين. لبسبيل مقيم: أي طريق قريش إلى الشام مقيم دائم ثابت. أصحاب الأيكة: أي قوم شعيب عليه السلام، والأيكة غيضة شجر بقرب مدين. وإنهما لبإمام مبين: أي قوم لوط، وأصحاب الأيكة لبطريق مبين واضح. معنى الآيات: ما زال السياق مع لوط عليه السلام وضيفه من الملائكة من جهة، وقوم لوط من جهة، قال تعالى: {وَجَآءَ أَهْلُ ٱلْمَدِينَةِ} أي مدينة سدُوم وأهلها سكانها من اللوطيين، وقوله {يَسْتَبْشِرُونَ} أي فرحين مسرورين لطمعهم في إتيان الفاحشة، فقال لهم لوط ما أخبر الله تعالى به: {قَالَ إِنَّ هَؤُلآءِ} يشير إلى الملائكة {ضَيْفِي فَلاَ تَفْضَحُونِ} أي فيه أي بطلبكم الفاحشة، {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} أي خافوه {وَلاَ تُخْزُونِ} أي تهينوني وتذلوني. فأجابوا بما أخبر تعالى به عنهم: {قَالُواْ أَوَ لَمْ نَنْهَكَ عَنِ ٱلْعَالَمِينَ} أي أتقول ما تقول ولم تذكر أنا نهيناك عن استضافة أحد من الناس أو تجيره، فأجابهم لوط عليه السلام بما أخبر تعالى به عنه: {قَالَ هَؤُلآءِ بَنَاتِي إِن كُنْتُمْ فَاعِلِينَ} أي هؤلاء بناتي فتزوجوهن إن كنتم فاعلين ما آمركم به أو أرشدكم إليه. وقوله تعالى: {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ} أي وحياتك يا رسولنا، إنهم أي قوم لوط {لَفِي سَكْرَتِهِمْ} غوايتهم التي أذهبت عقولهم فهبطوا إلى درك أسفل من درك الحيوان، {يَعْمَهُونَ} أي حيارى يترددون، {فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ} أي صيحة جبريل عليه السلام مشرقين مع إشراق الشمس. وقوله تعالى {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ} فوق ذلك {حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ} أي من طين مطبوخ بالنار.. وقوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ} أي إن في ذلك المذكور من تدمير مدن كاملة بما فيها لآيات وعبر وعظات للمتوسمين أي الناظرين نظر تفكر وتأمل لمعرفة الأشياء بسماتها وعلاماتها. وقوله تعالى: {وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ} أي وإن تلك القرى الهالكة لبطريق ثابت باق يمر به أهل مكة في أسفارهم إلى الشام. وقوله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ} أي لعبرة للمؤمنين فلا يقدمون على محارم الله، ولا يرتكبون معاصيه. وقوله تعالى: {وَإِن كَانَ أَصْحَابُ ٱلأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ}. هذه إشارة خاطفة إلى قصة شعيب عليه السلام مع قومه أصحاب الأيكة، والأيكة الفيضة من الشجر الملتف.. وكانت منازلهم بها وكانوا مشركين وهو الظلم في قوله {وَإِن كَانَ أَصْحَابُ ٱلأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ} لأنفسهم بعبادة غير الله تعالى، وقوله تعالى: {فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ} أي أهلكناهم بحر شديد يوم الظله وسيأتي الحديث عنهم في سورة الشعراء قال تعالى هناك فأخذهم عذاب يوم الظله إنه كان عذاب يوم عظيم. وقوله: {وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ} الإمام الطريق لأن الناس يمشون فيه وهو أمامهم، ومبين واضح. والضمير في قوله وإنهما عائد على قوم لوط، وقوم شعيب وهم أصحاب الأيكة لا أصحاب مدين لأنه أرسل إلى أصحاب الأيكة وإلى أهل مدين، والطريق طريق قريش إلى الشام، والقصد من ذكر هذا وعظ قريش وتذكرهم، فهل يتعظون ويتذكرون؟ هداية الآيات من هداية الآيات: 1- بيان إهلاك قوم لوط. 2- إنكار الفاحشة وأنها أقبح فاحشة تعرفها الإِنسانية هي إتيان الذكور. 3- بيان دفاع لوط عليه السلام عن ضيفه حتى فداهم ببناته. 4- شرف النبي صلى الله عليه وسلم حيث أقسم الله تعالى بحياته في قوله {لَعَمْرُكَ}. 5- الحث على نظر التفكير والإِعتبار والتفرس فإنه أنفع للعقل البشري. 6- بيان نقمة الله تعالى من الظالمين للاعتبار والإِتعاظ. 7- تقرير نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم إذ مثل هذه الأخبار لن تكون إلا عن وحي إلهي.
د. أسعد حومد
تفسير : (67) - ثُمَّ شَرَعَ اللهُ تَعَالَى يَقصُّ مَا صَدَرَ مِنْ قَوْمِ لُوطٍ، حِينَما عَلِمُوا بِقُدُومِ أَضْيَافٍ صِبَاحِ الوُجُوهِ إِلىَ دَارِ لُوطٍ، وَمَا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مِنْ دَمَارِهِمْ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ تَعَالَى سَابِقاً. فَقَالَ تَعَالَى: إِنَّ أَهْلَ القَرْيَةِ جَاؤُوا إِلَى دَارِ لُوطٍ مُسْرِعِينَ مُسْتَبْشِرينَ بِأَنَّهُمْ سَيَنَالُونَ بُغْيَتَهُمْ، بِفِعْلِ الفَاحِشَةِ، مِنْ هَؤُلاَءِ الضُّيُوفِ. (وَقِيلَ إِنَّ امْرَأَةَ لُوطٍ هِيَ التِي أَخْبَرَتْ قَوْمَهَا بِوُصُولِ الأَضْيَافِ إِلَى دَارِ زَوْجِها).
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وعندما عَلِم أهل المدينة من قوم لُوطٍ بوصول وَفْد من الشبان الحِسَان المُرْد عند لوط جاءوا مُستبشرين فَرِحين. وكان حُسْنهم مضربَ الأمثال؛ وكأن كُلاً منهم ينطبق عليه قَوْله الحق عن يوسف عليه السلام: {أية : مَا هَـٰذَا بَشَراً إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ} تفسير : [يوسف: 31]. وقوله سبحانه: {وَجَآءَ أَهْلُ ٱلْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ} [الحجر: 67]. يجمع لقطاتٍ مُركّبة عن الأمر الفاحش الشائع فيما بينهم، وكانوا يستبشرون بفعله ويَفْرحون به؛ فهم مَنْ ينطبق عليهم قوله الحق: {أية : كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} تفسير : [المائدة: 79]. وكان لوط يعلم هذا الأمر فيهم، ويعلم ما سوف يَحِيق بهم؛ وأراد أنْ يجعلَ بينهم وبين فِعْل الفاحشة مع الملائكة سَدّاً؛ فهم في ضيافته وفي جواره، والتقاليد تقتضي أنْ يأخذَ الضيف كرامة المُضيف، وأيّ إهانة تلحق بالضيف هي إهانة للمُضيف، فيقول الحق سبحانه ما جاء على لسان لوط: {قَالَ إِنَّ هَؤُلآءِ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):