Verse. 1875 (AR)

١٥ - ٱلْحِجْر

15 - Al-Hijr (AR)

فَاَخَذَتْہُمُ الصَّيْحَۃُ مُشْرِقِيْنَ۝۷۳ۙ
Faakhathathumu alssayhatu mushriqeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فأخذتهم الصيحة» صيحة جبريل «مشرقين» وقت شروق الشمس.

73

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ } نصب على الحال، أي وقت شروق الشمس. يقال: أشرقت الشمس أي أضاءت، وشرَقت إذا طلعت. وقيل: هما لغتان بمعنًى. وأشرق القوم أي دخلوا في وقت شروق الشمس. مثل أصبحوا وأمسوْا، وهو المراد في الآية. وقيل: أراد شروق الفجر. وقيل: أوّل العذاب كان عند الصبح وامتدّ إلى شروق الشمس، فكان تمام الهلاك عند ذلك. والله أعلم. و«الصيحة» العذاب. وتقدّم ذكر «سِجِّيل».

البيضاوي

تفسير : {فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ } يعني صيحة هائلة مهلكة. وقيل صيحة جبريل عليه السلام. {مُشْرِقِينَ } داخلين في وقت شروق الشمس.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: {فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ} وهي ما جاءهم به من الصوت القاصف عند شروق الشمس، وهو طلوعها، وذلك مع رفع بلادهم إلى عنان السماء، ثم قلبها وجعل عاليها سافلها، وإرسال حجارة السجيل عليهم. وقد تقدم الكلام على السجيل في هود بما فيه كفاية. وقوله: { إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَـٰتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ} أي: إن آثار هذه النقم الظاهرة على تلك البلاد لمن تأمل ذلك وتوسمه بعين بصره وبصيرته؛ كما قال مجاهد في قوله: {لِلْمُتَوَسِّمِينَ} قال: المتفرسين. وعن ابن عباس والضحاك: للناظرين. وقال قتادة: للمعتبرين. وقال مالك عن بعض أهل المدينة {لِلْمُتَوَسِّمِينَ}: للمتأملين. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا محمد بن كثير العبدي عن عمرو بن قيس، عن عطية عن أبي سعيد مرفوعاً قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : اتقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله» تفسير : ثم قرأ النبي صلى الله عليه وسلم { إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَـٰتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ} رواه الترمذي وابن جرير من حديث عمرو بن قيس الملائي عن عطية عن أبي سعيد، وقال الترمذي: لا نعرفه إلاّ من هذا الوجه. وقال ابن جرير أيضاً: حدثني أحمد بن محمد الطوسي، حدثنا الحسن بن محمد، حدثنا الفرات بن السائب، حدثنا ميمون بن مهران عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : اتقوا فراسة المؤمن، فإن المؤمن ينظر بنور الله» تفسير : وقال ابن جرير: حدثني أبو شرحبيل الحمصي، حدثنا سليمان بن سلمة، حدثنا المؤمل بن سعيد بن يوسف الرحبي، حدثنا أبو المعلى أسد بن وداعة الطائي، حدثنا وهب بن منبه عن طاوس بن كيسان عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : احذروا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله وبتوفيق الله»تفسير : . وقال أيضاً: حدثنا عبد الأعلى بن واصل، حدثنا سعيد بن محمد الجرمي، حدثنا عبد الواحد بن واصل، حدثنا أبو بشر المزلق عن ثابت عن أنس بن مالك قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن لله عباداً يعرفون الناس بالتوسم»تفسير : ، ورواه الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا سهل بن بحر، حدثنا سعيد بن محمد الجرمي، حدثنا أبو بشر، يقال له: ابن المزلق، قال: وكان ثقة، عن ثابت عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن لله عباداً يعرفون الناس بالتوسم» تفسير : وقوله: {وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ} أي: وإن قرية سدوم التي أصابها ما أصابها من القلب الصوري والمعنوي، والقذف بالحجارة، حتى صارت بحيرة منتنة خبيثة، بطريق مَهْيَع مسالكه مستمرة إلى اليوم؛ كقوله: {أية : وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ وَبِٱلَّيْلِ أَفَلاَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ}تفسير : [الصافات:137-139] وقال مجاهد والضحاك: {وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ} قال: مَعْلَم. وقال قتادة: بطريق واضح. وقال قتادة أيضاً: بصقع من الأرض واحد، وقال السدي: بكتاب مبين، يعني كقوله: {أية : وَكُلَّ شىْءٍ أَحْصَيْنَـٰهُ فِىۤ إِمَامٍ مُّبِينٍ} تفسير : [يس: 12] ولكن ليس المعنى على ما قال ههنا،والله أعلم. وقوله: {إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ} أي: إن الذي صنعنا بقوم لوط من الهلاك والدمار، وإنجائنا لوطاً وأهله، لدلالة واضحة جلية للمؤمنين بالله ورسله.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ } صيحة جبريل {مُشْرِقِينَ } وقت شروق الشمس.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى:{إنَّ في ذلك لآياتٍ للمتوسمين} فيه خمسة أوجه: أحدها: للمتفرسين، قاله مجاهد. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله" تفسير : ثم تلا هذه الآية... الثاني: للمعتبرين، قاله قتادة. الثالث: للمتفكرين، قاله ابن زيد. الرابع: للناظرين، قاله الضحاك. قال زهير بن أبي سلمى: شعر : وفيهن ملهى للصديق ومنظر أنيقٌ لعَيْنِ الناظر المتوسم تفسير : الخامس: للمبصرين، قاله أبو عبيدة. قال الحسن: هم الذين يتوسمون الأمور فيعلمون أن الذي أهلك قوم لوط قادر على أن يهلك الكفار، ومنه قول عبدالله بن رواحة للنبي صلى الله عليه وسلم: شعر : إني توسمت فيك الخير أعرِفُه والله يعلم أني ثابت البصر تفسير : قوله عز وجل:{وإنها لبسبيل مقيم}فيه تأويلان: أحدهما: لهلاك دائم، قاله ابن عباس. الثاني: لبطريق معلم، قاله مجاهد. يعني بقوله{وإنما}أهل مدائن قوم لوط وأصحاب الأيكة قوم شعيب.

النسفي

تفسير : {فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ } صيحة جبريل عليه السلام {مُشْرِقِينَ } داخلين في الشروق وهو بزوغ الشمس {فَجَعَلْنَا عَـٰلِيَهَا سَافِلَهَا } رفعها جبريل عليه السلام إلى السماء ثم قلبها والضمير لقرى قوم لوط {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مّن سِجِّيلٍ إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَـٰتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ } للمتفرسين المتأملين كأنهم يعرفون باطن الشيء بسمة ظاهرة{وَإِنَّهَا } وإن هذه القرى يعني آثارها {لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ } ثابت يسلكه الناس لم يندرس بعد. وهم يبصرون تلك الآثار وهو تنبيه لقريش كقوله {أية : وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ وَبِٱلَّيْلِ }تفسير : { [الصافات:137] إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ } لأنهم المنتفعون بذلك. {وَإِن كَانَ أَصْحَـٰبُ ٱلأَيْكَةِ} وإن الأمر والشأن كان أصحاب الأيكة أي الغيضة {لَظَـٰلِمِينَ } لكافرين وهم قوم شعيب عليه السلام {فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ } فأهلكناهم لما كذبوا شعيباً {وَإِنَّهُمَا } يعني قرى قوم لوط والأيكة {لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ } لبطريق واضح والإمام اسم ما يؤتم به فسمى به الطريق ومِطمر البناء لأنهما مما يؤتم به {وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَـٰبُ ٱلحِجْرِ ٱلْمُرْسَلِينَ } ــ هم ثمود، والحجر واديهم وهو بين المدينة والشام ــ المرسلين يعني بتكذيبهم صالحاً لأن كل رسول كان يدعو إلى الإيمان بالرسل جميعاً، فمن كذب واحداً منهم فكأنما كذبهم جميعاً، أو أراد صالحاً ومن معه من المؤمنين كما قيل «الخبيبون» في ابن الزبير وأصحابه {وَءَاتَيْنَـٰهُمْ ءَايَـٰتِنَا فَكَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ } أي أعرضوا عنها ولم يؤمنوا بها {وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتًا } أي ينقبون في الجبال بيوتاً أو يبنون من الحجارة {ءَامِنِينَ} لوثاقة البيوت واستحكامها من أن تنهدم ومن نقب اللصوص والأعداء، أو آمنين من عذاب الله يحسبون أن الجبال تحميهم منه {فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ } العذاب {مُّصْبِحِينَ } في اليوم الرابع وقت الصبح {فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } من بناء البيوت الوثيقة واقتناء الأموال النفيسة. {وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ } إلا خلقاً ملتبساً بالحق لا باطلاً وعبثا أو بسبب العدل والإنصاف يوم الجزاء على الأعمال {وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ } أي القيامة لتوقعها كل ساعة {لآتِيَةٌ } وإن الله ينتقم لك فيها من أعدائك ويجازيك وإياهم على حسناتك وسيئاتهم فإنه ما خلق السموات والأَرض وما بينهم، إلا لذلك {فَٱصْفَحِ ٱلصَّفْحَ ٱلْجَمِيلَ } فأعرض عنهم إعراضاً جميلاً بحلم وإغضاء.قيل: هو منسوخ بآية السيف، وإن أريد به المخالفة فلا يكون منسوخاً {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلْخَلَّـٰقُ } الذي خلقك وخلقهم {ٱلْعَلِيمُ } بحالك وحالهم فلا يخفي عليه ما يجري بينكم وهو يحكم بينكم {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَـٰكَ سَبْعًا } أي سبع آيات وهي الفاتحة أو سبع سور وهي الطوال، واختلف في السابعة فقيل الأنفال وبراءة لأنهما في حكم سورة بدليل عدم التسمية بينهما، وقيل سورة يونس أو أسباع القرآن {مِّنَ ٱلْمَثَانِي } هي من التثنية وهي التكرير لأن الفاتحة مما يتكرر في الصلاة، أو من الثناء لاشتمالهما على ما هو ثناء على الله، والواحدة مثناة أو مثنية صفة للآية. وأما السور أو الأسباع فلما وقع فيها من تكرير القصص والمواعظ والوعد والوعيد ولما فيها من الثناء كأنها تثني على الله، وإذا جعلت السبع مثاني فمن للتبيين، وإذا جعلت القرآن مثاني فـ «من» للتبعيض {وَٱلقُرْءَانَ ٱلْعظِيمَ} هذا ليس بعطف الشيء على نفسه لأنه إذا أريد بالسبع الفاتحة أو الطوال فما وراءهن ينطلق عليه اسم القرآن لأنه اسم يقع على البعض كما يقع على الكل دليله قوله {أية : بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءانَ }تفسير : [يوسف: 3] يعني سورة يوسف، وإذا أريد به الأَسباع فالمعنى ولقد آتيناك ما يقال له السبع المثاني والقرآن العظيم أي الجامع لهذين النعتين وهو التثنية أو الثناء والعظم. ثم قال لرسوله

البقاعي

تفسير : ولما تم ذلك، سبب عن القضاء دابرهم قوله تعالى: {فأخذتهم} أي أخذ انتقام وغلبة {الصيحة} أي التي هي لعظمها وهولها هي الصيحة، وغيرها عدم بالنسبة إليها؛ والأخذ: فعل يصير به الشيء في جهة الفاعل، والصيحة: صوت يخرج من الفم بشدة؛ وقوله: {مشرقين *} أي داخلين في الإشراق، وهو ضياء الشمس عند بزوغها، وتبين به أن وقته يسمى صبحاً لغة، فإن الصبح والصبّاح والإصباح أول النهار، ولعله يطلق عليه إلى وقت الغداء أو الزوال، أو تكون الصيحة وقت الإشراق آخر أمرهم، وقلع المدائن من أماكنها وقت الصبح ابتداء أمرهم؛ ثم بين سبحانه ما تسبب عن الصيحة متعقباً لها فقال: {فجعلنا عاليها} أي مدائنهم {سافلها وأمطرنا}. ولما كان الزجر في هذه السورة أعظم من الزجر في سورة هود عليه السلام، لطلبهم أن يأتي بجميع الملائكة، أعاد الضمير على المعذبين لا على مدنهم - كما مضى في سورة هود عليه السلام - لأن هذا أصرح، فقال: {عليهم} أي أهل المدائن التي قلبت المدائن لأجلهم {حجارة من سجيل} ثم حقق أن ذلك كله شرح لقوله { وليذكر أولوا الألباب} بقوله: {إن في ذلك} أي الأمر العظيم جداً {لآيات} أي عدة من جهة غمرها بالماء بعد خسفها، ومن جهة كونه مخالفاً لمياه الأرض بالنتن والخباثة، وعدم عيش الحيوان فيه، وعدم النفع به، ومن جهة فظاعة منظرة - وغير ذلك من أمره {للمتوسمين *} جمع متوسم، وهو الناظر في السمة الدالة - وهي الأثر الدال في الوجه - والقرائن القاضية بالخير والشر، وكانوا يدعون أنهم أبصر الناس بمثل ذلك، فهو إلهاب لهم وتبكيت؛ ثم بين أن ذلك غير خفي عنهم ولا بعيد عمن أراد الاتعاظ به، فقال جعلاً لهم - لعدم اعتبارهم بها ومع رؤيتهم إياها في كل حين - في عداد المنكرين: {وإنها} أي هذه المدائن {لبسبيل مقيم *} أي ثابت، وهو مع ذلك مبين، فالاعتبار بها في غاية السهولة لقومك، وكانوا يمرون عليها في بعض أسفارهم إلى الشام. ولما أشار سبحانه إلى الاستدلال بالتوسم الدال - مما هي عليه من المخالفة لسائر مياه الأرض العذبة الورادة إليها على كثرتها ومع أن البلاد التي هي بها من أبهج البلاد في عذوبة المياه وطراوة الأرض وحسن الأشجار وغير ذلك - على أن لها نبأ هو في غاية الغرابة، وأتبع ذلك سهولة الوصول إليها حثاً على إتيانها بقصد نظرها والاعتبار بها والسؤال عن سبب كونها كذلك، قال تعالى مشيراً إلى زيادة الحث بالتأكيد: {إن في ذلك} أي الأمر العظيم من حالها {لآية} أي علامة عظيمة في الدلالة علينا {للمؤمنين *} أي الراسخين في الصدق والتصديق، فإذا أخبروا أن سبب كونها هكذا أن الله أمر بعض جنده فرفعها ثم قلبها ثم أتبعها الحجارة ثم خسف بها وغمرها بهذا الماء - الذي هو في القذارة وعدم الثمرة مناسب لأفعال أهلها - لأجل عصيانهم رسوله صلى الله علية وعلى آله وسلم، آمنوا حذراً من مثل هذا العذاب إيماناً بالغيب. ولما ذكر هذه القصة، ضم إليها ما هو على طريقها مما عذب قومه بنوع آخر من العذاب يشابه عذاب قوم لوط في كونه ناراً من السماء، فقال مؤكداً لأجل إنكار الكفار أن يكون عذابهم لأجل التكذيب، أو عدّاً لهم - لأجل تماديهم على الغواية مع العلم به - عداد المنكرين: {وإن} أي وإنه {كان} أي جبلة وطبعاً {أصحاب الأيكة} وهم قوم شعيب عليه السلام؛ والأيكة: الشجرة - عن الحسن، وجمعه الأيك كشجرة وشجر، وقيل: الأيكة: الشجر الملتف {لظالمين *} أي العريقين في الظلم {فانتقمنا منهم} أي بسبب ذلك؛ ثم أخبر عن البلدين لتقاربهما في العذاب والمكان وكونهما على طريق واحدة من طرق متاجر قريش فقال: {وإنهما} أي قرى قوم لوط ومحال أصحاب الأيكة {لبإمام} أي طريق يؤم ويتبع ويهتدي به {مبين *} واضح لمن أراده، بحيث إنه من شدة وضوحه موضح لعظمة الله وانتصاره لأنبيائه ممن يكذبهم، وهو مع وضوحه مقيم في مكانه لم تندرس أعلامه، ولم تنطمس آثاره، فالآية من الاحتباك: ذكر في الأولى {مقيم} دلالة على حذف مثله ثانياً، وفي الثانية {مبين} دلالة على حذف مثله أولاً.

القشيري

تفسير : باتوا في حبور وسرور، وأصبحوا في محنة وثبور، وخرَّت عليهم سقوفُهم، وجعلنا مُدَتَهم ومنازِلهم عاليَها سافِلَها، وأمطرنا عليهم من العقوبة ما لم يُبْقِ عيناً ولا أَثَراً، إنَّ في ذلك لَعِبْرة لمن اعتبر، ودلالةً ظاهرة لمن استبصر، {وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ} لِمَنْ شاءَ أن يَعْتَبِرْ. قوله جلّ ذكره: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ}. جاء في التفسير "المتفرسين"، والفراسةُ خاطرٌ يحصل من غير أن يعارضه ما يخالفه عند ظهورِ برهانٍ عليه، فيخرج من القلب عين ما يقع لصاحب الفراسة. مشتق من فريسة الأسد إذ لفريسته يقهر. والحق - سبحانه - يُطْلِعُ أولياءه على ما خفي على غيرهم. وصاحب الفراسة لا يكون بشرط التفرس في جميع الأشياء وفي جميع الأوقات؛ بل يجوز أن تُسَدَّ عليه عيونُ الفراسة في بعض الأوقات كالأنبياء عليهم السلام؛ فَنِبِيُّنا - صلى الله عليه وسلم - كان يقول لعائشة - رضي الله عنها - في زمان الإفك: "حديث : إنْ كُنْتِ فعلتِ فتوبى إلى الله" تفسير : وكإبراهيم ولوط - عليهما السلام - لم يعرفا الرسل.

اسماعيل حقي

تفسير : {فاخذتهم} اى قوم لوط {الصيحة} اى صيحة جبريل عليه السلام {مشرقين} اى حال كونهم داخلين فى وقت شروق الشمس وهو بالفارسية [برآمدن خرشيد] وكان ابتداء العذاب حين اصبحوا كما قال {أية : ان دابر هؤلاء مقطوع مصبحين} تفسير : وتمامه حين اشرقوا لان جبريل قلع الارضين بهم ورفعها الى السماء ثم هوى بها نحو الارض ثم صاح بهم صيحة عظيمة فالجمع بين مصبحين ومشرقين باعتبار الابتداء والانتهاء فمقطوع على حقيقته فان دلالة اسمى الفاعل والمفعول على الحال وحال القطع هو حال المباشرة لا حال انقضائه لانه مجاز حينئد وذلك ان تقول مقطوع بمعنى بقطع عن قريب

الجنابذي

تفسير : {فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ..} داخلين فى وقت شروق الشّمس.

اطفيش

تفسير : {فَأَخَذْتْهُمُ الصَّيْحَةُ} صيحة جبريل على التمام والكمال {مُشْرِقِينَ} حال أى داخلين فى الشروق وهو إِضاءة الشمس وكان ابتداؤها وقت الصبح كما قال مقطوع مصبحين أى مشروع فى قطعه وقت الإِصباح وهو الفجر تام وكامل وقت الشروق وهو وقت ظهور الشمس فى نحو جبل وقيل إِن هذه الصيحة صيحة هائلة مهلكة ليست صيحة جبريل وقيل صيحة طرحهم بعد رفعهم وعليه فالرفع فى الإِصباح والطرح فى الشروق.

اطفيش

تفسير : {فَأَخذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ} صيحة هائِلةٌ مهلكة، وذكر بعض أَنها من جبريل للزلازل والخسف ونحوها، عذبوا بثلاثة: بالصيحة، وبجعل عاليها سافلها، وبالرجم بالحجارة {مُشْرِقِينَ} داخلين فى وقت شروق الشمس ابتدأَهم العذاب حين أَصبحوا وتم حين الإِشراق فذلك قوله: مصبحين وقوله: مشرقين فلا تناقض، ولا يعترض بأَن الإِهلاك غير ممتد لجواز أَن يراد بامتداده توجعهم أَو موت جماعة بعد جماعة، أَو لما كثر إِهلاك الأُمم العاصية فى وقت الصباح قيل مصبحين، ولو وقع العذاب فى الشروق، أَو الصبح عام إلى الزوال فى الجملة.

الالوسي

تفسير : / يعني صيحة هائلة، والتعريف للجنس، وقيل: صيحة جبريل عليه السلام فالتعريف للعهد؛ وقال الإمام: ليس في الآية دلالة على هذا التعيين فإن ثبت بدليل قوي قيل به. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج أنه قال في الآية: الصيحة مثل الصاعقة فكل شيء أهلك به قوم فهو صاعقة وصيحة {مُشْرِقِينَ} داخلين في وقت شروق الشمس، قال المدقق: والجمع بين ـ مصبحين ومشرقين ـ باعتبار الابتداء والانتهاء بأن يكون ابتداء العذاب عند الصبح وانتهاؤه عند الشروق؛ وأخذ الصيحة قهرها إياهم وتمكنها منهم، ومنه الأخيذ الأسير، ولك أن تقول: {مَقْطُوعٌ} بمعنى يقطع عما قريب انتهى، وقيل: {مُشْرِقِينَ} حال مقدرة.

القطان

تفسير : الصيحة: العذاب. مشرقين: عند شروق الشمس. من سجيل: حجارة من طين. للمتوسمين: للعقلاء اصحاب الفراسة. لبسبيل مقيم: بطريق واضح. اصحاب الايكة: قوم شعيب. الايكة: الشجر الملتف الكثيف. لبإمام مبين: بطريق واضح. وللامام معان كثيرة. اصحاب الحجر: هم ثمود قوم صالح، والحجر مكان في شمال الحجاز معروف للآن. الصفح الجميل: العفو. ثم ذكر الله تعالى عاقبة أمر قوم لوط فقال: {فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ}. فنزل بهم العذابُ المنتظَر وقت شروق الشمس. {فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ}. جزاء ظُلمهم جعل الله عاليَ المدينة سافلَها، أي أنه قلَبها، وأمطر عليهم حجارةً من طين متحجِّر، مع صيحةٍ عالية تصعق كلَّ من سمعها. ثم بين ان في هذا القصص عبرةً لمن اعتبر. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ}. ان ما فعلناه بقومِ لوطٍ من الهلاك والتدمير لآياتٍ للّذين يعقِلون ويفكّرون ويعتبرون. ثم وجَّه انظار أهلِ مكة الى الاعتبار بها لو أرادوا ذلك فقال: {وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ}. ان هذه المدينة - مدينة سدوم - التي اصابها العذابُ والتدمير تقع على طريق ظاهرٍ ثابت هو طريقكُم وأنتم ذاهبون الى الشام، وآثارها باقية في البحر الميت كما قال تعالى: {أية : وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ وَبِٱلْلَّيْلِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} تفسير : [الصافات: 137-138]. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ} ان فيما فعلناه بقومِ لوط من الهلاك والدمار ونجاةِ لوطٍ وأهلِه لدلالةً للمؤمنين الصادقين. وبعد ان ذكر قصص قوم لوط اتبعه بقصص قوم شعيب فقال: {وَإِن كَانَ أَصْحَابُ ٱلأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ}. وإن قوم شعيبٍ، اصحابَ الغابة الكثيفة، كانوا ظالمين، فانتقمنا منهم وانزلنا عليهم العذابَ. وكذلك أهلُ مَدْيَنَ قد أخذتْهم الصيحة. {وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ} يعني إن كلاً من مدينة لوط والأيكة واقعة على طريق ظاهر لكم تمر عليها قوافل قريش في ذهابهم الى الشام، فمن حقهم ان يعتبروا بآثارهم وهي باقية الى الآن. ثم ذكر الله تعالى قصة صالح فقال: {وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ ٱلحِجْرِ ٱلْمُرْسَلِينَ}. لقد كذّبت ثمود نبيهم صالحاً، ومن كذّب رسولاً واحدا من رسُل الله فكأنما كذب جميع المرسلين. {وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ}. وأريناهم حُجَجَنا الدالةَ على نبوة صالح، منها الناقة وغيرها، فأعرضوا عنها، ولم يعتبروا بها. {وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً آمِنِينَ}. ولا تزال آثارهم وبعض ما نحتوه في الجبال باقياً الى الآن في شمال الحجاز، ويُعرف المكانُ بمدائن صالح. {فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ}. اهلكهم اللهُ بالصيْحة التي تصعق كل واحد منهم في وقت الصباح. {فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ}. ولم يدفع عنهم الهلاكَ الذي نزل بهم، ما كانوا يكسِبونه من أموال، ويتحصنون وراءه من حصون. {وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لآتِيَةٌ فَٱصْفَحِ ٱلصَّفْحَ ٱلْجَمِيلَ}. وما خلقنا هذا الكون وما فيه الا بالعدل والانصاف والحكمة، وان الساعة لآتية يوم القيامة لا ريبَ في ذلك، فأعرضْ عنهم أيها النبي واصفحْ الصفح الجميل وخالقْهم بخلق حسن. {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلْخَلاَّقُ ٱلْعَلِيمُ}. ان ربك هو الذي خلقهم وخلق كل شيء.

د. أسعد حومد

تفسير : (73) - فَنَزَلَ بِهِم العَذَابُ المُنْتَظَرُ، وَأَخْذَتْهُمْ الصَّاعِقَةُ، وَقتَ شُرُوقِ الشَّمْسِ، وَكَانَ ابْتِدَاؤُهَا مِنَ الصُّبْحِ، وَانْتِهَاؤُهَا حِينَ الشُّرُوقِ، لِذلِكَ قَالَ أَوَّلاً (مُصْبِحِينَ) وَقَالَ هُنَا (مُشْرِقِينَ).

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وسبق أنْ أخبرنا سبحانه أنه سيقطع دابرهم وهم مصبحون، وهنا يخبرنا أن الصيحة أخذتهم وهم مُشْرقون، ونحن نرى هذه الأيام بعضاً من الألعاب كلعبة "الكاراتيه" تصدر صيحة من اللاعب في مواجهة خَصْمه لِيُزيد من رُعبْه. كما نرى في تدريبات الصاعقة العسكرية؛ نوعاً من الصرخات، هدفها أنْ يُدخِل المقاتل الرُّعْب في قلب عدوه. وكل ما يتطلب إرهاب الخَصْم يبدأ بصيحة تُفقِده توازنه الفكري؛ ولذلك قال الحق سبحانه في موقع آخر: {أية : إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُواْ كَهَشِيمِ ٱلْمُحْتَظِرِ} تفسير : [القمر: 31]. ومرّة يُسمّيها الحق سبحانه بالطاغية؛ فيقول: {أية : فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُواْ بِٱلطَّاغِيَةِ} تفسير : [الحاقة: 5]. ويقول سبحانه من بعد ذلك: {فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا ...}.