Verse. 1880 (AR)

١٥ - ٱلْحِجْر

15 - Al-Hijr (AR)

وَاِنْ كَانَ اَصْحٰبُ الْاَيْكَۃِ لَظٰلِمِيْنَ۝۷۸ۙ
Wain kana ashabu alaykati lathalimeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وإن» مخففة أي إنه «كان أصحاب الأيكة» هي غيضة شجر بقرب مدين وهم قوم شعيب «لظالمين» بتكذيبهم شعيبا.

78

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن هذه هي القصة الثالثة من القصص المذكورة في هذه السورة. فأولها: قصة آدم وإبليس. وثانيها: قصة إبراهيم ولوط. وثالثها: هذه القصة، وأصحاب الأيكة هم قوم شعيب عليه السلام، كانوا أصحاب غياض فكذبوا شعيباً فأهلكهم الله تعالى بعذاب يوم الظلة، وقد ذكر الله تعالى قصتهم في سورة الشعراء، والأيكة الشجر الملتف. يقال: أيكة وأيك كشجرة وشجر. قال ابن عباس: الأيك هو شجر المقل، وقال الكلبي: الأيكة الغيضة، وقال الزجاج: هؤلاء أهل موضع كان ذا شجر. قال الواحدي: ومعنى إن واللام للتوكيد وإن ههنا هي المخففة من الثقيلة، وقوله: {فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ } قال المفسرون: اشتد الحر فيهم أياماً، ثم اضطرم عليهم المكان ناراً فهلكوا عن آخرهم وقوله: {وَإِنَّهُمَا } فيه قولان: القول الأول: المراد قرى قوم لوط عليه السلام والأيكة. والقول الثاني: الضمير للأيكة ومدين لأن شعيباً عليه السلام كان مبعوثاً إليهما فلما ذكر الأيكة دل بذكرها على مدين فجاء بضميرهما وقوله: {لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ } أي بطريق واضح والإمام اسم ما يؤتم به. قال الفراء والزجاج: إنما جعل الطريق إماماً لأنه يؤم ويتبع. قال ابن قتيبة: لأن المسافر يأتم به حتى يصير إلى الموضع الذي يريده وقوله: {مُّبِينٍ } يحتمل أنه مبين في نفسه ويحتمل أنه مبين لغيره، لأن الطريق يهدي إلى المقصد.

ابن كثير

تفسير : أصحاب الأيكة هم قوم شعيب، قال الضحاك وقتادة وغيرهما: الأيكة الشجر الملتف، وكان ظلمهم بشركهم بالله، وقطعهم الطريق، ونقصهم المكيال والميزان، فانتقم الله منهم بالصيحة والرجفة وعذاب يوم الظلة، وقد كانوا قريباً من قوم لوط؛ بعدهم في الزمان، ومسامتين لهم في المكان، ولهذا قال تعالى: {وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ} أي: طريق مبين، قال ابن عباس ومجاهد والضحاك وغيره: طريق ظاهر، ولهذا لما أنذر شعيب قومه، قال في نذارته إياهم: {أية : وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ} تفسير : [هود: 89].

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَإِن } مخففة أي إنه {كَانَ أَصْحَٰبُ ٱلأَيْكَةِ } هي غيضة شجر بقرب (مدين) وهم قوم (شعيب) {لَظَٰلِمِينَ } بتكذيبهم شعيباً.

الشوكاني

تفسير : قوله: {وَإِن كَانَ أَصْحَـٰبُ ٱلأَيْكَةِ } "إن" هي المخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن المحذوف، أي: وإن الشأن كان أصحاب الأيكة. والأيكة: الغيضة، وهي جماع الشجر. والجمع: الأيك. ويروى أن شجرهم كان دوماً، وهو المقل، فالمعنى: وإن كان أصحاب الشجر المجتمع. وقيل: الأيكة: اسم القرية التي كانوا فيها. قال أبو عبيدة: الأيكة، وليكة: مدينتهم كمكة وبكة، وأصحاب الأيكة: هم قوم شعيب، وقد تقدّم خبرهم، واقتصر الله سبحانه هنا على وصفهم بالظلم، وقد فصل ذلك الظلم فيما سبق، والضمير في {وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ } يرجع إلى مدينة قوم لوط، ومكان أصحاب الأيكة، أي: وإن المكانين لبطريق واضح. والإمام: اسم لما يؤتمّ به، ومن جملة ذلك الطريق التي تسلك. قال الفراء والزجاج: سمي الطريق إماماً، لأنه يؤتمّ ويتبع. وقال ابن قتيبة: لأن المسافر يأتمّ به حتى يصل إلى الموضع الذي يريده. وقيل: الضمير للأيكة ومدين، لأن شعيباً كان ينسب إليهما. ثم إن الله سبحانه ختم القصص بقصة ثمود فقال: {وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَـٰبُ ٱلحِجْرِ ٱلْمُرْسَلِينَ } الحجر: اسم لديار ثمود، قاله الأزهري. وهي ما بين مكة وتبوك. وقال ابن جرير: هي أرض بين الحجاز والشام. وقال: {المرسلين}، ولم يرسل إليهم إلاّ صالح؛ لأن من كذب واحداً من الرسل فقد كذب الباقين لكونهم متفقين في الدعوة إلى الله. وقيل: كذبوا صالحاً ومن تقدّمه من الأنبياء. وقيل: كذبوا صالحاً، ومن معه من المؤمنين {وَءاتَيْنَـٰهُمْ ءايَـٰتِنَا } أي الآيات المنزلة على نبيهم، ومن جملتها: الناقة. فإن فيها آيات جمة، كخروجها من الصخرة، ودنوّ نتاجها عند خروجها وعظمها وكثرة لبنها {فَكَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ } أي: غير معتبرين، ولهذا عقروا الناقة وخالفوا ما أمرهم به نبيهم. {وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتًا } النحت في كلام العرب: البري والنجر، نحته ينحته بالكسر نحتاً أي: براه، وفي التنزيل: {أية : أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ } تفسير : [الصافات: 95] أي: تنجرون. وكانوا يتخذون لأنفسهم من الجبال بيوتاً، أي: يخرقونها في الجبال. وانتصاب {ءامِنِينَ } على الحال. قال الفراء: آمنين من أن ينقع عليهم، وقيل: آمنين من الموت. وقيل: من العذاب ركوناً منهم على قوّتها ووثاقتها. {فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ } أي: داخلين في وقت الصبح. وقد تقدم ذكر الصيحة في الأعراف، وفي هود، وتقدم أيضاً قريباً. {فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } أي: لم يدفع عنهم شيئاً من عذاب الله ما كانوا يكسبون من الأموال والحصون في الجبال. {وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِٱلْحَقّ } أي: متلبسة بالحق، وهو ما فيهما من الفوائد والمصالح، وقيل: المراد بالحق مجازاة المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته كما في قوله سبحانه: {أية : وَللَّهِ مَا فِى * ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلاْرْضِ * لِيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ أَسَاءواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيِجْزِى ٱلَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِٱلْحُسْنَى } تفسير : [النجم: 31]. وقيل: المراد بالحق: الزوال؛ لأنها مخلوقة وكل مخلوق زائل {وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لآتِيَةٌ } وعند إتيانها ينتقم الله ممن يستحق العذاب، ويحسن إلى من يستحق الإحسان، وفيه وعيد للعصاة وتهديد، ثم أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يصفح عن قومه، فقال: {فَٱصْفَحِ ٱلصَّفْحَ ٱلْجَمِيلَ } أي: تجاوز عنهم واعف عفواً حسناً. وقيل: فأعرض عنهم إعراضاً جميلاً ولا تعجل عليهم، وعاملهم معاملة الصفوح الحليم. قيل: وهذا منسوخ بآية السيف {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلْخَلَّـٰقُ ٱلْعَلِيمُ } أي: الخالق للخلق جميعاً، العليم بأحوالهم وبالصالح والطالح منهم. وقد أخرج ابن مردويه، وابن عساكر عن ابن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن مدين وأصحاب الأيكة أمتان بعث الله إليهما شعيباً»تفسير : . وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس قال: أصحاب الأيكة: هم قوم شعيب، والأيكة. ذات آجام وشجر كانوا فيها. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: الأيكة: الغيضة. وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال: أصحاب الأيكة: أهل مدين، والأيكة: الملتفة من الشجر. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً قال: الأيكة: مجمع الشيء. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً قال في قوله: {وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ } طريق ظاهر. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في أصحاب الحجر قال: أصحاب الوادي. وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال: كان أصحاب الحجر ثمود وقوم صالح. وأخرج البخاري، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحاب الحجر: «حديث : لا تدخلوا على هؤلاء القوم إلاّ أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم مثل ما أصابهم»تفسير : . وأخرج ابن مردويه عنه قال: «نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم عام غزوة تبوك بالحجر عند بيوت ثمود، فاستقى الناس من مياه الآبار التي كانت تشرب منها ثمود، وعجنوا منها، ونصبوا القدور باللحم، فأمرهم بإهراق القدور، وعلفوا العجين الإبل، ثم ارتحل بهم على البئر التي كانت تشرب منها الناقة، ونهاهم أن يدخلوا على القوم الذين عذبوا، فقال: "إني أخشى أن يصيبكم مثل الذي أصابهم، فلا تدخلوا عليهم". وأخرج ابن مردويه، عن سبرة بن معبد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال بالحجر لأصحابه: «حديث : من عمل من هذا الماء شيئاً فليلقه»تفسير : . قال: ومنهم من عجن العجين، ومنهم من حاس الحيس. وأخرج ابن مردويه، وابن النجار عن عليّ في قوله: {فَٱصْفَحِ ٱلصَّفْحَ ٱلْجَمِيلَ } قال: الرضا بغير عتاب. وأخرج البيهقي في الشعب عن ابن عباس مثله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد قال: هذه الآية قبل القتال. وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة مثله.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل:{وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين}يعني في تكذيب رسول الله إليهم وهو شعيب، لأنه بعثَ إلى أمتين، أصحاب الأيكة وأهل مدين. فأما أهل مدين فأهلكوا بالصيحة، وأما أصحاب الأيكة فأهلكوا بالظلة التي احترقوا بنارها، قاله قتادة. وفي{الأيكة}ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها الغيضة، قاله مجاهد. الثاني: أنه االشجر الملتف، وكان أكثر شجرهم الدوم وهو المقل، وهذا قول ابن جرير، ومنه قول النابغة الذبياني: شعر : تجلو بِقادِمَتَي حمامةِ أيكة بَرَداص أُسفَّ لثاثُهُ الإثمدِ تفسير : الثالث: أن الأيكة اسم البلد، وليكة اسم المدينة بمنزلة بكة من مكة، حكاه ابن شجرة. قوله عز وجل:{فانتقمنا منهم وإنهما لبإمامٍ مبينٍ}فيه تأويلان: أحدهما: لبطريق واضح، قاله قتادة. وقيل للطريق إمام لأن المسافر يأتم به حتى يصل إلى مقصده. الثاني: لفي كتاب مستبين، قاله السدي. وإنما سمي الكتاب إماماً لتقدمه على سائر الكتب، وقال مؤرج: هو الكتاب بلغة حِمْيَر. ويعني بقوله{وإنهما}أصحاب الأيكة وقوم لوط.

ابن عطية

تفسير : {الأيكة} الغيضة والشجر الملتف المخضر يكون السدر وغيره، قال قتادة، وروي أن أيكة هؤلاء كانت من شجر الدوم، وقيل من المقل، وقيل من السدر، وكان هؤلاء قوماً يسكنون غيضة ويرتفقون بها في معايشهم فبعث الله إليهم شعيباً فكفروا فسلط الله عليهم الحر فدام عليهم سبعة أيام ثم رأوا سحابة فخرجوا فاستظلوا تحتها فاضطرمت عليهم ناراً، وحكى الطبري قال: بعث شعيب إلى أمتين كفرتا فعذبتا بعذابين مختلفين: أهل مدين عذبوا بالصيحة، و {أصحاب الأيكة}، ولم يختلف القراء في هذا الموضع في إدخال الألف واللام على "أيكة"، وأكثرهم همز ألف أيكة بعد اللام، وروي عن بعضهم أنه سهلها ونقل حركتها إلى اللام فقرأ "أصحاب الايكة" دون همز، واختلفوا في سورة الشعراء وفي صورة ص، و {إن} هي المخففة من الثقيلة على مذهب البصريين، وقال الفراء {إن} بمعنى ما، واللام في قوله {لظالمين} بمعنى إلا. قال أبو علي: الأيك جمع أيكة كترة وتمر. قال القاضي أبو محمد: ومن الشاهد على اللفظة قول أمية بن أبي الصلت: شعر : كبكاء الحمام على غصون الأيـ ـك في الطير الجوانح تفسير : ومنه قول جرير: [الوافر] شعر : وقفت بها فهاج الشوق مني حمام الأيك يسعدها حمام تفسير : ومنه قول الآخر: شعر : ألا إنما الدنيا غضارة أيكة إذا اخضرَّ منها جانب جف جانب تفسير : ومنه قول الهذلي: شعر : موشحة بالطرتين دنا لها جنا أيكةٍ تضفو عليها قصارها تفسير : وأنشد الأصمعي: [البسيط] شعر : وما خليج من المروت ذو حدب يرمي الصعيد بخشب الأيك والضال تفسير : والضمير في قوله {وإنهما} يحتمل أن يعود على المدينتين اللتين تقدم ذكرهما: مدينة قوم لوط، ومدينة أصحاب الأيكة، ويحتمل أن يعود للنبيين: على لوط وشعيب، أي أنهما على طريق من الله وشرع مبين. و"الإمام" في كلام العرب الشيء الذي يهتدي به ويؤتم، يقولونه لخيط البناء، وقد يكون الطريق، وقد يكون الكتاب المفيد، وقد يكون القياس الذي يعمل عليه الصناع، وقد يكون الرجل المقتدى به، ونحو هذا، ومن رأى عود الضمير في {إنهما} على المدينتين قال "الإمام" الطريق، وقيل على ذلك "الإمام" الكتاب الذي سبق فيه إهلاكهما، و {أصحاب الحجر} هم ثمود، وقد تقدم قصصهم، و {الحجر} مدينتهم، وهي ما بين المدينة وتبوك، وقال {المرسلين} من حيث يجب بتكذيب رسول واحد تكذيب الجميع، إذ القول في المعتقدات واحد للرسل أجمع، فهذه العبارة أشنع على المكذبين، و"الآية" التي آتاهم الله في الناقة وما اشتملت عليه من خرق العادة حسبما تقدم تفسيره وبسطه، وقرأ أبو حيوة "وآتيناهم آيتنا" مفردة، وقوله تعالى: {وكانوا ينحتون} الآية، يصف قوم صالح بشدة النظر للدنيا والتكسب منها فذكر من ذلك مثالاً أن بيوتهم كانوا ينحتونها من حجر الجبال، و"النحت" النقر بالمعاول ونحوها في الحجارة والعود ونحوه، وقرأ جمهور الناس "ينحِتون" بكسر الحاء، وقرأ الحسن "ينحَتون" بفتحها، وذلك لأجل حرف الحلق، وهي قراءة أبي حيوة، وقوله {آمنين} قيل معناه من انهدامها، وقيل من حوادث الدنيا، وقيل من الموت لاغترارهم بطول الأعمال. قال القاضي أبو محمد: وهذا كله ضعيف، وأصح ما يظهر في ذلك أنهم كانوا يأمنون عواقب الآخرة. فكانوا لا يعملون بحسبها، بل كانوا يعملون بحسب الأمن منها، ومعنى {مصبحين} أي عند دخولهم في الصباح، وذكر أن ذلك كان يوم سبت، وقد تقدم قصص عذابهم وميعادهم وتغير ألوانهم،ولم تغن عنهم شدة نظرهم للدنيا وتكسبهم شيئاً، ولا دفع عذاب الله، و {ما} الأولى تحتمل النفي وتحتمل التقرير، والثانية مصدرية، وقوله تعالى: {وما خلقنا السماوات والأرض} الآية، المراد أن هؤلاء المكتسبين للدنيا الذين لم يغن عنهم اكتسابهم ليسوا في شيء، فإن السماوات والأرض وجميع الأشياء لم تخلق عبثاً ولا سدى، ولا لتكون طاعة الله كما فعل هؤلاء ونظراؤهم، وإنما خلقت بالحق ولواجب مراد وأغراض لها نهايات من عذاب أو تنعيم {وإن الساعة لآتية} على جميع أمور الدنيا، أي فلا تهتم يا محمد بأعمال قومك فإن الجزاء لهم بالمرصاد، {فاصفح} عن أعمالهم، أي ولِّها صفحة عنقك بالإعراض عنها، وأكد الصفح بنعت الجمال إذ المراد منه أن يكون لا عتب فيه ولا تعرض. وهذه الآية تقتضي مداهنة، ونسخها في آية السيف قاله قتادة، ثم تلاه في آخر الآية بأن الله تعالى يخلق من شاء لما شاء ويعلم تعالى وجه الحكمة في ذلك لا هذه الأوثان التي يعبدونها، وقرأ جمهور الناس "الخلاق"، وقرأ الأعمش والجحدري "الخالق".

ابن عبد السلام

تفسير : {لَظَالِمِينَ} بتكذيبهم شعيباً، أرسل إلى مدين فأهلكوا بالصيحة وإلى أصحاب الأيكة فاحترقوا بنار الظلة، الأيكة: الغيضة، أو الشجر الملتف كان أكثر شجرهم الدوم وهو المقل، أو الأيكة اسم البلد وليكة اسم المدينة كبكة من مكة.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {وَإِن كَانَ أَصْحَـٰبُ ٱلأَيْكَةِ لَظَـٰلِمِينَ * فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ }: {الأَيْكَةِ}: الغَيْضة والشجَرُ الملتفُّ المُخْضَرُّ، قال الشاعر: [الطويل] شعر : أَلاَ إِنَّمَا الدُّنْيَا غَضَارَةُ أَيْكَةٍ إِذا اخْضَرَّ مِنْهَا جَانِبٌ جَفَّ جَانِبُ تفسير : وكان هؤلاءِ قوماً يسكنون غَيْضَة، ويرتَفِقُون بها في معايِشِهم، فبعث إِليهم شعيبٌ، فكفروا به، فسَلَّط اللَّه عليهم الحَرَّ، فدام عليهم سبعةَ أيام، ثم رَأَوْا سحابة، فخرجُوا، فٱستظلُّوا بها، فأمطرتْ عليهم ناراً، وحكى الطبريُّ قال: بُعِثَ شعيبٌ إِلى أَمَّتَيْنِ، فكفرتا، فعُذِّبتا بعذابَيْنِ مختلفينِ: أهْلِ مَدْيَنَ عَذِّبوا بالصيحة، وأصْحَابِ الأيكة بالظُّلَّة. وقوله: {وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ}: الضميرُ في «وإنهما»: يحتملُ أنْ يعود على مدينةِ قومِ لوطٍ، ومدينة أصحابِ الأيْكَة، ويحتملُ أنْ يعود على لُوطٍ وشُعَيْبٍ عليهما السلام، أي: أنهما على طريقٍ من اللَّه وشَرْعٍ مبينٍ، و«الإِمامُ»، في كلام العرب: الشيء الذي يهتدى به، ويؤتَمُّ به؛ فقد يكون الطريقَ، وقد يكون الكتابَ، وقد يكونُ الرَّجُلَ المقتدَى به، ونَحْوَ هذا، ومَنْ رأى عودَ الضميرِ على المدينتين، قال: «الإِمام»: الطريقُ، وقيل على ذلك الكتاب الذي سبق فيه إِهلاكهما، و{أَصْحَـٰبُ ٱلحِجْرِ }: هم ثمود، وقد تقدَّم قصصهم، و«الحِجْر»: مدينتهم، وهي ما بين المدينةِ وتَبُوك، وقال: {ٱلْمُرْسَلِينَ }؛ من حيث يلزم من تكذيبِ رسولٍ واحدٍ تكذيبَ الجميع، إِذِ القولُ في المعتَقَدَاتِ واحدٌ. وقوله: {يَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ}: «النحت»: النَّقْر بالمعاوِلِ، و«آمنين»: قيل: معناه: من ٱنهدامها، وقيل: مِنْ حوادِثِ الدنيا، وقيل: من الموتِ؛ لاغترارهم بطول الأعمار، وأصحُّ ما يظهر في ذلك؛ أنهم كانوا يأمنون عواقِبَ الآخرة، فكانوا لا يعمَلُونَ بحسبها.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَإِن كَانَ أَصْحَابُ ٱلأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ} "إنْ" هي المخففة، واللام فارقة وهي للتأكيد، وقد تقدَّم حكم ذلك [البقرة:143]. و"الأيْكَة": الشَّجرة الملتفَّّة، واحدة الإيْكِ. قال: [الكامل] شعر : 3290ـ تَجْلُو بِقَادمتَي حَمامَةِ أيْكَةٍ بَرَداً أسِفَّ لِثاتهُ بالإثْمِدِ تفسير : ويقال: لَيْكَة، وسيأتي بيانه عند اختلاف القرَّاء فيه الشعراء: [176] إن شاء الله ـ تعالى ـ. وأصحاب الأيكة: قوم شعيب كانوا أصحاب غياضٍ، وشجرٍ متلفٍّ. قال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ: وكان عامة شجرهم الدوم، وهو المقل. {فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ} بالعذاب. روي أنَّ الله ـ تعالى ـ سلَّط عليهم الحر سبعة أيَّام، فبعث الله ـ سبحانه ـ سحابة فالتجئوا إليها يلتمسون الرَّوْحَ؛ فبعث الله عليهم منها ناراً، فأحرقتهم، فهو عذابُ يوم الظُّلة. قوله تعالى: {وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ} في ضمير التثنية أقوال: أرجحها: عوده على [قريتي] قوم لوطٍ، وأصحاب الأيكةِ، وهم: قوم شعيبٍ؛ لتقدُّمها ذكراً. وقيل: يعود على لوطٍ وشعيبٍ، [وشعيبٌ] لم يجر له ذكر، ولكن دلَّ عليه ذكر قومه. وقيل: يعود على الخبرين: خبر هلاك قوم لوطٍ، وخبر إهلاك قوم شعيبٍ. وقيل: يعود على أصحاب الأيكةِ، وأصحاب مدين؛ لأنه مرسلٌ إليهما، فذكر أحدهما يشعر بالأخرى. وقوله ـ جل ذكره ـ {لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ} أي: بطريق واضح، والإمام [اسم لما] يؤتمُّ به. قال الفراء، والزجاج: "إنَّما جعل الطَّريقُ إماماً؛ لأنه يؤمُّ، ويتبع". قال ابن قتيبة: لأنَّ المسافر يأتمُّ به حتى يصير إلى الموضع الذي يريده. وقوله: "مُبينٍ" يحتمل أنه مبين في نفسه، ويحتمل أنه مبين لغيره، لأن الطريق تهدي إلى المقصد.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن مردويه وابن عساكر، عن ابن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ان مدين وأصحاب الأيكة، أمتان بعث الله إليهما شعيباً ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن ابن عباس {وإن كان أصحاب الأيكة} قال: قوم شعيب و {الأيكة} ذات آجام وشجر كانوا فيها. وأخرج ابن جرير عن خصيف في قوله {أصحاب الأيكة} قال: الشجر. وكانوا يأكلون في الصيف الفاكهة الرطبة، وفي الشتاء اليابسة. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله {وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين} ذكر لنا أنهم كانوا أهل غيضة، وكان عامة شجرهم هذا الدوم، وكان رسولهم فيما بلغنا شعيب، أرسل إليهم وإلى أهل مدين، أرسل إلى أمتين من الناس وعذبتا بعذابين شتى. أما أهل مدين، فأخذتهم الصيحة. وأما {أصحاب الأيكة} فكانوا أهل شجرٍ متكاوش. ذكر لنا أنه سلط عليهم الحر سبعة أيام لا يظلهم منه ظل ولا يمنعهم منه شيء، فبعث الله عليهم سحابة فجعلوا يلتمسون الروح منها، فجعلها الله عليهم عذاباً، بعث عليهم ناراً فاضطرمت عليهم فأكلتهم. فذلك {أية : عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم} تفسير : [الشعراء: 189]. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله {أصحاب الأيكة} قال: الغيضة. وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير {أصحاب الأيكة} قال: أصحاب غيضة. وأخرج ابن جرير عن قتادة قال {الأيكة} الشجر الملتف. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس {أصحاب الأيكة} أهل مدين. و {الأيكة} الملتفة من الشجر. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس {الأيكة} مجمع الشجر. وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي قال: إن أهل مدين عذبوا بثلاثة أصناف من العذاب: أخذتهم الرجفة في دارهم حتى خرجوا منها، فملا خرجوا منها أصابهم فزع شديد، ففرقوا أن يدخلوا البيوت أن تسقط عليهم، فأرسل الله عليهم الظلة فدخل تحتها رجل فقال: ما رأيت كاليوم ظلاً أطيب ولا أبرد!... هلموا أيها الناس. فدخلوا جميعاً تحت الظلة، فصاح فيهم صيحة واحدة فماتوا جميعاً. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله {وإنهما لبإمام مبين} يقول: على الطريق. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله {لبإمام مبين} قال: طريق ظاهر. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله {وإنهما لبإمام مبين} قال: بطريق معلم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله {لبإمام مبين} قال: طريق واضح. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن الضحاك في قوله {لبإمام مبين} قال: بطريق مستبين. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله {أصحاب الحجر} قال: أصحاب الوادي. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال: كان {أصحاب الحجر} ثمود، قوم صالح. وأخرج البخاري وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عمر قال: حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحاب الحجر: "لا تدخلوا على هؤلاء القوم إلا أن تكونوا باكين؛ فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم مثل ما أصابهم". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر قال: "حديث : نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم عام غزوة تبوك بالحجر عند بيوت ثمود، فاستقى الناس من مياه الآبار التي كانت تشرب منها ثمود، وعجنوا منها ونصبوا القدور باللحم، فأمرهم بإهراق القدور. وعلفوا العجين الإِبل ثم ارتحل بهم حتى نزل بهم على البئر التي كانت تشرب منها الناقة، ونهاهم أن يدخلوا على القوم الذين عذبوا فقال: "إني أخشى أن يصيبكم مثل الذي أصابهم، فلا تدخلوا عليهم" ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر: أن الناس لما نزلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحجر أرض ثمود، استقوا من أبيارها وعجنوا به العجين. فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يهرقوا ما استقوا ويعلفوا الإِبل العجين، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت ترد الناقة. وأخرج ابن مردويه عن سبرة بن معبد،حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال بالحجر لأصحابه: "من عمل من هذا الماء شيئاً فليلقه. قال: ومنهم من عجن العجين، ومنهم من حاس الحيس". تفسير : وأخرج ابن مردويه وابن النجار، عن علي بن أبي طالب في قوله {فاصفح الصفح الجميل} قال: الرضا بغير عتاب. وأخرج البيهقي في الشعب عن ابن عباس في قوله {فاصفح الصفح الجميل} قال: هو الرضا بغير عتاب. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: {فاصفح الصفح الجميل} قال: هذا الصفح الجميل، كان قبل القتال. وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن عمر بن الخطاب قال: السبع المثاني، فاتحة الكتاب. وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن الضريس وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والدارقطني وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان من طرق، عن علي بن أبي طالب في قوله {ولقد آتيناك سبعاً من المثاني} قال: هي فاتحة الكتاب. وأخرج ابن الضريس وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه، عن ابن مسعود في قوله {ولقد آتيناك سبعاً من المثاني} قال: فاتحة الكتاب {والقرآن العظيم} قال: سائر القرآن. وأخرج ابن جرير وابن المنذر والطبراني وابن مردويه والحاكم وصححه، و البيهقي في سننه عن ابن عباس: أنه سئل عن السبع المثاني قال: فاتحة الكتاب، استثناها الله لأمة محمد، فرفعها في أم الكتاب فدخرها لهم حتى أخرجها ولم يعطها أحداً قبله. قيل: فأين الآية السابعة؟ قال: بسم الله الرحمن الرحيم. وأخرج ابن الضريس عن سعيد بن جبير مثله. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله {ولقد آتيناك سبعاً من المثاني} قال: دُخرَتْ لنبيكم صلى الله عليه وسلم، لم تُدَّخَرَ لنبي سواه. وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان، عن ابن عباس في قوله {ولقد آتيناك سبعاً من المثاني} قال: هي أم القرآن، تثنى في كل صلاة. وأخرج ابن الضريس وأبو الشيخ وابن مردويه، عن أبي هريرة قال: السبع المثاني، فاتحة الكتاب. وأخرج ابن جرير عن أبي بن كعب قال: السبع المثاني، الحمد لله رب العالمين. وأخرج ابن الضريس عن يحيى بن يعمر وأبي فاختة في قوله {ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم} قالا: هي فاتحة الكتاب. وأخرج ابن الضريس عن مجاهد في قوله {سبعاً من المثاني} قال: هي أم الكتاب. وأخرج ابن جرير عن الحسن مثله. وأخرج ابن الضريس وابن جرير، عن قتادة في قوله {ولقد آتيناك سبعاً من المثاني} قال: فاتحة الكتاب، تثنى في كل ركعة مكتوبة وتطوّع. وأخرج ابن الضريس عن أبي صالح في قوله {ولقد آتيناك سبعاً من المثاني} قال: هي فاتحة الكتاب، تثنى في كل ركعة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان من طريق الربيع، عن أبي العالية في قوله {ولقد آتيناك سبعاً من المثاني} قال: فاتحة الكتاب سبع آيات. وإنما سميت {المثاني} لأنه ثنى بها، كلما قرأ القرآن قرأها. قيل للربيع: إنهم يقولون السبع الطول. قال: لقد أنزلت هذه الآية. وما نزل من الطول شيء. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود في قوله {ولقد آتيناك سبعاً من المثاني} قال: السبع الطول. وأخرج الفريابي وأبو داود والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان، عن ابن عباس في قوله {ولقد آتيناك سبعاً من المثاني} قال: هي السبع الطول. ولم يُعْطَهُنَّ أحدٌ إلا النبي صلى الله عليه وسلم، وأعطي موسى منهن اثنتين. وأخرج البيهقي عن ابن عباس قال: أوتي رسول الله صلى الله عليه وسلم {سبعاً من المثاني} الطول. وأوتي موسى ستاً، فلما ألقى الألواح، ذهب اثنتان وبقي أربعة. وأخرج الدارمي وابن مردويه عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : فاتحة الكتاب هي السبع المثاني ". تفسير : وأخرج ابن الضريس عن ابن عباس في قوله {سبعاً من المثاني} قال: البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف ويونس. وأخرج سعيد بن منصور وابن الضريس وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان، عن سعيد بن جبير في قوله {سبعاً من المثاني} قال: السبع الطول: البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف ويونس. فقيل لابن جبير: ما قوله {المثاني} قال: ثنى فيها القضاء والقصص. وأخرج الحاكم والبيهقي عن ابن عباس في قوله {سبعاً من المثاني} قال: البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف والكهف. وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان {المثاني} المئين: البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف وبراءة والأنفال سورة واحدة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي من طريق سعيد جبير، عن ابن عباس في قوله {سبعاً من المثاني} قال: السبع الطول. قلت: لم سميت {المثاني}؟ قال: يتردد فيهن الخبر والأمثال والعبر. وأخرج ابن مردويه من طريق سعيد بن جبير قال: قال ابن عباس في قوله {سبعاً من المثاني} فاتحة الكتاب والسبع الطول منهن. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن زياد بن أبي مريم في قوله {سبعاً من المثاني} قال: أعطيتك سبعاً أخر أؤمر وأنه وبشر وأنذر واضرب الأمثال واعدد النعم واتل نبأ القرون. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر، عن أبي مالك قال: القرآن كله مثاني. وأخرج آدم بن أبي إياس وابن أبي شيبة وابن المنذر والبيهقي، عن مجاهد في قوله {سبعاً من المثاني} قال: هي السبع الطول الأول {والقرآن العظيم} سائره. وأخرج ابن جرير من طريق العوفي، عن ابن عباس قال: {المثاني} ما ثني من القرآن. ألم تسمع لقول الله {أية : الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني} تفسير : [الواقعة: 16]. وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال {المثاني} القرآن، يذكر الله القصة الواحدة مراراً.

ابو السعود

تفسير : {وَإِن كَانَ} إنْ مخففةٌ من إنّ، وضميرُ الشأن الذي هو اسمُها محذوفٌ واللام هي الفارقةُ أي وإن الشأن كان {أَصْحَـٰبُ ٱلأَيْكَةِ} وهم قومُ شعيب عليه الصلاة والسلام، والأيكةُ والليكة الشجرةُ الملتفةُ المتكاثِفة، وكان عامة شجرِهم المقل وكانوا يسكنونها فبعثه الله تعالى إليهم {لَظَـٰلِمِينَ} متجاوزين عن الحد. {فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ} بالعذاب. روي أن الله تعالى سلط عليهم الحرَّ سبعة أيام، ثم بعث سحابة فالتجأوا إليها يلتمسون الرَّوْحَ، فبعث الله تعالى عليهم منها ناراً فأحرقتهم، فهو عذابُ يوم الظلة {وَإِنَّهُمَا} يعني سدوم والأيكة، وقيل: والأيكة ومدينَ، فإنه عليه الصلاة والسلام كان مبعوثاً إليهما فذِكرُ أحدهما منبّهٌ على الآخر {لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ} لبطريق واضحٍ، والإمام اسمُ ما يؤتمُّ به سُمِّيَ به الطريقُ ومطمر البناء واللوحُ الذي يكتب فيه لأنها مما يؤتم به. {وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَـٰبُ ٱلحِجْرِ} يعني ثمود {ٱلْمُرْسَلِينَ} أي صالحاً، فإن مَنْ كذب واحداً من الأنبـياء عليهم السلام فقد كذب الجميعَ لاتفاقهم على التوحيد والأصولِ التي لا تختلف باختلاف الأممِ والأعصار، وقيل: المراد صالحٌ ومن معه من المؤمنين، كما قيل: الخُبـيبون لخبـيب بن عبدِ اللَّه بن الزبـير وأصحابه، وادٍ بـين المدينة والشام كانوا يسكنونه. {وَءاتَيْنَـٰهُمْ ءايَـٰتِنَا} وهي الآياتُ المنزلة على نبـيهم، أو المعجزاتُ من الناقة وسَقْيها وشِرْبها ودرّها، أو الأدلةُ المنصوبة لهم {فَكَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ} إعراضاً كليًّا، بل كانوا معارضين لها حيث فعلوا بالناقة ما فعلوا. {وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتًا ءامِنِينَ} من الانهدام ونقْب اللصوص وتخريبِ الأعداء لوثاقتها، أو من العذاب لحُسبانهم أن ذلك يحميهم منه. حديث : عن جابر رضي الله تعالى عنه أنه قال: مررنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحِجْر فقال: «لا تدخُلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين حذراً أن يصيبَكم مثلُ ما أصاب هؤلاء»، ثم زجر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم راحلته فأسرع حتى خلّفهاتفسير : . {فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ} وهكذا وقع في سورة هود، قيل: صاح بهم جبريلُ عليه الصلاة والسلام، وقيل: أتتهم من السماء صيحةٌ فيها صوتُ كلِّ صاعقةٍ وصوتُ كل شيء في الأرض فتقطعت قلوبهم في صدورهم، وفي سورة الأعراف {فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ} أي الزلزلةُ ولعلها من روادف الصيحة المستتبِعةِ لتموّج الهواء تموجاً شديداً يفضي إليها كما مر في سورة هود.

القشيري

تفسير : أصحاب الأيكة هم قوم شعيب، وكان شعيب - عليه السلام - مبعوثاً لهم فَكَذَّبوه، فانتقمنا منهم. قوله: {وَإِنَّهُمَا} يعني مدين والأيكة... {لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ}: أي بطريق واضح مَنْ قصده (...). وكذلك أخبر أن أصحاب الحجر - وهم ثمود - كذبوا المرسلين إليهم، وأنهم أعرضوا عن الآيات التي هي المعجزات كناقةِ صالح وغيرها، وأنهم كانوا أخلدوا إلى الأرضين وكانوا مُغْتَرِّين بطول إمهال الله إياهم من تأخير العقوبة عنهم، وكانوا يتخذون من الجبال بيوتاً، ويظنون أنهم على أنفسهم آمِنُون من الموت والعذاب. ثم أخبر أنهم أَخَذَتْهم الصيحةُ على بغتةِ، ولم تُغْنِ عنهم حيلتُهم لمَّا حَلَّ حَيْنُهم.

اسماعيل حقي

تفسير : {وان كان} ان مخففة من ان وضمير الشأن الذى هو اسمها محذوف واللام هى الفارقة بينها وبين النافية اى وان الشأن كان {اصحاب الايكة} وهم قوم شعيب عليه السلام. والايكة الشجر الملتف المتكاثف وكانت عامة شجرهم المقل. قال فى القاموس المقل المكى ثمر شجر الدوم وكانوا يسكنونها فبعثه الله اليهم كما بعثه الى اهل مدين فكذبوه. وقال بعضهم مدين وايكة واحد لان الايكة كانت عند مدين وهذا اصح كما فى تفسير ابى الليث. قال الجوهرى من قرأ اصحاب الايكة فهى الغيضة ومن قرأ ليكة فهى اسم القرية {لظالمين} متجاوزين عن الحد

ابن عجيبة

تفسير : قلت: "إن" مخففة، واللام فارقة. يقول الحق جل جلاله: {وإن كان أصحابُ الأيكة لظالمين}، وهم قوم شعيب، كانوا يسكنون غيضة. وهي الأيكة. والأيكة: الشجر الملتف، قيل: كانت من الدوح، وقيل: من السدر، فكانوا يسكنون فيها، ويرتفقون بها معايشهم، فبعث الله لهم شعيباً عليه السلام، فكفروا به، فسلط الله عليهم الحر سبعة أيام، ثم رأوا سحابة فخرجوا فاستظلوا تحتها، فاضطرمت عليهم ناراً؛ فاحترقوا. قال تعالى: {فانتقمنا منهم} بالهلاك بالحر، {وإنهما} يعني: سدوم مدينة قوم لوط، والأيكة قرية شعيب. وقيل: الأيكة ومدين؛ لأن شعيباً عليه السلام كان مبعوثاً إليهما، وكان ذكر أحدهما مغن عن الآخر، {لَبإمامٍ مبينٍ}: لبطريق واضح يسلك منه إلى الشام، فيعتبر كل من وقف بآثارهم. والإمام: ما يؤتم به، ويوصل إلى المقصود من طريق أو غيره. وقيل: {وإنهما} أي: لوط وشعيب، على طريق من الشرع واضح. والله تعالى أعلم. الإشارة: ما أهلكَ اللهُ قَوماً إلا كانوا عبرة لمن بعدهم، فالعاقل يبحث عن سبب هلاكهم، فيعمل جهده في التحرز منه، والغافل منهمك في غفلته، لا يلقى لذلك بالاً، حتى يأتيه ما يوعد. وبالله التوفيق. ثمَّ ذكر قصة صالح عليه السلام

الجنابذي

تفسير : {وَإِن كَانَ} انّه كان {أَصْحَابُ ٱلأَيْكَةِ} الايك الشّجر الملتفّ الكثير او الجماعة من كلّ شجر حتّى من النّخل الواحدة الايكة، او الاجمة الكثيرة الشّجر والمراد بهم قوم شعيب (ع) من اهل مدين اومن اهل القرية الّتى كانت غير مدين {لَظَالِمِينَ فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا} اى الايكة ومدين او قرئ قوم لوطٍ وقرئ اصحاب الايكة {لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ} طريق واضح يؤمّه المارّة، والامام ما يؤمّ من طريق وغيره.

الأعقم

تفسير : {وإن كان أصحاب الأيكة} قوم شعيب، أرسل شعيب (عليه السلام) إلى مدين وأصحاب الأيكة فعذبوا قوله تعالى: {وإنهما} يعني قوم لوط والأيكة، وقيل: الأيكة ومدين {لبإمام مبين} لها طريق واضح {ولقد كذب أصحاب الحجر} ثمود، والحجر واديهم، وهو بين المدينة والشام {المرسلين} يعني تكذيبهم صالحاً، لأن من كذب واحداً منهم فكأنما كذبهم جميعاً، وأراد صالحاً ومن معه من المؤمنين {وكانوا ينحتون من الجبال بيوتاً آمنين} وذلك لطول أملهم اتخذوا منازل في الجبال لئلا تنهدم آمنين من أن تقع عليهم، وقيل: آمنين من عذاب الله {فأخذتهم الصيحة مصبحين} أي عند الصبح {وإن الساعة لآتية} لا خلف فيها {فاصفح الصفح الجميل}، قيل: الآية منسوخة بآية القتال، قال القاضي: لا نسخ، والصفح ممدوح سائر الحالات فهو العلم والتواضع {ولقد آتيناك سبعاً من المثاني}، قيل: هي سبع آيات وهي الفاتحة، وقيل: سبع سور وهي الطوال والانفال وبراءة في حكم سورة واحدة، وقيل: أراد السبع الحواميم، وسميت المثاني جميع القرآن لقوله متشابهاً مثاني، قال في الغرائب: المثاني معاً في القرآن وهي سبعة: أمرٌ ونهي وتبشير وانذار وضرب أمثال وتعديد نعم وأنباء قرون {والقرآن العظيم} وروي أن من أوتي القرآن فرأى أن أحداً أوتي من الدنيا أفضل مما أوتي فقد صغّر عظيماً، وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : ليس منا من لم يتغنّ بالقرآن" تفسير : وقيل: جاءت سبع قوافل ليهود بني قريظة والنضير فيها أنواع البر والطيب وسائر الأمتعة فقال المسلمون: لو كانت هذه الأنزال لنا لتقوينا بها ولأنفقناها في سبيل الله فقال لهم عزَّ وعلا: لقد أعطيتم سبع آيات هي خير من هذه القوافل السبع، يعني سورة الحمد {لا تمدّنَّ عينيك إلى ما متّعنا به أزواجاً منهم} أراد لا تنظر إلى ما في أيديهم من النعم فما أنعم عليك وعلى من تبعك وهي النبوة والإِسلام والقرآن والفتوح وغير ذلك، أزواجاً أصنافاً، وقيل: الأزواج والأمثال والأشباه، وقيل: أمثالاً في النعم {واخفض جناحك للمؤمنين} هو توسع أي أَلِنْ جنابك للمؤمنين وتواضع لهم وارفق بهم {وقل إني أنا النذير المبين} المخوف بالعقاب.

اطفيش

تفسير : {وإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ} وإنه أى الشأْن، والأَيكة، الشجر الملتف، ولكن المراد هى وبقعتها، كأَنه قيل بقعة ملتف أَشجارها أَو جنة ملتفة الأشجار، ويعبر عن ذلك بالغيضة، سكنوا الغيضة وأَكثر شجرها الدوم، وقيل: الأَيكة، السدر، وقيل: قرية وأَصحابها بعض قوم شعيب، أَو أَصحاب الأَيْكةِ وأَصحاب مدين لأَن شعيبا مرسل إليهما، فذكر الأَيكة مشعر بمدين، وعن ابن عمر عنه صلى الله عليه وسلم: " حديث : مدين وأصحاب الأَيكة أَمتان بعث الله تعالى إليهما شعيبا عليه السلام" تفسير : {لظَالِمِينَ * فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ} سمى الطريق إماماً لأنه يؤمه السائر فيه حتى يصل.

الالوسي

تفسير : هم قوم شعيب عليه السلام؛ والأَيكة في الأصل الشجرة الملتفة واحدة الأَيك، قال الشاعر:شعر : تجلو بقادمتي حمامة أيكة بردا اسف لثاته بالإثمد تفسير : والمراد بها غيضة أي بقعة كثيفة الأشجار بناء على ما روي أن هؤلاء القوم كانوا يسكنون الغيضة وعامة شجرها الدوم ـ وقيل السدر ـ فبعث الله تعالى إليهم شعيباً فكذبوه فأهلكوا بما ستسمعه إن شاء الله تعالى، وقيل: بلدة كانوا يسكنونها، واطلاقها على ما ذكر إما بطريق النقل أو تسمية المحل باسم الحال فيه ثم غلب عليه حتى صار علماً، وأيد القول بالعلمية أنه قرىء في الشعراء [176] و ص [13] {ليكة} ممنوع الصرف، و {إن} عند البصريين هي المخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن محذوف واللام هي الفارقة، وعند الفراء هي النافية ولا اسم لها واللام بمعنى إلا، والمعول عليه الأول أي وإن الشأن كان أولئك القوم متجاوزين عن الحد.

ابن عاشور

تفسير : {وَإِن كَانَ أَصْحَـٰبُ ٱلأَيْكَةِ لَظَـٰلِمِينَ فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ}. عطف قصة على قصة لما في كلتيهما من الموعظة. وذكر هاتين القصّتين المعطوفتين تكميل وإدماج، إذ لا علاقة بينهما وبين ما قبلهما من قصة إبراهيم والملائكة. وخصّ بالذكر أصحاب الأيكة وأصحاب الحِجر لأنهم مثل قوم لوط في موعظة المشركين من الملائكة لأن أهل مكة يشاهدون ديار هذه الأمم الثّلاث. و{إنْ} مخفّفة (إنّ) وقد أهمل عملها بالتخفيف فدخلت على جملة فعلية. واللام الداخلة على (الظالمين) اللام الفارقة بين (إن) التي أصلها مشددة وبين (إن) النافية. و{الأيكة}: الغيضة من الأشجار الملتفّ بعضها ببعض. واسم الجمع (أيك)، وأطلقت هنا مراداً بها الجنس إذ قد كانت منازلهم في غيضة من الأشجار الكثيرة الورق. وقد تخفّف الأيكة فيقال: ليكة. و{أصحاب الأيكة}: هم قوم شعيب ــــ عليه السلام ــــ وهم مَدْيَن. وقيل أصحاب الأيكة فريق من قوم شُعيب غير أهل مدين. فأهل مدين هم سكان الحاضرة وأصحاب الأيكة هم باديتهم، وكان شُعيب رسولاً إليهم جميعاً. قال تعالى: {أية : كذب أصحاب ليكة المرسلين إذ قال لهم شعيب ألا تتقون} تفسير : [سورة الشعراء: 176 - 177]. وسيأتي الكلام على ذلك مستوفى في سورة الشّعراء. والظالمون: المشركون. والانتقام: العقوبة لأجل ذنب، مشتّقة من النّقم، وهو الإنكار على الفعل. يقال: نقم عليه كما في هذه الآية، ونقم منه أيضاً. وتقدم في قوله: {أية : وما تنقم منا} تفسير : في سورة الأعراف (126). وأجمل الانتقام في هذه الآية وبيّن في آيات أخرى مثل آية هود. {وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ} ضمير {إنهما} لقرية قوم لوط وأيكة قوم شعيب ــــ عليهما السلام ــــ.. والإمام: الطريق الواضح لأنه يأتمّ به السائر، أي يعرف أنه يوصل إذ لا يخفى عنه شيء منه. والمبين: البيّن، أي أن كلتا القريتين بطريق القوافل بأهل مكّة. وقد تقدم آنفاً قوله: {أية : وإنها لبسبيل مقيم} تفسير : [سورة الحجر: 76] فإدخال مدينة لوط عليه السلام في الضمير هنا تأكيد للأول. ويظهر أن ضمير التثنية عائد على أصحاب الأيكة باعتبار أنهم قبيلتان، وهما مدين وسكان الغيضة الأصليون الذين نزل مدين بجوارهم، فإن إبراهيم عليه السلام أسكن ابنه مَدين في شرق بلاد الخليل، ولا يكون إلا في أرض مأهولة. وهذا عندي هو مقتضى ذكر قوم شعيْب عليه السلام باسم مَدين مرّات وباسم أصحاب الأيكة مرّات. وسيأتي لذلك زيادة إيضاح في سورة الشّعراء.

الشنقيطي

تفسير : ذكر جل وعلا في هذه الآية أن أصحاب الأيكة كانوا ظالمين وأنه جل وعلا انتقم منهم بسبب ظلمهم، وأوضح هذه القصة في مواضع أخر كقوله في الشعراء {أية : كَذَّبَ أَصْحَابُ ٱلأَيْكَةِ ٱلْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلاَ تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ أَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُخْسِرِينَ وَزِنُواْ بِٱلْقِسْطَاسِ ٱلْمُسْتَقِيمِ وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ وَٱتَّقُواْ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ وَٱلْجِبِلَّةَ ٱلأَوَّلِينَ قَالُوۤاْ إِنَّمَآ أَنتَ مِنَ ٱلْمُسَحَّرِينَ وَمَآ أَنتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ ٱلْكَاذِبِينَ فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ قَالَ رَبِّيۤ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ ٱلظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ} تفسير : [الشعراء: 176-190] فبين في هذه الآية أن ظلمهم هو تكذيب رسولهم وتطفيفهم في الكيل وبخسهم الناس أشياءهم، وأن انتقامه منهم بعذاب يوم الظلة، وبين أنّه عذاب يوم عظيم، والظلة سحابة أظلتهم فأضرمها الله عليهم ناراً فأحرقتهم والعلم عند الله تعالى. قرأ نافع وابن عامر وابن كثير "ليكة". في "الشعراء" و"ص" بلام مفتوحة أول الكلمة وتاء مفتوحة آخرها من غير همز ولا تعريف على أنه اسم للقرية غير منصرف. وقرأ أبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي "الأيكة" بالتعريف والهمز وكسر التاء، وقرأ كذلك جميع القراء في "ق" و"الحجر". قال أبو عبيدة: ليكة والأيكة اسم مدينتهم كمكة وبكة، والأيكة في لغة العرب الغيضة وهي جماعة الشجر والجمع الأيك، وإنما سموا أصحاب الأيكة لأنهم كانوا أصحاب غياض ورياض، ويروى أن شجرهم كان دوماً وهو المقل، ومن إطلاق الأيكة على الغيضة قول النابغة: شعر : تجلو بقادمتي حمامة أيكة برداً أسف لثانه بالإثمد تفسير : وقال الجوهري في صحاحه: ومن قرأ أصحاب الأيكة فهي الغيضة، ومن قرأ ليكة فهي اسم القرية، ويقال: هما مثل بكة ومكة. وقال بعض العلماء: الأيكة الشجرة، والأيك هو الشجر الملتف.

د. أسعد حومد

تفسير : {أَصْحَابُ} {لَظَالِمِينَ} (78) - وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ هُمْ قَوْمُ شُعَيبٍ، وَكَانَ ظُلْمُهُمْ بِشِرْكِهِمْ بِاللهِ، وَقَطْعِهِم الطَّرِيقَ عَلَى السَّابِلَةِ، وَبَخْسِهِمْ المِكْيَالَ وَالمِيزَانَ، فَأَرْسَلَ اللهُ تَعَالَى إِلَيْهِمْ شُعَيْباً فَكَذَّبُوهُ. الأَيْكَةِ - البُقْعَةِ الكَثِيفَةِ الشَّجَرِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : و "الأَيْك" هو الشجر المُلْتف الكثير الأغصان. ونعلم أن شعيباً - عليه السلام - قد بُعِث لأهل مدين وأصحاب الأيكة، وهي مكان قريب من مدين، وكان أهل مدين قد ظلموا أنفسهم بالشرك. وقد قال الحق سبحانه: {أية : وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً ..} تفسير : [الأعراف: 85]. وقال عن أصحاب الأيكة: {أية : كَذَّبَ أَصْحَابُ ٱلأَيْكَةِ ٱلْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلاَ تَتَّقُونَ} تفسير : [الشعراء: 176-177]. وهكذا نعلم أن شعيباً قد بُعِث لأُمتين مُتجاورتين. ويقول سبحانه عن هاتين الأُمتين: {فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ ...}.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : وهؤلاء هم قوم شعيب، نعتهم الله وأضافهم إلى الأيكة، وهو البستان كثير الأشجار، ليذكر نعمته عليهم، وأنهم ما قاموا بها بل جاءهم نبيهم شعيب، فدعاهم إلى التوحيد، وترك ظلم الناس في المكاييل والموازين، وعاجلهم على ذلك على أشد المعالجة فاستمروا على ظلمهم في حق الخالق، وفي حق الخلق، ولهذا وصفهم هنا بالظلم، { فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ } فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم. { وَإِنَّهُمَا } أي: ديار قوم لوط وأصحاب الأيكة { لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ } أي: لبطريق واضح يمر بهم المسافرون كل وقت، فيبين من آثارهم ما هو مشاهد بالأبصار فيعتبر بذلك أولوا الألباب.