Verse. 1882 (AR)

١٥ - ٱلْحِجْر

15 - Al-Hijr (AR)

وَلَقَدْ كَذَّبَ اَصْحٰبُ الْحِـجْرِ الْمُرْسَلِيْنَ۝۸۰ۙ
Walaqad kaththaba ashabu alhijri almursaleena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولقد كذب أصحاب الحجر» واد بين المدينة والشام وهم ثمود «المرسلين» بتكذيبهم صالحا تكذيب لباقي الرسل لاشتراكهم في المجيء بالتوحيد.

80

Tafseer

الرازي

تفسير : هذه هي القصة الرابعة، وهي قصة صالح. قال المفسرون: الحجر اسم وادٍ كان يسكنه ثمود وقوله: {ٱلْمُرْسَلِينَ } المراد منه صالح وحده، ولعل القوم كانوا براهمة منكرين لكل الرسل وقوله: {وَءَاتَيْنَـٰهُمْ ءَايَـٰتِنَا } يريد الناقة، وكان في الناقة آيات كثيرة كخروجها من الصخرة وعظم خلقها وظهور نتاجها عند خروجها، وكثرة لبنها وأضاف الإيتاء إليهم وإن كانت الناقة آية لصالح لأنها آيات رسولهم، وقوله: {فَكَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ } يدل على أن النظر والاستدلال واجب وأن التقليد مذموم وقوله: {وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ } قد ذكرنا كيفية ذلك النحت في سورة الأعراف وقوله: {ءَامِنِينَ } يريد من عذاب الله، وقال الفراء: {ءَامِنِينَ } أن يقع سقفهم عليهم وقوله: {فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } أي ما دفع عنهم الضر والبلاء ما كانوا يعملون من نحت تلك الجبال ومن جمع تلك الأموال، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : الحجر ينطلق على معان: منها حجر الكعبة. ومنها الحرام؛ قال الله تعالى: {أية : وحِجْراً مَّحْجُوراً} تفسير : [الفرقان: 22] أي حراماً محرماً. والحجر العقل؛ قال الله تعالى: {أية : لِّذِى حِجْرٍ} تفسير : [الفجر: 5] والحِجْر حِجر القميص؛ والفتح أفصح. والحجر الفرس الأنثى. والحجر ديار ثمود، وهو المراد هنا، أي المدينة؛ قاله الأزهريّ. قتادة: وهي ما بين مكة وتبوك، وهو الوادي الذي فيه ثمود. الطبريّ: هي أرض بين الحجاز والشام، وهم قوم صالح. وقال: {ٱلْمُرْسَلِينَ} وهو صالح وحده، ولكن من كذب نبيًّا فقد كذّب الأنبياء كلهم؛ لأنهم على دين واحد في الأصول فلا يجوز التفريق بينهم. وقيل: كذبوا صالحاً ومن تبعه ومن تقدّمه من النبيّين أيضاً. والله أعلم. روى البخاريّ عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل الحجر في غزوة تَبُوك أمرهم ألا يشربوا من بئرها ولا يستقوا منها. فقالوا: قد عَجَنَّا وٱستقينا. فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُهَرِيقوا الماء وأن يطرحوا ذلك العجين. وفي الصحيح عن ٱبن عمر: أن الناس نزلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحجر أرض ثمود، فاستقوْا من آبارها وعجنوا به العجين، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُهَرِيقوا ما استقوْا ويعلفوا الإبل العجين، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي تَرِدها الناقة. وروي أيضاً عن ابن عمر قال: حديث : مررنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحجر فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين حذَراً أن يصيبكم مثلُ ما أصابهم ثم زجر فأسرع. تفسير : قلت: ففي هذه الآية التي بين الشارع حكمها وأوضح أمرها ثمان مسائل، استنبطها العلماء واختلف في بعضها الفقهاء، فأوّلها: كراهة دخول تلك المواضع، وعليها حمل بعض العلماء دخول مقابر الكفار؛ فإن دخل الإنسان شيئاً من تلك المواضع والمقابر فعلى الصفة التي أرشد إليها النبيّ صلى الله عليه وسلم من الاعتبار والخوف والإسراع. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تدخلوا أرض بابلَ فإنها ملعونة». تفسير : مسألة: أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم بهرق ما استقوا من بئر ثمود وإلقاء ما عجن وخبز به لأجل أنه ماء سخط، فلم يجز الإنتفاع به فراراً من سخط الله. وقال «اعلفوه الإبل». قلت: وهكذا حكم الماء النجس وما يعجن به. وثانيها: قال مالك: إن ما لا يجوز استعماله من الطعام والشراب يجوز أن تعلفه الإبل والبهائم؛ إذ لا تكليف عليها؛ وكذلك قال في العسل النجس: إنه يعلفه النحل. وثالثها: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعلف ما عجن بهذا الماء الإبل، ولم يأمر بطرحه كما أمر في لحوم الحُمُر الإنسية يوم خَيْبَر؛ فدلّ على أن لحم الحُمُر أشد في التحريم وأغلظ في التنجيس. وقد: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بكسب الحجام أن يُعلف الناضحَ والرقيق، ولم يكن ذلك لتحريم ولا تنجيس. قال الشافعيّ: ولو كان حراماً لم يأمره أن يُطعِمَه رقيقَه؛ لأنه متعبّد فيه كما تعبّد في نفسه. ورابعها: في أمره صلى الله عليه وسلم بعلف الإبل العجين دليل على جواز حمل الرجل النجاسة إلى كلابه ليأكلوها؛ خلافاً لمن منع ذلك من أصحابنا وقال: تطلق الكلاب عليها ولا يحملها إليها. وخامسها: أمره صلى الله عليه وسلم أن يستقوا من بئر الناقة دليل على التبرك بآثار الأنبياء والصالحين، وإن تقادمت أعصارهم وخفيت آثارهم؛ كما أن في الأوّل دليلاً على بغض أهل الفساد وذم ديارهم وآثارهم. هذا، وإن كان التحقيق أن الجمادات غير مؤاخذات، لكن المقرون بالمحبوب محبوب، والمقرون بالمكروه المبغوض مبغوض؛ كما قال كثير:شعر : أحب لحبها السودان حتى أحبّ لحبها سود الكلاب تفسير : وكما قال آخر:شعر : أمرّ على الدّيار ديارِ لَيْلَى أقبّل ذا الجدارَ وذا الجدارا وما تلك الديارُ شَغفن قلبي ولكن حبُّ من سكن الديارا تفسير : وسادسها: منع بعض العلماء الصلاة بهذا الموضع وقال: لا تجوز الصلاة فيها لأنها دار سخط وبقعة غضب. قال ٱبن العربيّ: فصارت هذه البقعة مستثناة من قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : جعلت لي الأرض مسجداً وطَهوراً» تفسير : فلا يجوز التيمم بترابها ولا الوضوء من مائها ولا الصلاة فيها. وقد روى الترمذي عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يصلّى في سبعة مواطن: في المَزْبلة والمجزرة والمقبرة وقارعة الطريق، وفي الحمام وفي معاطن الإبل وفوق بيت الله. وفي الباب عن أبي مَرْثد وجابر وأنس: حديثُ ابن عمر إسناده ليس بذاك القوِيّ، وقد تُكُلِّم في زيد بن جَبيرة من قِبَل حفظه. وقد زاد علماؤنا: الدار المغصوبة والكنيسة والبِيعة والبيت الذي فيه تماثيل، والأرض المغصوبة أو موضعاً تستقبل فيه نائماً أو وجه رجل أو جداراً عليه نجاسة. قال ابن العربيّ: ومن هذه المواضع ما مُنع لحق الغير، ومنه ما مُنع لحق الله تعالى، ومنه ما منع لأجل النجاسة المحققة أو لغلبتها؛ فما منع لأجل النجاسة إن فرش فيه ثوب طاهر كالحمام والمقبرة فيها أو إليها فإن ذلك جائز في المدوّنة. وذكر أبو مصعب عنه الكراهة. وفرق علماؤنا بين المقبرة القديمة والجديدة لأجل النجاسة، وبين مقبرة المسلمين والمشركين؛ لأنها دار عذاب وبقعة سخط كالحِجر. وقال مالك في المجموعة: لا يُصلِّي في أعطان الإبل وإن فرش ثوباً؛ كأنه رأى لها علتين: الاستتار بها ونفارها فتفسد على المصلي صلاتُه، فإن كانت واحدة فلا بأس؛ كما كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يفعل؛ في الحديث الصحيح. وقال مالك: لا يصلّي على بساط فيه تماثيل إلا من ضرورة. وكره ٱبن القاسم الصلاة إلى القبلة فيها تماثيل، وفي الدار المغصوبة، فإن فعل أجزأه. وذكر بعضهم عن مالك أن الصلاة في الدار المغصوبة لا تجزي. قال ابن العربيّ: وذلك عندي بخلاف الأرض فإن الدار لا تُدخل إلا بإذن، والأرض وإن كانت ملكاً فإن المسجدية فيها قائمة لا يبطلها الملك. قلت: الصحيح ـ إن شاء الله ـ الذي يدل عليه النظر والخبر أن الصلاة بكل موضع طاهر جائزة صحيحة. وما روي من قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن هذا وادٍ به شيطان» تفسير : وقد رواه معمر عن الزهريّ فقال: واخرجوا عن الموضع الذي أصابتكم فيه الغفلة. وقولِ عليّ: نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أصلي بأرض بابل فإنها ملعونة. وقولِه عليه السلام حين مرّ بالحجرِ من ثمود: «حديث : لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين» تفسير : ونهيِه عن الصلاة في معاطن الإبل إلى غير ذلك مما في هذا الباب، فإنه مردود إلى الأصول المجتمع عليها والدلائل الصحيح مجيئها. قال الإمام الحافظ أبو عمر: المختار عندنا في هذا الباب أن ذلك الوادي وغيره من بقاع الأرض جائز أن يصلى فيها كلّها ما لم تكن فيها نجاسة متيقَّنة تمنع من ذلك، ولا معنى لاعتلال من ٱعتل بأن موضع النوم عن الصلاة موضع شيطان، وموضع ملعون لا يجب أن تقام فيه الصلاة، وكل ما روي في هذا الباب من النهي عن الصلاة في المقبرة وبأرض بابل وأعطان الإبل وغير ذلك مما في هذا المعنى، كل ذلك عندنا منسوخ ومدفوع لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : جُعلت لي الأرض كلها مسجداً وطَهوراً»تفسير : ، وقوله صلى الله عليه وسلم مخبراً: إن ذلك من فضائله ومما خُصّ به، وفضائلُه عند أهل العلم لا يجوز عليها النسخ ولا التبديل ولا النقص. قال صلى الله عليه وسلم: حديث : «أوتيت خمساً» ـ وقد روي ستاً، وقد روي ثلاثاً وأربعاً، وهي تنتهي إلى أزيد من تسع، قال فيهن ـ «لم يؤتهن أحد قبلي بُعثت إلى الأحمر والأسود ونُصرت بالرُّعْب وجُعلت أمتي خير الأمم وأحِلّت لي الغنائم وجُعلت لِيَ الأرض مسجداً وطَهوراً وأوتيت الشفاعة وبعثت بجوامع الكَلِم وبينا أنا نائم أتيت بمفاتيح الأرض فوضعت في يدي وأعطيت الكوثر وختِم بي النبيون» تفسير : رواها جماعة من الصحابة. وبعضهم يذكر بعضها، ويذكر بعضهم ما لم يذكر غيره، وهي صحاح كلها. وجائز على فضائله الزيادة وغير جائز فيها النقصان؛ ألا ترى أنه كان عبداً قبل أن يكون نبيًّا ثم كان نبيًّا قبل أن يكون رسولاً؛ وكذلك روي عنه. وقال: «حديث : ما أدري ما يفعل بي ولا بكم» تفسير : ثم نزلت: {أية : لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} تفسير : [الفتح: 2]. حديث : وسمع رجلاً يقول له: يا خير البرية؛ فقال: «ذاك إبراهيم» وقال: « لا يقولن أحدكم أنا خير من يونس بن مَتّا» وقال: «السيد يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام» ثم قال بعد ذلك كله: أنا سيد ولد آدم ولا فخر»تفسير : . ففضائله صلى الله عليه وسلم لم تزل تزداد إلى أن قبضه الله؛ فمن ها هنا قلنا: إنه لا يجوز عليها النسخ ولا الاستثناء ولا النقصان، وجائز فيها الزيادة. وبقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً» تفسير : أجزنا الصلاة في المقبرة والحمام وفي كل موضع من الأرض إذا كان طاهراً من الأنجاس. وقال صلى الله عليه وسلم لأبي ذرّ: «حديث : حيثما أدركتك الصلاةُ فصلّ فإن الأرض كلها مسجد» تفسير : ذكره البخاريّ ولم يخص موضعاً من موضع. وأما من احتج بحديث ابن وهب قال: أخبرني يحيـى بن أيوب عن زيد بن جَبيرة عن داود بن حصين عن نافع عن ابن عمر حديث الترمذيّ الذي ذكرناه فهو حديث انفرد به زيد بن جَبِيرة وأنكروه عليه، ولا يعرف هذا الحديث مسنداً إلا برواية يحيـى بن أيوب عن زيد بن جَبيرة. وقد كتب الليث بن سعد إلى عبد الله بن نافع مولى ابن عمر يسأله عن هذا الحديث، وكتب إليه عبد الله بن نافع لا أعلم من حدّث بهذا عن نافع إلا قد قال عليه الباطل. ذكره الحُلْواني عن سعيد بن أبي مريم عن الليث، وليس فيه تخصيص مقبرة المشركين من غيرها. وقد رُوي عن عليّ بن أبي طالب قال: نهاني حبيبي صلى الله عليه وسلم أن أصلي في المقبرة، ونهاني أن أصلي في أرض بابل فإنها ملعونة. وإسناده ضعيف مجتمع على ضعفه، وأبو صالح الذي رواه عن عليّ هو سعيد بن عبد الرحمن الغِفاريّ، بصريّ ليس بمشهور ولا يصح له سماع عن عليّ، ومَن دونه مجهولون لا يُعرفون. قال أبو عمر: وفي الباب عن عليّ من قوله غيرَ مرفوع حديثٌ حسن الإسناد، رواه الفضل بن دُكين قال: حدثنا المغيرة بن أبي الحُرّ الكِنْديّ قال: حدّثني أبو العَنْبس حُجر بن عنبس قال: خرجنا مع عليّ إلى الحرورية، فلما جاوزنا سوريا وقع بأرض بابل، قلنا: يا أمير المؤمنين أمسيتَ، الصلاةَ الصلاةَ؛ فأبى أن يكلم أحداً. قالوا: يا أمير المؤمنين، قد أمسيت. قال بلى، ولكن لا أصلي في أرض خسف الله بها. والمغيرة بن أبي الحُرّ كوفي ثقة؛ قاله يحيـى بن مَعين وغيره. وحُجر بن عنبس من كبار أصحاب عليّ. وروى الترمذيّ عن أبي سعيد الخُدْرِيّ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«حديث : الأرض كلّها مسجد إلا المقبرةَ والحمام»تفسير : . قال الترمذيّ: رواه سفيان الثوريّ عن عمرو بن يحيـى عن أبيه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم مُرْسَلا، وكأنه أثبت وأصح. قال أبو عمر: فسقط الاحتجاج به عند من لا يرى المرسل حجة، ولو ثبت كان الوجه ما ذكرناه. ولسنا نقول كما قال بعض المنتحلين لمذهب المدنيين: إن المقبرة في هذا الحديث وغيره أريد بها مقبرة المشركين خاصة؛ فإنه قال: المقبرة والحمام بالألف واللام؛ فغير جائز أن يُرَد ذلك إلى مقبرة دون مقبرة أو حمام دون حمام بغير توقيف عليه، فهو قول لا دليل عليه من كتاب ولا سنة ولا خبر صحيح، ولا مدخل له في القياس ولا في المعقول، ولا دَلّ عليه فحوى الخطاب ولا خرج عليه الخبر. ولا يخلو تخصيص من خص مقبرة المشركين من أحد وجهين: إما أن يكون من أجل ٱختلاف الكفار إليها بأقدامهم فلا معنى لخصوص المقبرة بالذكر؛ لأن كل موضع هم فيه بأجسامهم وأقدامهم فهو كذلك، وقد جلّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتكلم بما لا معنى له. أو يكون من أجل أنها بقعة سخط، فلو كان كذلك ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليبني مسجده في مقبرة المشركين وينبِشها ويسوّيها ويبني عليها، ولو جاز لقائل أن يخص من المقابر مقبرة للصلاة فيها لكانت مقبرة المشركين أولى بالخصوص والاستثناء من أجل هذا الحديث. وكل من كره الصلاة في المقبرة لم يخص مقبرة من مقبرة؛ لأن الألف واللام إشارة إلى الجنس لا إلى معهود، ولو كان بين مقبرة المسلمين والمشركين فرق لبيّنه صلى الله عليه وسلم ولم يهمله؛ لأنه بعث مبيِّناً. ولو ساغ لجاهل أن يقول: مقبرة كذا لجاز لآخر أن يقول: حمام كذا؛ لأن في الحديث المقبرة والحمام. وكذلك قوله: المزبلة والمجزرة؛ غير جائز أن يقال: مزبلة كذا ولا مجزرة كذا ولا طريق كذا؛ لأن التحكم في دين الله غير جائز. وأجمع العلماء على أن التيمم على مقبرة المشركين إذا كان الموضع طيباً طاهراً نظيفاً جائز. وكذلك أجمعوا على أن من صلى في كنيسة أو بِيعة على موضع طاهر، أن صلاته ماضية جائزة. وقد تقدّم هذا في سورة «براءة». ومعلوم أن الكنيسة أقرب إلى أن تكون بقعة سخط من المقبرة؛ لأنها بقعة يعصى الله ويكفر به فيها، وليس كذلك المقبرة. وقد وردت السنة باتخاذ البِيع والكنائس مساجد. روى النَّسائي عن طَلْق بن عليّ قال: حديث : خرجنا وَفْداً إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فبايعناه وصلينا معه، وأخبرناه أن بأرضنا بِيعة لنا، وذكر الحديث. وفيه: «فإذا أتيتم أرضكم فاكسروا بِيعتكم وٱتخذوها مسجداً»تفسير : . وذكر أبو داود عن عثمان بن أبي العاص: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم أمره أن يجعل مسجد الطائف حيث كانت طواغيتهم. وقد تقدّم في «براءة». وحسبك بمسجد النبيّ صلى الله عليه وسلم الذي أسِّس على التقوى مبنياً في مقبرة المشركين؛ وهو حجة على كل من كره الصلاة فيها. وممن كره الصلاة في المقبرة سواء كانت لمسلمين أو مشركين الثوريُّ وأبو حنيفة والأوزاعيّ والشافعيّ وأصحابهم. وعند الثوريّ لا يعيد. وعند الشافعيّ أجزأه إذا صلى في المقبرة في موضع ليس فيه نجاسة؛ للأحاديث المعلومة في ذلك، ولحديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : صلوا في بيوتكم ولا تتخذوها قبوراً» تفسير : ، ولحديث أبي مَرْثَد الغَنوِيّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : لا تصلّوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها»تفسير : . وهذان حديثان ثابتان من جهة الإسناد، ولا حجة فيهما؛ لأنهما محتملان للتأويل، ولا يجب أن يمتنع من الصلاة في كل موضع طاهر إلا بدليل لا يحتمل تأويلاً. ولم يفرق أحد من فقهاء المسلمين بين مقبرة المسلمين والمشركين إلا ما حكيناه من خَطَل القول الذي لا يشتغل بمثله، ولا وجه له في نظر ولا في صحيح أثر. وثامنها: الحائط يلقى فيه النَّتْن والعَذِرة ليكرم فلا يصلّى فيه حتى يسقى ثلاث مرات، لما رواه الدارقطني عن مجاهد عن ابن عباس حديث : عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في الحائط يُلقى فيه العَذِرة والنّتْن قال: «إذا سُقي ثلاث مرات فصلّ فيه»تفسير : . وخرجه أيضاً من حديث نافع عن ابن عمر: أنه سئل عن هذه الحيطان التي تلقى فيها العَذِرات وهذا الزبل، أيصلّى فيها؟ فقال: إذا سقيت ثلاث مرات فصلّ فيها. رُفع ذلك إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم. اختلفا في الإسناد، والله أعلم.

ابن كثير

تفسير : أصحاب الحجر هم ثمود الذين كذبوا صالحاً نبيهم عليه السلام، ومن كذب برسول فقد كذب بجميع المرسلين، ولهذا أطلق عليهم تكذيب المرسلين، وذكر تعالى أنه أتاهم من الآيات ما يدلهم على صدق ما جاءهم به صالح؛ كالناقة التي أخرجها الله لهم بدعاء صالح من صخرة صماء، وكانت تسرح في بلادهم، لها شرب، ولهم شرب يوم معلوم، فلما عتوا وعقروها، قال لهم: {أية : تَمَتَّعُواْ فِى دَارِكُمْ ثَلَـٰثَةَ أَيَّامٍ ذٰلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ} تفسير : [هود: 65] وقال تعالى: {أية : وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَـٰهُمْ فَٱسْتَحَبُّواْ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ} تفسير : [فصلت: 18] وذكر تعالى أنهم {وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتًا ءَامِنِينَ} أي: من غير خوف ولا احتياج إليها، بل أشراً وبطراً وعبثاً؛ كما هو المشاهد من صنيعهم في بيوتهم بوادي الحجر الذي مرّ به رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ذاهب إلى تبوك، فقنع رأسه، وأسرع دابته، وقال لأصحابه: «حديث : لا تدخلوا بيوت القوم المعذبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تبكوا فتباكوا؛ خشية أن يصيبكم ما أصابهم»تفسير : . وقوله: {فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ} أي: وقت الصباح من اليوم الرابع { فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} أي: ما كانوا يستغلونه من زروعهم وثمارهم التي ضنوا بمائها عن الناقة حتى عقروها؛ لئلا تضيق عليهم في المياه، فما دفعت عنهم تلك الأموال، ولا نفعتهم لما جاء أمر ربك.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَٰبُ ٱلْحِجْرِ } واد بين المدينة والشام وهم ثمود {ٱلْمُرْسَلِينَ } بتكذيبهم صالحاً لأنه تكذيب لباقي الرسل لإشتراكهم في المجيء بالتوحيد.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل:{ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين}وهم ثمود قوم صالح. وفي{الحجر}ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه الوادي، قاله قتادة. الثاني: أنها مدينة ثمود، قاله ابن شهاب. الثالث: ما حكاه ابن جرير أن الحجر أرض بين الحجاز والشام. وروى جابر بن عبدالله أن النبي صلى الله عليه وسلم مرّ في غزاة تبوك بالحجر، فقال: "حديث : هؤلاء قوم صالح أهلكهم الله إلاّ رجلاً كان في حَرَم الله، منعه حرمُ الله من عذاب الله". تفسير : قيل: يا رسول الله من هو؟ قال: "حديث : أبو رغال ". تفسير : قوله عز وجل:{وكانوا ينحتون مِنَ الجبال بيوتاً آمنين}فيه أربعة أوجه: أحدها: آمنين أن تسقط عليهم. الثاني: آمنين من الخراب. الثالث: آمنين من العذاب. الرابع: آمنين من الموت.

ابن عبد السلام

تفسير : {الْحِجْرِ} الوادي، أو مدينة ثمود، أو أرض بين الشام والحجاز وأصحابه ثمود.

ابن عادل

تفسير : قوله: {وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ ٱلحِجْرِ ٱلْمُرْسَلِينَ}. قال صاحبُ "ديوان الأدبِ": الحِجْر: ـ بكسر الحاء المهملة، وتسكين الجيم ـ له ستَّة معانٍ: فالحِجْر: منازل ثمود، وهو المذكور هاهنا، والحِجْرُ: الأنثى من الخيل. والحِجْرُ: الكعبة. والحِجْرُ: لغة في الحجرِ، هو واحد الحجور في قوله تعالى: {أية : وَرَبَائِبُكُمُ ٱللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ}تفسير : [النساء:23] والحِجْرُ: العَقْلُ، قال تعالى: {أية : هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِى حِجْرٍ}تفسير : [الفجر:5]، والحِجْرُ: الحرامُ في قوله تعالى: {أية : وَحِجْراً مَّحْجُوراً}تفسير : [الفرقان:53] أي: حراماً محرماً. فصل قال "المُرْسلينَ"، وإنَّما كذبوا صالحاً وحده؛ لأنَّ من كذَّب نبيًّا؛ فقد كذَّب الأنبياء ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ لأنهم على دين واحد ولا يجوز التَّفريقُ بينهم. وقيل: كذَّبُوا صالحاً، وقيل: كذَّبوا صالحاً ومن تقدمه من النَّبيين أيضاً، والله تعالى أعلم. قال المفسرون: والحِجْرُ: اسم وادٍ كان يسكنه ثمود قوم صالحٍ، وهو بين المدينة، والشام، والمراد بـ "المُرْسلينَ" صالحٌ وحده. قال ابن الخطيب: "ولعلَّ القوم كانوا براهمة منكرين لكل الرسل". {وَآتَيْنَاهُمْ} يعني النَّاقة، وولدها، والبئر، والآيات في النَّاقة: خروجها من الصَّخرة، وعظم خلقها، وظهور نتاجها عند خروجها، وقُرب ولادتها، وغزارة لبنها، وأضاف الإيتاء إليهم، وإن كانت النَّاقة آية صالحٍ؛ لأنَّها آيات رسولهم، فكانوا عنها معرضين؛ فذلك يدلُّ على أنَّ النَّظر، والاستدلال واجب، وأنَّ التقليد مذموم. {وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً} تقدَّم كيفيَّة النَّحت في الأعراف: [74]، وقرأ الحسن، وأبو حيوة: بفتح الحاءِ. "ءَامِنينَ" من عذاب الله. وقيل: آمنين من الخرابِ، ووقوع السَّقف عليهم. {فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ}، أي: صيحة العذاب "مُصْبِحينَ"، أي وقت الصُّبح. قوله: "فَمَا أغْنَى" يجوز أن تكون نافية، أو استفهامية فيها [معنى] التعجب، وقوله: "مَا كَانُوا" يجوز أن تكون "مَا" مصدرية، أي: كسبهم، أو موصوفة، أو بمعنى "الَّذي"، والعائد محذوف، أي: شيء يكسبونه، أو الذي يكسبونه. فصل وروى البخاري عن ابن عمر ـ رضي الله عنه ـ "حديث : أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لمَّا نزل الحجر في غزوة تبوك، أمرهم ألاَّ يشربوا من بئرها، ولا يستقوا منها، فقال واحدٌ: عَجَنَّا، وأسْتقَيْنَا، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يهريقوا ذلك الماء، وأن يطرحوا ذلك العجين"تفسير : ، وفي رواية: "حديث : وأنْ يَعْلِفُوا الإبل العجِين ". تفسير : وفي هذا دليل على كراهة دخول تلك المواضع، وعلى كراهةِ دخول مقابر الكفار، وعلى تحريم الانتفاع بالماء المسخوط عليه؛ لأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بإهراقه وطرح العجين، وهكذا حكم الماء النَّجسِ، ويدلُّ على أنَّ ما لا يجوز استعماله من الطعام، والشراب، يجوز أن يعلفه البهائم. قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ} الآية. لما ذكر إهلاك الكفَّار، فكأنه قيل: كيف يليق الإهلاك بالرحيم؟. فأجاب: بأني ما خلقت الخلق إلا ليشتغلوا بعبادي، كما قال تعالى: {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ}تفسير : [الذاريات:56] فإذا تركوها، وأعرضوا عنها؛ وجب في الحكمة إهلاكهم، وتطهير وجه الأرض منهم. وهذا النَّظم حسنٌ، إلا أنَّه إنما يستقيمُ على قول المعتزلة، وفي النظم وجه آخر: وهو أنه ـ تعالى ـ إنَّما هذه القصَّة تسلية لنبيِّه صلى الله عليه وسلم و أن يصبره على سفاهة قومه، فإنه إذا سمع [أنَّ] الأمم السَّالفة كانوا يعاملون بمثل هذه المعاملات؛ سهُل تحمُّل تلك السَّفاهات على محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ثم:إنَّه ـ تعالى ـ لما بيَّن أنه أنزل العذاب على الأمم السَّالفة، قال لمحمد صلى الله عليه وسلم: "إنَّ السَّاعةَ لآتيِةٌ"، وإنَّ الله لينتقم لك من أعدائك، ويجازيهم، وإيَّاك، فإنه ما خلق السماوات، والأرض، وما بينهما إلا بالحق، والعدل والإنصاف، فكيف يليق بحكمته إهمال أمرك؟. ثم إنَّه ـ تعالى ـ لما صبَّره على أذى قومه، رغَّبه بعد ذلك في الصَّفح عنهم، فقال: {فَٱصْفَحِ ٱلصَّفْحَ ٱلْجَمِيلَ}. قوله:: "إلاَّ بالحقِّ" نعت لمصدر محذوف، أي: ملتبسة بالحقِّ. قال المفسِّرون: هذه الآية منسوخة بآية القتال، وهو بعيد؛ لأنَّ المقصود من ذلك أن يظهر الخلق الحسن، والعفو، والصفح، فكيف يصير منسوخاً؟. ثم قال: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلْخَلاَّقُ ٱلْعَلِيمُ}، أي خلق الخلق مع اختلاف طبائعهم، وتفاوت أحوالهم، مع علمه بكونهم كذلك وإذا كان كذلك، فإنَّما خلقهم مع هذا التَّفاوت، ومع العلم بذلك التَّفاوت، أمَّا على قول أهل السنة فلمحض مشيئته، وإرادته، وعلى قول المعتزلة: لأجل المصلحة، والحكمة. وقرأ زيد بن علي، والجحدري: {إنَّ ربَّك هُو الخَالِقُ}، وكذا هي في مصحف أبيّ وعثمان.

البقاعي

تفسير : ولما كان ربما قيل: إنه لو كان لأصحاب الأيكة بيوت متقنة لمنعتهم من العذاب؟ عطف عليهم من هم على طريق أخرى من متاجرهم إلى الشام، وكانوا قد طال اغترارهم بالأمل حتى اتخذوا الجبال بيوتاً، وكانت آيتهم في غاية الوضوح فكذبوا بها، تحقيقاً لأن المتعنتين لو رأوا كل آية لقالوا إنما سكرت أبصارنا فقال: {ولقد كذب}. ولما كان السياق للمكذبين وما وقع لهم بتكذيبهم، قدم فاعل، فقال مشيراً إلى إتقان بيوتهم: {أصحاب الحجر} وهم ثمود قوم صالح عليه السلام، وديارهم بين المدينة الشريفة والشام {المرسلين *} أي كلهم بتكذيب رسولهم كما كذب هؤلاء المرسلين بتكذيبك، لأن الرسل يشهد بعضهم لبعض بالصدق، فمن كذب واحداً منهم فقد كذب الجميع، وهم في إثبات الرسالة بالمعجزة على حد سواء؛ ثم أتبع ذلك قوله: {وءاتيناهم} أي بعظمتنا على يد رسولهم صالح عليه السلام {ءاياتنا} أي كلها، بإيتاء الناقة وسقيها ودرها وشربها، لأن الممكنات كلها بالنسبة إلى قدرته على حد سواء، فمن كذب بواحدة منها فقد كذب بالجميع {فكانوا} أي كوناً هو كالجبلة {عنها} أي الآيات كلها خاصة، لا عن زينة الدنيا التي تجر إلى الباطل {معرضين *} أي راسخين في الإعراض، لم يؤمنوا بها، التفاتاً إلى قوله تعالى { ولو فتحنا عليهم باباً من السماء} - الآيتين، وتمثيلاً له رداً للمقطع على المطلع؛ ثم أخبر أنهم كانوا مثل هؤلاء في الأمن من العذاب والغفلة عما يراد بهم مع أنهم كانوا أشد منهم فقال: {وكانوا ينحتون} والنحت: قلع جزء بعد حزء من الجسم على سبيل المسح {من الجبال} التي تقدم أنا جعلناها رواسي {بيوتاً ءامنين *} عليها من الانهدام، وبها من لحاق ما يكره، لا كبيوتكم التي لا بقاء لها على أدنى درجة {فأخذتهم} أي فتسبب عن تكذيبهم أن أخذتهم أخذ العذاب والانتقام {الصيحة} حال كونهم {مصبحين *} أي داخلين في الصبح {فما} أي فتسبب عن الصيحة أنه ما {أغنى} أي أجزأ {عنهم ما كانوا} أي بجبلاتهم {يكسبون *} من البيوت والأعمال والعدد والآلات الخبيثة، لأنه لا يعجزنا شيء لأنه لا كلفة علينا فيما نفعل {إنما نقول له كن فيكون} وفعلنا بهم ذلك لأنهم كانوا على باطل، فكان تعذيبنا لهم حقاً.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولقد كذب اصحاب الحجر المرسلين} الحجر بكسر الحاء اسم لارض ثمود قوم صالح عليه السلام بين المدينة والشام عند وادى القرى كانوا يسكنونها وكانوا عربا وكان صالح عليه السلام من افضلهم نسبا فبعثه الله اليهم رسولا وهو شاب فدعاهم حتى شمط ولم يتبعه الا قليل مستضعفون شعر : كوى توفيق وسلامت درميان افكنده اند كس بميدان درنمى آيد سوارانرجه شد تفسير : فكذب اصحاب الحجر اى ثمود المرسلين اى صالحا فان من كذب واحدا من الانبياء فقد كذب الجميع لاتقانهم على التوحيد والاصول التى لا تختلف باختلاف الامم والاعصار ونظيره قولهم فلان يلبس الثياب ويركب الدواب وماله الاثوب ودابة. يقول الفقير كما لا اختلاف بين الانبياء فى اصول الشرائع كذلك لا اختلاف بين الاولياء فى اصول الحقائق بل وقد تتحد العبارات ايضا اذا لكل اخذون من مشرب واحد مكاشفون عن ذات الله تعالى وصفاته وافعاله ومن فرق بينهم كان مكذبا للكل شعر : بى خبر كازاراين آزار اوست آب اين خم متصل با آب جوست

ابن عجيبة

تفسير : قلت: (بيوتاً): مفعول (ينحتون)، بمعنى: يتخذون، أو يصنعون. و (آمنين): حال من فاعل (ينحتون). يقول الحق جل جلاله: {ولقد كذَّب أصحاب الحجْرِ المرسلين}؛ هم قوم ثمود، والحِجْر: واديهم الذي يسكنونه، وهو بين المدينة والشام، كذبوا صالحاً عليه السلام، ومن كذَّب واحداً من الرسل فكأنما كذَّب الجميع؛ لأنهم جاؤوا بأمر متفق عليه، وهو التوحيد أو يراد به الجنس، كما تقول: فلان يركب الخيل، وإنما يركب فرساً واحداً، أو يراد به صالح ومن معه من المؤمنين؛ لموافقتهم له فيما يدعو له. {وآتيناهم آياتنا} يعني: الناقة، وما كان فيها من العجائب، كسقيها وشربها ودرها، أو ما نزل على نبيهم من الكتب، أو ما نصب لهم من الأدلة. {فكانوا عنها معرضين}: لم ينظروا فيها، ولم يعتنوا بأمرها. {وكانوا ينحتون}: يصنعون، والنحت: النقر بالمعاول في الحجر والعود وشبهه، فكانوا يتخذون {من الجبالِ}؛ بالنقر فيها، {بيوتاً} يسكنونها {آمنين} من الانهدام، ونقب اللصوص، وتخريب الأعداء؛ لوثوقها. أو من العذاب؛ لفرط غفلتهم، أو حسبانهم أن الجبال تحميهم منه. {فأخذتهم الصيحةُ مصبحين}: داخلين في وقت الصباح، {فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون} من بناء البيوت الوثيقة، واستكثار الأموال والعدد. الإشارة: من علامة الغفلة عن الله: الإنكار على أولياء الله، والإعراض عما خصهم الله تعالى به من الآيات وخوارق العادات، كالعلوم اللدنية والمواهب القدسية، وكمال المعرفة، والرسوخ في اليقين، وشهود رب العالمين مع الأشغال بعمارة هذه الدار، ونسيان دار القرار؛ كأنه أمن من الموت؛ من شدة الاغترار. وسبب ذلك: عدم التفكر والاعتبار. ولذلك قال تعالى بإثر قصص من أهلكهم من الأمم الغافلة

الجنابذي

تفسير : يعنى ثمود كّذبوا صالحاً ولعلّه كان لهم رسل اخرى، او جعل تكذيب الواحد تكذيباً للكلّ، او الجمع باعتبار من كان مع الرّسول من المؤمنين، والحجر اسم واديهم وهو وادٍ بين المدنية والشّام وكانوا يسكنونه.

اطفيش

تفسير : {وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ} هو واد بين المدينة والشام ويليه من الشام تبوك وأصحابه ثمود قوم صالح كانوا يسكنونه، {الْمُرْسَلِينَ} بأَن أنكروا الرسالة أصلاً أو لما كذبوا صالحاً كان تكذيبهم به تكذيباً لجميع المرسلين لأَن القول فى المعتقدات واحداً والمرسلون صالح ومن معه من المؤمنين سَمَّاهُم لإِيمانهم بصالح واختصاصهم به، وفى قصتهم كلام ذكرته فى غير هذه السورة.

اطفيش

تفسير : {ولَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ} واد بين المدينة والشام وأَصحاب ثمود {الْمُرْسَلِينَ} كذبوا صالحا، ومن كذب نبيا واحدا فقد كذب جميع أَنبياءِ الله وجميع كتبه، ومن كذب حرفا واحدا أَو حركة أو سكونا فقد كذب الانبياءَ كلهم والكتب كلها، وذلك لاتحاد الدعوة فى التوحيد وما لا يتبدل، وكل نبى جاءَ بتقرير الأُمة قبله على أَنها على الحق إن كانت متبعة لنبيها، ويجوز على ضعف أن يفسر المرسلين، بصالح وأَتباعه تغليبا، أَو بمعنى الإرسال اللغوى، فإِن أَتباع الرسل مأْمورون بالتبليغ كقوله تعالى" أية : إذ جاءَها المرسلون إذ أرسلنا إليهم اثنين"تفسير : [يس: 13 - 14] ويروى أَنهم استقوا من آبار ثمود وعجنوا ونصبوا القدور فى غزوة تبوك فأَمرهم صلى الله عليه وسلم بإِهراق ذلك، وأَن يعلفوا الإبل العجين وأَن يستقوا من البئر الذى ترد الناقة، وأَمرهم أَن لا يدخلوا تلك الأرض لئلا يصيبهم مثل ما أَصاب أهلها.

الالوسي

تفسير : {وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَـٰبُ ٱلحِجْرِ} يعني ثمود {ٱلْمُرْسَلِينَ} حين كذبوا رسولهم صالحاً عليه السلام، فإن من كذب واحداً من رسل الله سبحانه فكأنما كذب الجميع لاتفاق كلمتهم على التوحيد والأصول التي لا تختلف باختلاف الأمم والأعصار، وقيل: المراد بالمرسلين صالح عليه السلام ومن معه من المؤمنين على التغليب وجعل الأتباع مرسلين كما قيل: الخبيبون لخبيب بن الزبير وأصحابه، وقال الشاعر:شعر : قدنى من نصر الخبيبين قدى تفسير : والقول بأنه نزل كل من الناقة وسقبها/ منزلة رسول لأنه كالداعي لهم إلى اتباع صالح عليه السلام فجمع بهذا الاعتبار لا اعتبار له أصلاً فيما أرى. والحجر واد بين الحجاز والشام كانوا يسكنونه، قال الراغب: يسمى ما أحيط به الحجارة حجراً وبه سمي حِجْر الكعبة وديار ثمود، وقد نهى صلى الله عليه وسلم أصحابه رضي الله تعالى عنهم كما في "صحيح البخاري" وغيره عن الدخول على هؤلاء القوم إلا أن يكونوا باكين حذراً من أن يصيبهم مثل ما أصابهم. وجاء عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن الناس عام غزوة تبوك استقوا من مياه الآبار التي كانت تشرب منها ثمود وعجنوا منها ونصبوا القدور باللحم فأمرهم النبـي صلى الله عليه وسلم بإهراق القدور وأن يعلفوا الإبل العجين وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت ترد الناقة.

ابن عاشور

تفسير : جُمِعتْ قصص هؤلاء الأمم الثّلاث: قوممِ لوط، وأصحابِ الأيكة، وأصحاب الحجر في نسق، لتماثل حال العذاب الّذي سلط عليها وهو عذاب الصّيحة والرّجفة والصّاعقة. وأصحاب الحِجر هم ثمود كانوا ينزلون الحِجر ــــ بكسر الحاء وسكون الجيم ــــ. والحجر: المكان المحجور، أي الممنوع من النّاس بسبب اختصاص به، أو اشتقّ من الحجارة لأنهم كانوا ينحتون بيوتهم في صخر الجبل نحتاً محكماً. وقد جعلت طبقات وفي وسطها بئر عظيمة وبئار كثيرة. والحجر هو المعروف بوادي القرى وهو بين المدينة والشّام، وهو المعروف اليوم باسم مدائن صالح على الطريق من خيبر إلى تبوك. وأما حَجر اليمامة مدينةُ بني حنيفة فهي ــــ بفتح الحاء ــــ وهي في بلاد نَجد وتسمى العَروض وهي اليوم من بلاد البحرين. وقد توهّم بعض المستشرقين من الإفرنج أن البيوت المنحوتة في ذلك الجبل كانت قبوراً، وتعلقوا بحجج وهمية. ومما يفنّد أقوالهم خلوّ تلك الكهوف عن أجساد آدمية. وإذا كانت تلك قبوراً فأين كانت منازل الأحياء؟. والظاهر أن ثمود لما أخذتهم الصّيحة كانوا منتشرين في خارج البيوت لقوله تعالى: {فأخذتهم الصيحة مصبحين}. وقد وُجدت في مداخل تلك البيوت نقر صغيرة تدلّ على أنّها مجعولة لوصد أبواب المداخل في اللّيل. وتعريف {المرسلين} للجنس، فيصدق بالواحد، إذ المراد أنّهم كذبوا صالحاً ــــ عليه السلام ــــ فهو كقوله تعالى: {أية : كذبت قوم نوح المرسلين} تفسير : [سورة الشعراء: 105]. وقد تقدم. وكذلك جمع الآيات في قوله: آياتنا} مراد به الجنس، وهي آية النّاقة، أو أريد أنها آية تشتمل على آيات في كيفيّة خروجها من صخرة، وحياتها، ورعيها، وشربها. وقد روي أنّها خرج معها فصيلها، فهما آيتان. وجملة {وكانوا ينحتون} معترضة. والنّحتُ: بَرْي الحجر أوالعود من وسطه أو من جوانبه. و{من الجبال} تبعيض متعلق بــــ {ينحتون}. والمعنى من صخر الجبال، لما دلّ عليه فعل {ينحتون}. و{آمنين} حال من ضمير {ينحتون} وهي حال مقدرة، أي مقدرين أن يكونوا آمنين عقب نحتها وسكناها. وكانت لهم بمنزلة الحصون لا ينالهم فيها العدو. ولكنهم نسوا أنها لا تأمنهم من عذاب الله فلذلك قال: {فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون}. والفاء في {فأخذتهم الصيحة} للتعقيب والسببية. و{مصبحين} حال، أي داخلين في وقت الصّباح. و{ما كانوا يكسبون} أي يصنعون، أي البيوت التي عُنوا بتحصينها وتحسينها كما دلّ عليه فعل {كانوا}. وصيغة المضارع في {يكسبون} لدلالتها على التكرّر والتجدّد المكنّى به عن إتقان الصنعة. وبذلك كان موقع الموصول والصلة أبلغ من موقع لفظ (بيوتهم) مثلاً، ليدل على أن الذي لم يغن عنهم شيءٌ متّخذ للإغناء ومن شأنه ذلك.

الشنقيطي

تفسير : الحجر: منازل ثمود بين الحجاز والشام عند وادي القرى. فمعنى الاية الكريمة: {أية : كَذَّبَتْ ثَمُودُ ٱلْمُرْسَلِينَ}تفسير : [الشعراء: 141]، وقد بين تعالى تكذيب ثمود لنبيه صالح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام في مواضع أخر. كقوله: {أية : كَذَّبَتْ ثَمُودُ ٱلْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ}تفسير : [الشعراء: 141-142] الآيات وقوله: {أية : فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا} تفسير : [الشمس: 14] وقوله: {أية : كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِٱلنُّذُرِ فَقَالُوۤاْ أَبَشَراً مِّنَّا وَاحِداً نَّتَّبِعُهُ إِنَّآ إِذاً لَّفِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ}تفسير : [القمر: 23-24] وقوله: {أية : فَعَقَرُواْ ٱلنَّاقَةَ وَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُواْ يَاصَالِحُ ٱئْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ} تفسير : [الأعراف: 77] إلى غير ذلك من الآيات. وإنما قال إنهم كذبوا المرسلين مع أن الذي كذبوه هو صالح وحده لأن دعوة جميع الرسل واحدة، وهي تحقيق معنى "لا إله إلا الله" كما بينه تعالى بأدلة عمومية وخصوصية. قال معمماً لجميعهم: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِيۤ إِلَيْهِ أَنَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ فَٱعْبُدُونِ} تفسير : [الأنبياء: 25] الآية. وقال: {أية : وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجْتَنِبُواْ ٱلْطَّاغُوتَ} تفسير : [النحل: 36] وقال: {أية : وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ أَجَعَلْنَا مِن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ} تفسير : [الزخرف: 45] إلى غير ذلك من الآيات. وقال في تخصيص الرسل بأسمائهم: {أية : لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ} تفسير : [الأعراف: 59] وقال: {أية : وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَاقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ}تفسير : [الأعراف: 65] وقال: {أية : وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَاقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ} تفسير : [الأعراف: 85] إلى غير ذلك من الآيات. فإذا حققت أن دعوة الرسل واحدة عرفت أن من كذب واحداً منهم فقد كذب جميعهم. ولذا صرح تعالى بأن من كفر ببعضهم فهو كافر حقاً. قال: {أية : وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذٰلِكَ سَبِيلاً أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ حَقّاً} تفسير : [النساء: 150-151] وبين أنه لا تصح التفرقة بينهم بقوله: {أية : لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ} تفسير : [البقرة: 136] وقوله: {أية : لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ}تفسير : [البقرة: 285] ووعد الأجر على عدم التفرقة بينهم في قوله: {أية : وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ أُوْلَـٰئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ} تفسير : [النساء: 152] الآية. وقد بينا هذه المسألة في كتابنا "دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب". تنبيه اعلم أنه صلى الله عليه وسلم مر بالحجر المذكور في هذه الآية في طريقه في غزوة تبوك، فقد أخرج البخاري في صحيحه في غزوة تبوك "حديث : عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: لمّا مرَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم بالحجر قال: لا تدخلوا مساكن الَّذين ظلموا أنفسهم أن يصيبكم ما أصابهم، إلاًّ أن تكونوا باكين" تفسير : ثمَّ قنَّع رأسه وأسرع السَّير حتَّى أجاز الوادي. وهذا لفظ البخاري. وأخرج البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء ايضاً عن ابن عمر رضي الله عنهما:حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لمَّا نزل الحجر في غزوة تبوك، "أمرهم ألا يشربوا من بئرها ولا يستقوا منها. فقالوا قد عجنَّا منها واستقينا، فأمرهم أّن يطرحوا ذلك العجين ويهرقوا ذلك الماء"تفسير : . ثم قال البخاري: ويروى حديث : عن سبرة بن معبد وأبي الشموس: أن النَّبي صلى الله عليه وسلم "أمر بإلقاء الطَّعام" ثم قال: وقال أبو ذر عن النَّبي صلى الله عليه وسلم: "من اعتجن بمائه" . تفسير : ثم ساق بسنده عن نافع حديث : عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه أخبره: أّنَّ النَّاس نزلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أرض ثمود الحجر واستقوا من بئرها واعتجنوا به فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم "أن يهرقوا ما استقوا من بيارها وأن يعلفوا الإبل العجين، وأمرهم أن يستسقوا من البئر التي كانت تردها النَّاقة"تفسير : ثم قال: تابعه أسامة عن نافع. ثم ساق بسنده عن سالم بن عبد الله عن أبيه: حديث : أّنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم لمَّا مر بالحجر قال: "لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم ما أصابهمتفسير : . ثمَّ تقنَّع بردائه وهو على الرَّحل. ثم ساق أيضاً بسنده حديث : عن سالم أن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا ان تكونوا باكين أن يصيبكم ما أصابهم"تفسير : هذا كله لفظ البخاري في صحيحه. وقال ابن حجر في الفتح: أما حديث سبرة بن معبد فوصله أحمد والطبراني من طريق عبد العزيز بن الربيع بن سبرة بن معبد عن أبيه عن جده سبرة وهو بفتح السين المهلمة وسكون الباء الموحدة - الجهني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه حين راح من الحجر: "حديث : من كان عجن منكم من هذا الماء عجينة أو حاس حيساً فليلقه" تفسير : وليس لسبرة بن معبد في البخاري إلا هذا الموضع. وأما حديث أبي الشموس - وهو بمعجمة ثم مهملة، وهو بكري لا يعرف اسمه - فوصله البخاري في الأدب المفرد والطبراني وابن منده حديث : من طريق سليم بن مطير عن أبيه عنه قال: "كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. - فذكر الحديث وفيه فألقى ذو العجين عجينه وذو الحيس حيسه" ورواه ابن أبي عاصم من هذا الوجه وزاد: "فقلت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حست حيسة فألقمها راحلتي قال نعم" تفسير : وقال ابن حجر أيضاً: قوله وقال أبو ذر عن النَّبي صلى الله عليه وسلم "حديث : من اعتجن بمائه" تفسير : وصله البزار حديث : من طريق عبد الله بن قدامة عنه: "أنهم كانوا مع النَّبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك فأتوا على واد فقال لهم النَّبي صلى الله عليه وسلم "إنكم بواد ملعون فاسرعوا وقال: "من اعتجن عجينة أو طبخ قدراً فليكبها"تفسير : الحديث- وقال لا أعلمه إلا بهذا الإسناد. وأخرج البخاري في تفسير قوله تعالى {وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ ٱلحِجْرِ ٱلْمُرْسَلِينَ} عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحاب الحجر: "حديث : لا تدخلوا على هؤلاء القوم إلا أن تكونوا باكين فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم مثل ما أصابهم" تفسير : وأخرج البخاري أيضاً عن ابن عمر "في كتاب الصلاة" في "باب الصلاة في مواضع الخسف والعذاب" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم لا يصيبم ما أصابهم"تفسير : وبعض هذه الروايات الذي ذكرناها عن البخاري أخرجه مسلم أيضاً في صحيحه، فقد اتفقا على النهي عن دخول ديارهم إلا في حال البكاء، وعلى إسراعه صلى الله عليه وسلم حتى جاوز ديارهم. وفي هذه الروايات الصحيحة النهي عن الدخول إلى مواضع الخسف والعذاب إلا في حالة البكاء، وفيها الإسراع بمجاوزتها وعدم الاستسقاء من مياهها، وعدم أكل الطعام الذي عجن بها، ومن هنا قال بعض العلماء: لا يجوز التطهر بمائها ولا تصح الصلاة فيها لأن ماءها لما لم يصلح للأكل والشرب علم أنه غير صالح للطهارة التي تقرب إلى الله تعالى. قال البخاري في صحيحه "باب الصلاة في مواضع الخسف والعذاب" ويذكر أن علياً رضي الله عنه كره الصلاة بخسف بابل. وقال ابن حجر في الفتح: هذا الأثر رواه ابن أبي شيبة من طريق عبد الله بن أبي المُحِل - وهو بضم الميم وكسر المهملة وتشديد اللام - قال "كنا مع علي فمررنا على الخسف الذي ببابل فلم يصل حتى أجازه أي تعداه" ومن طريق أخرى عن على قال: "ما كنت لأصلي بأرض خسف الله بها ثلاث مرار" والظاهر أن قوله ثلاث مرار ليس متعلقاً بالخسف لأنه ليس فيها إلا خسف واحد. وإنما أراد أن علياً قال ذلك ثلاثاً. ورواه أبو داود مرفوعاً من وجه آخر عن علي ولفظه: "نهاني حبيبي صلى الله عليه وسلم أن أصلي في أرض بابل فإنها ملعونة" في إسناده ضعف واللائق بتعليق المصنف ما تقدم والمراد بالخسف هنا ما ذكره الله تعالى في قوله: {أية : فَأَتَى ٱللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِّنَ ٱلْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ ٱلسَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ}تفسير : [النحل: 26] الآية، ذكر أهل التفسير والأخبار: أن المراد بذلك أن النمروذ بن كنعان بنى ببابل بنياناً عظيماً يقال إن ارتفاعه كان خمسة الآف ذراع فخسف الله بهم: قال الخطابي: "لا أعلم أحداً من العلماء حرم الصلاة في أرض بابل" انتهى محل الغرض من فتح الباري. وقول الخطابي- يعارضه ما رأيته عن علي رضي الله عنه، ولكنه يشهد له عموم الحديث الصحيح: "حديث : وجعلت لنا الأرض مسجداً وطهورا"تفسير : وحديث أبي داود المرفوع عن علي الذي أشار له ابن حجر أن فيه ضعفاً هو قوله: "حدثنا سليمان بن داود أخبرنا ابن وهب قال حدثني ابن لهيعة ويحيى بن أزهر عن عمار بن سعد المرادي عن أبي صالح الغفاري: أن علياً رضي الله عنه مر ببابل وهو يسير فجاءه المؤذن يؤذنه بصلاة العصر. فلما برز منها أمر المؤذن فأقام الصلاة فلما فرغ منها قال: "إن حبيبي صلى الله عليه وسلم نهاني أن أصلي في المقبرة، ونهاني أن أصلي في أرض بابل فإنها ملعونة". حدثنا أحمد بن صالح ثنا ابن وهب أخبرني يحيى بن أزهر وابن لهيعة عن الحجاج بن شداد عن أبي صالح الغفاري عن علي بمعنى سليمان بن داود قال: "فلما خرج" مكان "فلما برز" اهـ وقد يظهر للناظر في إسنادي هذا الحديث أنه لا يقل عن درجة القبول، ولكن فيه علة خفية نبه عليها ابن يونس أما كونه لا يقل عن درجة القبول فلأن طريقته الأولى أول طبقاتها سليمان بن داود ولا خلاف في كونه ثقة، وفي الثانية أحمد بن صالح مكان سليمان المذكور، وأحمد بن صالح ثقة حافظ. وكلام النسائي فيه غلط مردود عليه كما قال العراقي في ألفيته: شعر : وربما رد كلام الجارح كالنسائي في أحمد بن صالح تفسير : وسبب غلطه في ذلك أن ابن معين كذب أحمد بن صالح الشموني. فظن النسسائي أن مراد ابن معين أحمد بن صالح هذا الذي هو أبو جعفر بن الطبري المصري وليس كما جزم به ابن حبان. والطبقة الثانية في كلا الإسنادين: ابن وهب وهو عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي مولاهم أبو محمد المصري ثقة حافظ عابد مشهور. والطبقة الثالثة من الإسنادين: يحيى بن أزهر وعبد الله بن لهيعة ويحيى بن أزهر البصري مولى قريش صدوق، وعبد الله بن لهيعة صدوق خلط بعد احتراق كتبه. والظاهر أن اعتضاد أحدهما بالآخر لا يقل عن درجة الحسن. ويؤيد ذلك أن راوي الحديث ابن وهب ومعلوم أن رواية ابن وهب وابن مبارك عن ابن لهيعه أعدل من رواية غيرهما عنه. والطبقة الرابعة في الإسناد الأول: عمار بن سعد المرادي. وفي الإسناد الثاني الحجاج بن شداد وعمار بن سعد المرادي ثم السلهمي والحجاج بن شداد الصنعاني نزيل مصر كلاهما مقبول كما قاله ابن حجر في التقريب، واعتضاد أحدهما بالآخر لا يقل عن درجة الحسن. والطبقة الخامسة في كلا الإسنادين: أبو صالح الغفاري وهو سعيد بن عبد الرحمن وعداده في أهل مصر، وهو ثقة. والطبقة السادسة في كليهما: أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، فالذي يظهر صلاحية الحديث للاحتجاج ولكنه فيه علة خفية ذكرها ابن يونس، وهو أن رواية أبي صالح الغفاري عن علي مرسلة كما ذكره ابن حجر في التقريب. وقال البيهقي في السنن الكبرى "باب من كره الصلاة في موضع الخسف والعذاب" أنبأ أبو علي الروذباري أنبأ أبو بكر بن داسة ثنا أبو داود، ثم ساق حديث أبي داود المذكور آنفاً بلفظه في المتن والإسنادين. ثم قال: وروينا عن عبد الله بن أبي محل العمري قال: كنا مع علي بن أبي طالب فمر بنا على الخسف الذي ببابل فلم يصل حتى أجازه" وعن حجر الحضرمي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: "ما كنت لأصلي بأرض خسف الله بها ثلاث مرات". ثم قال البيهقي: وهذا النهي عن الصلاة فيها إن ثبت مرفوعاً ليس لمعنى يرجع إلى الصلاة. فلو صلى فيها لم يعد ثم ساق البيهقي بعض روايات حديث ابن عمر الذي قدمنا عن البخاري ومسلم ثم قال: إن النَّبي صلى الله عليه وسلم أحب الخروج من تلك المساكن، وكره المقام فيه إلا باكياً فدخل في ذلك المقام للصلاة وغيرها. اهـ. وهذا الذي ذكرنا هو حاصل ما جاء في الصلاة في مواضع الخسف والتطهر بمياهها، فذهب بعض أهل العلم إلى أن صلاة بها صحيحة والتطهر بمائها مجزىء واستدلوا بعموم النصوص كقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : وجعلت لي الأرض كلها مسجداً" تفسير : الحديث. وكعموم الأدلة على رفع الحدث وحكم الخبث بالماء المطلق. وذهب بعض أهل العلم إلى أنها لا تجوز الصلاة فيها ولا تصح الطهارة بمائها واستدلوا بحديث علي المرفوع أن حبيبه صلى الله عليه وسلم "نهاه عن الصلاة في خسف بابل لأنها أرض ملعونة" قالوا: والنهي يقتضي الفساد لأن ما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس من أمرنا، ومن أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد كما ثبت في الحديث. واحتجوا لعدم الطهارة بمائها بأن النَّبي صلى الله عليه وسلم منع من استعماله في الأكل والشرب وهما ليس بقربة. فدل ذلك على منع الطهارة به من باب أولى. قال مقدية عفا الله عنه: الذي يظهر لنا رجحانه أن من مر عليها ينبغي له أن يسرع في سيره حتى يخرج منه كفعله صلى الله عليه وسلم وفعل صهره وابن عمه وأبي سبطيه رضي الله عنهم جميعاً، وأنه لا يدخل إلا باكياً للحديث الصحيح. فلو نزل فيها وصلى فالظاهر صحة صلاته إذ لم يقم دليل صحيح بدلالة واضحة على بطلانها، والحكم ببطلان العبادة يحتاج إلى نص قوي المتن والدلالة والعلم عند الله تعالى. مسائل لها تعلق بهذه الآية الكريمة قد علمت أن الحجر المذكور في هذه الآية في قوله: {وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ ٱلحِجْرِ ٱلْمُرْسَلِينَ} [الحجر:80] الآية: هو ديار ثمود، وأنه ورد النهي عن الصلاة في مواضع الخسف. فبهذه المناسبة نذكر الأماكن التي نهى عن الصلاة فيها ونبين، ما صح فيه النهي وما لم يصح. والمواضع التي ورد النهي عن الصلاة فيها تسعة عشر موضعاً ستأتي كلها عن زيد بن جبيرة عن داود بن حصين عن نافع حديث : عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "نهى أن يصلى في سبعة مواطن: في المزبلة والمجزرة والمقبرة وقارعة الطريق وفي الحمام وفي أعطان الإبل وفوق ظهر بيت الله"تفسير : رواه عبد بن حميد في مسنده والترمذي وابن ماجه. وقال الترمذي في إسناده: ليس بذاك. وقد روى الليث بن سعد هذا الحديث عن عبد الله بن عمر العمري عن نافع عن ابن عمر عن النَّبي صلى الله عليه وسلم مثله. والحديث ضعيف لا تقوم به حجة. لأن الإسناد الأول فيه زيد بن جبيرة وهو متروك، قال فيه ابن حجر في التقريب متروك. وقال في تهذيب التهذيب: قال ابن معين هو لا شيء. وقال البخاري منكر الحديث. وقال في موضع آخر متروك الحديث. وقال النسائي ليس بثقة وقال أبو حاتم ضعيف الحديث، منكر الحديث جداً، متروك الحديث لا يكتب حديثه. وقال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابعه عليه أحد. قلت وقال الساجي حدث عن داود بن الحصين بحديث منكر جداً، يعني حديث النهي عن الصلاة في سبع مواطن. وقال الفسوي ضعيف منكر الحديث. وقال الأزدي متروك وقال ابن حبان يروى المناكير عن المشاهير فاستحق التنكب عن روايته وقال الحاكم روى عن أبيه وداود بن الحصين وغيرهما المناكير وقال الدارقطني ضعيف. قال ابن عبد البر أجمعوا على أنه ضعيف اهـ كلام ابن حجر. وأحد إسنادي ابن ماجه فيه أبو صالح كاتب الليث وهو كثير الغلط، وفيه ابن عمر العُمري ضعفه بعض أهل العلم وأخرج له مسلم. وقال ابن أبي حاتم في العلل: هما جميعاً - يعني الحديثين - واهيان. وصحح الحديث المذكور ابن السكن وإمام الحرمين. اعلم أولاً أن المواضع التي ورد النهي عن الصلاة فيها هي السبعة المذكورة، والصلاة إلى المقبرة وإلى جدار مرحاض عليه نجاسة والكنيسة والبيعة وإلىالتماثيل وفي دار العذاب وفي المكان المغصوب والصلاة إلى النائم والمتحدث وفي بطن الوادي وفي مسجد الضرار والصلاة إلى التنور، فالمجموع تسعة عشر موضعاً. وسنبين أدلة النهي عنها مفصلة إن شاء الله تعالى أما في مواضع الخسف والعذاب فقد تقدم حكم ذلك قريباً. وأما الصلاة في المقبرة والصلاة إلى القبر فكلاهما ثبت عن النَّبي صلى الله عليه وسلم النهي عنه. أما الصلاة في المقابر فقد وردت أحاديث صحيحة في النهي عنها منها ما رواه الشيخان في صحيحهما عن عائشة رضي الله عنها: أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال في مرض موته "حديث : لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"تفسير : يحذر ما صنعوا، ولولا ذلك أبرز قبره صلى الله عليه وسلم غير أنه خشى أن يتخذ مسجداً. وفي الصحيحين أيضاً نحوه عن أبي هريرة وقد ثبت في الصحيح أيضاً عن ابن عباس رضي الله عنهما وفي بعض الروايات. المتفق عليها "حديث : لعن الله اليهود والنصارى" تفسير : وفي بعض الروايات الصحيحة الاقتصار على اليهود. والنَّبي صلى الله عليه وسلم لا يلعن إلا على فعل حرام شديد الحرمة. وعن جندب بن عبد الله بن سفيان البجلي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس وهو يقول: "حديث : إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله تعالى قد اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً، ولو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً. ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد. ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك"تفسير : . أخرجه مسلم في صحيحه بهذا اللفظ، رواه النسائي أيضاً. وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تتخذوها قبوراً" تفسير : أخرجه الشيخان والإمام أحمد وأصحاب السنن إلا ابن ماجه وقوله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث "ولا تتخذوها قبوراً" دليل على أن القبور ليست محل صلاة وقال بعض العلماء: يحتمل أن يكون معنى الحديث صلوا ولا تكونوا كالأموات في قبورهم فإنهم لا يصلون. وأخرج الإمام أحمد بسند جيد عن ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعاً: "حديث : إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء والذين يتخذون القبور مساجد"تفسير : ورواه ابن أبي حاتم أيضاً. والأحاديث في هذا الباب كثيرة صحيحة لا مطعن فيها، وهي تدل دلالة واضحة على تحريم الصلاة في المقبرة. لأن كل موضع صلي فيه يطلق عليه اسم المسجد، لأن المسجد في اللغة مكان السجود، ويدل لذلك قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح "حديث : وجعلت لي الأرض مسجداً" تفسير : الحديث أي كل مكان منها تجوز الصلاة فيه. وظاهر النصوص المذكورة العموم سواء نبشت المقبرة واختلط ترابها بصديد الأموات أو لم تنبش. لأن علة النهي ليست بنجاسة المقابر كما يقوله الشافعية، بدليل اللعن الوارد من النًّبي صلى الله عليه وسلم على من اتخذ قبور الأنبياء مساجد. ومعلوم أن قبور الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ليست نجسة فالعلة للنهي سد الذريعة لأنهم إذا عبدوا الله عند القبور آل بهم الأمر إلى عبادة القبور. فالظاهر من النصوص المذكورة منع الصلاة عند المقابر مطلقاً وهو مذهب الإمام أحمد وفي صحتها عنده روايتان وإن تحققت طهارتها. وذهب مالك إلى أن الصلاة فيها مكروهة. وذهب الشافعية إلى أنها إذا كانت نجسة لاختلاط أرضها بصديد الأموات لأجل النبش فالصلاة فيها باطلة، وإن كانت لم تنبش فالصلاة فيها مكروهة عندهم. وذكر النووي عن ابن المنذر أنه قال: روينا عن علي وابن عباس وابن عمر وعطاء والنخعي أنهم كرهوا الصلاة في المقبرة. قال: ولم يكرهها أبو هريرة وواثلة بن الأسقع والحسن البصري ونقل صاحب الحاوي عن داود أنه قال: تصح الصلاة وإن تحقق نبشها. وذكر ابن حزم النهي عن الصلاة في المقبرة عن خمسة من الصحابة: وهم عمر وعلي وأبو هريرة وأنس وابن عباس. وقال: ما نعلم لهم مخالفاً، وحكاه عن جماعة من التابعين إبراهيم النخعي ونافع بن جبير بن مطعم وطاوس وعمرو بن دينار وخيثمة وغيرهم. وقد حكى الخطابي في معالم السنن عن عبد الله بن عمر أنه رخص في الصلاة في المقبرة. وحكي أيضاً عن الحسن أنه صلى في المقبرة. وعن ابن جريج قال قلت لنافع: أكان ابن عمر يكره أن يصلي وسط القبور قال: لقد صلينا على عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما وسط البقيع والإمام يوم صلينا على عائشة أبو هريرة رضي الله عنه، وحضر ذلك عبد الله بن عمر. رواه البيهقي وغيره. وممن كره الصلاة في المقبرة أبو حنيفة والثوري والأوزاعي. واحتج من قال بجواز الصلاة في المقبرة بأن النَّبي صلى الله عليه وسلم صلى على المسكينة السوداء بالمقبرة. وسياتي قريباً إن شاء الله حكم الصلاة إلى جهة القبر. قال مقيدة عفا الله عنه: أظهر الأقوال دليلاً في هذه المسألة عندي قول الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى لأن "حديث : النصوص صريحة في النهي عن الصلاة في المقابر ولعن من اتخذ المساجد عليها، وهي ظاهرة جداً في التحريم. أما البطلان فمحتمل، لأن النهي يقتضي الفساد لقوله صلى الله عليه وسلم: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد"تفسير : والصلاة في المقابر منهي عنها، فليست من أمرنا فهي رد. ويحتمل أن يقال: الصلاة من أمرنا فليست رداً، وكونها في المكان المنهي عنه هو الذي ليس من أمرنا. كما علم الخلاف بين العلماء في كل منهي عنه له جهتان: إحداهما مأمور به منها ككونه صلاة، والأخرى منهي عنه منها ككونه في موضع نهي أو وقت نهي أو أرض مغصوبة أو بحرير أو ذهب ونحو ذلك فإنهم يقولون: إن انفكت جهة الأمر عن جهة النهي لم يقتض النهي الفساد، وإن لم تنفك عنها اقتضاه. ولكنهم عند التطبيق يختلفون، فيقول أحدهم: الجهة هنا منفكة. ويقول الآخر: ليست منفكة كالعكس، فيقول الحنبلي مثلاً الصلاة في الأرض المغصوبة لا يمكن أن تنفك فيها جهة الأمر عن جهة النهي. لكون حركة أركان الصلاة كالركوع والسجود والقيام كلها يشغل المصلي به حيزاً من الفراغ ليس مملوكاً له، فنفس شغله له ببدنه أثناء الصلاة حرام، فلا يمكن أن يكون قربه بحال. فيقول المعترض كالمالكي والشافعي: الجهة منفكة هنا لأن هذا الفعل من حيث كونه صلاة قربة، ومن حيث كونه غصباً حرام، فله صلاته وعليه غصبه كالصلاة بالحرير. وإلى هذه المسألة وأقوال العلماء فيها أشار في مراقي السعود بقوله: شعر : دخول ذي كراهة فيما أمر به بلا قيد وفصل قد حظر فنفى صحة ونفى الأجر في وقت كره للصلاة يجري وإن يك النهي عن الأمر انفصل فالفعل بالصحة لا الأجر اتصل وذا إلى الجمهور ذو انتساب وقيل بالأجر مع العقاب وقد روى البطلان والقضاء وقيل ذا فقط له انتفاء مثل الصلاة بالحرير والذهب أو في مكان الغصب والوضو انقلب ومعطن ومنهج ومقبره كنيسة وذي حميم مجزره تفسير : وأما الصلاة إلى القبور فإنها لا تجوز أيضاً، بدليل ما أخرجه مسلم في صحيحه والإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبي مرثد الغنوي رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها"تفسير : هذا لفظ مسلم. وفي لفظ له أيضاً: "حديث : لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها" تفسير : والقاعدة المقررة في الأصول: أن النهي يقتضي التحريم. فأظهر الأقوال دليلاً منع الصلاة في المقبرة وإلى القبر، لأن صيغة النهي المتجردة من القرائن تقتضي التحريم. أما اقتضاء النهي الفساد إذا كان للفعل جهة أمر وجهة نهي ففيه الخلاف الذي قدمناه آنفاً وإن كانت جهته واحدة اقتضى الفساد. وقال صاحب المراقي في اقتضاء النهي الفساد: شعر : وجاء في الصحيح للفساد إن لن يجى الدليل للسداد تفسير : وقد نهى صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الصحيح عن الصلاة إلى القبور وقد قال: "حديث : وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه"تفسير : وقال تعالى: {أية : وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ}تفسير : [الحشر: 7] وقد قدمنا أن لعنه صلى الله عليه وسلم من اتخذ القبور مساجد يدل دلالة واضحة على التحريم. واحتج من قال بصحة الصلاة في المقابر وإلى القبور بأدلة منها عموم قوله صلى الله عليه وسلم الثابت في الصحيح: "حديث : وجعلت لي الأرض مسجداً" تفسير : الحديث. قالوا عمومه يشمل المقابر ويجاب عن هذا الاستدلال من وجهين: أحدهما أن أحاديث النهي منه صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في المقبرة وإلى القبر خاصة، وحديث "حديث : جعلت لي الأرض مسجداً" تفسير : عام، والخاص يقتضي به على العام كما تقرر في الأصول عند الجمهور. والثاني أن النَّبي صلى الله عليه وسلم استثنى من عموم كون الأرض مسجداً المقبرة والحمام، فقد أخرج أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه والشافعي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وصححاه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام"تفسير : قال ابن حجر في "فتح الباري" في الكلام على قول البخاري باب "كراهية الصلاة في المقابر" في حديث أبي سعيد هذا رواه أبو داود والترمذي ورجاله ثقات، لكن اختلف في وصله وإرساله، وحكم مع ذلك بصحته الحاكم وابن حبان. وقال الشوكاني رحمه الله "في نيل الأوطار": صححه الحاكم في المستدرك وابن حزم الظاهري، وأشار ابن دقيق العيد إلى صحته. قال مقيده عفا الله عنه: التحقيق أن الحديث إذا اختلف في وصله وإرساله، وثبت موصولاً من طريق صحيحة حكم بوصله، ولا يكون الإرسال في الرواية الأخرى علة فيه. لأن الوصل زيادة وزيادات العدول مقبولة. وإليه الإشارة بقول صاحب "مراقي السعود": شعر : والرفع والوصل وزيد اللفظ مقبولة عند إمام الحفظ تفسير : ومن أدلة من قال: تصح الصلاة في القبور - ما رواه الشيخان "حديث : من حديث أبي هريرة: أن امرأةًَ سوداء كانت تقم المسجد أو شاباً فقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأل عنها أو عنه فقالوا مات قال: "أفلا آذنتموني" قال: فكأنهم صغَّروا أمرها أو أمره. فقال دلُّوني على قبره فدلُّوه فصلَّى عليها. ثمَّ قال: "هذه القبور مملوءةٌ ظلمةً على أهلها وإنَّ الله ينورها لهم بصلاتي عليهم". وليس للبخاري "إن هذه القبور مملوءة ظلمة"تفسير : إلى آخر الخبر قالوا: فهذا الحديث يدل على مشروعية الصلاة إلى القبر. ومن أدلتهم أيضاً - ما رواه الشيخان من حديث ابن عباس رضي الله عنه قال: انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قبر رطب فصلى عليه وصفوا خلفه وكبر أربعاً. ومن أدلتهم أيضاً ما ثبت في صحيح مسلم من حديث أنس أن النَّبي صلى على قبر. ومن أدلتهم أيضاً - ما قدمنا من الصلاة على عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما وسط البقيع، وهذه الأدلة يستدل بها على جواز الصلاة إلى القبور وصحتها. لا مطلق صحتها دون الجواز. ومن أدلتهم - ما ذكره البخاري تعليقاُ عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بلفظ: "ورأى عمر أنس بن مالك رضي الله عنه يصلي عند قبر. فقال: القبر القبر ولم يأمره بالإعادة" اهـ. وقال ابن حجر في الفتح: أورد أثر عمر الدال على أن النهي في ذلك لا يقتضي فساد الصلاة. والأثر المذكور عن عمر رويناه موصولاً في كتاب الصلاة لأبي نعيم شيخ البخاري. ولفظه: "بينما أنس يصلي إلى قبر ناداه عمر: القبر القبر! فظن أنه يعني القمر. فلما رأى أنه يعني القبر جاوز القبر وصلى" وله طرق أخرى بينتها في تعليق التعليق. منها من طريق حميد عن أنس نحوه، زاد فيه: فقال بعض من يليني إنما يعني القبر فتنحيت عنه. وقوله القبر القبر بالنصب فيهما على التحذير. وقوله ولم يأمره بالإعادة استنبطه من تمادي أنس على الصلاة. ولو كان ذلك يقتضي فسادها لقطعها واستأنف اهـ منه بلفظه. قال مقيده عفا الله عنه: هذه الأدلة يظهر للناظر أنها متعارضة، ومعلوم أن الجمع واجب إذا أمكن، وإن لم يمكن وجب الترجيح، وفي هذه المسألة يجب الجمع والترجيح معاً. أما وجه الجمع فإن جميع الأدلة المذكورة في الصلاة إلى القبور كلها في الصلاة على الميت وليس فيها ركوع ولا سجود، وإنما هي دعاء للميت فهي من جنس الدعاء للأموات عند المرور بالقبور. ولا يفيد شيء من تلك الأدلة جواز صلاة الفريضة أو النافلة التي هي صلاة ذات ركوع وسجود. ويؤيده تحذير عمر لأنس من الصلاة عند القبر. نعم تتعارض تلك الأدلة مع ظاهر عموم "حديث : لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها"تفسير : فإنه يعم كل ما يصدق عليه اسم الصلاة، فيشمل الصلاة على الميت، فيتحصل أن الصلاة ذات الركوع والسجود لم يرد شيء يدل على جوازها إلى القبر أو عنده بل العكس. أم الصلاة على الميت فهي التي تعارضت فيها الأدلة. والمقرر في الأصول أن الدليل الدال على النهي مقدم على الدليل على الجواز، وللمخالف أن يقول: لا يتعارض عام وخاص. فحديث "لا تصلوا إلى القبور" عام في ذات الركوع والسجود والصلاة على الميت. والأحاديث الثابتة في الصلاة على قبر الميت خاصة والخاص يقضى به على العام. فأظهر الأقوال بحسب الصناعة الأصولية: منع الصلاة ذات الركوع والسجود عند القبر وإليه مطلقاً للعنه صلى الله عليه وسلم لمتخذي القبور مساجد، وغير ذلك من الأدلة - وأن الصلاة على القبر الميت التي هي للدعاء له الخالية من الركوع والسجود تصح لفعله صلى الله عليه وسلم الثابت في الصحيح من حديث أبي هريرة وابن عباس وأنس ويومىء لهذا الجمع حديث لعن متخذي القبور مساجد لأنها أماكن السجود. وصلاة الجنازة لا سجود فيها. فموضعها ليس بمسجد لغة لأنه ليس موضع سجود. تنبيه اعلم أن ما يزعمه بعض من لا علم عنده: من أن الكتاب والسنة دلا على اتخاذ القبور مساجد، يعني بالكتاب قوله تعالى: {أية : قَالَ ٱلَّذِينَ غَلَبُواْ عَلَىٰ أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَّسْجِداً}تفسير : [الكهف: 21] ويعني بالسنة ما ثبت في الصحيح من أن موضع مسجد النًّبي صلى الله عليه وسلم كان فيه قبور المشركين - في غاية السقوط، وقائله من أجهل خلق الله. أما الجواب عن الاستدلال بالآية فهو أن تقول: من هؤلاء القوم الذين قالوا لنتخذن عيلهم مسجداً؟ أهم ممن يقتدي به! أم هم كفرة لا يجوز الاقتداء بهم؟ وقد قال أبو جعفر بن جرير الطبري رحمه الله تعالى في هؤلاء القوم ما نصه: "وقد اختلف في قائل هذه المقالة، أهم الرهط المسلمون أم هم الكفار؟ فإذا علمت ذلك فاعلم أنهم على القول بأنهم كفار فلا إشكال في أن فعلهم ليس بحجة إذ لم يقل أحد بالاحتجاج بأفعال الكفار كما هو ضروري. وعلى القول بأنهم مسلمون كما يدل له ذكر المسجد لأن اتخاذ المساجد من صفات المسلمين، فلا يخفى على أدنى عاقل أن قول قوم من المسلمين في القرون الماضية إنهم سيفعلون كذا لا يعارض به النصوص الصحيحة الصريحة عن النَّبي صلى الله عليه وسلم إلا من طمس الله بصيرته فقابل قولهم {أية : لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَّسْجِداً} تفسير : [الكهف: 21] - بقوله صلى الله عليه وسلم في مرض موته قبل انتقاله إلى الرفيق الأعلى بخمس "حديث : لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" تفسير : الحديث يظهر لك أن من اتبع هؤلاء القوم في اتخاذهم المسجد على القبور ملعون على لسان الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم كما هو واضح، ومن كان ملعوناً على لسانه صلى الله عليه وسلم فهو ملعون في كتاب الله كما صح عن ابن مسعود رضي الله عنه. لأن الله يقول: {أية : وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ} تفسير : [الحشر: 7] الآية. ولهذا صرح ابن مسعود رضي الله عنه بأن الواصلة والواشمة ومن ذكر معهما في الحديث كل واحدة منهن ملعونة في كتاب الله. وقال للمرأة التي قالت له: قرأت ما بين الدفتين فلم أجد إن كنت قرأته فقد وجدته، ثم تلا الآية الكريمة، وحديثه مشهور في الصحيحين وغيرهما، وبه تعلم أن من اتخذ المساجد على القبور ملعون في كتاب الله جل وعلا على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم. وأنه لا دليل في آية: {أية : لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَّسْجِداً} تفسير : [الكهف: 21]. وأما الاستدلال بأن مسجد النَّبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة مبني في محل مقابر المشركين فسقوطه ظاهر. لأن النًّبي صلى الله عليه وسلم أمر بها فنبشت وأزيل ما فيها. ففي الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه: "فكان فيه ما أقول لكم: قبور المشركين، وفيه خرب، وفيه نخل، فأمر النَّبي صلى الله عليه وسلم بقبور المشركين، فنبشت، ثم بالخرب فسويت، وبالنخل فقطع، فصفوا النخل قبلة المسجد، وجعلوا عضادتيه الحجارة". الحديث. هذا لفظ البخاري. ولفظ مسلم قريب منه بمعناه. فقبور المشركين لا حرمة لها، ولذلك أمر صلى الله عليه وسلم بنبشها وإزالة ما فيها. فصار الموضع كأن لن يكن فيه قبر أصلاً لإزالته بالكلية. وهو واضح كما ترى اهـ. والتحقيق الذي لا شك فيه: أنه لا يجوز البناء على القبور ولا تجصيصها. كما رواه مسلم في صحيحه وغيره عن أبي الهياج الأسدي: أن علياً رضي الله عنه قال له: ألا أبعثك على ما بعثتي عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم - ألا تدع تمثالاً إلا طمسته، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته". ولما ثبت في صحيح مسلم وغيره أيضاً عن جابر رضي الله عنه قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجصص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه". فهذا النهي ثابت عنه صلى الله عليه وسلم. وقد قال: "حديث : وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه"تفسير : . وقال جل وعلا: {أية : مَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ} تفسير : [الحشر: 7]. وقد تبين مما ذكرنا حكم الصلاة في مواضع الخسف، وفي المقبرة، وإلى القبر، وفي الحمام. وأما أعطان الإبل فقد ثبت عن النَّبي أيضاً النهي عن الصلاة فيها، فقد أخرج مسلم في صحيحه من حديث جابر بن سمرة رضي الله عنه: حديث : "أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أأتوضأ من لحوم الغنم؟ قال:إن شئت فتوضأ، وإن شئت فلا تتؤضأ قال: أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: "نعم توضأ من لحوم الإبل. قال: أصلي في مرابض الغنم؟ قال: "نعم" قال: أصلي في "مبارك الإبل": قال "لا" تفسير : هذا لفظ مسلم في صحيحه. وأخرج الإمام أحمد والترمذي وصححه، وابن ماجه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : صلوا في مرابض الغنم ولا تصلوا في أعطان الإبل ". تفسير : وأخرج النسائي والبيهقي وابن ماجه من حديث عبد الله بن مغفل رضي الله عنه: أن النَّبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة في أعطان الإبل. وقال النووي في (شرح المهذب): إن الإسناد الذي أخرجه به البيهقي حسن. وأخرج أبو داود في سننه في (باب الوضوء) من لحوم الإبل وفي (باب النهي عن الصلاة في مبارك الإبل) عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في مبارك الإبل فقال: "حديث : لا تصلوا في مبارك الإبل فإنها من الشياطين"تفسير : وسئل عن الصلاة في مرابض الغنم فقال: "حديث : صلوا فيها فإنها بركة ". تفسير : وأخرج ابن ماجه عن عبد الله بن عمرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : صلوا في مراح الغنم ولا تصلوا في معاطن الإبل ". تفسير : وأخرج ابن ماجه عن سبره بن معبد الجهني رضي الله عنه أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا يصلى في أعطان الإبل ويصلى في مراح الغنم ". تفسير : وترجم البخاري رحمه الله في صحيحه لهذه المسألة فقال: (باب الصلاة في مواضع الإبل) ثم قال: حدثنا صدفة بن الفضل قال: أخبرنا سليمان بن حيان قال حدثنا عبيد الله عن نافع قال: رأيت ابن عمر يصلي إلى بعيره وقال: رأيت النَّبي صلى الله عليه وسلم يفعله. وقال ابن حجر في الفتح في الكلام على هذه الترجمة التي لم يأت البخاري بحديث يطابقها ما نصه: كأنه يشير إلى أن الأحاديث الواردة في التفرقة بين الإبل والغنم ليست على شرطه، ولكن لها طرق قوية، منها حديث جابر بن سمرة عند مسلم وحديث البراء بن عازب عند أبي داود وحديث أبي هريرة عند الترمذي، وحديث عبد الله بن مغفل عند النسائي، وحديث سبرة بن معبد عند ابن ماجه، وفي معظمها التعبير بمعاطن الإبل. ووقع في حديث جابر بن سمرة والبراء مبارك الإبل، ومثله في حديث سليك عند الطبراني، وفي حديث سبرة وكذا في حديث أبي هريرة عند الترمذي "أعطان الإبل". وفي حديث أسيد بن حضير عند الطبراني "مناخ الإبل" وفي حديث عبد الله بن عمرو، عند أحمد "مرابد الإبل" فعبر المصنف بالمواضع لأنها أشمل، والمعاطن أخص من المواضع، لأن المعاطن مواضع إقامتها عند الماء خاصة. وقد ذهب بعضهم إلى أن النهي خاص بالمعاطن دون غيرها من الأماكن التي تكون فيها الإبل. وقيل مأواها مطلقاً، نقله صاحب المغني عن أحمد - اهـ كلام ابن حجر. وقال ابن حزم: إن أحاديث النهي عن الصلاة في أعطان الإبل متواترة بنقل تواتر يوجب العلم. فإذا علمت ذلك فاعلم أن العلماء اختلفوا في صحة في أعطان الإبل. فذهبت جماعة من أهل العلم إلى أنها لا تصح فيها، وهو الصحيح من مذهب الإمام أحمد وعليه جل أصحابه. قال صاحب (الإنصاف): هذا المذهب وعليه الأصحاب. وفي الفروع هو أشهر وأصح في المذهب. وقال المصنف وغيره: هذا ظاهر المذهب وهو من المفردات. وممن قال بها القول (ابن حزم). وذهب جمهور أهل العلم إلى أن النهي للكراهة، وأنه لو صلى فيها لصحت صلاته. وقد قدمنا كلام أهل الأصول في مثل هذه المسألة. واعلم أن العلماء اختلفوا في علة النهي عن الصلاة في أعطان الإبل. فقيل: لأنها خلقت من الشياطين كما تقدم في الحديث عن النَّبي صلى الله عليه وسلم. وهذا هو الصحيح في التعليل، لأن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا تصلوا في مبارك الإبل فإنها خلقت من الشياطين"تفسير : وترتيبه كونها خلقت من الشياطين بالفاء على النهي، يدل على أنه هو علته كما تقرر في مبحث مسلك النص، ومسلك الإيماء، والتنبيه. وقال جماعة من أهل العلم: معنى كونها "خلقت من الشياطين" أنها ربما نفرت وهو في الصلاة فتؤدي إلى قطع صلاته، أو أذاه، أو تشويش خاطره. وقد قدمنا أن كل عات متمرد تسميه العرب شيطاناً. والإبل إذا نفرت فهي عاتية متمردة، فتسميتها باسم الشيطان مطابق للغة العرب. والعرب تقول: خلق من كذا للمبالغة، كما يقولون: خلق هذا من الكرم. ومنه قوله {أية : خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ}تفسير : [الأنبياء: 37] على أصح التفسرين. وعلى هذا فيفرق بين كون الإبل في معاطنها، وبيم غيبتها عنها إذ يؤمن نفورها حينئذ. قال الشوكاني (في نيل الأوطار): ويرشد إلى صحة هذا حديث ابن مغفل عند أحمد بإسناد صحيح بلفظ: "حديث : لا تصلوا في أعطان أبل فإنها خلقت من الجن، وألا ترون إلى عيوناها وهيئاتها إذا نفرت ". تفسير : وقد يحتمل أن علة النهي أن يجاء بها إلى معاطنها بعد شروعه في الصلاة فيقطعها، أو يستمر فيها مع شغل خاطره - اهـ كلام الشوكاني. ومن هذا التعليل المنصوص فهم العلماء القائلون بعدم بطلانها أنه لما كانت علة النهي ما ذكر دل ذلك على أن الصلاة إذا فعلها تامة أنها غير باطلة. وقيل: العلة أن أصحاب الإبل يتغوطون في مباركها بخلاف أهل الغنم. وقيل: العلة أن الناقة تحيض، والجمل يمني. وكلها تعليلات لا معول عليها، والصحيح التعليل المنصوص عنه صلى الله عليه وسلم بأنها خلقت من الشياطين. والعلم عند الله تعالى. تنبيه فإن قيل: ما حكم الصلاة في مبارك البقر؟ فالجواب أن أكثر العلماء يقولون: إنها كمرابض الغنم. ولو قيل: إنها كمرابض الإبل لكان لذلك وجه. قال ابن حجر (في الفتح الباري): وقع في مسند أحمد من حديث عبد الله بن عمر أن النَّبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي في مرابض الغنم ولا يصلي في مرابض الإبل والبقر اهـ. قال: وسنده ضعيف. فلو ثبت لأفاد أن حكم البقر حكم الإبل. بخلاف ما ذكره ابن المنذر أن البقر في ذلك كالغنم.اهـ كلام ابن حجر. وما يقوله أبو داود رحمه الله من أن العمل بالحديث الضعيف خير من العمل بالرأي له وجه وجيه. والعلم عند الله تعالى. وأما الصلاة في المزبلة، والمجزرة، وقارعة الطريق، وفوق ظهر بيت الله الحرام فدليل النهي عنها هو ما تقدم من حديث زيد بن جبيرة، عن داود بن حصين، عن نافع، عن ابن عمر عنه صلى الله عليه وسلم، وقد قدمناه ما في إسناده من الكلام. وأما الصلاة إلى جدار مرحاض عليه نجاسة، فلما روي من النهي عن ذلك عن بعض الصحابة رضي الله عنهم. قال العلامة الشوكاني رحمه الله في (نيل الأوطار): وأما الصلاة إلى جدار مرحاض فلحديث ابن عباس في سبعة من الصحابة بلفظ "نهى عن الصلاة في المسجد تجاهه حش" أخرجه ابن عدي. قال العراقي ولم يصح إسناده. وروى ابن أبي شيبة في المصنف عن عبد الله بن عمرو قال: لا يصلى إلى الحش. وعن علي قال: لا يصلى تجاه حش. وعن إبراهيم: كانوا يكرهون ثلاثة أشياء - فذكر منها الحش. وفي كراهة استقباله خلاف بين العلماء اهـ كلام الشوكاني. والمراد بالحش - بضم الحاء وفتحها - بيت الخلاء. وأما الصلاة في الكنيسة والبيعة - والمراد بهما متعبدات اليهود والنصارى - فقد كرهها جماعة من أهل العلم. قال النووي (في شرح المهذب): حكاه ابن المنذر عن عمر بن الخطاب، وابن عباس، ومالك رضي الله عنهم. قال الشوكاني: وقد رويت الكراهة أيضاً عن الحسن. قال مقيده عفا الله عنه: الظاهر أن ما روي من ذلك عن عمر وابن عباس ليس على إطلاقه، وإنما هو في الكنائس والبيع التي فيها الصور خاصة. ومما يدل على ذلك ما ذكره البخاري رحمه الله في صحيحه قال: (باب الصلاة في البيعة) وقال عمر رضي الله عنه: "إنا لا ندخل كنائسكم من أجل التماثيل التي فيها الصور". وكان ابن عباس يصلي في البيعة إلا بيعة فيها تماثيل. وقال ابن حجر في (الفتح)" إن الأثر الذي علقه البخاري عن عمر وصله عبد الرزاق من طريق أسلم مولى عمر. والأثر الذي علق عن ابن عباس وصله البغوي في الجعديات اهـ. ومعلوم أن البخاري لا يعلق بصيغة الجزم إلا ما هو ثابت عنده. ورخص في الصلاة في الكنيسة والبيعة جماعة من أهل العلم، منهم أبو موسى، وعمر بن عبد العزيز، والشعبي، وعطاء بن أبي رباح، وابن سرين، والنخعي والأوزاعي، وغيرهم. قال العلامة الشوكاني رحمه الله. ولعل وجه الكراهة هو ما تقدم من اتخاذ قبور أنبيائهم وصلحائهم مساجد، لأنه يصير جميع البيع والكنائس مظنة لذلك. قال مقيده عفا الله عنه: ويحتمل أن تكون العلة أن الكنيسة والبيعة موضع يعصى الله فيه ويكفر به فيه، فهي بقعة سخط وغضب. وأما النهي عن الصلاة إلى التماثيل فدليله ثابت في الصحيح. فمن ذلك ما أخرجه البخاري في صحيحه (في كتاب الصلاة - قال: (باب إن صلى في ثوب مصلب، أو تصاوير. هل يفسد صلاته؟ وما ينهى عن ذلك) حدثنا أبو معمر عبد الله بن عمرو قال: حدثنا عبد الوارث قال: حديث : حدثنا عبد العزيز بن صهيب عن أنس: كان قرام لعائشة سترت به جانب بيتها فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم: "أميطي عنَّا قرامكِ هذا فإنه لا تزال تصاويره تعرض في صلاتي" . تفسير : وقال البخاري أيضاً (في كتاب اللباس - باب كراهية اللباس في التصاوير): حدثنا عمران بن ميسرة، حدثنا عبد الوارث، حدثنا عبد العزيز بن صهيب، حديث : عن أنس رضي الله عنه قال: كان قرام لعائشة سترت به جانب بيتها، فقال لها النَّبي صلى الله عليه وسلم: "أميطي عنَّي فإنَّه لا تزال تصاويره تعرض لي في صلاتي ". تفسير : وقال مسلم في صحيحه: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة "حديث : عن عبد الرحمن ابن القاسم قال: سمعت القاسم يحدث عن عائشة: أنه كان لها ثوب فيه تصاوير ممدود إلى سهوة، فكان النَّبي صلى الله عليه وسلم يصلَّي إليه فقال: "أّخِّريه عنَّي"تفسير : قالت: فأّخَّرته فجعلته وسائد. والثوب في هذه الرواية هو القرام المذكور، والقرام - بالكسر -: ستر فيه رقم ونقوش، أو الستر الرقيق، ومنه قول لبيد في معلقته يصف الهودج: شعر : من كل محفوف يظل عصيه زوج عليه كلة وقرامها تفسير : وقول الآخر يصف داراً: شعر : على ظهر جرعاء العجوز كأنها دوائر رقم في سراة قرام تفسير : والكلة في بيت لبيد: هي القرام إذا خيط فصار كالبيت. فهذه النصوص الصحيحة تدل على أنه لا تجوز الصلاة إلى التماثيل. ومما يدل لذلك ما أخرجه الشيخان في صحيحهما حديث : من حديث عائشة رضي الله عنها أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة فيها تصاوير لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجداً وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة"تفسير : . اهـ، هذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري قريب منه اهـ. أما بطلان صلاة من صلى إلى التماثيل ففيه اختلاف بين العلماء، وقد أشار له البخاري بقوله الذي قدمنا عنه (باب إن صلى في ثوب مصلب، أو تصاوير هل تفسد صلاته) الخ. وقد قدمنا أن منشأ الخلاف في البطلان هو الاختلاف في انفكاك جهة النهي عن جهة الأمر. والعلم عند الله تعالى. وأما منع تصوير الحيوان وتعذيب فاعليه يوم القيامة أشد العذاب، وأمرهم بإحياء ما صوروا، وكون الملائكة لا تدخل محلاً فيه صورة أو كلب، فكله معروف ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأما الصلاة في المكان المغصوب فإنها لا تجوز بإجماع المسلمين، لأن اللبث فيها حرام في غير الصلاة، فلأن يحرم في الصلاة أولى. وذهب جمهور أهل العلم: إلى أنه لو صلى في أرض مغصوبة فصلاته صحيحة لانفكاك الجهة لأنه آثم بغصبه، مطيع بصلاته كالمصلي بحرير. وذهب الإمام أحمد في أصح الروايات عنه، والجبائي وغيره من المعتزلة إلى أنها باطلة. لعدم انفكاك جهة الأمر عن جهة النهي كما قدمنا وقد قدمنا أقوال عامة العلماء في هذه المسألة في أبيات مراقي السعود التي استشهدنا بها. وأما النهي عن الصلاة إلى النائم والمتحدث فدليله ما أخرجه أبو داود في سننه قال: (باب الصلاة إلى المتحدثين والنيام) حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي، حدثنا عبد الملك بن محمد بن أيمن، عن عبد الله بن يعقوب بن إسحاق، عمن حدثه عن محمد بن كعب القرظي قال: قلت له - يعني لعمر بن عبد العزيز، حدثني عبد الله بن عباس: أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا تصلوا خلف نائم ولا المتحدث"تفسير : اهـ. وهذا الحديث لا يخفى ضعفه، لأن الرواي في هذا الإسناد عن محمد بن كعب لا يدري من هو كما ترى. وقال ابن ماجه في سننه: حدثنا محمد بن إسماعيل، ثنا زيد بن الحباب، حدثني أبو المقدام، عن محمد ابن كعب، عن ابن عباس قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلى خلف المتحدث أو النائم"، وإسناد ابن ماجه هذا لا يحتج به أيضاً، لأن الراوي فيه عن محمد بن كعب أبو المقدام وهو هشام بن زياد بن أبي يزيد، وهو هشام بن أبي هشام، ويقال له أيضاً هشام بن أبي الوليد المدني، وهو لا يحتج بحديثه. قال فيه ابن حجر في التقريب: متروك. وقال في تهذيب التهذيب: قال عبد الله بن أحمد، وأبو زرعة: ضعيف الحديث. وقال الدوري عن ابن معين: ليس بثقة. وقال في موضع آخر: ضعيف، ليس بشيء. وقال البخاري: يتكلمون فيه. وقال أو داود: غير ثقة وقال الترمذي: يضعف. وقال النسائي وعلي بن الجنيد الأزدي: متروك الحديث. وقال النسائي أيضاً: ضعيف. وقال النسائي: ليس بثقة، ومرة ليس بشيء. وقال أبو حاتم ضعيف الحديث ليس بقوي، وكان جاراً لأبي الوليد فلم يرو عنه وكان لا يرضاه. ويقال: إنه أخذ كتاب حفص المنقري عن الحسن فروى عن الحسن. وعنده عن الحسن أحاديث منكرة. قلت: وقال ابن حبان يروى الموضوعات عن الثقات لا يجوز الاحتجاج به. وقال الدار قطني: ضعيف، وترك ابن مبارك حديثه. وقال ابن سعد: كان ضعيفاً في الحديث. وقال أبو بكر بن خزيمة: لا يحتج بحديثه. وقال العجلي: ضعيف. وقال يعقوب بن سفيان: ضعيف لا يفرح بحديثه اهـ كلام ابن حجر. وبه تعلم أن الصلاة إلى النائم والمتحدث لم يثبت النهي عنها من طريق صحيح. وإذا علمت ذلك فاعلم أن الصلاة إلى النائم ثبت عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنه فعلها. قال البخاري في صحيحه (باب الصلاة خلف النائم) حدثنا مسدد قال: حدثنا يحى قال: حدثنا هشام قال: حدثني أبي عن عائشة قالت: كان النَّبي يصلَّي وأنا راقدة معترضة على فراشه، فإذا أراد أن يوتر أيقظني فأوترت. وقال ابن حجر في الفتح: أورد فيه حديث عائشة أيضاً من وجه آخر بلفظ آخر للإشارة إلى أنه قد يفرق مفرق بين كونها نائمة أو يقظى. وكأنه أشار أيضاً إلى تضعيف الحديث الوارد في النهي عن الصلاة إلى النائم، فقد أخرجه أبو داود وابن ماجه من حديث ابن عباس اهـ. وقال أبو داود: طرقة كلها واهية - يعني حديث ابن عباس وفي الباب عن ابن عمر أخرجه ابن عدي. وعن ابي هريرة أخرجه الطبراني في الأوسط، وهما واهيان أيضاً. وكره مجاهد وطاوس ومالك الصلاة إلى النائم خشية أن يبدو منه ما يلهي المصلي عن صلاته وظاهر تصرف المصنف أن عدم الكراهة حيث يحصل الأمن من ذلك - انتهى كلام ابن حجر في (فتح الباري). قال مقيده - عفا الله عنه: الذي يظهر - والله تعالى أعلم - أنه لم يثبت نص خاص في النهي عن الصلاة إلى النائم والمتحدث، ولكن ذلك لا ينافي أخذ الكراهة من عموم نصوص أخر، وكتعليل كراهة الصلاة إلى النائم بما ذكر من خشية أن يبدو منه ما يلهي المصلي عن صلاته، لأن النائم لا يدري عن نفسه. وكتلعليل كراهة الصلاة إلى المتحدث بأن الحديث يشوش على المصلي في صلاته، والله تعالى أعلم. وأما كراهة الصلاة في بطن الوادي فيستدل لها بما جاء في بعض روايات حديث زيد بن جبيرة المتقدم في المواضع التي نهى عن الصلاة فيها "وبطن الوادي" بدل "المقبرة" قال الشوكاني قال الحافظ: وهي زيادة باطلة لا تعرف. وقال بعض العلماء: كراهة الصلاة في بطن الوادي مختصة بالوادي الذي حضر فيه الشيطان النَّبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فناموا عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس، وأمرهم النَّبي صلى الله عليه وسلم بأن يتأخروا عن ذلك الموضع الذي حضرهم فيه الشيطان. ويجاب عن هذا: بأن الشيطان يمكن أن يكون ذهب عن الوادي. والله تعالى أعلم. وأما النهي عن الصلاة في مسجد الضرار فدليله قوله تعالى: {أية : لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً} تفسير : [التوبة: 108] وقوله جل وعلا: {أية : وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَاداً لِّمَنْ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ}تفسير : [التوبة: 107] الاية. وقوله {أية : أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَٱنْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ ٱلَّذِي بَنَوْاْ رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ}تفسير : [التوبة: 109-110] الآية. فهذه الآيات تدل على التباعد عن موضع ذلك المسجد وعدم القيام فيه كما هو ظاهر. وأما كراهة الصلاة إلى التنور فلما رواه ابن أبي شيبة في المصنف عن محمد بن سيرين: أنه كره الصلاة إلى التنور، وقال: هو بيت نار. وظاهر صنيع البخاري أن الصلاة إلى التنور عنده غير مكروهة، وأن عرض النار على النَّبي صلى الله عليه وسلم في صلاته يدل على عدم الكراهة. قال البخاري في صحيحه (باب من صلى وقدامه تنور أو نار، أو شيء مما يعبد فأراد به الله) وقال الزهري: أخبرني أنس قال قال النَّبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : عرضت عليَّ النَّار وأنا أصلَّي" تفسير : حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن زيد بن أسلم، حديث : عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن عباس قال: "انخسفت الشمس فصلَّى رسول الله صلى الله عيله وسلم ثمَّ قال: "رأيت النَّار فلم أرى منظراً كاليوم قطُّ أفظع" تفسير : اهـ. وعرض النار عليه صلى الله عليه وسلم وهو في صلاته دليل على عدم الكراهة، لأنه لم يقطع. وقد دلت بعض الروايات الثابتة في الصحيح على أن النار عرضت عليه من جهة ومن وجهه لا من جهة اليمين ولا الشمال، ففي بعض الروايات الصحيحة أنهم قالوا له بعد أن انصرف: يا رسول الله، رأيناك تناولت شيئاً في مقامك، ثم رأيناك تكعكعت - أي تأخرت - إلى الخلف؟ وفي جوابه: أن ذلك بسب كونه أرى النار.. إلخ. فهذا هو حاصل كلام العلماء في الأماكن التي ورد نهي عن الصلاة فيها، التي لها مناسبة بآية الحجر التي نحن بصددها - والعلم عند الله تعالى.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: أصحاب الحجر: هم قوم صالح ومنازلهم بين المدينة النبوية والشام. وآتيناهم آياتنا: أي في الناقة وهي أعظم آية. ما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون: من بناء الحصون وجمع الأموال. الصفح الجميل: أي أعرض عنهم إعراضاً لا جزع فيه وهذا قبل الأمر بقتالهم. سبعاً من المثاني: هي آيات سورة الفاتحة السبع. أزواجاً منهم: أي أصنافاً من الكفار. واخفض جناحك: أي ألن جانبك للمؤمنين. معنى الآيات: هذا شروع في موجز قصة أخرى هي قصة أصحاب الحجر وهم ثمود قوم صالح، قال تعالى: {وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ ٱلحِجْرِ ٱلْمُرْسَلِينَ} وفي هذا موعظة لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذ كذبه قومه من أهل مكة فليصبر على تكذيبهم فقد كذبت قبلهم أقوام. وقال تعالى {ٱلْمُرْسَلِينَ} ولم يكذبوا إلا صالحاً باعتبار أن من كذب رسولاً فقد كذب عامة الرسل، لأن دعوة الرسل واحدة وهي أن يعبد الله وحده بما شرع لإِكمال الإِنسان وإسعاده في الحالتين. وقوله {وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ} إن المراد من الآيات القائمة بالناقة منها أنها خرجت من صخرة، وأنها تشرب ماء البلد يوماً، وأنها تقف أمام كل بيت ليحلب أهله منها ما شاءوا، وإعراضهم عنها، عدم إيمانهم وتوبتهم إلى الله تعالى بعد أن آتاهم ما طلبوا من الآيات. وقوله {وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً} أي كانوا يتخذون بالنحت بيوتاً داخل الجبال يسكنوها شتاء آمنين من أن تسقط عليهم لقوتها ومن أن ينالهم برد أو حرٌ لوقايتها لهم، وقوله تعالى {فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ} وذلك صيحة اليوم الرابع وهو يوم السبت فهلكوا أجمعين، {فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} من المال والعتاد وبناء الحصون بل هلكوا ولم ينج منهم أحد إلا من آمن وعمل صالحاً فقد نجاه الله تعالى مع نبيه صالح عليه السلام. وقوله تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ} أي إلا من أجل أن أُذكر وأُشكر، فلذا من كفر بي فلم يذكرني وعصاني فلم يشكرني أهلكته. لأني لم أخلق هذا الخلق العظيم لهواً وباطلاً وعبثاً. وقوله: {وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لآتِيَةٌ} أي حتماً لا محالة وثَمَّ يُجزي كلٌ بما كسب فلا تحزن على قومك ولا تجزع منهم فإن جزاءهم لازم وآت لا بد، فاصبر واصفح عنهم وهو معنى قوله تعالى {فَٱصْفَحِ ٱلصَّفْحَ ٱلْجَمِيلَ} أي الذي لا جزع معه. وقوله {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلْخَلاَّقُ ٱلْعَلِيمُ} خلق كل شيء وعلم بما خلق فعلى كثرة المخلوقات يعلم نياتها، وأعمالها، وأحوالها، ولا يخفى عليه شيء من أمرها وسيعيدها كما بدأها ويحاسبها ويجزيها بما كسبت. وهذا من شأنه أن يساعد الرسول صلى الله عليه وسلم على الصبر والثبات على دعوته حتى ينصرها الله تعالى في الوقت الذي حدده لها. وقوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي وَٱلْقُرْآنَ ٱلْعَظِيمَ} أي أعطيناك سورة الفاتحة أم القرآن وأعطيناك القرآن العظيم وهو خير عظيم لا يقادر قدره. إذاً {لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ} متطلعاً {إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ} أي أصنافاً من رجالات قريش. فما آتيناك خير مما هم عليه من المال والحال التي يتمتعون فيها بلذيذ الطعام والشراب. وقوله: {وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ} إن هم لم يؤمنوا بك ولم يتابعوك على ما جئت به، فإن أمرهم إلى الله تعالى، وأمره تعالى أن يلين جانبه لأصحابه المؤمنين فقال: {وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ} فحسبك ولاية الله لك فذر المكذبين أولي النعمة، وتعايش مع المؤمنين، ولين جانبك لهم، واعطف عليهم فإن الخير فيهم وليس في أولئك الأغنياء الأثرياء الكفرة الفجرة. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- إذا أراد الله هلاك أمة فإن قوتها المادية لا تغني عنها شيئاً. 2- لم يخلق الله الخلق عبثاً بل خلقه ليعبد بالذكر والشكر، فمن عبده نجا، ومن أعرض عن ذكره وترك عبادته أذاقه عذاب الخزي في الدنيا والآخرة أو في الآخرة وهو أشد وأخزى. 3- بيان أن الصفح الجميل هو الذي لا جزع معه. 4- بيان أن من أوتي القرآن لم يؤت أحد مثله من الخير قط. 5- فضل الفاتحة إذ هي السبع المثاني. 6- على الدعاة إلى الله أن لا يلتفتوا إلى ما في أيدي الناس من مالٍ ومتاع، فإن ما آتاهم الله من الإِيمان والعلم والتقوى خير مما آتى أولئك من المال والمتاع. 7- استحباب لين الجانب للمؤمنين والعطف عليهم والرحمة لهم.

د. أسعد حومد

تفسير : {أَصْحَابُ} (80) - وَأَصْحَابُ الحِجْرِ هُمْ قَوْمُ ثَمُودَ، وَقَدْ كَذَّبُوا نَبِيَّهُمْ صَالِحاً، وَمَنْ كَذَّبَ بِرَسُولٍ فَقَدْ كَذَّبَ بِجَمِيعِ المُرْسَلِينَ، وَلِذلِكَ قَالَ تَعَالَى إِنَّهُمْ كَذَّبُوا المُرْسَلِينَ. الحِجْر - دِيَارُ ثَمُودَ بَيْنَ المَدِينَةِ وَتَبُوكَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وأصحاب الحِجْر هم قوم صالح، وكانت المنطقة التي يقيمون فيها كلها من الحجارة؛ ولا يزال مُقَامهم معروفاً في المسافة بين خيبر وتبوك. وقال فيهم الحق سبحانه: {أية : أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ} تفسير : [الشعراء: 128-129]. وهم قد كذّبوا نبيهم "صالح" وكان تكذيبهم له يتضمن تكذيب كل الرسل؛ ذلك أن الرسل يتواردون على وحدانية الله، ويتفقون في الأحكام العامة الشاملة، ولا يختلف الأنبياء إلا في الجزئيات المناسبة لكل بيئة من البيئات التي يعيشون فيها. فبيئة: تعبد الأصنام، فيُثبِت لهم نبيُّهم أن الأصنام لا تستحق أن تُعبد. وبيئة أخرى: تُطفِّف الكيْل والميزان؛ فيأتي رسولهم بما ينهاهم عن ذلك. وبيئة ثالثة: ترتكب الفواحش فيُحذِّرهم نبيهم من تلك الفواحش. وهكذا اختلف الرسل في الجزئيات المناسبة لكل بيئة؛ لكنهم لم يختلفوا في المنهج الكُليّ الخاص بالتوحيد والمنهج، وقد قال الحق سبحانه عن قوم صالح أنهم كذَّبوا المُرْسلين؛ بمعنى أنهم كذّبوا صالحاً فيما جاء به من دعوة التوحيد التي جاء بها كل الرسل. ويقول الحق سبحانه عنهم من بعد ذلك: {وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا ...}.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر تعالى عن أهل الحجر، وهم قوم صالح الذين كانوا يسكنون الحجر المعروف في أرض الحجاز، أنهم كذبوا المرسلين أي: كذبوا صالحا، ومن كذب رسولا فقد كذب سائر الرسل، لاتفاق دعوتهم، وليس تكذيب بعضهم لشخصه بل لما جاء به من الحق الذي اشترك جميع الرسل بالإتيان به، { وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا } الدالة على صحة ما جاءهم به صالح من الحق، التي من جملتها: تلك الناقة التي هي من آيات الله العظيمة. { فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ } كبرا وتجبرا على الله، { وَكَانُوا } من كثرة إنعام الله عليهم { يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ } من المخاوف مطمئنين في ديارهم، فلو شكروا النعمة وصدقوا نبيهم صالحا عليه السلام لأدرَّ الله عليهم الأرزاق، ولأكرمهم بأنواع من الثواب العاجل والآجل، ولكنهم -لما كذبوا وعقروا الناقة، وعتوا عن أمر ربهم وقالوا: {أية : يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين }. تفسير : { فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ } فتقطعت قلوبهم في أجوافهم وأصبحوا في دارهم جاثمين هلكى، مع ما يتبع ذلك من الخزي واللعنة المستمرة { فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } لأن أمر الله إذا جاء لا يرده كثرة جنود، ولا قوة أنصار ولا غزارة أموال.

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ ٱلحِجْرِ ٱلْمُرْسَلِينَ} [80] 294- أنا علي بن حجر، عن إسماعيل، نا / عبد الله بن دينار، أنه سمع ابن عمر، يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحاب الحِجْر: "حديث : لا تدخلوا على هؤلاء القوم المُعذَّبين إلا أن تكونوا باكين، قإن لم تكونوا باكين، فلا تدخلوا عليهم، أن يصيبكم مثل ما أصابهم ".

همام الصنعاني

تفسير : 1455- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {أَصْحَابُ ٱلحِجْرِ}: [الآية: 80]، أصحاب الوادي، .