Verse. 1887 (AR)

١٥ - ٱلْحِجْر

15 - Al-Hijr (AR)

وَمَا خَلَقْنَا السَّمٰوٰتِ وَالْاَرْضَ وَمَا بَيْنَہُمَاۗ اِلَّا بِالْحَقِّ۝۰ۭ وَاِنَّ السَّاعَۃَ لَاٰتِيَۃٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيْلَ۝۸۵
Wama khalaqna alssamawati waalarda wama baynahuma illa bialhaqqi wainna alssaAAata laatiyatun faisfahi alssafha aljameela

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وإن الساعة لآتية» لا محالة فيجازى كل أحد بعمله «فاصفح» يا محمد عن قومك «الصفح الجميل» أعرض عنهم إعراضا لا جزع فيه وهذا منسوخ بآية السيف.

85

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما ذكر أنه أهلك الكفار فكأنه قيل: الإهلاك والتعذيب كيف يليق بالرحيم الكريم. فأجاب عنه بأني إنما خلقت الخلق ليكونوا مشتغلين بالعبادة والطاعة فإذا تركوها وأعرضوا عنها وجب في الحكمة إهلاكهم وتطهير وجه الأرض منهم، وهذا النظم حسن إلا أنه إنما يستقيم على قول المعتزلة، قال الجبائي: دلت الآية على أنه تعالى ما خلق السموات والأرض وما بينهما إلا حقاً وبكون الحق لا يكون الباطل، لأن كل ما فعل باطلاً وأريد بفعله كون الباطل لا يكون حقاً ولا يكون مخلوقاً بالحق، وفيه بطلان مذهب الجبرية الذين يزعمون أن أكثر ما خلقه الله تعالى بين السموات والأرض من الكفر والمعاصي باطل. واعلم أن أصحابنا قالوا: هذه الآية تدل على أنه سبحانه هو الخالق لجميع أعمال العباد، لأنها تدل على أنه سبحانه هو الخالق للسموات والأرض ولكل ما بينهما. ولا شك أن أفعال العباد بينهما فوجب أن يكون خالقها هو الله سبحانه، وفي الآية وجه آخر في النظم وهو أن المقصود من ذكر هذه القصص تصبير الله تعالى محمداً عليه الصلاة والسلام على سفاهة قومه فإنه إذا سمع أن الأمم السالفة كانوا يعاملون أنبياء الله تعالى بمثل هذه المعاملات الفاسدة سهل تحمل تلك السفاهات على محمد صلى الله عليه وسلم، ثم إنه تعالى لما بين أنه أنزل العذاب على الأمم السالفة فعند هذا قال لمحمد صلى الله عليه وسلم: {وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لآتِيَةٌ } وإن الله لينتقم لك فيها من أعدائك ويجازيك وإياهم على حسناتك وسيئاتهم، فإنه ما خلق السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق والعدل والإنصاف فكيف يليق بحكمته إهمال أمرك، ثم إنه تعالى لما صبره على أذى قومه رغبه بعد ذلك في الصفح عن سيئاتهم فقال: {فَٱصْفَحِ ٱلصَّفْحَ ٱلْجَمِيلَ } أي فأعرض عنهم، واحتمل ما تلقى منهم إعراضاً جميلاً بحلم وإغضاء، وقيل: هو منسوخ بآية السيف وهو بعيد، لأن المقصود من ذلك أن يظهر الخلق الحسن والعفو والصفح، فكيف يصير منسوخاً. ثم قال: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلْخَلَّـٰقُ ٱلْعَلِيمُ } ومعناه أنه خلق الخلق مع اختلاف طبائعهم وتفاوت أحوالهم مع علمه بكونهم كذلك، وإذا كان كذلك فإنما خلقهم مع هذا التفاوت، ومع العلم بذلك التفاوت. أما على قول أهل السنة فلمحض المشيئة والإرادة. وأما على قول المعتزلة فلأجل المصلحة والحكمة، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ} أي للزوال والفناء. وقيل: أي لأجازي المحسن والمسيء؛ كما قال: {أية : وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيِجْزِيَ ٱلَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِٱلْحُسْنَى} تفسير : [النجم: 31]. {وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لآتِيَةٌ} أي لكائنة فيُجزى كل بعمله. {فَٱصْفَحِ ٱلصَّفْحَ ٱلْجَمِيلَ} مثلُ {أية : وَٱهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً} تفسير : [المزمل: 10] أي تجاوز عنهم يا محمد، واعف عفواً حسناً؛ ثم نسخ بالسيف. قال قتادة: نسخه قوله: {فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثِقِفْتُمُوهُمْ}. وأن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال لهم: «حديث : لقد جئتكم بالذَّبْح وبُعثت بالحصاد ولم أبعث بالزراعة»تفسير : ؛ قاله عكرمة ومجاهد. وقيل: ليس بمنسوخ، وأنه أمرٌ بالصفح في حق نفسه فيما بينه وبينهم. والصفح: الإعراض؛ عن الحسن وغيره. {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلْخَلاَّقُ} أي المقدّر للخلق والأخلاق. {ٱلْعَلِيمُ} بأهل الوفاق والنفاق.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لآتِيَةٌ} أي: بالعدل {أية : لِيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ بِمَا عَمِلُواْ} تفسير : [النجم: 31] الآية، وقال تعالى: {أية : وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَـٰطِلاً ذَٰلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ ٱلنَّارِ } تفسير : [ص: 27] وقال تعالى: {أية : أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَـٰكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ فَتَعَـٰلَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْكَرِيمِ } تفسير : [المؤمنون:115-116] ثم أخبر نبيه بقيام الساعة، وأنها كائنة لا محالة، ثم أمره بالصفح الجميل عن المشركين في أذاهم له، وتكذيبهم ما جاءهم؛ به، كقوله: {أية : فَٱصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَـٰمٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } تفسير : [الزخرف: 89] وقال مجاهد وقتادة وغيرهما: كان هذا قبل القتال، وهو كما قالا، فإن هذه مكية، والقتال إنما شرع بعد الهجرة. وقوله: { إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلْخَلَّـٰقُ ٱلْعَلِيمُ} تقرير للمعاد، وأنه تعالى قادر على إقامة الساعة؛ فإنه الخلاق الذي لا يعجزه خلق شيء، العليم بما تمزق من الأجساد، وتفرق في سائر أقطار الأرض؛ كقوله: {أية : أَوَلَـيْسَ ٱلَذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضَ بِقَـٰدِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَىٰ وَهُوَ ٱلْخَلَّـٰقُ ٱلْعَلِيمُ إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ فَسُبْحَـٰنَ ٱلَّذِى بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } تفسير : [يس: 81-83].

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لأَتِيَةٌ } لا محالة فيجازي كل واحد بعمله {فَٱصْفَحِ } يا محمد عن قومك {ٱلصَّفْحَ ٱلْجَمِيلَ } أعرض عنهم إعراضاً لا جزع فيه وهذا منسوخ بآية السيف [5:9].

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {فاصفح الصفح الجميل}فيه أربعة أوجه: أحدها: أنه الإعراض من غير جزع. الثاني: أنه صفح المنكر عليهم بكفرهم، المقيم على وعظهم، قاله ابن بحر. الثالث: أنه العفو عنهم بغير توبيخ ولا تعنيف. الرابع: أنه الرضا بغير عتاب، قاله علي بن أبي طالب. وفيه قولان: أحدهما: أنه أمر بالصفح عنهم في حق الله تعالى، ثم نسخ بالسيف، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك، "حديث : لقد أتيتكم بالذبح، وبعثت بالحصاد ولم أبعث بالزراعة" تفسير : قاله عكرمة ومجاهد. الثاني: أنه أمره بالصفح في حق نفسه فيما بينه وبينهم، قاله الحسن.

ابن عبد السلام

تفسير : {الصَّفْحَ الْجَمِيلَ} الإعراض من غير جزع، أو العفو بغير توبيخ ولا تعنيف، ثم نسخ صفحه عن حق الله ـ تعالى ـ بآية السيف، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: بعد ذلك: " حديث : لقد أتيتكم بالذبح وبُعثت بالحصاد ولم أُبعث بالزراعة "تفسير : ، أو أمر بالصفح عنهم في حق نفسه فيما بينه وبينهم.

الثعالبي

تفسير : {وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِٱلْحَقِّ}، أي: لم تخلق عبثاً ولا سدًى، {وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لأَتِيَةٌ }، أي: فلا تهتمَّ يا محمَّد بأعمال الكَفَرة؛ فإِن اللَّه لهم بالمِرْصاد، وقوله عَزَّ وجلَّ؛ {وَلَقَدْ آتَيْنَـٰكَ سَبْعًا مِّنَ ٱلْمَثَانِي}: ذهب ابنُ مسعودٍ وغيره إِلى أن السبْعَ المثانِيَ هنا هي السبعُ الطِّوال: «البقرةُ»، و«آل عمران»، و«النساء» و«المائدة»، و«الأنعام»، و«الۤمۤصۤ»، و«الأنفال» مع «براءة»، وذهب جماعةٌ من الصحابة ومَنْ بعدهم إِلى أن السبْعَ هنا: آيات الفاتحةِ، وهو نصُّ حديثِ أبي بن كَعْب وغيره. * ت *: وهذا هو الصحيحُ، وقد تقدَّم بيان ذلك أوَّل الكتاب.

البقاعي

تفسير : ولما كان المتعنت ربما قال: ما له يخلقهم ثم يهلكهم وهو عالم حين خلقهم أنهم يكذبون؟ وكانت هذه الآية ملتفتة - مع ما فيها من ذكر الأرض - إلى تلك التي أتبعها ذكر الخافقين، استدلالاً على الساعة، قال على ذلك النمط: {وما خلقنا} أي على عظمتنا {السماوات} أي على ما لها من العلو والسعة {والأرض} على ما بها من المنافع والغرائب {وما بينهما} من هؤلاء المكذبين وعذابهم، ومن المياه والرياح والسحاب المسبب عنه النبات وغير ذلك {إلا بالحق} أي خلقاً ملتبساً بالحق، فيتفكر فيه من وفقه الله فيعلم النشأة الآخرة بهذه النشأة الأولى، أو بسبب الحق من إثبات ثوابت الأمور ونفي مزلزلها، لتظهر عظمتنا بإنصاف المظلوم من الظالم، وإثابة الطائع وعقاب العاصي في يوم الفصل - إلى غير ذلك من الحكم كما قال تعالى{ أية : ولله ما في السماوات وما في الأرض ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى}تفسير : [النجم:31] فمن أمهلناه في الدنيا أخذنا منه الحق بعد قيام الساعة، فلا بد من فعل ذلك {وإن الساعة لآتية} لأجل إقامة الحق لا شك في إتيانها لحكم علمها سبحانه فيظهر فيها كل ذلك، ويمكن أن يكون التقدير: فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون، وما فعلنا ذلك إلا بالأمر من قولنا "كن" وهو الحق { وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق} أي بالأمر {أية : ألا له الخلق والأمر} تفسير : [الأعراف:54] يعني أنه لا مشقة علينا في شيء من ذلك، وسنعدم ذلك بالحق إذا أردنا قيام الساعة، وأن الساعة لآتيه، لأنا قد وعدنا بذلك، وليس بينكم وبين كونها إلا أن نريد فتكون كما كان غيرها مما أردناه {فاصفح الصفح} أي فأعرض - بسبب تحقق الأخذ بثارك - الإعراض {الجميل *} بالحلم ولإغضاء وسعة الصدر، في مثل قولهم { ياأيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون} فإنه لا بد من الأخذ لك منهم بالحق ولو لم يكن لك نصرة إلا في ذلك اليوم لكانت كافية؛ ثم علل هذا الأمر بقوله: {إن ربك} أي المحسن إليك الآمر لك بهذا {هو} أي وحده {الخلاّق} المتكرر منه هذا الفعل في كل وقت بمجرد الأمر، فلا عجب في إيجاد ما ينسب إليه من إبداع الساعة أو غيرها، وهو لذلك عالم بأحوالكم أجمعين وما يكون منها صلاحاً لك على غاية الحكمة، لأن المصور أعلم بالصورة من ناظرها والمتبصر فيها، وصانع الشيء أدرى به من مشتريه، وباني البيت أخبر به من ساكنه، وهو الذي خلق كل ما تراه منهم فهو فعله فسلم له. ولما كان إحكام المصنوعات لا يتم إلا بالعلم، قال تعالى: {العليم *} أي البالغ العلم بكل المعلومات، فلا ترى أفعالهم وأقوالهم إلا منه سبحانه لأنه خالقها، وقد علمت أنه لا يضيع مثقال ذرة فاعتمد عليه في أخذ حقك، فإنه نعم المولى ونعم النصير، ولا يخفي عليه شيء منه؛ ويدل على ما قلته آية يس { أية : أو ليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاّق العليم} تفسير : [يس:81] أو يقال: فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون شيئاً مما أردنا من الحق، لأنا ما خلقنا عذابهم إلا بالحق كما خلقناهم بالحق، فلم يمتنع علينا شيء من ذلك {وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق} أي بسبب إقامة الحق وإظهار أمرنا في العدل، ولولا أن سلطنا بعض الناس على بعض لم يظهر لهم منا هذه الصفة غاية الظهور، فنحن نعجل من الحق الذي خلقنا ذلك بسببه على قيام الساعة - ما شئنا من الابتلاء والانتقام كما فعلنا ممن قصصنا أمرهم، ونؤخر من ذلك ما بقي إلى قيام الساعة {وإن الساعة لآتية} لا شك فيها، فلا ندع هناك شيئاً من الحقوق إلا أقمناه {فأصفح الصفح الجميل} فلا بد من الأخذ لك بحقك إما في الدنيا وإما في الآخرة أن أي لأن {ربك هو الخلاّق} أي الفاعل للخلق مرة بعد مرة، لا تنفذ قدرته ولا تهن كلمته { العليم} التام العلم، فهو قادر على ذلك عالم بوجه الحكمة فيه في وقته وكيفيته، فهو يعيد الخلائق في الساعة كما بدأهم، ويستوفي إذ ذاك جميع الحقوق ويؤتيك في ذلك اليوم ما يقر به عينك. ولما ذكر صفة العلم بصيغة المبالغة، أتبعها ما آتاه في هذه الدار من مادة العلم بصيغة العظمة، فقال عطفاً على ما قدرته مما دل عليه السياق: {ولقد آتيناك} مما يدل على علمنا {سبعاً من المثاني} وهي الفاتحة الجامعة على وجازتها جميع معاني القرآن فتثني في النزول فإنها نزلت مرتين، وتثني في كل ركعة من الصلاة، وهي ثناء على الله والصالحين من عباده، وهي مقسومة بين الله وعبده، وتثني فيه مقاصدها، ويورد كل معنى من معانيها فيه بطرق مختلفة في إيضاح الدلالة عليه في قوالب الألفاظ وجواهر التراكيب الهادية إليه - وغير ذلك من التثنية {والقرآن العظيم *} أي الحاوي لجميع علوم الأولين والآخرين مما في جميع الكتب السالفة وغيره.

التستري

تفسير : قوله: {فَٱصْفَحِ ٱلصَّفْحَ ٱلْجَمِيلَ}[85] قال: حكى محمد بن الحنفية عن علي رضي الله عنه في قوله تعالى: {فَٱصْفَحِ ٱلصَّفْحَ ٱلْجَمِيلَ}[85] قال: هو الرضا بلا عتاب. وقال سهل: بلا حقد ولا توبيخ بعد الصفح، وهو الإعراض الجميل.

السلمي

تفسير : قوله عز وجل: {فَٱصْفَحِ ٱلصَّفْحَ ٱلْجَمِيلَ} [الآية: 85]. قال بعضهم: صفح لا توبيخ، ولا حقد بعده، الرجوع إلى ما كان قبل ملابسته المخالفة. أخبرنا أبو بكر الرازى قال حدثنا جعفر الخلدى حدثنا ابن مسروق حدثنا حسن بن مواتا الثعلبى حدثنا يعقوب بن حميد حدثنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن محمد بن الحنفية عن على فى قوله: {فَٱصْفَحِ ٱلصَّفْحَ ٱلْجَمِيلَ} قال هو الرضا بلا عتاب.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ}. دلَّت الآيةُ على أنَّ أكسابَ العباد مخلوقةٌ لله لأنها بين السماوات والأرض. قوله جلّ ذكره: {إِلاَّ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لآتِيَةٌ}. {إِلاَّ بِٱلْحَقِّ}: أي وأنا مُحقٌّ فيه ويقال {بِٱلْحَقِّ}: بالأمرِ العظيم الكائن إنْ الساعة لآتيةٌ يعني القيامَةَ. قوله جلّ ذكره: {فَٱصْفَحِ ٱلصَّفْحَ ٱلْجَمِيلَ}. يقال الصفح الجميل الذي تذكر الزَّلَّةُ فيه. ويقال الصفح الجميل سحبُ ذيل الكَرَمِ على ما كان مِنْ غير عَقْدِ الزَّلَّة، بلا ذِكْرٍ لما سَلَفَ من الذنب، كما قيل: شعر : تعالوا نصطلح ويكون مِنَّا (..............) تفسير : ويقال الصفح الجميل الاعتذار عن الجُرْم بلا عدِّ الذنوب من المجرم، والإقرار بأن، الذنب كان منك لا من العاصي، قال قائلهم: شعر : (وتُذْنِبون فنسي ونعتذر)

البقلي

تفسير : قوله تعالى {فَٱصْفَحِ ٱلصَّفْحَ ٱلْجَمِيلَ} الصفح الجميل ما يكون برؤية تقدير الازل بنعت شهوده مقدور الغيب بوصف السرور فى مباشرة الامر والنشاط بارجوع الى الحق وسابق امره ومشيته فيما جرى عليه بالواسطة من الغير فاذا كان كذلك سقط لملامته بسقوط الوسايط وحصل الرحمة على الجرم المجبور بامر التقدير الا ترى كيف اشار بتمام الآية الى سرّ ما سبق من التقدير الازلى بقوله {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلْخَلاَّقُ ٱلْعَلِيمُ} اى ما هجم عليك من ايذاء قومك هو مخلوق الخلائق وتقديره فى تربيتك وابلاغك الى مقام اولى العزم وهو عليم بما قدر وبما يكون من اتصافك بخلقه العظيم وان كان لفظه الخلاق متعلقا بمعنى الايجاد والتقدير وايضا فيه ايماء من معنى الخلق والتخلق كانه داعى حبيبه الى التخلق بخلقه فى العفو والكرم ثم واساه بانه عليم بما قلبه من الشفقة على دينه وايضا الصفح الجميل مواساة المذنب يرفع الخجل عنه ومداواة موضع آلام الندم فى قلبه روى عمرو بن دينار عن محمد بن الحنفية عن على رضوان الله عليهم فى قوله فاصفح الصفح الجميل قال هو الرضا بلا عتاب وقال بعضهم صفح لا توبيخ فيه ولا حقد بعده والرجوع من الامر الى ما كان قبل ملابسة المخالفة ثم ان الله سبحانه وصف امتنانه عليه بما اعطاه من علوم الالوهية واسرار الربوبية ليزيد رغبته فى الصفح والعفو والكرم ومواساة عباده وتحمل ايذائهم بقوله {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي} فيه بيان التخلق والاتصاف بصفاته القديمة واخلاقه الكريمة اى البسناك انوار سبع الصفات من صفاتنا لتتصف بها وتتخلق بخلقها فتكون ربانيا الوهيا جبروتيا ملكوتيا جلاليا جماليا نوريا قدسيا اوليا اخريا رحمانيا رحيميا ذاتيا صفاتيا والسبع المثانى سبع بحار الصفات القديمة فغسله فيها والبسه من انوارها كسوة الربوبية حتى تكون مرآة الله فى بلاد الله وعباده فسقاه من بحر علمه شرابات ومن بحر قدرته ومن بحر سمعه ومن بحر بصره ومن بحر كلامه ومن بحر ارادته ومن بحر حياته فصار عالما بعلمه قادرا بقدرته سميعا بسمعه بصيرا ببصره متكلما بكلامه مريدا بارادته حيا بحياته فعلم بعلمه علم ما كان وما سيكون ويقلب الاعيان فى السّماوات والارض بقدرته ويسمع حركات الخواطر بسمعه ويرى ما فى الضمائر ببصره ويتكلم بحقائق الربوبية والعبودية بكلامه ويكون ما اراد بارادته ويحيى القلوب الميتة والابدان الفانية بحياته ولكل صفة منها ثانيها من جمهور الصفات الخاصة على ازاء كل صفة منها صفة حتى يكون مثانى ومنها القدم والبقاء والجلال والجمال والرؤية والصمدية والربوبيه فالصفات الاولى مع هذه الصفات السبع المثانى فكان من مشاهدة القدم والاتصاف به صار بنعت التجريد عن الحدثان ومن مشاهدة البقاء والاتصاف به صار متمكنا فى محل الصحو ومن مشاهدة الجلال والاتصاف به صار فى محل الهيبة مهيبا فى السماوات والارض ومن مشاهدة الجمال والاتصاف به صار عاشقا بوجه القدم وصار مرآة جمال الحق فى العالم ومن مشاهدة رؤيته والاتصاف بها صار شائقا محبا مستغرقا فى بحر الازل وصار معشوقا لقلوب الخليقة ومن مشاهدته الصمدية واتصافه بها صار صمدانيا مشربه من العندية وطعامه من المشاهدة بقوله ابيت عند ربى يطعمنى ويسقينى وكان لا يراه احد الا اسكن جوعه من تاثير صمدانيته ومن مشاهدة الربوبية والاتصاف بها صار متصرفا فى مماليك الحق وعباده وبلاده الا ترى كيف اجابه الشجرة حتى ات عنده من البعد وسترته لقضاء حاجته وكيف انشق القمر باشارته وصار بذلك مسجود الحجر والشجر فقد اعطاه الله انوار هذه السبع المثانى من الصفات القدمية وزاد بانه اعطاه القران العظيم الذى اخبره خبر جميع اسمائه ونعوته واوصافه وما لم يصل اليه جميع الصفات لان صفاته تعالى غير متناهية فعرَّفه القران اوصاف الذات والصفات جميعا وعظم القران من عظم متكلمه وهو بذاته تعالى تكلم بقران عظمته من حيث عظمة الذات وعظمته ان تحت كل حرف من حروفه بحرا من علوم الازلية الابدية وايضا لكل صفة من صفاته ثانى من عينية الذات فالصفة ثانى الذات والذات ثانى الصفات ليس من جهة الافتراق والاجتماع هو واحد من جميع الوجوه وهو منزه عن كل تفرقة وجمع كانه قال اتيناك معا فى الذات والصفات وجئت عرفتها بعد ان عرفك تعالى بجلاله وعزته اى كسيناك نور ذاتنا وصفاتنا لذلك قال عليه السلام من رانى فقد راى الحق ومن عرفنى فقد عرف الحق والقرآن العظيم علمك انباء الربوبية وعرفك حقائق الالوهية واعلمك علوم الغيبية واحكام العبودية وادق الاشارة ان السبع المثانى هى تلك الصفات القائمة وتاثيرها من جهة الاتصاف بها فى قلب النبى صلى الله عليه وسلم كانه ثوانى السبع الصفات القائمة بالذات لانه العالم والقادر والسميع والبصير والمتكلم والمريد والحى وهذه الصفات من النبى صلى الله لعيه وسلم مواليد تلك الصفات القائمة الازلية المنزهة من العلة وتواثيرها الا ترى الى ما حكى عن الله عز وجل فى حق المحبين ما قال الله اذا احببته كنت له سمعا وبصرا ولسانا ويدا ولذلك قال عليه السلام خلق الله آدم على صورته ويمكن انه تعالى قد اشار ايضا الى صفته العامة وصفته الخاصة مثل المتشابهات اى عرّفناك صفتى الخاصة والعامة وعرّفناك بالقران العظيم معانى الصفات العامة والخاصة فصرت عاشقا محباً مشتاقا من رؤية الصفات الخاصة المتشابهة لانها معدن الجمال والجلال وصرت متفردا من رؤية صرف الالوهية بواسطة الصفات العامة عن الاكوان والحدثان وظاهر الآية اتيناك سبعا من المعانى اربعة عشر خلقا من اخلاقه مثل الرحمة والشفقة والعفو والصفح والكرم والظرافة واللطافة والحسن والجمال والهيبة والحياء والسخاء والوفاء والولاية والنبوة والرسالة وهذا كما روى على بن موسى الرضا عن ابيه عن جعفر عليهم الصلاة والسلام فى هذه الآية قال اكرمناك وانزلنا اليك وارسلناك والهمناك وهديناك وسلّطناك ثم اكرمناك بسبع كرامات اولها الهدى والثانى النبوة والثالث بالرحمة === الشفقة والخامس المودة والالفة والسادس النعيم والسابع السكينة والقران العظيم وفيهم اسم الله الاعظم ولما بين امتنانه عليه وعرفه مكان النعمة السمرمدية له صغر الكون وما فيه فى عينه بقوله { لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ} اى لا تنظر يا صاحب هذه المعانى العظيمة الربانية الى زينة اصناف اهل الدنيا من الغافلين عنا فانها فانية لا يليق بهمتك وهذا اشارة الى سر الفطرة النفسانية المجبورة بالشهوة الخفية اى ينبغى ان لا يميل نفسك الى شئ غيرنا فانه موضع خطر المخلصين لانه محل امتحاننا لا تمدن عينيك الى طلب جمالنا فى غيرنا من اوصاف الروحانيات فان حقيقة المشاهدة ما تكون خالية من الوسايط اى لا تكن كالخليل حيث قال هذا ربى هذا اكبر لكن اقتد بآخر مقامه حيث قال انى وجهت وجهى للذى فطر السّماوات والارض فبدابته فى قوله هذا ربى مقام العشق وآخر مقامه افراد القدم عن الحدوث فاول مقامك اخر مقام الخليل فغض عليه السلام بصره عن الوجود لذلك وصفه بقوله ما زاغ البصر وما طغى وفى الحديث المروى انه عليه السّلام كان اذا راى اموال اهل الدنيا من الابل والغنم وغيرهما يغطى عينيه بكمّه ويقول بهذا امر ربى ثم زاد التاكيد برفع الهمة عن الغير بقوله {وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ} ثم امر باستعمال خلقه للمقبلين الى الله المتابعين حبيبه بنعت المحبة والايمان واليقين بقوله {وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ} جناح همتك ارتفعت من الكونين ووصلت الى قاب قوسين لانها اجنحة الوهية ربانية قيومية اى اخفض جناح الربوبية التى اتصف بها لاهل العبودية حتى يطيروا بجناح نبوتك الى معادن رسالتك ويجدون بمتابعتك وهمتك المقامات الشريفة والولايات الرفيعة ومع ذلك لا تتكلم من حيث انت فانت من حيث انا ولكن تكلم معهم من حيث انت فى مقام العبودية بقوله {وَقُلْ إِنِّيۤ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ} لستُ من قبل الربوبية بشئ لكن انا بشر مثلكم يوحى الىّ فمن جهة الوحى انذركم من عظيم جلاله وقهر كبريائه واحذركم من الم فراقه انا النذير منه مبين حيث البسنى شاهد ملكه وعز جلاله وانوار بهائه مبين من حيث ظهر معجزتى لكم وانتم معا ينوها قال بعضهم فى قوله لا تمدن عينيك غار الحق على حبيبه ان يستحسن من الكون شيئًا او ينظره طرفة فان ذلك متعة لا حاصل له ضد الحق واراد منه ان يكون اوقاته مصروفة اليه وايامه موقوفة عليه وانفاسه حسيبة عنده فقال لا تمدن عينيك الى ما متعنا لذلك وقع فى المحل الاعلى فما زاغ ولا طغى قال يوسف بن الحسين اذن الله تعالى فى قوله قل انى انا النذير المبين لنبيه عليه السّلام ان يخبر عن نفسه بانه السفير الاجل والعلم الظاهر والبيان الشافى قال وقل انى انا النذير المبين.

اسماعيل حقي

تفسير : {وما خلقنا السموات والارض وما بينهما} اى بين جنسى السموات والارضين ولو اراد بين اجزاء المذكور لقال بينهن. وفيه اشارة الى ان اصل السموات واحدة عند بعضهم قم قسمت كذا فى الكواشى {الا بالحق} اى الا خلقا ملتبسا بالحق والحكمة لا باطلا وعبثا او للحق والباء توضع موضع اللام يعنى لينظر عبادى اليهما فيعتبروا شعر : دوجشم ازبى صنع بارى نكوست زعيب برادر فرو كير ودوست در معرفت ديده آدميست كه بكشوده بر آسمان وزميست تفسير : {وان الساعة} اى القيامة لتوقعها كل ساعة كما فى المدارك. وقال ابن ملك هى اسم لوقت تقوم فيه القيامة سمى بها لانها ساعة خفيفة يحدث فيها امر عظيم. وقال ابن الشيخ سميت الساعة ساعة لسعيها الى جانب الوقوع ومسافتها الانفاس {لآتية} لكائنة لا محالة كما قيل [كرجه قيامت دير آمد ولى مى آمد] اى فينتقم الله لك يا محمد فيها من اعدائك وهم المكذبون ويجازيك على حسناتك واياهم على سيآتهم فانه ما خلق السموات والارض وما بينهما الا ليجزى كل محسن باحسانه وكل مسئ باساءته {فاصفح الصفح الجميل} يقال صفح عنه عفا وصفح اعرض وترك اى فاعرض عن المكذبين اعراضا جميلا وتحمل اذيتهم ولا تعجل بالانتقام منهم وعاملهم معاملة الصفوح الحليم. قال الكاشفى يعنى [عفوكن حق نفس خودرا ودر صدد مكافات مباش]. تفسير : {ان ربك} الذى يبلغك الى غاية الكمال {هو الخلاق} لك ولهم ولسائر الموجودات على الاطلاق. قال الكاشفى [اوست آفريننده خلائق وافلاك نظم خالق افلاك وانجم بر علا مردم وديو وبرى وردغ را] شعر : خالق دريا ودشت وكوه وتيه ملكت او بى حد واولى شبيه نقش اوكرجست ونقاش من اوست غيرا كردعوى كندا وظلم جوست تفسير : {العليم} [دانا باهل وفاق ونفاق]. وفى الارشاد باحوالك واحوالهم بتفاصيلها فلا يخفى عليه شئ مما جرى بينك وبينهم فهو حقيق بان تكل جميع الامور اليه ليحكم بينهم. وفى الآية امر بالمخالفة بالخلق الحسن وكان صلى الله عليه وسلم احسن الناس خلقا وارجح الناس حلما واعظم الناس عفوا واسخى الناس كفا. قال الفضيل الفتوة الصفح عن عثرات الاخوان. وكان زين العابدين عظيم التجاوز والصفح والعفو حتى انه سبه رجل فتغافل عنه فقال له اياك اعنى فقال وعنك اعرض اشار الى آية خذ العفو وائمر بالعرف واعرض عن الجاهلين. ولما ضرب جعفر بن سليمان العباسى والى المدينة مالكا رضى الله عنه ونال منه وحمل مغشيا وافاق قال اشهدكم انى جعلت ضاربى فى حل ثم سئل فقال خفت ان اموت والقى النبى صلى الله عليه وسلم واستحيى منه ان يدخل بعض آله النار بسببى. ولما قدم المنصور المدينة ناداه ليقتص له من جعفر فقال اعوذ بالله والله ما ارتفع منها سوط الا وقد جعلته فى حل لقرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم. قيل الحلم ملح الاخلاق. وكانت عائشة رضى الله عنها تبكى على جارية فقيل لها فى ذلك فقالت ابكى حسرة على ما فاتنى من تحمل السفه منها والحلم عن سوء خلقها فانها سيئة الخلق. والاشارة {أية : وما خلقنا السموات والارض وما بينهما الا بالحق} تفسير : اى لا مظهر الآيات الحق بالحق لارباب الحق المكاشفين بصفات الحق فانه لا شعور للسموات والارض وما بينهما من غير الانسان بانها مظهر لآيات الحق وانما الشعور بذلك للانسان الكامل كما قال {أية : ان فى خلق السموات والارض واختلاف الليل والنهار لآيات لاولى الالباب} تفسير : وهم الذين خلص لب اخلاقهم الربانية من قشر صفاتهم الانسانية وفيه معنى آخر{وما خلقنا السموات} اى سموات الارواح {والارض} اى ارض الاشباح {وما بينهما} من النفوس والقلوب والاسرار والخفيات {الا بالحق} اى الا بالمظهر الحق ومظهره الانسان فانه مخصوص به من بين سائر المخلوقات والمكونات لانه بجميع مبانيه الظاهرة ومعانيه الباطنة مرآة لذات الحق تعالى وصفاته فهو مظهره عند التزكية والتصفية ومظهره عند التخلية والتحلية لشعوره بذلك كما كان حال من صقل مرآته عن صدأ انانيته وتجلى بشهود هويته عند تجلى ربوبيته بالحق فقال انا الحق ومن قال بعد فناء انانيته عند بقاء السبحانية سبحانى ما اعظم شأنى. وفى قوله {أية : وان الساعة لآتية} تفسير : اشارة الى ان قيامة العشق لآتية لنفوس الطالبين الصادقين من اصحاب الرياضات فى مكابدة النفس ومجاهدتها لان الطلب والصدق والاجتهاد من نتائج عشق القلب وانه سيتعدى الى النفس لكثرة الاجتهاد فى رياضتها فتموت عن صفاتها فى قيامة العشق ومن مات فقد قامت قيامته {أية : فاصفح الصفح الجميل} تفسير : يا ايها الطالب الصادق عن النفس المرتاضة بان تواسيها وتدارسها ولا تحمل عليها اصرا ولا تحملها ما لا طاقة لها به فان فى قيامة العشق يحصل من تزكية العشق فى لحظة واحدة ما لا يحصل بالمجاهدة فى سنين كثيرة لان العشق جذبة لحق وقال صلى الله عليه وسلم "حديث : جذبة من جذبات الحق توازى عمل الثقلين" تفسير : {ان ربك هو الخلاق العليم} يشير بالخلاق وهو للمبالغة الى انه تعالى خالق لصور المخلوقات ومعانيها وحقائقها العلم بمن خلقه مستعدا لمظهرية ذاته وصفاته ومظهريتهما له شعوره بها كذا فى التأويلات النجمية. تفسير : {ولقد آتيناك} قال الحسين بن الفضل ان سبع قوافل وافت من بصرى واذرعات ليهود قريظة والنضير فى يوم واحد بمكة فيها انواع من البزوافاويه الطيب والجوهر وامتعة البحر فقالت المسلمون لو كانت هذه الاموال لنا لتقوينا بها وانفقناها فى سبيل الله فانزل الله هذه الآية وقال قد اعطيتكم سبع آيات هى خير لكم من هذه السبع القوافل ويدل على صحة هذا قوله تعالى على اثرها {أية : لا تمدن عينيك} تفسير : الآية كما فى اسباب النزول للامام الواحدى [ودر تيسير آورده كه هفت كاروان قريش دريكروز بمكه در آمدند با مطاعم بسيار وملابس بيشمار ودر خاطر مبارك حضرت خطور فرمودكه مؤمنان ران كرسنه وبرهنه كذرانند ومشركانرا اين همه مال باشد] فقال الله تعالى {ولقد آتيناك} يا محمد {سبعا} هى الفاتحة لانها مائة وثلاثة وعشرون حرفا وخمس وعشرون كلمة وسبع آيات بالاتفاق غير ان منهم من عد انعمت عليهم دون التسمية ومنهم من عكس {من المثانى} وهى القرآن ومن للتبعيض كما قال تعالى فى سورة الزمر {أية : الله نزل احسن الحديث كتابا متشابها مثانى} تفسير : جمع مثنى لانه ثنى فيه اى كرر فى القرآن الوعد والوعيد والامر والنهى والثواب والعقاب والقصص كما فى الكواشى {والقرآن العظيم} [وديكر داديم ترا قرآن عظيم كه نزد ما قدر او بزرك وثواب او بسيارات] وهو من عطف الكل على البعض وهو السبع ويجوز ان يكون من للبيان فالسبع هى المثانى كقوله {أية : فاجتنبوا الرجس من الاوثان} تفسير : يعنى اجتنبوا الاوثان وتسمية الفاتحة مثانى لتكرر قراءتها فى الصلاة ولانها تثنى بما يقرأ بعدها فى الصلاة من السورة والآيات لان نصفها ثناء العبد لربه ونصفها عطاء الرب للعبد ويؤيد هذا الوجه قوله عليه السلام لابى سعد لاعلمنك سورة هى اعظم سورة فى القرآن قال ما هى قال "حديث : الحمد لله رب العالمين وهى السبع المثانى والقرآن العظيم الذى اوتيته" تفسير : وهذا يدل على جواز اطلاق القرآن على بعضه. قال فى الفتح القريب عطف القرآن على السبع المثانى ليس من باب عطف الشيء على نفسه وانما هو من باب ذكر الشيء بوصفين احدهما معطوف على الآخر اى هى الجامعة لهذين الوصفين. يقول الفقير لما كانت الفاتحة اعظم ابعاض القرآن من حيث اشتمالها على حقائقه صح اطلاق الكل عليها واما كونها مثانى فباعتبار تكرر كل آية منها فى كل ركعة ولا يبعد كل البعد ان يقال ان تسميتها بالمثانى باعتبار كونها من اوصاف القرآن والجزؤ اذا كان كأنه الكل صح اتصافه بما اتصف به الكل

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله: {وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما} من الكائنات {إلا بالحقِّ} أي إلا خلقاً ملتبساً بالحق، وهو الدلالة على كمال قدرتنا وباهر حكمتنا، فمن كمال القدرة: إهلاك أهل الفساد، ودفع شرورهم وإبطال فسادهم، ومن باهر حكمته أنه لم يهلكهم إلا بسبب عتوهم وفسادهم. فالحكمة رداء للقدرة، وترتيبها على أسباب وشروط يدل على باهر الحكمة. ومن مقتضيات الحكمة: ترتيب الجزاء على العمل، بحيث لا يهمل عملاً، فأهل الإكرام يترتب إكرامهم وإنعامهم على عملهم الصالح، واعتقادهم الصحيح، وما قاسوه من المجاهدة والمكابدة. وأهل الانتقام يترتب منهم على عملهم الفاسد، واعتقادهم الباطل، وعلى ما قالوا في الدنيا، التي هي مزرعة الآخرة، من الدعة والحظوظ الفانية، ولذلك رتَّب عليه قوله: {وإنَّ الساعة لآتيةٌ} فيجازي فيها من يستحق الإكرام، ويعاقب من يستحق الانتقام، وينتقم لك فيها ممن يكذبونك، {فاصفح} اليوم {الصفحَ الجميل} ولا تعجل بالانتقام، وعاملهم معاملة الصفوح الحليم. وكان هذا قبل الأمر بالقتال. {أنَّ ربك هو الخلاق} الذي خلقك وخلقهم، وبيده أمرك وأمرهم، {العليمُ} بحالك وبحالهم، فهو الحقيق بأن تتكل عليه حتى يحكم بينك وبينهم. أو: هو الخلاق لأشباحكم وأرواحكم، العليم بما هو الأصلح لكم في وقت، وقد علم أن الصفح اليوم أصلح. والخلاق أبلغ من الخالق باعتبار اللغة، وأفعال الله تعالى كلها عظيمة كثيرة. الإشارة: ما نصبت لك الكائنات لتراها بعين الفرق، بل لترى فيها مولاها بعين الجمع. وما جعل لك هذه الدار لتتخذها دار القرار، وإنما جعلها قنطرة ومعبراً لدار القرار. إنما جعل لك الدنيا الفانية مزرعة للدار الباقية. وإن الساعة لآتية، فاصبر في هذه الدار اللمحة اليسيرة على شدائد الزمان، وجفوة الإخوان، واصفح الصفح الجميل، حتى ترد النعيم الباقي، والجزاء الجزيل. وتخلق بأخلاق الحليم الكريم، إن ربك هو الخلاق العليم، فلا قدرة لك على شيء إلا بقدرة السميع العليم. ثمَّ أمر بنيه بالغنى بالله وبكلامه عن التطلع إلى زهرة الدنيا

الطوسي

تفسير : وجه اتصال هذه بما تقدم ذكره هو ان الامم لما خالفوا الحق أهلكوا، لان الله ما خلق {السماوات والأرض إِلا بالحق} وعلى {إن الساعة آتية} للجزاء وأن جمع ما خلق يرجع الى عالم به وبتدبيره. وقيل: ما أهلكناهم إِلا بالحق كما خلقنا السموات والارض بالحق، فأخبر تعالى انه لم يخلق السموات والارض إِلا بالحق، ولوجه من وجوه الحكمة، وان الساعة، وهي يوم القيامة لآتية جائية بلا شك. ثم امر نبيه صلى الله عليه وسلم ان يصفح بمعنى يعفو عنهم عفواً جميلاً. واختلفوا في كونه منسوخاً: فقال قتادة، ومجاهد، والضحاك: إِنه منسوخ بوجوب الجهاد والقتال، وكان الصفح قبل ذلك. وقال الحسن: هذا فيما بينه وبينهم، لا في ما امر به من جهة جهادهم. وقال الجبائي: أمره بأن يحلم عنهم فيما كانوا يسفهون عليه من شتمه، وسفاهتهم عليه، فلا يقابلهم بمثله. ثم اخبر تعالى انه الخلاق لما ذكر من السموات والارض، عليهم بما فيه من المصلحة لعباده ووجه الحكمة فيه.

الجنابذي

تفسير : {وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ} مرّ نظائر الآية مراراً وهذا تمهيد للامر بالصّفح يعنى انّ قومك متلبّسون بالحقّ وانت اكمل الانبياء (ع) فلا ينبغى لك ان تنظر الى تكذيبهم وسوء صنيعهم بك وتدعو عليهم او تغضب عليهم فانّ غضبك كدعائك موجب لبعدهم عن الرّحمة وانت نبىّ الرّحمة فكن سبباً لقربهم من الرّحمة لا لبعدهم عن الرّحمة {وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لآتِيَةٌ} فمن كان منهم مستحقّاً للعقوبة والسّياسة لا يفلت عنّا فتوكّل علينا وكل امورهم الينا ولا تعاجلهم بالدّعاء كسائر الانبياء (ع) {فَٱصْفَحِ ٱلصَّفْحَ ٱلْجَمِيلَ} الّذى لاعتاب فيه ولا منّ، والعفو ترك المكافاة، والصّفح اخراج اثر المساءة من القلب، ويستعمل كلّ فى كلٍّ وكلّ فى الاعمّ وكأنّهما كالفقراء والمساكين اذا اجتمعا افترقا واذا افترقا اجتمعاً.

اطفيش

تفسير : {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَٰوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ} المقتضى لقطع الفساد بإِهلاك المفسدين ولإِظهار العدل بنصر أصحابه وللجزاء فى الدنيا وبعد البعث وقد فسر بعضهم الحق بالبعث ولم نخلق ذلك عبثاً. {وإِنَّ السَّاعَةَ} يوم القيامة، {لآَتِيَةٌ} ليثاب المحسن ويعاقب المسيىء فينتقم لك ممن أذاك أو كذبك {فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الجَمِيلَ} أى فأعرض يا محمد عن قومك الإِعراض الذى لا جزع فيه وتحمل أذاهم ولا تعجل بالانتقام منهم وهذا أمر حسن يؤمر به ويرغب فيه ولو أمر بالقتال فلا حاجة إِلى قول بعض أنه منسوخ بآية السيف إِذ لا دليل على أنه نهى عن قتالهم.

اطفيش

تفسير : {وَمَا خَلَقْنا السًّمَاواتِ والأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ} إلا مع الحق أو ملتبسات بالحق أو بسبب الحق الذى اقتضاه الدليل من الإيمان أَو البعث والجزاءِ والحق والحكمة والعدل المقتضى لإِهلاكهم وإزاحة فسادهم، وإلا كان الهرج والمرج. {وَإِنَّ السَّاعَةَ لآَتِيةٌ} فيجازى كل بعمله فينتقم لك منهم ولا تنتقم منهم فى الدنيا {فَاصْفَحِ الصَّفْح الْجَمِيل} يا محمد وهو الإعراض عن أَذاهم بلا جزع ولا انتقام، وأَخطأَ من قال فى مثل هذا أنه منسوخ بآية السيف لأَن هذا مأْمور به أَبدا قبل نزول القتال وبعده.

الالوسي

تفسير : {وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِٱلْحَقّ} أي إلا خلقاً متلبساً بالحق والحكمة بحيث لا يلائم استمرار الفساد واستقرار الشرور، وقد اقتضت الحكمة إهلاك أمثال هؤلاء دفعاً لفسادهم وإرشاداً لمن بقي إلى الصلاح {وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لآتِيَةٌ } ولا بد فننتقم أيضاً من أمثال هؤلاء، فالجملة الأولى إشارة إلى عذابهم الدنيوي والثانية إلى عقابهم الأخروي، وفي كلتا الجملتين من تسليته صلى الله عليه وسلم ما لا يخفى مع تضمن الأولى الإشارة إلى وجه إهلاك أولئك بأنه أمر اقتضته الحكمة، وفي "التفسير الكبير" في وجه النظم أنه تعالى لما ذكر إهلاك الكفار فكأنه قيل: كيف يليق ذلك بالرحيم؟ فأجاب سبحانه بأنه إنما خلقت الخلق ليكونوا مشتغلين بالعبادة والطاعة فإذا تركوها وأعرضوا عنها وجب في الحكمة إهلاكهم وتطهير الأرض. وتعقبه المفسر بأنه إنما يستقيم على قول المعتزلة، ثم ذكر وجهاً آخر لذلك وهو أن المقصود من هذه القصة تصبير النبـي صلى الله عليه وسلم على سفاهة قومه فإنه عليه الصلاة والسلام إذا سمع أن الأمم السالفة كانوا يعاملون أنبياءهم عليهم السلام بمثل هذه المعاملات الفاسدة هان عليه عليه الصلاة والسلام تحمل سفاهة قومه، ثم إنه تعالى لما بين انزال العذاب على الأمم السالفة المكذبة قال له صلى الله عليه وسلم إن الساعة لآتية وإن الله تعالى ينتقم لك فيها من أعدائك ويجازيك وإياهم على حسناتك وسيآتهم فإنه سبحانه ما خلق السمٰوات والأرض وما بنيهما إلا بالعدل والإنصاف فكيف يليق بحكمته إهمال أمرك، وإلى جواز تفسير الحق بالعدل ذهب شيخ الإسلام وأشار إلى أن الباء للسببية وأن المعنى ما خلقنا ذلك إلا بسبب العدل والإنصاف يوم الجزاء على الأعمال، وذكر أنه ينبىء عن ذلك الجملة الثانية؛ ولعل جعل كل جملة إشارة إلى شيء حسبما أشرنا إليه أولى. واستدل بالأولى بعض الأشاعرة على أن أفعال العباد مطلقاً مخلوقة له تعالى لدخولها فيما بينهما، وزعم بعض المعتزلة الرد بها على القائلين بذلك لأن المعاصي من الأفعال باطلة فإذا كانت مخلوقة له سبحانه لكانت مخلوقة بالحق والباطل لا يكون مخلوقاً بالحق، وهو كلام خال عن التحقيق. {فَٱصْفَحِ } أي أعرض عن الكفرة المكذبين {ٱلصَّفْحَ ٱلْجَمِيلَ } وهو ما خلا عن عتاب على ما روى غير واحد عن علي كرم الله تعالى وجهه وابن عباس رضي الله تعالى عنهما وفسر الراغب الصفح نفسه بترك التثريب وذكر أنه أبلغ من العفو وفي أمره صلى الله عليه وسلم بذلك إشارة إلى أنه عليه الصلاة والسلام قادر على الانتقام منهم فكأنه قيل: أعرض عنهم وتحمل أذيتهم ولا تعجل بالانتقام منهم وعاملهم معاملة الصفوح الحليم، وحاصل ذلك أمره صلى الله عليه وسلم بمخالفتهم بخلق رضى وحلم وتأن بأن ينذرهم ويدعوهم إلى الله تعالى قبل القتال ثم يقاتلهم، وعلى هذا فالآية غير منسوخة، وعن ابن عباس وقتادة ومجاهد والضحاك أنها منسوخة بآية السيف، وكأنهم ذهبوا إلى أن المراد بها مداراتهم وترك قتالهم، وآثر هذا الأخير العلامة الطيبـي قال: ليكون خاتمة القصص جامعة للتسلي والأمر بالمداراة وتخلصاً إلى مشرع آخر وهو قوله تعالى الآتي: {أية : وَلَقَدْ} تفسير : [الحجر: 87] إلى آخره ففيه حديث الإِعراض عن/ زهرة الحياة الدنيا وهو من أعظم أنواع الضر لكن ذكر في "الكشف" أن الذي يقتضيه النظم أن قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَـٰوَاتِ} إلى آخره جمع بين حاشيتي مفصل الآيات البرهانية والامتنانية ملخص منها مع زيادة مبالغة من الحصر ليلقيه المحتج به إلى المعاندين ويتسلى به عن استهزاء الجاحدين وتمهيد لتطرية ذكر المقصود من كون الذكر كاملاً في شأن الهداية وافياً بكل ما علق به من الغرض القائم له بحق الرعاية، ثم قال: ومنه يظهر أن الآية عطف على {وَمَا خَلَقْنَا } الخ عطف الخاص على العام إشارة إلى أنه أتم النعم وأحق دليل وأحق ما يتشفى به عن الغليل وان من أوتيه لا يضره فقد شيء سواه ومن طلب الهوى في غيره ترك وهواه اهـ فتدبر.

سيد قطب

تفسير : تلك السنن العامة التي لا تتخلف، والتي تحكم الكون والحياة، وتحكم الجماعات والرسالات، وتحكم الهدى والضلال، وتحكم المصائر والحساب والجزاء. والتي انتهى كل مقطع من مقاطع السورة بتصديق سنة منها، أو عرض نماذج منه في شتى هذه المجالات.. تلك السنن شاهد على الحكمة المكنونة في كل خلق من خلق الله، وعلى الحق الأصيل الذي تقوم عليه طبيعة هذا الخلق. ومن ثم يعقب السياق في ختام السورة ببيان هذا الحق الأكبر، الذي يتجلى في طبيعة خلق السماوات والأرض وما بينهما. وطبيعة الساعة الآتية لا ريب فيها. وطبيعة الدعوة التي يحملها الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقد حملها الرسل قبله. ويجمع بينها كلها في نطاق الحق الأكبر الذي يربطها ويتجلى فيها؛ ويشير إلى أن ذلك الحق متلبس بالخلق، صادر عن أن الله هو الخالق لهذا الوجود: {إن ربك هو الخلاق العليم}.. فليمض الحق الأكبر في طريقه، ولتمض الدعوة المستندة إلى الحق الأكبر في طريقها، وليمض الداعية إلى الحق لا يبالي المشركين المستهزئين: {فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين}.. وسنة الله ماضية في طريقها لا تتخلف. والحق الأكبر من ورائها متلبساً بالدعوة وبالساعة وبخلق السماوات والأرض، وبكل ما في الوجود الصادر عن الخلاق العليم.. إنها لفتة ضخمة تختم بها السورة. لفته إلى الحق الأكبر الذي يقوم به هذا الوجود.. {وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق، وإن الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل. إن ربك هو الخلاق العليم}.. إن هذا التعقيب بتقرير الحق الذي تقوم به السماوات والأرض، والذي به كان خلقهما وما بينهما، لتعقيب عظيم الدلالة، عميق المعنى، عجيب التعبير. فماذا يشير إليه هذا القول: {وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق}؟ إنه يوحي بأن الحق عميق في تصميم هذا الوجود: عميق في تكوينه. عميق في تدبيره. عميق في مصير هذا الوجود وما فيه ومن فيه.. عميق في تصميم هذا الوجود. فهو لم يخلق عبثا، ولم يكن جزافا، ولم يتلبس بتصميمه الأصيل خداع ولا زيف ولا باطل. والباطل طارئ عليه ليس عنصراً من عناصر تصميمه. عميق في تكوينه. فقوامه من العناصر التي يتألف منها حق لا وهم ولا خداع. والنواميس التي تحكم هذه العناصر وتؤلف بينها حق لا يتزعزع ولا يضطرب ولا يتبدل. ولا يتلبس به هوى أو خلل أو اختلاف. عميق في تدبيره. فبالحق يدبر ويصرف، وفق تلك النواميس الصحيحة العادلة التي لا تتبع هوى ولا نزوة، إنما تتبع الحق والعدل. عميق في مصيره. فكل نتيجة تتم وفق تلك النواميس الثابتة العادلة؛ وكل تغيير يقع في السماوات والأرض وما بينهما يتم بالحق وللحق. وكل جزاء يترتب يتبع الحق الذي لا يحابي. ومن هنا يتصل الحق الذي خلق الله به السماوات والأرض وما بينهما، بالساعة الآتية لا ريب فيها. فهي آتية لا تتخلف. وهي جزء من الحق الذي قام به الوجود. فهي في ذاتها حقيقة، وقد جاءت لتحق الحق. {فاصفح الصفح الجميل}.. ولا تشغل قلبك بالحنق والحقد، فالحق لا بد أن يحق: {إن ربك هو الخلاق العليم}.. الذي خلق ويعلم ما خلق ومن خلق. والخلق كله من إبداعه فلا بد أن يكون الحق أصيلا فيه، ولا بد أن ينتهي كل شيء فيه إلى الحق الذي بدأ منه وقام عليه. فهو فيه أصيل وما عداه باطل وزيف طارئ يذهب، فلا يبقى إلا ذلك الحق الكبير الشامل المستقر في ضمير الوجود. يتصل بهذا الحق الكبير تلك الرسالة التي جاء بها الرسول. وذلك القرآن الذي أوتيه: {ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم}. والمثاني الأرجح أن المقصود بها آيات سورة الفاتحة السبع ـ كما ورد في الأثر ـ فهي تثنى وتكرر في الصلاة، أو يثنى فيها على الله. والقرآن العظيم سائر القرآن. والمهم أن وصل هذا النص بآيات خلق السماوات والأرض وما بينهما بالحق والساعة الآتية لا ريب فيها، يشي بالاتصال بين هذا القرآن والحق الأصيل الذي يقوم به الوجود وتقوم عليه الساعة. فهذا القرآن من عناصر ذلك الحق، وهو يكشف سنن الخالق ويوجه القلوب إليها، ويكشف آياته في الأنفس والآفاق ويستجيش القلوب لإدراكها، ويكشف أسباب الهدى والضلال، ومصير الحق والباطل، والخير والشر والصلاح والطلاح. فهو من مادة ذلك الحق ومن وسائل كشفه وتبيانه. وهو أصيل أصالة ذلك الحق الذي خلقت به السماوات والأرض. ثابت ثبوت نواميس الوجود، مرتبط بتلك النواميس. وليس أمراً عارضاً ولا ذاهباً. إنما يبقى مؤثراً في توجيه الحياة وتصريفها وتحويلها، مهما يكذب المكذبون، ويستهزئ المستهزئون، ويحاول المبطلون، الذين يعتمدون على الباطل، وهو عنصر طارئ زائل في هذا الوجود. ومن ثم فإن من أوتي هذه المثاني وهذا القرآن العظيم، المستمد من الحق الأكبر، المتصل بالحق الأكبر.. لا يمتد بصره ولا تتحرك نفسه لشيء زائل في هذه الأرض من أعراضها الزوائل: ولا يحفل مصير أهل الضلال، ولا يهمه شأنهم في كثير ولا قليل. إنما يمضي في طريقه مع الحق الأصيل: {لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم، ولا تحزن عليهم، واخفض جناحك للمؤمنين. وقل: إني أنا النذير المبين}.. {لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم}.. والعين لا تمتد. إنما يمتد البصر أي يتوجه. ولكن التعبير التصويري يرسم صورة العين ذاتها ممدودة إلى المتاع. وهي صورة طريفة حين يتصورها المتخيل. والمعنى وراء ذلك ألا يحفل الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ذلك المتاع الذي آتاه الله لبعض الناس رجالاً ونساء ـ امتحاناً وابتلاء ـ ولا يلقي إليه نظرة اهتمام، أو نظرة استجمال. أو نظرة تمن. فهو شيء زائل وشيء باطل؛ ومعه هو الحق الباقي من المثاني والقرآن العظيم. وهذه اللفتة كافية للموازنة بين الحق الكبير والعطاء العظيم الذي مع الرسول، والمتاع الصغير الذي يتألق بالبريق وهو ضئيل. يليها توجيه الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى إهمال القوم المتمتعين، والعناية بالمؤمنين، فهؤلاء هم أتباع الحق الذي جاء به، والذي تقوم عليه السماوات والأرض وما بينهما؛ وأولئك هم أتباع الباطل الزائل الطارئ على صميم الوجود.. {ولا تحزن عليهم}.. ولا تهتم لمصيرهم السيئ الذي تعلم أن عدل الله يقتضيه، وأن الحق في الساعة يقتضيه. ودعهم لمصيرهم الحق. {واخفض جناحك للمؤمنين}.. والتعبير عن اللين والمودة والعطف بخفض الجناح تعبير تصويري، يمثل لطف الرعاية وحسن المعاملة ورقة الجانب في صورة محسوسة على طريقة القرآن الفنية في التعبير. {وقل: إني أنا النذير المبين}.. فذلك هو طريق الأصيل.. ويفرد الإنذار هنا دون التبشير لأنه الأليق بقوم يكذبون ويستهزئون، ويتمتعون ذلك المتاع البراق، ولا يستيقظون منه لتدبر الحق الذي تقوم عليه الدعوة، وتقوم عليه الساعة، ويقوم عليه الكون الكبير. {وقل: إني أنا النذير المبين}.. تلك القولة التي قالها كل رسول لقومه؛ ومنهم بقايا الأقوام التي جاءها أولئك الرسل بتلك النذارة البينة التي جئت بها قومك.. وكان منهم في الجزيرة العربية اليهود والنصارى.. ولكن هذه البقايا لم تكن تتلقى هذا القرآن بالتسليم الكامل، إنما كانت تقبل بعضه وترفض بعضه، وفق الهوى ووفق التعصب وهؤلاء هم الذين يسميهم الله هنا: {المقتسمين، الذين جعلوا القرآن عضين}.. {كما أنزلنا على المقتسمين الذين جعلوا القرآن عضين. فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون}.. وهذه السورة مكية. ولكن الخطاب بالقرآن كان عاماً للبشر. ومن البشر هؤلاء المقتسمون الذين جعلوا القرآن عضين (والعضة: الجزء. من عضى الشاة أي فصل بين أعضائها).. وهم مسؤولون عن هذه التفرقة. وقد جاءهم القرآن بالنذارة البينة، كما جاءتهم كتبهم من قبل. ولم يكن أمر القرآن ولا أمر النبي بدعاً لا عهد لهم به. فقد أنزل الله عليهم مثله، فكان أولى أن يستقبلوا الجديد من كتاب الله بالقبول والتسليم.. وحين يصل السياق إلى هذا الحد، يتجه بالخطاب إلى الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يمضي في طريقه. يجهر بما أمره الله أن يبلغه. ويسمي هذا الجهر صدعا ـ أي شقا ـ دلالة على القوة والنفاذ. لا يقعده عن الجهر والمضي شرك مشرك فسوف يعلم المشركون عاقبة امرهم. ولا استهزاء مستهزئ فقد كفاه الله شر المستهزئين: {فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين؛ إنا كفيناك المستهزئين، الذين يجعلون مع الله إلـهاً آخر فسوف يعلمون}.. والرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بشر لا يملك نفسه أن يضيق صدره وهو يسمع الشرك بالله، ويسمع الاستهزاء بدعوة الحق. فيغار على الدعوة ويغار على الحق، ويضيق بالضلال والشرك. لهذا يؤمر أن يسبح بحمد ربه ويعبده، ويلوذ بالتسبيح والحمد والعبادة من سوء ما يسمع من القوم. ولا يفتر عن التسبيح بحمد ربه طوال الحياة، حتى يأتيه اليقين الذي ما بعده يقين.. الأجل.. فيمضي إلى جوار ربه الكريم: {ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون. فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين. واعبد ربك حتى يأتيك اليقين}. ويكون هذا ختام السورة.. الإعراض عن الكافرين واللواذ بجوار الله الكريم. أولئك الكافرين الذين سيأتي يوم يودون فيه لو كانوا مسلمين.. إن الصدع بحقيقة هذه العقيدة؛ والجهر بكل مقوّماتها وكل مقتضياتها. ضرورة في الحركة بهذه الدعوة؛ فالصدع القوي النافذ هو الذي يهز الفطرة الغافية؛ ويوقظ المشاعر المتبلدة؛ ويقيم الحجة على الناس {أية : ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيّ عن بينة} تفسير : أما التدسس الناعم بهذه العقيدة؛ وجعلها عضين يعرض الداعية منها جانبا ويكتم جانبا، لأن هذا الجانب يثير الطواغيت أو يصد الجماهير! فهذا ليس من طبيعة الحركة الصحيحة بهذه العقيدة القوية. والصدع بحقيقة هذه الحقيقة لا يعني الغلظة المنفرة، والخشونة وقلة الذوق والجلافة! كما أن الدعوة بالحسنى لا تعني التدسس الناعم، وكتمان جانب من حقائق هذه العقيدة وإبداء جانب، وجعل القرآن عضين.. لا هذه ولا تلك.. إنما هو البيان الكامل لكل حقائق هذه العقيدة؛ في وضوح جلي، وفي حكمة كذلك في الخطاب ولطف ومودة ولين وتيسير. "وليست وظيفة الإسلام أن يصطلح مع التصورات الجاهلية السائدة في الأرض، ولا الأوضاع الجاهلية القائمة في كل مكان.. لم تكن هذه وظيفته يوم جاء؛ ولن تكون هذه وظيفته اليوم ولا في المستقبل.. فالجاهلية هي الجاهلية، والإسلام هو الإسلام.. الجاهلية هي الانحراف عن العبودية لله وحده، وعن المنهج الإلهي في الحياة، واستنباط النظم والشرائع والقوانين، والعادات والتقاليد والقيم والموازين، من مصدر آخر غير المصدر الإلهي.. والإسلام هو الإسلام، ووظيفته هي نقل الناس من الجاهلية إلى الإسلام". وهذه الحقيقة الأساسية الكبيرة هي التي يجب أن يصدع بها أصحاب الدعوة الإسلامية، ولا يخفوا منها شيئا؛ وأن يصروا عليها مهما لاقوا من بطش الطواغيت وتململ الجماهير: {ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون. فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين. واعبد ربك حتى يأتيك اليقين}..

ابن عاشور

تفسير : موقع الواو في صدر هذه الجملة بديع. فهذه الجملة صالحة لأن تكون تذييلاً لقصص الأمم المعذبة ببيان أن ما أصابهم قد استحقّوه فهو من عدل الله بالجزاء على الأعمال بما يناسبها، ولأن تكون تصديراً للجملة التي بعدها وهي جملة {وإن الساعة لآتية}. والمراد ساعة جزاء المكذّبين بمحمد صلى الله عليه وسلم أي ساعة البعث. فعلى الأول تكون الواو اعتراضية أو حالية، وعلى الثّاني عاطفةً جملة على جملة وخبراً على خبر. على أنه قد يكون العطف في الحالين لجعلها مستقلة بإفادة مضمونها لأهميته مع كونها مكمّلة لغيرها، وإنما أكسبها هذا الموقع البديع نظمُ الجمل المعجز والتنقل من غرض إلى غرض بما بينها من المناسبة. وتشمل {السماوات والأرض وما بينهما} أصناف المخلوقات من حيوان وجماد، فشمل الأمم التي على الأرض وما حلّ بها، وشمل الملائكة الموكّلين بإنزال العذاب، وشمل الحوادث الكونية التي حلّت بالأمم من الزلازل والصواعق والكِسف. والباء في {إلا بالحق} للملابسة متعلقة بــــ{خلقنا}، أي خلقا ملابساً للحقّ ومقارناً له بحيث يكون الحقّ بادياً في جميع أحوال المخلوقات. والملابسة هنا عرفية؛ فقد يتأخّر ظهور الحقّ عن خلق بعض الأحوال والحوادث تأخّراً متفاوتاً. فالملابسة بين الخلق والحقّ تختلف باختلاف الأحوال من ظهور الحقّ وخفائه؛ على أنّه لا يلبث أن يظهر في عاقبة الأمور كما دلّ عليه قوله تعالى: {أية : بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق} تفسير : [سورة الأنبياء: 18]. والحقّ: هنا هو إجراء أحوال المخلوقات على نظام ملائم للحكمة والمناسبة في الخير والشرّ، والكمال والنقص، والسموّ والخفض، في كلّ نوع بما يليق بماهيته وحقيقته وما يُصلحه، وما يصلح هو له، بحسب ما يقتضيه النظام العام لا بحسب الأميال والشهوات، فإذا لاح ذلك الحقّ الموصوف مقارناً وجودُه لوجود محقوقه فالأمر واضح، وإذا لاح تَخلّف شيء عن مناسبة فبالتأمّل والبحث يتّضح أن وراء ذلك مناسبة قضت بتعطيل المقارنة المحقوقة، ثم لا يتبدّل الحقّ آخر الأمر. وهذا التأويل يُظهره موقع الآية عقب ذكر عقاب الأمم التي طغت وظلمت، فإن ذلك جزاء مناسبٌ تمردَها وفسادَها، وأنها وإن أمهلت حيناً برحمة من الله لحكمة استبقاء عمران جزء من العالم زماناً فهي لم تُفلت من العذاب المستحقّ لها، وهو من الحقّ أيضاً فما كان إمهالها إلاّ حقّاً، وما كان حلول العذاب بها إلاّ حقّاً عند حلول أسبابه، وهو التمرّد على أنبيائهم. وكذلك القول في جزاء الآخرة أن تعطّل الجزاء في الدّنيا بسبب عطل ما اقتضته الحكمة العامة أو الخاصة. وموقع جملة {وإن الساعة لآتية} في الكلام يجعلها بمنزلة نتيجة الاستدلال، فمن عرف أن جميع المخلوقات خلقت خلقاً ملابساً للحقّ وأيقن به علم أن الحقّ لا يتخلّف عن مستحقِّه ولو غاب وتأخّر، وإن كان نظام حوادث الدنيا قد يعطّل ظهور الحقّ في نصابه وتخلّفه عن أربابه. فعُلم أنّ وراء هذا النّظام نظاماً مدّخراً يتّصل فيه الحقّ بكل مستحقّ إن خيراً وإن شراً، فلا يُحْسبَنّ من فات من الذين ظلموا قبل حلول العذاب بهم مفلتاً من الجزاء فإن الله قد أعدّ عالماً آخر يعطي فيه الأمور مستحقّيها. فلذلك أعقب الله و{وما خلقنا السماوات والأرض} بآية {وإن الساعة لأتية}، أي أن ساعة إنفاذ الحقّ آتية لا محالة فلا يريبك ما تراه من سلامة مكذّبيك وإمهالهم كما قال تعالى: {أية : وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد على ما يفعلون} تفسير : [سورة يونس: 46]. والمقصود من هذا تسلية النبي على ما لقيه من أذى المشركين وتكذيبهم واستمرارهم على ذلك إلى أمد معلوم. وقد كانت هذه الجملة في مقتضى الظاهر حريّة بالفصل وعدم العطف لأن حقّها الاستئناف ولكنها عطفت لإبرازها في صورة الكلام المستقلّ اهتماماً بمضمونها، ولأنها تسلية للرسول عليه الصلاة والسلام على ما يلقاه من قومه، وليصحّ تفريع أمره بالصّفح عنهم في الدنيا لأن جزاءهم موكول إلى الوَقت المقدر. وفي إمهال الله تعالى المشركين ثم في إنجائهم من عذاب الاستئصال حكمة تحقّق بها مراد الله من بقاء هذا الدّين وانتشاره في العالم بتبليغ العرب إيّاه وحمْله إلى الأمم. والمراد بالساعة ساعة البعث وذلك الذي افتتحت به السورة. وذلك انتقال من تهديدهم ووعيدهم بعذاب الدنيا إلى تهديدهم بعذاب الآخرة. وفي معنى هذه الآية قوله تعالى: {أية : ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى والذين كفروا عما أنذروا معرضون} تفسير : في سورة الأحقاف (3). وتفريع {فاصفح الصفح الجميل} على قوله تعالى: {وما خلقنا السمٰوات والأرض وما بينهما إلا بالحق} باعتبار المعنى الكنائي له، وهو أن الجزاء على أعمالهم موكول إلى الله تعالى فلذلك أمر نبيّه صلى الله عليه وسلم بالإعراض عن أذاهم وسوء تلقّيهم للدّعوة. و{الصفح}: العفو. وقد تقدم في قوله تعالى: {أية : فاعف عنهم واصفح} تفسير : في سورة العقود (13). وهو مستعمل هنا في لازمه وهو عدم الحزن والغضب من صنيع أعداء الدّين وحذف متعلق الصّفح لظهوره، أي عمن كذّبك وآذاك. {والجميل}: الحسن. والمراد الصفح الكامل. ثمّ إن في هذه الآية ضرباً من ردّ العجز على الصدر، إذ كان قد وقع الاستدلال على المكذبين بالبعث بخلق السماوات والأرض عند قوله: {أية : ولو فتحنا عليهم باباً من السماء فظلوا فيه يعرجون لقالوا إنما سكّرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون ولقد جعلنا في السماء بروجاً} تفسير : [سورة الحجر: 14 - 16] الآيات. وختمت بآية: {أية : وإنا لنحن نحيي ونميت ونحن الوارثون} تفسير : [سورة الحجر: 23] إلى قوله تعالى: {أية : وإن ربك هو يحشرهم } تفسير : [سورة الحجر: 25]. وانتقل هنالك إلى التذكير بخلق آدم عليه السلام وما فيه من العِبر. ثم إلى سَوق قصص الأمم الّتي عقبت عصور الخلقة الأولى فآن الأوان للعود إلى حيث افترق طريق النظم حيث ذكر خلق السماوات ودلالته على البعث بقوله تعالى: وما خلقنا السمٰوات والأرض وما بينهما إلا بالحق} الآيات، فجاءت على وزان قوله تعالى: {أية : ولقد جعلنا في السماء بروجاً} تفسير : [سورة الحجر: 16] الآيات. فإن ذلك خلق بديع. وزيد هنا أن ذلك خُلق بالحقّ. وكان قوله تعالى: {وإن الساعة لأتية} فذلكة لقوله تعالى: {أية : وإنا لنحن نحيي ونميت}تفسير : [سورة الحجر: 23] إلى: {أية : وإن ربك هو يحشرهم إنه حكيم عليم} تفسير : [سورة الحجر: 25]، فعاد سياق الكلام إلى حيث فارق مهيعه. ولذلك تخلص إلى ذكر القرآن بقوله: {أية : ولقد آتيناك سبعاً من المثاني} تفسير : [سورة الحجر: 87] الناظر إلى قوله تعالى: {أية : إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} تفسير : [سورة الحجر: 9]. وجملة {إن ربك هو الخالق العليم} في موقع التعليل للأمر بالصّفح عنهم، أي لأن في الصّفح عنهم مصلحة لك ولهم يعلمها ربك، فمصلحة النبي صلى الله عليه وسلم في الصّفح هي كمال أخلاقه، ومصلحتهم في الصّفح رجاء إيمانهم، فالله الخلّاق لكم ولهم ولنفسك وأنفسهم، العليم بما يأتيه كل منكم، وهذا كقوله تعالى: {أية : فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون} تفسير : [سورة فاطر: 8]. ومناسبته لقوله تعالى: {وإن الساعة لأتية} ظاهرة. وفي وصفه بــــ{الخالق العليم} إيماء إلى بشارة النبي صلى الله عليه وسلم بأن الله يخلق من أولئك من يعلم أنّهم يكونون أولياء للنبي صلى الله عليه وسلم وهم الذين آمنوا بعد نزول هذه الآية والّذين ولدوا، كقول النبي صلى الله عليه وسلم«حديث : لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبده»تفسير : . وقال أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطّلب وكان في أيام الجاهلية من المؤذين للنبي صلى الله عليه وسلم شعر : دَعَاني داعٍ غيرُ نفسي وردّني إلى الله من أطردتُه كل مُطْرَد تفسير : يعني بالداعي النبي صلى الله عليه وسلم. وتلك هي نكتة ذكر وصف {الخالق} دون غيره من الأسماء الحسنى. والعدول إلى {إن ربك} دون (إنّ الله) للإشارة إلى أن الّذي هو ربّه ومدبّر أمره لا يأمره إلا بما فيه صلاحه ولا يقدر إلاّ ما فيه خيره.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ}. ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أنه ما خلق السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق. أي ليدل بذلك على أنه المستحق لأن يعبد وحده، وأنه يكلف الخلق ويجازيهم على أعمالهم. فدلت الآية على أنه لم يخلق الخلق عبثاً ولا لعباً ولا باطلاً. وقد أوضح ذلك في آيات كثيرة، كقوله: {أية : وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ ٱلنَّارِ}تفسير : [ص: 27]، وقوله {أية : رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}تفسير : [آل عمران: 191]، وقوله: {أية : وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ مَا خَلَقْنَاهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ}تفسير : [الدخان: 38-39] الآية، وقوله: {أية : أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ فَتَعَالَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْكَرِيمِ} تفسير : [المؤمنون: 115-116]، وقوله: {أية : وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيِجْزِيَ ٱلَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِٱلْحُسْنَى}تفسير : [النجم: 31]، وقوله: {أية : أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَىٰ}تفسير : [القيامة: 36-37] إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى: {وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لآتِيَةٌ}. ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن الساعة آتية، وأكد ذلك بحرف التوكيد الذي هو "إنَّ" وبلام الابتداء التي تزحلقها إن المكسورة عن المبتدأ إلى الخبر. وذلك يدل على أمرين: أحدهما - إتيان الساعة لا محالة. والثاني - إن إتيانها أنكره الكفار، لأن تعدد التوكيد يدل على إنكار الخبر، كما تقرر في فن المعاني. وأوضح هذين الأمرين في آيات أخر. فبين أن الساعة آتية لا محالة في مواضع كثيرة كقوله: {أية : إِنَّ ٱلسَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا}تفسير : [طه: 15] وقوله: {أية : وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ آتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ ٱللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي ٱلْقُبُورِ}تفسير : [الحج: 7] وقوله: {أية : إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا}تفسير : [الحج: 1-2] الآية، وقوله {أية : وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَٱلسَّاعَةُ لاَ رَيْبَ فِيهَا قُلْتُم مَّا نَدْرِي مَا ٱلسَّاعَةُ} تفسير : [الجاثية: 32] الآية، وقوله: {أية : وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُبْلِسُ ٱلْمُجْرِمُونَ}تفسير : [الروم: 12]، وقوله: {أية : وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُقْسِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ}تفسير : [الروم: 55]، وقوله: {أية : قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً} تفسير : [الأعراف: 187]، والآيات بمثل ذلك كثيرة جداً. وبين جل وعلا إنكار الكفار لها في مواضع أخر. كقوله: {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَأْتِينَا ٱلسَّاعَةُ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ}تفسير : [سبأ: 3] وقوله: {أية : زَعَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَن لَّن يُبْعَثُواْ}تفسير : [التغابن: 7] وقوله: {أية : إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَيَقُولُونَ إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا ٱلأُوْلَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ}تفسير : [الدخان: 34-35] والآيات بمثل ذلك كثيرة جداً. قوله تعالى: { فَٱصْفَحِ ٱلصَّفْحَ ٱلْجَمِيلَ}. أمر الله جل وعلا نبيه عليه الصلاة والسلام في هذه الآية الكريمة أن يصفح عمن أساء الصفح الجميل. أي بالحلم والإغضاء. وقال علي وابن عباس: الصفح الجميل: الرضا بغير عتاب. وأمره صلى الله عليه وسلم يشمل حكمه الأمة. لأنه قدوتهم والمشرع لهم. وبين تعالى ذلك المعنى في مواضع أخر. كقوله: {أية : فَٱصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلاَمٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ}تفسير : [الزخرف: 89] {أية : وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً} تفسير : [الفرقان:63]، وقوله: {أية : وَإِذَا سَمِعُواْ ٱللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ وَقَالُواْ لَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِي ٱلْجَاهِلِينَ} تفسير : [القصص: 55]، وقوله: {أية : فَٱعْفُواْ وَٱصْفَحُواْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ}تفسير : [البقرة: 109] الآية. إلى غير ذلك من الآيات. وقال بعض العلماء: هذا الأمر بالصفح منسوخ بآيات السيف. وقيل: هو غير منسوخ. والمراد به حسن المخالقة، وهي المعاملة بحسن الخلق. قال الجوهري في صحاحه: والخلق والخلق: السجية، يقال: خالص المؤمن، وخالق الفاجر.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} (85) - يَقُولُ تَعَالَى: إِنَّهُ لَمْ يَخْلُقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالحَقِّ وَالعَدْلِ، وَلِحِكْمَةٍ وَمَصْلَحَةٍ. وَلَمْ يَخْلُقْهُمَا بَاطِلاً وَعَبَثاً، لِلَّهْوِ وَالتَسْلِيَةِ. ثُمَّ أَخْبَرَ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم بِأَنَّ السَّاعَةَ سَتَقُومُ لاَ مَحَالَةَ، وَحِينَئِذٍ يَلْقَى كُلُّ وَاحِدٍ جَزَاءَهُ. ثٌمَّ أَمَرَهُ بِالصَّفْحِ عَنْ إِسَاءَاتِ المُشْرِكِينَ وَأَذَاهُمْ لَهُ، وَتَكْذِيبِهِمْ إِيَّاهُ بِمَا جَاءَهُمْ بِهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والحقُّ هو الشيء الثابت الذي لا تَعْتوره الأغيار، والمثَل هو نظام المجرَّات وحركة الشمس والقمر؛ تجدها مُنْضبِطة؛ ذلك أن الإنسان لا يتدخَّل فيها، وليس للإنسان - صاحب الأغيار - معه أيُّ اختيار. ولذلك نجد أن الفسادَ لا ينشأ في الكون من النواميس العُلْيا، ولكن من الأمور التي يتدخَّل فيها الإنسان، وليس معنى ذلك أنْ يتوقفَ الإنسانُ عن الحركة في الأرض؛ ولكن عليه أنْ يرعى منهج الله، ويمتنع عَمَّا نهى عنه وأنْ يطيعَ ما أمره به. وأنت لو طبَّقْتَ أوامر الحق سبحانه في "افعل" و"لا تفعل" لاستقامتْ الدنيا في الأمور التي لكَ دَخْل فيها كانتظام الأمور التي ليس لك دَخْل فيها. واقرأ إنْ شِئْتَ قَوْله الحق: {أية : ٱلرَّحْمَـٰنُ * عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ * خَلَقَ ٱلإِنسَانَ * عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ * ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ * وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ * وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ * أَلاَّ تَطْغَوْاْ فِي ٱلْمِيزَانِ} تفسير : [الرحمن: 1-8]. فإن كنتم تريدون أن تنتظمَ أموركم في الحياة الدنيا؛ فلا تطغَوْا في ميزان أيِّ شيء. وهنا يُذكِّرنا الحق سبحانه ألاَّ نقعَ في خطأ الوهم بأننا سنأخذ نِعَم الدنيا دون ضابط أو رابط؛ فالحساب قادم لا محالة، ولذلك قال الحق سبحانه: {أية : فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ * أَوْ نُرِيَنَّكَ ٱلَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُّقْتَدِرُونَ} تفسير : [الزخرف: 41-42]. أي: مَا قدّره الله سيقع دون أنْ يَصُدَّه شيء مهما كان، وإمَّا ترى ذلك في حياتك، أو تراه لحظة البَعْث. والدليل هو ما حاق بمَنْ كفروا وظلموا وكذَّبوا الرسل، وعاثوا في الأرض مُفْسدين. وأهلكهم الحق سبحانه بعذابه تطهيراً للأرض مِنْ فسادهم، هذا جزاؤهم في الدنيا، وهناك جزاء آخر في اليوم الآخر. وفي هذا القول تَسلْية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو حين يُعْلِمه الله ما حاقَ بالأمم السابقة التي كذَّبت الرسل؛ هانتْ عليه المتاعب والمشاقّ التي عاناها من قومه، وليسهُلَ عليه من بعد ذلك أن يتذرَّع بالصبر الجميل، حتى يأتي وَعْدُه سبحانه، وليس عليك يا محمد أنْ تُحمّل نفسك ما لاَ تطيق. ويقول سبحانه من بعد ذلك: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ...}.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن الإحسان مع المحسن والإساءة مع المسيء بقوله تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ} [الحجر: 85] إلى قوله: {لِلْمُؤْمِنِينَ} [الحجر: 88]. {وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ} أي: لإظهار الآيات الحق بالحق لأرباب الحق المكاشفين بصفات الحق فإنه لا شعود للسماوات والأرض وما بينهما غير الإنسان بأنها مظهر لآيات الحق، وإنما الشعود بذلك للإنسان الكامل، كما قال تعالى: {أية : إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ} تفسير : [آل عمران: 190] وهم الذين خلص لبّ أخلاقهم الربانية عن قشر صفاتهم الإنسانية، وفيه معنى آخر {وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ} أي: سماوات الأرواح {وَٱلأَرْضَ} أي: أرض الأشباح وما بينهما من النفوس والقلوب والأسرار والخفيات إلا بالحق ومظهره، فإن الإنسان مخصوص به من سائر المخلوقات والمكونات؛ لأنه بجميع مبانيه الظاهرة ومعانيه الباطنة مرأة لذات الحق تعالى وصفاته فهو مطهره عند التزكية والتنقية، ومطهره عند التحلية والتجلية به لشعوره بذلك، كما كان حال من صقل مرآته عن صدأ أنانيته وتجلى بشهوة هويته عند تجلي ربوبيته بالحق، فقال أنا الحق، ومن قال بعد فناء أنانيته عن بقائه بسبحانيته سبحاني ما أعظم شأني. وفي قوله: {وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لآتِيَةٌ} [الحجر: 85] إشارة إلى أن قيامة العشق لآتية لنفوس الطالبين العارفين من أصحاب الرياضات في مكابدة النفس ومجاهدتها؛ لأن الطلب والصدق والاجتهاد من نتائج عشق القلب، وأنه سيهتدي إلى النفس لكثرة الاجتهاد في رياضتها، فتموت عن صفاتها في قيامة العشق، ومن مات فقد قامت قيامته {فَٱصْفَحِ ٱلصَّفْحَ ٱلْجَمِيلَ} [الحجر: 85] يا أيها الطالب الصادق عن النفس المرتاضة بأن تواسيها وتدارسها، ولا تحمل عليها إصراً، ولا تحملها ما لا طاقة لها به، فإن قيامة العشق تحصل من تزكية النفس في لحظة واحدة ما لا يحصل بالمجاهدة في سنين كثيرة؛ لأن العشق جذبه الحق، وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : جذبه من جذبات الحق توازي عمل الثقلين" تفسير : {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلْخَلاَّقُ ٱلْعَلِيمُ} [الحجر: 86] يشير بالخلاق وهو للمبالغة إلى أنه تعالى خالق لصور المخلوقات ومعانيها وحقائقها العليم بمن خلقه مستنداً لمظهرية ذاته وصفاته ومظهريته، فلما كانت السماوات والأرض وما بينهما مظهر الصفات الحق تعالى دون ذاته ولا شعور لها به، ولم تكن مظهراً لذاته وصفاته وكان الإنسان الكامل. {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً} [الحجر: 87] وأي سبع صفات ذاتية لله تبارك وتعالى وهي السمع والبصر والكلام والجياة والعلم والإرادة والقدرة {مِّنَ ٱلْمَثَانِي} [الحجر: 87] أي: من خصوصية المثاني وهي المظهرية والمظهرة لذاته وصفاته المختفية بالإنسان، فإن في غير الإنسان لم يوجد إلا وحداناً من المظهرية، كما شرحنا ولو كان ملكاً، ومن ها هنا يكشف سر من أسرار {أية : وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا} تفسير : [البقرة: 31] فمنها أسماء صفات الله وذاته؛ لأن آدم كان مظهرها، وكان الملك مظهر بعض صفاته تعالى ولم يكن مظهرها، ولهذا قال تعالى: {أية : ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى ٱلْمَلَٰئِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هَـٰؤُلاۤءِ إِن كُنْتُمْ صَٰدِقِينَ} تفسير : [البقرة: 31] فلما لم يكونوا مظهرها وكانوا مظهر بعضها {أية : قَالُواْ سُبْحَٰنَكَ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ} تفسير : [البقرة: 32] ولهذا السر أسجد الله تعالى الملائكة لآدم عليه السلام فاعلم جدّاً. ثم قال: {وَٱلْقُرْآنَ ٱلْعَظِيمَ} [الحجر: 87] أي: حقائقه القائم بذاته تعالى وخلق من أخلاقه القديمة بأن جعل القرآن العظيم خُلُقَهُ العظيم كما قال تعالى: {أية : وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ} تفسير : [القلم: 4] ولما سُئِلَت عائشة - رضي الله عنها - عن خلق النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: كان خلقه القرآن، وفي قوله: {لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ} [الحجر: 88] إشارة إلى أن الله تعالى إذا أتعم على عبده ونبيه صلى الله عليه وسلم بهذه المقامات الكريمة والنعم العظيمة يكون من نتائجها ألا يمدن عينيه عين الجسماني ولا عين الروحاني إلى ما متع الله به أزواجاً من الدنيا والآخرة {مِّنْهُمْ} أي: من أهلها {وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ} [الحجر: 88] أي: على ما فاته من مشاركتهما فيهما كما كان حاله صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج {أية : إِذْ يَغْشَىٰ ٱلسِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ} تفسير : [النجم: 16] من نعيم الدارين {أية : مَا زَاغَ ٱلْبَصَرُ} تفسير : [النجم: 17] برؤيتها {أية : وَمَا طَغَىٰ} تفسير : [النجم: 17] بالميل إليها. ثم قال: {وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ} [الحجر: 88] في هذا المقام قياماً بأداء شكر نعم الله تعالى وتواضعاً له ليزيدك بهما في النعمة والرفعة، وفيه إشارة إلى معنى آخر أي: واخفض بعد وصولك إلى مقام المحبوبية جناحك لمن اتبعك من المؤمنين المحبين لتبلغهم على جناح همتك العالية إلى مقام المحبوبية يدل على هذا التأويل قوله: {أية : قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ} تفسير : [آل عمران: 31].

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: ما خلقناهما عبثا وباطلا كما يظن ذلك أعداء الله، بل ما خلقناهما { إِلا بِالْحَقِّ } الذي منه أن يكونا بما فيهما دالتين على كمال خالقهما، واقتداره، وسعة رحمته وحكمته، وعلمه المحيط، وأنه الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده لا شريك له، { وَإِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ } لا ريب فيها {أية : لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس} تفسير : { فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ } وهو الصفح الذي لا أذية فيه بل يقابل إساءة المسيء بالإحسان، وذنبه بالغفران، لتنال من ربك جزيل الأجر والثواب، فإن كل ما هو آت فهو قريب، وقد ظهر لي معنى أحسن مما ذكرت هنا. وهو: أن المأمور به هو الصفح الجميل أي: الحسن الذي قد سلم من الحقد والأذية القولية والفعلية، دون الصفح الذي ليس بجميل، وهو الصفح في غير محله، فلا يصفح حيث اقتضى المقام العقوبة، كعقوبة المعتدين الظالمين الذين لا ينفع فيهم إلا العقوبة، وهذا هو المعنى. { إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاقُ } لكل مخلوق { الْعَلِيمُ } بكل شيء، فلا يعجزه أحد من جميع ما أحاط به علمه وجرى عليه خلقه، وذلك سائر الموجودات.