Verse. 1889 (AR)

١٥ - ٱلْحِجْر

15 - Al-Hijr (AR)

وَلَقَدْ اٰتَيْنٰكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِيْ وَالْقُرْاٰنَ الْعَظِيْمَ۝۸۷
Walaqad ataynaka sabAAan mina almathanee waalqurana alAAatheema

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولقد آتيناك سبعا من المثاني» قال صلى الله عليه وسلم هي الفاتحة رواه الشيخان لأنها تثنى في كل ركعة «والقرآن العظيم».

87

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما صبره على أذى قومه وأمره بأن يصفح الصفح الجميل أتبع ذلك بذكر النعم العظيمة التي خص الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم بها، لأن الإنسان إذا تذكر كثرة نعم الله عليه سهل عليه الصفح والتجاوز، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن قوله: {آتيناك سَبْعًا } يحتمل أن يكون سبعاً من الآيات وأن يكون سبعاً من السور وأن يكون سبعاً من الفوائد. وليس في اللفظ ما يدل على التعيين. وأما المثاني: فهو صيغة جمع. واحده مثناة، والمثناة كل شيء يثنى، أي يجعل اثنين من قولك: ثنيت الشيء إذا عطفته أو ضممت إليه آخر، ومنه يقال: لركبتي الدابة ومرفقيها مثاني، لأنها تثنى بالفخذ والعضد، ومثاني الوادي معاطفه. إذا عرفت هذا فنقول: سبعاً من المثاني مفهومه سبعة أشياء من جنس الأشياء التي تثنى ولا شك أن هذا القدر مجمل ولا سبيل إلى تعيينه إلا بدليل منفصل وللناس فيه أقوال: الأول: وهو قول أكثر المفسرين: إنه فاتحة الكتاب وهو قول عمر وعلي وابن مسعود وأبي هريرة والحسن وأبي العالية ومجاهد والضحاك وسعيد بن جبير وقتادة، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ الفاتحة وقال: هي السبع المثاني رواه أبو هريرة، والسبب في وقوع هذا الاسم على الفاتحة أنها سبع آيات، وأما السبب في تسميتها بالمثاني فوجوه: الأول: أنها تثنى في كل صلاة بمعنى أنها تقرأ في كل ركعة. والثاني: قال الزجاج: سميت مثاني لأنها يثنى بعدها ما يقرأ معها. الثالث: سميت آيات الفاتحة مثاني، لأنها قسمت قسمين اثنين، والدليل عليه ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : يقول الله تعالى قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين » تفسير : والحديث مشهور. الرابع: سميت مثاني لأنها قسمان ثناء ودعاء، وأيضاً النصف الأول منها حق الربوبية وهو الثناء، والنصف الثاني حق العبودية وهو الدعاء. الخامس: سميت الفاتحة بالمثاني، لأنها نزلت مرتين مرة بمكة في أوائل ما نزل من القرآن ومرة بالمدينة. السادس: سميت بالمثاني، لأن كلماتها مثناة مثل: { أية : ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ } تفسير : [الفاتحة: 3] {أية : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * ٱهْدِنَا ٱلصّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } تفسير : [الفاتحة: 5-7] وفي قراءة عمر: (غير المغضوب عليهم وغير الضالين). السابع: قال الزجاج: سميت الفاتحة بالمثاني لاشتمالها على الثناء على الله تعالى وهو حمد الله وتوحيده وملكه. واعلم أنا إذا حملنا قوله: {سَبْعًا مّنَ ٱلْمَثَانِي } على سورة الفاتحة فههنا أحكام: الحكم الأول: نقل القاضي عن أبي بكر الأصم أنه قال: كان ابن مسعود يكتب في مصحفه فاتحة الكتاب رأى أنها ليست من القرآن. وأقول: لعل حجته فيه أن السبع المثاني لما ثبت أنه هو الفاتحة. ثم إنه تعالى عطف السبع المثاني على القرآن، والمعطوف مغاير للمعطوف عليه وجب أن يكون السبع المثاني غير القرآن، إلا أن هذا يشكل بقوله تعالى: {أية : وإذا أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح} تفسير : [الأحزاب: 7] وكذلك قوله: {أية : وملائكته ورسله وجبريل وميكال} تفسير : [البقرة: 98] وللخصم أن يجيب: بأنه لا يبعد أن يذكر الكل، ثم يعطف عليه ذكر بعض أجزائه وأقسامه لكونه أشرف الأقسام، أما إذا ذكر شيء ثم عطف عليه شيء آخر كان المذكور أولاً مغايراً للمذكور ثانياً، وههنا ذكر السبع المثاني، ثم عطف عليه القرآن العظيم، فوجب حصول المغايرة. والجواب الصحيح: أن بعض الشيء مغاير لمجموعه، فلم لا يكفي هذا القدر من المغايرة في حسن العطف، والله أعلم. الحكم الثاني: أنه لما كان المراد بقوله: {سبعاً من المثاني} هو الفاتحة، دل على أن هذه السورة أفضل سور القرآن من وجهين: أحدهما: أن إفرادها بالذكر مع كونها جزءاً من أجزاء القرآن، لا بد وأن يكون لاختصاصها بمزيد الشرف والفضيلة. والثاني: أنه تعالى لما أنزلها مرتين دل ذلك على زيادة فضلها وشرفها. وإذا ثبت هذا فنقول: لما رأينا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم واظب على قراءتها في جميع الصلوات طول عمره، وما أقام سورة أخرى مقامها في شيء من الصلوات دل ذلك على أنه يجب على المكللف أن يقرأها في صلاته وأن لا يقيم سائر آيات القرآن مقامها وأن يحترز عن هذا الإبدال فإن فيه خطراً عظيماً والله أعلم. القول الثاني: في تفسير قوله: {سبعاً من المثاني} إنها السبع الطوال وهذا قول ابن عمر وسعيد بن جبير في بعض الروايات ومجاهد وهي: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال، والتوبة معاً. قالوا: وسميت هذه السور مثاني، لأن الفرائض والحدود والأمثال والعبر ثنيت فيها وأنكر الربيع هذا القول. وقال هذه الآية مكية وأكثر هذه السور السبعة مدنية. وما نزل شيء منها شيء منها في مكة، فكيف يمكن حمل هذه الآية عليها. وأجاب قوم عن هذا الإشكال: بأن الله تعالى أنزل القرآن كله إلى السماء الدنيا. ثم أنزله على نبيه منها نجوماً، فلما أنزله إلى السماء الدنيا، وحكم بإنزاله عليه، فهو من جملة ما آتاه، وإن لم ينزل عليه بعد. ولقائل أن يقول: إنه تعالى قال: {ولقد آتيناك سبعاً من المثاني} وهذا الكلام إنما يصدق إذا وصل ذلك الشيء إلى محمد صلى الله عليه وسلم. فأما الذي أنزله إلى السماء الدنيا وهو لم يصل بعد إلى محمد عليه السلام، فهذا الكلام لا يصدق فيه. وأما قوله بأنه لما حكم الله تعالى بإنزاله على محمد صلى الله عليه وسلم كان ذلك جارياً مجرى ما نزل عليه فهذا أيضاً ضعيف، لأن إقامة ما لم ينزل عليه مقام النازل عليه مخالف للظاهر. والقول الثالث: في تفسير السبع المثاني إنها هي السور التي هي دون الطوال والمئين وفوق المفصل، واختار هذا القول قوم واحتجوا عليه بما روى ثوبان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن الله أعطاني السبع الطوال مكان التوراة، وأعطاني المئين مكان الإنجيل، وأعطاني المثاني مكان الزبور، وفضلني ربي بالمفصل" تفسير : قال الواحدي: والقول في تسمية هذه السور مثاني كالقول في تسمية الطوال مثاني. وأقول إن صح هذا التفسير عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا غبار عليه وإن لم يصح فهذا القول مشكل، لأنا بينا أن المسمى بالسبع المثاني يجب أن يكون أفضل من سائر السور، وأجمعوا على أن هذه السور التي سموها بالمثاني ليست أفضل من غيرها، فيمتنع حمل السبع المثاني على تلك السور. والقول الرابع: أن السبع المثاني هوالقرآن كله، وهو منقول عن ابن عباس في بعض الروايات، وقول طاوس قالوا: ودليل هذا القول قوله تعالى: {أية : كتاباً متشابهاً مثاني} تفسير : [الزمر 23] فوصف كل القرآن بكون مثاني ثم اختلف القائلون بهذا القول في أنه ما المراد بالسبع، وما المراد بالمثاني؟ أما السبع فذكر فيه وجوهاً: أحدها: أن القرآن سبعة أسباع. وثانيها: أن القرآن مشتمل على سبعة أنواع من العلوم. التوحيد، والنبوة والمعاد، والقضاء، والقدر، وأحوال العالم، والقصص، والتكاليف. وثالثها: أنه مشتمل على الأمر والنهي، والخبر والاستخبار، والنداء، والقسم، والأمثال. وأما وصف كل القرآن بالمثاني، فلأنه كرر فيه دلائل التوحيد والنبوة والتكاليف، وهذا القول ضعيف أيضاً، لأنه لو كان المراد بالسبع المثاني القرآن، لكان قوله: {والقرآن العظيم} عطفاً على نفسه، وذلك غير جائز وأجيب عنه بأنه إنما حسن إدخال حرف العطف فيه لاختلاف اللفظين كقول الشاعر: شعر : إلى الملك القرم وابن الهمام وليث الكتيبة في المزدحم تفسير : وأعلم أن هذا وإن كان جائزاً لأجل وروده في هذا البيت، إلا أنهم أجمعوا على أن الأصل خلافه. والقول الخامس: يجوز أن يكون المراد بالسبع الفاتحة، لأنه سبع آيات، ويكون المراد بالمثاني كل القرآن ويكون التقدير: ولقد آتيناك سبع آيات هي الفاتحة وهي من جملة المثاني الذى هو القرآن وهذا القول عين الأول والتفاوت ليس إلا بقليل والله أعلم. المسألة الثانية: لفظة "من" في قوله: {سبعاً من المثاني} قال الزجاج فيها وجهان: أحدهما: أن تكون للتبعيض من القرآن أي ولقد آتيناك سبع آيات من جملة الآيات التي يثنى بها على الله تعالى وآتيناك القرآن العظيم قال ويجوز أن تكون من صلة، والمعنى: آتيناك سبعاً هي المثاني كما قال: {أية : فاجتنبوا الرجس من الأوثان} تفسير : [الحج: 30] المعنى: اجتنبوا الأوثان، لا أن بعضها رجس والله أعلم. أما قوله تعالى: {لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم} فاعلم أنه تعالى لما عرف رسوله عظم نعمه عليه فيما يتعلق بالدين، وهو أنه آتاه سبعاً من المثاني والقرآن العظيم، نهاه عن الرغبة في الدنيا فحظر عليه أن يمد عينيه إليها رغبة فيها وفي مد العين أقوال: القول الأول: كأنه قيل له إنك أوتيت القرآن العظيم فلا تشغل سرك وخاطرك بالإلتفات إلى الدنيا ومنه الحديث: "حديث : ليس منا من لم يتغن بالقرآن" تفسير : وقال أبو بكر: من أوتي القرآن فرأى أن أحداً أوتي من الدنيا أفضل مما أوتي فقد صغر عظيماً وعظم صغيراً، وقيل: وافت من بعض البلاد سبع قوافل ليهود بني قريظة والنضير، فيها أنواع البز والطيب والجواهر وسائر الأمتعة، فقال المسلمون: لو كانت هذه الأموال لنا لتقوينا بها ولأنفقناها في سبيل الله تعالى فقال الله تعالى لهم: لقد أعطيتكم سبع آيات هي خير من هذه القوافل السبع. القول الثاني: قال ابن عباس: {لا تمدن عينيك} أي لا تتمن ما فضلنا به أحداً من متاع الدنيا، وقرر الواحدي هذا المعنى فقال: إنما يكون ماداً عينيه إلى الشيء إذا أدام النظر ونحوه، وإدامة النظر إلى الشيء تدل على استحسانه وتمنيه، وكان صلى الله عليه وسلم لا ينظر إلى ما يستحسن من متاع الدنيا، وروي أنه نظر إلى نعم بني المصطلق، وقد عبست في أبوالها وأبعارها فتقنع في ثوبه وقرأ هذه الآية وقوله عبست في أبوالها وأبعارها هو أن تجف أبوالها وأبعارها على أفخاذها إذا تركت من العمل أيام الربيع فتكثر شحومها ولحومها وهي أحسن ما تكون. والقول الثالث: قال بعضهم: {ولا تمدن عينيك} أي لا تحسدن أحداً على ما أوتي من الدنيا قال القاضي: هذا بعيد، لأن الحسد من كل أحد قبيح، لأنه إرادة لزوال نعم الغير عنه، وذلك يجري مجرى الاعتراض على الله تعالى والاستقباح لحكمه وقضائه، وذلك من كل أحد قبيح، فكيف يحسن تخصيص الرسول صلى الله عليه وسلم به؟ أما قوله تعالى: {أزواجاً منهم} قال ابن قتيبة أي أصنافاً من الكفار، والزوج في اللغة الصنف ثم قال: {ولا تحزن عليهم} إن لم يؤمنوا فيقوى بمكانهم الإسلام وينتعش بهم المؤمنون. والحاصل أن قوله: {لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم} نهي له عن الالتفات إلى أموالهم وقوله: {ولا تحزن عليهم} نهي له عن الالتفات إليهم وأن يحصل لهم في قلبه قدر ووزن. ثم قال: {واخفض جناحك للمؤمنين} الخفض: معناه في اللغة نقيض الرفع، ومنه قوله تعالى في صفة القيامة: {أية : خافضة رافعة} تفسير : [الواقعة: 3] أى أنها تخفض أهل المعاصي، وترفع أهل الطاعات، فالخفض معناه الوضع، وجناح الإنسان يده. قال الليث: يدا الإنسان جناحاه، ومنه قوله: {أية : واضمم إليك جناحك من الرهب} تفسير : [القصص: 32] وخفض الجناح كناية عن اللين والرفق والتواضع، والمقصود أنه تعالى لما نهاه عن الالتفات إلى أولئك الأغنياء من الكفار أمره بالتواضع لفقراء المسلمين، ونظيره قوله تعالى: {أية : أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين} تفسير : [المائدة: 54] وقال في صفة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: {أية : أشداء على الكفار رحماء بينهم} تفسير : [الفتح: 29].

القرطبي

تفسير : اختلف العلماء في السبع المثاني؛ فقيل: الفاتحة؛ قاله عليّ بن أبي طالب وأبو هريرة والربيع بن أنس وأبو العالية والحسن وغيرهم، ورُوي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم من وجوه ثابتة، من حديث أُبَيّ بن كعب وأبي سعيد بن المُعَلَّى. وقد تقدّم في تفسير الفاتحة. وخرّج الترمذي من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الحمد لله أم القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني»تفسير : . قال: هذا حديث حسن صحيح. وهذا نص، وقد تقدّم في الفاتحة. وقال الشاعر:شعر : نشدتكم بمنْزِل القرآن أمِّ الكتاب السبعِ من مثاني تفسير : وقال ابن عباس: هي السبع الطُّوَل: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال والتوبة معاً؛ إذ ليس بينهما التسمية. روى النَّسائيّ حدّثنا علي بن حُجْر أخبرنا شريك عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله عز وجل: {سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي} قال: السبع الطُّوَل، وسميت مثاني لأن العبر والأحكام والحدود ثُنّيت فيها. وأنكر قوم هذا وقالوا: أنزلت هذه الآية بمكة، ولم ينزل من الطُّوَل شيء إذ ذاك. وأجيب بأن الله تعالى أنزل القرآن إلى السماء الدنيا ثم أنزله منها نجوماً، فما أنزله إلى السماء الدنيا فكأنما آتاه محمداً صلى الله عليه وسلم وإن لم ينزل عليه بعد. وممن قال إنها السبع الطول: عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وسعيد بن جبير ومجاهد. وقال جرير:شعر : جزى الله الفرزدق حين يُمْسِي مُضِيعاً للمفَصّل والمثاني تفسير : وقيل: المثاني القرآن كله؛ قال الله تعالى: {كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ} [الزمر: 23]. هذا قول الضحاك وطاوس وأبو مالك، وقاله ابن عباس. وقيل له مثاني لأن الأنباء والقصص ثُنِّيت فيه. وقالت صفية بنت عبد المطلب ترثي رسول الله صلى الله عليه وسلم: شعر : فقد كان نوراً ساطعاً يهتدى به يُخَصُّ بتنزيل المثاني المعظم تفسير : أي القرآن. وقيل: المراد بالسبع المثاني أقسام القرآن من الأمر والنهي والتبشير والإنذار وضرب الأمثال وتعديد نِعَم وأنباء قرون؛ قاله زياد بن أبي مريم. والصحيح الأوّل لأنه نصّ. وقد قدمنا في الفاتحة أنه ليس في تسميتها بالمثاني ما يمنع من تسمية غيرها بذلك؛ إلا أنه إذا ورد عن النبيّ صلى الله عليه وسلم وثبت عنه نص في شيء لا يحتمل التأويل كان الوقوف عنده. قوله تعالى: {وَٱلْقُرْآنَ ٱلْعَظِيمَ} فيه إضمار تقديره: وهو أن الفاتحة القرآن العظيم لاشتمالها على ما يتعلق بأصول الإسلام. وقد تقدّم في الفاتحة. وقيل: الواو مقحمة، التقدير: ولقد آتيناك سبعاً من المثاني القرآن العظِيم. ومنه قول الشاعر:شعر : إلى المَلِك الْقَرم وابن الهمام وليثِ الكَتِيبةِ في المُزْدَحم تفسير : وقد تقدّم عند قوله: {أية : حَافِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَاتِ وٱلصَّلاَةِ ٱلْوُسْطَىٰ} تفسير : [البقرة: 238].

البيضاوي

تفسير : {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَـٰكَ سَبْعًا} سبع آيات وهي الفاتحة. وقيل سبع سور وهي الطوال وسابعتها «الأنفال» و «التوبة» فإنهما في حكم سورة ولذلك لم يفصل بينهما بالتسمية. وقيل «التوبة» وقيل «يونس» أو الحواميم السبع. وقيل سبع صحائف وهي الأسباع. {مِّنَ ٱلْمَثَانِي} بيان للسبع والمثاني من التثنية، أو الثناء فإن كل ذلك مثنى تكرر قراءته، أو ألفاظه أو قصصه ومواعظه أو مشى عليه بالبلاغة والاعجاز، أو مثن على الله بما هو أهله من صفاته العظمى وأسمائه الحسنى، ويجوز أن يراد بـ {ٱلْمَثَانِي } القرآن أو كتب الله كلها فتكون {مِنْ } للتبعيض. {وَالْقُرْءَانَ الْعَظِيمَ} إن أريد بالسبع الآيات أو السور فمن عطف الكل على البعض أو العام على الخاص، وإن أريد به الأسباغ فمن عطف أحد الوصفين على الآخر.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم كما آتيناك القرآن العظيم، فلا تنظرنّ إلى الدنيا، وزينتها، وما متعنا به أهلها من الزهرة الفانية لنفتنهم فيه، فلا تغبطهم بما هم فيه، ولا تذهب نفسك عليهم حسرات حزناً عليهم في تكذيبهم لك ومخالفتهم دينك، {أية : وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [الشعراء: 215] أي: ألن لهم جانبك؛ كقوله: {أية : لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} تفسير : [التوبة: 128] وقد اختلف في السبع المثاني ما هي؟ فقال ابن مسعود وابن عمر وابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير والضحاك وغيرهم: هي السبع الطوال، يعنون: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، ويونس، نص عليه ابن عباس وسعيد بن جبير، وقال سعيد: بين فيهن الفرائض والحدود والقصص والأحكام. وقال ابن عباس: بين الأمثال والخبر والعبر. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر قال: قال سفيان: المثاني: البقرة. وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال وبراءة سورة واحدة، قال ابن عباس: ولم يعطهن أحد إلا النبي صلى الله عليه وسلم وأعطي موسى منهن ثنتين، رواه هشيم عن الحجاج عن الوليد بن العيزار عن سعيد بن جبير عنه. وقال الأعمش عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: أوتي النبي صلى الله عليه وسلم سبعاً من المثاني الطُّوَل، وأوتي موسى عليه السلام ستاً، فلما ألقى الألواح، ارتفع اثنتان، وبقيت أربع، وقال مجاهد: هي السبع الطوال، ويقال: هي القرآن العظيم. وقال خصيف عن زياد بن أبي مريم في قوله تعالى: {سَبْعًا مِّنَ ٱلْمَثَانِي} قال: أعطيتك سبعة أجزاء: آمُرُ، وأَنهى، وأبشر، وأنذر، وأضرب الأمثال، وأعدد النعم، وأنبئك بنبأ القرآن. رواه ابن جرير وابن أبي حاتم (والقول الثاني) أنها الفاتحة، وهي سبع آيات. وروي ذلك عن علي وعمر وابن مسعود وابن عباس، قال ابن عباس: والبسملة هي الآية السابعة، وقد خصكم الله بها، وبه قال إبراهيم النخعي وعبد الله بن عبيد بن عمير وابن أبي مليكة وشهر بن حوشب والحسن البصري ومجاهد. وقال قتادة: ذكر لنا أنهن فاتحة الكتاب، وأنهن يثنين في كل ركعة مكتوبة، أو تطوع، واختاره ابن جرير، واحتج بالأحاديث الواردة في ذلك، وقد قدمناها في فضائل سورة الفاتحة في أول التفسير، ولله الحمد، وقد أورد البخاري رحمه الله ههنا حديثين: (أحدهما) قال: حدثنا محمد بن بشار حدثنا غندر، حدثنا شعبة عن خبيب بن عبد الرحمن عن حفص بن عاصم، عن أبي سعيد بن المعلى قال: مر بي النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أصلي، فدعاني فلم آته، حتى صليت فأتيته، فقال: «حديث : ما منعك أن تأتيني؟» تفسير : فقلت: كنت أصلي، فقال: «حديث : ألم يقل الله: {يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ}؟ ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن قبل أن أخرج من المسجد؟» تفسير : فذهب النبي صلى الله عليه وسلم ليخرج، فذكرته فقال: «حديث : { ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} هي السبع المثاني والقرآن الذي أوتيته» تفسير : (الثاني) قال: حدثنا آدم، حدثنا ابن أبي ذئب، حدثنا المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أم القرآن هي السبع المثاني والقرآن العظيم»تفسير : ، فهذا نص في أن الفاتحة السبع المثاني والقرآن العظيم، ولكن لا ينافي وصف غيرها من السبع الطوال بذلك؛ لما فيها من هذه الصفة، كما لا ينافي وصف القرآن بكماله بذلك أيضاً، كما قال تعالى: {أية : ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ كِتَـٰباً مُّتَشَـٰبِهاً مَّثَانِيَ} تفسير : [الزمر: 23] فهو مثاني من وجه، ومتشابه من وجه، وهو القرآن العظيم أيضاً، كماأنه عليه الصلاة والسلام لما سئل عن المسجد الذي أسس على التقوى، فأشار إلى مسجده، والآية نزلت في مسجد قباء، فلا تنافي، فإن ذكر الشيء لا ينفي ذكر ما عداه إذا اشتركا في تلك الصفة، والله أعلم. وقوله: {لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ} أي: استغن بماآتاك الله من القرآن العظيم عما هم فيه من المتاع والزهرة الفانية، ومن ههنا ذهب ابن عيينة إلى تفسير الحديث الصحيح: «حديث : ليس منا من لم يتغن بالقرآن» تفسير : إلى أنه يستغني به عما عداه، وهو تفسير صحيح، ولكن ليس هو المقصود من الحديث كما تقدم في أول التفسير. وقال ابن أبي حاتم: ذكر عن وكيع بن الجراح، حدثنا موسى بن عبيدة عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبي رافع صاحب النبي صلى الله عليه وسلم قال: ضاف النبيَّ صلى الله عليه وسلم ضيف، ولم يكن عند النبي صلى الله عليه وسلم شيء يصلحه، فأرسل إلى رجل من اليهود «حديث : يقول لك محمد رسول الله: أسلفني دقيقاً إلى هلال رجب» تفسير : قال: لا، إلا برهن، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال: «حديث : أما والله إني لأمين من في السماء، وأمين من في الأرض، ولئن أسلفني أو باعني، لأؤدين إليه» تفسير : فلما خرجت من عنده، نزلت هذه الآية {أية : وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا}تفسير : إلى آخر الآية [طه:131]، كأنه يعزيه عن الدنيا، قال العوفي عن ابن عباس {لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ} قال: نهى الرجل أن يتمنى ما لصاحبه. وقال مجاهد: {إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ} هم الأغنياء.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَٰكَ سَبْعًا مِّنَ ٱلْمَثَانِي } قال صلى الله عليه وسلم: " حديث : هي الفاتحة " تفسير : رواه الشيخان لأنها تُثَنَّى في كل ركعة {وَٱلْقُرءَانَ ٱلْعَظِيمَ}.

الشوكاني

تفسير : اختلف أهل العلم في السبع المثاني ماذا هي؟ فقال جمهور المفسرين: إنها الفاتحة. قال الواحدي: وأكثر المفسرين على أنها فاتحة الكتاب، وهو قول عمر، وعليّ، وابن مسعود، والحسن، ومجاهد، وقتادة، والربيع، والكلبي. وزاد القرطبي: أبا هريرة وأبا العالية، وزاد النيسابوري: الضحاك وسعيد بن جبير. وقد روي ذلك من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سيأتي بيانه، فتعين المصير إليه. وقيل: هي السبع الطوال: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والسابعة الأنفال والتوبة؛ لأنها كسورة واحدة إذ ليس بينهما تسمية. روي هذا القول عن ابن عباس. وقيل: المراد بالمثاني: السبعة الأحزاب، فإنها سبع صحائف. والمثاني: جمع مثناة من التثنية، أو جمع مثنية. وقال الزجاج: تثنى بما يقرأ بعدها معها، فعلى القول الأوّل يكون وجه تسمية الفاتحة مثاني: أنها تثنى، أي: تكرّر في كل صلاة، وعلى القول بأنها السبع الطوال فوجه التسمية: أن العبر والأحكام والحدود كررت فيها، وعلى القول بأنها السبعة الأحزاب يكون وجه التسمية: هو تكرير ما في القرآن من القصص ونحوها، وقد ذهب إلى أن المراد بالسبع المثاني: القرآن كله الضحاك، وطاوس، وأبو مالك، وهو رواية عن ابن عباس واستدلوا بقوله تعالى: {أية : كِتَـٰباً مُّتَشَـٰبِهاً مَّثَانِيَ } تفسير : [الزمر: 23]. وقيل: المراد بالسبع المثاني: أقسام القرآن، وهي: الأمر، والنهي، والتبشير، والإنذار، وضرب الأمثال، وتعريف النعم، وأنباء قرون ماضية. قال زياد بن أبي مريم، ولا يخفى عليك أن تسمية الفاتحة مثاني لا تستلزم نفي تسمية غيرها بهذا الاسم، وقد تقرّر أنها المرادة بهذه الآية، فلا يقدح في ذلك صدق وصف المثاني على غيرها. {والقرآن العظيم} معطوف على {سبعا من المثاني}، ويكون من عطف العام على الخاص، لأن الفاتحة بعض من القرآن. وكذلك إن أريد بالسبع المثاني السبع الطوال؛ لأنها بعض من القرآن. وأما إذا أريد بها السبعة الأحزاب أو جميع القرآن أو أقسامه، فيكون من باب عطف أحد الوصفين على الآخر، كما قيل في قول الشاعر:شعر : إلى الملك القرم وابن الهمام تفسير : ومما يقوي كون السبع المثاني هي الفاتحة: أن هذه السورة مكية، وأكثر السبع الطوال مدنية، وكذلك أكثر القرآن وأكثر أقسامه، وظاهر قوله: {وَلَقَدْ ءاتَيْنَـٰكَ سَبْعًا مّنَ ٱلْمَثَانِي } أنه قد تقدّم إيتاء السبع على نزول هذه الآية، و «من» في المثاني للتبعيض أو البيان على اختلاف الأقوال. ذكر معنى ذلك الزجاج فقال: هي للتبعيض إذا أردت بالسبع الفاتحة أو الطوال، وللبيان إذا أردت الإشباع. ثم لما بين لرسوله الله صلى الله عليه وسلم ما أنعم به عليه من هذه النعمة الدينية نفره عن اللذات العاجلة الزائلة فقال: {لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مّنْهُمْ } أي: لا تطمح ببصرك إلى زخارف الدنيا طموح رغبة فيها وتمنّ لها، والأزواج: الأصناف، قاله ابن قتيبة. وقال الجوهري: الأزواج: القرناء. قال الواحدي: إنما يكون ماداً عينيه إلى الشيء: إذا أدام النظر نحوه. وإدامة النظر إليه تدل على استحسانه وتمنيه. وقال بعضهم: معنى الآية لا تحسدنّ أحداً على ما أوتي من الدنيا، وردّ بأن الحسد منهي عنه مطلقاً، وإنما قال في هذه السورة لا تمدنّ بغير واو، لأنه لم يسبقه طلب بخلاف ما في سورة طه، ثم لما نهاه عن الالتفات إلى أموالهم وأمتعتهم نهاه عن الالتفات إليهم فقال: {وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ } حيث لم يؤمنوا، وصمموا على الكفر والعناد. وقيل: المعنى لا تحزن على ما متعوا به في الدنيا، فلك الآخرة. والأول أولى. ثم لما نهاه عن أن يمد عينيه إلى أموال الكفار ولا يحزن عليهم، وكان ذلك يستلزم التهاون بهم وبما معهم، أمره أن يتواضع للمؤمنين، فقال: {وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ } وخفض الجناح كناية عن التواضع ولين الجانب، ومنه قوله سبحانه: {أية : وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلّ } تفسير : [الإسراء: 24]، وقول الكميت:شعر : خفضت لهم مني جناحي مودة إلى كنف عطفاه أهل ومرحب تفسير : وأصله أن الطائر إذا ضم فرخه إلى نفسه، بسط جناحه، ثم قبضه على الفرخ، فجعل ذلك وصفاً لتواضع الإنسان لأتباعه. ويقال: فلان خافض الجناح، أي: وقور ساكن، والجناحان من ابن آدم جانباه، ومنه: {أية : وَٱضْمُمْ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ }تفسير : [طه: 22] ومنه قول الشاعر:شعر : وحسبك فتنة لزعيم قوم يمدّ على أخي سُقم جناحا تفسير : {وَقُلْ إِنّى أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ } أي: المنذر المظهر لقومه ما يصيبهم من عذاب الله {كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ } قيل: المفعول محذوف، أي: مفعول {أنزلنا} والتقدير: كما أنزلنا على المقتسمين عذاباً، فيكون المعنى: إني أنا النذير المبين لكم من عذاب مثل عذاب المقتسمين الذي أنزلناه عليهم، كقوله تعالى: {أية : أَنذَرْتُكُمْ صَـٰعِقَةً مّثْلَ صَـٰعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ } تفسير : [فصلت: 13]. وقيل: إن الكاف زائدة، والتقدير: إني أنا النذير المبين أنذرتكم ما أنزلنا على المقتسمين من العذاب. وقيل: هو متعلق بقوله: {وَلَقَدْ ءاتَيْنَـٰكَ } أي: أنزلنا عليك مثل ما أنزلنا على أهل الكتاب وهم المقتسمون، والأولى أن يتعلق بقوله: {إِنّى أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ } لأنه في قوّة الأمر بالإنذار. وقد اختلف في المقتسمين من هم؟ فقال الفراء: هم ستة عشر رجلاً بعثهم الوليد بن المغيرة أيام الموسم، فاقتسموا أنقاب مكة وفجاجها يقولون لمن دخلها: لا تغتروا بهذا الخارج فينا فإنه مجنون، وربما قالوا: ساحر، وربما قالوا: شاعر، وربما قالوا: كاهن، فقيل لهم: مقتسمين؛ لأنهم اقتسموا هذه الطرق. وقيل: إنهم قوم من قريش اقتسموا كتاب الله، فجعلوا بعضه شعراً، وبعضه سحراً، وبعضه كهانة، وبعضه أساطير الأوّلين. قاله قتادة. وقيل: هم أهل الكتاب، وسموا مقتسمين لأنهم كانوا يقتسمون القرآن استهزاء، فيقول بعضهم: هذه السورة لي وهذه لك، روي هذا عن ابن عباس. وقيل: إنهم قسموا كتابهم وفرّقوه وبدّدوه وحرّفوه. وقيل: المراد قوم صالح تقاسموا على قتله فسموا مقتسمين، كما قال تعالى: {أية : تَقَاسَمُواْ بِٱللَّهِ لَنُبَيّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ }تفسير : [النمل: 49]. وقيل: تقاسموا أيماناً تحالفوا عليها، قاله الأخفش. وقيل: إنّهم العاص بن وائل، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو جهل بن هشام والنضر بن الحارث وأمية بن خلف، ومنبه بن الحجاج. ذكره الماوردي. {ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلْقُرْءانَ عِضِينَ } جمع عضة، وأصلها: عضوة، فعلة من عضى الشاة: إذا جعلها أجزاء، فيكون المعنى على هذا: الذين جعلوا القرآن أجزاء متفرقة، بعضه شعر، وبعضه سحر، وبعضه كهانة، ونحو ذلك. وقيل: هو مأخوذ من عضته: إذا بهته، فالمحذوف منه الهاء لا الواو، وجمعت العضة على المعنيين جمع العقلاء لما لحقها من الحذف، فجعلوا ذلك عوضاً عما لحقها من الحذف؛ وقيل: معنى {عضين} إيمانهم ببعض الكتاب وكفرهم ببعض، ومما يؤيد، أن معنى عضين التفريق، قول رؤبة:شعر : وليس دين الله بالعضين تفسير : أي: بالمفرق. وقيل: العضة والعضين في لغة قريش: السحر، وهم يقولون: للساحر: عاضه، وللساحرة: عاضهة، ومنه قول الشاعر:شعر : أعوذ بربي من النافثات في عقد العاضهة والعضه تفسير : وفي الحديث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن العاضهة والمستعضهة، وفسر بالساحرة والمستسحرة، والمعنى: أنهم أكثروا البهت على القرآن، وسموه: سحراً وكذباً وأساطير الأوّلين، ونظير عضة في النقصان شفة، والأصل شفهة، وكذلك سنّة، والأصل: سنهة. قال الكسائي: العضة: الكذب والبهتان، وجمعها عضون. وقال الفراء: إنه مأخوذ من العضاه. وهي شجر يؤذي ويجرح كالشوك. ويجوز أن يراد بالقرآن: التوراة والإنجيل لكونهما مما يقرأ، ويراد بالمقتسمين: هم اليهود والنصارى، أي: جعلوهما أجزاء متفرّقة، وهو أحد الأقوال المتقدّمة. {فَوَرَبّكَ لَنَسْـئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } أي: لنسألنّ هؤلاء الكفرة أجمعين يوم القيامة عما كانوا يعملون في الدنيا من الأعمال التي يحاسبون عليها ويسألون عنها؛ وقيل: إن المراد سؤالهم عن كلمة التوحيد، والعموم في {عما كانوا يعملون}، يفيد ما هو أوسع من ذلك. وقيل: إن المسؤولين ها هنا هم جميع المؤمنين والعصاة والكفار. ويدلّ عليه قوله: {أية : ثُمَّ لَتُسْـئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ } تفسير : [التكاثر: 8]، وقوله: {أية : وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ } تفسير : [الصافات: 24]، وقوله: {أية : إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ } تفسير : [الغاشية: 25 - 26]. ويمكن أن يقال: إن قصر هذا السؤال على المذكورين في السياق وصرف العموم إليهم لا ينافي سؤال غيرهم. {فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ } قال الزجاج: يقول أظهر ما تؤمر به. أخذ من الصديع وهو الصبح انتهى. وأصل الصدع: الفرق والشق، يقال: صدعته فانصدع، أي: انشق، وتصدّع القوم، أي: تفرّقوا، ومنه {أية : يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ } تفسير : [الروم: 43] أي: يتفرقون. قال الفراء: أراد فاصدع بالأمر أي: أظهر دينك فما مع الفعل على هذا بمنزلة المصدر، وقال ابن الأعرابي: معنى اصدع بما تؤمر أي: اقصد؛ وقيل: فاصدع بما تؤمر أي: فرق جمعهم وكلمتهم بأن تدعوهم إلى التوحيد فإنهم يتفرّقون، والأولى أن الصدع الإظهار، كما قاله الزجاج والفراء وغيرهم. قال النحويون: المعنى بما تؤمر به من الشرائع، وجوّزوا أن تكون مصدرية أي: بأمرك وشأنك. قال الواحدي: قال الفسرون: أي اجهر بالأمر أي: بأمرك بعد إظهار الدعوة، وما زال النبي صلى الله عليه وسلم مستخفياً حتى نزلت هذه الآية، ثم أمره سبحانه بعد أمره بالصدع بالإعراض وعدم الالتفات إلى المشركين، فقال: {وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ } أي: لا تبال بهم ولا تلتفت إليهم إذا لاموك على إظهار الدعوة. ثم أكد هذا الأمر، وثبت قلب رسوله بقوله: {إِنَّا كَفَيْنَـٰكَ ٱلْمُسْتَهْزِءينَ } مع كونهم كانوا من أكابر الكفار، وأهل الشوكة فيهم فإذا كفاه الله أمرهم بقمعهم وتدميرهم كفاه أمر من هو دونهم بالأولى، وهؤلاء المستهزئون كانوا خمسة من رؤساء أهل مكة: الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والأسود بن المطلب بن الحارث بن زمعة، والأسود بن عبد يغوث، والحارث بن الطُّلاطِلَة، كذا قال القرطبي ووافقه غيره من المفسرين. وقد أهلكهم الله جميعاً وكفاهم أمرهم في يوم واحد، ثم وصف هؤلاء المستهزئين بالشرك فقال: {ٱلَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلـٰهًا ءاخَرَ } فلم يكن ذنبهم مجرّد الاستهزاء، بل لهم ذنب آخر وهو الشرك بالله سبحانه، ثم توعدهم فقال: {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } كيف عاقبتهم في الآخرة وما يصيبهم من عقوبة الله سبحانه. ثم ذكر تسلية أخرى لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد التسلية الأولى بكفايته شرهم ودفعه لمكرهم، فقال: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ } من الأقوال الكفرية المتضمنة للطعن على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسحر والجنون والكهانة والكذب. وقد كان يحصل ذلك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمقتضى الجبلة البشرية والمزاج الإنساني، ثم أمره سبحانه بأن يفزع لكشف ما نابه من ضيق الصدر إلى تسبيح الله سبحانه وحمده فقال: {فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ } أي: متلبساً بحمده، أي: افعل التسبيح المتلبس بالحمد {وَكُنْ مّنَ ٱلسَّـٰجِدِينَ } أي: المصلين، فإنك إذا فعلت ذلك، كشف الله همك، وأذهب غمك، وشرح صدرك. ثم أمره بعبادة ربه، أي: بالدوام عليها إلى غاية هي قوله {حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ } أي: الموت. قال الواحدي: قال جماعة المفسرين: يعني الموت لأنه موقن به. قال الزجاج: المعنى: اعبد ربك أبداً، لأنه لو قيل: اعبد ربك بغير توقيت، لجاز إذا عبد الإنسان مرّة أن يكون مطيعاً. فإذا قال: حتى يأتيك اليقين، فقد أمره بالإقامة على العبادة أبداً ما دام حياً. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر عن عمر في قوله: {وَلَقَدْ ءاتَيْنَـٰكَ سَبْعًا مّنَ ٱلْمَثَانِي } قال: السبع المثاني: فاتحة الكتاب. وأخرجه سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والدارقطني وابن مردويه، والبيهقي من طرق عن عليّ بمثله. وأخرجه ابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه عن ابن مسعود مثله، وزاد: والقرآن العظيم} سائر القرآن. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي عن ابن عباس في الآية قال: فاتحة الكتاب استثناها الله لأمة محمد، فرفعها في أمّ الكتاب فادخرها لهم حتى أخرجها ولم يعطها أحد قبل. قيل: فأين الآية السابعة؟ قال: بِسْمِ اللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ. وروي عنه نحو هذا من طرق. وأخرج ابن الضريس، وأبو الشيخ، وابن مروديه عن أبي هريرة قال: السبع المثاني: فاتحة الكتاب. وأخرج ابن جرير عن أبيّ بن كعب قال: السبع المثاني: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ }. وروي نحو قول هؤلاء الصحابة عن جماعة من التابعين. وقد ثبت في صحيح البخاري من حديث أبي سعيد بن المعلى أنه قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : ألا أعلمك أفضل سورة قبل أن أخرج من المسجد؟ فذهب النبي صلى الله عليه وسلم ليخرج، فذكرت، فقال: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } هي السبع المثاني والقرآن العظيم»تفسير : . وأخرج البخاري أيضاً من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أمّ القرآن هي السبع المثاني والقرآن العظيم»تفسير : ، فوجب بهذا المصير إلى القول بأنها فاتحة الكتاب، ولكن تسميتها بذلك لا ينافي تسمية غيرها به كما قدّمنا. وأخرج ابن مردويه عن عمر، قال في الآية: هي السبع الطوال. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود مثله. وأخرج الفريابي، وأبو داود، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي عن ابن عباس قال في الآية: هي السبع الطوال. وأخرج الدارمي، وابن مردويه عن أبيّ بن كعب مثله. وروي نحو ذلك عن جماعة من التابعين. وأخرج ابن مردويه من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: هي فاتحة الكتاب والسبع الطوال. وأخرج ابن جرير عنه في الآية قال: ماثنى من القرآن، ألم تسمع لقول الله: {أية : ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ كِتَـٰباً مُّتَشَـٰبِهاً مَّثَانِيَ }تفسير : [الزمر: 23]. وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال: المثاني: القرآن، يذكر الله القصة الواحدة مراراً. وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي عن زياد بن أبي مريم في الآية قال: أعطيتك سبعة أجزاء: مر، وأنه، وبشر وأنذر، واضرب الأمثال، واعدد النعم، واتل نبأ القرآن. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ } قال: نهى الرجل أن يتمنى مال صاحبه، وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: {أَزْوٰجاً مّنْهُمْ } قال: الأغنياء الأمثال والأشباه. وأخرج ابن المنذر عن سفيان بن عيينة قال: من أعطي القرآن فمدّ عينه إلى شيء مما صغر القرآن فقد خالف القرآن، ألم يسمع إلى قوله: {وَلَقَدْ ءاتَيْنَـٰكَ سَبْعًا مّنَ ٱلْمَثَانِي }، وإلى قوله: {أية : وَرِزْقُ رَبّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ } تفسير : [طه: 131] وقد فسر ابن عيينة أيضاً الحديث الصحيح: «حديث : ليس منا من لم يتغن بالقرآن»تفسير : فقال: إن المعنى: يستغنى به. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: {وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ } قال: اخضع. وأخرج الفريابي، وسعيد بن منصور، والبخاري، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم، وابن مردويه من طرق عن ابن عباس في قوله: {كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ } الآية قال: هم أهل الكتاب، جزءوه أجزاء فآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه. وأخرج ابن جرير من طريق عليّ بن أبي طلحة عنه قال: عضين: فرقاً. وأخرج ابن إسحاق، وابن أبي حاتم، وأبو نعيم، والبيهقي عن ابن عباس أنها نزلت في نفر من قريش، كانوا يصدّون الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم الوليد بن المغيرة. وأخرج الترمذي، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن أنس عن النبي في قوله: {فَوَرَبّكَ لَنَسْـئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ } قال: "عن قول لا إلٰه إلاّ الله". وأخرجه ابن أبي شيبة، والترمذي، وابن جرير، وابن المنذر من وجه آخر عن أنس موقوفاً. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عمر مثله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس {فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ } فامضه، وفي عليّ بن أبي طلحة مقال معروف. وأخرج ابن جرير عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود قال: ما زال النبي صلى الله عليه وسلم مستخفياً حتى نزل {فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ } فخرج هو وأصحابه. وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير عن ابن عباس في الآية قال: هذا أمر من الله لنبيه بتبليغ رسالته قومه، وجميع من أرسل إليه. وأخرج ابن المنذر عنه {فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ } قال: أعلن بما تؤمر. وأخرج أبو داود في ناسخه، وابن أبي حاتم عن ابن عباس {وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ } قال: نسخه قوله تعالى: {أية : فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ } تفسير : [التوبة: 5]. وأخرج الطبراني في الأوسط، وابن مردويه، وأبو نعيم، والضياء في المختارة عن ابن عباس في قوله: {إِنَّا كَفَيْنَـٰكَ ٱلْمُسْتَهْزِئينَ } قال: المستهزئون: الوليد بن المغيرة، والأسود بن يغوث، والأسود بن المطلب، والحارث بن عيطل السهمي، والعاص بن وائل، وذكر قصة هلاكهم. وقد روي هذا عن جماعة من الصحابة مع زيادة في عددهم، ونقص على طول في ذلك. وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر، والحاكم في التاريخ، وابن مردويه، والديلمي عن أبي مسلم الخولاني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«حديث : ما أوحي إليّ أن أجمع المال، وأكن من التاجرين، ولكن أوحي إليّ أن سبح بحمد ربك وكن من الساجدين. {وأعبد ربك حتى يأتيك اليقين}»تفسير : . وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود مرفوعاً مثله. وأخرج ابن مردويه، والديلمي عن أبي الدرداء مرفوعاً نحوه. وأخرج الخطيب في المتفق والمفترق من طريق عبيد الله بن أبان بن عثمان بن حذيفة ابن أوس الطائفي قال: حدثني أبان بن عثمان عن أبيه، عن جدّه يرفعه مثل حديث أبي مسلم الخولاني. وأخرج ابن أبي شيبة عن سالم بن عبد الله بن عمر {حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ } قال: الموت. وأخرج ابن المبارك عن الحسن مثله. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد مثله.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل:{ولقد آتيناك سبعاً مِن المثاني والقرآن العظيم} فيه خمسة أقاويل: أحدها: أن السبع المثاني هي الفاتحة، سميت بذلك لأنها تثنى كلما قرىء القرآن وصُلّي، قاله الربيع بن أنس وأبو العالية والحسن. وقيل: لأنها يثني فيها الرحمن الرحيم، ومنه قول الشاعر: شعر : نشدتكم بمنزل القرآن أمّ الكتاب السّبع من مثاني ثُنِّين مِن آيٍ مِن القرآن والسبع سبع الطول الدواني تفسير : الثاني: أنها السبع الطوَل: البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف ويونس، قاله ابن مسعود وابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد. قال ابن عباس: سميت المثاني لما تردد فيها من الأخبار والأمثال والعبر وقيل: لأنها قد تجاوزت المائة الأولى إلى المائة الثانية. قال جرير: شعر : جزى الله الفرزدق حين يمسي مضيعاً للمفصل والمثاني تفسير : الثالث: أن المثاني القرآن كله، قاله الضحاك، ومنه قول صفية بنت عبد المطلب ترثي رسول الله صلى الله عليه وسلم: شعر : فقد كان نوراً ساطعاً يهتدى به يخص بتنزيل المثاني المعظم تفسير : الرابع: أن المثاني معاني القرآن السبعة أمر ونهي وتبشير وإنذار وضرب أمثال وتعديد نعم وأنباء قرون، قاله زياد بن أبي مريم. الخامس: أنه سبع كرامات أكرمه الله بها، أولها الهدى ثم النبوة، ثم الرحمةِ ثم الشفقة ثم المودة ثم الألفة ثم السكينة وضم إليها القرآن العظيم، قاله جعفر بن محمد الصادق رضي الله عنهما. قوله عز وجل:{لا تمدن عينيك إلى ما متّعنا به أزواجاً منهم} يعني ما متعناهم به من الأموال. وفي قوله: {أزواجاً منهم} ثلاثة أوجه: أحدها: أنهم الأشباه، قاله مجاهد. الثاني: أنهم الأصناف قاله أبو بكر بن زياد. الثالث: أنهم الأغنياء، قاله ابن أبي نجيح. {ولا تحزن عليهم} فيه وجهان: أحدهما: لا تحزن عليهم بما أنعمت عليهم في دنياهم. الثاني: لا تحزن بما يصيرون إليه من كفرهم. {واخفض جناحك للمؤمنين} فيه وجهان: أحدهما: اخضع لهم، قاله سعيد بن جبير. الثاني: معناه أَلِنْ جانبك لهم، قال الشاعر: شعر : وحسبك فتيةٌ لزعيم قومٍ يمدّ على أخي سُقْم جَناحا تفسير : وروى أبو رافع أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل به ضيف فلم يلق عنده أمراً يصلحه، فأرسل إلى رجل من اليهود يستسلف منه دقيقاً إلى هلال رجب، فقال: لا إلاّ برهن، فقال النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : أما والله إني لأمينٌ في السماء وأمين في الأرض، ولو أسلفني أو باعني لأدّيتُ إليه" تفسير : فنزلت عليه {لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم} .

ابن عطية

تفسير : قال ابن عمر وابن مسعود وابن عباس ومجاهد وابن جبير: "السبع" هنا هي السبع الطوال البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والمص والأنفال مع براءة، وقال ابن جبير: بل السابعة يونس وليست الأنفال وبراءة منها، و {المثاني} على قول هؤلاء: القرآن كما قال تعالى: {أية : كتاباً متشابهاً مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم} تفسير : [الزمر: 23]، وسمي بذلك لأن القصص والأخبار تثنى فيه وتردد، وقال عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن عباس أيضاً وابن مسعود والحسن وابن أبي مليكة وعبيد بن عمير وجماعة: "السبع" هنا هي آيات الحمد، قال ابن عباس: هي سبع: ببسم الله الرحمن الرحيم، وقال غيره هي سبع دون البسملة، وروي في هذا حديث أبي بن كعب ونصه: قال أبيّ: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ألا أعلمك يا أبيّ سورة لم تنزل في التوراة والإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها" تفسير : ، قلت: بلى، قال: "حديث : إني لأرجو أن لا تخرج من ذلك الباب حتى تعلمها" تفسير : ، فقام رسول الله وقمت معه ويدي في يده وجعلت أبطىء في المشي مخافة أن أخرج، فلما دنوت من باب المسجد، قلت: يا رسول الله، السورة التي وعدتنيها؟ فقال: "حديث : كيف تقرأ إذا قمت في الصلاة" تفسير : ؟ قال: فقرأت {أية : الحمد لله رب العالمين} تفسير : [الفاتحة: 1] حتى كملت فاتحة الكتاب، فقال: "حديث : هي هي، وهي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيت"تفسير : ، كذا أو نحوه ذكره مالك في الموطأ، وهو مروي في البخاري ومسلم عن أبي سعيد بن المعلى أيضاً، وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : إنها السبع المثاني، وأم القرآن، وفاتحة الكتاب" تفسير : وفي كتاب الزهراوي: وليس فيها بسملة، و {المثاني} على قول هؤلاء يحتمل أن يكون القرآن، فـ {من} للتبعيض، وقالت فرقة: بل أراد الحمد نفسها كما قال {أية : الرجس من الأوثان} تفسير : [الحج: 30] فـ {من} لبيان الجنس، وسميت بذلك لأنها تثنى في كل ركعة، وقيل سميت بذلك لأنها يثنى بها على الله تعالى، جوزه الزجاج. قال القاضي أبو محمد: وفي هذا القول من جهة التصريف نظر، وقال ابن عباس: سميت بذلك لأن الله تعالى استثناها لهذه الأمة ولم يعطها لغيرها، وقال نحوه ابن أبي مليكة، وقرأت فرقة "والقرآن" بالخفض عطفاً على {المثاني} وقرأت فرقة "والقرآنَ" بالنصب عطفاً على قوله {سبعاً}، وقال زياد بن أبي مريم: المراد بقوله {ولقد آتيناك سبعاً} أي سبع معان من القرآن خولناك فيها شرف المنزلة في الدنيا والآخرة وهي: مُرْ، وانْهَ، وبشر، وأنذِر، واضرب الأمثال، واعدد النعم، واقصص الغيوب، وقال أبو العالية "السبع المثاني" هي آية فاتحة الكتاب، ولقد نزلت هذه السورة وما نزل من السبع الطوال شيء، وقوله {لا تمدن عينيك} الآية، حكى الطبري، عن سفيان بن عيينة أنه قال هذه الآية أمر بالاستغناء بكتاب الله عن جميع زينة الدنيا، وهي ناظرة إلى قوله عليه السلام: "حديث : ليس منا من لم يتغن بالقرآن" تفسير : أي يستغني به. قال القاضي أبو محمد: فكأنه قال: ولقد آتيناك عظيماً خطيراً فلا تنظر إلى غير ذلك من أمور الدنيا وزينتها التي متعنا بها أنواعاً من هؤلاء الكفرة، ومن هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أوتي القرآن فرأى أن أحداً أعطي أفضل مما أعطي فقد عظم صغيراً، وصغر عظيماً" تفسير : وكأن "مد العين" يقترن به تمنَّ، ولذلك عبر عن الميل إلى زينة الدنيا بـ "مد العين" و"الأزواج" هنا الأنواع والأشباه، وقوله {ولا تحزن عليهم} أي لا تتأسف لكفرهم وهلاكهم، واصرف وجه تحفيك إلى من آمن بك {واخفض} لهم {جناحك} وهذه استعارة بمعنى لين جناحك ووطىء أكنافك. "والجناح" الجانب والجنب، ومنه {أية : واضمم يدك إلى جناحك} تفسير : [طه: 22] فهو أمر بالميل إليهم، والجنوح الميل، {وقل إني أنا النذير المبين}، أي تمسك بهذا القدر العظيم الذي وهبناك، والكاف من قوله {كما} متعلقة بفعل محذوف تقديره، وقل إني أنا النذير المبين عذاباً كالذي أنزلنا على المقتسمين، فالكاف اسم في موضع نصب. قال القاضي أبو محمد: هذا قول المفسرين، وهو عندي صحيح لأن {كما} ليس مما يقوله محمد عليه السلام بل هو من قول الله تعالى له فينفصل الكلام، وإنما يترتب هذا القول بأن نقدر أن الله تعالى قال له تنذر عذاباً كما، والذي أقول في هذا المعنى: وقل أنا النذير كما قال قبلك رسلنا وأنزلنا عليهم كما أنزلنا عليك، ويحتمل أن يكون المعنى وقل أنا النذير كما قد أنزلنا قبل في الكتب أنك ستأتي نذيراً، وهذا على أن {المقتسمين} أهل الكتاب، واختلف الناس في {المقتسمين} من هم؟ فقال ابن زيد: هم قوم صالح الذين اقتسموا السيئات فالمقتسمون على هذا من القسم. قال القاضي أبو محمد: ويقلق هذا التأويل مع قوله {الذين جعلوا القرآن عضين}، وقال ابن عباس وسعيد بن جبير: "المقتسمون" هم أهل الكتاب الذين فرقوا دينهم، وجعلوا كتاب الله أعضاء آمنوا ببعض وكفروا ببعض، وقال نحوه مجاهد، وقالت فرقة: "المقتسمون" هم من كفار قريش الذين اقتسموا الطرق وقت الموسم ليعرفوا الناس بحال محمد عليه السلام، وجعلوا القرآن سحراً وشعراً وكهانة فعضهوه بهذا وعضوه أعضاء بهذا التقسيم، وقال عكرمة: "المقتسمون" هم قوم كانوا يستهزئون بسور القرآن فيقول الرجل منهم هذه السورة لي، ويقول الآخر وهذه لي، وقوله {عضين} مفعول ثان وجعل بمعنى صير، أي بألسنتهم ودعواهم، وأظهر ما فيه أنه جمع عضة، وهي الفرقة من الشيء والجماعة من الناس كثبة وثبين وعزة وعزين، وأصلها عضهة وثبوة فالياء والنون عوض من المحذوف، كما قالوا سنة وسنون، إذ أصلها سنهة، وقال ابن عباس وغيره: {عضين} مأخوذ من الأعضاء أي عضوة فجعلوه أعضاء مقسماً، ومن ذلك قول الراجز: شعر : وليس دين الله بالمعضى تفسير : وهذا هو اختيار أبي عبيدة، وقال قتادة {عضين} مأخوذ من العضة وهو السب المفحش، فقريش عضهوا كتاب الله بقولهم: هو شعر، هو سحر، هو كهانة، وهذا هو اختيار الكسائي، وقالت فرقة: {عضين} جمع عضة وهي اسم للسحر خاصة بلغة قريش، ومنه قول الراجز: شعر : للماء من عضتهن زمزمة. تفسير : وقال هذا قول عكرمة مولى ابن عباس، وقال العضة السحر، وهم يقولون للساحرة العاضهة، وفي الحديث "حديث : لعن الله العاضهة والمستعضهة" تفسير : ، وهذا هو اختيار الفراء. قال القاضي أبو محمد: ومن قال جعلوه أعضاء فإنما أراد قسموه كما تقسم الجزور أعضاء، وقوله {فوربك لنسألنهم} إلى آخر الآية، ضمير عام ووعيد محض يأخذ كل أحد منه بحسب جرمه وعصيانه، فالكافر يسأل عن لا إله إلا الله وعن الرسل وعن كفره وقصده به، والمؤمن العاصي يسأل عن تضييعه، والإمام عن رعيته، وكل مكلف عما كلف القيام به، وفي هذا المعنى أحاديث، وقال أبو العالية في تفسير هذه الآية: يسأل العباد كلهم عن خلتين يوم القيامة عما كانوا يعبدون وماذا أجابوا المرسلين، وقال في تفسيرها أنس بن مالك وابن عمر ومجاهد: إن السؤال عن لا إله إلا الله، وذكره الزهراوي عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال ابن عباس في قوله {فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون}، قال يقال لهم: لم عملتم كذا وكذا؟ قال وقوله تعالى: {أية : فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان} تفسير : [الرحمن: 39] معناه يقال له ما أذنبت لأن الله تعالى أعلم بذنبه منه.

ابن عبد السلام

تفسير : [{سَبْعاً مِّنَ الْمَثَانِى}] السبع المثاني: الفاتحة، لأنها تثنى كلما قرأ القرآن وصلى، أو السبع الطوال، البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، ويونس، "ع" سميت مثاني لما تردد فيها من الأمثال والخبر والعبر، أو لأنها تجاوز المائة الأولى إلى المائة الثانية، أو المثاني القرآن كله، أو معانيه السبعة أمر ونهي وتبشير وإنذار وضرب أمثال وتعديد نعم وأنباء قرون.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي} يحتمل أن يكون سبعاً من الآيات، وأن يكون سبعاً من السُّورِ، وأن يكون سبعاً من الفوائد، وليس في اللفظ ما يدلُّ على التَّعيين. والثاني: صيغة جمع، واحدة مثناة، والمثناةُ: كل شيءٍ يُثَنَّى، أي: يجعل اثنين من قولك: ثَنَيْت الشَّيء ثَنْياً، أي: عَطفْتهُ، أو ضممت إليه آخر، ومنه يقال لرُكْبتَي الدَّابة ومِرْفقَيْهَا مثانِي؛ لأنها تثنى بالفخذ، والعضد؛ ومثاني الوادي معاطفه. وإذا عرف هذا، فقوله: {سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي} مفهومه سبعة أشياء من جنس الأشياء التي تثنى، وهذا القدر مجملٌ، ولا سبيل إلى تعيينه، إلا بدليلٍ منفصلٍ، وللنَّاس فيه أقوال: أحدها: قال عمرُ، وعليٌّ، وابن مسعودٍ، وأبو هريرة، والحسن، وأبو العالية، ومجاهدٌ والضحاك، وسعيد بن جبير، وقتادة ـ رضي الله عنهم ـ: إنه فاتحة الكتاب. روى أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ فاتحة الكتاب، وقال: "هِيَ السَّبْعُ المَثانِي" . تفسير : وإنَّما سمِّيت بالسَّبع؛ لأنها سبعُ آياتٍ، وفي تمسيتها بالمثاني وجوه: أولها: قال ابن عبَّاس ـ رضي الله عنهما ـ والحسن، وقتادة: لأنها تثنى في الصلاة، فتقرأ في كلِّ ركعةٍ. ثانيها: قال الزجاج: لأنَّها تثنى مع ما يقرأ معها. وثالثها: لأنها قسمت قسمين: نصفها ثناءٌ، ونصفها دعاءٌ، كما ورد في الحديث المشهور. ورابعها: قال الحسين بن الفضل: لأنَّها نزلت مرَّتين، مرة بمكَّة، ومرة بالمدينة. وخامسها: لأنَّ كلماتها مثناة، مثل: {أية : ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ٱهْدِنَا ٱلصّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ}تفسير : [الفاتحة:3ـ7]. وفي قراءة عمر: (غير المغضوب عليهم وغير الضالين). نقل القاضي عن أبي بكر الأصم أنَّه قال: كان ابن مسعودٍ ـ رضي الله عنه ـ لا يكتب في مصحفه فاتحة الكتاب؛ رأى أنَّها ليست من القرآن. قال ابن الخطيب: "لعلَّ حجَّته أنه عطف السَّبع المثاني على القرآن والمعطوف مغاير للمعطوف عليه؛ فوجب أن تكون غير القرآن العظيم"، ويشكل هذا بقوله: {أية : وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ}تفسير : [الأحزاب:7]، وكذلك قوله تعالى: {أية : وَمَلاۤئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ}تفسير : [البقرة:98]. وللخَصْم أن يجيب بأنه يجوز أن يذكر الكلَّ، ثمَّ يعطف عليه ذكر بعض أقسامه لكونه أشرف الأقسام، وأمَّا إذا ذكر شيءٌ آخر كان المذكور أولاً مغايراً للمذكور ثانياً، وها هنا ذكر سبع المثاني. ثم عطف عليه القرآن فوجب التغاير. ويجاب عليه: بأنَّ بعض الشَّيء مغاير لمجموعه، فلم لا يكفي هذا القدر من المغايرة في حسن العطف؟. واعلم أنَّه لمَّا كان المراد بالسَّبع المثاني هو الفاتحة؛ دلَّ على أنَّها أفضل سور القرآن، لأن إفرادها بالذِّكر مع كونها جزءاً من القرآن؛ يدلُّ على مزيد اختصاصها بالفضيلة، وأيضاً: لما أنزلها مرَّتين دلَّ ذلك على أفضليتها، وشرفها، ولما واظب رسول الله صلى الله عليه وسلم على قرءاتها في جميع الصلوات طول عمره، وما أقام [سورة أخرى] مقامها في شيءٍ من الصلوات، دل ذلك على وجوب قراءتها، وألاَّ يقوم شيء من القرآن مقامها. القول الثاني: السَّبع المثاني: هي السبع الطوال، قاله ابن عمر، وسعيد بن جبيرٍ في بعض الروايات عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ وإنما سميت السبع الطوال مثاني؛ لأنَّ الفرائض، والحدود، والأمثال والخبر، والعبر ثنيت فيها. وأنكر الربيع هذا القول، وقال: الآيةُ مكية، وأكثر هذه السورة مدنيَّة، وما نزل منها من شيءٌ في مكَّة، فكيف تحمل هذه الآية عليها؟. وأجاب قومٌ عن هذا بأنه ـ تعالى ـ جلَّ ذكره ـ أنزل القرآن كلَّه إلى سماءِ الدنيا، ثم أنزل على نبيه منه نجوماً، فلمَّا أنزله إلى سماءِ الدُّنيا، وحكم بإنزاله عليه فهو جملة من آتاه، وإن لم ينزل عليه بعدُ. وفي هذا الجواب نظرٌ، فإن قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي} ذكره في [معرض] الامتنان، وهذا الكلامُ إنَّما يصدق، إذا وصل ذلك إلى محمَّدٍ ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ فأمَّا ما لم يصله بعد، فلا يصدق ذلك عليه. وأما قوله: إنه لما حكم بإنزاله على محمد، كان ذلك جارياً مجرى ما نزل عليه، فضعيف؛ لأنَّ إقامة مالم ينزل عليه مقام النَّازل عليه مخالف للظَّاهرِ. القول الثالث: أنَّ السَّبع المثاني: هو القرآن، وهو منقولٌ عن ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ في بعض الروايات، وهو قول طاوس ـ رضي الله عنه ـ لقوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ}تفسير : [الزمر:23] فوصف كلَّ القرآن بكونه مثاني؛ لأنه كرَّر فيه دلائل التَّوحيدِ، والنبوَّة، والتَّكاليف. قالوا: وهو ضعيف؛ لأنه لو كان المراد بالسَّبع المثاني القرآن لكان قوله: {وَٱلْقُرْآنَ ٱلْعَظِيمَ}، عطفاً على نفسه، وذلك غير جائزٍ. وأجيب عنه: بأنه إنَّما حسن العطف فيه لاختلاف اللفظين؛ كقول الشاعر: شعر : 3291ـ إلى المْلِكِ القَرْمِ وابْنِ الهُمامِ وليْثِ الكَتِيبَةِ في المُزدحَم تفسير : واعلم أن هذا، وإن كان جائزاً إلا أنَّهم أجمعوا على أن الأصل خلافه. القول الرابع: أنه يجوز أن يكون المراد بالسبع الفاتحة، وبالمثاني كل القرآن، ويكون التقدير: ولقد آتيناك سبع آياتٍ هي الفاتحة، وفي من جملة المثاني الذي هو القرآن، وهذا عين الأول. و"مِن" في قوله: "مِنَ المثَانِي". قال الزجاج ـ رحمه الله تعالى ـ: فيها وجهان: أحدهما: أن تكون للتبعيض من القرآن، أي: ولقد آتيناك سبع آياتٍ من جملة الآيات التي يثنى بها على الله، وآتيناك القرآن العظيم. ويجوز أن تكون "مِن" صفة، والمعنى: أتيناك سبعاً هي المثاني، كقوله تعالى: {أية : فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَانِ}تفسير : [الحج:30]، أي اجتنبوا الأوثان؛ لأن بعضها رجس. قوله: "والقرآن" فيه أوجه: أحدها: أنه من عطف بعض الصفات على بعض، أي: الجامع بين هذه النعتين. الثاني: أنه من عطف العام على الخاص، إذ المراد بالسَّبع: إمَّا الفاتحة، أو الطوال، فكأنه ذكر مرتين بجهة الخصوص، ثم باندراجه في العموم. الثالث: أنَّ الواو مقحمة، وقرىء "وَالقُرآنِ" بالجر عطفاً على: "المَثَانِي". قوله تعالى: {لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا} الآية لما عرف رسوله عظيم نعمه عليه فيما يتعلق بالدِّين، وهو أنه تعالى آتاه سبعاً من المثاني، والقرآن العظيم نهاه عن الرغبة في الدنيا فقال: {لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ}، أي لا تشغل سرك، وخاطرك بالالتفات إلى الدنيا، وقد أوتيت القرآن العظيم. قال أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ "مَنْ أوتِي القرآن فرَأى أنَّ أحَداً أوتِي مِنَ الدنيَا أفضل ممَّا أوتِي، فقَد صَغَّرَ عَظِيماً وعَظَّمَ صَغِيراً". وتأوَّل سفيان بن عيينة هذه الآية بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : ليْسَ مِنَّا من لمْ يتغنَّ بالقُرآنِ"تفسير : أي لم يستغن. وقال ابن [عبَّاسٍ] ـ رضي الله عنهما ـ: "لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ"، أي لا تتمنّ ما فضلنا به أحداً من متاع الدُّنيا. وقرَّر الواحديُّ هذا المعنى فقال: "حديث : إنَّما يكون مادًّا عينيه إلى الشيء، إذا أدام النَّظر نحوه، وإدامةٌ النَّظر إلى الشَّيء تدلُّ على استحسانه، وتمنِّيه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا ينظر إلى ما يستحسن من متاع الدنيا ". تفسير : وروي أنه صلى الله عليه وسلم "حديث : نظر إلى نَعَم بَنِي المُصطلقِ، وقد [عَبِسَتْ] في أبْوالِهَا، وأبْعارِهَا؛ فَتقنَّعَ في ثَوْبهِ؛ وقَرأ هذِه الآية ". تفسير : قوله: "عَبِستْ في أبْوالِهَا وأبْعَارِهَا" هون أن تجف أبعارها، وأبوالها على أفخاذها، إذا تركت من العمل أيَّام الربيع؛ فيكثر شحومها، ولحومها، وهي أحسن ما تكون. قوله: {أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ}. قال ابن قتيبة: أي أصنافاً من الكُفَّار، والزَّوْجُ في اللغة: الصِّنف {وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ}؛ لأنهم لم يؤمنوا، فيتقوى بإسلامهم، ثم قال عز وجل {وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ}. الخفض: معناه في اللغة: نقيض الرفع، ومنه قوله تعالى في وصف القيامة {أية : خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ}تفسير : [الواقعة:3]، أي: أنَّها تخفض أهل المعاصي، وترفع أهل الطَّاعة، وجناح الإنسان: يدهُ. قال الليثُ ـ رضي الله عنه ـ يد الإنسان: جناحه، قال تعالى: {أية : وَٱضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ ٱلرَّهْبِ}تفسير : [القصص:32]، وخفض الجناح كناية عن اللِّين، والرّفقِ، والتَّواضع، والمقصود: أنه نهاه عن الالتفات إلى الأغنياء من الكفار، وأمره بالتَّواضع لفقراءِ المؤمنين [ونظيره] {أية : أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ}تفسير : [المائدة:54]، وقوله: {أية : أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ}تفسير : [الفتح:29]. قوله: {وَقُلْ إِنِّيۤ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ} لما أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بالزُّهدِ في الدنيا، وخفض الجناح للمؤمنين، أمره أن يقول للقوم: { أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ}، وهذا يدخل تحته كونه مبلغاً لجميع التَّكاليف، وكونه [شارحاً لمراتب] الثَّواب والعقاب، والجنَّة والنَّار، ومعنى "المَبِين" الآتي بجميع البيِّنات الوافية. قوله: {كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ} فيه أقوال: أحدها: أنََّ الكاف [تتعلق] بـ "آتَيْنَاكَ"، وإليه ذهب الزمشخريُّ فإنه قال: "أنزلنا عليك"، مثل ما أنزلنا على أهل الكتاب، وهم المقتسمون: {ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلْقُرْآنَ عِضِينَ}. الثاني: أنه نعت لمصدر محذوف منصوب بـ"آتَيْنَاكَ" تقديره: آتيناك إتياناً كما أنزلنا. الثالث: أنه منصوب نعت لمصدر محذوف، ولكنَّه ملاق لـ"آتيْنَاكَ" من حيث المعنى لا من حيث اللفظ، تقديره: أنزلنا إليك إنزالاً كما أنزلنا؛ لأنَّ "آتَيْنَاكَ" بمعنى أنزلنا إليك. الرابع: أنه نعتٌ لمصدرٍ محذوف، والعامل فيه مقدَّر أيضاً، تقديره: ومتعناهم تمتيعاً كما أنزلنا، والمعنى: نعمنا بعضهم كما عذَّبنا بعضهم. الخامس: أنه صفة لمصدر دلَّ عليه التقدير، والتقدير: أنا النَّذير إنذاراً كما أنزلنا، أي: مثل ما أنزلنا. السادس: أنه نعتٌ لمفعول محذوف، النَّاصب له: "النَّذيرُ"، تقديره: النَّذيرُ عذاباً {كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ} وهم قوم صالح؛ لأنهم قالوا: "لنُبَيتنَّه" وأقسموا على ذلك، أو يراد بهم قريش حين قسموا القرآن إلى سحرٍ، وشعرٍ، وافتراءٍ. وقد ردَّ بعضهم هذا: بأنه يلزم منه إعمال الوصف موصوفاً، وهو غير جائز عند البصريين جائز عند الكوفيين، فلو عمل ثمَّ وصف جاز عند الجميع. السابع: أنَّه مفعول به ناصبه: "النَّذيرُ" أيضاً. قال الزمخشريُّ: "والثاني: أن يتعلق بقوله: {وَقُلْ إِنِّيۤ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ}، أي: وأنذر قريشاً مثل ما أنزلنا على المقتسمين، يعني اليهود، وما جرى على بني قريظة، و النضيرِ". وهذا مردودٌ بما تقدَّم من إعمال الوصف موصوفاً. قال ابن الخطيب: وهذا الوجه لا يتمُّ إلاَّ بأحد أمرين: إمَّا التزامُ إضمارٍ، ِأو التزام حذفٍ. أمَّا الإضمار فهو أن يكون التقدير: إني أنا النذير [المبين] عذاباً، كما أنزلنا على المقتسمين، وعلى هذا الوجه: المفعول محذوف، وهو المشبه، ودلَّ عليه المشبه به، كما تقول: رأيت كالقمر في الحسن، أي: رأيت إنساناً كالقمرِ في الحسن، وأمَّا الحذف، فهو أن يقال: الكاف زائدة محذوفة، والتقدير: إني أنا النذير [المبين ما] أنزلناه على المقتسمين، وزيادة الكاف له نظير، وهو قوله تعالى: {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}تفسير : [الشورى:11]. الثامن: أنه منصوب نعتاً لمفعولٍ به مقدر، والناصب لذلك المحذوف مقدرٌ أيضاً لدلالة لفظ "النَّذِير" عليه، أي: أنذركم عذاباً مثل العذاب المنزَّل على المقتسمين، وهم قوم صالحٍ، أو قريش، قاله أبو البقاء ـ رحمه الله ـ وكأنه فرَّ من كونه منصوباً بلفظ "النَّذير" كما تقدَّم من الاعتراض البصريّ. وقد ردَّ ابن عطية على القول السادس بقوله: والكاف في قوله: "كَمَا" متعلقة بفعلٍ محذوفٍ، تقديره: وقل إنِّي أنا النذير المبين عذاباً كما أنزلنا، فالكاف: اسم في موضعِ نصبٍ، هذا قول المفسِّرين. وهو غير صحيح؛ لأنَّ: "كما أنزلنا" ليس ممَّا يقوله محمد ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ بل هو من كلام الله ـ تعالى ـ فيفصل الكلام، وإنَّما يترتب هذا القول بأن يقدر أن الله ـ تعالى ـ قال له: أنذر عذاباً كما. والذي أقول في هذا المعنى: "وقل إنّي أنا النذيرُ المبين كما قال قبلك رسلنا وأنزلنا عليهم كما أنزلنا عليك". ويحتمل أن يكون المعنى: وقل: إنِّي أنا النذيرُ المبينُ، كما قد أنزلنا في الكتب أنَّك ستأتي نذيراً على أن المقتسمين، هم أهل الكتاب، وقد اعتذر بعضهم عمَّا قاله أبو محمد فقال: الكاف متعلقة بمحذوف دلَّ عليه المعنى، تقديره: أنا النذير بعذاب مثل ما أنزلنا، وإن كان المنزل الله، كما تقول بعض خواصِّ الملكِ: أمرنا بكذا، وإن كان الملك هو الآمرُ. وأما قول أبي محمدٍ: "وأنزلنا عليهم، كما أنزلنا عليك"؛ كلامٌ غير منتظم، ولعلَّ أصله: وأنزلنا عليك كما أنزلنا عليهم:، كذا أصلحه أبو حيان. وفيه نظر، كيف يقدر ذلك، والقرآن ناطق بخلافه، وهو قوله: {عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ}. التاسع: أنه متعلق بقوله: "لنَسَألنَّهُمْ" تقديره: لنسألنَّهم أجمعين، مثل ما أنزلنا. العاشر: أنَّ الكاف مزيدة، تقديره: أنا النذير ما أنزلناه على المقتسمين. ولا بد من تأويل ذلك على أنَّ "ما" مفعولٌ بـ"النذير" عند الكوفيين، فإنَّهم يعملون الوصف للموصوف، أو على إضمار فعل لائقٍ أي: أنذركم ما أنزلناه كما يليق بمذهب البصريين. الحادي عشر: أنه متعلق بـ"قل"، التقدير: وقل قولاً كما أنزلنا على المقتسمين أنك نذير لهم، فالقول للمؤمنين في النَّذارةِ كالقول للكفَّار المقتسمين؛ لئلا يظنُّوا أنَّ إنذارك للكفار مخالف لإنذار المؤمنين، بل أنت في وصف النذارة لهم بمنزلة واحدة، تنذر المؤمن، كما تنذر الكافر، كأنه قال: أنا النذيرُ لكم، ولغيركم. فصل قال ابن عبَّاسِ ـ رضي الله عنهما ـ: المقتسمون: هم الَّذينَ اقتسموا طرق مكَّة يصدُّون النَّاس عن الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم ويقرب عددهم من أربعين. وقال مقاتل بن سليمان ـ رحمه الله ـ: كانوا ستَّة عشر رجلاً بعثهم الوليد بن المغيرة أيَّام الموسم، فاقتسموا شعاب مكَّة، وطرقها يقولون لمن سلكها: لا تغتروا بالخارج منَّا، والمدعي للنبوَّة، فإنه مجنونٌ، وكانوا ينفِّرُونَ النَّاس عنه بأنه ساحرٌ، أو كاهنٌ، أو شاعرٌ، فطائفة منهم تقول: ساحرٌ، وطائفة تقول: إنه كاهنٌ، وطائفة تقول: إنه شاعرٌ، فأنزل الله عز وجل بهم خزياً؛ فماتوا أشدَّ ميتة. وروي عن ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ أنهم اليهود، والنصارى {جَعَلُواْ ٱلْقُرْآنَ عِضِينَ} جزءوه أجزاء، فآمنوا بما وافق التَّوراة، وكفروا بالباقي. وقال مجاهد: قسموا كتاب الله ـ تعالى ـ ففرقوه، وبدلوه. وقيل: قسَّموا القرآن، وقال بعضهم: سحر، وقال بعضهم: شعر، وقال بعضهم: كذبٌ، وقال بعضهم: أساطير الأوَّلينَ. وقيل: الاقتسام هو أنهم فرَّقوا القول في رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال بعضهم: شاعرٌ، وقال بعضهم: كاهنٌ. قوله: {ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ} فيه أوجه: أظهرها: أنه نعت لـ "المُقْتَسمِينَ". الثاني: أنه بدلٌ منه. الثالث: أنه بيانٌ. الرابع: أنه منصوبٌ على الذَّمِّ. الخامس: أنه خبر مبتدأ مضمرٍ. السادس: أنه منصوب بـ"النَّذيرُ المبِينُ" كما قاله الزمخشريُّ. وهو مردود بإعمال الوصف بالموصوف عند البصريين كما تقدَّم. و"عِضِينَ" جمع عِضَة، وهي الفرقة، والعِضِين: الفِرَق، وتقدم معنى جعله القرآن كذلك، ومعنى العِضَة: السِّحر بلغة قريش، يقولون: هو عَاضهُ، وهي عَاضِهَة، قال: [المتقارب] شعر : 3292ـ أعُوذُ بِربِّي مِنَ النِّافِثَا تِ في عُقَدِ العَاضِهِ المُعْضهِ تفسير : وفي الحديث: "حديث : لَعنَ اللهُ العَاضِهةً والمُسْتعضِهَة"تفسير : ، أي السَّاحرة، والمُسْتسْحِرَة وقيل: هو من العضه، وهو: الكذب، والبهتان، يقال: عَضَهَهُ عَضْهاً، وعضيهةً، أي: رماه بالبهتان، وهذا قول الكسائي رحمه الله تعالى. وقيل: هو من العِضَاه، وهو شجر له شوكٌ مؤذٍ، قاله الفرَّاء. وفي لام "عِضَة" قولان يشهد لكلِّ منهما التصريف: الأول: الواو، لقولهم: عِضَوات، واشتقاقها من العضوِ؛ لأنَّه جزء من كل كلمةٍ ولتصغيرها على "عُضَيَّة". الثاني: الهاء، لقولهم: عُضَيْهَة، وعَاضَة، وعَاضِهَة، وعِضَة، وفي الحديث "حديث : لا تَعْضِية في مِيراثٍ"تفسير : ، وفسِّر: بأن لا تفريق فيما يضر بالورثة تفريقه كسيفٍ يكسر نصفين فينقص ثمنه. وقال الزمخشريُّ: "عِضِينَ": أجزاء، جمع عِضَة، وأصلها عِضْوَة، فعلة من عضَّى الشاة، إذا جعلها أعضاءِ؛ قال: [الزاجر] شعر : 3293ـ وليْسَ دِينُ اللهِ بالمُعَضَّى تفسير : وجمع "عِضَة" على "عِضِين"، كما جمع سنة، وثبة، وظبة وبعضهم يجري النون بالحركات مع التاء، وقد تقدم تقرير ذلك، وحينئذ تثبت نونه في الإضافة، فيقال: هذه عضينك. وقيل: واحد العِضِين: عِضَةٌ، وأصلها: عِضْهَةٌ، فاستثقلوا الجمع بين هاتين، فقالوا: عِضَةٌ، كما قالوا: شَفَةٌ، والأصل: شَفْهَةٌ، بدليل قولهم: شافهنا. قوله: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} يحتمل أن يعود الضمير إلى المقتسمين؛ لأن الأقرب، ويحتمل أن يعود إلى جميع المكلفين، لأنَّ ذكرهم تقدَّم في قوله تعالى: {وَقُلْ إِنِّيۤ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ} أي: لجميع [الخلائق]. {عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} قال القرطبي: في البخاري: قال عدَّة من أهل العلم في قوله تعالى: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} عن لا إله إلا الله. فإن قيل: كيف الجمع بين قوله تعالى: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} وبين قوله: {أية : فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ}تفسير : [الرحمن:39]. فأجابوا بوجوه: أولها: قال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ: لا يسألون سؤال استفهامٍ؛ لأنه تعالى عالم بكلِّ أعمالهم، بل سؤال تقريع، فيقال لهم: لم فعلتم كذا؟. وهذا ضعيف؛ لأنه لو كان المراد من قوله: {أية : فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ}تفسير : [الرحمن:39] سؤال استفهام، لما كان في تخصيص هذا النفي بقولهم "يَومئِذٍ" فائدة؛ لأنَّ مثل هذا السؤال على الله محالٌ في كلِّ الأوقات. وثانيها: أنه يصرف النفي إلى بعض الأوقات، والإثبات إلى وقت آخر؛ لأنَّ يوم القيامة، يوم طويل، وفيه مواقف يسألون في بعضها، ولا يسألون في بعضها، قاله عكرمة عن ابن عباس ونظيره قوله تعالى: {أية : هَـٰذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ}تفسير : [المرسلات:35]، وقال في آية أخرى: {أية : ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ}تفسير : [الزمر:31]. ولقائلٍ أن يقول: قوله: {أية : فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ}تفسير : [الرحمن:39] الآية: تصريحٌ بأنه لايحصل السؤال في ذلك اليوم، فلو حصل السؤال في جزء من أجزاء اليوم، لحصل التَّناقض. وثالثها: أن قوله: {أية : فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ}تفسير : [الرحمن:39] تفيد الآية النَّفي، وفي قوله {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ} يعود إلى المقتسمين، وهذا خاص فيقدم على العام. قوله: {فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ} أصل الصَّدع: الشَّقُّ، صدعته فانصدع، أي: شَقَقتهُ، فانْشَقّ. قال ابن السكِّيت: الصَّدعُ في اللغة: الشَّقٌّ، والفصل؛ وانشد لجرير: [البسيط] شعر : 3294ـ هذَا الخَليفَةُ فارضَوْا ما قَضَى لَكُمُ بالحَقِّ يَصْدعُ ما فِي قَولهِ جَنَفُ تفسير : ومنه التفرقة أيضاً؛ كقوله: {أية : يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ} تفسير : [الروم:43] وقال: [الوافر] شعر : 3295ـ..................... كَأنَّ بَياضَ غُرَّتهِ صَدِيعُ تفسير : والصَّديعُ: ضوءُ الفجر لانشقاقِ الظُّلمةِ عنه، يقال: انْصدعَ، وانْفلقَ، وانْفجرَ، وانْفطرَ الصُّبحُ، ومعنى "فَاصدَعْ" فرق بني الحقِّ والباطلِ وافْصِلْ بينهما. وقال الراغب: الصَّدعُ: الشقُّ في الأجسام الصَّلبةِ كالزجاج، والحديد، وصدّعته بالتشديد، فتصدع وصَدعتهُ بالتخفيف، فانْصَدعَ، وصَدْعُ الرأس لتوهُّم الانشقاق فيه، وصدع الفلاة، أي: قطعها، من ذلك، كأنَّه توهم تفريقها. ومعنى "فاصْدَعُ" قال ابن عبَّاسٍ ـ رضي الله عنه ـ: أظهر. وقال الضحاك: أعلم. وقال الأخفش: فرِّق بين الحقِّ والباطل، وقال سيبويه: اقْضِ. و"مَا" في قوله "بِمَا تُؤمَرُ" مصدرية، أو بمعنى الذي، والأصل تؤمر به، وهذا الفعل يطرد حذف الجار معه، فحذف العائد فصيح، وليس هو كقولك: جَاءَ الذي مررتُ، ونحوه: [البسيط] شعر : 3296ـ أمَرْتُكَ الخَيْرَ فافْعَلْ ما أمِرْتَ بِهِ .............................. تفسير : والأصل: بالخَيْرِ. وقال الزمخشريُّ: "ويجوز أن تكون "مَا" مصدرية، أي: بأمرك مصدر مبنيّ للمفعول" انتهى. وهو كلامٌ صحيحٌ، والمعنى: فاصدع بأمرك، وشأنك. قالوا: وما زال النبي صلى الله عليه وسلم مستخفياً حتى نزلت هذه الآية. ونقل أبو حيَّان عنه أنه قال: ويجوز أن يكون المصدر يراد به "أنْ"، والفعل المبني للمفعول. ثم قال أبو حيان: "والصحيح أنَّ ذلك لا يجوز". قال شهابُ الدين: الخلاف إنَّما هو في المصدر، والمصرح به هل يجوز أن ينحل بحرف مصدري، وفعل مبني للمفعول أم لا يجوز؟ خلاف المشهور، أمَّا أنَّ الحرف المصدري هل يجوز فيه أن يوصل بفعلٍ مبني للمفعولٍ، نحو: يعجبني أن يكرم عمرو أم لا يجوز؟ فليس محل النِّزاع. ثم قال تعالى: {وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ}، أي لا تبال عنهم، ولا تلتفت إلى لومهم إيَّاك على إظهار الدَّعوة. قال بعضهم: هذا منسوخٌ بآية القتال، وهو ضعيف؛ لأنَّ معنى هذا الإعراض ترك المبالاة، فلا يكون منسوخاً. قوله: {إِنَّا كَفَيْنَاكَ ٱلْمُسْتَهْزِئِينَ} يقول الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم {فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ}، ولا تخف أحداً غير الله، فإن الله كافيك أعداءك كما كفاك المستهزيئن، وهم خمسة نفرٍ من رؤساء قريش: الوليد بن المغيرة المخزوميُّ، وكان رأسهم، والعاص بن وائلٍ [السهمي]، والأسود بن عبدالمطلب بن الحرث بن أسد بن عبدالعزى أبو زمعة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد دعا عليه، فقال: "اللَّهُمَّ أعْمِ بصَرهُ، وأثْكلهُ بِولَدهِ"، والأسود بن عبد يغوث بن وهب بن عبد منافٍ بن زهرة، والحرث بن قيس بن الطلالة؛ فأتى جبريل محمداً صلى الله عليه وسلم والمستهزءون يطوفون بالبيت، فقام جبريل ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنبه، فمرّ به الوليد بن المغيرة، فقال جبريل ـ عليه السلام ـ: يا محمد: كيف تجدُ هذا؟ قال: "بئس عبدالله" قال: قد كَفَيْتُكَه، وأؤْمَأ إلى ساق الوليد، فمرَّ برجلِ من خزاعة نبَّال يَرِيشُ نَبْلاً، وعليه برد يمان، وهو يهز إزاره، فتعلَّقت شظية نبلٍ بإزاره، فمنعه الكبرُ أن يتطامن، فينزعها، وجعلت تضربُ ساقه؛ فخدشته فمرض منها حتَّى مات. ومرَّ به العاص بن وائلٍ، فقال جبريلُ: كيف تجد هذا يا محمد؟ قال: بِئْسَ عبد الله، فأشار جبريل ـ عليه السلام ـ إلى أخْمَصِ رجليه، وقال: قد كفيتكه، فخرج على راحلته، ومعه ابنان له يتنزَّه؛ فنزل شِعْباً من تلك الشِّعاب، فوطىء على شبرقة، فدخلت شوكة في أخمص رجله، فقال: لُدِغْتُ لُدِغْتُ؛ فطلبوا، فلم يجدوا شيئاً، وانتفخت رجله حتى صارت مثل عنق البعير، فمات مكانه. ومرّ به مربد بن الأسود بن المطلب، فقال جبريل: كيف تجدُ هذا يا محمَّد؟ قال: "عَبْدُ سوءٍ"، فأشار بيده إلى عينيه، وقال: قد كَفَيْتُكَهُ، فعمي. قال ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ: رماه جبريل بورقةٍ خضراء؛ فذهب بصره، ووجعت عينه، فجعل يضرب برأسه الجدار حتَّى هلك، ومرَّ به الأسود بن عبد يغوث، فقال جبريل ـ عليه السلام ـ: كَيْفَ تَجِدُ هذا يا محمد؟ قال: بئس عبد الله على أنه [ابن] خالي، فقال جبريل ـ عليه الصلاة والسلام ـ: قد كفيتكه فأشار إلى بطنه فاستسقى فمات، ومرَّ به الحارث بن قيسٍ، فقال جبريل ـ عليه السلام ـ كيف تجد هذا يا محمَّد؟ صلوات الله وسلامه عليك ـ، قال: عَبدُ سُوءٍ فأومأ، فامتخط قيحاً؛ فمات. قيل: استهزاؤهم، واقتسامهم أنَّ الله ـ تعالى ـ لمّا أنزل في القرآنِ سورة البقرةِ، وسورة النحل، وسورة العنكبوت، كانوا يجتمعون، ويقولون استهزاء، يقول هذا إلى سورة البقرة، ويقول هذا إلى سورة النحل، ويقول هذا إلى سورة العنكبوت فأنزل الله تعالى: {نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ}. قال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ: فصلّ بأمر ربك: "وكُنْ مِنَ السَّاجدِينَ" المصلين [المتواضعين]. قال ابن العربي "ظنَّ بعض الناس أنَّ المراد هنا بالسجود نفسه، فرأى هذا الموضع محل سجود في القرآن، وقد شاهدت الإمام بمحراب زكريا من البيت المقدس ـ طهره الله تعالى ـ يسجدُ في هذا الموضع، وسجدت معه فيها، ولم يره [جماهير] العلماء". قال [القرطبي]، وقد ذكر أبو بكر النقاش أنَّ ههنا سجدة عند أبي حذيفة ـ رضي الله عنه ـ ويمان بن رئاب، ورأى أنها واجبة، قال العلماء: إذا أنزل بالعبد بعض المكاره فزع إلى [الطاعات] وروي أن رسول الله صلى لله عليه وسلم "حديث : كَانَ إذا حَزبه أمْرٌ فَزع إلى الصَّلاةِ ". تفسير : {وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ} قال ابن عباسٍ ـ رضي الله عنهما ـ: يريد الموت؛ لأنه أمر متيقن. فإن قيل: فأيُّ فائدة لهذا التَّوقيت مع أنَّ كلَّ واحد يعلم أنه إذا مات سقطت عنه العبادات؟. فالجواب: المراد: "واعبد ربَّك" في جميع زمان حياتك، ولا تخل لحظة من لحظات الحياة من العبادة. روى أبيُّ بن كعب ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَنْ قَرَأ سُورة الحِجْرِ كان لَهُ مِنَ الأجْرِ عَشْرُ حَسناتٍ بِعدَدِ المُهَاجرِينَ والأنْصارِ والمُسْتَهزِئينَ بمُحمَّدٍ"تفسير : صلّى الله عليه وسلّم وشرَّف، وبجَّل، ومجَّد، وعظَّم.

السلمي

تفسير : قوله عز وجل: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي} [الآية: 87]. سمعت منصور بن عبد الله الأصبهانى، ويقال الهروى يقول: سمعت أبا القاسم الإسكندرانى يقول: سمعت أبا جعفر الملطى يقول عن على بن موسى الرضى عن أبيه عن جعفر فى هذه الآية. قال: أكرمناك، وأنزلنا إليك، وأرسلناك، وألهمناك، وهديناك، وسلطناك ثم أكرمناك سبع كرامات. أولهما: الهدى، والثانى: النبوة، والثالث: الرحمة، والرابع: الشفقة، والخامس: المودة والألفة، والسادس: النعيم، والسابع: السكينة، والقرآن العظيم، وفيه اسم الله الأعظم.

القشيري

تفسير : أكثَرُ المفسرين على أنها سورة الفاتحة، وسميت مثاني لأنها نزلت مرتين: مرة بمكة ومرة بالمدينة، ولأنها شيء في كل صلاةِ يتكرر، من " التثنية" وهي التكرير، أو لأن بعضها يضاف إلى الحق وبعضها يضاف إلى الخلق.. ومعنى هذا مذكور في كتب التفاسير.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: السبع المثاني: هي الفاتحة عند الجمهور، و(من المثاني): للبيان، وعطفُ القرآن عليها من عطف العام على الخاص. و (أنزلنا): نعت لمفعول النذير، أي: أنا النذير عذاباً مثل العذاب الذي أنزل على المقتسمين. وقيل: صفة لمصدر محذوف يدل عليه: (ولقد آتيناك)؛ فإنه بمعنى أنزلنا إليك إنزالاً مثل ما أنزلنا على المقتسمين، وهم، على هذا، أهل الكتاب. و(عِضِين): جمع عضة. وأصله: عِضْوة، من عَضَوْتَ الشيء: فَرَّقْته، حُذفت لامه، وعوض منها هاء التأنيث، فجمع على عضين، كعزَةٍ وعزين. وقيل: أصله: عضة؛ من عضهته: رميته بالبهتان، قال في الصحاح: عَضَهَهُ عَضْهاَ: رماه بالبهتان. وقد أعْضَهْتَ، أي: جئت بالبهتان. فهما قولان في أصل عِضة. هل هو واوي أو هائي. والموصول مع صلته نعت للمقتسمين. يقول الحق جل جلاله: لنبيه عليه الصلاة والسلام: {ولقد آتيناك سبعاً من المثاني}، وهي فاتحة الكتاب؛ لأنها سبع آيات، وتثنى ـ أي تكرر ـ في كل صلاة، فالمثاني من التثنية، وقيل: من الثناء؛ لأن في الثناء على الله تعالى، وقيل: السبع المثاني هي السبع الطوال، وهي البقرة وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال مع براءة. ولذلك تركت البسلمة بينهما. وكونها مثاني؛ لتثنية قصصها، أو ألفاظها، وقيل: هي الحواميم السبع. {و} آتيناك {القرآن العظيم}، ففيه الغنية والكفاية عن كل شيء. {لا تمُدَّن عينيك}: لا تطمح ببصرك طموح راغب {إلى ما متعنا به أزواجاً منهم} أي: أصنافاً من الكفار، من زهرة الحياة الدنيا، فإنه مستحقر بالإضافة إلى ما أوتيته. وفي حديث أبي بكر: "من أوتي القرآن، فرأى أن أحداً أوتي من الدنيا أفضل مما أوتي، فقد صغر عظيماً وعظم صغيراً". قال ابن جزي: لا تنظر إلى ما متعنا به في الدنيا، ومعنى الآية: تزهيد في الدنيا، كأنه يقول: قد آتيناك السبع المثاني والقرآن العظيم؛ فلا تنظر إلى الدنيا، فإن الذي أعطيناك أعظم منها. هـ. وروي أنه صلى الله عليه وسلم وافى مع أصحابه أذْرِعَات، فرأى سبع قوافل ليهود بني قُرَيْظَة والنَّضير، فيها أنواع البُرِّ، والطيب والجواهر، وسائر الأمتعة، فقال المسلمون: لو كانت هذه الأموال لنا لتقربنا بها، ولأنفقناها في سبيل الله، فقال لهم ـ عليه الصلاة والسلامـ: "حديث : قد أعطيتم سبع آيات هي خير من هذه السبع القوافل ". تفسير : {ولا تحزنْ عليهم}: لا تتأسف على كفرهم؛ حيث أنذرتهم فلم ينزجروا ولم يؤمنوا. أو: حيث متعناهم بالدنيا فلم ينفعوا بها، ولم يصرفوها في مرضاة الله، {وأخفض جناحك للمؤمنين}؛ أي: تواضع وألن جانبك للمؤمنين، وارفق بهم. والجناح، هنا، استعارة. {وقل إني انا النذيرُ المبين}: البين الإنذار، أنذرتكم ببيان وبرهان أن عذاب الله نازل بكم إن لم تؤمنوا. وفي الحديث: "حديث : أنا النذير، وأنذرتكم ببيان وبرهان أن عذاب الله نازل بكم إن لم تؤمنوا" تفسير : . وفي الحديث: "حديث : أنا النذير، والموت مغير، والقيامة الموعد" تفسير : .أو كما قال عليه الصلاة والسلام، وفي حديث آخر: "حديث : أنا النَّذير العُريَانُ" تفسير : . وكانت العرب إذا رأى أحْدهم جيشاً يقصدهم، تجرد من ثيابه، ثم أنذر قومه ليصدقوه، أي: وقل: إني أنذرتكم ان ينزل بكم عذابه. {كما أنزلنا على المقتسمين}، أي: مثل العذاب الذي أنزل على المقتسمين، وهم أهل الكتاب، الذين آمنوا ببعض الكتب وكفروا ببعض، فاقتسموا قسمين. والعذاب الذي نزل بهم هو الذل والهوان وضرب الجزية، أو تسليط عدوهم عليهم. وقيل: هم كفار قريش؛ اقتسموا أبواب مكة في الموسم، فوقف كل واحد منهم على باب، وكانوا اثني عشر رجلاً، لينفروا الناس عن الإيمان بالرسول عليه الصلاة والسلام، يقول أحدهم: هو ساحر، والآخر: هو شاعر، فأهلكهم الله يوم بدر. وقيل: هم الرهط الذين اقتسموا، أي: تقاسموا ليُبيتوا صالحاً، فأسقط الله عليهم الغار الذي كمنوا فيه، فشدخهم. أو: آتيناك القرآن، وأنزلناه عليك كما أنزلنا التوراة على المقتسمين، وهم اليهود، {الذين جعلوا القرآن عِضين}، أي: أجزاء متفرقة، وقالوا فيه أقوالاً مختلفة، فقالوا؛ عناداً وكفراً: بعضه موافق للتوراة والأنجيل، وبعضه باطل مخالف لهما. وإذا قلنا المقتسمين: هم كفارقريش، حيث اقتسموا أبواب مكة، فقد جعلوا القرآن عضين؛ إجزاء متفرقة، فقد قسموه إلى شعر وسحر وكهانة وأساطير الأولين، أو جعلوه بهتاناً متعدداً، على تفسير العضة بالبهت. وفي الحديث: "حديث : لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم العاضهة والمستعضهة" تفسير : أي: الباهتة، والمستبهتة: الطالبة له. قال تعالى في وعيد المقتسمين: {فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون} من التقسيم والتكذيب، أو عن كل ما عملوه من الكفر والمعاصي، وفي البخاري: "لنسألنهم عن لا إله إلا الله". فإن قيل: كيف يجمع بين هذا وبين قوله: {أية : فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ} تفسير : [الرحمن: 39] فالجواب: أن السؤال المثبت هو على وجه الحساب والتوبيخ، والسؤال المنفي هو على وجه الاستفهام المحض؛ لأن الله تعالى يعلم الأعمال، فلا يحتاج إلى سؤال. وقيل: في القيامة مواطن وخوارق، فموطن يقع فيه السؤال، وموطن يذهب بهم إلى النار بغير سؤال. قال تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام: {فاصدع بما تؤمر}: فاجهر، وصرح به، وأنْفِذْه، من صدع بالحجة: إذا تكلم بها جهاراً. أو: فَرِّقْ بما تؤمر به، بين الحق والباطل، وأصله: الشق والإبانة، و {ما}: مصدرية، أو موصولة، والعائد محذوف، أي: بما تؤمر به من الشرائع. {وأعرضْ عن المشركين} فلا تلتفت إلى ما يقولون، ولا يمنعك ذلك من تبليغ الوحي والصدع به وإظهاره. {إنا كفيناك المستهزئين} بك، وبما أنزلنا إليك، بأن أهلكنا كل واحد منهم بمصيبة تخصه، من غير سعي من النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك. وكانوا خمسة من أشراف قريش: الوليد بن المغيرة، والعاصي بن وائل، وعدي بن قيس، والأسود بن المطلب، والأسود بن يغوث، كانوا يبالغون في إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم، والاستهزاء به، فقال جبريلُ للنبي صلى الله عليه وسلم: "أمرتُ بأن أكفيكهم" فأومأ إلى ساق الوليد فمرَّ بنبَّالٍ فتعلق بثوبه سهم، فلم ينعطف لأخذه، تعظماً، فأصاب عرقاً في عقبه فمات. وقيل: خدش بأسفل رجله فمات من تلك الخدشة. وأومأ إلى أخمص العاص؛ فدخلت فيها شوكة، فانتفخت حتى صارت كالرحى، فمات. وأشار إلى أنف الحارث فامتخط قيحاً فمات. وأومأ إلى الأسود بن عبد يغوث، وهو قاعد في أصل شجرة، فجعل ينطح رأسه بالشجرة، ويضرب وجهه بالشوك حتى مات. وقيل: استسقى بطنه فمات، ولعله جمع بينهما. وأومأ إلى عيني الأسود بن المطلب فعمي. وفي السيرة، بدل عدي بن قيس، الحارث بن الطلاطلة، وأن جبريل أشار إلى رأسه فامتخط قيحاً فقتله. وقيل: هم الذين قُتلوا ببدر؛ كأبي جهل، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط. والأول أرجح؛ لأن الله تعالى كفاه أمرهم بمكة قبل الهجرة. إلا أن يكون عبّر بالماضي عن المستقبل؛ لتحققه، أي: إنا سنكفيك المستهزئين {الذين يجعلون مع الله إلهاً آخر} يعبدونه من دون الله {فسوف يعلمون} عاقبة أمرهم في الدارين. ثم سلّى نبيه عن أذاهم فقال: {ولقد نعلمُ أنك يضيق صدرُك بما يقولون} في جانبنا؛ من الشرك والطعن في القرآن، والاستهزاء بك، فلا تعبأ بهم، ولا تلتفت إليهم. {فسِّبح بحمد ربك} أي: فنزه أنت ذاتنا وصفتنا، مكان مقالتهم فينا؛ فإن مثلك منزهنا لا غير، {وكن من الساجدين}؛ أي: المصلين، أو: فافرغ إلى الله فيما نابك وضاق منه صدرك بالتسبيح والتحميد. {وكن من الساجدين}؛ من المصلين، يكفك ويكشف الغم عنك، وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : أنه كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة" تفسير : ، أو: فنزهه عما يقولون، حامداً له على أن هداك للحق، وكن من الساجدين له شكراً. {واعبدْ ربك حتى يأتيك اليقين} أي: الموت، فإنه متيقن لحاقه، وليس اليقين من أسماء الموت، وإنما العلم به يقين، لا يمتري فيه، فسمي يقيناً؛ تجوزاً. أو: لما كان يحصل اليقين بعده بما كان غيباً سمي يقيناً. والمعنى: فاعبده ما دمت حياً، ولا تُخِلّ بالعبادة لحظة. وفي بعض الأحاديث عنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ أنه قال: "حديث : إن الله لم يُوح إليَّ أن أجمع المال، وأكون من التاجرين، وإنما أوحى إليَّ أن: سبح بحمد ربك وكن من الساجدين، واعبد ربك حتى يأتيك اليقين" تفسير : . أو كما قال عليه الصلاة والسلام. الإشارة: يقال للعابد، أو الزاهد: ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم، تتمتع بحلاوته، وبالتجهد بتلاوته، ففيه كفايتك وغناك، فلا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أصنافاً من أهل الدنيا، الراغبين فيها، المشتغلين بها عن عبادة خالقها. قيل: لما نزلت هذه الآية قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إياكم والنظر في أبناء الدنيا، فإنه يقسي القلب ويورث حب الدنيا، ولا تكثروا الجلوس مع أهل الثروة، فتميلوا لزينة الدنيا؛ فوالله لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقي الكافر منها جرعة ماء" تفسير : . وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من تواضع لغني لأجل غناه اقترب من النار مسيرة سنة، وذهب ثلثا دينه" تفسير : . هذا إن تواضع بجسمه فقط، فإن تواضع بجسمه وقلبه ذهب دينه كله. ويقال للعارف: ولقد آتيناك شهود المعاني، وغيبناك عن حس الأواني، حتى شهدت المتكلم بالسبع المثاني، فسمعت القرآن من مُنزله دون واسطة. وذلك بالفناء، عن الوسائط، في شهود الموسوط، حتى يفنى عن نفسه في حال قراءته. ويقال له: لا تمدن عينيك إلى شهود الحس، ولا إلى ما متعنا به أصنافاً من أهل الحس، الواققين مع شهود الحس؛ فإن ذلك يحجبك عن شهود المعاني القائمة بالأواني، بل المفنية للأواني عند سطوع المعاني. ولا تحزن عليهم حيث رايتهم منهمكين في الحس؛ فإن قيام عالم الحكمة لا يكون إلا بوجود أهل الحس، واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين بخصوصيتك، وقل: إني أنا النذير المبين من الاشتغال بالبطالة، والغفلة، حتى ينزل بأهلهما ما نزل على المقتسمين، الذين جعلوا القرآن عضين؛ اجزاء متفرقة؛ فما كان فيه مما يدل على التسهيل لجواز جمع الدنيا واحتكارها والاشتغال بها أخذوا به، وما كان فيه مما يدل على الزهد فيها، والانقطاع إلى الله عنها، والتجريد عن أسبابها، رفضوه. فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون. فاصدع، أيها العارف الواعظ يما تُؤمر؛ من الأمر بالزهد، والانقطاع إلى الله، ولرفض كل ما يشغل عن الله، ولا تراقب أحداً في ذات الله، وأعرض عن المشركين، الذين أشركوا في محبة الله سواه، وشهدوا الأكوان موجودة مع الله، وهي ثابتة بإثباته، ممحوة بأحدية ذاته، فلا وجود لها في الحقيقة مع الله. فإن استهزؤوا بك، وصغروا أمرك، فسيكفيكهم الله. فاشتغل بالله عنهم، فلا يضيق صدرك بما فيه يخوضون. (فسبح بحمد ربك) أي: نزهه عن شهود السِّوى معه، حامداً الله على ما أولاك من نعمة توحيده. (وكن من الساجدين) لله شكراً، وقياماً برسم العبودية، أو: كن من الساجدين بقلبك في حضرة القدس، حتى يأتيك اليقين. وفي الورتجبي، في قوله: (ولقد نعلم أنك يضيقُ صدرك)، قال: واسى الحقُّ حبيبَه بما سمع من أعدائه، وقال له: أنت بمرأىً منا، يضيق صدرك؛ من لطافتك، بما يقول الجاهلون بنا في حقنا، مما لا يليق بتنزيهنا، فنزه أنت صفتنا مكان مقالتهم فينا، فإنَّ مثلك منزهنا لا غير، وكن من الساجدين حتى ترانا بوصف ما علمت منا، وتخرج من ضيق الصدر بما تشاهد من جمالنا، فإذا كنت تعايننا سقط عنك ضيق صدرك من جهة مقالتهم.هـ. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق

الطوسي

تفسير : هذا خطاب من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم أنه آتاه أي أعطاه سبعاً من المثاني، فقال ابن مسعود وابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد: هي السبع الطوال سبع سور من أول القرآن. قال قوم: المثاني التي بعد المئتين قبل المفصل. وفي رواية أخرى عن ابن عباس وابن مسعود: أنها فاتحة الكتاب، وهو قول الحسن وعطاء. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : السبع المثاني أم القرآن" تفسير : وهي سبع آيات بلا خلاف في جملتها، وإِنما سميت مثاني، في قول الحسن، لأنها تثنى في كل صلاة وقراءة. وقيل: المثاني السبع الطوال لما يثنى فيها من الحكم المصرفة قال الراجز: شعر : نشدتكم بمنزل الفرقان ام الكتاب السبع من مثاني ثنتين من آيٍ من القرآن والسبع سبع الطوّل الدواني تفسير : وقد وصف الله تعالى القرآن كله بذلك في قوله {أية : الله نزّل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني}تفسير : فعلى هذا تكون (من) للتبعيض. ومن قال: انها الحمد قال: (من) بمعنى تبيين الصفة، كقوله {أية : فاجتنبوا الرجس من الأوثان} تفسير : وقوله {والقرآن العظيم} تقديره وآتيناك القرآن العظيم سوى الحمد. وقوله {لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم} خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به الأمّة، نهاهم الله تعالى ان يمدوا أعينهم الى ما متع هؤلاء الكفار به من نعيم الدنيا. ومعنى أزواجاً منهم أمثالاً من النعم {ولا تحزن عليهم} قال الجبائي: معناه لا تحزن لما أنعمت عليهم دونك. وقال الحسن {لا تحزن عليهم} على ما يصيرون اليه من النار بكفرهم. ثم أمر نبيه صلى الله عليه وسلم ان يخفض جناحه للمؤمنين وهو ان يلين لهم جانبه ويتواضع لهم ويحسن خلقه معهم، وأن يقول لهم {إِني أنا النذير المبين} يعني المخوف من عقاب الله من ارتكب ما يستحق به العقوبة، ومبين لهم ما يجب عليهم العمل به. وقوله {كما أنزلنا على المقتسمين} قال ابن عباس وسعيد بن جبير، والحسن: هؤلاء هم أهل الكتاب اقتسموا القرآن، فآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه، وقال قتادة: هم قوم من قريش عضوا كتاب الله. وقال ابن زيد: هم قوم صالح {تقاسموا بالله لنبيتنّه وأهله} وقال الحسن: أنزلنا عليك الكتاب، كما انزلنا على المقتسمين من قبل، قوم اقتسموا طرق مكة ينفرون عن النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون: إِنه ساحر، وبعضهم يقول هو كاهن، وبعضهم يقول انه مجنون، فأنزل الله بهم عذابا اهلكهم به. وتقديره أنذركم بما أنزل بالمقتسمين. ذكره الفراء. وقوله {الذين جعلوا القرآن عضين} أي جعلوه متفرقاً بالايمان ببعضه والكفر ببعض، فعضوه على هذا السبيل الذي ذمهم الله بها. وقيل جعلوه عضين، بأن قالوا سحر وكهانة - في قول قتادة - واصل عضين عضه منقوصة الواو، مثل عزة وعزين، قال الشاعر: شعر : ذاك ديار يأزم المآزما وعضوات تقطع اللهازما تفسير : وقال آخر: شعر : للماء من عضاتهن زمزمه تفسير : وقال رؤبة: شعر : وليس دين الله بالمعضي تفسير : فالمعنى انهم عضوه أي فرقوه، كما تعضا الشاة والجزور، واصل عضه عضوه فنقصت الواو، ولذلك جمعت عضين بلا واو كما قالوا عزين جمع عزة والأصل عزوة ومثله ثبه وثبون، واصله ثبوة والعضيهة الكذب، فلما نسبوا القرآن الى الكذب وانه ليس من قبل الله فقد عضهوا بذلك.

الجنابذي

تفسير : {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي وَٱلْقُرْآنَ ٱلْعَظِيمَ} تمهيد لقوله: لاتمدّن عينيك فانّ من اعطى السّبع المثانى كان غنيّاً مطلقاً فلا ينبغى مدّ نظره الى غيره، والمثانى جمع المثنى بمعنى اثنين اثنين، وقيل جمع المثنى من الثّناء وقد سبق انّ مراتب العالم باعتبارٍ سبع، وانّها باعتبار النّزول والصّعود تصير متكرّرة ومثانى وانّ القرآن صورة تدوين تلك المراتب وانّ فاتحة الكتاب مختصرة من القرآن وانّه مجموع فيها، وانّ الائمّة هم المتحقّقون بتلك المراتب، وانّ محمّداً (ص) صاحب المقام المحمود وهم مقام جمع الجمع فى لسان الصّوفيّة وانّ ذلك المقام هو القرآن العظيم فصحّ تفسير السّبع المثانى بالقرآن جملةً، وبسورة فاتحة الكتاب، وبالمثانى من السّور وبالسّور السّبع الطّول من اوّل القرآن الى آخر براءة على ان يجعل الانفال وبراءة واحدة وبالصّحف السّابقة وبالكتب السّماوية تماماً وبالائمةّ (ع).

فرات الكوفي

تفسير : فرات قال: حدّثني جعفر بن أحمد معنعناً: عن سماعة بن مهران قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله تعالى: {ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم} قال: فقال لي: نحن والله السبع المثاني و نحن وجه الله نزول بين أظهركم من عرفنا [فقد عرفنا. ب] ومن جهلنا فأمامه اليقين - يعني الموت -. فرات قال: حدّثني علي بن يزداد القمي معنعناً: عن حسان العامري قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن قول الله: {ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم} قال: ليس هكذا تنزيلها إِنما هي: ولقد آتيناك سبعاً من المثاني نحن هم ولد الولد والقرآن العظيم علي بن أبي طالب عليه السلام.

اطفيش

تفسير : {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ} وما أوتى له ـ صلى الله عليه وسلم فقد أوتى لأُمته {سَبْعاً مِّنَ الْمَثَانِى وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ} وذلك خير من سبع قوافل. ورد ما ذكره ابن الجوزى بأَن هذه السورة مكية، قلت: قد مر أول السورة أن بعضاً استثنى هذه الآية وقال: إِنها مدنية وهو ابن الجوزى، والسبع المثانى عند ابن مسعود وسعيد بن جبير ومجاهد فى رواية عنهم وابن عباس فى رواية الأَكثرين عنه وعمر وعلى وأبى هريرة والحسن وعطاء وقتادة هى فاتحة الكتاب. قال السيوطى: أخرج البخارى والترمذى عن أبى هريرة، عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ "حديث : أُم القرآن هى السبع المثانى والقرآن العظيم"تفسير : ، وعن الترمذى: "حديث : الحمد لله رب العالمين أُم القرآن وأُم الكتاب والسبع المثانى"تفسير : ، وكذا روى أبو داود وروى ذلك ابن كعب وسميت سبعاً لأَنها سبع آيات. أخرجه الدارقطنى عن على، وقيل لأَن فيها سبعة آداب فى كل آية أدب وفيه بعد، وقيل لأَنها خلت من سبعة أحرف والثاء والجيم والخاء والزاى والشين والظاء والفاء، قال المرسى: وهذا أضعف مما قبله لأَن الشىء يسمى بما فيه لا بما فقد منه، قلت: بل قد يسمى بما فقد منه ومثانى لأَنها تثنى فى كل ركعة فهى يثنى إِليها ويمال إِليها بعد الانصراف عنها، وهذا قول الحسن وقتادة وابن عباس، واقتصر الشيخ هود رضى الله عنه على هذا القول وقيل إِن ذكر الله بالجميل وتعظيم، ونصفها دعاء للعبد ويناسبه ما روى أبو هريرة من الحديث القدسى "حديث : قسمت الصلاة بينى وبين عبدى نصفين"تفسير : ، وقيل لأن غالب كلماتها متقارن فإن قوله الحمد لله رب العالمين كلمتان متقارنتان أعنى الكلمة اللغوية وهى أعم، وكذا الرحمن الرحيم، وكذا إِياك نعبد وإِياك نستعين، وكذا اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم، وكذا غير المغضوب عليهم ولا الضالين، ولم يبق إِلا ملك يوم الدين. وقال الحسن بن الفضل لأَنها نزلت مرتين، مرة بمكة، ومرة بالمدينة معها سبعون ألف ملك، وقال مجاهد هى من الثنيا لأَن سبحانه استثناها لهذه الأُمة وادخرها لهم. وقال أبو زيد البلخى: لأَنها تثنى أهل الشر عن الشر أى تكفيهم، وقال الزجاج: لأَن فيها الثناء على الله وهو مغلب على ما فيها للعبد من دعاء، وقيل إِنه كلما قرأ العبد منها آية ثناه الله بالإِخبار عن فعله. قال: ـ صلى الله عليه وسلم. "حديث : يقول العبد: الحمد لله رب العالمين، فيقول الله: حمدنى عبدى. ويقول: الرحمن الرحيم فيقول الله: أثنى على عبدى. ويقول: ملك يوم الدين. فيقول الله: مجدنى عبدى. ويقول: إِياك نعبد وإِياك نستعين. فيقول الله: هذه بينى وبين عبدى نصفين ولعبدى ما سأَل، يقول: اهدنا الصراط المستقيم صراط.. إلى آخر السورة. فيقول الله تعالى: هؤلاء لعبدى ولعبدى ما سأل"تفسير : ، ولا يخفى ما فى ذلك من تشريف الفاتحة أنه إِن كان المراد بالقرآن العظيم الفاتحة لجواز تسمية بعض هذا الكتاب العزيز قرآناً كان زيادة فى التعظيم إِذا وصفت بأَنها جامعة لمعان عظيم فإِن القرآن من الجمع وبأَنها عظيمة وكان ذلك من عطف الصفة ومر فيه بحث، وإِن أريد بالقرآن الكتاب كان عطف عام على خاص وكان تخصيص الفاتحة تعظيماً. وقال ابن مسعود وابن عباس وابن جبير فى رواية عنهم، وابن عمران: السبع المثانى السبع الطوال وهن البقرة، وآل عمران، والنساء والمائدة، والأَنعام، والأَعراف، والأَنفال، مع براءة وهما سورة واحدة أو فى حكم الواحدة لعدم البسملة بينهما على ما مر، وقيل براءة والست قبل الأَنفال يونس بدلهما، قل يناسب القول بأَن السبع المثانى هن السبع الطوال، قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ "حديث : أن الله عز وجل أعطانى السبع الطوال مكان التوراة، وأعطانى المبين مكان الإِنجيل وفضلنى بالمفصل" تفسير : وسميت الطوال مثانى لما فيها من تكرير القصص والمواعظ والوعد والوعيد وغير ذلك، ولما فيها من الثناء على الله، واعترض بأن غالبهن مدنى والآية مكية وأجيب بأن الله سبحانه سبق فى علمه أنه يؤتيه هذه السبع، وبأَن الآية مدنية فى سورة مكية، وقيل السبع المثانى ما دون الطوال وفوق المفصل وهو المبيول والحديث المذكور آنفاً انسب به بل حجة به إِذ قال: "حديث : وأعطانى المثانى مكان الزبور"تفسير : ، وقال طاووس: السبع المثانى القرآن كله لقوله تعالى: {أية : الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً} تفسير : مثانى كررت فيه الأَمثال والمواعظ والقصص ونحوها، وسمى سبعاً لاشتماله على الحلال والحرام والأَمر والنهى والفرض والنفل والحد ومثانى لأَنه يثنى فيه على الله أو يثنى فيه عليه بنفسه بالبلاغة وعطف القرآن على السبع فى هذا القول مثله فى القول بأَن السبع الفاتحة وأنها القرآن الْعظيم فى أنه عطف صفة أى آتيناك كتاباً يقال له السبع المثانى والقرآن العظيم، وقيل السبع المثانى الحواميم وعطف القرآن عليها عطف عام على خاص تشريفاً لذلك الخاص أو عطف صفة على أن القرآن هو الحواميم أيضاً ولا يخفى تشريفهن أيضاً، وقيل السبع المثانى سبع صحائف وهى الأَسباع وهى القرآن أيضاً قسم أسباعاً كل سبع يسمى صحيفة ومن للبيان على تلك الأَقوال ويجوز قول أن تكون المثانى هى القرآن أو كتب الله كلها فتكون من للتبعيض ويجوز كون المثانى على تلك الأَقوال كلها من التثانى على الله بما هو أهله وعلى الفاتحة أو السبع الطوال والقرآن أو الكتب أو الحواميم بالبلاغة والإِعجاز أو من التثنية لتكرير ألفاظ ذلك أو قراءته والمثانى جمع مثنى بالتشديد اسم مفعول حذفت إِحدى النونين أو مثنى بالفتح والتخفيف اسم مكان الشىء. قاله حفيد السعد أو جمع مثنى بالتشديد أو التخفيف مع الضم فيهما اسم مكان تكرير فى التشديد والإِثناء بالتخفيف.

اطفيش

تفسير : {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثَانِى وَالْقُرآنَ الْعَظِيمَ} سبعا من الأشياءِ التى هى موضع ثنى وهو التكرير، أَو موضع ثناءَ أَو الأَشياء المثنية، فقال الجمهور: ذلك فاتحة الكتاب كما قرأها صلى الله عليه وسلم وقال: " حديث : هى السبع المثانى" تفسير : ، وروى ذلك أُبى وأَبو هريرة، وذلك أنها سبع آيات تثنى فى كل صلاة أى تكرر أَو أَنها تثنى فى الصلاة بالسورة بعدها، أَو أَنها نصفان نصف ثناءٌ ونصف دعاءٌ كما فى حديث الربيع وغيره عن الله: قسمت الصلاة؛ أى سورة الصلاة وهى الفاتحة، أَو سماها صلاة لأَنها معظمها ولا تصح بدونها من السور - بينى وبين عبدى نصفين، أَو أَنها مكررة، الرحمن الرحيم، وإِياك وإياك، والصراط وصراط، وغير وغير، وعليهم وعليهم، وكان عمر رضى الله عنه يقرأُ: وغير الضالين، أَو أَنها نزلت بمكة ونزلت بالمدينة، وقال الزجاج: سميت مثانى لأَنها فى الثناءِ على الله جل وعلا، وهى من أَجل السور لنزولها مرتين كما قيل فى الأَنعام، ولإِفرادها بالذكر عن القرآن، ولأَنه لا صلاة إلا بها كما قال فى الحديث، أَو السبع الطوال والأَنفال والتوبة كواحدة أو هما واحدة كما لا بسملة بينهما، وورد فى هذا حديث، وجاءَ عن ابن مسعود وابن عمر وابن عباس رضى الله عنهم وجماعة من التابعين، لأَنه يثنى فيهن حدود القرآن وفرائضه وأمثاله وعبر وعامة أحكامه، وفيهن عامة الأحكام، واعترض بأن السورة مكية أو هذه الاية وأكثر السبع مدنية، ويجاب بأن إنزالهن إلى السماءِ مرة مع باقى القرآن إِيتاء، وأَنه قضى أن ينزلن عليه، أو سورة التوبة لأنه يثنى فيها إلخ، وكذا فيما بعد من الأقوال، أو يونس أو الحواميم، أو سبع صحائف، وهى الأسباع والقرآن سبعة أجزاء كل سبع صحيفة وكتاب ومثناة ومثنية، فالسبع هو القرآن كله قسم سبعة أَجزاء، أَو سمى سبعا لأَنه تضمن معنى صحف سبع نزلت على من قبله وزاد عليها، ويناسبه قوله تعالى: "أية : الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثانى" تفسير : [الزمر: 23] أو المثانى كتب الله كلها، فمن للتبعيض، وحذفت تاء سبع لتأَنيث المعدود وهو آيات أَو سور ومن المثانى نعت سبعاً، ومن للبيان، وإذ أُريد بالمثانى أكثر من السبع فمن للتبعيض، والمفرد مثنى بالإسكان من التثنية وهو التكرير أو الثناء، وفى ذلك كله تقرير القراءَة والأَلفاظ والقصص والمواعظ والأَحكام، ويثنى عليه بالبلاغة والإعجاز، وثناء على الله بما هو أَهله، وعطف القرآن عليه عطف عام على خاص إن أُريد بالسبع بعضه، وإن أريد به القرآن أو الأسباع فعطف شىءٍ على نفسه باعتبار تعدد صفته بمعنى سبعاً توصف بأَنها من المثانى أو نفس المثانى وبأنها قرآن عظيم كقوله: شعر : أنا الملك القرم وابن الهمام وليث الكتيبة فى المزدحم تفسير : وقولك جاءَ زيد العاقل والشجاع والعالم، أى الجامع بين عظم الملك والبنوة للهمام والشجاعة, وزيد الجامع بين العقل والشجاعة والعلم، روى أنه صلى الله عليه وسلم وافى بأَذرعات سبع قوافل لقريظة والنضير فيها أَنواع البر والطيب والجواهر وسائر الأَمتعة، فقال المسلمون: لو كانت هذه الأموال لنا لتقوينا بها ولأَنفقناها فى سبيل الله فقال لهم: "حديث : لقد أُوتيتم سبع آيات هى خير من هذه القوافل السبع"تفسير : ولعله وافاها فى بعض أسفاره، وفى نسخة وافت من بصرى وأُذرعات سبع قوافل، ولا يكون هذا سبباً لنزول قوله تعالى: {لاَ تمُدَّنَّ عَينَيْك إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ} لأن هذه السورة مكية، ومصادفة القوافل بعد الهجرة فى آخر عمره فى ذهابه إلى الشام للقتال، ومنه تبوك، ولعل المسلمين طمعوا فى القوافل لأنها أموال المحاربين كذا قيل، وفيه أنه لا قوة للنضير وقريظة فى آخر عمره صلى الله عليه وسلم، قيل يحتمل أن تكون هذه الموقعة قبل نزول الآية فنزلت فيها، أو الآية مدنية جعلت فى سورة مكية، وهذا الحديث نص فى تفسير السبع بسبع آيات، وعن أبى بكر رضى الله عنه: "من أُوتى القرآن فرأَى أَن أَحدا أُوتى من الدنيا أَفضل مما أُوتى فقد صغر عظيماً وعظم حقيرا" ولم أَقف له على سند، وعنه صلى الله عليه وسلم:" حديث : ليس منا من لم يتغن بالقرآن "تفسير : أَى من لم يعده غنى أو كشفاً للهموم بقراءَته، أَو لم يفصح به ويجهر به أًو يقرأَه على خشية أو يزين به صوته، وقد جاءَ "زينوا القرآن بأصواتكم" قيل لراوى الحديث فإِن لم يكن حسن الصوت قال يحسنه ما استطاع وأزواجاً أصنافاً قال صلى الله عليه وسلم: " حديث : لا تغبطن فاجراً بنعمة فإنك لا تدرى ما لاقى بعد موته، إن له عند الله قاتلا لا يموت"تفسير : يعنى النار، ومد العين طموحها رغبة فيما متع به الكفار فهو صلى الله عليه وسلم بعد لا ينظر إلى ذلك بعينه ولا بقلبه {ولاَ تَحْزَنْ علَيْهِمْ} بعد إيمانهم شفقة عليهم فإنهم أشقياء خلقوا لعذاب الله عز وجل، والضمير للكفار عموما، وقيل للممتعين، وفيه أن الحزن على ممتع الكفار بالدنيا المبغوضة عنده تعالى لا يليق بالأبرار فضلا عن سيد الأخيار، والأَولى أَن المعنى لا تحزن على تكذيبهم وإعراضهم {وَاخْفِضْ جناحَكِ لِلْمُؤْمِنِينَ} ألن لهم وارفق وتواضع، وأصل جناح الإنسان يده { أية : واضمم إليك جناحك} تفسير : [القصص: 32] أى يدك، أو جناح الطائر كنى به عن حسن التدبير والشفقة كما يرخى الطائر جناحه لفروخه كما يخفضه إذا أراد الانحطاط، فذلك استعارة تمثيلية أولى من أن يكون استعارة عن التواضع.

الالوسي

تفسير : {وَلَقَدْ ءاتَيْنَـٰكَ سَبْعًا} أي سبع آيات وهي الفاتحة وروي ذلك عن عمر وعلي وابن عباس وابن مسعود وأبـي جعفر وأبـي عبد الله والحسن ومجاهد وأبـي العالية والضحاك وابن جبير وقتادة رضي الله تعالى عنهم وجاء ذلك مرفوعاً أيضاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث أبـي وأبـي هريرة رضي الله تعالى عنهما، وقيل: سبع سور وهي الطول وروي ذلك أيضاً عن عمر وابن عباس وابن مسعود وابن جبير ومجاهد وهي في رواية البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف والأنفال وبراءة سورة واحدة، وفي أخرى عد براءة دون الأنفال السابعة، وفي أخرى عد، يونس دونهما، وفي أخرى عد الكهف، وقيل: السبع آل حم، وقيل: سبع صحف من الصحف النازلة على الأنبياء عليهم السلام، على معنى أنه عليه الصلاة والسلام أوتي ما يتضمن سبعاً منها وإن لم يكن لفظها وهي الأسباع، وعن زياد بن أبـي مريم هي أمور سبع الأمر والنهي والبشارة والإنذار وضرب الأمثال وتعداد النعم وأخبار الأمم، وأصح الأقوال الأول. وقد أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي ورفعوه، وقال أبو حيان: إنه لا ينبغي العدول عنه بل لا يجوز ذلك. وأورد على القول بأنها السبع الطول أن هذه السورة مكية وتلك السبع مدنية، وروي هذا عن الربيع، فقد أخرج البيهقي في "الشعب" وابن جرير وغيرهما أنه قيل له: إنهم يقولون: هي السبع الطول فقال: لقد أنزلت هذه الآية وما نزل من الطول شيء وأجيب بأن المراد بإيتائها إنزالها إلى السماء الدنيا ولا فرق بين المدني والمكي فيها. واعترض بأن ظاهر {ءاتَيْنَـٰكَ } يأباه، وقيل: إنه تنزيل للمتوقع منزلة الواقع في الامتنان ومثله كثير. {مّنَ ٱلْمَثَانِي } بيان للسبع وهو ـ على ما قال في موضع من "الكشاف" ـ جمع مثى بمعنى مردد ومكرر ويجوز أن يكون مثنى مفعل من التثنية بمعنى التكرير والإعادة كما في/ قوله تعالى: {أية : ثُمَّ اْرجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ } تفسير : [الملك: 4] أي كرة بعد كرة ونحو قولهم لبيك وسعديك وأراد كما في "الكشف" أنه جمع لمعنى التكرير والإعادة كما ثنى لذلك لكن استعمال المثنى في هذا المعنى أكثر لأنه أول مراتب التكرار ويحتمل أن يريد أن مثنى بمعنى التكرير والإعادة كما أن صريح المثنى كذلك في نحو {كَرَّتَيْنِ } ثم جمع مبالغة وقوله من التثنية إيضاح للمعنى لأنه من الثني بمعنى التثنية والأول أرجح نظراً إلى ظاهر اللفظ والثاني نظراً إلى الأصل وقال في موضع آخر: إنه من التثنية أو الثناء والواحدة مثناة أو مثنية بفتح الميم على ما في أكثر النسخ والأقيس على ما قال المدقق بحسب اللفظ أن ذلك مشتق من الثناء أو الثنى جمع مثنى مفعل منهما إما بمعنى المصدر جمع لما صير صفة أو بمعنى المكان في الأصل نقل إلى الوصف مبالغة نحو أرض مأسدة لأن محل الثناء يقع على سبيل المجاز على الثاني والمثنى عليه وكذلك محل الثنى ولا بعد في باب العدل أن يكون منقولاً عنه لا مخترعاً ابتداء، وإطلاق ذلك على الفاتحة لأنها تكرر قراءتها في الصلاة وروي هذا عن الحسن وأبـي عبد الله رحمهما الله تعالى وعن الزجاج لأنها تثنى بما يقرأ بعدها من القرآن وقيل ونسب إلى الحسن أيضاً: لأنها نزلت مرتين مرة بمكة ومرة بالمدينة. وتعقب بأنها كانت مسماة بهذا الاسم قبل نزولها الثاني إذ السورة كما سمعت غير مرة مكية وقيل: لأن كثيراً من ألفاظها مكرر كالرحمن والرحيم وإياك والصراط وعليهم، وقيل: لاشتمالها على الثناء على الله تعالى والقولان كما ترى، وقيل ونسب إلى ابن عباس ومجاهد أن إطلاق المثاني على الفاتحة لأن الله سبحانه استثناها وادخرها لهذه الأمة فلم يعطها لغيرهم، وروي هذا الادخار في غيرها أيضاً وفي غيرها أن ذلك لأنه تكرر قراءته وألفاظه أو قصصه ومواعظه أو لما فيه من الثناء عليه تعالى بما هو أهله جل شأنه أو لأنه مثنى عليه بالبلاغة والإعجاز أو يثنى بذلك على المتكلم به، وعن أبـي زيد البلخي أن إطلاق المثاني على ذلك لأنه يثنى أهل الشر عن شرهم فتأمل، وجوز أن يراد بالمثاني القرآن كله وأخرج ذلك ابن المنذر وغيره عن أبـي مالك وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام في توجيه اطلاقها عليه مع الاختلاف في الإفراد والجمع، وأن يراد بها كتب الله تعالى كلها ـ فمن ـ للتبعيض وعلى الأول للبيان. {وَٱلْقُرْآنَ ٱلْعَظِيمَ} بالنصب عطف على {سَبْعاً} فإن أريد بها الآيات أو السور أو الأمور السبع التي رويت عن زياد فهو من عطف الكل على الجزء بأن يراد بالقرآن مجموع ما بين الدفتين أو من عطف العام على الخاص بأن يراد به المعنى المشترك بين الكل والبعض وفيه دلالة على امتياز الخاص حتى كأنه غيره كما في عكسه وإن أريد بها الأسباع فهو من عطف أحد الوصفين على الآخر كما في قوله:شعر : إلى الملك القرم وابن الهمام تفسير : البيت، بناء على أن القرآن في نفسه الأسباع أي ولقد آتيناك ما يقال له السبع المثاني والقرآن العظيم، واختار بعضهم تفسير {ٱلْقُرْءانَ ٱلْعَظِيمِ} كالسبع المثاني بالفاتحة لما أخرجه البخاري عن أبـي سعيد بن المعلى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته»تفسير : وفي "الكشف" كونهما الفاتحة أوفق لمقتضى المقام لما مر في تخصيص {أية : ٱلْكِتَـٰبِ وَقُرْءانٍ مُّبِينٍ } تفسير : [الحجر: 1] بالسورة وأشد طباقاً للواقع فلم يكن إذ ذاك قد أوتي صلى الله عليه وسلم القرآن كله اهـ، وأمر العطف معلوم مما قبله. وقرأت فرقة {والقرآن} بالجر عطفاً على {المثاني}، وأبعد من ذهب إلى أن الواو مقحمة والتقدير سبعاً من المثاني القرآن العظيم.

ابن عاشور

تفسير : اعتراض بين جملة {أية : فاصفح الصفح الجميل} تفسير : [سورة الحجر: 85] وجملة {ولقد آتيناك سبعاً} الآية. أتبع التسلية والوعد بالمنّة ليذكر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بالنّعمة العظيمة فيطمئن بأنه كما أحسن إليه بالنّعم الحاصلة فهو منجزه الوعود الصادقة. وفي هذا الامتنان تعريض بالردّ على المكذبين. وهو ناظر إلى قوله: {وقالوا يأيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون} إلى قوله تعالى: {أية : وإنا له لحافظون} تفسير : [سورة الحجر: 9]. فالجملة عطف على الجمل السابقة عطف الغرض على الغرض والقصّة على القصّة. وهذا افتتاح غرض من التنويه بالقرآن والتحقير لعيش المشركين. وإيتاء القرآن: أي إعطاؤه، وهو تنزيله عليه والوحي به إليه. وأوثر فعل {آتيناك} دون (أوحينا) أو (أنزلنا) لأن الإعطاء أظهر في الإكرام والمنّة. وجَعْل {القرآن} معطوفاً على {سبعاً من المثاني} يشعر بأن السبع المثاني من القرآن. وذلك ما درج عليْه جمهور المفسّرين ودلّ عليْه الحديث الآتي. وقد وصف القرآن في سورة الزمر (23) بالمثاني في قوله تعالى: {أية : الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني}، تفسير : فتعين أن السبع هي أشياء تجري تسميتها على التأنيث لأنّها أجري عليها اسم عدد المؤنّث. ويتعيّن أن المراد آيات أو سور من القرآن، وأن {مِن} تبعيضية. وذلك أيضاً شأن {مِن} إذا وقعت بعد اسم عدد. وأن المراد أجزاء من القرآن آيات أو سور لها مزية اقتضت تخصيصها بالذكر من بين سائر القرآن، وأنّ المثاني أسماء القرآن كما دلّت عليه آية الزّمر، وكما اقتضته {من} التبعيضية، ولكون المثاني غير السبع مغايرة بالكليّة والجزئية تصحيحاً للعطف. و{المثاني} يجوز أن يكون جمع مُثَنّى ــــ بضم الميم وتشديد النّون ــــ اسم مفعول مشتقاً من ثَنّى إذا كرّر تكريره. قيل {المثاني} جمع مثناة ــــ بفتح الميم وسكون الثاء المثلّثة وبهاء تأنيث في آخره ــــ. فهو مشتق من اسم الاثنين. والأصح أن السبع المثاني هي سورة فاتحة الكتاب لأنّها يثنى بها، أي تعاد في كلّ ركعة من الصلاة فاشتقاقها من اسم الاثنين المراد به مطلق التكرير، فيكون استعماله هذا مجازاً مرسلاً بعلاقة الإطلاق، أو كناية لأن التّكرير لازم كما استعملت صيغة التثنية فيه في قوله تعالى: {أية : ثم ارجع البصر كرّتين} تفسير : [سورة الملك: 4] أي كرّات وفي قولهم: لبّيْك وسعديك ودواليْك. أو هو جمع مَثناة مصدراً ميمياً على وزن المفعلة أطلق المصدر على المفعول. ثم إن كان المراد بالسبع سبع آيات فالمؤتى هو سورة الفاتحة لأنها سبع آيات وهذا الذي ثبت عن رسول الله في حديث أبي سعيد بن المعلى وأبيّ بن كعب وأبي هُريرة في الصحيح عن رسول الله أن أمّ القرآن هي السبع المثاني فهو الأوْلى بالاعتماد عليه. وقد تقدم ذلك في ذكر أسماء الفاتحة. ومعنى التكرير في الفاتحة أنّها تكرّر في الصّلاة. وعن ابن عبّاس: أن السبع المثاني هي السور السبع الطوال: أولاها البقرة وآخرها براءة. وقيل: السور الّتي فوق ذوات المئين. وعطْفُ {القرآن} على السبع من عطف الكل على الجزء لقصد التعميم ليعلم أن إيتاء القرآن كلّه نعمة عظيمة. وفي حديث أبي سعيد بن المعلّى قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : وَالقرآنُ العظيم الّذي أوتيتُه» تفسير : على تأويله بأن كلمة «القرآن» مرفوعة بالابتداء «والّذي أوتيتُه» خبره. وأجري وصف {العظيم} على القرآن تنويهاً به. وإن كان المراد بالسبع سوراً كما هو مروي من قول ابن عباس وكثير من الصّحابة والسّلف واختلفوا في تعيينها بما لا ينثلج له الصدر، فيكون إبهامها مقصوداً لصرف الناس للعناية بجميع ما نزل من سور القرآن كما أبهمت ليلة القدر.

الشنقيطي

تفسير : ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه آتى نبيه صلى الله عليه وسلم سبعاً من المثاني والقرآن العظيم. ولم يبين هنا المراد بذلك. وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن الآية الكريمة إن كان لها بيان في كتاب الله غير واف بالمقصود، أننا نتمم ذلك البيان من السنة، فنبين الكتاب بالسنة من حيث إنها بيان للقرآن المبين باسم الفاعل. فإذا علمت ذلك فاعلم أن النَّبي صلى الله عليه وسلم بين في الحديث الصحيح: أن المراد بالسبع المثاني والقرآن العظيم في هذه الآية الكريمة: هو فاتحة الكتاب. ففاتحة الكتاب مبينة للمراد بالسبع المثاني والقرآن العظيم، وإنما بينت ذلك بإيضاح النَّبي صلى الله عليه وسلم لذلك في الحديث الصحيح. قال البخاري في صحيحه في تفسير هذه الآية الكريمة: حدثني محمد بن بشار، حدثنا غندر، حدثنا شعبة عن خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، "حديث : عن أبي سعيد بن المعلي قال: مرَّ بي النَّبي صلى الله عليه وسلم وأنا أُصلِّي، فدعاني فلم آته حتَّى صلَّيت، ثمَّ أتيت فقال: "ما منعك أن تأتيني" فقلت: كنت أُصلِّي. فقال: "ألم يقل الله {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ للَّهِ وَلِلرَّسُولِ} - ثمَّ قال:- ألا أعلمك أعظم سورةٍ في القرآن قبل أن أخرج من المسجد" فذهب النَّبي صلى الله عليه وسلم ليخرج فذكرته فقال: {الحمد لله رب العالمين} هي السَّبع المثاني والقرآن العظيم الَّذي أُوتيته"تفسير : . حدثنا آدم حدثنا ابن أبي ذئب، حدثنا سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أّمُّ القُرآنِ هِي السَّبع المثاني والقرآن العظيم ". تفسير : فهذا نص صحيح من النَّبي صلى الله عليه وسلم أن المراد بالسبع المثاني والقرآن العظيم: فاتحة الكتاب، وبه تعلم أن قول من قال إنها السبع الطوال غير صحيح، إذ لا كلام لأحد معه صلى الله عليه وسلم. ومما يدل على عدم صحة ذلك القول: أن آية الحجر هذه مكية، وأن السبع الطوال ما أنزلت إلا بالمدينة. والعلم عند الله تعالى. وقيل لها "مثاني" لأنها تثني قراءتها في الصلاة. وقيل لها "سبع" لأنها سبع آيات. وقيل لها "القرآن العظيم" لأنها هي أعظم سورة. كما ثبت عن النَّبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح المذكور آنفاً. وإنما عطف القرآن العظيم على السبع المثاني مع أن المراد بهما واحد وهو الفاتحة لما علم في اللغة العربية: من أن الشيء الواحد إذا ذكر بصفتين مختلفتين جاز عطف إحداهما على الأخرى تنزيلاً لتغاير الصفات منزلة تغاير الذوات. ومنه قوله تعالى: {أية : سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ ٱلَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ وَٱلَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ وَٱلَّذِيۤ أَخْرَجَ ٱلْمَرْعَىٰ} تفسير : [الأعلى: 1-4]، وقول الشاعر: شعر : إلى الملك القرم وابن الهمام وليث الكتيبة في المزدحم

القطان

تفسير : سبعا من المثاني: سورة الفاتحة. وبعضهم يقول: انها سبع السور الطوال: البقرة، آل عمران، النساء، المائدة، الانعام، الاعراف، ويونس. لا تمدن عينيك: لا تنظر او لا تَتَمنَّ. واخفض جناحك للمؤمنين: تواضع لهم. المقتسمين: اليهود والنصارى. عضين: اجزاء، مفردها عضة. فاصدع بما تؤمر: اجهر بِهِ. اليقين: الموت. في ختام هذه السورة العظيمة يمن الله على الرسول الكريم أنه اعطاه القرآنَ العظيم ومنه السبعُ المثاني، ويوصيه ان لا ينظر الى ما عند غيره، ويتواضع للمؤمنين، ثم يخلُص الى البيان السابق وهو أمرُ النبي عليه الصلاة والسلام ان يجهرَ بالدعوة ولا يحزنَ عليهم ولا يضيقَ صدرُه بما يقولون، فان الله تعالى كفاه أمْرَهم، وسوف يعلمون، وأمَرَه ان يعبد ربه حتى ينتهي أجلُه من هذه الحياة. {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي وَٱلْقُرْآنَ ٱلْعَظِيمَ}. ولقد اكرمناك ايها النبي بسبع آياتٍ من القرآن هي سورةُ الفاتحة التي تكررها في كل صلاة. وهذه السورة لها مكانتها الخاصة، لانها تشتمل على مجمل ما في القرآن. فمقاصد القرآن هي: بيانُ التوحيد، وبيان الوعد والبشرى للمؤمنين، وبيانُ الوعيد والانذار للكافرين والمسيئين، وبيانُ السعادة في الدنيا والآخرة، وقصصُ الذين أطاعوا الله ففازوا، والذين عصَوا فخابوا. والفاتحة تشتمل بطريق الايجاز والاشارة على هذه المقاصد ولذلك سميت "ام الكتاب" والسبع المثاني. وبعد ان عرف الله رسوله عظيم نِعمه عليه، نهاه عن الرغبة في الدنيا فقال: {لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ}. لا تتمنَّينَّ ايها الرسول ما جعلنا من زينة الدنيا متاعاً للاغنياء من اليهود والنصارى والمشرِكين، فإن هذا كله زائلٌ وزهيد بالنسبة لما أُوتيتَه من كمال الاتصال بنا ومن القرآن العظيم. والخطاب تعليمٌ للمؤمنين، فقد رُوي أنه أتتْ من بُصرى الشام سبع قوافلَ لقريظة والنضير من اليهود في يوم واحد، فيها أنواعُ البضائع من الطيِّب والجواهر والألبسة، فقال المسلمون: لو كانت لنا لتقوَّيْنا بها، ولأنفقناها في سبيل الله. فالله تعالى يعلّمهم ان هذا كلَّه لا قيمةَ له بالنسبة لما أُوتيتم، "ولا تحزَن عليهم" بسبب استمرارهم على الغيّ والكفر، وتواضعْ يا محمد لمن اتبعك من المؤمنين. ثم بيّن وظيفة الرسول عليه الصلاة والسلام فقال: {وَقُلْ إِنِّيۤ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ}. وقل ايها الرسول للناس اجمعين أنا النذيرُ لكم من عذابٍ أليم، فارجعوا الى الله وآمِنوا بما انزلَ اليَّ تربحوا وتفوزوا بالجنة. ثم بعد ان ذَكر الله أنه اكرم الرسولَ بالقرآن العظيم والسبعِ المثاني - يبيّن هنا أن الذين سبقوه من اليهود والنصارى قسّموا القرآن الى أجزاء، قبِلوا بعضَه وكفروا ببعض منه. فقال: {كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلْقُرْآنَ عِضِينَ}. وكم آتيناكَ سبعاً من المثاني والقرآن العظيم، أنزلْنا من قبلِك على اليهود والنصارى التوراةَ والإنجيلَ، وهم الّذين اقتسموا القرآنَ فآمنوا ببعضه الذين وافقَ ما عندهم، وكفروا ببعضٍ، وهو ما خالفهم. {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}. فوا الذي خلقَك ورباك لنسألَنّ الكفارَ جميعاً عن ما كانوا يقولون ويفعلون، ولنحاسبنَّهم أجمعين. ثم يؤكد الله تعالى على نبيه بالجهر والقوة في تبليغ الرسالة جهد المستطاع فيقول: {فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ}. فاجهرْ بدعوة الحق، وابلاغ ما أُمرتَ به، ولا تلتفت الى المشركين وما يقولون. ولما كان ما يلاقيه من المشركين امرا عسيرا، واذى كبيرا، طمأنه الله بانه هو يكفيه شرهم فقال: {إِنَّا كَفَيْنَاكَ ٱلْمُسْتَهْزِئِينَ}. إنا كفيناك شر المستهزئين من قريش الذين كانوا يسخرون منك ومن القرآن، وكانوا طائفةً من قريش لهم قوة، وكانوا كثيري السفاهة والأذى للرسول الكريم، وقد أبادهم الله وأزال كيدهم، فهم: الوليدُ بن المغيرة، والعاص بن وائل، وعديّ بن قيس، والأَسود بن عبدٍ يغوث. وقد ماتوا جميعا. ثم وصف هؤلاء المستهزئين بالشرك فقال: {ٱلَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلـٰهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ}. انهم اتخذوا آلها مع الله يعبدونه، فسوف يعلمون عاقبة امرهم، يوم القيامة، يوم يرون العذاب الشديد. {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ}. إنا نعلم ما يصيبك من ضيق وألم نفسي بما يقولونه من الفاظِ الشرك والاستهزاء، فسّلاه الله تعالى بان يسبح ويلوذ به، ولا يفتر عن التسبيح بحمد ربه طوال حياته حتى يأتيه اليقين. {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِّنَ ٱلسَّاجِدِينَ وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ}. وهذا هو ختام السورة: ارشاد من الله تعالى أن يكشف ما يجده من الغم باللجوء اليه بعمل الطاعات، والاكثار من العبادات، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم اذا حَزَبَه امر واشاد عليه خطب، فزع الى الصلاة. اللهم وفقنا لطاعتك، واهدنا لعبادتك، واجعلنا من المتقين الذين انعمت عليهم غير المغضوب عليم ولا الضالين.

د. أسعد حومد

تفسير : {آتَيْنَاكَ} {ٱلْقُرْآنَ} (87) - يَقُولُ اللهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّهُ آتَاهُ سَبْعاً مِنَ المَثَانِي، وَآتَاهُ القُرْآنَ العَظِيمَ. وَاخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ حَوْلَ المَقْصُودِ (بِالسَّبْعِ المَثَانِي) فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّهَا سُوَرُ القُرْآنِ الطِّوَالِ (البَقَرَةُ وَآلِ عُمْرَانَ وَالنِّسَاءُ وَالمَائِدَةُ وَالأَنْعَامُ وَالأَعْرَافُ وَيُونُسُ). وَقَدْ بَيَّنَ اللهُ فِي هَذِهِ السُّوَرِ السَّبْعِ الفَرَائِضَ وَالحُدُودَ وَالقِصَاصَ وَالأَحْكَامَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ اللهَ تَعَالَى بَيَّنَ، فِي هَذِهِ السُّوَرِ السَّبْعِ، الأَمْثَالَ وَالخَبَرَ وَالعِبَرَ. وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّهَا سُورَةُ الفَاتِحَةِ، وَسُمِّيَتْ بِالسَّبْعِ المَثَانِي لأَنَّهَا تَتَأَلَّفُ مِنْ سَبْعِ آيَاتٍ فِيهَا الحَمْدُ وَالثَّنَاءُ عَلَى اللهِ، وَيُثَنَّى بِهَا فَتُقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِنْ رَكَعَاتِ الصَّلاَةِ. وَفِي حَدِيثٍ عَنِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم (حديث : أُمُّ القُرْآنِ هِيَ السَّبْعُ المَثَانِي وَالقُرْآنُ العَظِيمُ)تفسير : . (رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ). سَبْعاً - سَبْعَ آيَاتٍ وَهِيَ الفَاتِحَةُ. مِنَ المَثَانِي - التِي تُثَنَّى وَتُكَرَّرُ قِرَاءَتُهَا فِي الصَّلاَةِ.

الثعلبي

تفسير : {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي} اختلفوا فيه. روى عبد الوهاب عن ابن مسعود عن أبي نصر عن رجل من عبد القيس يقال له جابر أو جويبر عن ابن مسعود أن عمر قال: السبع المثاني هي فاتحة الكتاب. روى إسماعيل السدي عن عبد خير عن علي (رضي الله عنه) {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي} قال: فاتحة الكتاب. عن ابن سيرين أن ابن مسعود قال في السبع المثاني: فاتحة الكتاب، والقرآن العظيم سائر القرآن. وعن عبد الرحمن عن أحمد الطابقي قال: أتيت أبا هريرة وهو في المسجد فقرأت عليه فاتحة القرآن. فقال أبو هريرة: هذه السبع المثاني. شعبة عن قتادة في قوله: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي}، قال: هي فاتحة الكتاب. وسمعت الكلبي يقول: هي أمّ الكتاب. ابن جريج عن عطاء في قوله تعالى {سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي} قال: هي أم القرآن والآية السابعة {أية : بسم ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ}تفسير : [الفاتحة: 1]. وهذا قول الحسن وأبي العالية وسعيد بن جبير وإبراهيم وابن أبي مليكة وعبد الله بن عبيد ابن عمرو ومجاهد والضحاك والربيع بن أنس وصالح الحنفي قاضي مرو. ويدل عليه ماروى أبو سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الحمد لله رب العالمين سبع آيات إحداهن بسم الله الرحمن الرحيم وهي السبع المثاني وهي أم القرآن وهي فاتحة الكتاب ". تفسير : وروى ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني والقرآن العظيم ". تفسير : وروى حفص بن عاصم عن أبي سعيد المعلّى حديث : عن أُبيّ بن كعب قال: كنت أُصلي فناداني رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم أجبه، فلما صلّيت أتيته، فقال: "ما منعك أن تجيبني"؟ قلت: كنت أُصلي، قال: "أولم يقل الله: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ للَّهِ وَلِلرَّسُولِ} [الأنفال: 24]" الآية. ثمّ قال: "لأعلمنك أعظم سورة في القرآن قبل أن نخرج من المسجد" فأخذ بيدي فلما أراد أن يخرج من المسجد قلت: يارسول الله إنك قلت لأعلمنك أعظم سورة في القرآن. قال: "نعم، الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيت". تفسير : وعن أبي هريرة قال: قرأ أُبي بن كعب على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمّ القرآن. فقال: "حديث : والذي نفسي بيده ما أنزل الله في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في القرآن مثلها، إنها السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيت ". تفسير : عن ابن جريج قال: أخبرني أبي أنّ سعيد بن جبير أخبره فقال له: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي}، قال: هي أم القرآن، قال: هي، وقرأ عليَّ سعيد بن جبير بسم الله الرحمن الرحيم حتّى ختمها، ثمّ قال: بسم الله الرحمن الآية السابعة. قال سعيد بن جبير: لأبي: وقرأ عليَّ ابن عبّاس كما قرأتها عليك، ثمّ قال: بسم الله الرحمن الرحيم الآية السابعة: قال ابن عبّاس: قد ادخرها الله لكم فما أخرجها لأحد قبلكم. فقلت: هذه إختيار الصحاح إن السبع المثاني هي فاتحة الكتاب، وأن الله تعالى امتن على رسوله صلى الله عليه وسلم بهذه السورة كما امتن عليه بجميع القرآن، وقيل: نزلت هذه السورة في [خيبر]. وفي هذا دليل على إن الصلاة لاتجوز إلاّ بها ويؤيد ما قلنا ماروى الزهري عن محمّد بن الربيع عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : فاتحة الكتاب عوض من كل القرآن، والقرآن كلّه ليس منه عوض ". تفسير : واختلف العلماء في حديث آيات هذه السورة مثاني، فقال ابن عبّاس والحسن وقتادة والربيع: لأنها تثنى في كل صلاة وفي كل ركعة. وقال بعضهم: سمّيت مثاني لأنها مقسومة بين الله وبين العبد قسمين اثنين، بيانه والذي يدل عليه ماروى أبو السائب مولى هشام بن زهرة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج هي خداج غير تمام ". تفسير : قال أبو السائب لأبي هريرة: إني أحياناً أكون وراء الامام. قال: فغمز أبو هريرة ذراعي، وقال: يافارسي إقرأها في نفسك إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : قال الله قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فنصفها لي، ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل ". تفسير : وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اقرؤا، يقول: العبد: الحمد لله رب العالمين، فيقول الله: حمدني عبدي، ويقول العبد: الرحمن الرحيم، فيقول الله: أثنى عليَّ عبدي، فيقول العبد: مالك يوم الدين، فيقول الله: مجّدني عبدي، يقول العبد: إياك نعبدُ وإياك نستعين، قال: هذه الآية بيني وبين عبدي، يقول العبد: اهدنا الصراط إلى آخره، يقول الله: فهذا لعبدي ولعبدي ما سأل ". تفسير : ويقال: سمّيت [مثاني] لأنها منقسمة إلى قسمين: نصفها ثناء ونصفها دعاء، ونصفها حق الربوبية ونصفها حق العبودية، وقيل: لأن ملائكة السماوات يصلّون الصلوات بها، كما أن أهل الأرض يصلّون بها. وقيل: لأن حروفها وكلماتها مثنّاة، ومثل الرحمن الرحيم، إياك وايّاك، الصراط الصراط، عليهم عليهم، غير غير، في قراءة عمر. وقال الحسين بن الفضل وغيره: لأنها تقرأ مرّتين كل مرّة معها سبعون ألف ملك، مره بمكة من أوائل مانزل من القرآن، ومرة بالمدينة، والسبب هو أن سبع قوافل وافت من بصرى وأذرعات ليهود بني قريضة والنضير في يوم واحد فيها أنواع من البز وأوعية [وأفاوية] الطيب والجواهر وأمتعة البحر، فقال المسلمون: لو كانت هذه الأموال لنا لتقوينا بها ولأنفقناها في سبيل الله فأنزل الله تعالى هذه السورة. وقال: لقد أعطيتكم سبع آيات هي خير لكم من هذه السبع القوافل، ودليل هذه التأويل قوله في عقبها: {لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ} الآية. وقيل: لأنها متصدرة بالحمد، والحمد كل كلمة تكلم بها آدم حين عطس وهي آخر كلام أهل الجنة من ذريته، قال الله: {أية : وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}تفسير : [يونس: 10]. وقيل: لأن الله استثناها وادّخرها لهذه الأُمة فما أعطاها غيرهم، كما روينا في خبر سعيد ابن جبير عن ابن عبّاس. وقال أبو زيد اللخمي: لانها تثني أهل الدعارة والشرارة عن الفسق والبطالة من قول العرب ثنيت عنائي، قال الله: {أية : أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ}تفسير : [هود: 5]. وقيل: لأن أولها ثناء على الله عزّ وجلّ. وقال قوم: إن السبع المثاني هو السبع الطوال، وهي: سورة البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال، والتوبة معاً. وقال بعضهم: يونس، وعليه أكثر المفسرين. روى سفيان عن منصور عن مجاهد عن إبن عبّاس في قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي}، قال: السبع الطوال. سعيد بن جبير عن ابن عبّاس في قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي} قال: هو السبع الطوال. وهو قول عمر، ورواية أبي بشر وجعفر بن المغيرة ومسلم البطين عن سعيد بن جبير، ورواية ليث وابن أبي نجيح عن مجاهد، ورواية عبيد بن سليمان عن الضحاك. يدل عليه ماروى أبو أسماء الرحبي عن ثوبان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن الله أعطاني السبع الطوال مكان التوراة، وأعطاني المبين مكان الإنجيل، وأعطاني الطواسين مكان الزبور وفضلني ربي بالمفصّل ". تفسير : وروى الأعمش عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس قال: أوتي رسول الله صلى الله عليه وسلم السبع المثاني الطوال، وأعطي موسى ستاً فلما ألقى الألواح رفعت إثنان وبقي أربع. روى عروة عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"حديث : من أخذ السبع الأول فهو حبر ". تفسير : قال ابن عبّاس: وإنما سميت السبع الطوال مثاني؛ لأن الفرائض والحدود والأمثال والخبر والعبر تثبت فيه. طاوس وأبو مالك: القرآن كلّه مثاني، وهي رواية العوفي عن ابن عبّاس قال: ألم تسمع إلى قول الله تعالى:{أية : ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ}تفسير : [الزمر: 23] وسمّي القرآن مثاني لأن القصص ثبتت فيه. وعلى هذا القول المراد بالسبع سبعة أسباع القرآن. ويكون فيه إضمار تقديره: وهي للقرآن العظيم. فاحتج بقول الشاعر: شعر : الى الملك القرم وابن الهمام وليث الكتيبة في المزدحم تفسير : مجازة: الملك القرم ابن الهمام ليث الكتيبة في المزدحم. وروى عتاب بن بشر عن حنيف عن زياد بن أبي مريم في قوله: {سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي} قال: أعطيتك سبعة أجزاء وهي سبع معان في القرآن: مرّ، وانه، وبشّر، وأنذر، واضرب الأمثال وأعدد النعم، وآتيتك نبأ القرآن. {لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ} يا محمّد {إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً} أصنافاً {مِّنْهُمْ} من الكفار متمنياً إياها. نهى رسوله عن الرغبة في الدنيا. وقال أنس: مرّت برسول الله صلى الله عليه وسلم إبل أيام الربيع وقد حبست في أبعارها وأبوالها. فغطى رسول الله صلى الله عليه وسلم عينه بكمّه وقال: «بهذا أمرني ربي» ثمّ تلا هذه الآية. {وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ} ليّن جانبك {لِلْمُؤْمِنِينَ} وارفق بهم. والجناحان من ابن آدم جانباه، ومنه قوله: {أية : وَٱضْمُمْ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ}تفسير : [طه: 22] أي جنبك وناحيتك. {وَقُلْ إِنِّيۤ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ * كَمَآ أَنْزَلْنَا}، قال الفراء: مجازه: أنذركم عذاباً {عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ}. فاختلفوا فيهم. فروى الأعمش عن أبي ظبيان قال: سمعت ابن عبّاس يقول في قوله: {كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ} ، قال: هم اليهود والنصارى. {ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلْقُرْآنَ عِضِينَ} جزّأوه فجعلوه أعضاء فآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه. وقال عكرمة: سمّوا مقتسمين لأنّهم كانوا يستهزؤن فيقول بعضهم: هذه السورة لي. وقال بعضهم: هذه لي، فيقول أحدهم: لي سورة البقرة، ويقول الآخر: لي سورة آل عمران. وقال مجاهد: هم اليهود والنصارى، قسّموا كتابهم ففرّقوه وبدّدوه. وقال مقاتل: كانوا ستة عشر رجلاً بعثهم الوليد بن المغيرة أيام الموسم فاقتسموا عقاب مكة وطرقها وقعدوا على أبوابها وأبقابها وإذا جاء الحجاج، قال فريق منهم: لا تغتروا بخارج منّا يدعي النبوة فإنه مجنون. وقالت طائفة أخرى: على طريق آخر أنه كاهن. وقالت طائفة: عَرّاف. وقالت طائفة شاعر، والوليد قاعد على باب المسجد نصبوه حكماً، فإذا سئل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: صدق لوليك المقتسمين. وقال مقاتل بن حيان: هم قوم اقتسموا القرآن، فقال بعضهم: سحر، وقال بعضهم: سمر، وقال بعضهم: كذب. وقال بعضهم: شعر، وقال بعضهم: أساطير الأولين. وقال بعضهم: هم الذين تقاسموا صالح وأرادوا تبييته. وقرأ قول الله: {أية : وَكَانَ فِي ٱلْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ يُصْلِحُونَ * قَالُواْ تَقَاسَمُواْ بِٱللَّهِ}تفسير : [النمل: 48-49]الآية. {ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلْقُرْآنَ عِضِينَ} يعني عضوا كتاب الله ونبيه وأمره ونهيه أي كذبوا. وقوله: {عِضِينَ}، قال بعضهم: هو جمع عضو وهو مأخوذ من قولهم عضيت يعضيه إذا فرّقته. وقال رؤبة: شعر : وليس دين الله بالمعضى تفسير : يعني: بالمفرّق. وقال آخر: شعر : وعضى بني عوف،فأما عدوهم فأرضي وأمّا العز منهم فغيرا تفسير : يعني بقوله عضّني بني عوف: سبّاهم وقطعهم بلسانه. وقال آخرون: بل هو جمع عضة، يقال: عضه وعضين. مثل يره ويرين، وكرة وكرين، وقلة وقلين، وعزة وعزين، وأصله عضهه ذهبت هاؤها الأصلية كما نقصوا الهاء من الشفة وأصلها شفهه ومن الشاة وأصلها شاهه يدلك على ذلك التصغير تقول: شفيهة وغويهة، ومعنى العضة: الكذب والبهتان، وفي الحديث: "حديث : لايعضه بعضكم بعضاً ". تفسير : {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} يوم القيامة {عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} في الدنيا. وروى أنس "حديث : عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآية قال: عن لا إله إلاّ الله ". تفسير : قال عبد الله: والذي لا إله غيره ما منكم من أحد إلاّ سيخلو الله تعالى به يوم القيامة، [كما يخلو أحدكم بالقمر ليلة البدر] فيقول: يابن آدم ماذا غرك مني، يابن آدم ما عملت فيما علمت، يابن آدم ماذا أجبت المرسلين. واعترضت الملحدة بأبصار كليلة وأفهام عليلة على هذه الآية على قوله: {أية : فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ}تفسير : [الرحمن: 39] وحكموا عليهما بالتناقض. والجواب عنه: ما روي عن علي بن أبي طلحة عن ابن عبّاس في قوله: {لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} وقوله:{أية : فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ}تفسير : [الرحمن: 39]. قال: لانسألهم هل عملتم كذا وكذا، لأنه أعلم بذلك منهم، ولكن يقول لهم: لِمَ عملتم كذا وكذا؟ واعتمد قطرب هذا القول، وقال: السؤال على ضربين: سؤال استعلام واستخبار، وسؤال توبيخ وتقرير. فقوله: {أية : فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ}تفسير : [الرحمن: 39] يعني استعلاماً واستخباراً، لأنه كان عالماً بهم قبل أن يخلقهم. وقوله: {لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} يعني تقريعاً وتقريراً ليريهم القدرة في تعذيبنا إياهم. وقال عكرمة: سألت مولاي عبد الله بن عبّاس عن الآيتين، فقال: إن يوم القيامة يوم طويل وفيه مواقف، يسألون في بعض المواقف ولا يسألون في بعضها. ونظيره قوله: {أية : هَـٰذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ}تفسير : [المرسلات: 35]وقال في آية أخرى: {أية : ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ}تفسير : [الزمر: 31]. وقال بعضهم:{أية : فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ}تفسير : [الرحمن: 39] إذا كان المذنب مكرهاً مضطراً، و {لَنَسْأَلَنَّهُمْ} إذا كانوا مختارين، وقيل: لا يسأل إذا كان الذنب في حال الصبى أو الجنون أو النوم، بيانه قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : رفع القلم عن ثلاث"تفسير : وقولهم: لنسألنهم، إذا كان عملهم خارجاً من هذه الأحوال، وقيل: لا يسأل إذا كان الذنب في حال الكفر. وقوله: {لَنَسْأَلَنَّهُمْ} يعني المؤمنين، بيانه قوله: {أية : قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ}تفسير : [الأنفال: 38] وقوله صلى الله عليه وسلم:"حديث : إن الاسلام يجبّ ما قبله ". تفسير : {فَٱصْدَعْ}. قال ابن عبّاس: أظهر. الوالبي عنه: فاقض. عطية عنه: افعل. الضحاك: اعلم، الأخفش: افرق، المؤرّج: افصل، سيبويه: اقض. {بِمَا تُؤْمَرُ} يعني بأمرنا (ما) المصدر. وأصل الصدع: الفصل والفرق. قال ذؤيب يصف الحمار والأتن: شعر : وكأنهن ربابة وكأنه يسر يفيض على القداح ويصدع تفسير : [وقيل]: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإضهار الدعوة. روى موسى عن عبيدة عن أخيه عبد الله بن عبيدة قال: مازال النبي صلى الله عليه وسلم مستخفياً حتّى نزلت {فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ} فخرج هو وأصحابه. وقال مجاهد: أراد الجهر بالقرآن في الصلاة. {وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ} لا تبال بهم {إِنَّا كَفَيْنَاكَ ٱلْمُسْتَهْزِئِينَ}. يقول الله جل ثناؤه لنبيه صلى الله عليه وسلم فاصدع بأمر الله ولا تخف شيئاً سوى الله فإن الله كافيك من عاداك وآذاك كما كفاك المستهزئين وهم من قريش ورؤسائهم خمسة نفر: الوليد بن المغيرة، وعبد الله بن عمرو بن مخزوم وكان رأسهم، والعاص بن وائل بن هشام بن سعيد بن سعيد بن سهم، "حديث : والأسود بن المطلب بن الحرث بن [أسد] بن عبد العزى أبو زمعة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد دعا عليه فقال: اللهم أعم بصره وأثكله بولده" والأسود بن عبد يغوث بن وهب ابن عبد مناف بن زهرة، والحرث بن قيس بن الطلاطلة فإنه عيطل. فأتى جبرئيل محمداً صلى الله عليه وسلم والمستهزئون يطوفون بالبيت، فقام جبرئيل وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنبه فمرّ به الوليد بن المغيرة، فقال جبرئيل: يا محمّد كيف تجد هذا، قال: بئس عبد الله. قال: "قد كفيت" وأومأ إلى ساقه ويده، فمرّ برجل من خزاعة[نبّال] يريّش نبلاً له وعليه برد يمان وهو يجر إزاره فتعلقت شظّية من نبل بإزاره فمنعه الكبر أن يطمئن ونبذ عمامته وجعلت تضرب ساقه فخدشته فمرض منه ومات. وقال الكلبي: تعلّق سهم بثوبه فأصاب أكحله فقطعه فمات. ومرَّ به العاص بن وائل، فقال جبرئيل: كيف تجد هذا يا محمّد؟ قال: "بئس عبد الله"، فأشار جبرئيل لأخمص رجله وقال: "قد كفيت" وقد خرج على راحلته ومعه اثنان يمنعانه فنزل شعباً من تلك الشعاب فوطيء على شرقة فدخلت منها شوكة في أخمص رجله، فقال: الوقت لدغت. فطلبوا ولم يجدوا شيئاً فأنتفخت رجله حتّى صارت مثل عنق بعير فمات مكانه. ومرَّ به الأسود بن عبد المطلب، فقال جبرئيل: كيف تجد هذا يا محمّد؟ قال: "عبد سوء" فأشار إلى عينه، وقال: "قد كفيت" فعمى. قال ابن عبّاس: رماه جبرئيل بورقة خضراء فذهب بصره ووجعت عينه، فجعل يضرب برأسه الجدار حتّى هلك. وفي رواية الكلبي: أتاه جبرئيل وهو قاعد في ظل شجرة ومعه غلام له فجعل ينطح رأسه بالشجرة ويضرب وجهه بالشوك واستغاث بغلامه، فقال غلامه: لا أرى أحداً يصنع بك شيئاً غير نفسك حتّى مات وهو يقول: قتلني ربّ محمّد. ومرَّ به الأسود بن عبد يغوث فقال جبرئيل: كيف تجد هذا؟ فقال: "بئس عبد الله، على أنه خالي"، فقال: قد كفيت، وأشار إلى بطنه فشقّ بطنه فمات حينها. وفي رواية الكلبي: أنه خرج من أهله فأصابه السموم فاسودّ حتّى عاد حبشياً فأتى أهله فلم يعرفوه فأغلقوا دونه الباب هو يقول: قتلني ربّ محمّد. ومرَّ به الحرث بن قيس، فقال جبرئيل (عليه السلام): يا محمّد كيف تجد هذا؟ قال: "عبد سوء" فأومأ إلى رأسه وقال: قد كفيت، فأمتخط قيحاً فقتله . تفسير : وقال ابن عبّاس: إنه أكل حوتاً مالحاً فأصابه العطش فلم يزل يشرب عليه من الماء حتّى اتّقد بطنه فمات، فذلك قوله تعالى: {إِنَّا كَفَيْنَاكَ ٱلْمُسْتَهْزِئِينَ} يعنى بك وبالقرآن. {ٱلَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلـٰهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} وعيدهم {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ}. قال ابن عبّاس: فصلِّ يا محمّد لربك. {وَكُنْ مِّنَ ٱلسَّاجِدِينَ} المتواضعين. وقال الضحاك: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ} قل سبحان الله وبحمده {وَكُنْ مِّنَ ٱلسَّاجِدِينَ} أي المصلين. ويروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا حزنه أمر فزع إلى الصلاة. {وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ} يعني الموت، ومجازه: الموفق به. روى يونس بن زيد عن ابن شهاب: أن خارجة بن زيد بن ثابت أخبره حديث : "عن أم العلاء امرأة من الأنصار قد بايعت النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته أنهم اقتسموا المهاجرين قرعة قالت: فصار لنا عثمان ابن مظعون فأنزلناه في أبياتنا فوجع وجعه الذي مات فيه، فلما توفي وغسّل وكفّن في ثوبه دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: ياعثمان بن مظعون رحمة الله عليك أبا السائب فشهادتي عليك لقد أكرمك الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما يدريك أن الله أكرمه" قالت: فقلت: بأبي أنت يارسول الله فمه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أمّا هو فقد جاءه اليقين ووالله إني لأرجو له الخير" . تفسير : قالوا: فلما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما أوحي إليَّ أن أجمع المال وأكون من التاجرين، ولكن أوحي إليَّ أن سبح بحمد ربك وكن من الساجدين واعبد ربك حتّى يأتيك اليقين ".

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وهنا يمتنُّ الحق سبحانه على رسوله صلى الله عليه وسلم بأنه يكفيه أنْ أنزلَ عليه القرآن الكتاب المعجزة، والمنهج الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خَلْفه. فالقرآن يضمُّ كمالاتِ الحق التي لا تنتهي؛ فإذا كان سبحانه قد أعطاك ذلك، فهو أيضاً يتحمَّل عنك كُلَّ ما يُؤلِمك. والحق سبحانه هو القائل: {أية : وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ} تفسير : [الحجر: 97]. ويقول له الحق أيضاً: {أية : قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ ٱلَّذِي يَقُولُونَ ..} تفسير : [الأنعام: 33]. وأزاح الحق سبحانه عنه هموم اتهامهم له بأنه ساحر أو مجنون؛ وقال له سبحانه: {أية : فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَـٰكِنَّ ٱلظَّالِمِينَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ} تفسير : [الأنعام: 33]. ويكشف له سبحانه: إنهم يؤمنون أنك يا محمد صادق، ولكنهم يتظاهرون بتكذيبك. ويتمثَّل امتنانُ الحق سبحانه على رسوله أنه أنزل عليه السَّبْع المثاني، واتفق العلماء على أن كلمة "المثاني" تعني فاتحة الكتاب، فلا يُثنَّى في الصلاة إلا فاتحة الكتاب. ونجده سبحانه يَصِف القرآنَ بالعظيم؛ وهو سبحانه يحكم بعظمة القرآن على ضَوْء مقاييسه المُطْلقة؛ وهي مقاييس العظمة عنده سبحانه. والمثَل الآخر على ذلك وَصفْه سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم: {أية : وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ} تفسير : [القلم: 4]. وهذا حُكْم بالمقاييس العُلْيا للعظمة، وهكذا يصبح كُلّ متاع الدنيا أقلَّ مِمَّا وهبه الحق سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم، فلا ينظرَنَّ أحدٌ إلى ما أُعطِىَ غيره؛ فقد وهبه سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم. ونلحظ أن الحق سبحانه قد عطف القرآن على السَّبْع المثاني، وهو عَطْف عام على خَاصٍّ؛ كما قال الحق سبحانه: {أية : حَافِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَاتِ وٱلصَّلاَةِ ٱلْوُسْطَىٰ ..} تفسير : [البقرة: 238]. ونفهم من هذا القول أن الصلاة تضمُّ الصلاة الوُسْطى أيضاً، وكذلك مثل قول الحق ما جاء على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم: {أية : رَّبِّ ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ ..} تفسير : [نوح: 28]. وهكذا نرى عَطْف عام على خاص، وعَطْف خاص على عام. أو: أنْ نقولَ: إن كلمة "قرآن" تُطلَق على الكتاب الكريم المُنزَّل على رسول الله صلى الله عليه وسلم من أول آية في القرآن إلى آخر آية فيه، ويُطلق أيضاً على الآية الواحدة من القرآن؛ فقول الحق سبحانه: {أية : مُدْهَآمَّتَانِ} تفسير : [الرحمن: 64]. هي آية من القرآن؛ وتُسمَّى أيضاً قرآناً. ونجده سبحانه يقول: {أية : إِنَّ قُرْآنَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً} تفسير : [الإسراء: 78]. ونحن في الفجر لا نقرأ كل القرآن، بل بعضاً منه، ولكن ما نقرؤه يُسمَّى قرآناً، وكذلك يقول الحق سبحانه: {أية : وَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ حِجَاباً مَّسْتُوراً} تفسير : [الإسراء: 45]. وهو لا يقرأ كُلَّ القرآن بل بعضه، إذن: فكلُّ آية من القرآن قرآن. وقد أعطى الحق سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم السَّبْع المثاني والقرآن العظيم، وتلك هي قِمَّة العطايا؛ فلله عطاءاتٌ متعددة؛ عطاءات تشمل الكافر والمؤمن، وتشمل الطائع والعاصي، وعطاءات خاصة بمَنْ آمن به؛ وتلك عطاءات الألوهية لمَنْ سمع كلام ربِّه في "افعل" و "لا تفعل". وسبحانه يمتد عطاؤه من الخَلْق إلى شَرْبة الماء، إلى وجبة الطعام، وإلى الملابس، وإلى المَسْكن، وكل عطاء له عُمْر، ويسمو العطاء عند الإنسان بسُمو عمر العطاء، فكل عطاء يمتدُّ عمره يكون هو العطاء السعيد. فإذا كان عطاء الربوبية يتعلَّق بمُعْطيات المادة وقوام الحياة؛ فإن عطاءات القرآن تشمل الدنيا والآخرة؛ وإذا كان ما يُنغِّص أيَّ عطاء في الدنيا أن الإنسانَ يُفارقه بالموت، أو أن يذوي هذا العطاء في ذاته؛ فعطاء القرآن لا ينفد في الدنيا والآخرة. ونعلم أن الآخرة لا نهايةَ لها على عكس الدنيا التي لا يطول عمرك فيها بعمرها، بل بالأجل المُحدَّد لك فيها. وإذا كانت عطاءاتُ القرآن تحرس القيم التي تهبُك عطاءات الحياة التي لا تفنَى وهي الحياة الآخرة؛ فهذا هو أَسْمى عطاء، وإياك أن تتطلعَ إلى نعمة موقوتة عند أحد منهم من نِعَم الدنيا الفانية؛ لأن مَنْ أُعطِي القرآن وظنَّ أن غيره قد أُعْطِي خيراً منه؛ فقد حقر ما عَظَّم الله. وما دام الحق سبحانه قد أعطاك هذا العطاء العظيم، فيترتب عليه قوله: {لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي} معناه فَاتحةُ الكِتاب لأَِنهُ يثنَّى بِهَا فِي كُلِّ صَلاَةٍ. ويقالُ: السَّبعُ الطّوالُ. البَقرةُ، وآلُ عِمران، والنِّساءُ والمَائدةُ، والأَنعامُ، والأَعرافُ، ويونسُ. والمَثاني: يقالُ يُثنّى فِيها القَضاءُ والقَصصُ ويقالُ: القُرآنُ كُلُّهُ مَثانٍ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يقول تعالى ممتنًّا على رسوله { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي } وهن -على الصحيح- السور السبع الطوال: " البقرة " و " آل عمران " و " النساء " و " المائدة " و " الأنعام " و " الأعراف " و " الأنفال " مع " التوبة " أو أنها فاتحة الكتاب لأنها سبع آيات، فيكون عطف " القرآن العظيم " على ذلك من باب عطف العام على الخاص، لكثرة ما في المثاني من التوحيد، وعلوم الغيب، والأحكام الجليلة، وتثنيتها فيها. وعلى القول بأن " الفاتحة " هي السبع المثاني معناها: أنها سبع آيات، تثنى في كل ركعة، وإذا كان الله قد أعطاه القرآن العظيم مع السبع المثاني كان قد أعطاه أفضل ما يتنافس فيه المتنافسون، وأعظم ما فرح به المؤمنون، {أية : قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون } تفسير : ولذلك قال بعده: { لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ } أي: لا تعجب إعجابا يحملك على إشغال فكرك بشهوات الدنيا التي تمتع بها المترفون، واغترَّ بها الجاهلون، واستغن بما آتاك الله من المثاني والقرآن العظيم، { وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ } فإنهم لا خير فيهم يرجى، ولا نفع يرتقب. فلك في المؤمنين عنهم أحسن البدل وأفضل العوض، { وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ } أي: ألن لهم جانبك، وحسِّن لهم خلقك، محبة وإكراما وتودُّدا، { وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ } أي: قم بما عليك من النذارة وأداء الرسالة والتبليغ للقريب والبعيد والعدو والصديق، فإنك إذا فعلت ذلك فليس عليك من حسابهم من شيء، وما من حسابك عليهم من شيء. وقوله: { كَمَا أَنزلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ } أي: كما أنزلنا العقوبة على المقتسمين على بطلان ما جئت به، الساعين لصد الناس عن سبيل الله. { الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ } أي: أصنافا وأعضاء وأجزاء، يصرفونه بحسب ما يهوونه، فمنهم من يقول: سحر ومنهم من يقول: كهانة ومنهم من يقول: مفترى إلى غير ذلك من أقوال الكفرة المكذبين به، الذين جعلوا قدحهم فيه ليصدوا الناس عن الهدى. { فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } أي: جميع من قدح فيه وعابه وحرفه وبدله { عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ } وفي هذا أعظم ترهيب وزجر لهم عن الإقامة على ما كانوا عليه. ثم أمر الله رسوله أن لا يبالي بهم ولا بغيرهم وأن يصدع بما أمر الله ويعلن بذلك لكل أحد ولا يعوقنه عن أمره عائق ولا تصده أقوال المتهوكين، { وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ } أي: لا تبال بهم واترك مشاتمتهم ومسابتهم مقبلا على شأنك، { إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ } بك وبما جئت به وهذا وعد من الله لرسوله، أن لا يضره المستهزئون، وأن يكفيه الله إياهم بما شاء من أنواع العقوبة. وقد فعل تعالى فإنه ما تظاهر أحد بالاستهزاء برسول الله صلى الله عليه وسلم وبما جاء به إلا أهلكه الله وقتله شر قتلة. ثم ذكر وصفهم وأنهم كما يؤذونك يا رسول الله، فإنهم أيضا يؤذون الله ويجعلون معه { إِلهًا آخَرَ } وهو ربهم وخالقهم ومدبرهم { فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } غب أفعالهم إذا وردوا القيامة، { وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ } لك من التكذيب والاستهزاء، فنحن قادرون على استئصالهم بالعذاب، والتعجيل لهم بما يستحقون، ولكن الله يمهلهم ولا يهملهم. فأنت يا محمد { فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ } أي: أكثر من ذكر الله وتسبيحه وتحميده والصلاة فإن ذلك يوسع الصدر ويشرحه ويعينك على أمورك.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 477 : 9 : 1 - حدثنا سفين عن منصور عن بن عباس في قوله {سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي} قال، السبع الطوال. [الآية 87]. 478 : 10 : 2 - سفين عن السدي عن عبد خير عن علي بن أبي طالب قال، فاتحة الكتاب.

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي} [87] 295- أنا محمد بن بشار، نا يحيى، نا شُعبة، حدثني خُبَيب ابن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن أبي سعيد بن المُعلَّى، قال: حديث : مرَّ بي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا في المسجد، فدعاني، فلم آته، قال: "ما منعك أن تأتيني" قلت: إني كُنت أصلي، قال: "ألم يقل الله عز وجل: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال: 24] قال: "ألا أعلمك أفضل سورة في القرآن قبل أن أخرج؟" فلما ذهب يخرج، ذكرت ذلك له قال: فقال: "الحمد لله رب العالمين" هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته ". تفسير : 296- أنا علي بن حُجْر، أنا شريك، عن أبي إسحاق. أنا أحمد بن سليمان، نا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، في قوله: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي وَٱلْقُرْآنَ ٱلْعَظِيمَ} قال: البقرة وآل عمران والنساء والأعراف والأنعام والمائدة. قال شريك: السبع الطُوَل. ذيل التفسير قوله تعالى: [{وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي} [87]] 14/ 749- أخبرنا الحسين بن حُريث، قال: حدثنا الفضل بن موسى، عن عبد الحميد بن جعفر، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن أُبيِّ بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما أَنزَل الله عز وجل في التوراة ولا في الإنجيل مثل أمِّ القرآن، وهي السَّبع المثاني، وهي مقسومة بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل ".

همام الصنعاني

تفسير : 1456- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادَةَ، في قوله: {سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي}: [الآية: 87]، قال: فاتحة الكتاب، تُثنَّى في كل ركعةٍ مكْتُوبَةٍ أو تطوّع. 1457- عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن ابن طاوس، عن أبيه وعن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: القرآن كله يُثَنَّى. 1458- عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن ابن خُثَيْم، عن ابن لبيبه، عن أبي هُرَيْرة: قال: فاتحة الكتاب هي سبع من المثاني ليبس فيها بسم الله الرحمن الرحيم. 1459- حدثنا عبد الرزاق، عن ابن جريج قال: أخبرني أبي، أن سعيد بن جبير أخبره أن ابن عباس قال: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي}: [الآية: 87]، أم القرآن وقرأها عَلَيَّ سعيد بن جبير بسم الله الرحمن الرحيم حتى خَتَمَها. ثم قال: بسم الله الرحمن الرحيم الآية السابعة، قال سعيد بن جبير: وقرأها عليَّ ابن عباس كما قرأتها عليك، ثم قال: بسم الرحمن الرحيم، الآية السابعة. قال ابن عباس: فقد أخرجها الله لكم فمَا أخْرَجَهَا لأحَدٍ قبْلكُمْ. 1460- حدثنا عبد الرزاق، عن [مَعْمَر]، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: هي أم القرآن والآية السَّابعة: بسم الله الرحمن الرحيم.