١٥ - ٱلْحِجْر
15 - Al-Hijr (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
88
Tafseer
القرطبي
تفسير : فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: {لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ} المعنى: قد أغنيتك بالقرآن عما في أيدي الناس؛ فإنه ليس منا من لم يتغنّ بالقرآن؛ أي ليس منا من رأى أنه ليس يَغْنَى بما عنده من القرآن حتى يطمح بصره إلى زخارف الدنيا وعنده معارف المولى. يقال: إنه وافى سبع قوافل من بُصْرَى وأذْرِعات ليهود قُريظة والنّضِير في يوم واحد، فيها البُرّ والطِّيب والجوهر وأمتعة البحر، فقال المسلمون: لو كانت هذه الأموال لنا لتقوينا بها وأنفقناها في سبيل الله، فأنزل الله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي} أي فهي خير لكم من القوافل السبع، فلا تمدّن أعينكم إليها. وإلى هذا صار ابن عُيينة، وأورد قوله عليه السلام: «حديث : ليس منا من لم يتغنّ بالقرآن»تفسير : أي من لم يستغن به. وقد تقدّم هذا المعنى في أوّل الكتاب. ومعنى {أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ} أي أمثالاً في النعم، أي الأغنياء بعضهم أمثال بعض في الغنى، فهم أزواج. الثانية: هذه الآية تقتضي الزجر عن التشوّف إلى متاع الدنيا على الدوام، وإقبال العبد على عبادة مولاه. ومثله {أية : وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ زَهْرَةَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} تفسير : [طهۤ: 131] الآية. وليس كذلك؛ فإنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : حُبِّبَ إليّ من دنياكم النساء والطيب وجُعلت قُرّةُ عيني في الصلاة»تفسير : . وكان عليه الصلاة والسلام يتشاغل بالنساء، جِبِلّة الآدمية وتشوّف الخِلقة الإنسانية، ويحافظ على الطيب، ولا تقرّ له عين إلا في الصلاة لدى مناجاة المولى. ويرى أن مناجاته أحْرى من ذلك وأولى. ولم يكن في دين محمد الرهبانية والإقبال على الأعمال الصالحة بالكلية كما كان في دين عيسى، وإنما شرع الله سبحانه حنيفية سمحة خالصة عن الحرج خفيفة على الآدميّ، يأخذ من الآدمية بشهواتها ويرجع إلى الله بقلب سليم. ورأى القراء والمخلصون من الفضلاء الانكفافَ عن اللذات والخلوص لرب الأرض والسموات اليوم أولى؛ لما غَلب على الدنيا من الحرام، وٱضطرّ العبد في المعاش إلى مخالطة من لا تجوز مخالطته ومصانعة من تحرم مصانعته، فكانت القراءة أفضل، والفرار عن الدنيا أصوب للعبد وأعدل؛ قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : يأتي على الناس زمان يكون خير مال المسلم غَنَماً يتبع بها شَعَف الجبال ومواقع القطر يفرُّ بدينه من الفتن2.تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ} أي ولا تحزن على المشركين إن لم يؤمنوا. وقيل: المعنى لا تحزن على ما مُتِّعوا به في الدنيا فلك في الآخرة أفضلُ منه. وقيل: لا تحزن عليهم إن صاروا إلى العذاب فهم أهل العذاب. {وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ} أي ألِنْ جانبك لمن آمن بك وتواضَعْ لهم. وأصله أن الطائر إذا ضمّ فرخه إلى نفسه بسط جناحه ثم قبضه على الفرخ، فجعل ذلك وصفاً لتقريب الإنسان أتباعه. ويقال: فلان خافض الجناح، أي وقور ساكن. والجناحان من ٱبن آدم جانباه؛ ومنه {أية : وَٱضْمُمْ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ} تفسير : [طه: 22] وجناح الطائر يده. وقال الشاعر:شعر : وحسبك فتيةٌ لزعيم قوم يمدّ على أخي سُقم جناحا تفسير : أي تواضعاً وليناً.
البيضاوي
تفسير : {لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ} لا تطمح ببصرك طموح راغب. {إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ } أصنافاً من الكفار، فإنه مستحقر بالإضافة إلى ما أوتيته فإنه كمال مطلوب بالذات مفض إلى دوام اللذات. وفي حديث أبي بكر رضي الله تعالى عنه «حديث : من أوتي القرآن فرأى أن أحداً أوتي من الدنيا أفضل مما أوتي فقد صغر عظيماً وعظم صغيراً»تفسير : وروي «أنه عليه الصلاة والسلام وافى بأذرعات سبع قوافل ليهود بني قريظة والنضير فيها أنواع البز والطيب والجواهر وسائر الأمتعة، فقال المسلمون: لو كانت هذه الأموال لنا لتقوينا بها وأنفقناها في سبيل الله فقال لهم:حديث : لقد أعطيتم سبع آيات هي خير من هذه القوافل السبع»تفسير : {وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ } أنهم لم يؤمنوا. وقيل إنهم المتمتعون به. {وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ } وتواضع لهم وارفق بهم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا } أصنافاً {مِّنْهُمْ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ } إن لم يؤمنوا {وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ } ألن جانبك {لِلْمُؤْمِنِينَ }.
ابن عبد السلام
تفسير : {أَزْوَاجاً} أشباهاً، أو أصنافاً، أو الأغنياء {وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ} بما أنعمت عليهم في الدنيا أو بما يصيرون إليه من كفرهم {وَاخْفِضْ} عبّر به عن الخضوع، أو عن إلانة الجانب، نزل بالرسول صلى الله عليه وسلم ضيف فلم يكن عنده ما يصلحه فأرسل إلى يهودي يستسلف منه دقيقاً إلى هلال رجب، فأبى إلا برهن، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: "حديث : إني لأمين في السماء أمين في الأرض ولو أسلفني لأديت إليه " تفسير : فنزلت {لا تَمُدَّنَّ}.
النسفي
تفسير : {لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ } أي لا تطمح ببصرك طموح راغب فيه متمن له {إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ} أصنافاً من الكفار كاليهود والنصارى والمجوس يعني قد أوتيت النعمة العظمى التي كل نعمة وإن عظمت فهي إليها حقيرة وهي القرآن العظيم فعليك أن تستغني به ولا تمدن عينيك إلى متاع الدنيا. وفي الحديث «حديث : ليس منا من لم يتغن بالقرآن»تفسير : وحديث أبي بكر «حديث : من أوتي القرآن فرأى أن أحداً أوتي من الدنيا أفضل مما أوتي فقد صغّر عظيماً وعظم صغيراً»تفسير : {وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ } أي لا تتمن أموالهم ولا تحزن عليهم أنهم لم يؤمنوا فيتقوى بمكانهم الإسلام والمسلمون {وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ } وتواضع لمن معك من فقراء المؤمنين وطب نفساً عن إيمان الأغنياء {وَقُلْ } لهم {إِنِّى أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ } أنذركم ببيان وبرهان أن عذاب الله نازل بكم
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ }: حكى الطبريُّ عن سفيانَ بْنِ عُيَيْنة؛ أَنه قال: هذه الآيةُ آمرة بٱلاستغناءِ بكتابِ اللَّهِ عَنْ جميع زينَةِ الدنْيَا. قال * ع *: فكأنه قال: آتَينَاك عظيماً خطيراً، فلا تَنظر إِلى غيْرِ ذلك من أمورِ الدنيا وزينَتِها التي مَتَّعْنا بها أنواعاً من هؤلاءِ الكَفَرَةِ؛ ومن هذا المعنَى: قولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: « حديث : مَنْ أُوتِيَ القُرْآنَ، فَرَأَى أَنَّ أَحَداً أُعْطِيَ أَفْضَلَ مِمَّا أُعْطِيَ، فَقَدْ عَظَّمَ صَغِيراً وَصَغَّرَ عظيماً ». تفسير : * ت *: وفي «صحيح مسلم» عن أبي سعيد قال: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَخَطَبَ النَّاسَ، فَقَالَ: « حديث : لا وَاللَّهِ، مَا أَخْشَى عَلَيْكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ، إِلاَّ مَا يُخْرِجُ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا... » تفسير : الحديث، وفي رواية: « حديث : أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ مَا يُخْرِجُ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا»، قَالُوا: وَمَا زَهْرَةُ الدُّنْيَا، يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: « بَرَكَاتُ الأَرْضِ... » تفسير : الحديث، وفي روايةٍ: « حديث : إِنَّ مِمَّا أَخَافُ عَلَيْكُمْ بَعْدِي مَا يُفْتَحُ لَكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا... » تفسير : الحديثَ، انتهى. والأحاديثُ في هذه البابِ أكثرُ من أنْ يحصيها كتابٌ، قال الغَزَّالِيُّ في «المنهاج»: وإِذا أنعم اللَّهُ عَلَيْكَ بنعمةَ الدِّينِ، فإِيَّاكَ أَنْ تَلتفتَ إِلى الدنيا وحُطَامها، فإِن ذلك منك لا يكُونُ إِلاَّ بضَرْبٍ من التهاوُنِ بما أولاكَ مَوْلاَكَ مِنْ نعمِ الدارَيْنِ؛ أَمَا تَسمعُ قولَهُ تعالَى لسيِّد المرسلين: {وَلَقَدْ آتَيْنَـٰكَ سَبْعًا مِّنَ ٱلْمَثَانِي وَٱلْقُرْآنَ ٱلْعَظِيمَ * لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ...} الآية، تقديره: إِن من أوتي القرآن العظيمَ حُقَّ له ألاَّ ينظر إِلى الدنيا الحقيرةِ نظرةً بٱستحلاءٍ، فضلاً عن أنْ يكون له فيها رغبةٌ، فليلتزم الشكْرَ على ذلك، فإِنه الكرامة التي حَرَصَ عليها الخليلُ لأَبيهِ، والمصطفى عليه السلام لعمِّه، فلم يفعلْ، وأما حطامُ الدنيا، فإِن اللَّه سبحانه يصبُّه علَى كلِّ كافرٍ وفرعونٍ وملحِدٍ وزنديقٍ وجاهلٍ وفاسقٍ؛ الذين هم أهْوَنُ خَلْقِهِ عليه، ويَصْرِفُه عن كلِّ نبيٍّ وصفيٍّ وصِدِّيقٍ وعالمٍ وعابدٍ؛ الذين هم أَعَزُّ خَلْقِهِ عليه؛ حتى إِنهم لا يكادُونَ يُصِيبُونَ كِسْرةً وخِرْقَةً، ويمنُّ عليهم سبحانه بأَلاَّ يلطخهم بقَذَرها، انتهى. وقال ابنُ العَرَبِيِّ في «أحكامه»: قوله تعالى: {لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ }: المعنى: أعطيناكَ الآخِرَةَ، فلا تنظُرْ إِلى الدنيا، وقد أعطيناك العلْم، فلا تتشاغلْ بالشهواتِ، وقد مَنَحْنَاكَ لَذَّةَ القَلْب، فلا تنظر إِلى لذة البَدَن، وقد أعطينَاكَ القرآن، فٱستغْنِ به، فمَنِ ٱستغنَى به، لا يطمَحُ بنظره إِلى زخارف الدنيا، وعنده مَعَارِفُ المولَى، حَيِيَ بالباقِي، وفَنِيَ عن الفاني. انتهى. وقوله سبحانه: {وَقُلْ إِنِّي أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ * كَمَآ أَنزَلْنَا عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ }. قال * ع *: والذي أقولُ به في هذا: المعنَى: وقل أنا نذيرٌ، كما قال قبلك رُسُلنا، ونزَّلنا عليهم كما أنزلنا عليك، وٱختلف في {ٱلْمُقْتَسِمِينَ }، مَنْ هُمْ؟ فقال ابن عباس، وابن جُبَيْر: «المقتسمون»: هم أهْلُ الكتابِ الذينَ فَرَّقوا دينهم، وجَعَلُوا كتابَ اللَّهِ أعضاءً، آمنوا ببعضٍ، وكَفَروا ببعض؛ وقال نحْوَه مجاهدٌ، وقالت فرقةٌ: «المقتسمون»: هم كفَّار قريشٍ جعلوا القرآن سِحْراً وشِعْراً وَكَهَانة، وجعلوه أعضاءً بهذا التقسيم، وقالت فرقة: «عِضِينَ»: جمعُ عضةَ، وهي ٱسْمٌ للسحْرِ خاصَّة بلغةِ قريشٍ؛ وقالَه عكرمة. * ت *: وقال الواحديُّ: كما أنزلنا عذاباً على المقتسمين الذينَ ٱقْتَسَمُوا طُرُقَ مكَّة يصُدُّون الناسَ عن الإِيمان. انتهى من «مختصره».
البقاعي
تفسير : ولما كان ما أوتيه وما سيؤتاه أعظم ما أوتيه مخلوق، اتصل به قوله: {لا تمدن عينيك} أي مداً عظيماً بالتمني والاشتهاء المصمم، ولذلك ثنى العين احتزازاً عن حديث النفس {إلى ما متعنا} أي على عظمتنا {به أزواجاً} أي أصنافاً {منهم} أي أهل الدنيا؛ أو يقال: إنه لما كان المقصود لكل ذي لب إنما هو التبليغ بدار الفناء إلى دار البقاء، المؤكد إتيانها في الآية السابقة، وكان القرآن - كما تقدم - كفيلاً بذلك، وسلاه صلى الله عليه وعلى آله وسلم عما يؤذونه من أقوالهم، وتبين من ذلك علو درجته، توقع السامع ذكر ما أسبغ عليه من النعم فقال تعالى؛ أو يقال: إنه لما أمره سبحانه بالصبر على أذاهم، علل ذلك مما معناه أنهم خلقه، وأنه منفرد بالخلق، وهو بليغ العلم بأفعالهم مريد لها، فليس الفعل في الحقيقة إلا له، وعلى المحب أن يرضى بفعل حبيبه من حيث إنه فعله، ولما كان التقدير: فهو الذي خلقهم، وعلم قبل خلقهم ما يفعلون، عطف عليه تسلية له صلى عليه وعلى آله وسلم قوله {ولقد آتيناك} أي بما لنا من العظمة كما أتينا صالحاً ما تقدم {سبعاً من المثاني} يكون كل سبع منها كفيلاً بإغلاق باب من أبواب النيران السبعة، وهي أم القرآن الجامعة لجميع معاني القرآن التي أمرنا بإعادتها في كل ركعة، زيادة في حفظها، وتبركاً بلفظها، وتذكيراً لمعانيها، تخصيصاً لها عن بقية الذكر الذي تكلفنا بحفظه {و} آتيناك {القرآن العظيم} الجامع لجميع معاني الكتب السماوية المتكفلة بخيري الدارين مع زيادات لا تحصى، المشار إلى عظمته أول السورة بالتنوين ووصفه بأنه مبين للبراهين الساطعة على نبوتك، والأدلة القاطعة على رسالتك، الدالة على الله الموصلة إليه، والآية مع ذلك دليل على العلم المختتم به ما قبلها، فكأنه قيل: فماذا أعمل؟ فقيل في معنى {ذرهم يأكلوا}: {لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم} اكتفاء بهذا البلاغ العظيم الذي من تحلى به وأشربه قلبه أراه معايب هذه الدار فبغضه فيها وأشرف به على ما أمامه {ولا تحزن عليهم} لكونهم لم يؤمنوا فيخلصوا أنفسهم من النار، ويقوى بهم جانب الإسلام، وكأن هذا هو الصفح المأمور به، وهو الإعراض عنهم أصلاً ورأساً إلا في أمر البلاغ. ولما أمره في عشرتهم بما أمر، أتبعه أمره بعشرة أصحابه رضي الله عنهم بالرفق واللين فقال تعالى: {واخفض} أي طأطىء {جناحك للمؤمنين *} أي العريقين في هذا الوصف، واصبر نفسك معهم، واكتفِ بهم، فإن الله جاعل فيهم البركة، وناصرك ومعز دينك بهم، وغير محوجك إلى غيرهم، فمن أراد شقوته فلا تلتفت إليهم، وهذا كناية عن اللين، وأصله أن الطائر إذا ضم الفرخ إليه بسط جناحه ثم قبضه عليه - قاله أبو حيان؛ وفي الجزء العاشر من الثقفيات عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "حديث : المؤمن لين حتى تخاله من اللين أحمق ". تفسير : ولما كان الغالب على الخلق التقصير، قال له: {وقل} أي للفريقين، مؤكداً لما للكفار من التكذيب، ولما للمؤمنين به من طيب النفس: {إني أنا} أي لا غيري من المنذرين بالأعداء الدنيوية {النذير المبين *} لمن تعمد التقصير، إنذاري منقذ له من ورطته، لأنه محتف بالأدلة القاطعة. ولما ذكر ما التحم بقصة أصحاب الحجر المقتسمين على قتل رسولهم، وختمه بالإنذار الذي هم أهله، عاد إلى تتميم أمرهم فشبههم بمن كذب من هذه الأمة فقال: {كما} أي كذب أولئك وآتيناهم آياتنا فأعرضوا عنها ففعلنا بهم من العذاب ما هم أهله مثل ما {أنزلنا} أي بعظمتنا من الآيات {على المقتسمين *} أي مثلهم من قريش حيث اقتسموا شعاب مكة، ينفرون الناس عنك ويفرقون القول في القرآن، فلا تأس عليهم لتكذيبهم وعنادهم مع رؤيتهم الآيات البينات، فإن سنتنا جرت بذلك فيمن أردنا شقوته كقوم صالح؛ ثم قال: {الذين} أي مع أنهم تقاسموا على قتلك واقتسموا طرق مكة للتنفير عنك {جعلوا القرءان} بأقوالهم {عضين *} أي قسموا القول فيه والحال أنه جامع المعاني، لا متفرق المباني - منتظم التأليف أشد انتظام. متلائم الارتباط أحكم التئام، كما قدمنا الإشارة إليه بتسميته كتاباً وقرآناً، وختمنا بأن ذلك على وجه الإبانة لاخفاء فيه، فقولهم كله عناه، فقالوا: سحر، وقالوا: شعر، وقالوا: كهانة، وقالوا: أساطير الأولين - وغير ذلك، أنزلنا عليهم آياتنا البينات وأدلتنا الواضحات، فأعرضوا عنها واشتغلوا بما لا ينفعهم من التعنت وغيره دأب أولئك فليرتقبوا مثل ما حل بهم، ومثلهم كل من تكلم في القرآن بمثل ذلك مما لا ينبغي من العرب وغيرهم؛ وروى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما {جعلوا القرآن عضين} قال: هم أهل الكتاب: اليهود والنصارى، جزؤوه أجزاء فآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه. وسيأتي معنى هذه اللفظة {فوربك} أي فتسبب عن فعلهم هذا أنا نقسم بالموجد لك، المدبر لأمرك، المحسن إليك بإرسالك {لنسئلنهم أجمعين *} أي هؤلاء وأولئك {عما كانوا} أي كوناً هو جبلة لهم {يعملون *} أي من تعضية القرآن وغيرها لأنا نسأل كلاًّ عما صنع {فاصدع} أي اجهر بعلو وشدة، فارقاً بين الحق والباطل بسبب ذلك {بما تؤمر} به من القرآن وكتاب مبين {وأعرض} أي إعراض من لا يبالي {عن المشركين *} بالصفح الجميل عن الأذى والاجتهاد في الدعاء، ويؤيد أن قوله { كما} راجع إلى قصة صالح ومتعلق بها - وإن لم أر من سبقني إليه - ذكرُ الوصف الذي به تناسبت الآيتان وهو الاقتسام، ثم وصف المقتسمين بالذين جعلوا القرآن عضين، لئلا يظن أنهم الذين تقاسموا في بيات صالح، أي أتينا أولئك الآيات المقتضية للإيمان فما كان منهم إلا التكذيب والتقاسم كما أنزلنا على هؤلاء الآيات فما كان منهم إلا ذلك، وإنما عبر في أولئك بـ { ءاتيناهم} لأن آياتهم الناقة وولدها والبئر، وهي معطاة محسوسة، لا منزلة معقولة، وقال في هؤلاء أنزلنا إشارة إلى القرآن الذين هو أعظم الآيات، أو إلى الجميع وغلب عليها القرآن لأنه أعظمها، وإلى أنهم مبطلون في جحدهم وأنه لا ينبغي لهم أن يتداخلهم نوع شك في أنه منزل لأنه أعظم من تلك الآيات مع كونها محسوسات، وأما اعتراض ما بينهما من الآيات فمن أعظم أفانين البلاغة، فإنه لما أتم قصة صالح عليه السلام، علم أنه المتعنتين ربما قالوا: لأيّ شيء يخلقهم ثم يهلكهم مع علمه بعدم إجابتهم؟ فرد عليهم بأنه ما خلق {السماوات والأرض وما بينهما} من هؤلاء المعاندين ومن أفعالهم وعذابهم وغير ذلك { إلا بالحق وإن الساعة لآتية} فيعلم ذلك كله بالعيان من يشك فيه الآن، وذلك حين يكشف الغطاء عن البصائر والأبصار فاصفح عنهم، فإنه لا بد من الأخذ لك بحقك، إن لم يكن في الدنيا ففي يوم الجمع، ثم أكد التصرف بالحكمة بقوله {إن ربك هو الخلاّق العليم} ثم سلاه - عما يضيّقون به صدره من التكذيب بالساعة، وأن الوعد بها إنما هو سحر، ونحو ذلك من القول، ومن افتخارهم بأموالهم ونسبته إلى الحاجة إلى المشي بالأسواق - بما آتاه من كنوز القرآن، وأمره بأن يزيد في التواضع واللين للمؤمنين لتطيب نفوسهم فلا يأسوا على ما فاتهم من الدنيا، وأن ينذر الجميع ويحذرهم من سطوات الله أمثال ما أنزل بالأقدمين، ثم عاد إليهم فشبههم بهؤلاء في التكذيب ليعلم أنهم أجدر منهم بالعذاب لأنهم مشبه بهم، والمشبه به أعلى من المشبه، وذلك لكونهم أشد كفراً لأن نبيهم أعظم وآياته أجل وأكثر، وأجلى وأبهر، فيكون ذلك سبب اشتداد حذرهم، ولك أن تقول ولعله أحسن: إنه تعالى لما ذكر أن ثمود سكنوا الأرض سكنى الآمنين. فأزعجتهم عنها صيحه سلبت أرواحهم، وقلبت أشباحهم، كما سيكون لأهل الأرض قاطبة بنفخة الصور، عند نفوذ المقدور، وكان قد قدم ذكر كثير مما في السماوات والأرض من الآيات والعبر بقوله تعالى {ولقد جعلنا في السماء بروجاً} وما بعد ذلك من الجن والإنس وغيرهما مما جعل ذكر اختراعه دليلاً على الساعة، أتبع ذلك أن سبب خلق ذلك كله وما حواه من الخافقين إنما هو الساعة فقال {وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق} أي بالأمر الثابت لا بالتمويه والسحر كما أنتم تشاهدون، أو بسبب إقامة الحق وإبانته من الباطل إبانة لا شك فيها يوم الجمع الأكبر، ومن إقامة الحق تنعيم الطائع وتعذيب العاصي، وذلك بعد إتيان الساعة بنفختي الصور {وإن الساعة لآتيه} بالحق أيضاً، وليست سحراً كما تظنون، ولما كان إتيانها لهذا العرض مما يشفي القلب لإدراك الثأر وهو حق لا بد منه، تسبب عنه قوله تعالى {فاصفح الصفح الجميل}. ولما كانت النفس بخبر الأعلم أوثق، وكان صانع الشيء أعلم به من غيره فكيف إذا كان مع ذلك تام للعلم قال الله تعالى معللاً لذلك {إن ربك} أي المحسن إليك {هو الخلاّق} أي التام القدرة على الإيجاد والإعدام، الفعال لذلك "العليم" البالغ العلم؛ ولما ختم بهذين الوصفين بعد تقدم الأخبار عما أوتى أهل الحجر من الآيات، وأنه خلق الوجود بالحق لا بالتمويه، وكان ذلك موجباً لتوقع الإخبار عما أوتي هذا النبي الكريم منها لإرشاد أمته، وكانت الآيات إما أن تكون من قسم الخلق كآية صالح، أو من قسم الأمر الذي هو مدار العلم، أشار إلى تفضيله صلى الله عليه وسلم بفضل ابنه، فقال عاطفاً على ذلك {ولقد ءاتيناك} أي إن كنا أتينا صالحاً أو غيره آية مضت فلم يبق إلا ذكرها فقد آتيناك {سبعاً من المثاني} وهي الفاتحة التي خصصت بها، ثنى فيها البسملة للمبادىء، والحمدلة للكمالات، والرحمانية والرحيمية فيها للإبداع الأول والمرضي من الأعمال، وملك الدنيا المسمى بالربوبية لكونه مستوراً، وملك يوم الدين، وبينهما رحمانية الإيجاد الثاني بالمعاد ورحيمية الثواب للمرضي من الأسباب، والعبادة التي لا تكون إلا مع القدرة والاختيار، والاستعانة الناظرة إلى العجز عن كمال الاقتدار، والهداية بالهادي والمهدي، والضلال في مقابل ذلك بالمضل والضال، وفي ذلك أسرار لا تسعها الأفكار {والقرآن العظيم} الجامع لجميع الآيات مع كونه حقاً ثابتاً لا سحراً وخيالاً، بل هو آية باقية على وجه الدهر، مستمراً أمرها، دائماً تلاوتها وذكرها، تفني الجبال الرواسي وهي باقية، وتزول السماوات والأراضي وهي جديدة، إذا اصطف عسكر الفجرة قالت كل آية منها هل من مبارز؟ وإن رام عدو مطاولة لتحققه بالضعف صاحت لدوام قوتها: إني أناجز فلا تقوم لها قائم، ولا يحوم حول حماها حائم، ولا يروم خوض بحرها رائم. ولما كانت هذه الآية لصاحبها مغنية، ولمن فاز بقبولها معجبة مرضية، حسن كل الحسن اتباعها بقوله {لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم} ولما كان كفرهم بعد بيانها إنما هو عناد، قال تعالى "ولا تحزن عليهم" ولما كان الغني بها ربما طن حسن أنفة الغنى، عقبه قوله {واخفض جناحك للمؤمنين} ولما كان ربما ظن أن تلاوتها تغني عن الدعاء لا سيما لمن أعرض، نفى ذلك بقوله {وقل إني أنا النذير المبين} تحريضاً على الاجتهاد في التحذير، وتثبيتاً للمؤمنين وإرغاماً للمعاندين، واستجلاباً لمن أراد الله إسعاده من الكافرين، إعلاماً بأن القلوب للمؤمنين بيد الله سبحانه وتعالى، فلا وثوق مع ذلك بمقبل، ولا يأمن عن مدبر. ولما تم ذلك على هذا النظم الرصين، والربط الوثيق المتين، التفت الخاطر إلى حال من يندرهم، وكان كفار قريش - في تقسيمهم القول في القرآن واقتسامهم طرق مكة لإشاعة ذلك البهتان، تنفيراً لمن أراد الإيمان - أشبه شيء بالمقتسمين على صالح عليه السلام، قال تعالى { كما} أي آتينا أولئك المقتسمين آياتنا فكانوا عنها معرضين، مثل ما { أنزلنا} آياتنا { على المقتسمين} أي الذين تقاسموا برغبة كبيرة واجتهاد في ذلك {الذين جعلوا القرآن عضين} أي ذا أعضاء أي أجزاء متفاصلة متباينة مثل أعضاء الجزور إذا قطعت، جمع عضة مثل عدة وأصلها عضوة {فوربك لنسئلنهم أجمعين} أي لا يمتنع علينا منهم أحد {عما كانوا يعملون فاصدع} أي بسبب أمرنا لك بالإنذار وإخبارك أنا نسأل كل واحد عما عمل {بما تؤمر وأعرض عن المشركين}.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله {لا تمدن عينيك ...} الآية. قال: نهى الرجل أن يتمنى مال صاحبه. وأخرج أبو عبيد وابن المنذر، عن يحيى بن أبي كثير: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بإبل حي، يقال لهم بنو الملوح أو بنو المصطلق، قد عنست في أبوالها من السمن. فتقنع بثوبه ومرّ ولم ينظر إليها لقوله {لا تمدن عينيك..} الآية. وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد في قوله {أزواجاً منهم} قال: الأغنياء، الأمثال، الأشباه. وأخرج ابن المنذر عن سفيان بن عيينة قال: من أعطي القرآن فمد عينيه إلى شيء منها، فقد صغر القرآن. ألم تسمع قوله {ولقد آتيناك سبعاً من المثاني ....} إلى قوله {ورزق ربك خير وأبقى} قال: يعني القرآن. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير {واخفض جناحك} قال: اخضع. وأخرج البخاري وسعيد بن منصور والحاكم والفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طرق، عن ابن عباس في قوله {كما أنزلنا على المقتسمين الذين جعلوا القرآن عضين} قال: هم أهل الكتاب، جزأوه أجزاء فآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه. وأخرج ابن جرير من طريق علي، عن ابن عباس {عضين} فرقا. وأخرج الطبراني في الأوسط، عن ابن عباس قال: حديث : سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أرأيت قول الله {كما أنزلنا على المقتسمين} قال: اليهود والنصارى. قال {الذين جعلوا القرآن عضين} قال: آمنوا ببعض وكفروا ببعض . تفسير : وأخرج ابن إسحق وابن أبي حاتم والبيهقي وأبو نعيم معاً في الدلائل، عن ابن عباس أن الوليد بن المغيرة اجتمع إليه نفر من قريش - وكان ذا سن فيهم - وقد حضر الموسم فقال لهم: يا معشر قريش، إنه قد حضر هذا الموسم، وإن وفود العرب ستقدم عليكم فيه وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا فاجمعوا فيه رأياً واحداً، ولا تختلفوا فيُكَذِّب بعضكم بعضاً. فقالوا: أنت فقل، وأتم لنا به رأياً نقول به. قال: لا، بل أنتم قولوا لأسمع. قالوا: نقول كاهن. قال: ما هو بكاهن... لقد رأينا الكهان فما هو بزمزمة الكهان ولا بسجعهم. قالوا: فنقول مجنون. قال: ما هو بمجنون... لقد رأينا الجنون وعرفناه، فما هو بخنقه ولا بحائحه ولا وسوسته. قالوا: فنقول شاعر. قال: ما هو بشاعر.... لقد عرفنا الشعر كله، رَجَزه وهَزَجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه، فما هو بالشعر. قالوا: فنقول ساحر. قال: ما هو بساحر لقد رأينا السحار وسحرهم، فما هو بنفثه ولا بعقده. قالوا: فماذا نقول؟ قال: والله إن لقوله حلاوة؛ وإن عليه طلاوة وإن أصله لعذق وإن فرعه لجناء، فما أنتم بقائلين من هذا شيئاً إلا عرف أنه باطل، وإن أقرب القول أن تقولوا هو ساحر، يفرق بين المرء وأبيه، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجه، وبين المرء وعشيرته. فتفرقوا عنه بذلك. فأنزل الله في الوليد وذلك من قوله {أية : ذرني ومن خلقت وحيداً...} تفسير : [المدثر: 11] إلى قوله {أية : سأصليه سقر...} تفسير : [المدثر: 26] وأنزل الله في أولئك النفر الذين كانوا معه {الذين جعلوا القرآن عضين} أي أصنافاً {فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون}. وأخرج ابن أبي حاتم وابن المنذر، عن مجاهد في قوله {الذين جعلوا القرآن عضين} قال: هم رهط من قريش، عضهوا كتاب الله، فزعم بعضهم أنه سحر وزعم بعضهم أنه كهانة وزعم بعضهم أنه أساطير الأوّلين. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن جرير، عن عكرمة يقول: العضه، السحر بلسان قريش. يقولون للساحرة: إنها العاضهة. وأخرج الترمذي وابن جرير وأبو يعلى وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم {فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون} قال: يسأل العباد كلهم يوم القيامة عن خلتين: عما كانوا يعبدون، وعما أجابوا به المرسلين. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث من طريق علي، عن ابن عباس رضي الله عنهما {فوربك لنسألنهم أجمعين} وقال: {أية : فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان} تفسير : [الرحمن: 39] قال: لا يسألهم هل عملهم كذا وكذا؛ لأنه أعلم منهم بذلك، ولكن يقول: لم عملتم كذا وكذا. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي، عن ابن عباس رضي الله عنهما {فاصدع بما تؤمر} فامضه. وأخرج ابن جرير عن أبي عبيدة، أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: ما زال النبي صلى الله عليه وسلم مستخفياً حتى نزل {فاصدع بما تؤمر} فخرج هو وأصحابه. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو داود في ناسخه من طريق علي، عن ابن عباس رضي الله عنهما {وأعرض عن المشركين} قال: نسخه قوله {أية : فاقتلوا المشركين} تفسير : [التوبة: 5]. وأخرج ابن إسحق وابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {فاصدع بما تؤمر} قال: هذا أمر من الله لنبيه بتبليغ رسالته قومه وجميع من أرسل إليه. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {فاصدع بما تؤمر} قال: اجهر بالقرآن في الصلاة. وأخرج عن ابن زيد في قوله {فاصدع بما تؤمر} قال: بالقرآن الذي أوحي إليه أن يبلغهم إياه. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس {فاصدع بما تؤمر} قال: أعلن بما تؤمر. وأخرج أبو نعيم في الدلائل من طريق السدي الصغير، عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخفياً سنين لا يظهر شيئاً مما أنزل الله حتى نزلت {فاصدع بما تؤمر} يعني: أظهر أمرك بمكة، فقد أهلك الله المستهزئين بك وبالقرآن، وهم خمسة رهط. فأتاه جبريل بهذه الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أراهم أحياء بعد كلهم...". فاهلكوا في يوم واحد وليلة. منهم العاص بن وائل السهمي، خرج في يومه ذلك في يوم مطير فخرج على راحلته يسير وابن له يتنزه ويتغدى، فنزل شعباً من تلك الشعاب. فلما وضع قدمه على الأرض قال: لدغت. فطلبوا فلم يجدوا شيئاً، وانتفخت رجله حتى صارت مثل عنق البعير، فمات مكانه. ومنهم الحارث بن قيس السهمي، أكل حوتاً فأصابه غلبة عطش، فلم يزل يشرب عليه من الماء حتى أنقدّ بطنه، فمات وهو يقول: قتلني رب محمد. ومنهم الأسود بن المطلب، وكان له ابن يقال له زمعة بالشام، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد دعا على الأب أن يعمى بصره وأن يثكل ولده، فأتاه جبريل بورقة خضراء فرماه بها فذهب بصره. وخرج يلاقي ابنه ومعه غلام له، فأتاه جبريل وهو قاعد في أصل شجرة، فجعل ينطح رأسه ويضرب وجهه بالشوك، فاستغاث بغلامه فقال له غلامه: لا أرى أحداً يصنع بك شيئاً غير نفسك. حتى مات وهو يقول: قتلني رب محمد. ومنهم الوليد بن المغيرة، مرّ على نبل لرجل من خزاعة قد راشها وجعلها في الشمس، فربطها فانكسرت، فتعلق به سهم منها فأصاب أكحله فقتله. ومنهم الأسود بن عبد يغوث، خرج من أهله فأصابه السموم فاسودّ حتى عاد حبشياً، فأتى أهله فلم يعرفوه فاغلقوا دونه الباب حتى مات. وهو يقول: قتلني رب محمد. فقتلهم الله جميعاً، فأظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره وأعلنه بمكة . تفسير : وأخرج أبو نعيم في الدلائل بسندين ضعيفين، عن ابن عباس في قوله {إنا كفيناك المستهزئين} قال: قد سلطت عليهم جبريل وأمرته بقتلهم، فعرض للوليد بن المغيرة فعثر به، فعصره عن نصل في رجله حتى خرج رجيعه من أنفه. وعرض للأسود بن عبد العزى وهو يشرب ماء، فنفخ في ذلك حتى انتفخ جوفه فانشق، واعترض للعاص بن وائل وهو متوجه إلى الطائف، فنخسه بِشَبْرُقَةٍ فجرى سمّها إلى رأسه، وقتل الحارث بن قيس بلكزة، فما زال يفوق حتى مات. وقتل الأسود بن عبد يغوث الزهري. وأخرج الطبراني في الأوسط والبيهقي وأبو نعيم كلاهما في الدلائل وابن مردويه بسند حسن والضياء في المختارة، عن ابن عباس في قوله {إنا كفيناك المستهزئين} قال: المستهزئون، الوليد بن المغيرة والأسود بن عبد يغوث والأسود بن المطلب والحارث بن عبطل السهمي والعاص بن وائل، فأتاه جبريل فشكاهم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "أرني إياهم، فأراه الوليد. فأومأ جبريل إلى أكحله فقال: ما صنعت شيئاً. قال: كفيتكه. ثم أراه الأسود بن المطلب، فأومأ إلى عينيه فقال: ما صنعت شيئاً. قال: كفيتكه، ثم أراه الأسود بن عبد يغوث، فأومأ إلى رأسه فقال: ما صنعت شيئاً. قال: كَفَيْتُكَهُ. ثم أراه الحرث، فأومأ إلى بطنه فقال: ما صنعت شيئاً. فقال: كفيتكه. ثم أراه العاص بن وائل، فأومأ إلى أخمصه فقال: ما صنعت شيئاً. فقال: كفيتكه. فأما الوليد، فمر برجل من خزاعة وهو يريش نبلاً فأصاب أكحله فقطعها. وأما الأسود بن المطلب، فنزل تحت سمرة فجعل يقول: بنيّ، ألا تدفعون عني؟ قد هلكت وَطُعِنْتُ بالشوك في عيني. فجعلوا يقولون: ما نرى شيئاً. فلم يزل كذلك حتى عتمت عيناه. وأما الأسود بن عبد يغوث، فخرج في رأسه قروح فمات منها. وأما الحارث، فأخذه الماء الأصفر في بطنه حتى خرج خرؤه من فيه فمات منه. وأما العاص، فركب إلى الطائف فربض على شبرقة فدخل من أخمص قدمه شوكة فقتلته". وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل من طريق جويبر، عن الضحاك عن ابن عباس، أن الوليد بن المغيرة قال: إن محمداً كاهن، يخبر بما يكون قبل أن يكون وقال أبو جهل: محمد ساحر؛ يفرق بين الأب والابن. وقال عقبة بن أبي معيط: محمد مجنون، يهذي في جنونه. وقال أبي بن خلف: محمد كذاب. فأنزل الله {انا كفيناك المستهزئين} فهلكوا قبل بدر. وأخرج ابن جرير والطبراني وابن مردويه، عن ابن عباس، أن المستهزئين ثمانية: الوليد بن المغيرة، والأسود بن المطلب، والأسود بن عبد يغوث، والعاص بن وائل، والحارث بن عدي بن سهم، وعبد العزى بن قصي؛ وهو أبو زمعة، وكلهم هلك قبل بدر بموت أو مرض. والحارث بن قيس من العياطل. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: {المستهزئين} منهم: الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والحارث بن قيس، والأسود بن المطلب، والأسود بن عبد يغوث، وأبو هبار بن الأسود. وأخرج ابن مردويه عن علي {إنا كفيناك المستهزئين} قال: خمسة من قريش، كانوا يستهزئون برسول الله صلى الله عليه وسلم، منهم الحارث بن عيطلة والعاص بن وائل والأسود بن عبد يغوث والوليد بن المغيرة. وأخرج البزار والطبراني في الأوسط عن أنس قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم على أناس بمكة، فجعلوا يغمزون في قفاه ويقولون: هذا الذي يزعم أنه نبي ومعه جبريل. فغمز جبريل بأصبعه فوقع مثل الظفر في أجسادهم، فصارت قروحاً نتنة. فلم يستطع أحد أن يدنو منهم. وأنزل الله {إنا كفيناك المستهزئين}. وأخرج عبد الرزاق في المصنف، عن عكرمة قال: مكث النبي صلى الله عليه وسلم بمكة خمس عشرة سنة، منها أربع أو خمس يدعو إلى الإِسلام سراً وهو خائف، حتى بعث الله على الرجال الذين أنزل فيهم {انا كفيناك المستهزئين الذين جعلوا القرآن عضين} والعضين بلسان قريش، والسحر. وأمر بعدوانهم فقال: {فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين} ثم أمر بالخروج إلى المدينة فقدم في ثمان ليالٍ خلون من شهر ربيع الأول، ثم كانت وقعة بدر. ففيهم أنزل الله {أية : وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم} تفسير : [الأنفال: 7] وفيهم نزلت {أية : سيهزم الجمع} تفسير : [القمر: 45] وفيهم نزلت {أية : حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب} تفسير : [المؤمنون: 64] وفيهم نزلت {أية : ليقطع طرفاً من الذين كفروا} تفسير : [آل عمران: 127] وفيهم نزلت {أية : ليس لك من الأمر شيء} تفسير : [آل عمران: 128] أراد الله القوم وأراد رسول الله العير، وفيهم نزلت {أية : ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً...} تفسير : [إبراهيم: 28] الآية. وفيهم نزلت {أية : قد كان لكم آية في فئتين التقتا} تفسير : [آل عمران: 13] في شأن العير {أية : والركب أسفل منكم} تفسير : [الأنفال: 42] أخذوا أسفل الوادي. فهذا كله في أهل بدر، وكانت قبل بدر بشهرين سرية يوم قتل ابن الحضرمي، ثم كانت أحد، ثم يوم الأحزاب بعد أحد بسنتين، ثم كانت الحديبية - وهو يوم الشجرة - فصالحهم النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ على أن يعتمر في عام قابل في هذا الشهر. ففيها أنزلت {أية : الشهر الحرام بالشهر الحرام} تفسير : [البقرة: 194] فشهر العام الأول بشهر العام فكانت {الحرمات قصاص} ثم كان الفتح بعد العمرة، ففيها نزلت {أية : حتى إذا فتحنا عليهم باباً ذا عذاب شديد ...} تفسير : [المؤمنون: 77] الآية. وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم غزاهم ولم يكونوا أعدوا له أهبة القتال، ولقد قتل من قريش يومئذ اربعة رهط من حلفائهم، ومن بني بكر خمسين أو زيادة. وفيهم نزلت - لما دخلوا في دين الله {أية : هو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار} تفسير : [المؤمنون: 78] ثم خرج إلى حنين بعد عشرين ليلة، ثم إلى المدينة، ثم أمر أبا بكر على الحج. ولما رجع أبو بكر من الحج، غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تبوك، ثم حج رسول الله صلى الله عليه وسلم العام المقبل، ثم ودع الناس، ثم رجع فتوفي لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول. وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع في قوله {إنا كفيناك المستهزئين} قال: هؤلاء فيما سمعنا خمسة رهط، استهزأوا بالنبي صلى الله عليه وسلم. فلما أراد صاحب اليمن أن يرى النبي صلى الله عليه وسلم، أتاه الوليد بن المغيرة فزعم أن محمداً ساحر. وأتاه العاص بن وائل وأخبره أن محمداً يعلم أساطير الأولين، فجاءه آخر فزعم أنه كاهن، وجاءه آخر فزعم أنه شاعر، وجاء آخر فزعم أنه مجنون فكفى الله محمداً أولئك الرهط في ليلة واحدة، فأهلكهم بألوان من العذاب... كل رجل منهم أصابه عذاب. فأما الوليد، فأتى على رجل من خزاعة وهو يريش نبلاً له، فمر به وهو يتبختر فأصابه منها سهم فقطع أكحله، فأهلكه الله. وأما العاص بن وائل، فإنه دخل في شعب فنزل في حاجة له، فخرجت إليه حية مثل العمود فلدغته فأهلكه الله: وأما الآخر، فكان رجلاً أبيض حسن اللون، خرج عشاء في تلك الليلة فأصابته سموم شديدة الحر، فرجع إلى أهله وهو مثل حبشي، فقالوا: لست بصاحبنا. فقال: أنا صاحبكم!.. فقتلوه. وأما الآخر، فدخل في بئر له فأتاه جبريل فعمه فيها، فقال: إني قد قتلت فأعينوني: فقالوا: والله ما نرى أحداً. فكان كذلك حتى أهلكه الله. وأما الآخر، فذهب إلى إبله ينظر فيها، فأتاه جبريل بشوك القتاد فضربه، فقال: أعينوني فإني قد هلكت. قالوا: والله ما نرى أحداً. فأهلكه الله فكان لهم في ذلك عبرة. وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: حديث : جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فحنى ظهر الأسود بن عبد يغوث حتى احقوقف صدره. فقال: النبي صلى الله عليه وسلم خالي خالي فقال جبريل: دعه عنك فقد كفيته فهو من المستهزئين. قال: وكانوا يقولون سورة البقرة وسورة العنكبوت يستهزئون بها . تفسير : وأخرج أبو نعيم في الدلائل عن قتادة قال: هؤلاء رهط من قريش، منهم الأسود بن عبد يغوث، والأسود بن المطلب، والوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، وعدي بن قيس. وأخرج ابن جرير وأبو نعيم، عن أبي بكر الهذلي قال: قيل للزهري إن سعيد بن جبير وعكرمة اختلفا في رجل من المستهزئين، فقال سعيد: الحارث بن عيطلة وقال عكرمة: الحارث بن قيس. فقال: صدقا جميعاً. كانت أمه تسمى عيطلة، وكان أبوه قيساً. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وأبو نعيم، عن الشعبي رضي الله عنه قال: المستهزئون سبعة، فسمى منهم العاص بن وائل، والوليد بن المغيرة، وهبار بن الأسود، وعبد يغوث بن وهب، والحرث بن عيطلة. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وأبو نعيم، عن قتادة ومقسم مولى ابن عباس {إنا كفيناك المستهزئين} قال: هم الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل وعدي بن قيس والأسود بن عبد يغوث والأسود بن المطلب، مروا رجلاً رجلاً على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه جبريل، فإذا مر به رجل منهم قال له جبريل: كيف محمد هذا؟ فيقول: بئس عبد الله، فيقول جبريل: كَفَيْنَاكَهُ. فأما الوليد، فتردّى فتعلق سهم بردائه، فذهب يجلس فقطع أكحله فنزف حتى مات. وأما الأسود بن عبد يغوث، فأتى بغصن فيه شوك، فضرب به وجهه فسالت حدقتاه على وجهه فمات. وأما العاص، فوطئ على شوكة فتساقط لحمه عن عظامه حتى هلك. وأما الأسود بن المطلب وعدي بن قيس، فأحدهما قام من الليل وهو ظمآن ليشرب من جرة، فلم يزل يشرب حتى انفتق بطنه فمات. وأما الآخر، فلدغته حية فمات.
ابو السعود
تفسير : {لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ} لا تطمَحْ ببصرك طُموحَ راغب ولا تُدِمْ نظرك {إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ} من زخارفِ الدنيا وزينتها ومحاسنِها وزَهْرتِها {أَزْوٰجاً مّنْهُمْ} أصنافاً من الكفرة فإن ما في الدنيا من أصناف الأموالِ والذخائر بالنسبة إلى ما أوتيتَه مستحقَرٌ لا يُعبأ به أصلاً، وفي حديث أبـي بكر رضي الله تعالى عنه: « حديث : مَنْ أوتيَ القرآنَ فرآىٰ أن أحداً أوتيَ أفضل مما أوتي فقد صغّر عظيماً وعظّم صغيراً » تفسير : وروي (أنه وافَتْ من بُصرىٰ وأذْرِعاتَ سبعُ قوافلَ ليهود بني قُريظةَ والنّضِير فيها أنواعُ البَزِّ والطيب والجواهر وسائرُ الأمتعة فقال المسلمون: لو كانت هذه الأموالُ لنا لتقوَّيْنا بها وأنفقناها في سبـيل الله، فقيل لهم: قد أُعطِيتم سبعَ آياتٍ وهي خير من هذه القوافل السبْع) {وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ} حيث لم يؤمنوا ولم ينتظِموا أتباعك في سلك ليتقوى بهم ضعفاءُ المسلمين، وقيل: أو أنهم المتمتعون به ويأباه كلمة على فإن تمتّعهم به لا يكون مداراً للحزن عليهم {وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ} أي تواضَعْ لهم وارفُق بهم وألِنْ جانبك لهم وطِبْ نفساً من إيمان الأغنياء. {وَقُلْ إِنّى أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ} أي المنذِرُ المُظْهِر لنزول عذاب الله وحلولِه. {كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ} قيل: إنه متعلق بقوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ ءاتَيْنَـٰكَ} تفسير : [الحجر، الآية 87] الخ، أي أنزلنا عليك كما أنزلنا على أهل الكتاب. {ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلْقُرْءانَ عِضِينَ} أي قسَموه إلى حق وباطل، حيث قالوا عِناداً وعدواناً: بعضُه حقٌّ موافقٌ للتوراة والإنجيل، وبعضُه باطلٌ مخالفٌ لهما، أو اقتسموه لأنفسهم استهزاءً حيث كان يقول بعضُهم: سورةُ البقرة لي، وبعضُهم: سورةُ آلِ عمران لي وهكذا، أو قسموا ما قرأوا من كتبهم وحرّفوه فأقرّوا ببعضه وكذبوا ببعضه، وحُمل توسيطُ قوله تعالى: {لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ} [الحجر، الآية 88] على إمداد ما هو المرادُ بالكلام من التسلية، وعُقّب ذلك بأنه جلّ المقامُ عن التشبـيه، ولقد أوتيَ عليه الصلاة والسلام ما لم يؤتَ أحدٌ قبله ولا بعده مثلَه، وقيل: إنه متعلق بقوله: {إِنّى أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ} فإنه في قوة الأمرِ بالإنذار، كأنه قيل: أنذِرْ قريشاً مثلَ ما أنزلنا على المقتسمين، يعني اليهودَ، وهو ما جرى على بني قريظةَ والنضير بأن جُعل المتوقَّعُ كالواقع وقد وقع كذلك، وأنت خبـيرٌ بأن ما يُشبَّه به العذابُ المنذَرُ لا بد أن يكون محققَ الوقوعِ معلومَ الحالِ عند المنذَرين إذ به تتحققُ فائدةُ التشبـيهِ، وهي تأكيدُ الإنذار وتشديدُه، وعذابُ بني قريظةَ والنضير مع عدم وقوعِه إذ ذاك لم يسبِقْ به وعدٌ ووعيد فهم منه في غفلة محضةٍ وشك مُريب، وتنزيلُ المتوقَّع منزلةَ الواقع له موقعٌ جليلٌ من الإعجاز لكن إذا صادف مقاماً يقتضيه كما في قوله تعالى: { أية : إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً} تفسير : [الفتح، الآية 1] ونظائرِه. على أن تخصيصَ الاقتسام باليهود بمجرد اختصاصِ العذاب المذكور بهم مع شِرْكتهم للنصارى في الاقتسام المتفرِّع على الموافقة والمخالفة، وفي الاقتسام بمعنى التحريف الشاملِ للكتابـين بل تخصيصُ العذاب المذكور بهم مع كونه من نتائج الاقتسامِ تخصيصٌ من غير مخصِّص، وقد جُعل الموصولُ مفعولاً أولَ لأنذر أي أنذر المُعَضِّين الذين يجزّئون القرآن إلى سحر وشعر وأساطيرَ، مثلَ ما أنزلنا على المقتسمين وهم الاثنا عشرَ الذين اقتسموا مداخلَ مكة أيام الموسم فقعد كل منهم في مدخل لينفروا الناس عن الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بعضُهم: لا تغترّوا بالخارج منا فإنه ساحرٌ، ويقول الآخر: كذابٌ، فأهلكهم الله تعالى يوم بدر، وقبله بآفات وفيه ـ مع ما فيه من الاشتراك لما سبق في عدم كون العذابِ الذي شُبه به العذابُ المنذَرُ واقعاً ولا معلوماً للمنذَرين ولا موعودَ الوقوع ـ أنه لا داعيَ إلى تخصيص وصفِ التعضِيةِ بهم وإخراجِ المقتسمين من بـينهم مع كونهم أسوةً لهم في ذلك، فإن وصفهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم بما وصفوا من السحر والشعر والكذب متفرعٌ على وصفهم للقرآن بذلك، وهل هو إلا نفسُ التعضيةِ، ولا إلى إخراجهم من حكم الإنذارِ على ما نزل بهم من العذاب لم يكن من الشدة بحيث يُشبه به عذابُ غيرِهم ولا مخصوصاً بهم، بل عامًّا لكلا الفريقين وغيرِهم مع أن بعضَ المنذَرين كالوليد بنِ المغيرةَ والعاصِ بن وائل والأسودِ بن المطلب قد هلكوا قبل مهلِك أكثرِ المقتسمين يوم بدر، ولا إلى تقديم المفعول الثاني على الأول كما ترى، وقيل: إنه وصفٌ لمفعول النذيرِ أقيمَ مُقامه والمقتسمون هم القاعدون في مداخل مكة كما حرر. وفيه مع ما مر أن قوله تعالى: {كَمَآ أَنْزَلْنَا} [الحجر، الآية 90] صريحٌ في أنه من قول الله تعالى لا من قول الرسول عليه الصلاة والسلام، والاعتذارُ بأن ذلك من باب ما يقوله بعضُ خواصِّ المَلِك أُمرْنا بكذا وإن كان الأمرُ هو الملكَ حسبما سلف في قوله تعالى: { أية : قَدَّرْنَآ إِنَّهَا لَمِنَ ٱلْغَـٰبِرِينَ} تفسير : [الحجر، الآية 60] تعسُّفٌ لا يخفى، وأن إعمالَ الوصفِ الموصوف مما لم يجوِّزْه البصريون فلا بد من الهرب إلى مسلك الكوفيـين، أو المصير إلى جعله مفعولاً غيرَ صريح أي أنا النذيرُ المبـين بعذاب مثلِ عذاب المقتسمين، وقيل: المراد بالمقتسمين الرهطُ الذين تقاسموا على أن يبـيّتوا صالحاً عليه الصلاة والسلام فأهلكهم الله تعالى، وأنت تدري أن عذابَهم حيث كان متحققاً ومعلوماً للمنذرين حسبما نطق به القرآنُ العظيم صالحٌ لأن يقعَ مشبَّهاً به العذابُ المنذَر، لكن الموصولَ المذكورَ عَقيبَه حيث لم يمكن كونُه صفةً للمقتسمين حينئذ، فسواءٌ جعلناه مفعولاً أول للنذير أو لما دل هو عليه من أنذر لا يكون للتعرض لعنوان التعضية في حيز الصلة ولا لعنوان الاقتسام بالمعنى المزبور في حيز المفعول الثاني فائدة، لما أن ذلك إنما يكون للإشعار بعلّية الصلة والصفةِ للحكم الثابتِ للموصول والموصوف، فلا يكون هناك وجهُ شبَهٍ يدور عليه تشبـيهُ عذابهم بعذابهم خاصة لعدم اشتراكِهم في السبب فإن المُعَضّين بمعزل من التقاسم على التبـيـيت الذي هو السبب لهلاك أولئك، كما أن أولئك بمعزل من التعضية التي هي السبب لهلاك هؤلاء، ولا علاقة بـين السببـين مفهوماً ولا وجوداً تصحّح وقوعَ أحدِهما في جانب والآخرِ في جانب، واتفاقُ الفريقين على مطلق الاتفاقِ على الشر المفهوم من الاتفاق على الشر المخصوص الذي هو التبـيـيتُ المدلولُ المدلولُ عليه بالتقاسم غيرُ مفيد إذ لا دِلالةَ لعنوان التعضيةِ على ذلك وإنما يدل عليه اقتسامُ المداخِلِ، وجعلُ الموصولِ مبتدأً على أن خبرَه الجملةُ القسَميةُ لا يليق بجزالة التنزيلِ وجلالة شأنِه الجليل. إذا عرفت هذا فاعلم أن الأقربَ من الأقوال المذكورةِ أنه متعلِّق بالأول، وأن المرادَ بالمقتسمين أهلُ الكتابـين، وأن الموصولَ مع صلته صفةٌ مبـينة لكيفية اقتسامِهم، ومحلُّ الكاف النصبُ على المصدرية، وحديثُ جلالة المقام عن التشبـيه من لوائح النظرِ الجليل، والمعنى لقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآنَ العظيم إيتاءً مماثلاً لإنزال الكتابـين على أهلهما، وعدمُ التعرض لذكر ما أنزل عليهم من الكتابـين لأن الغرضَ بـيانُ المماثلة بـين الإيتاءين لا بـين متعلَّقَيهما، والعدولُ عن تطبـيق ما في جانب المشبَّه به على ما في جانب المشبَّه بأن يقال: كما آتينا المقتسِمين حسبما وقع في قوله تعالى: { أية : ٱلَّذِينَ ءاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ} تفسير : [الأنعام، الآية 20] الخ، للتنبـيه على ما بـين الإيتاءين من التنائي فإن الأول على وجه التكرِمة والامتنان وشتان بـينه وبن الثاني. ولا يقدح ذلك في وقوعه مشبَّهاً به، فإن ذلك إنما هو لمُسلَّميته عندهم وتقدمِ وجودُه على المشبه زماناً لا لمزيةٍ تعود إلى ذاته كما في الصلاة الخليلية، فإن التشبـيه فيها ليس لكون رحمة الله تعالى الفائضةِ على إبراهيم عليه الصلاة والسلام وآله أتمَّ وأكملَ مما فاض على النبـي عليه الصلاة والسلام، وإنما ذلك للتقدم في الوجود والتنصيصِ عليه في القرآن العظيم، فليس في التشبـيه شائبةُ إشعار بأفضلية المشبَّه به من المشبه، فضلاً عن إيهام أفضليةِ ما تعلق به الأولُ مما تعلق به الثاني، وإنما ذُكروا بعنوان الاقتسام إنكاراً لاتصافهم به مع تحقق ما ينفيه من الإنزال المذكورِ، وإيذاناً بأنه كان من حقهم أن يؤمنوا بكله حسب إيمانِهم بما أنزل عليهم بحكم الاشتراكِ في العلة والاتحادِ في الحقيقة التي هي مطلقُ الوحي، وتوسيطُ قوله تعالى: {لاَ تَمُدَّنَّ} [الحجر، الآية 88] الخ، لكمال اتصالِه بما هو المقصودُ من بـيان حالِ ما أوتيَ النبـي عليه الصلاة والسلام، ولقد بُـيِّن أولاً علوُّ شأنِه ورفعة مكانِه بحيث يستوجب اغتباطَه عليه الصلاة والسلام بمكانه واستغناءَه به عما سواه، ثم نُهي عن الالتفات إلى زَهرة الدنيا، وعُبّر عن إيتائها لأهلها بالتمتيع المنْبىءِ عن وشك زوالِها عنهم ثم عن الحزَن بعدم إيمانِ المنهمكين فيها، وأُمر بمراعاة المؤمنين والاكتفاءِ بهم عن غيرهم وبإظهار قيامِه بمواجب الرسالة ومراسمِ النذارة حسبما فُصّل في تضاعيف ما أوتي من القرآن العظيم، ثم رُجِع إلى كيفية إيتائه على وجه أُدمج فيه ما يُزيح شُبَهَ المنكِرين ويستنزِلهم عن العِناد من بـيان مشاركتِه لما لا ريب لهم في كونه وحياً صادقاً فتأمل، والله عنده علم الكتاب، هذا وقد قيل: المعنى وقل إني أنا النذير المبـين كما قد أنزلنا في الكتب أنك ستأتي نذيراً، على أن المقتسِمين أهلُ الكتاب انتهى. يريد أن ما في (كما) موصولةٌ، والمراد بالمشابهة المستفادة من الكاف الموافقةُ وهي مع ما في حيزها في محل النصبِ على الحالية من مفعول قل، أي قل هذا القولَ حالَ كونِه كما أنزلنا على أهل الكتابـين أي موافقاً لذلك، فالأنسبُ حينئذ حملُ الاقتسام على التحريف ليكون وصفُهم بذلك تعريضاً بما فعلوا من تحريفهم وكِتمانهم لنعت النبـيِّ صلى الله عليه وسلم، وقوله تعالى: {عِضِينَ} جمعُ عِضة وهي الفِرقة، أصلها عِضْوَةٌ، فِعْلة من عضَّى الشاةَ تعضيةً إذا جعلها أعضاءَ، وإنما جُمعت جمع السلامةِ جبراً للمحذوف كسنينَ وعِزينَ، والتعبـيرُ عن تجزئة القرآن بالتعضية التي هي تفريقُ الأعضاء من ذي الروح المستلزمُ لإزالة حياتِه وإبطالِ اسمِه دون مطلق التجزئةِ والتفريق اللذَيْن ربما يوجدان فيما لا يضره التبعيضُ من المِثليات، للتنصيص على كمال قبحِ ما فعلوه بالقرآن العظيم، وقيل: هي فِعلة من عضهتُه إذا بهتُّه. وعن عكرِمةَ: العضه السحرُ بلسان قريشٍ، فنقصانها على الأول واو وعلى الثاني هاء.
السلمي
تفسير : قوله: {لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ} [الآية: 88]. قال بعضهم: غار الحق على حبيبه أن يستحسن من الكون شيئًا أو بغيره طرفه فإن ذلك متعة لا حاصل له عند الحق وأراد منه أن يكون أوقاته مصروفة إليه، وأيامه موقوفة عليه وأنفاسه حبيسة عنده. فقال: {لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ} كذلك لما رفع إلى المحل الأعلى {أية : مَا زَاغَ ٱلْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ} تفسير : [النجم: 17].
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ}. لم يُسَلِّمْ له إشباع النظر إلى زَهْرَة الدنيا وزينتِها. ويقال غار على عينيه - صلى الله عليه وسلم - أن يستعملَها في النظر إلى المخلوقات. ويقال أَدَّبَه اللَّهُ - سبحانه - بهذا التأديب حتى لا يُعِيرَ طَرْفَه من حيث الاستئناس به. ويقال أمره بحفظ الوفاء لأنه لمَّا لم يكن اليومَ سبيلٌ لأحد إلى رؤيته، فلا تمدن عينيك إلى ملاحظة شيء من جملة ما خوَّلْناهم، كما قال بعضهم: شعر : لمَّا تَيَقَّنْتُ أني لسْتُ أبصركم أغمضتُ عيني فلم أنظر إلى أحد تفسير : ويقال شَتَّانَ بينه وبين موسى - عليه السلام! قال له: {أية : لَن تَرَانِي وَلَـٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ}تفسير : [الأعراف: 143]، ونبينا - صلى الله عليه وسلم - مَنَعَه من النظر إلى المخلوقات بوصفٍ هو تمام النظر فقال: {أية : وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ} تفسير : [طه: 131]. ويقال إذا لم يسلم له إشباع النظر بظاهره إلى الدنيا فكيف يسلم له السكون بقلبه إلى غير الله؟! ويقال لما أُمِرَ بِغَضِّ بَصَرِه عما يتمتُّع به الكفارُ في الدنيا تَأَدَّبَ - عليه السلام - فلم ينظرْ ليلةَ المعراج إلى شيءٍ مما رأى في الآخرة، فأثنى عليه الحقُّ بقوله: {أية : مَا زَاغَ ٱلْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ}تفسير : [النجم: 17] وكان يقول لكل شيءٍ رآه "حديث : التحيات لله"تفسير : أي المُلْكُ لله. قوله جلّ ذكره: {وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ}. أدّبه حتى لا يتغير بصفة أحد، وهذه حال التمكين. قوله جلّ ذكره: {وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ}. أي أَلِنْ لهم جانبَكَ. وكان عليه السلام إذا استعانت به الوليدة في الشافعة إلى مواليها يمضي معها...إلى غير ذلك من حسن خُلُق - صلوات الله عليه - وكان في الخبر إنه كان يخدم بيته وكان في (مهنة) أهله. وتولَّى خدمة الوفد، وكان يقول؛ "حديث : سيدُ القومِ خادمُهم ".
اسماعيل حقي
تفسير : {لا تمدن عينيك} اى نظر عينيك ومد النظر تطويله وان لا يكاد يرده استحسانا للمنظور اليه اى ولا تطمح ببصرك طموح راغب ولا تدم نظرك {الى ما متعنا به} من زخارف الدنيا وزينتها ومحاسنها وزهرتها اعجابا به وتمنيا ان يكون لك مثله {ازواجا منهم} اصنافا من الكفرة كاليهود والنصارى والمجوس وعبدة الاصنام فان ما فى الدنيا من اصناف الاموال والذخائر بالنسبة الى ما اوتيته من النبوة والقرآن والفضائل والكمالات مستحقر لا يعبأ به فان اوتيته كمال مطلوب بالذات مفض الى دوام اللذات يعنى قد اعطيت النعمة العظمى شعر : بيش درياى قدر حرمت تو نه محيط فلك حبابى نيست دارى آن سلطنت كه در نظرت ملك كونين در حسابى نيست تفسير : فاستغن بما اعطيت ولا تلتفت الى متاع الدنيا ومنه الحديث "حديث : ليس منا من لم يتغن بالقرآن" تفسير : ذكر الحافظ لهذا الحديث اربعة اوجه: احدها ان المراد بالتغنى رفع الصوت. والثانى الاستغناء بالقرآن عن غيره من كتاب آخر ونحوه لفضله كما قال ابو بكر رضى الله عنه من اوتى القرآن فرأى ان احدا اوتى من الدنيا افضل مما اوتى فقد صغر عظيما وعظم صغيرا. والثالث تغريد الصوت بحيث لا يخل بالمعنى فاختار رسول الله صلى الله عليه وسلم ان يترك العرب التغنى بالاشعار بقراءة القرآن على الصفة التى كانوا يعتادونها فى قراءة الاشعار. والرابع تحسين الصوت وتطييبه بالقراءة من غير تغريد الصوت {ولا تحزن عليهم} اى على الكفرة حيث لم يؤمنوا ولم ينتظموا فى سلك اتباعك ليتقوى بهم ضعفاء المسلمين لان مقدورى عليهم الكفر. وقال الكاشفى [واندوه مخور برياران خود بى نوايى ودرويشى] {واخفض جناحك للمؤمنين} وتواضع لمن معك من فقراء المؤمنين وارفق بهم وطب نفسا عن ايمان الاغنياء مستعار من خفض الطائر جناحه اذا اراد ان ينخط. قال فى تهذيب المصادر الخفض [فرو بردن] وهو ضد الرفع قال الله تعالى {أية : خافضة رافعة} تفسير : اى ترفع قوما الى الجنة وتخفض قوما الى النار [ودر كشف الاسرار كفته كه خفض جناح كنايتست از خوش خويى ومقرراست كه خلعت خلق عظيم جزبر بالاى آن حضرت نيامده] شعر : ذات ترى وصف نكو خوييست خوى توسؤ مايه نبكوييست روز ازل دوخته حكيم قديم برقد تو خلعت خلق عظيم
الجنابذي
تفسير : {لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ} اصنافاً من الكفّار لانّه فى غاية الحقارة فى جنب ما اوتيت فلا ينبغى قطع النّظر عمّا اوتيت والنّظر الى مثل هذا الشّيء الحقير {وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ} يعنى انّك اوتيت ما به كمالك فى دنياك وآخرتك فلا ينبغى ان تتأثّر من غيرك بان تنظر الى ظاهر المتنعّمين فيتحرّك رغبتك البشريّة او تنظر الى باطنهم وانّهم منصرفون عن الايمان الموصل الى الجنان الى الكفران الموصل الى النّيران فتنقبض وتحزن على ذلك بل كن فى الحالين كأمير الحالين غير متأثّر منهما وليكن حالك بالنّسبة الى من آمن حال التّواضع والتّذلّل والتّحبّب لانّهم بلطيفة الايمان مظاهرك بل مظاهر الله تعالى والتّواضع لهم تواضع لله {وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ} مستعار من خفض الطّيّور جناحها لقرينها حين التّذلّل والتّحبّب لها، عن رسول الله (ص): من أوتى القرآن فظنّ انّ احداً من النّاس اوتى افضل ممّا اوتى لقد عظّم ما حقّر الله وحقّر ما عظّم الله.
اطفيش
تفسير : {لاَ تَمُدَّنَّ} يا محمد {عَيْنَيْكَ} مد رغبة واشتهاء أو مطلقاً لئلا يوصلك إِلى ذلك {إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً} أصنافاً {مِّنْهُمْ} من الكفار فإِن السبع المثانى والقرآن العظيم نعمة عظيمة يستحقر دونها ما متعناهم به فإِنهن كمال مطلوب بالذات مفض إِلى النعيم الدائم فاستغن بهن، قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ "حديث : ليس منا من لم يتغن بالقرآن"تفسير : . قال ابن عيينة والزمخشرى أى من لم يستغن به، روى الطبرانى عن أبى بكر رضى الله عنه: من أوتى القرآن فرأى أحداً أعطى أفضل مما أعطى فقد عظم صغيراً وصغر عظيماً، وفى رواية فقد صغر عظيما وعظم صغيراً، قال الطبرى: عن سفيان عيينة أن هذه آمرة بالاستغناء بكتاب الله عن جميع زينة الدنيا وكان ـ صلى الله عليه وسلم لا يتعمد النظر إِلى شىء من زهرة الدنيا ولا يستحسنها، وروى أبو سعيد الخدرى عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال فى خطبة: "حديث : لا والله ما أخشى عليكم أيها الناس إِلا ما يخرج الله لكم من زهرة الدنيا بعدى أى زينتها. قيل يا رسول الله: ما زهرتها. قال: بركات الأَرض ومن أنعم الله عليه بنعمة الدين فالتفت إِلى حطام الدنيا فقد تهاون بالدين الذى هو كرامة يكرم بها الأَنبياء والأَصفياء والصديقون الذين هم أعز خلق الله واستبدله بما يلطخ به الكفرة والفسقة والجبابرة الذين هم أهون خلق الله إِليه" تفسير : . قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأبى هريرة: "حديث : لا تغبطن فاجراً بنعمته فإِنك لا تدرى ما هو لاق بعد موته"تفسير : ، وقال: "حديث : إِذا نظر أحدكم إِلى من فضل عليه بالمال والخلق فلينظر إِلى من هو أسفل منه"تفسير : ، وقال: "حديث : انظروا إِلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إِلى من هو فوقكم فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة لله عليكم"تفسير : ، وقال: "حديث : من نظر إِلى من فوقه فى الدين ومن دونه فى الدنيا فاقتدى بهما كتبه الله صابراً شاكراً، ومن لم يفعل لم يكتب صابراً ولا شاكراً"تفسير : ، وزعم بعض أن الآية منسوخة بآية السيف. {وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ} علا للتعليل أى لا تحزن لأَجلهم حيث تمتعوا بما فاتك وأصحابك التمتع به، قال عوف بن عبد الله: كنت أصحب الأغنياء فما كان أحدهما أكثر هما منى أرى دابة خيراً من دابتى، وثوباً خيراً من ثوبى، ولما سمعت قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ "حديث : انظروا إِلى من هو أسفل منكم"تفسير : ، الحديث صحبت الفقراء فاسترحت، وقيل لا تحزن عليهم إِن لم يؤمنوا والهاء للمشركين وزعم بعض أن ولا تمدن الخ عليهم منسوخ بآية السيف، {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ} أى جانبك وخفضه كناية عن تليينه والتواضع والرفق، {لِلْمُؤْمِنِينَ} تسكيناً لهم وتطييباً لأَنفسهم على فقرهم واكتف بهم وطب نفساً عن إِيمان الأَغنياء والأَقوياء.
الالوسي
تفسير : {لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ} لا تطمح بنظرك طموح راغب ولا تدم نظرك {إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ} من زخارف الدنيا وزينتها {أَزْوٰجاً مّنْهُمْ}/ أصنافاً من الكفرة اليهود والنصارى والمشركين، وقيل: رجالاً مع نسائهم، والنهي قيل له صلى الله عليه وسلم وهو لا يقتضي الملابسة ولا المقاربة، وقيل: هو لأمته وإن كان الخطاب له عليه الصلاة والسلام، وأيد بما أخرجه ابن جرير وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال في الآية: نهي الرجل أن يتمنى مال صاحبه، نعم كان صلى الله عليه وسلم بعد نزول الآية شديد الاحتياط فيما تضمنته، فقد أخرج أبو عبيد وابن المنذر عن يحيى بن أبـي كثير أنه عليه الصلاة والسلام مر بإبل لحي يقال لهم بنو الملوح أو بنو المصطلق قد عنست في أبوالها وأبعارها من السمن فتقنع بثوبه ومر ولم ينظر إليها لقوله تعالى: {لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ } الآية، ويعد نحو هذا الفعل من باب سد الذرائع. ومنهم من أيد الأول بهذا وبدلالة ظاهر السياق عليه، وحاصلها مع ما قبل أوتيت النعمة العظمى التي كل نعمة وإن عظمت فهي بالنسبة إليها حقيرة فعليك أن تستغني بذلك ولا ترغب في متاع الدنيا، وجعل من ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : ليس منا من لم يتغن بالقرآن»تفسير : بناء على أن «يتغن» من الغنى المقصور كيستغني وليس مقصوراً على الممدود، ويشهد لذلك ما في الحديث الصحيح في الخيل «حديث : وأما التي هي له ستر فرجل ربطها تغنياً وتعففاً»تفسير : وعن أبـي بكر رضي الله تعالى عنه من أوتي القرآن فرأى أن أحد أوتي من الدنيا أفضل مما أوتي فقد صغر عظيماً وعظم صغيراً. وقد أخرج ابن المنذر عن سفيان بن عيينة ما هو بمعناه، وقال العراقي: إن الخبر مروي لكن لم أقف على روايته عن أبـي بكر رضي الله تعالى عنه في شيء من كتب الحديث. وحكى بعضهم في سبب نزول الآية أنه وافت من بصرى وأذرعات سبع قوافل لقريظة والنضير في يوم واحد فيها أنواع من البر والطيب والجواهر فقال المسلمون: لو كانت لنا لتقوينا بها ولأنفقناها في سبيل الله تعالى فنزلت، فكأنه سبحانه يقول: قد أعطيتكم سبعاً هي خير من سبع قوافل، وروي هذا عن الحسن بن الفضل. وتعقب بأنه ضعيف أو لا يصح لأن السورة مكية وقريظة والنضير كانوا بالمدينة فكيف يصح أن يقال ذلك وهو كما ترى. نعم روي أنه صلى الله عليه وسلم وافى بأذرعات سبع قوافل ليهود بني قريظة والنضير فيها الخ وهو غير معروف، وقد قالوا: إنه لم يعهد سفره صلى الله عليه وسلم للشام. واستؤنس بخبر النزول على أن النهي معني به سيد المخاطبين عليه الصلاة والسلام كالنهي في قوله تعالى: {وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ } حيث إنهم لم يؤمنوا، وكان صلى الله عليه وسلم يود أن يؤمن كل من بعث إليه ويشق عليه عليه الصلاة والسلام لمزيد شفقته بقاء الكفرة على كفرهم ولذلك قيل له: {وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ } وكأن مرجع الجملة الأولى إلى النهي عن الالتفات إلى أموالهم ومرجع هذه الجملة إلى النهي عن الالتفات إليهم، وليس المعنى لا تحزن عليهم حيث إنهم المتمتعون بذلك فإن التمتع به لا يكون مداراً للحزن عليهم، وكون المعنى لا تحزن على تمتعهم بذلك فالكلام على حذف مضاف لا يخفى ما فيه من ارتكاب خلاف الظاهر من غير داع إليه {وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ } كناية عن التواضع لهم والرفق بهم، وأصل ذلك أن الطائر إذا أراد أن يضم فرخه إليه بسط جناحيه له، والجناحان من ابن آدم جانباه.
ابن عاشور
تفسير : استئناف بياني لما يثيره المقصود من قوله تعالى: {أية : وما خلقنا السمٰوات والأرض وما بينهما إلا بالحق} تفسير : [سورة الحجر: 85]، ومن تساؤل يجيش في النّفس عن الإملاء للمكذّبين في النّعمة والتّرف مع ما رمقوا به من الغضب والوعيد فكانت جملة {لا تمدن عينيك} بياناً لما يختلج في نفس السامع من ذلك، ولكونها بهذه المثابة فصلت عن الّتي قبلها فصل البيان عن المبيّن. ولولا أن الجملة الّتي وقعت قبلها كانت بمنزلة التمهيد لها والإجمال لمضمونها لعطفت هذه الجملة لأنها تكون حينئذٍ مجرد نهي لا اتّصال له بما قبله، كما عطفت نظيرتها في قوله تعالى في سورة طه (129 ـــ 131): {أية : فاصبر على ما يقولون وسبّح بِحمد ربّك قبل طلوع الشّمس وقبل غروبها ومن ءَاناء اللّيل فسبّح وأطراف النّهار لعلّك ترضى ولا تمدنّ عينيك إلى ما متّعنا به أزواجاً منهم زهرة الحياة الدنيا}. تفسير : فلما فصلت الجملة هنا فهم أن الجملة الّتي قبلها مقصودة التمهيد بهذه الجملة ولو عطفت هذه لما فهم هذا المعنى البديع من النظم. والمَدّ: أصله الزيادة. وأطلق على بسط الجسم وتَطويله. يقال: مَدّ يده إلى كذا، ومدّ رجله في الأرض. ثم استعير للزيادة من شيء. ومنه مدد الجيش، ومدّ البحر، والمد في العمر. وتلك إطلاقات شائعة صارت حقيقة. واستعير المدّ هنا إلى التّحديق بالنظر والطموح به تشبيهاً له بمدّ اليد للمتناول، لأن المنهي عنه نظر الإعجاب مما هم فيه من حسن الحال في رفاهية عيشهم مع كفرهم، أي فإن ما أوتيته أعظم من ذلك فلو كانوا بمحل العناية لاتّبعوا ما آتيناك ولكنّهم رضوا بالمتاع العاجل فليسوا ممن يعجب حالهم. والأزواج هنا يحتمل أن يكون على معناه المشهور،أي الكفّار ونسائهم. ووجه تخصيصهم بالذكر أن حالتهم أتم أحوال التمتّع لاستكمالها جميع اللّذات والأنس. ويحتمل أن يراد به المجاز عن الأصناف وهو استعمال أثبته الراغب. فوجه ذكره في الآية أن التمتّع الّذي تمتدّ إلى مثله العين ليس ثابتاً لجميع الكفّار بل هو شأن كبرائهم، أي فإن فيهم من هم في حال خصاصة فاعتبر بهم كيف جمع لهم الكفر وشظف العيش. والنّهي عن الحزن عليهم شامل لكلّ حال من أحوالهم من شأنها أن تحْزن الرّسول عليه الصلاة والسلام وتؤسفه. فمن ذلك كفرهم كما قال تعالى: {أية : فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفاً} تفسير : [سورة الكهف: 6]. ومنه حلول العذاب بهم مثل ما حلّ بهم يوم بدر فإنهم سادة أهل مكة، فلعلّ رسول الله أن يتحسّر على إصرارهم حتى حلّ بهم ما حلّ من العذاب. ففي هذا النهي كناية عن قلّة الاكتراث بهم وعن توعدهم بأن سيحلّ بهم ما يثير الحزن لهم، وكناية عن رحمة الرسول بالنّاس. ولما كان هذا النّهي يتضمنّ شدّة قلب وغلظة لا جرم اعترضه بالأمر بالرفق للمؤمنين بقوله {واخفض جناحك للمؤمنين}. وهو اعتراض مراد منه الاحتراس. وهذا كقوله: {أية : أشداء على الكفار رحماء بينهم} تفسير : [سورة الفتح: 29]. وخفض الجناح تمثيل للرفق والتواضع بحال الطائر إذا أراد أن ينحطّ للوقوع وخفض جناحه يريد الدنوّ، وكذلك يصنع إذا لاعب أنثاه فهو راكن إلى المسالمة والرفق، أو الذي يتهيأ لحضن فراخه. وفي ضمن هذه التمثيلية استعارة مكنية، والجناح تخييل. وقد بسطناه في سورة الإسراء في قوله: {أية : واخفض لهما جناح الذلّ من الرحمة} تفسير : [سورة الإسراء: 24] وقد شاعت هذه التمثيلية حتى صارت كالمثَل في التواضع واللّين في المعاملة. وضد ذلك رفع الجناح تمثيل للجفاء والشدّة. ومن شعر العلامة الزمخشري يخاطب مَن كان متواضعاً فظهر منه تكبرّ (ذكره في سورة الشعراء):شعر : وأنْتَ الشّهيرُ بخفض الجناح فلا تكُ في رفعه أجدلاً تفسير : وفي هذه الآية تمهيد لما يجيء بعدها من قوله تعالى: {أية : فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين} تفسير : [سورة الحجر: 94]. وجملة {وقل إنى أنا النذير المبين} عطف على جملة {ولا تحزن عليهم}. فالمقولُ لهم هذا القولُ هم المتحدّث عنهم بالضّمائر السابقة في قوله تعالى: {منهم} وقوله: {عليهم}. فالتقدير: وقل لهم لأن هذا القول مراد منه المتاركة، أي ما عليّ إلاّ إنذاركم، والقرينة هي ذكر النذارة دون البشارة لأن النذارة تناسب المكذبين إذ النذارة هي الإعلام بحدث فيه ضرّ. والنّذير: فعيل بمعنى مُفعِل مثل الحكيم بمعنى المُحكم، وضرب وجيع، أي موجع. والقصر المستفاد من ضمير الفصل ومن تعريف الجزءين قصر قلب، أي لست كما تحسبون أنكم تغيظونني بعدم إيمانكم فإنّي نذير مبين غير متقايض معكم لتحصيل إيمانكم. و{المبين}: الموضح المصرح.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ}. لما بين تعالى أنه آتى النَّبي صلى الله عليه وسلم السبع المثاني والقرآن العظيم، وذلك أكبر نصيب، وأعظم حظ عند الله تعالى، نهاه أن يمد عينيه إلى متاع الحياة الدنيا الذي متع به الكفار. لأن من أعطاه ربه جل وعلا النصيب الأكبر والحظ الأوفر، لا ينبغي له أن ينظر إلى النصيب الأحقر الأخس، ولا سيما إذا كان صاحبه إنما أعطيه لأجل الفتنة والاختبار. وأوضح هذا المعنى في غير هذا الموضع، كقوله في (طه): {أية : فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَآءِ ٱلْلَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ ٱلنَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ زَهْرَةَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِٱلصَّلاَةِ وَٱصْطَبِرْ عَلَيْهَا لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَٱلْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ} تفسير : [طه: 130-132] والمراد بالأزواج هنا: الأصناف من الذين متعهم الله بالدنيا. قوله تعالى: {وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ}. الصحيح في معنى هذه الآية الكريمة: أن الله نهى نبيه صلى الله عليه وسلم عن الحزن على الكفار إذا امتنعوا من قبول الإسلام. ويدل لذلك كثرة ورود هذا المعنى في القرآن العظيم. كقوله: {أية : وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ} تفسير : [النحل: 127]، وقوله: {أية : فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ}تفسير : [فاطر: 8]، وقوله: {أية : لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} تفسير : [الشعراء: 3]، وقوله: {أية : فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفاً}تفسير : [الكهف: 6]، وقوله: {أية : وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ مَّآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً فَلاَ تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ} تفسير : [المائدة: 68] إلى غير ذلك من الآيات. والمعنى: قد بلغت وليست مسؤولاً عن شقاوتهم إذا امتنعوا من الإيمان، فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب، فلا تحزن عليهم إذا كانوا أشقياء. قوله تعالى: {وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ}. أمر الله جل وعلا نبيه في هذه الآية الكريمة بخفض جناحه للمؤمنين. وخفض الجناح كناية عن لين الجانب والتواضع، ومنه قول الشاعر: شعر : وأنت الشهير بخفض الجناح فلا تك في رفعه أجدلا تفسير : وبين هذا المعنى في مواضع أخر. كقوله في الشعراء: {أية : وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ}تفسير : [الشعراء: 215]، وكقوله: {أية : فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي ٱلأَمْرِ} تفسير : [آل عمران: 159] إلى غير ذلك من الآيات. ويفهم من دليل خطاب الآية الكريمة - أعني مفهوم مخالفتها - أن غير المؤمنين لا يخفض لهم الجناح، بل يعاملون بالشدة والغلظة. وقد بين تعالى هذا المفهوم في مواضع أخر. كقوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَاهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَافِقِينَ وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ} تفسير : [التوبة: 73]، وقوله: {أية : أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ}تفسير : [الفتح: 29] وقوله: {أية : أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ}تفسير : [المائدة: 54] كما قدمناه في المائدة.
د. أسعد حومد
تفسير : {أَزْوَاجاً} (88) - لَقَدْ آتَيْنَاكَ، يَا مُحَمَّدُ، القُرْآنَ العَظِيمَ، وَالسَّبْعَ المَثَانِيَ، فَقَدْ أُوتِيتَ النِّعَمَ العَظِيمَةَ التِي لاَ تُدَانِيهَا نِعَمٌ فِي الدُّنْيَا، فَلاَ تَمُدَّنَ عَيْنَيْكَ إِلى الدُّنْيا، وَلاَ تَنْظُرْ إِلى زِينَتِهَا وَزُخْرُفِهِا، وَلاَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَهْلَهَا مِنْ زَهْرَتِهَا الفَانِيَةِ لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ، فَلا تَغْبِطْهُمْ عَلَى مَا هُمْ فِيهِ، وَلاَ تُذْهِبْ نَفْسَكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ حُزْناً عَلَيْهِمْ فِي تَكْذِيبِهِمْ لَكَ، وَمُخَالَفَتِكَ فِيمَا أَتَيْتَهُمْ بِهِ، وَأَلِنْ جَانِبَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ. اخْفِضْ جَنَاحَكَ - تَوَاضَعْ وَأَلِنْ جَانِبَكَ. أَزْوَاجاً مِنْهُمْ - أَصْنَافاً مِنَ الكُفَّارِ. الأَزْوَاجُ - وَاحِدُهَا زَوْجٌ - وَهُوَ هُنَا الصّنْفُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والمَدُّ: هو مَطُّ الشيء وزيادته. وللعيْن مسافات تُرَى فيها المرائي؛ كُل عَيْن حَسْب قدرتها، فهناك مَنْ يتمتع ببصر قوي وحادّ، وهناك مَنْ ليس كذلك. ويتراوح الناس في قدرة إبصارهم حسب توصيف وضعه الأطباء؛ ليعالجوا ذلك على قَدْر استطاعتهم العلمية. وفي المثَل اليومي نسمع مَنْ يقول "فلان عنده بُعْد نظر" أي: يملك قدرة على أن يقيسَ رُدود الأفعال، ويتوقّع ما سوف يحدث، وما يترتَّب على نتائج أيِّ فعل. والمراد بمَدِّ العين ليس إخراج حبة العين ومدِّها؛ ولكن المراد إدامة النظر والإمعان، ولكن الحق سبحانه عبَّر في القرآن هذا التعبير، وكأن الإنسان سيخرج حبَّة عينه ليجري بها، وليُمعِن النظر، وهذا ما يفهم من منطوق الآية، والمنطوق يشير إلى المفهوم المراد، وهذا عين الإعجاز. وكلمة "متاع" تفيد أن شيئاً يُتمتَّع به وينتهي، ولذلك يُوصَف متاع الدنيا في القرآن بأنه متَاعُ الغرور، أي: أنه متاع موقوت بلحظة. وقول الحق سبحانه: {أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ ..} [الحجر: 88]. هي جَمْع زَوْج، وسبق أنْ أوضحنا أن كلمة "زوج" هي مفرد، والذكَر والأنثى حين يتلاقيان يصبح اسمهما زوجين، والحق سبحانه هو القائل: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا} تفسير : [يس: 36]. والأزواج كلُّها تعني الفرد، ومعه الفرد من كل صنف من الأصناف. المراد بكلمة أزواج هنا أن المخالفين لرسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا شِلَلاً شِللاً؛ ضال ومضل؛ وضال آخر معه مُضِل. ولحظة الحساب سيقول كل منهم: {أية : قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ} تفسير : [الصافات: 51]. وهكذا كانت كلمة "أزواج" تدل على أصناف متعددة من الذين يقفون معاندين لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومُنكِرين لمنهجه. وفي موقع آخر من القرآن يكشف سبحانه عَمَّنْ أغوتْهم الشياطين، ويحشرهم الحق سبحانه مع الشياطين في نار جهنم: {أية : وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يَامَعْشَرَ ٱلْجِنِّ قَدِ ٱسْتَكْثَرْتُمْ مِّنَ ٱلإِنْسِ ..} تفسير : [الأنعام: 128]. أي: يا معشرَ الجنِّ قد استطعتُم أنْ تُوحوا لكثير من الإنس بالغواية والمعصية، ليكونوا أولياءكم، وهكذا نجد أن كل جماعة تتفق على شيء نُسمِّيهم أزواجاً. وهنا يُوضِّح الحق سبحانه: إياكَ أنْ تَمُدَّ عينيك إلى ما متَّعنا به أزواجاً منهم، لأننا أعطيناك أعلى عطاءٍ، وهو معجزة القرآن حارس القيم، والذي يضمُّ النَّهْج القويم. ويتابع سبحانه: {وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ..} [الحجر: 88]. ويُقال: حزنت منه، وحَزِنت عليه، وحَزِنت له؛ فمَنْ ناله ما يُحزن، ولم يَصْدُر عنك هذا السبب في حزنه؛ فأنت تقول له "حَزِنت لك". وآخر ارتكب فِعْلاً يُسِيء إلى نفسه؛ فأنت تحزن عليه. ورسول الله صلى الله عليه وسلم حَزِن عليهم؛ فقد كان يُحِبّ أنْ يؤمنوا، وأنْ يتمتعوا بالنعمة التي يتمتع هو بها. ولذلك نجد الحق سبحانه يقول عن رسوله صلى الله عليه وسلم: {أية : لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} تفسير : [التوبة: 128]. فمِنْ رأفته صلى الله عليه وسلم صَعُبَ على نفسه أنْ ينَال قومه مشقةٌ؛ فالرحمة والرأفة مصدرها ما وهبه الله إياه من فَهْم لقيمة نعمة الإيمان. وفي آية أخرى يقول سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم: {أية : فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفاً} تفسير : [الكهف: 6]. أي: أنه لن ينقصَ منك شيء في حالة عدم إيمانهم، ولن يزيدك إيمانهم أجراً؛ ذلك أن عليك البلاغَ فقط؛ فلماذا تحزن على عدم إيمانهم؟ وقول الحق سبحانه هنا: {وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ..} [الحجر: 88]. دليل على أن رسول الله صل الله عليه وسلم كان حريصاً على أن يُؤمِن قومه، محبةً فيهم، وليتعرَّفوا على حلاوة الإيمان بالله. وكان صلى الله عليه وسلم يتألم ويحز في نفسه عدم إيمانهم، لدرجة أن الحق سبحانه قال له في آية أخرى: {أية : لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ * إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} تفسير : [الشعراء: 3-4]. وهنا يُوضِّح الحق سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم أن إيمانهم ليس أمراً صعباً عليه سبحانه؛ ذلك أنه قادر أنْ ينزِّل آية من السماء تجعلهم خاضعين؛ مؤمنين؛ لكنه سبحانه يحب أن يأتيه خَلْقُه محبةً، وأن يُحسِنوا استخدام ما وهبهم من خاصية الاختيار. فسبحانه لا يقهر أحداً على الإيمان به؛ فالإيمان عَمَل قلوب، وسبحانه لا يريد قوالب، وإنما يريد قلوباً خاشعة، ولو شاء سبحانه من خَلْقه أنْ يأتوه طواعية؛ فالقهر من القاهر يُثبِت له القدرة، ولكن أنْ يأتيَ الخَلْق إلى خالقهم طواعية؛ فهذا يُثبت له المحبوبية. والحق سبحانه يريد أن يكون الإيمان نابعاً من محبوبية العابد للمعبود؛ ولذلك يقول الحق سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم: {وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ..} [الحجر: 88]. ثم يُوجِّه له الأمر بأنْ يُوجّه طاقة الحنان والمودّة التي في قلبه إلى مَنْ يستحقها، وهم المؤمنون برسالته صلى الله عليه وسلم؛ وعليه أنْ يخفضَ جناحه للمؤمنين. فكُلُّ حركة من الإنسان هي نزوع يتحرَّك من بعد وُجدْان، والوُجْدان يُولِّد طاقة داخلية تُهيئ للنزوع وتدفع إليه، فإن حزن الرسول صلى الله عليه وسلم لعدم إيمان صناديد قريش برسالته؛ فهذا الحُزْن إنما يخصم ويأخذ من طاقته؛ فيأتيه الأمر من الحق سبحانه أن يُوفِّر طاقته، وأنْ يُوجِّهها لمَنْ آمن به؛ وأن يخفِضَ جناحه لهم. وخَفْض الجناح هو التواضُع؛ ذلك أن الجناحَ هو الجانب، فحين يأتيك إنسانٌ تريد أنْ تتكبَّر عليه؛ فهو يقول "فلان لَوَى عنِّي جانبه". وهكذا يأمر الحق سبحانه رسوله أن يتواضع مع المؤمنين؛ وأنْ يتوجه إليهم لا باستقامة قالبه، بل أن ينزل هذا القالب قليلاً وكلمة: {وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ ..} [الحجر: 88]. مأخوذة من خَفْض جناح الطائر، فالطائر يرفع جناحه عند الطيران، ولكن ما أنْ يلمسَ هذا الطائر فَرْخَه الصغير حتى يَخفِض جناحه له ليضمه إليه. إذن: فالطاقة التي كنتَ تُوجِّهها يا رسول الله إلى مَنْ لا يستحق؛ عليك أنْ تُوجِّهها لِمَنْ يستحقها، فيكفيك أن تُبلِّغ الناس جميعاً برسالتك؛ ومَنْ يؤمن منهم هو مَنْ يستحق طاقةَ حنانِك ورحمتك. وخَفْض الجناح لِمَنْ آمن برسالتك لا يورثه كِبْراً عليك؛ بل يزيده أدباً معك. وقد جاء في الأثر: "إذا عَزَّ أخوك فَهُنْه" أي: أنك إذا رأيتَ أخاك في وضع يعِزّ عليك، فَهُنْ له أنت. ومن قبل الإسلام قال الشاعر العربي: شعر : صَفَحْنَا عَنْ بَنِي ذُهْلٍ وقُلْنا القَوْمُ إخْوانُ عَسَى الأيامُ أنْ يَرْجِعْـ ـنَ قَوْماً كَالذِي كَانُوا فَلمَّا صَرَّح الشَّر فَأَمْسَى وَهْوَ عُرْيَانُ مَشَيْنَا مِشْيَةَ الليْثِ غَدا والليْثُ غَضْبان بِضَرْب فِيهِ تَوْهِينٌ وتَخْضِيعٌ وإقرانُ وَطَعْنٍ كَفَمِ الزِّقِّ غَدَا والزِّق مَلآنُ وَفِي الشَّرِّ نَجَاة حِيـ ـينَ لاَ يُنجِيكَ إحسَانُ وَبعضُ الحلمِ عِنْدَ الجَهـ ـلِ لِلْذلةِ إذْعَانُ تفسير : ونجد القرآن حينما يطبع خلق المؤمن بالله وبالمنهج؛ لا يطبعه بطابع واحد يتعامل به مع كل الناس، بل يجعل طَبْعه الخُلقي مطابقاً لموقف الناس منه، فيقول: {أية : أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ ..} تفسير : [المائدة: 54]. ويقول أيضاً في وصف المؤمنين: {أية : أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ ..} تفسير : [الفتح: 29]. وهكذا لم يطبع المؤمن على الشدة والعزة، بل جعله يتفاعل مع المواقف؛ فالموقف الذي يحتاج إلى الشدة فهو يشتد فيه؛ والموقف الذي يحتاج إلى لِينٍ فهو يلين فيه. والحكمة الشاعرة تقول: شعر : وَوَضْعُ النَّدى في مَوضْعِ السَّيف بالعلي مضر كَوَضْـعِ السَّـيْفِ فِي مَوْضـعِ النَّـدَى تفسير : ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: {وَقُلْ إِنِّيۤ ...}.
الأندلسي
تفسير : {لاَ تَمُدَّنَّ} ظاهره أنه خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمعنى نهي أمته عن ذلك لأن من أوتي القرآن شغله النظر فيه وامتثال تكاليفه وفهم معانيه عن الاشتغال بزهرة الدنيا ومد العين للشىء إنما هو لاستحسانه وإيثاره. {أَزْوَاجاً} أي أصنافاً ونهاه تعالى عن الحزن عليهم ان لم يؤمنوا وكان كثير الشفقة على من بعث إليه وأمره بخفض الجناح لمن آمن وهي كناية عن اللطف والرفق وأصله ان الطائر إذا ضم الفرخ إليه بسط جناحه له ثم قبضه على فرخه والجناحان من ابن آدم جانباه ثم أمره بأن يبلغ أنه النذير الكاشف لكم ما جئت به إليكم من تعذيبكم ان لم تؤمنوا. {كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ} يحتمل وجهين أحدهما أن يكون متعلقاً بقوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ}تفسير : [الحجر: 87] أي أنزلنا عليك مثل ما أنزلنا على المقتسمين القرآن فنسبوه إلى سحر وكذب وافتراء ومعنى عضين أي فرقاً والثاني أن يكون متعلقاً بقوله: اني أنا النذير المبين، أي إنذارك مثل إنذار المقسمين قال الزمخشري: فيه وجهان أحدهما: أن يتعلق بقوله: ولقد آتيناك، أي أنزلنا عليك مثل ما أنزلنا على أهل الكتاب وهم المقتسمون الذين جعلوا القرآن عضين حيث قالوا بعنادهم وعداوتهم بعضه حق موافق للتوراة والإِنجيل وبعضه باطل مخالف لهما فاقتسموه إلى حق وباطل وعضوه وقيل كانوا يستهزئون به فيقول بعضهم سورة البقرة لي ويقول آخر سورة آل عمران لي، ويجوز أن يراد بالقرآن ما يقرؤونه من كتبهم وقد اقتسموه بتحريفهم وبأن اليهود أقرت ببعض التوراة وكذبت ببعض والنصارى أقرت ببعض الإِنجيل وكذبت ببعض، وهذه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن صنيع قومه بالقرآن وتكذيبهم وقولهم: سحر وشعر وأساطير الأولين، بأن غيرهم من الكفرة فعلوا بغيره من الكتب نحو فعلهم. والثاني: أن يتعلق بقوله: وقل: إني أنا النذير المبين، أي وانذر قريشاً مثل ما أنزلنا من العذاب على المقتسمين يعني اليهود وهو ما جرى على قريظة والنضير جعل المتوقع بمنزلة الواقع وهو من الإِعجاز لأنه إخبار بما سيكون وقد كان ويجوز أن يكون الذين جعلوا القرآن عضين منصوباً بالنذير أي أنذر العضين الذين يجزؤون القرآن إلى شعر وسحر وأساطير مثل ما أنزلنا على المقتسمين وهم الاثنا عشر الذين اقتسموا مداخل مكة أيام الموسم فقعدوا في كل مدخل متفرقين لينفروا الناس عن الإِيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بعضهم: لا تغتروا بالخارج منا فإنه ساحر ويقول الآخر: كذاب، ويقول الآخر: شاعر، فأهلكهم الله يوم بدر وقتلهم بآفات كالوليد بن المغيرة، والعاصي بن وائل، والأسود بن المطلب وغيرهم، أو مثل ما أنزلنا على الرهط الذين تقاسموا على أن يبيتوا صالحاً عليه السلام والاقتسام بمعنى التقاسم. فإِن قلت إذا علقت قوله: كما أنزلنا بقوله: ولقد آتيناك. فما معنى توسط لا تمدن إلى آخره، قلت لما كان ذلك تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن تكذيبهم وعداوتهم اعترض بما هو مدد لمعنى التسلية من النهي عن الإِلتفات إلى دنياهم والتأسف على كونهم ومن الأمر بأن يقبل بمجامعه على المؤمنين "انتهى". أما الوجه الأول: وهو تعلق كما بآتينا فذكره أبو البقاء على تقدير وهو أن يكون في موضع نصب نعتاً لمصدر محذوف تقديره آتيناك سبعاً من المثاني إيتاء كما أنزلنا أو إنزالاً كما أنزلنا لأن آتيناك بمعنى أنزلنا عليك وأما قوله: ان المقسمين هم أهل الكتاب فهو قول الحسن ومجاهد ورواه الحوفي عن ابن عباس. وأما قوله: (اقتسموا القرآن) فهو قول ابن عباس فيما رواه عنه سعيد بن جبير، وأما قوله: اقتسموا، فقال بعضهم سورة البقرة إلى آخره. فقال عكرمة: وقال السدي: هم الأسود بن عبد المطلب والأسود بن عبد يغوث والوليد والعاصي والحارث بن قيس ذكروا القرآن فمن قائل النمل لي ومن قائل الذباب لي وآخر العنكبوت لي استهزاء فأهلكهم الله جميعهم وأما قوله: إن القرآن عبارة عما يقرؤونه من كتبهم إلى آخره فقاله مجاهد: وأما قوله: ويجوز ان يكون الذين جعلوا القرآن عضين منصوباً بالنذير أي إنذر العضين فلا يجوز أن يكون منصوباً بالنذير كما ذكر لأنه موصوف بالمبين ولا يجوز أن يعمل إذا وصف قبل ذكر المعمول على مذهب البصريين لا يجوز هذا عليم شجاع علم النحو فتفصل بين عليم وعلم بقولك شجاع وأجاز ذلك الكوفيون وهي مسألة خلافية ذكرت دلائلها في علم النحو، وأما قوله: الذين يجزؤون القرآن إلى شعر وسحر وأساطير، فمروي عن قتادة إلا أنه قال: بدل شعر كهانة، وأما قوله: الذين اقتسموا مداخل مكة فهو قول السائب وفيه ان الوليد بن المغيرة قال: ليقل بعضكم كاهن وبعضكم ساحر وبعضكم غاو وهم حنظلة بن أبي سفيان وعتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن المغيرة وأبو جهل والعاص بن هشام وأبو قيس بن الوليد وقيس بن الفاكه وزهير بن أمية وهلال بن عبد الأسود والسائب بن صيفي والنضر بن الحارث وأبو البحتري بن هشام وزمعة ابن الحجاج وأمية بن خلف وأوس بن المغيرة، تقاسموا على تكذيب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهلكوا جمعياً وأما قوله انهم الذين تقاسموا على أن يبيتوا صالحاً فقول عبد الله بن زيد قال ابن عطية: والكاف في كما متعلقة بفعل محذوف تقديره وقل إني أنا النذير عذاباً كالذي أنزلناه على المقتسمين؛ فالكاف اسم في موضع نصب هذا قول المفسرين وهو عندي غير صحيح لأن كما ليس هو مما يقوله محمد صلى الله عليه وسلم بل هو من قول الله فينفصل الكلام وإنما يترتب هذا القول بأن يقدر بأن الله تعالى قال له: أنذر عذاباً كما والذي أقول في هذا المعنى وقل: إني أنا النذير المبين كما قال قبلك رسلنا وأنزلنا عليهم كما أنزلنا عليك ويحتمل أن يكون المعنى وقل: إني أنا النذير المبين قد أنزلنا في الكتب أنك ستأتي نذيراً أو هذا على أن المقتسمين أهل الكتاب "انتهى". أما قوله: وهو عندي غير صحيح إلى آخره فقد استعذر بعضهم عن ذلك فقال: الكاف متعلقة بمحذوف دل عليه المعنى تقديره انا النذير بعذاب مثل ما أنزلنا، وان كان المنزل الله كما يقول بعض خواص الملك أمرنا بكذا وان كان الملك هو الآمر وأما قوله والذي أقوله في هذا المعنى إلى آخره فكلام مثبج ولعله من الناسخ ولعله أن يكون وأنزلنا عليك كما أنزلنا عليهم. {عِضِينَ} جمع عضة وهو جمع لا ينقاس جمع بالواو رفعاً وبالياء نصباً وجراً ولامه أصلها واو أو هاء يقال: عضيت تعضية أي فرقت وكل فرقة عضة يقولون للساحر عاضه وللساحر عاضهة والضمير في لنسألنهم يظهر عوده على المقتسمين وهو وعيد وسؤال تقريع. {فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ} الصدع الشق وتصدّع القوم تفرقوا وصدعته فانصدع أي شققته فانشق وقال مؤرج أصدع أفصل. وقال ابن الأعرابي: أفصد وما في بما موصولة بمعنى الذي والعائد عليها محذوف تقديره أمرته أي به وأمر يتعدى إلى اثنين أحدهما بنفسه والآخر بحرف الجر ويجوز حذفه وقد جمع الشاعر بينهما قال: شعر : أمرتك الخير فافعل ما أمرت به فقد تركتك ذا مال وذا نشب تفسير : والمفعول الأول في الآية هو ضمير المخاطب المستكن في تؤمر والثاني الهاء المحذوفة العائدة على ما الموصولة. قال الزمخشري: ويجوز أن تكون ما مصدرية أي بأمرك مصدر من المبنى المفعول "انتهى". هذا ينبني على مذهب من يجوز أن يكون المصدر يراد به ان والفعل المبني للمفعول والصحيح أن ذلك لا يجوز ثم أخبره تعالى أنه كفاه المستهزئين بمصائب أصابتهم لم يسع فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تكلف لها مشقة. قال عروة وابن جبير هم خمسة: الوليد بن المغيرة، والعاصي بن وائل، والأسود بن المطلب، وأبو زمعة، والأسود بن عبد يغوث، ومن بني خزاعة الحرب بن الطلاطلة. {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} وعيد لهم بالمجازاة على استهزائهم وجعلهم إلهاً مع الله في الآخرة كما جوزوا في الدنيا وكني بالصدر عن القلب لأنه محله وجعل سبب الضيق ما ينطقون به من الاستهزاء والطعن فيما جاء به ثم أمره تعالى بتنزيهه عما نسبوه إليه من اتخاذ الشريك معه مصحوباً بحمده والثناء عليه على ما أسدي إليه من نعمة النبوة والرسالة والتوحيد وغيرها من النعم فهذا في المعتقد والفعل القلبي وأمره بكونه من الساجدين والمراد أنه من المصلين وكني بالسجود عن الصلاة وهي أشرف أفعال الجسد وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد ثم أمره تعالى بالعبادة التي هي شاملة لجميع أنواع ما يتقرب إليه تعالى وهذه الأوامر معناها دم على كذا لأنه عليه السلام ما زال متلبساً بها أي دم على التسبيح والسجود والعبادة والجمهور على أن المراد باليقين الموت أي ما دمت حياً فلا تخل بالعبادة وقيل ليس باليقين من أسماء الموت وإنما العلم به يقين لا يمتري فيه عاقل نسمي يقيناً تجوزا أي يأتيك الأمر اليقين علمه ووقوعه.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):