Verse. 1891 (AR)

١٥ - ٱلْحِجْر

15 - Al-Hijr (AR)

وَقُلْ اِنِّىْۗ اَنَا النَّذِيْرُ الْمُبِيْنُ۝۸۹ۚ
Waqul innee ana alnnatheeru almubeenu

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وقل إني أنا النذير» من عذاب الله أن ينزل عليكم «المبين» البين الإنذار.

89

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما أمر رسوله بالزهد في الدنيا، وخفض الجناح للمؤمنين، أمره بأن يقول للقوم: {إِنّى أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ } فيدخل تحت كونه نذيراً، كونه مبلغاً لجميع التكاليف، لأن كل ما كان واجباً ترتب على تركه عقاب وكل ما كان حراماً ترتب على فعله عقاب فكان الأخبار بحصول هذا العقاب داخلاً تحت لفظ النذير، ويدخل تحته أيضاً كونه شارحاً لمراتب الثواب والعقاب والجنة والنار، ثم أردفه بكونه مبيناً، ومعناه كونه آتياً في كل ذلك بالبيانات الشافية والبينات الوافية، ثم قال بعده: {كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ } وفيه بحثان: البحث الأول: اختلفوا في أن المقتسمين من هم؟ وفيه أقوال: القول الأول: قال ابن عباس: هم الذين اقتسموا طرق مكة يصدون الناس عن الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقرب عددهم من أربعين. وقال مقاتل بن سليمان: كانوا ستة عشر رجلاً بعثهم الوليد بن المغيرة أيام الموسم، فاقتسموا عقبات مكة وطرقها يقولون لمن يسلكها لا تغتروا بالخارج منا، والمدعي للنبوة فإنه مجنون، وكانوا ينفرون الناس عنه بأنه ساحر أو كاهن أو شاعر، فأنزل الله تعالى بهم خزياً فماتوا شر ميتة، والمعنى: أنذرتكم مثل ما نزل بالمقتسمين. والقول الثاني: وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما في بعض الروايات أن المقتسمين هم اليهود والنصارى، واختلفوا في أن الله تعالى لم سماهم مقتسمين؟ فقيل لأنهم جعلوا القرآن عضين آمنوا بما وافق التوراة وكفروا بالباقي. وقال عكرمة: لأنهم اقتسموا القرآن استهزاء به، فقال بعضهم: سورة كذا لي. وقال بعضهم: سورة كذا لي. وقال مقاتل بن حبان: اقتسموا القرآن فقال بعضهم سحر. وقال بعضهم شعر، وقال بعضهم كذب، وقال بعضهم: أساطير الأولين. والقول الثالث: في تفسير المقتسمين. قال ابن زيد: هم قوم صالح تقاسموا لنبيتنه وأهله، فرمتهم الملائكة بالحجارة حتى قتلوهم، فعلى هذا والاقتسام من القسم لا من القسمة، وهو اختيار ابن قتيبة. البحث الثالث: أن قوله: {كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ } يقتضي تشبيه شيء بذلك فما ذلك الشيء؟ والجواب عنه من وجهين: الوجه الأول: التقدير: ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم كما أنزلنا على أهل الكتاب وهم المقتسمون الذين جعلوا القرآن عضين، حيث قالوا بعنادهم وجهلهم بعضه حق موافق للتوارة والإنجيل، وبعضه باطل مخالف لهما فاقتسموه إلى حق وباطل. فإن قيل: فعلى هذا القول كيف توسط بين المشبه والمشبه به قوله: { أية : وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ } تفسير : [الحجر: 88] إلى آخره؟ قلنا: لما كان ذلك تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن تكذيبهم وعداوتهم، اعترض بما هو مدار لمعنى التسلية من النهي عن الالتفات إلى دنياهم والتأسف على كفرهم. والوجه الثاني: أن يتعلق هذا الكلام بقوله: {وَقُلْ إِنّى أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ }. واعلم أن هذا الوجه لا يتم إلا بأحد أمرين: إما التزام إضمار أو التزام حذف، أما الإضمار فهو أن يكون التقدير إني أنا النذير المبين عذاباً كما أنزلناه على المقتسمين، وعلى هذا الوجه، المفعول محذوف وهو المشبه، ودل عليه المشبه به، وهذا كما تقول: رأيت كالقمر في الحسن، أي رأيت إنساناً كالقمر في الحسن، وأما الحذف فهو أن يقال: الكاف زائدة محذوفة، والتقدير: إني أنا النذير المبين ما أنزلناه على المقتسمين، وزيادة الكاف له نظير وهو قوله تعالى: { أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْء } تفسير : [الشورى: 11] والتقدير: ليس مثله شيء، وقال بعضهم: لا حاجة إلى الإضمار والحذف، والتقدير: إني أنا النذير أي أنذر قريشاً مثل ما أنزلنا من العذاب على المقتسمين وقوله: {ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلْقُرْءانَ عِضِينَ } فيه بحثان: البحث الأول: في هذا اللفظ قولان: الأول: أنه صفة للمقتسمين. والثاني: أنه مبتدأ، وخبره هو قوله: { أية : لَنَسْـئَلَنَّهُمْ } تفسير : [الحجر:92] وهو قول ابن زيد. البحث الثاني: ذكر أهل اللغة في واحد عضين قولين: القول الأول: أن واحدها عضة مثل عزة وبرة وثبة، وأصلها عضوة من عضيت الشيء إذا فرقته، وكل قطعة عضة، وهي مما نقص منها واو هي لام الفعل، والتعضية التجزئة والتفريق، يقال: عضيت الجزور والشاة تعضية إذا جعلتها أعضاء وقسمتها، وفي الحديث: « حديث : لا تعضية في ميراث إلا فيما احتمل القسمة » تفسير : أي لا تجزئه فيما لا يحتمل القسمة كالجوهرة والسيف. فقوله: {جَعَلُواْ ٱلْقُرْءَانَ عِضِينَ } يريد جزؤه أجزاء، فقالوا: سحر وشعر وأساطير الأولين ومفترى. والقول الثاني؛ أن واحدها عضة وأصلها عضهة، فاستثقلوا الجمع بين هاءين، فقالوا: عضة كما قالوا شفة، والأصل شفهة بدليل قولهم: شافهت مشافهة، وسنة وأصلها سنهة في بعض الأقوال، وهو مأخوذ من العضة بمعنى الكذب، ومنه الحديث: « حديث : إياكم والعضة » تفسير : وقال ابن السكيت: العضة بأن يعضه الإنسان ويقول فيه ما ليس فيه. وهذا قول الخليل فيما روى الليث عنه، فعلى هذا القول معنى قوله تعالى: {جَعَلُواْ ٱلْقُرْءانَ عِضِينَ } أي جعلوه مفترى. وجمعت العضة جمع ما يعقل لما لحقها من الحذف، فجعل الجمع بالواو والنون عوضاً مما لحقها من الحذف.

القرطبي

تفسير : في الكلام حذف؛ أي إني أنا النذير المبين عذاباً، فحذف المفعول، إذ كان الإنذار يدل عليه، كما قال في موضع آخر: {أية : أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ} تفسير : [فصلت: 13]. وقيل: الكاف زائدة، أي أنذرتكم ما أنزلنا على المقتسمين؛ كقوله: {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} تفسير : [الشورىٰ: 11]. وقيل: أنذرتكم مثل ما أنزلنا بالمقتسمين. وقيل: المعنى كما أنزلنا على المقتسمين، أي من العذاب وكفيناك المستهزئين، فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين الذي بغَوْا؛ فإنا كفيناك أولئك الرؤساء الذين كنت تلقى منهم ما تلقى. وٱختلف في «الْمُقْتَسِمِينَ» على أقوال سبعة: الأوّل: قال مقاتل والفراء: هم ستة عشر رجلاً بعثهم الوليد بن المغيرة أيام الموسم فٱقتسموا أعقاب مكة وأنقابها وفجاجها يقولون لمن سلكها: لا تغترُّوا بهذا الخارج فينا يدّعي النبوة؛ فإنه مجنون، وربما قالوا ساحر، وربما قالوا شاعر، وربما قالوا كاهن. وسُمُّوا المقتسمين لأنهم اقتسموا هذه الطرق، فأماتهم الله شرّ مِيتة، وكانوا نصبوا الوليد بن المغيرة حَكَماً على باب المسجد، فإذا سألوه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: صدق أولئك. الثاني: قال قتادة: هم قوم من كفار قريش اقتسموا كتاب الله فجعلوا بعضه شعراً، وبعضه سحراً، وبعضه كهانة، وبعضه أساطير الأوّلين. الثالث: قال ابن عباس: هم أهل الكتاب آمنوا ببعضه وكفروا ببعضه. وكذلك قال عكرمة: هم أهل الكتاب، وسُمّوا مقتسمين لأنهم كانوا مستهزئين، فيقول بعضهم: هذه السورة لي وهذه السورة لك. وهو القول الرابع. الخامس: قال قتادة: قسموا كتابهم ففرّقوه وبددوه وحرّفوه. السادس: قال زيد بن أسلم: المراد قوم صالح، تقاسموا على قتله فسُمّوا مقتسمين؛ كما قال تعالى: {أية : تَقَاسَمُواْ بِٱللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ} تفسير : [النمل: 49]. السابع: قال الأخفش: هم قوم اقتسموا أيماناً تحالفوا عليها. وقيل: إنهم العاص بن وائل وعتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو جهل بن هشام وأبو البَخْتَرِيّ بن هشام والنضر بن الحارث وأمية بن خلف ومنبّه بن الحجاج؛ ذكره الماورديّ.

البيضاوي

تفسير : {وَقُلْ إِنِّى أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ } أنذركم ببيان وبرهان أن عذاب الله نازل بكم إن لم تؤمنوا.

ابن كثير

تفسير : يأمر تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول للناس: {إِنِّىۤ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ} البين النذارة، نذير للناس من عذاب أليم أن يحل بهم على تكذيبه؛ كما حل بمن تقدمهم من الأمم المكذبة لرسلها، وما أنزل الله عليهم من العذاب والانتقام. وقوله: {ٱلْمُقْتَسِمِينَ} أي: المتحالفين، أي: تحالفوا على مخالفة الأنبياء وتكذيبهم وأذاهم؛ كقوله تعالى إخباراً عن قوم صالح: أنهم {أية : قَالُواْ تَقَاسَمُواْ بِٱللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ} تفسير : [النمل: 49] الآية، أي: نقتلهم ليلاً، قال مجاهد: تقاسموا وتحالفوا {أية : وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ لاَ يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ} تفسير : [النحل: 38] {أية : أَوَلَمْ تَكُونُوۤاْ أَقْسَمْتُمْ مِّن قَبْلُ} تفسير : [إبراهيم: 44] الآية {أية : أَهَـٰۤؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لاَ يَنَالُهُمُ ٱللَّهُ بِرَحْمَةٍ} تفسير : [الأعراف: 49] فكأنهم كانوا لا يكذبون بشيء من الدنيا إلا أقسموا عليه، فسموا مقتسمين، قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: المقتسمون أصحاب صالح الذين تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله. وفي الصحيحين عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إنما مثلي ومثل ما بعثني الله به كمثل رجل أتى قومه فقال: يا قوم إني رأيت الجيش بعيني، وإني أنا النذير العريان، فالنجاء النجاء، فأطاعه طائفة من قومه، فأدلجوا وانطلقوا على مهلهم فنجوا، وكذبه طائفة منهم فأصبحوا مكانهم، فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم، فذلك مثل من أطاعني واتبع ما جئت به، ومثل من عصاني وكذب ما جئت به من الحق»تفسير : وقوله: { ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلْقُرْءَانَ عِضِينَ} أي: جزؤوا كتبهم المنزلة عليهم، فآمنوا ببعض، وكفروا ببعض. قال البخاري: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا هشيم، أنبأنا أبو بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس {جَعَلُواْ ٱلْقُرْءَانَ عِضِينَ} قال: هم أهل الكتاب جزؤوه أجزاء، فآمنوا ببعضه، وكفروا ببعضه. حدثنا عبيد الله بن موسى عن الأعمش عن أبي ظبيان، عن ابن عباس: {جَعَلُواْ ٱلْقُرْءَانَ عِضِينَ} قال: هم أهل الكتاب، جزؤوه أجزاء، فآمنوا ببعضه، وكفروا ببعضه. حدثنا عبيد الله بن موسى عن الأعمش عن أبي ظبيان، عن ابن عباس قال: {جَعَلُواْ ٱلْقُرْءَانَ عِضِينَ} قال: هم أهل الكتاب جزؤوه أجزاء فآمنوا ببعضه، وكفروا ببعضه، حدثنا عبيد الله بن موسى عن الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس قال: { كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ} قال: آمنوا ببعض، وكفروا ببعض: اليهود والنصارى. قال ابن أبي حاتم: وروي عن مجاهد والحسن والضحاك وعكرمة وسعيد بن جبير وغيرهم نحو ذلك، وقال الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس: {جَعَلُواْ ٱلْقُرْءَانَ عِضِينَ} قال: السحر، وقال عكرمة: العضه: السحر بلسان قريش، تقول للساحرة: إنها العاضهة، وقال مجاهد: عضوه أعضاء، قالوا: سحر، وقالوا: كهانة، وقالوا: أساطير الأولين، وقال عطاء: قال بعضهم: ساحر، وقالوا: مجنون، وقال: كاهن، فذلك العضين، وكذا روي عن الضحاك وغيره. وقال محمد بن إسحاق عن محمد بن أبي محمد عن عكرمة، أو سعيد بن جبير عن ابن عباس: أن الوليد بن المغيرة اجتمع إليه نفر من قريش، وكان ذا شرف فيهم، وقد حضر الموسم فقال لهم: يا معشر قريش إنه قد حضر هذا الموسم، وإن وفود العرب ستقدم عليكم فيه، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا، فأجمعوا فيه رأياً واحداً، ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضاً، ويرد قولكم بعضه بعضاً، فقالوا: وأنت يا أبا عبد شمس فقل، وأقم لنا رأياً نقول به، قال: بل أنتم قولوا لأسمع، قالوا: نقول: كاهن، قال: ما هو بكاهن، قالوا: فنقول: مجنون، قال: ما هو بمجنون، قالوا: فنقول: شاعر، قال: ما هو بشاعر، قالوا: فنقول: ساحر، قال: ما هو بساحر، قالوا: فماذا نقول؟ قال: والله إن لقوله لحلاوة، فما أنتم بقائلين من هذا شيئاً إلا عرف أنه باطل، وإن أقرب القول أن تقولوا: هو ساحر، فتفرقوا عنه بذلك، وأنزل الله فيهم: { ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلْقُرْءَانَ عِضِينَ} أصنافاً { فَوَرَبِّكَ لَنَسْـئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } أولئك النفر الذين قالوا ذلك لرسول لله. وقال عطية العوفي عن ابن عمر في قوله: {لَنَسْـئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} { عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} قال: عن لا إله إلا الله. وقال عبد الرزاق: أنبأنا الثوري عن ليث، هو ابن أبي سليم، عن مجاهد في قوله تعالى: {لَنَسْـئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} قال: عن لا إله إلا الله، وقد روى الترمذي وأبو يعلى الموصلي وابن جرير وابن أبي حاتم من حديث شريك القاضي، عن ليث بن أبي سليم عن بشير بن نهيك، عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم { فَوَرَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} قال: «حديث : عن لا إله إلا الله» تفسير : ورواه ابن إدريس عن ليث عن بشير عن أنس موقوفاً، وقال ابن جرير: حدثنا أحمد، حدثنا أبو أحمد، حدثنا شريك عن هلال عن عبد الله بن عكيم، قال: ورواه الترمذي وغيره من حديث أنس مرفوعاً، وقال عبد الله، هو ابن مسعود: والذي لا إله غيره ما منكم من أحد إلا سيخلو الله به يوم القيامة كما يخلو أحدكم بالقمر ليلة البدر، فيقول: ابن آدم ماذا غرك مني بي؟ ابن آدم ماذا عملت فيما علمت؟ ابن آدم ماذا أجبت المرسلين؟ وقال أبو جعفر عن الربيع عن أبي العالية في قوله: { فَوَرَبِّكَ لَنَسْـئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } قال: يسأل العباد كلهم عن خلتين يوم القيامة: عما كانوا يعبدون، وماذا أجابوا المرسلين. وقال ابن عيينة: عن عملك، وعن مالك. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن أبي الحُوَّاري، حدثنا يونس الحذاء عن أبي حمزة الشيباني عن معاذ بن جبل قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يا معاذ إن المرء يسأل يوم القيامة عن جميع سعيه حتى كحل عينيه، وعن فتات الطينة بأصبعه، فلا ألفينك يوم القيامة وأحدٌ غيرُك أسعدُ بما آتاك الله منك» تفسير : وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْـئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } ثم قال: {أية : فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْـئَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ} تفسير : [الرحمن: 39] قال: لا يسألهم هل عملتم كذا؟ لأنه أعلم بذلك منهم، ولكن يقول: لم عملتم كذا وكذا؟.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَقُلْ إِنِّى أَنَا ٱلنَّذِيرُ } من عذاب الله أن ينزل عليكم {ٱلْمُبِينُ } البين الإِنذار.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل:{كما أنزلنا على المقتسمين}فيهم سبعة أقاويل: أحدها: أنهم أهل الكتاب من اليهود والنصارى اقتسموا القرآن فجعلوه أعضاءً أي أجزاءً فآمنوا ببعض منها وكفروا ببعض، قاله ابن عباس. الثاني: أنهم أهل الكتاب اقتسموا القرآن استهزاءً به، فقال بعضهم: هذه السورة لي، وهذه السورة لك، فسموا مقتسمين، قاله عكرمة. الثالث: أنهم أهل الكتاب اقتسموا كتبهم، فآمن بعضهم ببعضها، وآمن آخرون منهم بما كفر به غيرهم وكفروا بما آمن به غيرهم، فسماهم الله تعالى مقتسمين، قاله مجاهد. الرابع: أنهم قوم صالح تقاسموا على قتله، فسموا مقتسمين، كما قال تعالى {أية : قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله} تفسير : [النمل:49] قاله ابن زيد. الخامس: أنهم قوم من كفار قريش اقتسموا طرق مكة ليتلقوا الواردين إليها من القبائل فينفروهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه ساحر أو شاعر أو كاهن أو مجنون، حتى لا يؤمنوا به، فأنزل الله تعالى عليهم عذاباً فأهلكهم، قاله الفراء. السادس: أنهم قوم من كفار قريش قسموا كتاب الله، فجعلوا بعضه شعراً وبعضه كهانة وبعضه أساطير الأولين، قاله قتادة. السابع: أنهم قوم أقسموا أيماناً تحالفوا عليها، قاله الأخفش. وقيل إنهم العاص بن وائل وعبتة وشيبة ابنا ربيعة وأبو جهل بن هشام وأبو البختري بن هشام والنضر بن الحارث، وأمية بن خلف ومنبه بن الحجاج. قوله عز وجل:{الذين جعلوا القرآن عضين}فيه أربعة تأويلات: أحدها: يعني فرقاً، فجعلوا بعضه شعراً، وبعضه سحراً، وبعضه كهانة، وبعضه أساطير الأولين، فجعلوه أعضاء كما يعضّى الجزور و{عضين}جمع عضو، مأخوذ من عضَّيت الشيء تعضية إذا فرقته كما قال رؤبة بن العجاج: شعر : وليس دينُ الله بالمعضى تفسير : يعني بالمفرَّق، قاله ابن عباس والضحاك. الثاني: أن العضين جمع عضه وهو البهت، ومن قولهم: عضهتُ الرجل أعضهه عضهاً إذا بهتّه، لأنهم بهتوا كتاب الله تعالى فيما رموه به، قاله قتادة. ومنه قول الشاعر: شعر : إن العضيهة ليستْ فعل أحرار تفسير : الثالث: أن العضين المستهزئون، لأنه لما ذكر في القرآن البعوض والذباب والنمل والعنكبوت قال أحدهم: أنا صاحب البعوض، وقال آخر: أنا صاحب الذباب وقال آخر: أنا صاحب النمل. وقال آخر: أنا صاحب العنكبوت، استهزاء منهم بالقرآن، قاله الشعبي والسدي. الرابع: أنه عنى بالعضه السحر، لأنهم جعلوا القرآن سحراً، قاله مجاهد، قال الشاعر: شعر : لك من عضائهن زمزمة تفسير : يعني من سحرهن. وقال عكرمة: العضه السحر بلسان قريش يقولون للساحرة العاضهة، ومنه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لعن العاضهة والمستعضهه، يعني الساحرة والمستسحرة. وفي اشتقاق العضين وجهان: أحدهما: أنه مشتق من الأعضاء، وهو قول عبيدة. الثاني: أنه مشتق من العضه وهو السحر، وهو قول الفراء. قوله عز وجل:{فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون}فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يعني عما كانوا يعبدون، قاله أبو العالية. الثاني: عما كانوا يعبدون، وماذا أجابوا المرسلين، رواه الربيع بن أنس.

الخازن

تفسير : {وقل} أي وقل لهم يا محمد {إني أنا النذير المبين} لما أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بالزهد في الدنيا، والتواضع للمؤمنين أمره بتبليغ ما أرسل به إليهم، والنذارة تبليغ مع تخويف والمعنى: إني أنا النذير بالعقاب لمن عصاني المبين النذارة {كما أنزلنا المقتسمين} يعني أنذركم عذاباً كعذاب أنزلناه بالمقتسمين، قال ابن عباس: أراد بالمقتسمين اليهود والنصارى. وهو قول الحسن ومجاهد وقتادة: سموا بذلك لأنهم آمنوا ببعض القرآن وكفروا ببعضه، فما وافق كتبهم آمنوا به وما خالف كتبهم كفروا به، وقال عكرمة: إنهم اقتسموا سور القرآن فقال واحد منهم هذه السورة لي وقال: آخر هذه السورة لي، وإنما فعلوا ذلك استهزاء به، وقال مجاهد: إنهم اقتسموا كتبهم فآمنوا ببعضها وكفروا ببعضها، وكفر آخرون منهم بما آمن به غيرهم. وقال قتادة وابن السائب: أراد بالمقتسمين كفار قريش سموا بذلك لأن أقوالهم تقسمت في القرآن. فقال بعضهم: إنه سحر وزعم بعضهم إنه كهانة وزعم بعضهم إنه أساطير الأولين وقال ابن السائب: سموا بالمقتسمين لأنهم اقتسموا عقاب مكة وطرقها، وذلك أن الوليد بن المغيرة بعث رهطاً من أهل مكة. قيل ستة عشر. وقيل: أربعين. فقال لهم: انطلقوا فتفرقوا على عقاب مكة وطرقها حيث يمر بكم أهل الموسم، فإذا سألوكم عن محمد فليقل بعضكم إنه كاهن وليقل بعضكم إنه شاعر، وليقل بعضكم إنه ساحر فإذا جاؤوا إلي صدقتكم فذهبوا وقعدوا على عقاب مكة وطرقها يقولون لمن مر بهم من حجاج العرب: لا تغتروا بهذا الخارج الذي يدعي النبوة منا فإنه مجنون كاهن، وشاعر. وقعد الوليد بن المغيرة على باب المسجد الحرام فإذا جاؤوا وسألوه عما قال: أولئك المقتسمون. قال: صدقوا. وقوله سبحانه وتعالى: {الذين جعلوا القرآن عضين} (خ) عن ابن عباس في قوله تعالى الذين جعلوا القرآن عضين. قال: هم اليهود والنصارى جزؤوه أجزاء آمنوا ببعض وكفروا ببعض، قيل: هو جمع عضة من قولهم عضيت الشيء إذا فرقته، وجعلته أجزاء وذلك لأنهم جعلوا القرآن أجزاء مفرقة. فقال بعضهم: هو سحر. وقال بعضهم: هو كهانة. وقال بعضهم: هو أساطير الأولين. وقيل: هو جمع عضة. وهوالكذب والبهتان وقيل: المراد به العضة وهو السحر يعني أنهم جعلوا القرآن عضين {عما كانوا يعملون} يعني عما كانوا يقولونه في القرآن. وقيل: عما كانوا يعملون من الكفر والمعاصي. وقيل: يرجع الضمير في لنسألنهم إلى جميع الخلق المؤمن والكافر لأن اللفظ عام فحمله على العموم أولى قال جماعة من أهل العلم عن لا إله إلا الله عن أنس عن النبي صلى الله عليه سلم "حديث : في قوله: لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون قال: "عن قول لا إله إلا الله"" تفسير : أخرجه الترمذي. وقال: حديث غريب وقال أبو العالية: يسأل العباد عن خلتين عما كانوا يعبدون، وماذا أجابوا المرسلين. فإن قلت: كيف الجمع بين قوله لنسألنهم أجمعين وبين قوله {أية : فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان}تفسير : [الرحمٰن: 39] قلت: قال ابن عباس: لا يسألهم هل عملتم لأنه أعلم به منهم، ولكن يقول لم عملتم كذا واعتمده قطرب فقال: السؤال ضربان سؤال استعلام وسؤال توبيخ فقال تعالى {أية : فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان}تفسير : [الرحمٰن: 39] يعني سؤال استعلام وقوله {لنسألنهم أجمعين} سؤال توبيخ وتقريع وجواب آخر، وهو يروى عن ابن عباس أيضاً أنه قال في الآيتين: إن يوم القيامة يوم طويل فيه مواقف فيسألون في بعض المواقف ولا يسألون في بعضها نظيره قوله سبحانه وتعالى {أية : هذا يوم لا ينطقون}تفسير : [المرسلات: 35] وقال تعالى في آية أخرى {أية : ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون}تفسير : [الزمر: 31] قوله سبحانه وتعالى {فاصدع بما تؤمر} قال ابن عباس: أظهر. ويروى عنه أمضه. وقال الضحاك: أعلم وأصل الصدع الشق والفرق أي أفرق بالقرآن بين الحق الباطل أمر النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآية بإظهار الدعوة وتبليغ الرسالة إلى من أرسل اليهم قال عبد الله بن عبيدة. ما زال النبي صلى الله عليه وسلم مستخفياً حتى نزلت هذه الآية، فخرج هو وأصحابه {وأعرض عن المشركين} أي اكفف عنهم ولا تلتفت إلى لومهم على إظهار دينك، وتبليغ رسالة ربك وقيل أعرض عن الاهتمام باستهزائهم، وهو قوله سبحانه وتعالى {إنا كفيناك المستهزئين} أكثر المفسرين على أن هذا الإعراض منسوخ بآية القتال. وقال بعضهم: ما للنسخ وجه لأن معنى الإعراض ترك المبالاة بهم، والالتفات إليهم، فلا يكون منسوخاً، وقوله تعالى إنا كفيناك المستهزئين يقول الله تعالى عز وجل لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم فاصدع بما أمرتك به ولا تخف أحداً غيري فإني أنا كافيك، وحافظك ممن عاداك فإنا كفيناك المستهزئين وكانوا خمسة نفر من رؤساء كفار قريش، كانوا يستهزئون بالنبي صلى الله عليه وسلم وبالقرآن وهم: الوليد بن المغيرة المخزومي وكان رأسهم، والعاص بن وائل السهمي، والأسود بن المطلب بن الحارث بن أسد بن عبدالعزى بن زمعة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد دعا عليه فقال: اللهم أعم بصره وأثكله بولده. والأسود بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة، والحارث بن قيس ابن الطلاطلة كذا ذكره البغوي. وقال ابن الجوزي: الحارث بن قيس ابن عيطلة وقال الزهري: عيطلة أمه وقيس أبوه فهو منسوب إلى أبيه وأمه قال المفسرون: أتى جبريل عليه السلام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمستهزئون يطوفون بالبيت فقام جبريل، وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنبه فمر به الوليد بن المغيرة فقال جبريل: يا محمد كيف تجد هذا قال بئس عبد الله فقال: قد كفيته وأومأ إلى ساق الوليد فمرّ الوليد برجل من خزاعة نبال بريش نبلاً له، وعليه برد يماني وهو يجر إزاره فتعلقت شظية من النبل بإزار الوليد، فمنعه الكبر أن يطأطىء رأسه فينزعها وجعلت تضربه في ساقه، فخدشته فمرض فمات، ومر بهما العاص بن وائل السهمي فقال جبريل: كيف تجد هذا يا محمد؟ فقال: بئس عبد الله، فأشار جبريل إلى أخمص قدمه وقال: قد كفيته. فخرج العاص على راحلة يتنزه، ومعه ابناه فنزل شعباً من تلك الشعاب فوطىء شبرقة فدخل منها شوكة في أخمص رجله، فقال: لدغت لدغت فطلبوا فلم يجدوا شيئاً وانتفخت رجله حتى صارت مثل عنق البعير، فمات مكانه. ومر بهما الأسود بن المطلب فقال جبريل: كيف تجد هذا يا محمد؟ فقال: عبد سوء فأشار جبريل بيده إلى عينيه. وقال: قد كفيته فعمي. قال ابن عباس: رماه جبريل بورقة خضراء فألهب بصره ووجعت عينه فجعل يضرب برأسه الجدار، حتى هلك وفي رواية الكلبي قال: أتاه جبريل وهو قاعد في أصل شجرة ومعه غلام له وفي رواية فجعل ينطح رأسه في الشجرة ويضرب وجهه بالشوك فاستغاث بغلامه، فقال له غلامه: ما أرى أحداً يصنع بك شيئاً غيرك فمات، وهو يقول قتلني محمد ومر بهما الأسود ابن عبد يغوث فقال جبريل: كيف تجد هذا يا محمد؟ فقال: بئس عبد الله على أنه خالي. فقال جبريل: قد كفيته وأشار إلى بطنه فاستسقى بطنه فمات. وفي رواية الكلبي أنه خرج من أهله. فأصابه سموم فاسود وجهه حتى صار حبشياً، فأتى أهله لم يعرفوه وأغلقوا دونه الباب فمات، وهو يقول: قتلني رب محمد. ومر بهما الحارث بن قيس فقال جبريل: كيف تجد هذا يا محمد؟ فقال: عبد سوء فأومأ جبريل إلى رأسه. وقال قد كفيته فامتخط قيحاً فقتله. قال ابن عباس: إنه أكل حوتاً مالحاً فأصابه العطش فلم يزل يشرب الماء حتى أنقد بطنه فمات. فذلك قوله تعالى {إنا كفيناك المستهزئين} يعني بك وبالقرآن.

السلمي

تفسير : قال يوسف بن الحسين: أذن الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم أن يخبر عن نفسه بأنه السفير الأجل والمعلم الظاهر والبيان الشافى بقوله: {إِنِّيۤ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ}. قال يوسف بن الحسين قوله: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [الآية: 92-93]. قال الواسطى: غفلة العامة هى المسئول عنها أهل الحقائق من حركات الأطراف وخطرات القلب، وهواجس السر. قال الجنيد: لنسألن أهل الحقائق عن تصحيح ما أظهروه للناس من الدعاوى، وتحقيقها. قال الواسطى: يطالب الأنبياء، والأولياء بمثاقيل الذر لدنو رتبتهم، ولا يطالب للعام بذلك لبعدهم عن مصادر النبيين صلوات الله عليهم أجمعين. قال بعضهم: نسئلهم عن كل حركة وسكون فبماذا كانت حركتهم، ولماذا كان سكونهم، وبلغنى عن بعض المشايخ. قال لبعض المريدين إياك، وهذه الدعاوى فإن الله تعالى سائلك عنها قال: المريد لو علمت أن الله تعالى يكلمنى يوم القيامة، أو يسألنى عن هذا لما كان منى فى طول عمرى إلا هذا وأنا ممن يصلح لمخاطبة الحق، وللوقوف بين يديه وسقط ومات رحمه الله.

القشيري

تفسير : لمَّا لم يكن بنفسه وكان قائماً بحقه - سبحانه وتعالى - سَلّمَ له أن يقول: إني وأنا. وفي الخبر: أن جابراً دَقَّ عليه الباب، فقال: مَنْ؟ قال: أنا... فقال النبي عليه السلام: "أنا أنا"... كأنه كرهها. ويقال: قُلْ لا حدَّ لاستهلاكك فينا، سلَّمنا أن تقول: إني أنا، لما كنتَ بنا ولنا.

اسماعيل حقي

تفسير : {وقل انى انا النذير المبين} اى المنذر المظهر لنزول عذاب الله وحلوله. وقال فى انسان العيون ذكر فى سبب نزول قوله تعالى {أية : ولقد آتيناك سبعا من المثانى والقرآن العظيم} تفسير : ان عيرا لابى جهل قدمت من الشام بمال عظيم وهى سبع قوافل ورسول الله واصحابه ينظرون اليها واكثر اصحابه بهم عرى وجوع فخطر ببال النبى عليه السلام شيء لحاجة اصحابه فنزلت اى اعطيناك سبعا من المثانى مكان سبع قوافل فلا تنظر لما اعطيناه لابى جهل وهو متاع الدنيا الدنية ولا تحزن على اصحابك واخفض جناحك لهم فان تواضعك لهم اطيب لقلوبهم من ظفرهم بما يجب من اسباب الدنيا. ففى زوائد الجامع الصغير (ان لو فاتحة الكتاب جعلت فى كفة الميزان والقرآن فى الكفة الاخرى لفضلت فاتحة الكتاب على القرآن سبع مرات). وفى لفظ (فاتحة الكتاب شفاء من كل داء) ذكر فى خواص القرآن انه اذا كتبت الفاتحة فى اناء طاهر ومحيت بماء طاهر وغسل وجه المريض بها عوفى باذن الله تعالى واذا كتبت بمسك فى اناء زجاج ومحيت بماء الورد وشرب ذلك الماء البليد الذهن الذى لا يحفظ سبعة ايام زالت بلادته وحفظ ما يسمع. والاشارة قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم وهو الانسان الكامل {أية : ولقد آتيناك سبعا} تفسير : هى سبع صفات ذاتية لله تبارك وتعالى السمع والبصر والكلام والحياة والعلم والارادة والقدرة {أية : من المثانى} تفسير : اى من خصوصية المثانى وهى المظهرية والمظهرية لذاته وصفاته مختصة بالانسان فان غير الانسان لم توجد له المظهرية ولو كان ملكا ومن ههنا يكشف سر من اسرار وعلم آدم الاسماء كلها فمنها اسماء صفات الله وذاته لان آدم كان مظهرها ومظهرها وكان الملك مظهر بعض صفاته ولم يكن مظهرا ولذا قال تعالى {أية : ثم عرضهم على الملائكة فقال انبئونى باسماء هؤلاء ان كنتم صادقين} تفسير : فلما لم يكونوا مظهرها وكانوا مظهر بعضها {أية : قالوا سبحانك لا علم لنا الا ما علمتنا} تفسير : ولهذا السر اسجد الله الملائكة لآدم عليه السلام {أية : والقرآن العظيم} تفسير : اى حقائقه القائمة بذاته تعالى وخلقا من اخلاقه القديمة بان جعل القرآن العظيم خلقه العظيم كما قال تعالى {أية : وانك لعلى خلق عظيم} تفسير : ولما سئلت عائشة رضى الله عنها عن خلق النبى صلى الله عليه وسلم قالت كان خلقه القرآن وفى قوله {أية : لا تمدن عينيك الى ما متعنا به ازواجا منهم} تفسير : اشارة الى ان الله تعالى اذا انعم على عبده ونبيه بهذه المقامات الكريمة والنعم العظيمة يكون من نتائجها ان لا يمد عينيه لا عين الجسمانى ولا عين الروحانى الى ما متع الله به ازواجا من الدنيا والآخرة منهم اى من اهلها {أية : ولا تحزن عليهم} تفسير : اى على ما فاته من مشاركتهم فيها كما كان حالة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج اذ يغشى السدرة ما يغشى من نعيم الدارين ما زاغ البصر برؤيتها وما طغى بالميل اليها ثم قال {أية : واخفض جناحك للمؤمنين} تفسير : فى هذا المقام قياما باداء تشكر نعم الله وتواضعا له لنزيدك بها فى النعمة والرفعة. وفيه معنى آخر واخفض بعد وصولك الى مقام المحبوبية جناحك لمن اتبعك من المؤمنين لتبلغهم على جناح همتك العالية الى مقام المحبوبية يدل على هذا التأويل قوله تعالى {أية : قل ان كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله} تفسير : كما فى التأويلات النجمية

الجنابذي

تفسير : {وَقُلْ} بالنسبة الى من نهيتك عن الرّغبة فى ظاهرهم والحزن على باطنهم {إِنِّيۤ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ} الّذى يظهر انذاره بحيث لا يخفى دلالته على صدقه ولا دلالته على المنذر به.

الهواري

تفسير : قوله: { وَقُلْ إِنِّيَ أَنَا النَّذِيرُ المُبِينُ} أي: أنذر الناس النار. قوله: { كَمَا أَنزَلْنَا عَلَى المُقْتَسِمِينَ الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْءَانَ عِضِينَ}. تفسير الحسن: يقول [الله]: إنا أنزلنا عليك القرآن كما أنزلنا على المقتسمين. والمقتسمون أهل الكتابين الذين اقتسموه فجعلوه كتباً بعد إذ كان كتاباً واحداً، فجعلوه كالأعضاء، وحرّفوه عن مواضعه، ثم قالوا: هذا من عند الله. وكتب الله كلها قرآن. وقال في آية أخرى: (أية : فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ)تفسير : [المؤمنون:53]. وهي تقرأ على وجهين: زُبَراً و زُبُراً؛ فمن قرأها زُبَراً فهو يقول: قِطَعاً، ومن قرأها زبُراً فهو يقول: كتباً. ذكروا عن ابن عباس قال: هم اليهود والنصارى آمنوا ببعض وكفروا ببعض. وذكر بعضهم قال: هم رهط خمسة من قريش عضهوا كتاب الله، فزعم بعضهم أنه سحر، وزعم بعضهم أنه شعر، وزعم بعضهم أنه كهانة وزعم بعضهم أنه أساطير الأولين، وزعم بعضهم أن محمداً مجنون، وزعم بعضهم أنه كاذب. قال: أما أحدهم فالأسود بن عبد يغوث، أتى على نبي الله وهو عند البيت، فقال له المَلَك: كيف تجد هذا؟ فقال: بئس عبد الله. قال: قد كفيتكه. ثم أتى عليه الوليد بن المغيرة، فقال له: كيف تجد هذا؟ فقال: بئس عبدالله. قال: كفيتكه، ثم أتى عليه الأسود بن المطلب، فقال المَلَك: كيف تجد هذا؟ قال: بئس عبد الله. قال: كفيتكه. ثم أتى عليه العاص بن وائل، فقال له الملَك: كيف تجد هذا؟ قال: بئس عبد الله. قال: كفيتكه. فأما الأسود فأتى بغصن من شوك فضرب به على رأسه ووجهه حتى سالت حدقتاه، فكان يقول بعد ذلك: دعا عليّ محمد بدعوة، ودعوت عليه بأخرى، فاستجاب الله له فيّ، واستجاب لي فيه: دعا علي أن أُثكَل وأن أَعمى فكان كذلك. ودعوت عليه أن يصير طريداً شريداً وحيداً مع يهود يثرب وسراق الحج، فكان كذلك. وأما الوليد بن المغيرة فذهب يرتدي فتعلق بردائه سهم لا يدري راميه فأصاب أكحله فمات. وأما العاص بن وائل فوطئ على شوكة فأوتى في ذلك حتى تساقط لحمه عضواً عضواً فمات وهو كذلك. وأما الأسود بن المطلب وعدي بن قيس فلا أدري ما أصابها، وهم المستهزؤون، استهزأوا بكتاب الله وبنبيه. وقال بعضهم: هم خمسة نفر من قريش اقتسموا القرآن خمسة أجزاء، كل رجل منهم جزءاً نقضاً على محمد ورداً عليه. وفي تفسير الكلبي: إنهم سبعة عشر رجلاً قسموا على عِقَاب مكة لمن قدم مكة من الناس، يسألونهم عن محمد؛ فقالت طائفة: هو كاهن، إنما قوله كهانة، وقالت طائفة: إنما هو شاعر، وقالت طائفة: إنما هو مجنون يهذي من أم رأسه، وقالت طائفة منهم: إنما هو ساحر فعضهوا القرآن.

اطفيش

تفسير : {وَقُلْ إِنِّى} وسكن الياء غير نافع وابن كثير وأبى عمرو {أَنَا النَّذِيرُ} المخوف بعذاب الله على الكفر والمعاصى تخويفا كاملا يقصده دلائل وبراهين كما قال {الْمُبِينُ} الواضح بالدلائل والبراهين أو الموضح لذلك بهن وزعم بعض أن هذا منسوخ بالقتال على أن المعنى اقتصر على الإِنذار لا أقاتلكم وليس كذلك بل المعنى إِنما أنا نذير مبين لا غير نذير ولا نذير غير مبين.

اطفيش

تفسير : {وَقُلْ إِنِّى أَنَا النَّذِيرُ} بعذاب الله تثبيتاً للمؤمنين وزجراً للكفرة بأَنه ينزل إِن لم يؤمنوا وفى المؤْمنين أَيضاً ما ينذر عنه {الْمُبِينُ} الظاهر الإنذار، أو مبين لطرق النجاة وطريق الهلاك، وفى ضمن ذلك تبشير بالجنة للمؤمنين ووصفه بالمبين لأَن إنذاره أبين من إنذار غيره من الأنبياء لأَنه بلسان القال ولسان الحال لأَنه من أشراط الساعة، ولعله لهذا أنزلنا العذاب على المقتسمين، ويكفى هذا، وأوضح منه أن يقدر أنا النذير المبين بإنزال العذاب كما أنزلناه على المقتسمين اليهود والنصارى المقتسمين للكتب إذ آمنوا ببعض وكفروا ببعض، وأنزلنا بمعنى ننزل لأَن عذاب النضير وقريظة إِنما وقع بعد الهجرة باخراجهم، السورة مكية فالمعنى لتحقق الوقوع بعد، وكذا إن فسرنا المقتسمين بقريش الذين قسموا طرق مكة باثنتيى عشر رجلا أو ستة عشر أَو أَربعين فى مواسم الحج والأَسواق، وجعلوا فى كل طريق من يصد الناس عنه صلى الله عليه وسلم بكلام يقوله كساحر ومجنون وكاهن وشاعر وأساطير الأولين وتعليم بشر ونحو ذلك إنما هو بعد الهجرة، وقتلوا يوم بدر، وقيل: ماتوا بالحرب، قيل: ومنهم الوليد بن المغيرة، والمشهور أنه مات بخدشة السهم المسموم، فالإنذار بعذاب يشبه عذاباً سيقع، او الاقتسام افتعال من القسم وهو الحلف، فهم الرهط التسعة الذين تقاسموا أن يقتلوا صالحاً ليلا فرجموا بالحجارة، وهذا لا يناسبه قوله تعالى: {الَّذِين جَعلُوا الْقُرآنَ عِضِينَ} إلا إن جعلنا القرآن ما على عهد صالح من كتب الله، أَو قلنا لما خالفوا ما فيه صاروا كأَنهم جعلوه عضين ولو كان يجىء بعدهم، أَو تجعل الذين مبتدأٌ خبره: فوربك إلخ، ويجوز أن يعود التشبيه إلى آتيناك سبعاً لأَن الإِيتاءَ إنزال كأَنه قيل: ولقد أنزلنا إليك سبعاً من المثانى كما أنزلنا على المقتسمين إلخ، إلا إنه لا يتبادر تشبيه إنزال الآيات أو السور مثلا بإنزال العذاب إلا على التهكم بهم، أَو على الامتنان عليه صلى الله عليه وسلم بأَنا عوضنا أعداءَك العذاب فى مقابلة إنزال السبع عليك، وعضين جمع عضو أى أجزاء حذفت لامه فجمع جمع المذكر السالم، ولو كان غير عاقل، إلا أنه لم يعوض التاءَ، ثم اطلعت أَنه ورد فى كلام عضة بمعنى عضه فيكون قد عوض كسنة، وذلك أَن أَهل مكة جعلوا القرآن أَجزاء، بعض يقول سحر وبعض يقول كهانة وبعض يقول شعر، وهكذا، أَو أَهل الكتاب جعلوه قسمين؛ بعضه حق موافق للتوراة والإِنجيل، وبعضه باطل مخالف لهما، أَو قال بعض منهم استهزاء، سورة كذا من كتاب محمد لى، وقال آخر سورة كذا لى، وهكذا، أو قالوا هذه لك وهذه لى، أَو كفر أهل الكتاب ببعض كتبهم وآمن ببعض، أَو قول النصارى فى التوراة واليهود فى الإنجيل، وقد أمر النصارى بالإيمان بالتوراة واليهود بالإيمان بالإنجيل، وعلى هذا فالقرآن التوراة والإنجيل فيكون تسلية له صلى الله عليه وسلم بأنهم كفروا بكتبهم كما كفر قومك بكتابهم، وهذا إذا فسرنا الاقتسام إلى إقرار ما وافق هواهم وتبديل ما لم يوافقه أو إخفائه كما قال الله جل وعلا: تجعلونه قراطيس إلخ، أَو المفرد عضه بالهاء حذفت وعوضت التاء فجمع بمعنى أسحار أو كذب أَو بهتان.

الالوسي

تفسير : أي المنذر الكاشف نزول عذاب الله تعالى ونقمة المخوفة بمن لم يؤمن.

الواحدي

تفسير : {وقل إني أنا النذير المبين} أنذركم عذاب الله سبحانه، وأُبيِّن لكم ما يقرِّبكم إليه. {كما أنزلنا} أَيْ: عذابنا {على المقتسمين} وهم الذين اقتسموا طرق مكة يصدُّون الناس عن الإِيمان بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى بهم خزياً، فماتوا شرَّ ميتةٍ. {الذين جعلوا القرآن عضين} جزَّؤوه أجزاءً، فقالوا: سحرٌ، وقالوا: أساطير الأولين، وقالوا: مفترى. {فوربك لنسألنهم أجمعين}. {عما كانوا يعملون} أَيْ: يفترون من القول في القرآن. يريد: لنسألنَّهم سؤال توبيخٍ وتقريعٍ. {فاصدع بما تؤمر} يقول: أَظهرْ ما تؤمر، واجهر بأمرك، {وأعرض عن المشركين} لا تُبالِ بهم، ولم يزل النبيُّ صلى الله عليه وسلم مستخفياً حتى نزلت هذه الآية. {إنا كفيناك المستهزئين} وكانوا خمسة نفرٍ: الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، وعدي بن قيس، والأسود بن المطلب، والأسود بن عبد يغوث، سلَّط الله سبحانه عليهم جبريل عليه السَّلام حتى قتل كلَّ واحدٍ منهم بآفةٍ، وكفى نبيه عليه السَّلام شرَّهم.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: النذير المبين: المبين النذارة. على المقتسمين: أي الذين قسموا كتاب الله فقالوا فيه شعر، وقالوا سحر، وقالوا كهانة. جعلوا القرآن عضين: هم المقسمون للقرآن وجعلوه عضين جمع عضة وهي القطعة والجزء من الشيء. فاصدع بما تؤمر: أي اجهر به وأعرضه كما أمرك ربك. يضيق صدرك بما يقولون: أي من الاستهزاء بك والتكذيب لك. حتى يأتيك اليقين: أي الموت، أي إلى أن تتوفى وأنت تعبد ربك. معنى الآيات: ما زال السياق في إرشاد الرسول صلى الله عليه وسلم وتعليمه ما ينبغي أن يكون عليه فأمره تعالى بقوله: {وَقُلْ إِنِّيۤ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ} أي أعلن لقومك بأنك النذير البين النذارة لكم يا قوم أن ينزل بكم عذاب الله إن أصررتم على الشرك والعناد والكفر، وقوله: {كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلْقُرْآنَ عِضِينَ} انذركم عذاباً كالذي أنزله الله وينزله على المقتسمين الذين قسموا التوراة والإِنجيل فآمنوا ببعض وكفروا ببعض وهم اليهود والنصارى، والمقتسمين الذين تقاسموا أن يبيتوا صالحاً فأنزل الله بهم عقوبته والمقتسمين الذين جعلوا القرآن عضين أي أجزاء فقالوا فيه شعر وسحر وكهانة، المقتسمين الذين قسموا طرق مكة وجعلوها نقاط تفتيش يصدون عن سبيل الله كل ما جاء يريد الإِسلام وهؤلاء كلهم مقتسمون وحل بهم عذاب الله ونقمته. وقوله تعالى: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} يقسم الجبار تبارك وتعالى لرسوله أنه ليسألنهم يوم القيامة عما كانوا يعملون ويجزيهم به فلذا لا يهولنَّك أمرهم واصبر على أذاهم. وقوله {فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ} أي أجهر بدعوة لا إله إلا الله محمد رسول الله، وما تؤمر ببيانه والدعوة إليه أو التنفير منه، {وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ} ولا تبال بهم، وقوله: {إِنَّا كَفَيْنَاكَ ٱلْمُسْتَهْزِئِينَ ٱلَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلـٰهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} والمراد بهؤلاء المستهزئين الذين واعد تعالى بكفاية رسوله شرَّهم الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل، وعدي بن قيس، والأسود بن عبد يغوث كلهم ماتوا بآفات مختلفة في أمدٍ يسير، عليهم لعائن الله تعالى، وقوله تعالى: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ} أي من الاستهزاء بك والسخرية، ومن المبالغة في الكفر والعناد فنرشدك إلى ما يخفف عنك الألم النفسي {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ} أي قل سبحان الله وبحمده أي أكثر من هذا الذكر {وَكُنْ مِّنَ ٱلسَّاجِدِينَ} أي المصلين إذ لا سجود إلا في الصلاة أو تلاوة القرآن، إذاً فافزع عند الضيق إلى الصلاة فلذا كان صلى الله عليه وسلم إذا أحزنه أمر فزع إلى الصلاة، وقوله: {وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ} أي واصل العبادة وهي الطاعة في غاية الذل والخضوع لله تعالى حتى يأتيك اليقين الذي هو الموت فإن القبر أول عتبة الآخرة وبموت الإنسان ودخوله في الدار الآخرة أصبح إيمانه يقيناً محضاً. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- حرمة الإِختلاف في كتاب الله تعالى على نحو ما اختلف فيه أهل الكتاب. 2- مشروعية الجهر بالحق وبيانه لا سيما إذا لم يكن هناك اضطهاد. 3- فضل التسبيح بجملة: سبحان الله وبحمده ومن قالها مائة مرة غفرت ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر وهذا مروي في الصحيح. 4- مشروعية صلاة الحاجة فمن حزبه أمر أو ضاق به فليصل صلاة يفرج الله تعالى بها ما به أو يقضي حاجته إن شاء وهو العليم الحكيم.

د. أسعد حومد

تفسير : (89) - وَأَمَرَ اللهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ صلى الله عليه وسلم بِأَنْ يَقُولَ لِلنَّاسِ إِنَّهُ نَذِيرٌ إِلَيْهِمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ، قَدْ يَحِلُّ بِهِمْ، كَمَا حَلَّ بِمَنْ تَقَدَّمَهُمْ مِنَ الأُمَمِ التِي كَذَّبَتْ رَسُلَهَا وَأَخَذَهَا الله.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ونعلم أن الرسل مُبشِّرين ومُنذِرين؛ ولسائل أنْ يقولَ: ولماذا تأتي صيغة الإنذار دائماً؟ وأقول: إن مَنْ يؤمن هو مَنْ يتلقَّى البشارة؛ أما مَنْ عليه أنْ يتوقَّع النِّذارة فهو الكافر المُنكِر. وفي الإنذار تخويفٌ بشيءٍ ينالُ منك في المستقبل؛ وعليك أنْ تَعُد العُدَّة لتبتعد بنفسك أن تكون فيه، والتبشير يكون بأمر تتمناه النَّفْس. وبالإنذار والتبشير يتضح الموقف بجلاء، ويُحَاط الإنسان بكل قضايا الحياة؛ ويتضح مسَار كُل أمرٍ من الأُمورِ. وبذلك يكون الحق سبحانه في الآيتين السابقتين قد امتنَّ على رسوله صلى الله عليه وسلم بأنه قد آتاه السبع المثاني والقرآن العظيم؛ ولذلك يوصيه ألاَّ تطمح نفسه إلى ما أوتي بعضٌ من الكفار من جاه ومال، فالقرآن عزُّ الدنيا والآخرة. ويوصيه كذلك بألا يحزنَ عليهم نتيجة انصرافهم عن دعوته، فليس عليه إلا البلاغ، وأن يتواضعَ صلى الله عليه وسلم للمؤمنين ليزداد ارتباطهم به، فهم خير من كل الكافرين برسالته صلى الله عليه وسلم. ثم يُوصيه الحق سبحانه أن يُبلغ الجميع أنه نذير وبشير، يوضح ما جاء في القرآن من خير يعُمّ على المؤمنين، وعقاب ينزل على الكافرين. وقد قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنما مثَلي ومثَل ما بعثني اللهُ به كمثَلِ رجلٍ أتى قوماً فقال: يا قوم، إني رأيتُ الجيشَ بعينيَّ، وإني أنا النذير العُرْيان، فالنجاء النجاء، فأطاعه طائفة من قومه فَأدْلجوا فانطلقوا على مهلهِم فَنجَوْا، وكذَّبت طائفة منهم، فأصبحوا مكانهم فصبَّحهم الجيش، فأهلكهم واجتاحهم، فذلك مثَل مَنْ أطاعني فاتَّبع ما جِئْتُ به، ومثَل مَنْ عصاني وكذَّب بما جئتُ به من الحقِّ ". تفسير : ويقول سبحانه من بعد ذلك: {كَمَآ أَنْزَلْنَا ...}.

الجيلاني

تفسير : {وَقُلْ} للمعاندين المنكرين: {إِنِّيۤ} بإذن ربي ووحيه إليّ {أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ} [الحجر: 89] والمنذر المبين، أنذركم ببيان واضح، وبرهان لائح، نازلٍ عليَّ من ربي أن العقاب والعذاب سينزل على من لم يؤمن بالله، وبوحدة ذاته، وصفات كماله. {كَمَآ أَنْزَلْنَا} أي: مثل العذاب الذي أنزلناه من قبل {عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ} [الحجر: 90] وهم الرهط الذي تقاسموا أن يبيتوا صالحاً. والمقتسمون اليوم هم {ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلْقُرْآنَ} المعجز لفظاً ومعنىً، نصاً ولادلة، اقتضاءً ومطلعاً {عِضِينَ} [الحجر: 91] أي: ذي أجزاء مختلفة، بعضها حق، لأنه مطابق للكتب السالفة، وبعضها باطل؛ لأنه مخالف لها، وبعضها شِعْر، وبعضها كهانة، مع أن الكل هداية لا ضلال فيها أصلاً، تعالى شأنه وكتابه عما يقولون علواً كبيراً. {فَوَرَبِّكَ} يا أكمل الرسل وعزته وجلاله {لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} [الحجر: 92] أي: عن جميعهم على التفضيل. {عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [الحجر: 93] أي: يقدحون في القرآن، وينسبون إليه من المفتريات التي هو بريء منها، بعيد عنها بمراحل. وإذا كان نزول القرآن للهداية العامة، والإرشاد الشامل {فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ} واجهر به يا أكمل الرسل، وافرق بين الحق والباطل على الوجه المأمور فيه، وبين الهداية والضلال {وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ} [الحجر: 94] واتركهم وأنفسهم، ولا تلتفت إليهم، ولا تتعرض لدفعهم ومنعهم إن استهزئوا بك. {إِنَّا كَفَيْنَاكَ} أذى {ٱلْمُسْتَهْزِئِينَ} [الحجر: 95] عنك، وانتقمنا لأجلك منهم بأضعاف ما قصدوا بك من الاستهزاء والسخرية. وكيف لا ننتقم منهم؛ إذ هم المشركون المسرفون {ٱلَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ ٱللَّهِ} المتوحد في ذاته وأوصافه وأفعاله {إِلـٰهاً آخَرَ} مستحقاً للعبادة {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} [الحجر: 96] عند انكشاف الحجر والأستار، قبح ما يفترون، وينسبون إلى الله افتراءً ومراءً. {وَلَقَدْ نَعْلَمُ} منك يا أكمل الرسل {أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ} من كظم غيظك، ويقل صبرك على تحمل أذاهم {بِمَا يَقُولُونَ} [الحجر: 97] مما لا يليق بجنابك من القدح في كلامنا، وإثبات الشركاء لنا مع وحدة ذاتنا، ومن استهزائهم بك، وبمن تبعك من المؤمنين، فعليك ألاَّ تلتفت إليهم، ولا تسمع هذياناتهم، وإنما عليك العبرة منهم، وتنزيهنا وتقدسينا عن مقالاتهم. {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ} إذا تسبيحك وتحميدك إيانا خير لك من استماع ما تفوهوا به مراءً {وَكُنْ} في نفسك في جميع أوقاتك وحالاتك {مِّنَ ٱلسَّاجِدِينَ} [الحجر: 98] الواضعين جباههم على تراب المذلة على قصد تعظيمنا وتبجلينا. {وَٱعْبُدْ رَبَّكَ} واجتهد في سلوك طريق المعرفة {حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ} [الحجر: 99] ويحصل لك الكشف والشهود، ويرتفع عنك حجب الأنانية والوجود. جعلنا الله من الموقنين المنكشفين بمنِّه وجوده. خاتمة السورة علك أيها السالك القاصد لسلوك طريق التوحيد - أنجح الله آمالك - أن تبتدئ أولاً بعدما هذبت ظاهرك بالشرائع، وباطنك بالجلاء عن الموانع، بذكر الله الواحد الأحد الصمد، المتصف بجميع أوصاف الكمال إلى أن يؤدي ذكرك إلى الفكر المورث للمجاهدة والانزعاج، والشوق والابتهاج أحياناً، وواظب عليها إلى أن يستوعب جميع أوقاتك وحالاتك، وحينئذٍ ظهرت ولاحت على قلبك مقدمات المحبة والمودة، والعشف المزعج المفني، وصرت عليها زماناً إلى أن اشتاق وتعطش قلبك إلى فنائك وانقهارك في محبوبك. وفي تلك الحالة عرضت عليك الحيرة والحسرة، والوحشة والقلق والاضطراب، والخوف والرجاء، واللذة والألم، وصرت بين بين، وأين أين، وكيف كيف. وبالجملة: كنت في تلوينٍ وتكوينٍ، وإطلاق وتقييدٍ، وما هي سكراتك عند موتك الإرادي، واضطراباتك دونها، وحينئذٍ لا يسع لك إلاَّ الرضا والتسليم، والتوكل والتفويض، إلى أن جذبك الحق، ووفقك بالتمكين والتسكين، وأطلقك عن التقييد والتعيين، وأفناك عنك، وأبقاك بذاته، وفزتَ بما فزت، وتكون حينئذٍ {مِّنَ ٱلسَّاجِدِينَ} [الحجر: 98] قد أتاك اليقين والتمكين، وأخلصك عن التردد والتلوين.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن وعيد من أعرض وتولى وتهديد من كذب بهذه المرتبة العليا بقوله تعالى {وَقُلْ إِنِّيۤ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ} [الحجر: 89] كان النبي صلى الله عليه وسلم مأموراً بإظهار مقامه وهو النبوة وبتعريف نفسه أنه نذير للكافرين، كما أنه بشير للمؤمنين وأنه لما أمر بالرحمة والشفقة ولين الجانب للمؤمنين بقوله تعالى: {أية : وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [الحجر: 88] إظهاراً للطفه وأمر بالتهديد والوعيد والإنذار بالعذاب {كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ} [الحجر: 90] وهم الذين اقتسموا قهر الله المنزل على أنفسهم بأعمالهم الطبيعية غير الشرعية، فإنها مظهر قهر الله وخزائنه كما أن الأعمال الشرعية مظهر لطف الله وخزائنه، فمن قرع باب خزانة اللطف أكره وأنعم عليه ومن دق باب خزانة القهر أهين به وعذب. ثم أخبر عن أعمالهم التي اقتسموا قهر الله بها على أنفسهم بقوله {ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلْقُرْآنَ عِضِينَ} [الحجر: 91] أي: جزؤه أجزاء في الاستعمال، فقوم: قراؤه وداوموا على تلاوته ليقال لهم القراء وبه يأكلون وقوم: حفظوه بالقراءة ليقال لهم الحفاظ وبه يأكلون. وقوم: حصلوا تفسيره وتأويلاته ابتغاء طلب الشهرة وإظهاراً للفضل ليأكلوا. وقوم: استخرجوا معانيه واستنبطوا فقهه وبه يأكلون وقوم: شرعوا في قصصه وأخباره ومواعظه وحكمه وبه يأكلون وقوم: أولوه على وفق مذاهبهم وفسروه برأيهم فكفروا بذلك.