Verse. 1893 (AR)

١٥ - ٱلْحِجْر

15 - Al-Hijr (AR)

الَّذِيْنَ جَعَلُوا الْقُرْاٰنَ عِضِيْنَ۝۹۱
Allatheena jaAAaloo alqurana AAideena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«الذين جعلوا القرآن» أي كتبهم المنزلة عليهم «عضين» أجزاء، حيث آمنوا ببعض وكفروا ببعض، وقيل المراد بهم الذين اقتسموا طرق مكة يصدون الناس عن الإسلام، وقال بعضهم في القرآن سحر وبعضهم كهانة وبعضهم شعر.

91

Tafseer

القرطبي

تفسير : هذه صفة المقتسمين. وقيل: هو مبتدأ وخبره «لنسألنهم». وواحد العِضِين عِضَة، من عضّيت الشيء تعضيه أي فرّقته؛ وكل فرقة عِضَة. وقال بعضهم: كانت في الأصل عِضْوَة فنقصت الواو، ولذلك جمعت عضين؛ كما قالوا: عِزِين في جمع عِزة، والأصل عِزْوة. وكذلك ثُبة وثبين. ويرجع المعنى إلى ما ذكرناه في المقتسمين. قال ابن عباس: آمنوا ببعض وكفروا ببعض. وقيل: فرّقوا أقاويلهم فيه فجعلوه كذباً وسحراً وكهانة وشعراً. عضوته أي فرقته. قال الشاعر ـ هو رؤبة ـ:شعر : وليـس دين الله بالمُعَضَّـى تفسير : أي بالمفرّق. ويقال: نقصانه الهاء وأصله عضْهة؛ لأن العِضَه والعِضين في لغة قريش السحر. وهم يقولون للساحر: عاضِه وللساحرة عاضِهة. قال الشاعر:شعر : أعوذ بربي من النافِثا تِ في عُقَد العاضِه المُعْضِه تفسير : وفي الحديث: حديث : لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم العاضِهة والمُسْتَعْضهةتفسير : ، وفُسِّر: الساحِرة والمستسحِرة. والمعنى: أكثَروا البُهْت على القرآن ونوّعوا الكذب فيه، فقالوا: سحر وأساطير الأولين، وأنه مفترًى، إلى غير ذلك. ونظير عِضة في النقصان شَفة، والأصل شَفَهة. كما قالوا: سنة، والأصل سنَهة، فنقصوا الهاء الأصلية وأثبتت هاء العلامة وهي للتأنيث. وقيل: هو من العَضْه وهي النميمة. والعَضِيهة البهتان، وهو أن يعضَه الإنسان ويقول فيه ما ليس فيه. يقال عَضَهه عَضْهاً رماه بالبهتان. وقد أَعْضَهْت أي جئت بالبهتان. قال الكسائيّ: العِضَة الكذب والبهتان، وجمعها عِضون؛ مثل عِزة وعزون؛ قال تعالى: {ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلْقُرْآنَ عِضِينَ}. ويقال: عَضّوه أي آمنوا بما أحبوا منه وكفروا بالباقي، فأحبط كفرهم إيمانَهم. وكان الفراء يذهب إلى أنه مأخوذ من العِضاة، وهي شجر الوادي ويخرج كالشوك.

البيضاوي

تفسير : {ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلْقُرْءانَ عِضِينَ } أجزاء جمع عضة، وأصلها عضوة من عضى الشاة إذا جعلها أعضاء. وقيل فعلة من عضهته إذا بهته، وفي الحديث «حديث : لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم العاضهة والمستعضهة» تفسير : وقيل أسحاراً وعن عكرمة العضة السحر، وإنما جمع جمع السلامة جبراً لما حذف منه والموصول بصلته صفة للمقتسمين أو مبتدأ خبره.

المحلي و السيوطي

تفسير : {ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلْقُرْءَانَ } أي كتبهم المنزلة عليهم {عِضِينَ } أجزاء، حيث آمنوا ببعض وكفروا ببعض، وقيل المراد بهم الذين اقتسموا طرق مكة يصدون الناس عن الإسلام، وقال بعضهم في القرآن سحر وبعضهم كهانة وبعضهم شعر.

ابن عبد السلام

تفسير : {عِضِينَ} فرقاً بعضه شعراً وبعضه سحراً وبعضه أساطير الأولين، جعلوه أعضاء كما تعضى الجزور، وعضين جمع عضو من عضيت الشيء تعضية إذا فرقته "ع". وليس دين الله ـ تعالى ـ بالمعضى أي المفرق أو العضين جمع عضة وهو البهت لأنهم بهتوا كتاب الله ـ تعالى ـ فيما رموه به، عضهت الرجل أعضهه عضها بهته، وقال: شعر : إن العضيهة ليست فعل أحرار تفسير : أو العضه: السحر بلسان قريش ومنه "لعن الرسول صلى الله عليه وسلم العاضهة والمستعضهة" أراد الساحرة والمتسحرة، أو لما ذكر في القرآن الذباب والبعوض والعنكبوت والنمل قال أحدهم: أنا صاحب البعوض، وقال آخر: أنا صاحب الذباب وقال آخر أنا صاحب النمل استهزاء منهم بالقرآن.

التستري

تفسير : قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلْقُرْآنَ عِضِينَ}[91] قال: ظاهر الآية ما عليه أهل التفسير وباطنها ما أنزل الله تعالى من أحكامه في السمع والبصر والفؤاد وهو قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُولـٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً}تفسير : [الإسراء:36] فأعرضوا عن العمل به ميلاً إلى دواعي نفس الطبع.

اسماعيل حقي

تفسير : {الذين جعلوا القرآن} المنزل عليك يا محمد {عضين} اجزاء. وبالفارسية [باره باره يعنى بخش كردند قرآنرا] والموصول مع صلته صفة مبينة لكيفية اقتسامها اى قسموا القرآن الى حق وباطل حيث قالوا عنادا وعدوانا بعضه حق موافق للتوراة والانجيل وبعضه باطل مخالف لهما وهذا المعنى مروى عن ابن عباس رضى الله عنهما. والغرض بيان المماثلة بين الايتاءين لا بين متعلقيهما كما فى الصلوات الخليلية فان التشبيه فيها ليس لكون رحمة الله الفائضة على ابراهيم وآله اتم واكمل مما فاض على لنبى عليه الصلاة والسلام وانما ذلك للتقدم فى الوجود فليس فى التشبيه اشعار بافضلية المشبه به من المشبه فضلا عن ايهام افضلية ما تعلق به الاول مما تعلق به الثانى فان عليه الصلاة والسلام اوتى ما لم يؤت احد قبله ولا بعد مثله. وعضين جمع عضة وهى الفرقة والقطعة اصلها عضوة فعلة من عضى الشاة تعضية اذا جعلها اعضاء وانما جمعت جمع السلامة جبرا للمحذوف وهو الواو كسنين وعزين والتعبير عن تجزية القرآن بالتعضية التى هى تفريق الاعضاء من ذى الروح المستلزم لازالة حياته وابطال اسمعه دون مطلق التجزئة والتفريق اللذين يوجدان فيما لا يضره التبعيض من المثليات للتنصيص على كمال قبح ما فعلوه بالقرآن العظيم هذا. وقد قال بعضهم المقتسمون اثنا عشر او ستة عشر رجلا بعثهم الوليد بن المغيرة ايام موسم الحج فاقتسموا عقاب مكة وطرقها وقعدوا على ابوابها فاذا جاء الحاج قال واحد منهم لا تغتروا بهذا الرجل فانه مجنون وقال آخر كاهن وآخر عرّاف وآخر شاعر وآخر ساحر فثبط كل واحد منهم الناس عن اتباعه عليه الصلاة والسلام ووقعوا فيه عندهم فاهلكهم الله يوم بدر وقبله بآفات وعلى هذا فيكون الموصول مفعولا او لا لانذر الذى تضمنه النذير اى انذر المعضين الذين يجزؤن القرآن الى شعر وسحر وكهانة واساطير الاولين مثل ما انزلنا على المقتسمين اى سننزل على ان يجعل المتوقع كالواقع وهو من الاعجاز لانه اخبار بما سيكون وقد كان هذا المعنى هو الاظهر ذكره ابن اسحاق كذا فى التكملة لابن عساكر

الجنابذي

تفسير : جمع العضة من العضوة بمعنى العضو اى جعلوا القرآن اعضاء واجزاء، او جمع العضة من عضيته اذا بهتّه اى جعلوا القرآن اسماراً.

اطفيش

تفسير : {الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْءانَ عِضِينَ} نعت أو مبتدأ خبره ما بعده على تقدير القول كما مر ومعنى عضين أجزاء عضة بالتاء عوضاً عن لام الكلمة وهو واو من قولك عضا الشاة يعضوها عضة أى فرقها أعضاء وذلك أنهم نوعوا القول فى القرآن فبعض قال إِنه سحر وبعض أنه كهانة وهكذا وأهل الكتاب فرقوه فآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه أو المراد أنهم فعلوا ذلك بها أنزل عليهم كما مر وأصل العضة المصدر وأطلق بمعنى العضو، وقال عكرمة جمع عضة بالتاء عوضاً عن لام الكلمة وهو هاء من قولك عضهه يعضهه عضها بالهاء أى سحره والعضه بلغة قريش السحر والعاضهة الساحرة، قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ "حديث : لعن الله العاضهة أى الساحرة والمتعضهة أى الطالبة للسحر"تفسير : وذلك أنهم يقولون القرآن سحر وقيل من العضه بالهاء كالذى قبله لكن بمعنى البهتان والكذب واصل الضاد على كل قول الإِسكان لكن لما حذفت الواو والهاء حركة بالفتح لتناسب التاء المعوضة فإِنها تقتضى الفتح قبلها أو الأَصل عضوة بواو فتاء وعضهه بهاء فتاء نقلت فتحة الواو أو الهاء للضاد فنويت التاء عوضاً بعد أن كانت غير عوض وعلى كل حال فإِنما جمع جمع المذكر السالم ولو كان غير عاقل وكان مؤنثاً وكان غير علم ولا صفة لأَنه من باب سنة وصار جمعه ذلك الجمع جبراً للنقصان الذى لحقه بالحذف فالتاء عوض عن نفس المحذوف وجمعه ذلك الجمع جبر لمحاق هذه العلة الفرعية التى هى الحذف والمشهور الأول وهو أنه من العضو أو لا ينافى ما أخرجه الطبرانى فى الأَوسط عن ابن عباس "حديث : أن رجلا سأل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن المقتسمين، قال اليهود والنصارى، وعن جعلهم القرآن عضين. قال إِيمانهم ببعض وكفرهم ببعض" تفسير : فإِن الإيمان ببعض والكفر ببعض تجزئه أيضاً وتفريق له أعضاء لما مر.

الالوسي

تفسير : أي قسموه إلى حق وباطل حيث قالوا عناداً وعداوة: بعضه حق موافق للتوراة والإنجيل وبعضه باطل مخالف لهما، وتفسير المقتسمين المذكورين بأهل الكتاب مما روي عن الحسن وغيره، وفي «الدر المنثور» أخرج البخاري وسعيد بن منصور والحاكم وابن مردويه من طرق عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال في الآية: هم أهل الكتاب جزءوه أجزاءً فآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه، وجاء ذلك مرفوعاً أيضاً، فقد أخرج الطبراني في "الأوسط" عن الحبر قال: حديث : سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أرأيت قول الله تعالى: {كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ} [الحجر: 90] قال عليه الصلاة والسلام: اليهود والنصارى قال: {ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلْقُرْءانَ عِضِينَ } ما عضين؟ قال صلى الله عليه وسلم: آمنوا ببعض وكفروا ببعض تفسير : أو اقتسموه لأنفسهم استهزاءً به؛ فقد روي عن عكرمة أن بعضهم كان يقول: سورة البقرة لي وبعضهم سورة آل عمران لي وهكذا. وجوز أن يراد بالمقتسمين أهل الكتاب ويراد من القرآن معناه اللغوي أي المقروء من كتبهم أي الذين اقتسموا ما قرؤا من كتبهم وحرفوه وأقروا ببعض وكذبوا ببعض، وحمل توسط قوله تعالى: {أية : لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ } تفسير : [الحجر: 88] الخ بين المتعلق والمتعلق على إمداد ما هو المراد بالكلام من التسلية. وتعقب القول بهذا التعلق بأنه جل هذا المقام عن التشبيه فلقد أوتي صلى الله عليه وسلم ما لم يؤت أحد قبله ولا بعده مثله، وفي حمل القرآن على معناه اللغوي ما فيه، وقيل: هو متعلق بقوله تعالى: {أية : وَقُلْ إِنّى أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ } تفسير : [الحجر: 89] لأنه في قوة الأمر بالإنذار كأنه قيل: أنذر قريشاً مثل ما أنزلنا من العذاب على المقتسمين يعني اليهود وهو ما جرى على قريظة والنضير بأن جعل المتوقع كالواقع وقد وقع كذلك. وتعقب بأن المشبه به العذاب المنذر ينبغي أن يكون معلوماً حال النزول وهذا ليس كذلك فيلغو التشبيه، وتنزيل المتوقع منزلة الواقع له موقع جليل من الإعجاز لكن إذا صادف مقاماً يقتضيه كما في قوله تعالى: {أية : إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً } تفسير : [الفتح: 1] ونظائره، على أن تخصيص الاقتسام باليهود بمجرد اختصاص العذاب المذكور بهم مع شركتهم للنصارى في الاقتسام المتفرع على الموافقة والمخالفة، وفي الاقتسام بمعنى التحريف الشامل للكتابين بل تخصيص العذاب المذكور بهم مع كونه من نتائج الاقتسام تخصيص من غير مخصص. وجوز أن يراد بالمقتسمين جماعة من قريش وهي اثنا عشر، وقال ابن السائب: ستة عشر رجلاً حنظلة بن أبـي سفيان وعتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن المغيرة وأبو جهل والعاص بن هشام وأبو قيس بن الوليد وقيس بن الفاكه وزهير بن أمية وهلال عبد الأسود والسائب بن صيفي والنضر بن الحرث وأبو البختري بن هشام وزمعة بن الحجاج وأمية بن خلف وأوس بن المغيرة أرسلهم الوليد بن المغيرة أيام الموسم ليقفوا على مداخل طرق مكة لينفروا الناس عن الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم فانقسموا على هاتيك المداخل يقول بعضهم: لا تغتروا بالخارج فإنه ساحر، ويقول الآخر: كذاب، والآخر: شاعر إلى غير ذلك من هذيانهم فأهلكهم الله تعالى يوم بدر وقبله بآفات، ويجعل {ٱلَّذِينَ } منصوباً ـ بـِ {ٱلنَّذِيرُ} ـ على أنه مفعوله الأول و {كما} [الحجر: 90] مفعوله الثاني أي أنذر المعضين الذين يجزؤن القرآن إلى سحر وشعر وأساطير مثل ما أنزلنا على المقتسمين الذين اقتسموا مداخل مكة وهذوا مثل هذيانهم. / وتعقب بأن فيه مع ما فيه من المشاركة لما سبق في عدم كون العذاب الذي شبه به العذاب المنذر واقعاً ومعلوماً للمنذرين أنه لا داعي إلى تخصيص وصف التعضية بهم وإخراج المقتسمين من بينهم مع كونهم أسوة لهم في ذلك فإن وصفهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم بما وصفوا به من السحر والشعر والكذب متفرع على وصفهم للقرآن بذلك وهل هو إلا نفس التعضية ولا إلى إخراجهم من حكم الإنذار، على أن ما نزل بهم من العذاب لم يكن من الشدة بحيث يشبه به عذاب غيرهم ولا مخصوصاً بهم بل هو عام لكلا الفريقين وغيرهم، مع أن بعض من عد من المنذرين على قول كالوليد بن المغيرة والأسود وغيرهما قد هلكوا قبل مهلك أكثر المقتسمين يوم بدر، ولا إلى تقديم المفعول الثاني على الأول كما ترى، وقيل: إنه صفة لمفعول {أية : ٱلنَّذِيرُ} تفسير : [الحجر: 89] أقيم مقامه بعد حذفه والمقتسمون هم القاعدون في مداخل الطرق كما حرر، أي النذير عذاباً مثل العذاب الذي أنزلناه على المقتسمين. وتعقب أيضاً بأن فيه مع ما مر أنه يقتضي أن يكون {أية : كَمَآ أَنْزَلْنَا} تفسير : [الحجر: 90] من مقول الرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو لا يصلح لذلك، واعتذر له بأنه كما يقول بعض خواص الملك أمرنا بكذا والآمر الملك كما تقدم غير بعيد أو حكاية لقول الله تعالى، وفيه من التعسف ما لا يخفى، وأيضاً فيه إعمال الوصف الموصوف في المفعول وهو مما لا يجوز. وأجيب بأن الكوفية تجوزه والقائل بنى الكلام على ذلك أو أن المراد بالمفعول المفعول الغير الصريح وتقديره بعذاب وهو لا يمنع الوصف من العمل فيه، وقيل: المراد بالمقتسمين على تقدير الوصفية الرهط الذين تقاسموا على أن يبيتوا صالحاً عليه السلام فأهلكهم الله تعالى، والاقتسام بمعنى التقاسم، ولا إشكال في التشبيه لأن عذابهم أمر محقق نطق به القرآن العظيم فيصح أن يقع مشبهاً به للعذاب المنذر، والموصول إما مفعول أوَل ـ للنذير ـ أو لما دل هو عليه من {أُنذِرَ }. وتعقب أيضاً بأن فيه بعد إغماض العين عما في المفعولية من الخلاف أو الخفاء أنه لا يكون للتعرض لعنوان التعضية في حيز الصلة ولا لعنوان الاقتسام بالمعنى المزبور في حيز المفعول الثاني فائدة لما أن ذلك إنما يكون للإشعار بعلية الصلة والصفة للحكم الثابت للموصول والموصوف فلا يكون هناك وجه شبه يدور عليه تشبيه عذابهم بعذابهم خاصة لعدم اشتراكهم في السبب، فإن المعضين بمعزل من التقاسم على التبيت الذي هو السبب لهلاك أولئك مع أن أولئك بمعزل من التعضية التي هي السبب لهلاك هؤلاء ولا علاقة بين السببين مفهوماً ولا وجوداً تصحح وقوع أحدهما في جانب والآخر في جانب، واتفاق الفريقين على مطلق الاتفاق على الشرور المفهوم من الاتفاق على الشر المخصوص الذي هو التبييت المدلول عليه بالتقاسم غير مفيد إذ لا دلالة لعنوان التعضية على ذلك وإنما يدل عليه اقتسام المداخل، وجعل الموصول مبتدأ على أن خبره الجملة القسمية لا يليق بجزالة التنزيل وجلالة شأنه الجليل اهـ، وهذا الجعل مروي عن ابن زيد، وفي رواية عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أخرجها البيهقي وأبو نعيم في "الدلائل" ما يقتضيه، ومن هنا قيل بمنع عدم اللياقة، وبعض من يسلمها يقول: يجوز أن يكون الموصول صفة {أية : ٱلْمُقْتَسِمِينَ } تفسير : [الحجر: 90] مراداً بهم أولئك الرهط، ومعنى جعلهم القرآن عضين حكمهم بأنه مفترى وتكذيبهم به والمراد منه معناه اللغوي فيؤول إلى وصفهم بتكذيبهم بكتابهم وإعراضهم عن الإيمان به والعمل بما فيه، ويوافق ما مر من قوله تعالى فيهم وفي قومهم: {أية : وَءاتَيْنَـٰهُمْ ءايَـٰتِنَا فَكَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ } تفسير : [الحجر: 81] بناءً على أن المراد بالآيات آيات الكتاب المنزل على نبيهم عليه السلام حسبما قيل به فيما سبق، وإن أبيت ذلك بناءً على ما سمعت هنالك التزمنا كون الموصول مفعولاً وقلنا: فائدة التعرض للعنوانين المذكورين على الوجه المذكور الإشارة إلى تفظيع أمر التكذيب وكونه في سببيته للعذاب/ كالاقتسام على قتل النبـي، ويلتزم ما يشعر به هذا من أفظعية الاقتسام المزبور لأنه لا يكون إلا عن تكذيب ومزيد عداوة للنبـي، وفيه بحث، وقيل: المصحح لوقوع أحد العنوانين في جانب والآخر في جانب أن التكذيب ينجر بزعم المكذبين إلى إبطال أمر النبـي عليه الصلاة والسلام وإطفاء نوره وهو العلة الغائية لذلك والاقتسام المذكور كذلك وهو كما ترى، وقال أبو البقاء وليته لم يقل: إن {أية : كَمَآ أَنْزَلْنَا} تفسير : [الحجر: 90] متعلق بقوله تعالى: {أية : مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوٰجاً مّنْهُمْ } تفسير : [الحجر: 88] وهو في موضع نصب نعتاً لمصدر محذوف أي متعناهم تمتيعاً كما أنزلنا، والمعنى نعمنا بعضهم كما عذبنا بعضهم. وذكر ابن عطية وغيره أنه يحتمل أن يكون المعنى قل إني أنا النذير المبين كما قد أنزلنا في الكتب أنك ستأتي نذيراً على المقتسمين أي أهل الكتاب، ومرادهم على ما قيل إن ما في {أية : كَمَا} تفسير : [الحجر: 90] موصولة، والمراد من المشابهة المستفادة من الكاف الموافقة وهي مع ما في حيزها في محل النصب على الحالية من مفعول {أية : قُلْ}تفسير : [الحجر: 89] أي قل هذا القول حال كونه كما أنزلنا على أهل الكتابين أي موافقاً لذلك، والأنسب على هذا حمل الاقتسام على التحريف ليكون وصفهم بذلك تعريضاً بما فعلوا من تحريفهم وكتمانهم لنعت النبـي صلى الله عليه وسلم. وأنت تعلم أن فيه بعداً لكنه أولى بالنسبة إلى بعض ما تقدم، وقريب منه ما قيل: المعنى ولقد آتيناك سبعاً من المثاني إيتاءً موافقاً للإيتاء الذي أنزلناه على أهل الكتابين وأخبرناهم به في كتبهم، وفيه ما فيه. وأما جعلها زائدة والمعنى أنا النذير المبين ما أنزلنا فحاله غني عن التنبيه عليه، وقال العلامة أبو السعود بعد نقل أقوال عقبها بما عقبها: والأقرب من الأقوال المذكورة أن {أية : كَمَآ أَنْزَلْنَا } تفسير : [الحجر: 90] متعلق بقوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ ءاتَيْنَـٰكَ } تفسير : [الحجر: 87] الخ، وأن المراد بالمقتسمين أهل الكتابين، وأن الموصول مع صلته صفة مبينة لكيفية اقتسامهم ومحل الكاف النصب على المصدرية، وحديث جلالة المقام عن التشبيه من لوائح النظر الجليل. والمعنى لقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم إيتاءً مماثلاً لإنزال الكتابين على أهلهما، وعدم التعرض لذكر ما أنزل عليهم من الكتابين لأن الغرض بيان المماثلة بين الإيتائين لا بين متعلقيهما، والعدول عن تطبيق ما في جانب المشبه به على ما في جانب المشبه بأن يقال: كما آتينا المقتسمين حسبما وقع في قوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ ءاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ } تفسير : [البقرة: 121] الخ للتنبيه على ما بين الإيتائين من التنائي فإن الأول على وجه التكرمة والامتنان فشتان بينه وبين الثاني، ولا يقدح ذلك في وقوعه مشبهاً به فإن ذلك إنما هو لمسلميته عندهم، وتقدم وجوده على المشبه زماناً لا لمزية تعود إلى ذاته، ونظير ذلك ما قيل في الصلوات الإبراهيمية فليس في التشبيه إشعار بأفضلية المشبه به من المشبه فضلاً عن إيهام ما تعلق به الأول مما تعلق به الثاني، وإنما ذكروا بعنوان الاقتسام إنكاراً لاتصافهم به مع تحقق ما ينفيه من الإنزال المذكور وإيذاناً بأنهم كان من حقهم أن يؤمنوا بكله حسب إيمانهم بما أنزل عليهم بحكم الاشتراك في العلة والاتحاد في الحقيقة التي هي مطلق الوحي، وتوسيط قوله تعالى: {أية : لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ } تفسير : [الحجر: 88] الخ لكمال اتصاله بما هو المقصود من بيان حال ما أوتي النبـي صلى الله عليه وسلم. ولقد بين أولاً علو شأنه ورفعة مكانه صلى الله عليه وسلم بحيث يستوجب اغتباطه عليه الصلاة والسلام بمكانه واستغناءه به عما سواه، ثم نهى عن الالتفات إلى زهرة الدنيا وعبر سبحانه عن إيتائها لأهلها بالتمتع المنبـىء عن وشك زوالها عنهم، ثم عن الحزن لعدم إيمان المنهمكين فيها، وأمر بمراعاة المؤمنين والاكتفاء بهم عن غيرهم وبإظهار قوامه بمواجب الرسالة ومراسم النذارة حسبما فصل في تضاعيف ما أوتي من القرآن العظم. ثم رجع/ إلى كيفية إتيانه على وجه أدمج فيه ما يزيح شبه المنكرين ويستنزلهم من العناد من بيان مشاركته لما لا ريب لهم في كونه وحياً صادقاً، فتأمل والله تعالى عنده علم الكتاب اهـ وهو كلام ظاهر عليه مخايل التحقيق. وفي «البحر» بعد نقل أكثر هذه الأقوال: وهذه أقوال وتوجيهات متكلفة والذي يظهر لي أنه تعالى لما أمره صلى الله عليه وسلم بأن لا يحزن على من لم يؤمن وأمره عليه الصلاة والسلام بخفض جناحه للمؤمنين أمره صلى الله عليه وسلم أن يعلم المؤمنين وغيرهم أنه هو النذير المبين لئلا يظن المؤمنون أنهم لما أمر صلى الله عليه وسلم بخفض جناحه لهم خرجوا من عهدة النذارة فأمر صلى الله عليه وسلم بأن يقول لهم: {أية : إِنّى أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ } تفسير : [الحجر: 89] لكم ولغيركم كما قال سبحانه: {أية : إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَـٰهَا } تفسير : [النازعات: 45] وتكون الكاف نعتاً لمصدر محذوف، والتقدير وقل قولاً مثل ما أنزلنا على المقتسمين إنك نذير لهم، فالقول للمؤمنين في النذارة كالقول للكفار المقتسمين لئلا يظن إنذارك للكفار مخالفاً لإنذار المؤمنين بل أنت في وصف النذارة لهم بمنزلة واحدة تنذر المؤمن كما تنذر الكافر كما قال تعالى: {أية : إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشيرٌ لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } تفسير : [الأعراف: 188] اهـ بحروفه، وهو كما ترى ركيك لفظاً ومعنى والله تعالى أعلم بمراده وعنده علم الكتاب. وعضين جمع عضة وأصلها عضوة بكسر العين وفتح الضاد بمعنى جزء فهو معتل اللام من عضاه بالتشديد جعله أعضاء وأجزاء؛ فالمعنى جعلوا القرآن أجزاء. وقيل: العضه في لغة قريش السحر فيقولون للساحر: عاضه وللساحرة عاضهة، وفي حديث رواه ابن عدي في «الكامل» وأبو يعلى في "مسنده" «حديث : لعن الله تعالى العاضهة والمستعضهة»تفسير : وأراد صلى الله عليه وسلم الساحرة والمستسحرة أي المستعملة لسحر غيرها، وهو على هذا مأخوذ من عضهته فاللام المحذوفة هاء كما في شفة وشاة على القول بأن أصلهما شفهة وشاهة بدليل جمعهما على شفاه وشياه وتصغيرهما على شفيهة وشويهة. وعن الكسائي أنه من عضهه عضها وعضيهة رماه بالبهتان، قيل: وأخذ العضه بمعنى السحر من هذا لأن البهتان لا أصل له والسحر تخييل أمر لا حقيقة له، وذهب الفراء إلى أنه من العضاه وهي شجرة تؤذي كالشوك واختار بعضهم الأول، وجمع السلامة لجبر ما حذف منه كعزين وسنين وإلا فحقه أن لا يجمع جمع السلامة المذكر لكونه غير عاقل ولتغير مفرده؛ ومثل هذا كثير مطرد، ومن العرب من يلزمه الياء ويجعل الإعراب على النون فيقول: عضينك كسنينك وهذه اللغة كثيرة في تميم وأسد، وفي التعبير عن تجزئة القرآن بالتعضية التي هي تفريق الأعضاء من ذي الروح المستلزم لإزالة حياته وإبطال اسمه دون مطلق التجزئة والتفريق اللذين ربما يوجدان فيما لا يضره التبعيض للتنصيص على قبح ما فعلوه بالقرآن العظيم.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 91- الذين جعلوا القرآن بهذا التقسيم قطعاً متفرقة، وهو كل لا يقبل التجزئة فى إعجازه وصدقه. 92- وإذا كانت تلك حالهم، فوالذى خلقك وحفظك ورباك لنحاسبنهم أجمعين يوم القيامة. 93- على أعمالهم من إيذاء وجحود واستهزاء. 94- فاجهر بدعوة الحق ولا تلتفت إلى ما يفعله المشركون ويقولونه. 95- وإن أولئك المشركين - الذين يسخرون من دعوتك - لن يتمكنوا منك ولن يستطيعوا أن يحولوا بينك وبين دعوتك. 96- أولئك المشركون قد ضعفت مداركهم فجعلوا مع اللَّه آلهة أخرى من الأوثان، وسوف يعلمون نتائج شركهم حين ينزل بهم العذاب الأليم. 97- وإنا لنعلم ما يصيبك من ضيق وألم نفسى بما يقولونه من ألفاظ الشرك والاستهزاء والاستهانة. 98- فإذا أصابك ذلك الضيق فافزع إلى الله - تعالى - واتجه إليه، وكن من الخاضعين الضارعين إليه، واستعن بالصلاة فإن فيها الشفاء. 99- والتزم عبادة الله الذى خلقك وهو حافظك حتى يأتي الأمر المستيقن وهو يوم القيامة والميعاد وينتهى أجلك وتلحق بالرفيق الأعلى.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْقُرْآنَ} (91) - الذِينَ جَزَّؤوا كِتَابَ اللهِ فَجَعَلُوهُ أَصْنَافاً فَآمَنُوا بِبَعْضٍ، وَكَفَرُوا بِبَعْضٍ. عِضِينَ - أَعْضَاءً وَأَجْزَاءً فَآمَنُوا بِبَعْضٍ وَكَفَرُوا بِبَعْضٍ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وكلمة (عضين) تعني القطع؛ فيُقال للجزار حين يذبح الشاة أو العجل أنه قد جعله عِضين. أي: فصَل كُلَّ ذراع عن الآخر، وكذلك قطع الفخذ؛ أي: أنه جعل الذبيحة قِطَعاً قِطَعاً بعد أنْ كانت أعضاء مُتصلة. وكذلك كان القرآن حينما نزل كياناً واحداً؛ فأراد بعض من الكفار أن يُقطِّعوه إلى أجزاء. والمقصود هنا هم جماعة من اليهود وجماعة من النصارى الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأرادوا أنْ يُقطِّعوا القرآن كما فعلوا مع الكتابين اللذين نزلا على موسى، وهما التوراة؛ والإنجيل الذي جاء به عيسى. وقد قال الحق سبحانه فيهما: {أية : وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ ..} تفسير : [المائدة: 13]. أي: أن بعضاً من اليهود قد نَسُوا بعضاً من التوراة، وكذلك نسى البعض من أتباع عيسى بعضاً من الإنجيل الذي نزل عليه. وإنْ وجدنا لهم العذر في النسيان؛ فماذا عن الذي كتموه من تلك الكتب؟ وماذا عن الذي بدَّلوه وحرَّفوه من كلمات تلك الكتب؟ وماذا عن الذي أضافوه عليه، ولم ينزل من عند الله؟ وقد فضح سبحانه كل ذلك في القرآن. أو: أن اليهود استقبلوا القرآن استقبالَ مَنْ يُصدِّق بعضه مِمَّا لا يتعبهم، وكذَّبوه في البعض الذي يتعبهم، فقد كذَّبوا مثلاً أن كتابهم قد بشَّرهم بمحمد عليه الصلاة والسلام. وهكذا نرى كيف حاولوا أن يجعلوا القرآن عِضين، أي: قطعاً مفصولة عن بعضها البعض، وقد حاولوا ذلك بعد أن تبيَّن لهم أن القرآن مُؤثِّر وفاعل. وشاء الحق سبحانه للقرآن أن يحمل النذارة والبشارة؛ فالرسول نذير بالقرآن المبين الواضح لِمَنِ اقتسموا الأمر بالنسبة لمحمد - عليه الصلاة والسلام - فقِسْم منهم تفرَّغ للاستهزاء بمحمد ومَنْ آمنوا معه؛ وجماعة أخرى قسَّمتْ أعضاءها ليجلسوا على أبواب مكة أثناء موسم الحج، ويستقبلون القادمين للحج من البلاد المختلفة ليحذروهم من الاستماع لمحمد عليه الصلاة والسلام. ومن هؤلاء مَنْ وصف الرسولَ صلى الله عليه وسلم بالجنون؛ ومنهم مَنْ وصف القرآن بأنه شِعْر؛ ومنهم مَنْ وصفَ الرسول بأنه ساحر. ثم يقول الحق سبحانه من بعد ذلك: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ ...}.

همام الصنعاني

تفسير : 1462- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادَةَ، في قوله تعالى: {جَعَلُواْ ٱلْقُرْآنَ عِضِينَ}: [الآية: 91]، قال: عَضَّهُوه. قال: بهتوه. قال معمر وكان عكرمة يقول: العَضهُ، السحرُ بلسان قريش يقولون: للسَّاحِرَةِ: العاضهة.