Verse. 1896 (AR)

١٥ - ٱلْحِجْر

15 - Al-Hijr (AR)

فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَاَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِيْنَ۝۹۴
FaisdaAA bima tumaru waaAArid AAani almushrikeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فاصدع» يا محمد «بما تؤمر» به أي اجهر به وأمضه «وأعرض عن المشركين» هذا قبل الأمر بالجهاد.

94

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ} أي بالذي تؤمر به، أي بلّغ رسالة الله جميع الخلق لتقوم الحجة عليهم، فقد أمرك الله بذلك. والصدع: الشق. وتصدّع القوم أي تفرقوا؛ ومنه {أية : يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ} تفسير : [الروم: 43] أي يتفرّقون. وصدعته فانصدع أي انشق. وأصل الصدع الفرق والشق. قال أبو ذُؤَيب يصف الحمار وأُتُنَه:شعر : وكأنهنّ رِبَابة وكأنه يَسَرٌ يُفيض على القِداح ويَصْدَع تفسير : أي يفرق ويشق. فقوله: «ٱصْدَع بِمَا تُؤْمَرُ» قال الفراء: أراد فٱصدع بالأمر، أي أظهر دينك، فـ «ـما» مع الفعل على هذا بمنزلة المصدر. وقال ابن الأعرابي: معنى اصدع بما تؤمر، أي اقصد. وقيل: «فٱصدع بما تؤمر» أي فرّق جمعهم وكلمتهم بأن تدعوهم إلى التوحيد فإنهم يتفرّقون بأن يجيب البعض؛ فيرجع الصدع على هذا إلى صدع جماعة الكفار. قوله تعالى: {وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ} أي عن الاهتمام باستهزائهم وعن المبالاة بقولهم، فقد برأك الله عما يقولون. وقال ابن عباس: هو منسوخ بقوله {أية : فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ} تفسير : [التوبة: 5]. وقال عبد الله بن عبيد: ما زال النبيّ صلى الله عليه وسلم مستخفياً حتى نزل قوله تعالى: «فاصدع بِما تؤمر» فخرج هو وأصحابه. وقال مجاهد: أراد الجهر بالقرآن في الصلاة. «وأعرِض عنِ المشرِكين» لا تبال بهم. وقال ابن إسحاق: لما تمادَوْا في الشر وأكثروا برسول الله صلى الله عليه وسلم الاستهزاء أنزل الله تعالى «فاصدع بِما تؤمر وأعِرض عنِ المشرِكين. إنا كفيناك المستهزِئِين. الذين يجعلون مع اللَّهِ إِلٰهاً آخرَ فسوف يعلمون». والمعنى: اصدع بما تؤمر ولا تخف غير الله؛ فإن الله كافيك مَن أذاك كما كفاك المستهزئين، وكانوا خمسة من رؤساء أهل مكة، وهم الوليد بن المغيرة وهو رأسهم، والعاص بن وائل، والأسود بن المطلب بن أسد أبو زمعة. والأسود بن عبد يَغُوث، والحارث بن الطُّلاطِلَة، أهلكهم الله جميعاً، قيل يوم بدر في يوم واحد؛ لاستهزائهم برسول الله صلى الله عليه وسلم. وسبب هلاكهم فيما ذكر ٱبن إسحاق: أن جبريل أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يطوفون بالبيت، فقام وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فمرّ به الأسود بن المطلب فرمى في وجهه بورقة خضراء فعَمِيَ ووجِعت عينه، فجعل يضرب برأسه الجدار. ومرّ به الأسود بن عبد يَغُوث فأشار إلى بطنه فاستسقى بطنُه فمات منه حَبَناً. [يقال: حَبِن (بالكسر] حَبَنا وحُبِن للمفعول عظم بطنه بالماء الأصفر، فهو أحبن، والمرأة حبناء؛ قاله في الصحاح). ومرّ به الوليد بن المغيرة فأشار إلى أثر جرح بأسفل كعب رجله، وكان أصابه قبل ذلك بسنين، وهو يَجُرّ سَبَله، وذلك أنه مرّ برجل من خزاعة يَرِيش نَبْلاً له فتعلق سهم من نبله بإزاره فخَدش في رجله ذلك الخدش وليس بشيء، فانتقض به فقتله. ومرّ به العاص بن وائل فأشار إلى أَخْمَص قدمه، فخرج على حمار له يريد الطائف، فرَبَض به على شِبْرِقة فدخلت في أخْمَص رجله شوكةٌ فقتلته. ومرّ به الحارث بن الطُّلاطِلة، فأشار إلى رأسه فامتخط قيحاً فقتله. وقد ذُكر في سبب موتهم اختلاف قريب من هذا. وقيل: إنهم المراد بقوله تعالى: {أية : فَخَرَّ عَلَيْهِمُ ٱلسَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ} تفسير : [النحل: 26]. شّبه ما أصابهم في موتهم بالسقف الواقع عليهم؛ على ما يأتي.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى آمراً رسوله صلى الله عليه وسلم بإبلاغ ما بعثه به وبإنفاذه والصدع به، وهو مواجهة المشركين به، كما قال ابن عباس في قوله: {فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ} أي: أمضه، وفي رواية: افعل ما تؤمرـ وقال مجاهد: هو الجهر بالقرآن في الصلاة. وقال أبو عبيدة عن عبد الله بن مسعود: ما زال النبي صلى الله عليه وسلم مستخفياً حتى نزلت: {فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ}، فخرج هو وأصحابه. وقوله: {وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ إِنَّا كَفَيْنَـٰكَ ٱلْمُسْتَهْزِءِينَ} أي: بلغ ما أنزل إليك من ربك، ولا تلتفت إلى المشركين الذين يريدون أن يصدوك عن آيات الله {أية : وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} تفسير : [القلم: 9] ولا تخَفهم؛ فإن الله كافيك إياهم، وحافظك منهم؛ كقوله تعالى: {أية : يَـٰۤأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ} تفسير : [المائدة: 67]. وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا يحيى بن محمد بن السكن، حدثناإسحاق بن إدريس، حدثنا عون بن كهمس عن يزيد بن درهم، عن أنس قال: سمعت أنساً يقول في هذه الآية: { إِنَّا كَفَيْنَـٰكَ ٱلْمُسْتَهْزِءِينَ ٱلَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلـٰهًا ءَاخَرَ} قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم فغمزه بعضهم، فجاء جبريل، أحسبه قال: فغمزهم، فوقع في أجسادهم كهيئة الطعنة، فماتوا. قال محمد بن إسحاق: كان عظماء المستهزئين كما حدثني يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير، خمسة نفر، وكانوا ذوي أسنان وشرف في قومهم: من بني أسد بن عبد العزى بن قصي الأسود بن المطلب أبو زمعة، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني قد دعا عليه لما كان يبلغه من أذاه واستهزائه، فقال: «حديث : اللهم أعم بصره، وأثكله ولده» تفسير : ومن بني زهرة الأسودُ بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة، ومن بني مخزوم الوليدُ بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، ومن بني سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي العاصُ بن وائل بن هشام بن سُعَيد بن سعد، ومن خزاعة الحارثُ بن الطلاطلة بن عمرو بن الحارث بن عبد بن عمرو بن ملكان. فلما تمادوا في الشر، وأكثروا برسول الله صلى الله عليه وسلم الاستهزاء، أنزل الله تعالى: {فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ إِنَّا كَفَيْنَـٰكَ ٱلْمُسْتَهْزِءِينَ ٱلَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلـٰهًا ءَاخَرَ فَسَوْفَ يَعْمَلُونَ }. وقال ابن إسحاق: فحدثني يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير أو غيره من العلماء: أن جبريل أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يطوف بالبيت، فقام، وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنبه، فمر به الأسود بن المطلب، فرمى في وجهه بورقة خضراء، فعمي، ومر به الأسود بن عبد يغوث، فأشار إلى بطنه، فاستسقى بطنه، فمات منه حَبَناً، ومر به الوليد بن المغيرة، فأشار إلى أثر جرحٍ بأسفل كعب رجله، وكان أصابه قبل ذلك بسنتين، وهو يجر إزاره، وذلك أنه مر برجل من خزاعة يريش نبلاً له، فتعلق سهم من نبله بإزاره، فخدش رجله ذلك الخدش، وليس بشيء، فانتفض به فقتله، ومر به العاص بن وائل، فأشار إلى أخمص قدمه، فخرج على حمار له يريد الطائف، فربض على شِبْرِقَة، فدخلت في أخمص قدمه فقتلته، ومر به الحارث بن الطلاطلة، فأشار إلى رأسه، فامتخط قيحاً فقتله. قال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد عن رجل، عن ابن عباس قال: كان رأسهم الوليد بن المغيرة، وهو الذي جمعهم، وهكذاروي عن سعيد بن جبير وعكرمة نحو سياق محمد بن إسحاق به، عن يزيد عن عروة بطوله، إلا أن سعيداً يقول: الحارث بن غيطلة، وعكرمة يقول: الحارث بن قيس. قال الزهري: وصدقا، هو الحارث بن قيس، وأمه غيطلة، وكذا روي عن مجاهد ومقسم وقتادة وغير واحد: أنهم كانوا خمسة. وقال الشعبي: كانوا سبعة، والمشهور الأول: وقوله: { ٱلَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلـٰهًا ءَاخَرَ فَسَوْفَ يَعْمَلُونَ} تهديد شديد ووعيد أكيد لمن جعل مع الله معبوداً آخر. وقوله: { وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِّنَ ٱلسَّـٰجِدِينَ } أي: وإنا لنعلم يا محمد أنك يحصل لك من أذاهم لك ضيق صدر وانقباض، فلا يهيدنك ذلك، ولا يثنينك عن إبلاغك رسالة الله، وتوكل عليه؛ فإنه كافيك وناصرك عليهم، فاشتغل بذكر الله وتحميده وتسبيحه وعبادته التي هي الصلاة، ولهذا قال: { فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِّنَ ٱلسَّـٰجِدِينَ}. كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا معاوية بن صالح عن أبي الزاهرية عن كثير بن مرة عن نعيم بن همّار: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : قال الله تعالى: يا بن آدم لا تعجز عن أربع ركعات من أول النهار، أكفك آخره» تفسير : ورواه أبو داود والنسائي من حديث مكحول عن كثير بن مرة بنحوه، ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر، صلى. وقوله: { وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ} قال البخاري: قال سالم: الموت، وسالم هذا هو سالم بن عبد الله بن عمر، كما قال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا يحيى بن سعيد عن سفيان، حدثني طارق بن عبد الرحمن عن سالم بن عبد الله: { وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ} قال: الموت، وهكذا قال مجاهد والحسن وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيره، والدليل على ذلك قوله تعالى إخباراً عن أهل النار: أنهم قالوا: {أية : لَمْ نَكُ مِنَ ٱلْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ ٱلْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ ٱلُخَآئِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ حَتَّىٰ أَتَـٰنَا ٱلْيَقِينُ } تفسير : [المدثر:43-47] وفي الصحيح من حديث الزهري عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أم العلاء - امرأة من الأنصار -: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل على عثمان بن مظعون، وقد مات، قالت أم العلاء: رحمة الله عليك أبا السائب فشهادتي عليك لقد أكرمك الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : وما يدريك أن الله أكرمه؟» تفسير : فقلت: بأبي وأمي يا رسول الله فمن؟ فقال: «حديث : أما هو، فقد جاءه اليقين، وإني لأرجو له الخير» تفسير : ويستدل بهذه الآية الكريمة وهي قوله: {وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ} على أن العبادة كالصلاة ونحوها واجبة على الإنسان ما دام عقله ثابتاً، فيصلي بحسب حاله. كما ثبت في صحيح البخاري عن عمران بن حصين رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب» تفسير : ويستدل بها على تخطئة من ذهب من الملاحدة إلى أن المراد باليقين المعرفة، فمتى وصل أحدهم إلى المعرفة، سقط عنه التكليف عندهم، وهذا كفر وضلال وجهل، فإن الأنبياء عليهم السلام كانوا هم وأصحابهم أعلم الناس بالله، وأعرفهم بحقوقه وصفاته، وما يستحق من التعظيم، وكانوا مع هذا أعبد وأكثر الناس عبادة ومواظبة على فعل الخيرات إلى حين الوفاة، وإنما المراد باليقين ههنا الموت، كما قدمناه، ولله الحمد والمنة، والحمد لله على الهداية، وعليه الاستعانة والتوكل، وهو المسؤول أن يتوفانا على أكمل الأحوال وأحسنها، فإنه جواد كريم. آخر تفسير سورة الحجر، والحمد لله رب العالمين.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَٱصْدَعْ } يا محمد {بِمَا تُؤْمَرُ } به أي اجهر به وأمضه {وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ } هذا قبل الأمر بالجهاد.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل:{فاصدع بما تؤمر}فيه ستة تأويلات: أحدها: فامضِ بما تؤمر، قاله ابن عباس. الثاني: معناه فاظهر بما تُؤمر، قاله الكلبي. قال الشاعر: شعر : ومَن صادعٌ بالحق يعدك ناطقٌ بتقوى ومَن إن قيل بالجوْر عيّرا تفسير : الثالث: يعني إجهر بالقرآن في الصلاة، قاله مجاهد. الرابع: يعني أعلن بما يوحى إليك حتى تبلغهم، قاله ابن زيد. الخامس: معناه افرق بين الحق والباطل، قاله ابن عيسى. السادس: معناه فرق القول فيهم مجتمعين وفرادى، حكاه النقاش. وقال رؤية: ما في القرآن أعْرَبُ من قوله{فاصدع بما تؤمر}{وأعرض عن الجاهلين}فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه منسوخ بقوله تعالى {أية : فاقتلوا المشركين} تفسير : [التوبة:5] قاله ابن عباس. الثاني: أعرض عن الاهتمام باستهزائهم. الثالث: معناه بالاستهانة بهم، قاله ابن بحر. ثم فيه وجهان: أحدهما: اصدع الحق بما تؤمر من اظهاره. الثاني: اصدع الباطل بما تؤمر من إبطاله. قوله تعالى:{إنّا كفيناكَ المستهزئينَ}وهم خمسة: الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، وأبو زمعة، والأسود بن عبد يغوث، والحراث بن الطلاطلة. أهلكهم الله جميعاً قبل بدر لاتسهزائهم برسول الله صلى الله عليه وسلم. وسبب هلاكهم ما حكاه مقسم وقتادة أن الوليد بن المغيرة ارتدى فعلق سهم بردائه، فذهب فجلس فقطع أكحله فنزف فمات. وأما العاص بن وائل فوطىء على شوكة، فتساقط لحمه عن عظامه، فمات، وأما أبو زمعة فعمى. وأما الأسود بن عبد يغوث فإنه أتى بغصن شوك فأصاب عينيه، فسالت حدقتاه على وجهه، فكان يقول: [دعا] عليّ محمد فاستجيب له، ودعوت عليه فاستجيب لي، دعا عليّ أن أعمى فعميت، ودعوت عليه أن يكون طريداً بيثرب، فكان كذلك، وأما الحارث بن الطلاطلة فإنه استسقى بطنه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لجبريل [حين] نزل عليه بقوله تعالى: {إنا كفيناك المستهزئين}"حديث : دع لي خالي" تفسير : يعني الأسود بن الطلاطلة فقال له: كفيت. قوله عز وجل: {ولقد نعلم أنّك يضيق صدرك}أي قلبك لأن الصدر محل القلب. {بما يقولون}يعني من الاستهزاء، وقيل من الكذب بالحق. {فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين} فيه وجهان: أحدهما: الخاضعين. الثاني: المصلين. {واعبد ربك حتى يأتيك اليقين}فيه وجهان: أحدهما: الحق الذي لا ريب فيه من نصرك على أعدائك، قاله شجرة. الثاني: الموت الذي لا محيد عنه، قاله الحسن ومجاهد وقتادة.

ابن عطية

تفسير : {فاصدع} معناه فانفد وصرح بما بعثت به، والصدع التفريق بين ملتئم كصدع الزجاجة ونحوه، فكأن المصرح بقول يرجع إليه، يصدع به ما سواه مما يضاده، والصديع الصبح لأنه يصدع الليل، وقال مجاهد: نزلت في أن يجهر بالقرآن في الصلاة، وفي {تؤمر} ضمير عائد على {ما}، تقديره ما تؤمر به أو تؤمره وفي هذين تنازع، وقوله {وأعرض عن المشركين} من آيات المهادنات التي نسختها آية السيف، قاله ابن عباس، ثم أعلمه الله تعالى بأنه قد كفاه {المستهزئين} من كفار مكة ببوائق إصابتهم من الله تعالى لم يسع فيها محمد ولا تكلف فيها مشقة، وقال عروة بن الزبير وسعيد بن جبير: "المستهزئون" خمسة نفر: الوليد بن المغيرة، والعاصي بن وائل، والأسود بن المطلب أبو زمعة، والأسود بن عبد يغوث، ومن خزاعة الحارث بن الطلاطلة، وهو ابن غيطلة، وهو ابن قيس، قال أبو بكر الهذلي: قلت للزهري: إن ابن جبير وعكرمة اختلفا في رجل من المستهزئين، فقال ابن جبير هو الحارث بن غيطلة، وقال عكرمة هو الحارث بن قيس، فقال الزهري صدقا أمه غيطلة وأبوه قيس وذكر الشعبي في {المستهزئين} هبار بن الأسود، وذلك وهم لأن هباراً أسلم يوم الفتح ورحل إلى المدينة، وذكر الطبري عن ابن عباس: أن {المستهزئين} كانوا ثمانية كلهم مات قبل بدر، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في المسجد، فأتاه جبريل فجاز الوليد فأومأ جبريل بأصبعه إلى ساقه، وقال للنبي عليه السلام: كفيت ثم جاز العاصي، فأومأ إلى أخمصه، وقال: كفيت، ثم مر أبو زمعة فأومأ إلى عينه، ثم مر الأسود بن عبد يغوث، فأومأ إلى أخمصه، وقال: كفيت، ثم مر أبو زمعة فأومأ إلى عينه، ثم مر الأسود بن عبد يغوث، فأومأ إلى رأسه، وقال كفيت، ثم مر الحارث، فأومأ إلى بطنه، وقال: كفيت، وكان الوليد قد مر بقين في خزاعة فتعلق سهم من نبله بإزاره، فخدش ساقه، ثم برىء فانتقض به ذلك الخدش بعد إشارة جبريل، فقتله، وقيل إن السهم قطع أكحله، قاله قتادة ومقسم، وركب العاصي بغلة في حاجة فلما جاء ينزل وضع أخمصه على شبرقه فورمت قدمه فمات، وعمي أبو زمعة، وكان يقول: دعا علي محمد بالعمى فاستجيب له، ودعوت عليه بأن يكون طريداً شريداَ فاستجيب لي، وتمخض رأس الأسود بن عبد يغوث قيحاً فمات، وامتلأ بطن الحارث ماء فمات حبناً. قال القاضي أبو محمد: وفي ذكر هؤلاء وكفايتهم اختلاف بين الرواة في صفة أحوالهم، وما جرى لهم، جليت أصحه مختصراً طلب الإيجاز، ثم قرر تعالى ذنبهم في الكفر واتخاذ الأصنام آلهة مع الله تعالى، ثم توعدهم بعذاب الآخرة الذي هو أشق، وقوله تعالى: {ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون} آية تأنيس للنبي عليه السلام، وتسلية عن أقوال المشركين وإن كانت مما يقلق، وضيق الصدر يكون من امتلائه غيظاً بما يكره الإنسان، ثم أمره تعالى بملازمة الطاعة وأن تكون مسلاته عند الهموم، وقوله {من الساجدين} يريد من المصلين، فذكر من الصلاة حالة القرب من الله تعالى وهي السجود، وهي أكرم حالات الصلاة وأقمنها بنيل الرحمة، وفي الحديث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة" تفسير : فهذا منه عليه السلام أخذ بهذه الآية، و {اليقين}: الموت، بذلك فسره هنا ابن عمر ومجاهد والحسن وابن زيد، ومنه قول النبي عليه السلام عند موت عثمان بن مظعون: "أما هو فقد رأى اليقين"، ويروى "فقد جاءه اليقين". وليس {اليقين} من أسماء الموت، وإنما العلم به يقين لا يمتري فيه عاقل، فسماه هنا يقيناً تجوزاً، أي يأتيك الأمر اليقين علمه ووقوعه وهذه الغاية معناها مدة حياتك، ويحتمل أن يكون المعنى {حتى يأتيك اليقين} في النصر الذي وعدته.

ابن عبد السلام

تفسير : {فَاصْدَعْ} فامض، أو اظهر، أو اجهر بالقرآن في الصلاة، أو أعلن بالوحي حتى يبلغهم "ع"، أو افرق به بين الحق والباطل، أو فرق القول فيهم مجتمعين وفرادى، {وَأَعْرِضْ} منسوخ بآية السيف "ع" أو أعرض عن الاهتمام باستهزائهم.

التستري

تفسير : قوله تعالى: {فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ}[94] أي أظهر القرآن في الصلاة بما أوحينا إليك. قيل: ما الوحي؟ قال: المستور من القول، قال الله تعالى: {أية : يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ}تفسير : [الأنعام:112] أي يسر بعضهم إلى بعض وقد يكون بمعنى الإلهام كما قال تعالى: {أية : وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ} تفسير : [النحل:68] يعني ألهم النحل.

القشيري

تفسير : كُنْ بنا وقُلْ بنا، وإِذَا كنتَ بِنا ولَنَا فلا تجعلْ حِساباً لغيرنا، وصرِّحْ بما خاطبناك به، وأَفْصِحْ عَمَّا نحن خصصناكَ به، وأَعْلِنْ محبتنا لك: شعر : فسبِّحْ باسم مَنْ تَهْوى ودَعْنا من الكُنى فلا خيرَ في اللَّذاتِ مِنْ بعدها سَتْرُ

اسماعيل حقي

تفسير : {فاصدع بما تؤمر} ما موصولة والعائد محذوف اى فاجهر بما تؤمر به من الشرائع اى تكلم به جهارا واظهره وبالفارسية [بس آشكارا كن وبظاهر قيام نمادى بآنجه فرستاده اند ازاوامر ونواهى] يقال صدع بالحجة اذا تكلم بها جهارا من الصديع وهو الفجر اى الصبح او فاصدع فافرق بين الحق والباطل واكشف الحق وابنه من غيره من الصدع فى الزجاجة وهو الابانة كما قال فى القاموس الصدع الشق فى شيء صلب ثم قال وقوله تعالى {فاصدع بما تؤمر} اى شق جماعاتهم بالتوحيد. وفى تفسير ابى الليث كان رسول الله عليه السلام قبل نزول هذه الآية مستخفيا لا يظهر شيئا مما انزل الله تعالى حتى نزل {فاصدع بما تؤمر}. يقول الفقير كان عليه الصلاة والسلام مأمورا باظهار ما كان من قبيل الشرائع والاحكام لا ما كان من قبيل المعارف والحقائق والحقائق فانه كان مأمورا باخفائه الا لاهله من خواص الامة وقد توارثه العلماء بالله الى هذا الآن كما قال المولى الجامى شعر : رسيد جان بلب ودم نمى توانم زد كه سر عشق همى ترسم آشكار شود تفسير : واما ما صدر من بعضهم من دعوى المأمورية فى اظهار بعض الامور الباعثة على تفرق الناس واختلافهم فى الدين فمن الجهل بالمراتب وعدم التمييز بين ما كان ملكيا ورحمانيا وبين ما كان نفسانيا وشيطانيا فان الطريق والمسلك والمطلب عزيز المنال والله الهادى الى حقيقة الحال شعر : نكته عرفان مجو از خاطر آلود كان جوهر مقصود را دلهاى باك آمد صدف تفسير : {واعرض عن المشركين} اى لا تلتفت الى ما يقولون ولا تبال بهم ولا تقصد الانتقام منهم. فان قلت قد دعا النبى عليه الصلاة والسلام على بعض الكفار فاستجيب له كما حديث : روى انه مر بالحكم ابن العاص فجعل الحكم يغمز به عليه السلام فرآه فقال"اللهم اجعل به وزغا" فرجف وارتعش مكانه تفسير : والوزغ والارتعاش وهذا لا ينافى ما هو عليه من الحلم والاغضاء على ما يكره. قلت ظهر له فى ذلك اذن من الله تعالى ففعل ما فعل وهكذا جميع افعاله واقواله فان الوارث الكامل لا يصدر منه الا ما فيه اذن الله تعالى فما ظنك باكمل الخلق علما وعملا وحالا

الجنابذي

تفسير : {فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ} ولا تبال بقبلوهم وردّهم وباستهزائهم وعدم استهزائهم، والمراد منه اجهر به من صدع بالحجّة اذا تكلّم بها جهاراً، او فرّق به بين الحقّ والباطل، او فرّق الحقّ وانثره بحيث لا يكاد تجمع ويذهب به او شقّ وفرّق به جماعات الكفّار {وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ إِنَّا كَفَيْنَاكَ ٱلْمُسْتَهْزِئِينَ ٱلَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلـٰهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} عاقبة امرهم وقد ورد فى أخبارنا انّ الآية نزلت بمكّة بعد ان اكتتم محمّد (ص) امره بعد بعثته خمس سنين او ثلاث سنين ولم يكن معه الاّ علىّ (ع) وخديجة (ع) ثمّ امر بالاظهار فكان يظهر امره على قبائل العرب.

الهواري

تفسير : قوله: { فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ} قال الكلبي: أظهر ما أمرت به، وهذا بعد ما اكتتم سنتين بمكة، ثم أمره أن يظهر ما أمره الله به. وقال مجاهد: اجهر بالقرآن في الصلاة. قوله: { وَأَعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ}. نسخها القتال. قوله: { إِنَّا كَفَيْنَاكَ المُسْتَهْزِءِينَ} قال بعضهم: هم المقتسمون الخمسة. وقال الكلبي: إن المقتسمين السبعة عشر. والمستهزءون خمسة: الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والحارث بن قيس، وهو عم عبد الله بن الزبعرى، والأسود بن المطلب، وهو أبو زمعة بن أسد، والأسود بن عبد يغوث الزهري، [ابن] خال رسول الله صلى الله عليه وسلم، أخي أمه. قال: { الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللهِ إِلَهاً ءَاخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ}. قوله: { وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ} أي: إنك ساحر، وإنك كاهن، وإنك مجنون، وإنك شاعر، وإنك كاذب. { فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ} أي: المصلين. { وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ}. يعني الموت. وهو تفسير مجاهد. وقال بعضهم: عند الموت يأتيك يقين، أي: من الخير أو الشر. وكان الحسن يقول: ابن آدم عند الموت يأتيك اليقين.

اطفيش

تفسير : {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ} اجهر بما تؤمر به وحذف الرابط شذوذاً لأَنه تعلق بما يتعلق به الموصول أو ما مصدرية فلا حذف أى يأْمرك فهذا المصدر من المبنى للمفعول وأصل الصدع الإِبانة والتمييز وقيل الصدع هنا الفرق بين الحق والباطل وذلك أمر بإِعلان بعد ما كان يدعو إِلى الله سراً سنتين، وقال مجاهد اجهر بالقرآن فى الصلاة، والأَول أعم فإِن القرآن من جملة ما يؤمر به من الشرائع شبه التبليغ بكسر الزجاجة بجامع التأْثير أى أبن الأَمر إِبانة لا تلتئم كما لا يلتئم صدع الزجاجة ولما نزل ذلك خرج هو وأصحابه وظهروا، {وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} احمل أذاهم ولومهم ولا تكترث به قيل منسوخ بآية السيف والظاهر أنه لم ينسخ إِذ ليس نهياً عن القتال.

اطفيش

تفسير : {فَاصْدَع} اجهر {بِمَا تُؤْمْرُ} به فحذف به ولو لم يتحد المتعلِّقان لظهور المعنى، أو بأمرك، أو افرق بما تؤْمر بين الحق والباطل، أَو باَمرك، والأَمر بمعنى المأْمور به إذ لا خلاف فى جواز التأويل بالمصدر بمعنى المفعول، وإنما الخلاف فى المصدر الصريح، ومع هذا فالصحيح الجواز {وَأعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} لا تبال بما يقولون ولا يهمنك قولهم.

الالوسي

تفسير : {فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ} قال الكلبـي: أي أظهره واجهر به يقال: صدع بالحجة إذا تكلم بها جهاراً، ومن ذلك قيل للفجر صديع لظهوره. وجوز أن يكون أمراً من صدع الزجاجة وهو تفريق أجزائها أي افرق بين الحق والباطل، وأصله على ما قيل الإبانة والتمييز، والباء على الأول صلة وعلى الثاني سببية، و {مَا} جوز أن تكون موصولة والعائد محذوف أي بالذي تؤمر به فحذف الجار فتعدى الفعل إلى الضمير فصار تؤمره ثم حذف، ولعل القائل بذلك لم يعتبر حذفه مجروراً لفقد شرط حذفه بناءً على أنه يشترط في حذف العائد المجرور أن يكون مجروراً بمثل ما جر به الموصول لفظاً ومعنى ومتعلقاً، وقيل: التقدير فاصدع بما تؤمر بالصدع به فحذفت الباء الثانية ثم الثالثة ثم لام التعريف ثم المضاف ثم الهاء، وهو تكلف لا داعي له ويكاد يورث الصداع، والمراد بما يؤمر به الشرائع مطلقاً، وقول مجاهد كما أخرجه عنه ابن أبـي حاتم إن المعنى: اجهر بالقرآن في الصلاة يقتضي بظاهره التخصيص ولا داعي له أيضاً كما لا يخفى، وأظهر منه في ذلك ما روي عن ابن زيد أن المراد {بِمَا تُؤْمَرُ } القرآن الذي أوحى إليه صلى الله عليه وسلم أن يبلغهم إياه، وأن تكون مصدرية أي فاصدع بمأموريتك وهو الذي عناه الزمخشري بقوله: أي بأمرك مصدر من المبني للمفعول، وتعقبه أبو حيان بأنه مبني على مذهب من يجوز أن يراد بالمصدر أن والفعل المبني للمفعول والصحيح أن ذلك لا يجوز. ورد بأن الاختلاف في المصدر الصريح هل يجوز انحلاله إلى حرف مصدري وفعل مجهول أم لا إما أن الفعل المجهول هل يوصل به حرف مصدري فليس محل النزاع، فإن كان اعتراضه على الزمخشري في تفسيره بالأمر وأنه كان ينبغي أن يقول بالمأمورية فشيء/ آخر سهل، ثم لا يخفى ما في الآية من الجزالة، وقال أبو عبيدة: عن رؤبة ما في القرآن منها، ويحكى أن بعض العرب سمع قارئاً يقرأها فسجد فقيل له في ذلك فقال: سجدت لبلاغة هذا الكلام، ولم يزل صلى الله عليه وسلم مستخفياً كما روي عن عبد الله بن مسعود قبل نزول ذلك فلما نزلت خرج هو وأصحابه عليه الصلاة والسلام. {وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ } أي لا تلتفت إلى ما يقولون ولا تبال بهم فليست الآية منسوخة، وقيل: هي من آيات المهادنة التي نسختها آية السيف، وأخرج ذلك ابن أبـي حاتم وأبو داود في "ناسخه" عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.

ابن عاشور

تفسير : تفريع على جملة {أية : ولقد آتيناك سبعاً من المثاني} تفسير : [سورة الحجر: 87] بصريحه وكنايته عن التسلية على ما يلاقيه من تكذيب قومه. نزلت هذه الآية في السنة الرابعة أو الخامسة من البعثة ورسول الله عليه الصلاة والسلام مختف في دار الأرقم بن أبي الأرقم. رُوي عن عبد الله بن مسعود قال: ما زال النبي مستخفياً حتى نزلتْ: {فاصدع بما تؤمر} فخرج هو وأصحابه. يعني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزلت سورة المدثّر كان يدعو النّاس خفية وكان من أسلم من النّاس إذا أراد الصّلاة يذهب إلى بعْض الشّعاب يستخفي بصلاته من المشركين، فلحقهم المشركون يستهزئون بهم ويعِيبون صلاتهم، فحدث تضارب بينهم وبين سعد بن أبي وقاص أدمَى فيه سعد رجلاً من المشركين. فبعد تلك الوقعة دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه دار الأرقم عند الصّفا فكانوا يقيمون الصّلاة بها واستمروا كذلك ثلاث سنين أو تزيد، فنزل قوله تعالى: {فاصدع بما تؤمر} الآية. وبنزولها ترك الرسول صلى الله عليه وسلم الاختفاء بدار الأرقم وأعلن بالدّعوة للإسلام جهراً. والصدع: الجهر والإعلان. وأصله الانشقاق. ومنه انصداع الإناء، أي انشقاقه. فاستعمل الصدع في لازم الانشقاق وهو ظهور الأمر المحجوب وراء الشيء المنصدع؛ فالمراد هنا الجهر والإعلان. وما صدقُ «ما تؤمر» هو الدّعوة إلى الإسلام. وقَصْدُ شمول الأمر كلّ ما أمر الرسول ــــ عليه الصلاة والسلام ــــ بتبليغه هو نكتة حذف متعلّق {تؤمر}، فلم يصرح بنحو بتبليغه أو بالأمر به أو بالدّعوة إليه. وهو إيجاز بديع. والإعراض عن المشركين الإعراض عن بعض أحوالهم لا عن ذواتهم. وذلك إبايتهم الجهر بدعوة الإسلام بين ظهرانيهم، وعن استهزائهم، وعن تصدّيهم إلى أذى المسلمين. وليس المراد الإعراض عن دعوتهم لأن قوله تعالى: {فاصدع بما تؤمر} مانع من ذلك، وكذلك جملة {إنا كفيناك المستهزئين}. وجملة {إنا كفيناك المستهزئين} تعليل للأمر بالإعلان بما أمر به، فإن اختفاء النبي صلى الله عليه وسلم بدار الأرقم كان بأمر من الله تعالى لحكمة علمها الله أهمّها تعدّد الداخلين في الإسلام في تلك المدّة بحيث يغتاظ المشركون من وفرة الداخلين في الدّين مع أن دعوته مخفية، ثم إن الله أمر رسوله ــــ عليه الصلاة والسلام ــــ بإعلان دعوته لحكمة أعلى تهيّأ اعتبارها في علمه تعالى. والتّعبير عنهم بوصف {المستهزئين} إيماء إلى أنّه كفاه استهزاءهم وهو أقلّ أنواع الأذى، فكفايته ما هو أشدّ من الاستهزاء من الأذى مفهوم بطريق الأحْرى. وتأكيد الخبر بــــ(إنّ) لتحقيقه اهتماماً بشأنه لا للشكّ في تحقّقه. والتّعريف في {المستهزءين} للجنس فيفيد العموم، أي كفيناك كل مستهزء. وفي التّعبير عنهم بهذا الوصف إيماء إلى أن قصارى ما يؤذونه به الاستهزاء، كقوله تعالى: {أية : لن يضروكم إلا أذى} تفسير : [سورة آل عمران: 111]، فقد صرفهم الله عن أن يؤذوا النبي بغير الاستهزاء. وذلك لطف من الله برسوله. ومعنى الكفاية تولّي الكافي مهم المكفي، فالكافي هو متولي عمل عن غيره لأنه أقدر عليه أو لأنه يبتغي راحة المكفي. يقال: كفيتُ مهمك، فيتعدّى الفعل إلى مفعولين ثانيهما هو المهم المكفي منه. فالأصل أن يكون مصدراً فإذا كان اسم ذات فالمراد أحواله التي يدلّ عليها المقام، فإذا قلت: كفيتك عدوّك، فالمراد: كفيتك بأسه، وإذا قلت: كفيتك غريمك، فالمراد: كفيتك مطالبتَه. فلما قال هنا {كفيناك المستهزئين} فهم أن المراد كفيناك الانتقام منهم وإراحتك من استهزائهم. وكانوا يستهزئون بصنوف من الاستهزاء كما تقدم. ويأتي في آيات كثيرة من استهزائهم استهزاؤهم بأسماء سور القرآن مثل سورة العنكبوت وسورة البقرة، كما في «الإتقان» في ذكر أسماء السور. وعُد من كبرائهم خمسة هم: الوليد بن المغيرة، والأسود بن عبد يغوث، والأسود بن المطّلب، والحارث بن عيطلة (ويقال ابن عيطل وهو اسم أمّه دُعِي لها واسم أبيه قيس. وفي «الكشاف» و«القرطبي» أنه ابن الطُلاَطِلَة، ومثله في «القاموس»، وهي بضم الطاء الأولى وكسر الطاء الثّانية) والعاصي بن وائل، هلكوا بمكّة متتابعين، وكان هلاكهم العجيب المحكي في كتب السيرة صارفاً أتباعهم عن الاستهزاء لانفراط عِقدهم. وقد يكون من أسباب كفايتهم زيادة الداخلين في الإسلام بحيث صار بأس المسلمين مخشيّاً؛ وقد أسلم حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه فاعتزّ به المسلمون، ولم يبق من أذى المشركين إياهم إلاّ الاستهزاء، ثم أسلم عمر بن الخطاب ــــ رضي الله عنه ــــ فخشيه سفهاء المشركين، وكان إسلامه في حدود سنة خمس من البعثة. ووصفهم بــــ{الذين يجعلون مع الله إلٰهاً آخر} للتشويه بحالهم، ولتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم بأنهم ما اقتصروا على الافتراء عليه فقد افتروا على الله. وصيغة المضارع في قوله تعالى: {يجعلون} للإشارة إلى أنهم مستمرون على ذلك مجدّدون له. وفرع على الأمرين الوعيد بقوله تعالى: {فسوف يعلمون}. وحذف مفعول {يعلمون} لدلالة المقام عليه، أي فسوف يعلمون جزاء بهتانهم.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ}. أي فاجهر به وأظهره. من قولهم: صدع بالحجة إذا تكلم بها جهاراً، كقولك: صرح بها. وهذه الآية الكريمة أمر الله فيها نبيه صلى الله عليه وسلم بتبليغ ما أمر به علناً في غير خفاء ولا مواربة. وأوضح هذا المعنى في مواضع كثيرة، كقوله {أية : يَـۤأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} تفسير : [المائدة: 67] الآية. وقد شهد له تعالى بأنه امتثل ذلك الأمر فبلغ على أكمل وجه في مواضع آخر. كقوله: {أية : ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}تفسير : [المائدة: 3]، وقوله: {أية : فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَآ أَنتَ بِمَلُومٍ} تفسير : [الذاريات: 54] إلى غير ذلك من الآيات. تنبيه قوله: {فَٱصْدَعْ} قال بعض العلماء: أصله من الصدع بمعنى الإظهار، ومنه قولهم: انصدع الصبح: انشق عنه الليل. والصديع: الفجر لانصداعه، ومنه قول عمروبن معد يكرب: شعر : ترى السرحان مفترشاً يديه كأن بياض لبته صديع تفسير : أي فجر والمعنى على هذا القول: أظهر ما تؤمر به وبلغه علناً على رؤوس الأشهاد وتقول العرب: صدعت الشيء: أظهرته. ومنه قول أبي ذؤيب: شعر : وكأنهن ربابة وكأنه يسر يفيض على القداح ويصدع تفسير : قاله صاحب اللسان. وقال بعض العلماء: أصله من الصدع بمعنى التفريق والشق في الشيء الصلب كالزجاج والحائط. ومنه بمعنى التفريق: قوله تعالى: {أية : مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ}تفسير : [الروم: 43] أي يتفرقون: فريق في الجنة وفريق في السعير. بدليل قوله تعالى: {أية : وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ} تفسير : [الروم: 14] ومنه قول غيلان ذي الرمة: شعر : عشية قلبي في المقيم صديعه وراح جناب الظاعنين صديع تفسير : يعني أن قلبه افترق إلى جزءين: جزء في المقيم، وجزء في الطاعنين. وعلى هذا القول - {فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ} أي فرق بين الحق والباطل بما أمرك الله بتبليغه. وقوله: {بِمَا تُؤْمَرُ} يحتمل أن تكون "ما" موصوله. ويحتمل أن تكون مصدرية، بناء على جواز سبك المصدر من أن والفعل المبني للمفعول، ومنع ذلك جماعة من علماء العربية. قال أبو حيان في (البحر): والصحيح أن ذلك لا يجوز. قوله تعالى: {وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ}. في هذه الآية الكريمة قولان معروفان للعلماء: أحدهما - أن معنى {وأعرض عن المشركين} أي لا تبال بتكذيبهم واستهزائهم، ولا يصعب عليك ذلك. فالله حافظك منهم. والآية على هذا التأويل معناها: فاصدع بما تؤمر - أي بلغ رسالة ربك، وأعرض عن المشركين، أي لا تبال بهم ولا تخشهم. وهذا المعنى كقوله تعالى: {أية : يَـۤأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ}تفسير : [المائدة: 67]. الوجه الثاني - وهو الظاهر في معنى الآية - أنه كان في أول الأمر مأموراً بالإعراض عن المشركين، ثم نسخ ذلك بآيات السيف. ومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: {أية : ٱتَّبِعْ مَآ أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ} تفسير : [الأنعام: 106]، وقوله: {أية : فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَٱنتَظِرْ إِنَّهُمْ مُّنتَظِرُونَ}تفسير : [السجدة: 30]، وقوله: {أية : فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا}تفسير : [النجم: 29] وقوله: {أية : وَلاَ تُطِعِ ٱلْكَافِرِينَ وَٱلْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ} تفسير : [الأحزاب: 48] إلى غير ذلك من الآيات.

د. أسعد حومد

تفسير : (94) - يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم بِإِبْلاَغِ أَمْرِ رَبِّهِ إِلَى النَّاسِ، وَالصَّدْعِ بِهِ، وَمُوَاجَهَةِ المُشْرِكِينَ بِهِ، وَعَدَمِ الخَوْفِ مِنْهُمْ، لأَِنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ عَصَمَهُ مِنَ النَّاسِ، وَحِفَظَهُ مِنْ كُلِّ سُوءٍ. فَاصْدَعْ - فَاجْهَرْ بِهِ، أَوِ امْضِهِ وَنَفِّذْهُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : أي: افرغ لِمُهمتك؛ فالصّدع تصنع شقاً في متماسك، كما نشق زجاجاً بالمشرط الخاص بذلك، أو ونحن نصنع شقاً في حائط. والرسول صلى الله عليه وسلم قد جاء لِيشقَّ الكفر ويهدم الفساد القوي المتماسك الذي يَقْوي بقوة صناديد قريش. وقد شاع ذلك المصطلح "الصدع" في الزجاج؛ لأن أيَّ شقٍّ في أيِّ شيء من الممكن أنْ يلتئمَ إلا في الزجاج؛ لأنه يصعب أن يجمع الإنسان الفتافيت والقطع الصغيرة التي تنتج من صدعه، وقد جاء الإيمان ليصدع بنيان الكفر والفساد المتماسك. وقول الحق سبحانه: {وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ} [الحجر: 94]. أي: أَعْطِهم عرض كتفيك، ولا تسأل عنهم؛ فَهُم لن يُسلِموا لك، ذلك أنهم مستفيدون من الفساد الذي جِئْتَ أنت لتهدمه، ولكنهم سيأتون لك تباعاً بعد أن تتثبت دعوتُك، وتصل قلوبهم إلى تيقُّن أن ما جئتَ به هو الحق. والمثَل هو إسلام خالد بن الوليد وعمرو بن العاص؛ فقد قالا: "لقد استقر الأمر لمحمد، ولم تَعُدْ معارضتنا له تفيد أحداً"، ودخلاَ الإسلام. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: {إِنَّا كَفَيْنَاكَ ...}.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ} [الآية: 94] يقول: اجهر بالقرآن في الصلاة. أَنا عبد الرحمن، ثنا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ} [الآية: 99] قال: الموت.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ} معناه اجْهِر بِهِ.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 481 : 13 : 14 - سفين عن ليث عن مجاهد في قوله {فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ} قال القرآن. [الآية 94].

همام الصنعاني

تفسير : 1463- حدثنا عبد الرزاق، عن الثوري، عن لَيْث، عن مُجَاهِدٍ، في قوله تعالى: {فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ}: [الآية: 94]، قال: بالقرآن. قال بالقرآن.