Verse. 1899 (AR)

١٥ - ٱلْحِجْر

15 - Al-Hijr (AR)

وَلَقَدْ نَعْلَمُ اَنَّكَ يَضِيْقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُوْلُوْنَ۝۹۷ۙ
Walaqad naAAlamu annaka yadeequ sadruka bima yaqooloona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولقد» للتحقيق «نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون» من الاستهزاء والتكذيب.

97

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما ذكر أن قومه يسفهون عليه ولا سيما أولئك المقتسمون وأولئك المستهزؤون قال له: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ } لأن الجبلة البشرية والمزاج الإنساني يقتضي ذلك فعند هذا قال له: {فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ } فأمره بأربعة أشياء بالتسبيح والتحميد والسجود والعبادة واختلف الناس في أنه كيف صار الإقبال على هذه الطاعات سبباً لزوال ضيق القلب والحزن؟ فقال العارفون المحققون إذا اشتغل الإنسان بهذه الأنواع من العبادات انكشفت له أضواء عالم الربوبية، ومتى حصل ذلك الإنكشاف صارت الدنيا بالكلية حقيرة، وإذا صارت حقيرة خف على القلب فقدانها ووجدانها فلا يستوحش من فقدانها ولا يستريح بوجدانها، وعند ذلك يزول الحزن والغم. وقالت المعتزلة: من اعتقد تنزيه الله تعالى عن القبائح سهل عليه تحمل المشاق، فإنه يعلم أنه عدل منزه عن إنزال المشاق به من غير غرض ولا فائدة فحينئذ يطيب قلبه، وقال أهل السنة: إذا نزل بالعبد بعض المكاره فزع إلى الطاعات كأنه يقول: تجب على عبادتك سواء أعطيتني الخيرات أو ألقيتني في المكروهات، وقوله: {وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ } قال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد الموت وسمي الموت باليقين لأنه أمر متيقن. فإن قيل: فأي فائدة لهذا التوقيت مع أن كل أحد يعلم أنه إذا مات سقطت عنه العبادات؟ قلنا: المراد منه: {وَٱعْبُدْ رَبَّكَ } في زمان حياتك ولا تخل لحظة من لحظات الحياة عن هذه العبادة، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ} أي قلبك؛ لأن الصدر محل القلب. {بِمَا يَقُولُونَ} أي بما تسمعه من تكذيبك وردّ قولك، وتناله ويناله أصحابك من أعدائك.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلَقَدْ } للتحقيق {نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ } من الاستهزاء والتكذيب.

ابن عبد السلام

تفسير : {صَدْرُكَ} قلبك لأنه محل القلب {بِمَا يَقُولُونَ} من الاستهزاء، أو التكذيب بالحق.

السيوطي

تفسير : أخرج سعيد بن منصور وابن المنذر والحاكم في التاريخ، وابن مردويه والديلمي، عن أبي مسلم الخولاني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما أوحي لي أن أجمع المال وأكون من التاجرين، ولكن أوحي إلي أن {سبح بحمد ربك وكن من الساجدين واعبد ربك حتى يأتيك اليقين} ". تفسير : وأخرج ابن مردويه والديلمي، عن أبي الدرداء رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : ما أوحي إليّ أن أكون تاجراً ولا أجمع المال متكاثراً، ولكن أوحي إلي أن {سبح بحمد ربك وكن من الساجدين واعبد ربك حتى يأتيك اليقين} ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {حتى يأتيك اليقين} قال: الموت. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير، عن سالم بن عبد الله بن عمر رضي الله عنه {واعبد ربك حتى يأتيك اليقين} قال: الموت. وأخرج ابن المبارك في الزهد، عن الحسن رضي الله عنه في قوله {واعبد ربك حتى يأتيك اليقين} قال: الموت. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله {واعبد ربك حتى يأتيك اليقين} قال: الموت إذا جاءه الموت جاءه تصديق ما قال الله له، وحدثه من أمر الآخرة. وأخرج البخاري وابن جرير عن أم العلاء: " حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على عثمان بن مظعون وقد مات، فقلت: رحمة الله عليك أبا السائب، فشهادتي عليك لقد أكرمك الله. فقال: وما يدريك أن الله أكرمه..؟ أمّا هو، فقد جاءه اليقين إني لأرجو له الخير ". تفسير : وأخرج النسائي وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : خير ما عاين الناس له، رجل يمسك بعنان فرسه فالتمس القتل في مظانه: ورجل في شعب من هذه الشعاب، أو في بطن وادٍ من هذه الأودية في غنيمة أن يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويعبد الله حتى يأتيه اليقين، ليس من الناس إلا في خير ". تفسير : وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من طلب ما عند الله، كانت السماء ظلاله والأرض فراشه، لم يهتم بشيء من أمر الدنيا. فهو لا يزرع الزرع وهو يأكل الخبز، وهو لا يغرس الشجر ويأكل الثمار؛ توكّلاً على الله وطلب مرضاته فضمن الله السموات السبع والأرضين السبع رزقه، فهم يتعبأون به ويأتون به حلالاً، واستوفى هو رزقه بغير حساب عبد الله حتى أتاه اليقين ". تفسير : وأخرج ابن المبارك في الزهد، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: ليس للمؤمن راحة دون لقاء الله، ومن كانت راحته في لقاء الله فكان قد كفي. والله أعلم بالصواب.

ابو السعود

تفسير : {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ} من كلمات الشِّرك والطعنِ في القرآن والاستهزاء به وبك، وتحليةُ الجملة بالتأكيد لإفادة تحقيقِ ما تتضمنه من التسلية، وصيغةُ الاستقبال لإفادة استمرارِ العلم حسب استمرارِ متعلَّقه باستمرار ما يوجبه من أقوال الكفرة. {فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ} فافزَع إلى الله تعالى فيما نابك من ضيق الصدرِ والحرَج بالتسبـيح والتقديس ملتبساً بحمده، وفي التعرض لعنوان الربوبـيةِ مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام ما لا يخفى من إظهار اللطفِ به عليه الصلاة والسلام والإشعارِ بعلة الحُكم، أعني الأمرَ بالتسبـيح والحمد {وَكُنْ مّنَ ٱلسَّـٰجِدِينَ} أي المصلّين يكفِك ويكشِفِ الغمَّ عنك، أو فنزِّهْه عما يقولون ملتبساً بحمده على أنْ هداك للحق المبـين، وعنه عليه الصلاة والسلام أنه إذا حزَبه أمرٌ فزِع إلى الصلاة {وَٱعْبُدْ رَبَّكَ} دُمْ على ما أنت عليه من عبادته تعالى، وإيثارُ الإظهار بالعنوان السالف آنفاً لتأكيد ما سبق من إظهار اللطفِ به عليه الصلاة والسلام والإشعارِ بعلة الأمرِ بالعبادة. {حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ} أي الموتُ، فإنه مُتيقَّنُ اللحوق بكل حي مخلوق، وإسنادُ الإتيان إليه للإيذان بأنه متوجِّهٌ إلى الحيّ طالبٌ إليه، والمعنى دم على العبادة ما دمت حيًّا من غير إخلالٍ بها لحظة. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " حديث : من قرأ سورةَ الحِجْر كان له من الأجر عشرُ حسنات بعدد المهاجِرين والأنصارِ والمستهزئين بمحمد صلى الله عليه وسلم ".

التستري

تفسير : قوله: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ}[97،98] أي صلِّ لله تعالى واذكره، فكأن الله تعالى قال له: إن ضاق صدرك بقرب الكفار بكذبهم، بما وصفوا لك من الضد والند والشريك بجهلهم وحسدهم، فارجع إلى مشاهدتنا وقربنا بذكرنا، فإن قربك فينا، وسرورك بذكرنا ومشاهدتنا، واصبر على ذلك، فإن رضاي فيك. وقد حكي أن موسى عليه السلام قال: إلهي دلني على عمل إن أنا عملته نلت به رضاك. قال: فأوحى إليه: يا ابن عمران، إن رضاي في كرهك ولن تطيق ذلك. قال: فخر موسى عليه السلام ساجداً باكياً، وقال: إلهي خصصتني منك بالكلام، فلم تكلم بشراً قبلي، ولم تدلني على عمل أنال به رضاك. فأوحى الله تعالى إليه: إن رضاي في رضاك بقضائي.

السلمي

تفسير : قوله عز وجل: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ} [الآية: 97]. بجهلهم وحدهم فيكم ثم أمرهم بلزوم طاعته يقول: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ} [الآية: 98]. وقوله تعالى: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِّنَ ٱلسَّاجِدِينَ} [الآية: 98]. قال الواسطى: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ} عن أن يظلمك فيما سلطه عليك، {وَكُنْ مِّنَ ٱلسَّاجِدِينَ} من الخاضعين لقضائه.

القشيري

تفسير : وقال: {يَضِيقُ صَدْرُكَ} ولم يقل يضيق قلبك؛ لأنه كان في محل الشهود، ولا راحة للمؤمن دون لقاء الله، ولا تكون مع اللقاء وحشة. ويقال هَوَّنَ عليه ضيق الصدر بقوله: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ} ويقال إن ضاق صدرُك بسماع ما يقولون فيك من ذمِّكَ فارتفع بلسانك في رياض تسبيحنا، والثناءِ علينا، فيكون ذلك سبباً لزوال ضيق صدرك؛ وسلوة لك بما تتذكر من جلال قدرنا وتقديسنا، واستحقاق عِزِّنا.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِّنَ ٱلسَّاجِدِينَ} واسى الحق حبيبه بما سمع من اعلائه وقال انت بمرأى منا يضيق صدرك من لطافتك بما يقول الجاهلون بنا فى حقنا بما لا يليق بتنزيهنا فتره انت صفتنا مكان مقالتهم فينا فان مثلك ينزهنا لا غير وكن من الساجدين حتى ترانا بوصف ما علمت منا وتخرج من ضيق الصدر فى مشاهدة جمالنا فاذا كنت تعايننا يسقط عنك ضيق صدرك من جهة مقالتهم قال الواسطى نعلم انك يضيق صدرك بما يقولون فينا من الضد والند والشريك فسبح بحمد ربك لا تضيق به صدرا فانا فى الازل نزهنا صفاتنا عما احدثوه من هذه الالفاظ قال بعضهم يضيق صدرك بما يقولون اذا رجعت اليهم او سمعت منهم ارجع الى مشاهدتنا فانه وطن الحق ولا يضيق صدرك قال الواسطى هذا تعزية للمحسودين من العلماء فقال ولقد نعلم انك يضيق صدرك بما يقولون بجهلهم وحسدهم فيكم ثم امرهم بلزوم طاعته بقوله فسبح بحمد ربك قال الاستاد وقلد نعلم انك يضيق صدرك ولم يقل قلبك لانه كان فى محل المشهود ولا راحة للمومن دون لقاء الله ولا يكون مع اللقاء وحشة ثم امر حبيبه بخالص العبودية عن كدر الخليقة بقوله {وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ} اليقين ههنا مشاهدة الصرف اى اذا بلغت مقام === وحقيقه الرؤية وشاهدت مشاهدة الازل وغبت فى بحر الابدية سقط عنك فى تلك الحال تظاهر === حتى تفيق عن تلك الحالة قال فى مقام المشاهدة الاشتغال بالعبادة ترك الادب وما اردنا بهذا التفسير خلع دبق العبودية عن اعناق اهل المعرفة لكن اردنا ان العارف اذا عاين الحق يكون مجذوبا بشوق الحق اليه الى جماله وهناك هو عروس الحق ومحبوبه لا يجوز ان يشتغل برسم من الرسوم بل الاشتغال بحكم الوقت عين العبودية واى عبودية اعظم من متابعة مراد المحبوب لكن ما دام قادر ان يكون مصححا ظاهر رسوم العبادة ولم يكن سكرانا غائبا يلزم عليه حفظ الاوقات فى العبودية الى الممات وهذا من شعار اهل التمكين قال الواسطى لا يلاحظ غيره فى الاوقات حتى يأتيك اليقين فيتحقق عندك انك لا تحس بغير الحق ولا ترى الا الحق ولا يجاذبك الا الحق وقال فارس حتى تتيقن انك لست تعبده حق عبادته وقال ايضا من نظر الى معبوده سقط عن عبادته ومن نظر الى عبادته سقط عن معبوده وقال الحسين واعبد ربك حتى ياتيك اليقين اى انك تستيقن بانك لا تعبده ولا يعبده احد حق العبودية ابتداء وانتهاء فتستوجب بما لا بد من مكافاته وقال ابن عطا ان اللح حكم على اصفيائه واحبائه واخلائه ان لا يخرجهم من الدنيا الا وطوق العبودية فى اعناقهم ولباس الخدمة عليهم ولذا قال لحبيبه صلى الله عليه وسلم من بين بريّته واعبد ربك حتى ياتيك اليقين وقال الحسين بن عبد الله بصدق التوحيد خرج عن رسوم التقليد وابان عن شرف التفريد فصار علمه جهلا وعرفانه نكرة وقال الحسين العبودية كلها شريعة والربوبية كلها حقيقة قال الاستاد قف على بساط العبودية معتنقا للخدمة الى ان تجلس الى بساط القربة وتطالب باداب الوصلة ويقال النوم شرايط العبودية الى ان ترقى بل تلقى بصفات الحرية.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولقد نعلم انك يضيق صدرك} [تنك ميشود سينه تو] {بما يقولون} [بآنجه كافران ميكويند] من كلمات الشرك والطعن فى القرآن والاستهزاء بك وبه: يعنى [دشوارمى آيد ترا كفتار كفار] وادخل قد توكيدا لعلمه بما هو عليه من ضيق الصدر بما يقولون ومرجع توكيد العلم الى توكيد الوعد والوعيد لهم. ذكر ابن الحاجب انهم نقلوا قد اذا دخلت على المضارع من التقليل الى التحقيق كما ان ربما فى المضارع نقلت من التقليل الى التحقيق

الجنابذي

تفسير : من تكذيبك والطّعن فيك والاستهزاء بك وبدينك وبآلهتك وبكتابك وصلاتك.

اطفيش

تفسير : {وَلقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ} على مقتضى الطبيعة البشرية {بِما يَقُولُونَ} بما يقول المشركون والمستهزئُون من الشرك والطعن فى القرآن والاستهزاءِ بك وبه.

الالوسي

تفسير : من كلمات الشرك والاستهزاء، وتحلية الجملة بالتأكيد لإفادة تحقق ما تتضمنه من التسلية. وصيغة المضارع لإفادة استمرار العلم حسب استمرار متعلقه باستمرار ما يوجبه من أقوال الكفرة.

ابن عاشور

تفسير : لما كان الوعيد مؤذناً بإمهالهم قليلاً كما قال تعالى: {أية : ومهّلهم قليلا} تفسير : [سورة المزمل: 11] كما دلّ عليه حرف التنفيس في قوله تعالى: {أية : فسوف يعلمون} تفسير : [سورة الحجر: 96] طمأن الله نبيه بأنه مطّلع على تحرّجه من أذاهم وبهتانهم من أقوال الشرك وأقوال الاستهزاء فأمره بالثبات والتفويض إلى ربّه لأن الحكمة في إمهالهم، ولذلك افتتحت الجملة بلام القسم وحرف التحقيق. وليس المخاطب ممن يداخله الشكّ في خبر الله تعالى ولكن التحقيق كناية عن الاهتمام بالمخبر وأنه بمحل العناية من الله؛ فالجملة معطوفة على جملة {أية : إنا كفيناك المستهزئين} تفسير : [سورة الحجر: 95] أو حال. وضيق الصدر: مجاز عن كدر النفس. وقد تقدّم في قوله تعالى: {أية : وضائق به صدرك} تفسير : في سورة هود (12). وفرع على جملة {ولقد نعلم} أمره بتسبيح الله تعالى وتنزيهه عمّا يقولونه من نسبة الشريك، أي عليك بتنزيه ربّك فلا يضرّك شركهم. على أن التسبيح قد يستعمل في معناه الكنائي مع معناه الأصلي فيفيد الإنكار على المشركين فيما يقولون، أي فاقتصر في دفعهم على إنكار كلامهم. وهذا مثل قوله تعالى: {أية : قل سبحان ربي هل كنت إلا بشراً رسولاً} تفسير : [سورة الإسراء: 93]. والباء في {بحمد ربك} للمصاحبة. والتقدير: فسبح ربّك بحمده؛ فحُذف من الأول لدلالة الثاني. وتسبيح الله تنزيهه بقول: سُبحان الله. والأمر في {وكن من الساجدين واعبد ربك} مستعملان في طلب الدّوام. و{من الساجدين} أبلغ في الاتّصاف بالسجود من (ساجداً) كما تقدم في قوله تعالى: {أية : وكونوا مع الصادقين}تفسير : في سورة براءة (119)، وقوله {أية : قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين} تفسير : في سورة البقرة (67) ونظائرهما. والساجدون: هم المصلّون. فالمعنى: ودم على الصلاة أنتَ ومن معكَ. وليس هذا موضع سجدة من سجود التلاوة عند أحد من فقهاء المسلمين. وفي تفسير القرطبي عن أبي بكر النقاش أن أبا حُذيفة (لعلّه يعني به أبا حذيفة اليمان بن المغيرة البصري من أصحاب عكرمة وكان منكر الحديث) واليمان بن رئاب (كذا) رأياها سجدةَ تلاوة واجبة. قال ابن العربي: شاهدت الإمام بمحراب زكرياء من البيت المقدس سجد في هذا الموضع حين قراءته في تراويح رمضان وسجدتُ معه فيها. وسجود الإمام عجيب وسجود أبي بكر بن العربي معه أعجب للإجماع؛ على أنه لا سجدة هنا، فالسجود فيها يعدّ زيادة وهي بدعة لا محالة. و{اليقين}: المقطوع به الذي لا شكّ فيه وهو النصر الذي وعده الله به.

الشنقيطي

تفسير : ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه يعلم أن نبيه صلى الله عليه وسلم يضيق صدره بما يقول الكفار فيه: من الطعن والتكذيب، والطعن في القرآن. وأوضح هذا المعنى في مواضع أخر. كقوله: {أية : قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ ٱلَّذِي يَقُولُونَ}تفسير : [الأنعام: 33]، وقوله: {أية : فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَن يَقُولُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَآءَ مَعَهُ مَلَكٌ} تفسير : [هود: 12]، وقوله {أية : فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفاً} تفسير : [الكهف: 6] وقوله: {أية : لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ}تفسير : [الشعراء: 3] إلى غير ذلك من الآيات. وقد قدمنا شيئاً من ذلك من الأنعام.

د. أسعد حومد

تفسير : (97) - وَإِنَّا لَنَعْلَمُ - يَا مُحَمَّدُ - أَنَّكَ تَشْعُرُ بِالضِّيقِ وَالانْقِبَاضِ مِنْ أَذَاهُمْ، وَمَنْ تَكْذِيبِهِمْ إِيَّاكَ، وَاسْتِهْزَائِهِمْ بِكَ، فَلاَ يَضِيقَنَّ بِذَلِكَ صَدْرُكَ، وَلاَ يُثْنِيَنَّكَ ذَلِكَ عَنْ إِبْلاَغِ رِسَالَةِ رَبِّكَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وفي هذا القول الكريم يتجلَّى تقدير الحق سبحانه لمشاعر النبوة، فالحق يُكلِّفه أنْ يفعلَ كذا وكذا، وسبحانه يعلم أيضاً ما يعانيه صلى الله عليه وسلم في تنفيذ أوامر الحق سبحانه. ورد هذا المعنى أيضاً في قوله سبحانه: {أية : قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ ٱلَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَـٰكِنَّ ٱلظَّالِمِينَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ} تفسير : [الأنعام: 33]. فأنت يا رسولَ الله أكرم من أنْ تكذبَ، فقد شهدوا لك بحُسْن الصدق عبر معايشتهم لك من قبل الرسالة. وهنا يقول سبحانه: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ} [الحجر: 97]. ومعنى ضيق الصدر أنْ يقِلّ الهواء الداخل عَبْر عملية التنفُّس إلى الرئتين؛ فمن هذا الهواء تستخلص الرئتان الأوكسجين؛ وتطرد ثاني أوكسيد الكربون؛ ويعمل الأكسجين على أنْ يُؤكسِدَ الغذاء لِينتجَ الطاقة؛ فإنْ ضاق الصَّدْر صارت الطاقة قليلة. والمثَل يتضح لِمَنْ يصعدون السُّلَّم العالي لأيّ منزل أو أيّ مكان؛ ويجدون أنفسهم ينهجون؛ والسبب في هذا النهجَ هو أن الرئة تريد أنْ تُسرِعِ بالتقاط كمية من الهواء أكبر من تلك التي تصل إليها، فيعمل القلب بشدة أكثر كي يُتيح للرئةِ أن تسحبَ كمية أكبر من الهواء. أما مَنْ يكون صدره واسعاً فهو يسحب ما شاء من الهواء الذي يتيح للرئة أن تأخذَ الكمية التي تحتاجها من الهواء، فلا ينهج صاحب الصدر الواسع. فكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين كان يُكذِّبه أحد، أو يستهزىء به أحد كان يضيق صَدْره فتضيق كمية الهواء اللازمة للحركة؛ ولذلك يُطمئِنه الحق سبحانه أن مَدَده له لا ينتهي. وأنت تلحظ عملية ضيق الصدر في نفسك حين يُضايقك أحد فتثور عليه؛ فيقول لك: لماذا يضيق صدرك؟ وَسِّع صدرك قليلاً. والحق سبحانه يقول في موقع آخر: {أية : فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ ..} تفسير : [الأنعام: 125]. أي: يُوسّع صدره، وتزداد قدرته على فَهْم المعاني التي جاء بها الدين الحنيف. ويقول أيضاً: {أية : وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي ٱلسَّمَآءِ ..} تفسير : [الأنعام: 125]. وهنا نجد أن الحق سبحانه يشرح عملية الصعود وكأن فيها مجاهدةً ومكابدةً، وهذا يخالف المسألة المعروفة بأنك إذا صعدتَ إلى أعلى وجدتَ الهواء أكثرَ نقاءً. وقد ثبت أن الإنسان كلما صعد إلى أعلى في الفضاء فلن يجد هواء. ويدلُّ الحق سبحانه رسوله صلى الله عليه وسم على علاج لمسألة ضيق الصدر حين يُحزنه أو يؤلمه مُكذّب، أو مُسْتهزىء؛ فيقول سبحانه: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ ...}.