Verse. 1900 (AR)

١٥ - ٱلْحِجْر

15 - Al-Hijr (AR)

فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِّنَ السّٰجِدِيْنَ۝۹۸ۙ
Fasabbih bihamdi rabbika wakun mina alssajideena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فسبح» ملتبسا «بحمد ربك» أي قل سبحان الله وبحمده «وكن من الساجدين» المصلين.

98

Tafseer

القرطبي

تفسير : فيه مسألتان: الأولى ـ قوله تعالى: {فَسَبِّحْ} أي فافزع إلى الصلاة، فهي غاية التسبيح ونهاية التقديس؛ وذلك تفسيرٌ لقوله: {وَكُنْ مِّنَ ٱلسَّاجِدِينَ} ولا خفاء أن غاية القرب في الصلاة حال السجود، كما قال عليه السلام: «حديث : أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأخلصوا الدعاء». تفسير : ولذلك خصّ السجود بالذكر. الثانية ـ قال ابن العربي: ظن بعض الناس أن المراد بالأمر هنا السجود نفسه، فرأى هذا الموضع محل سجود في القرآن، وقد شاهدت الإمام بمحراب زكريا من البيت المقدس طهره الله، يسجد في هذا الموضع وسجدت معه فيها، ولم يره جماهير العلماء. قلت: قد ذكر أبو بكر النقاش أن ها هنا سجدةٌ عند أبي حذيفة ويَمَان بن رِئاب، ورأى أنها واجبة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَسَبِّحْ } ملتبساً {بِحَمْدِ رَبِّكَ } أي قل سبحان الله وبحمده {وَكُنْ مِّنَ ٱلسَّٰجِدِينَ } المصلين.

ابن عبد السلام

تفسير : {السَّاجِدِينَ} المصلين.

اسماعيل حقي

تفسير : {فسبح بحمد ربك} فافزع اليه تعالى والتجئ فيما نابك اى نزل بك من ضيق الصدر والحرج بالتسبيح والتقديس ملتبسا بحمده. قال الكاشفى [بس تسبيح كن تسبيحى مقترن بحمد بروردكاتو يعنى بكو سبحان الله والحمد لله] واعلم ان سبحان الله كلمة مشتملة على سلب النقص والعيب عن ذات الله وصفاته فما كان من اسمائه سلبا فهو مندرج تحت هذه الكلمة كالقدوس وهو الطاهر من كل عيب والسلام وهو الذى سلم من كل آفة والحمد لله كلمة مشتملة على اثبات ضروب الكمال لذاته وصفاته تعالى فما كان من اسمائه متضمنا للاثبات كالعليم والقدير والسميع والبصير ونحوهما فهو مندرج تحتها فنفينا بسبحان الله كل عيب عقلناه وكل نقص فهمناه واثبتنا بالحمد لله كل كمال عرفناه وكل جلال ادركناه {وكن من الساجدين} اى المصلين يكفك ويكشف الغم عنك - روى - انه عليه الصلاة والسلام كان اذا حزبه امر فزع الى الصلاة اى لجأ. وفى بحر العلوم وكن من الذين يكثرون السجود له لان المراد بالساجدين الكاملون فى السجود المبالغون فيه وذلك ما يكون الا باكثاره. يقول الفقير كثرة السجود فى الظاهر باعثة لدوام التوجه الى الله وهو المطلوب هذا باعتبار الابتداء واما باعتبار الانتهاء فالذى وصل الى دوام الحضور يجد فى نفسه تطبيق حاله بالظاهر فلا يزل يسجد شكرا آناء الليل واطراف النهار بلا تعب ولا كلفة ويجد فى صلاته ذوقا لا يجده حين فراغه منها شعر : ليك ذوق سجدة بيش خدا خوشتر آيد ازدوصد دولت ترا تفسير : قال الكاشفى [صاحب كشف الاسرار آورجه كه ازتنكدلئ توآكاهيم وآنجه بتومير سداز غصه بيكانكان خبر داريم توبحضور دل بنماز در آى كه ميدان مشاهده است وبامشاهده دوست بار بلاكشيدن آسان باشد. يكى از بيران طريقت كفته كه دربازار بغداد ديدم كى يكى راصد تازيانه زدند آهى نكرد ازوى برسيدم كه اى جوانمردان همه زخم خوردى ونناليدى كفت آرى شيخا معذورم داركه معشوقم در برابر بود وميديدكه مرا براى او ميزنند از نظاره وى بالم زحم شعور نداشتم] شعر : توتيغ ميزن وبكذار تا من بيدل نظاره كنم آن جهره نكارين را تفسير : قال فى شرح الحكم ما تجده القلوب من الهموم والاحزان يعنى عند فقدان مرادها وتشويش معتادها فلاجل ما منعت من وجود العيان اذ لو عاينت جمال الفاعل جمل عليها ألم البعد كما اتفق فى قصة النسوة اللاتى قطعن ايديهن -ويحكى- ان شابا ضرب تسعة وتسعون سوطا ما صاح ولا استغاث ولا تأوه فلما ضرب الواحدة التى كملت بها المائة صاح واستغاث فتبعه الشبلى قدس سره فسأله عن امره فقال ان العين التى ضربت من اجلها كانت تنظر الى فى التسعة والتسعين وفى الواحدة حجبت عنى وقد قال الشبلى من عرف الله لا يكون عليه غم ابدا

الجنابذي

تفسير : فاشغل نفسك عنهم واشتغل بما هو شأنك من عبادة ربّك.

اطفيش

تفسير : {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ} نزهه عما يقولون متلبساً بحمد ربك على أن هداك أو تفرغ إِلى الله بالتسبيح مع الحمد مثل سبحان الله والحمد لله {وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ} المصلين يكفك ويكشف الهم عنك كان ـ صلى الله عليه وسلم ـ إِذا أحزنه أمر فرغ إِلى الصلاة وذلك أن القلب ينشرح بالذكر ويعرف حقارة الدنيا به فلا يشتد همه وإِذا كان فى الصلاة كان كذلك مع زيادة أنه كالقائل أنا بين يديك عبد لك فافعل بى ما شئت.

اطفيش

تفسير : {فَسَبَّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ} مع حمد ربك أو ملتبسا بحمد ربك قل سبحان الله وبحمده يزيل همك بهما مع الصلاة وإِدامة العبادة، قال صلى الله عليه وسلم: " حديث : ما أُمرت أَن أَجمع المال وأَكون من التاجرين، ولكن أُوحى إلى أَن سبح بحمد ربك وكن من الساجدين، واعبد ربك حتى يأْتيك اليقين"تفسير : أَى وإذا ضاق صدرك فسبح إلخ، كلما ضقت فالتجىءْ إلى الله جل وعلا بذلك {وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ} المصلين، سمى الصلاة باسم ما هو ظاهر فى الخضوع وكان صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أَمر فزع إلى الصلاة.

الالوسي

تفسير : {فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ} فافزع إلى ربك فيما نابك من ضيق الصدر بالتسبيح ملتبساً بحمده أي قل: سبحان الله والحمد لله أو فنزهه عما يقولون حامداً له سبحانه على أن هداك للحق، فالتسبيح والحمد بمعناهما اللغوي كما أنهما على الأول بمعناهما العرفي أعني قول تينك الجملتين، وفي التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره صلى الله عليه وسلم ما لا يخفى من اللطف به عليه الصلاة والسلام والإشعار بعلة الحكم أعني الأمر المذكور {وَكُنْ مّنَ ٱلسَّـٰجِدِينَ} أي المصلين ففيه التعبير عن الكل بالجزء. وهذا الجزء على ما ذهب إليه البعض أفضل الأجزاء لما صح من قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد»تفسير : وليس هذا موضع سجدة خلافاً لبعضهم. وفي أمره صلى الله عليه وسلم بما ذكر إرشاد له إلى ما يكشف به الغم الذي يجده كأنه قيل: افعل ذلك يكشف عنك ربك الغم والضيق الذي تجده في صدرك ولمزيد الاعتناء بأمر الصلاة جىء بالأمر بها كما ترى مغايراً للأمر السابق على هذا الوجه المخصوص. وفي ذلك من الترغيب فيها ما لا يخفى. وقد كان صلى الله عليه وسلم إذا أحزنه أمر فزع إلى الصلاة. وصح «حديث : حبب لي من دنياكم النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة»تفسير : وذكر بعضهم أن في الآية إشارة إلى الترغيب بالجماعة فيها، وأن في عدم تقييد السجود بنحو له أو لربك إشارة إلى أنه مما لا يكاد يخطر بالبال إيقاعه لغيره تعالى فتدبر.

الشنقيطي

تفسير : أمر جل علا نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية بأمرين: أحدهما - قوله: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّك}، والثاني - قوله: {وَكُنْ مِّنَ ٱلسَّاجِدِينَ}. وقد كرر تعالى في كتابه الأمر بالشيئين المذكورين في هذه الآية الكريمة، كقوله في الأول: {أية : فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَٱسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابَا}تفسير : [النصر: 3]، وقوله: {أية : فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا} تفسير : [طه: 130]، وقوله: {أية : فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَٱسْتَغْفِـرْ لِذَنبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِبْكَارِ}تفسير : [غافر: 55] والآيات بمثل ذلك كثيرة. وأصل التسبيح في اللغة: الإبعاد عن السوء. ومعناه في عرف الشرع: تنزيه الله جل وعلا عن كل ما لا يليق بجلاله وكماله. ومعنى سبح: نزه ربك جل وعلا عن كل ما لا يليق بكماله وجلاله. وقوله {بحمد ربك} أي في حال كونك متلبساً بحمد ربك، أي بالثناء عليه بجميع ما هو أهله من صفات الكمال والجلال، لأن لفظة {بحمد ربك} أضيفت إلى معرفة فتعم جميع المحامد من كل وصف كمال وجلال ثابت لله جل وعلا. فتستغرق الآية الكريمة الثناء بكل كمال، لأن الكمال يكون بأمرين: أحدهما - التخلي عن الرذائل، والتنزه عما لا يليق، وهذا معنى التسبيح. والثاني - التحلي بالفضائل والاتصاف بصفات الكمال، وهذا معنى الحمد، فتم الثناء بكل كمال. ولأجل هذا المعنى ثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : كلمتان خفيفتان على اللَّسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرَّحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم"تفسير : ، وكقوله في الثاني وهو السجود: {أية : كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ وَٱسْجُدْ وَٱقْتَرِب} تفسير : [العلق: 19] وقوله: {أية : وَٱسْجُدُواْ لِلَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} تفسير : [فصلت: 37] ويكثر في القرآن العظيم إطلاق التسبيح على الصلاة. وقالت جماعة من العلماء: المراد بقوله: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ} أي صل له، وعليه فقوله {وَكُنْ مِّنَ ٱلسَّاجِدِينَ} من عطف الخاص على العام والصلاة تتضمن غاية التنزيه ومنتهى التقديس. وعلى كل حال فالمراد بقوله {وَكُنْ مِّنَ ٱلسَّاجِدِينَ} أي من المصلين، سواء قلنا إن المراد بالتسبيح الصلاة، أو أعم منها من تنزيه الله عما لا يليق به. ولأجل كون المراد بالسجود الصلاة لم يكن هذا الموضع محل سجدة عند جمهور العلماء. خلافاً لمن زعم أنه موضع سجود. قال القرطبي في تفسيره: قال ابن العربي: ظن بعض الناس أن المراد بالأمر هنا السجود نفسه، فرأى هذا الموضع محل سجود في القرآن، وقد شاهدت الإمام بمحراب زكريا من البيت المقدس طهره الله يسجد في هذا الموضع، وسجدت معه فيه، ولم يره جماهير العلماء. قلت: قد ذكر أبو بكر النقاش أن ههنا سجدة عند أبي حذيفة ويمان بن رئاب ورأى أنها واجبة - انتهى كلام القرطبي. وقد تقدم معنى السجود في سورة الرعد. وعلى أن المراد بالتسبيح الصلاة فالمسوغ لهذا الإطناب الذي هوعطف الخاص على العام هو أهمية السجود، لأن أقرب ما يكون العبد من ربه في حال كونه في السجود. قال مسلم في صحيحه: حدثنا هارون بن معروف، وعمرو بن سواد قالا: حدثنا عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن عمارة بن غزية، عن سمي مولى أبي بكر، أنه سمع أبا صالح ذكوان يحدث عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء ". تفسير : تنبيه اعلم أن ترتيبه جل وعلا الأمر بالتسبيح والسجود على ضيق صدره صلى الله عليه وسلم بسبب ما يقولون له من السوء - دليل على أن الصلاة والتسبيح سبب لزوال ذلك المكروه، ولذا كان صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر بادر إلى الصلاة. وقال تعالى {أية : وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلاَةِ} تفسير : [البقرة: 45] الآية. ويؤيد هذا ما رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي من حديث نعيم بن همار رضي الله عنه، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : قال الله تعالى: يا ابن آدم لا تعجز عن أربع ركعات من أول النهار أكفك آخره" تفسير : فينبغي للمسلم إذا أصابه مكروه أن يفزع إلى الله تعالى بأنواع الطاعات من صلاة وغيرها.

الواحدي

تفسير : {فسبح بحمد ربك} قل: سبحان الله وبحمده {وكن من الساجدين} المصلِّين. {واعبد ربك حتى يأتيك اليقين} أَي: الموت.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلسَّاجِدِينَ} (98) - وَإِذَا نَزَلَ بِكَ ضِيقٌ، وَأَخَذَتْكَ شِدَّةٌ، فَافْزَعْ إِلَى رَبِّكَ، وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ، وَاشْتَغِلْ بِذِكْرِهِ وَحَمْدِهِ، وَتَسْبِيحِهِ وَعِبَادَتِهِ وَالصَّلاَةِ لَهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُخَفِّفُ عَنْكَ مَا تَلْقَاهُ مِنْهُمْ. (وَلِذَلِكَ كَانَ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ لَجَأَ إِلَى الصَّلاَةِ).

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وهكذا يمكن أن تُذْهب عنك أيَّ ضيق، أن تسبح الله. وإذا ما جافاكَ البِشْر أو ضايقك الخَلْق؛ فاعلم أنك قادر على الأُنْس بالله عن طريق التسبيح؛ ولن تجد أرحم منه سبحانه، وأنت حين تُسبِّح ربك فأنت تُنزِّهه عن كُلِّ شيء وتحمده، لتعيش في كَنَف رحمته. ولذلك نجده سبحانه يقول في موقع آخر: {أية : فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ} تفسير : [الصافات: 143-144]. ولذلك إذا ضاق صدرك في الأسباب فاذهب إلى المُسبِّب. ونحن دائماً نقرن التسبيح بالحمد، فالتنزيه يكون عن النقائص في الذات أو في الصفات أو في الأفعال، وسبحانه كاملٌ في ذاته وصفاته وأفعاله، فذاتُه لا تُشْبِه أيَّ ذات، وصفاته أزلية مُطْلقة، أما صفات الخَلْق فهي موهبة منه وحادثة. وأفعال الحق لا حاكمَ لها إلا مشيئته سبحانه، ولذلك نجده جَلَّ وعَلا يقول في مسألة التسبيح: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا ..} تفسير : [يس: 36]. وهو القائل: {أية : فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ} تفسير : [الروم: 17]. وكُلٌّ من المساء والصباح آية منه سبحانه؛ فحين تغيب الشمس، فهذا إذْنٌ بالراحة، وحين تصبح الشمس فهذا إِذْنٌ بالانطلاق إلى العمل، وتسبيح المخلوق للخالق هو الأمر الذي لا يشارك اللهَ فيه أحدٌ من خَلْقه أبداً. فكأن سَلْوى المؤمن حين تضيق به أسباب الحياة أنْ يفزعَ إلى ربه من قسوة الخَلْق؛ ليجد الراحة النفسية؛ لأنه يَأْوي إلى رُكْن شديد. ونجد بعضاً من العارفين بالله وهم يشرحون هذه القضية ليوجدوا عند النفس الإيمانية عزاءً عن جَفْوة الخَلْق لهم؛ فيقولون: "إذا أوحشك من خَلْقه فاعلم أنه يريد أن يُؤنسك به". وأنت حين تُسبِّح الله فأنت تُقِرّ بأن ذاته ليستْ كذاتِك، وصفاته ليست كصفاتك، وأفعاله ليست كأفعالك؛ وكل ذلك لصالحك أنت؛ فقدرتك وقدرة غيرك من البشر هي قدرة عَجْز وأغيار؛ أما قدرته سبحانه فهي ذاتية فيه ومُطْلقة وأَزلية، وهو الذي يأتيك بكُل النِّعم. ولهذا فعليك أنْ تصحبَ التنزيه بالحمد، فأنت تحمد ربك لأنه مُنزَّه عن أنْ يكونَ مثلك، والحمد لله واجب في كل وقت؛ فسبحانه الذي خلق المواهب كلها لِتخدُمَك، وحين ترى صاحب موهبة وتغبطه عليها، وتحمد الله أنه سبحانه قد وهبه تلك الموهبة؛ فخيْرُ تلك النعمة يصِل إليك. وحين تُسبِّح بحمد الله؛ فسبحانه لا يُخلِف وَعْده لك بكل الخير؛ فَكُلُّنا قد نُخلِف الوعد رغماً عَنَّا، لأننا أغيار؛ أما سبحانه فلا يُخلِف وعده أبداً؛ ولذلك تغمرك النعمة كلما سبَّحْتَ الله وحمدته. وزِدْ خضوعاً للمُنْعِم، فاسجُدْ امتثالاً لأمره تعالى: {وَكُنْ مِّنَ ٱلسَّاجِدِينَ} [الحجر: 98]. فالسجود هو المَظْهر الواسع للخضوع، ووجه الإنسان - كما نعلم - هو ما تظهر به الوجاهة؛ وبه تَلْقَى الناس؛ وهو أول ما تدفع عنه أيَّ شيء يُلوِّثه أو ينال من رضاك عنه. ومَنْ يسجد بأرقى ما فيه؛ فهذا خضوع يُعطي عِزّة، ومَنْ يخضع لله شكراً له على نعمه فسبحانه يعطيه من العزة ما يكفيه كل أَوْجُه السجود، وكُلُّنا نذكر قَوْل الشاعر: شعر : وَالسُّجـود الذِي تَـْجتـوِيه فِـيهِ مِـْن أُلـوفِ السُّـجـودِ نَـَجـاةٌ تفسير : والسجود هو قمة الخضوع للحق سبحانه. والإنسان يكره لفظ العبودية؛ لأن تاريخ البشرية حمل كثيراً من المظالم نتيجة عبودية البشر للبشر. وهذا النوع من العبودية يعطي - كما نعلم - خَيْر العبد للسيد؛ ولكن العبوديةَ لله تعطي خَيْره سبحانه للعباد، وفي ذلك قِمَّة التكريم للإنسان. ويقول سبحانه من بعد ذلك: {وَٱعْبُدْ رَبَّكَ ...}.