٧٤ - ٱلْمُدَّثِّر
74 - Al-Muddathir (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
26
Tafseer
الرازي
تفسير : قال ابن عباس: {سَقَرَ } اسم للطبقة السادسة من جهنم، ولذلك لا ينصرف للتعريف والتأنيث.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {سَأُصْلِيهِ سَقَرَ} أي سأدخله سقر كي يصْلى حرّها. وإنما سميّت سقر من سُقَرَتْه الشمس: إذا أذابته ولوْحته، وأحرقت جلدة وجهه. ولا ينصرف للتعريف والتأنيث. قال ٱبن عباس: هي الطبق السادس من جهنم. ورَوى أبو هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : سأل موسى ربه فقال: أي ربِّ، أيّ عبادك أفقر؟ قال صاحب سَقَر » تفسير : ذكره الثعلبيّ: {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ}؟ هذه مبالغة في وصفها؛ أي وما أعلمك أي شيء هي؟ وهي كلمة تعظيم، ثم فسّر حالها فقال: {لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ} أي لا تترك لهم عظماً ولا لحماً ولا دماً إلا أحرقته. وكرر اللفظ تأكيداً. وقيل: لا تبْقي منهم شيئاً، ثم يعادون خلقاً جديداً، فلا تذر أن تعاود إحراقهم هكذا أبداً. وقال مجاهد: لا تبقي مَنْ فيها حيًّا ولا تذره ميّتاً، تحرقهم كلما جُدّدُوا. وقال السُّديّ: لا تبقي لهم لحماً ولا تذر لهم عظماً {لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ} أي مُغَيِّرة، من لاحه إذا غيّره. وقراءة العامة «لَوَّاحَةٌ» بالرفع نعت لـ «ـسَقَرَ». في قوله: {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ}. وقرأ عطية العوفيّ ونصر بن عاصم وعيسى بن عمر «لَوَّاحَةً» بالنصب على الاختصاص، للتهويل. وقال أبو رَزِين: تلفح وجوههم لَفْحة تدعها أشدّ سواداً من الليل؛ وقاله مجاهد. والعرب تقول: لاحه البَرْد والحرُّ والسُّقم والحُزْن: إذا غيّره؛ ومنه قول الشاعر: شعر : تَقولُ ما لاَحَك يا مُسافِرُ يَا بْنةَ عَمَّي لاحَنِي الْهَواجِرُ تفسير : وقال آخر: شعر : وتَعجبُ هِنْدٌ أَنْ رَأَتْنِي شاحِباً تقول لِشَيْءٍ لَوَّحَتْه السَّمائم تفسير : وقال رُؤبة بن العجَّاج: شعر : لوَّحَ منه بعدَ بُدْنٍ وسَنَقْ تَلْويحَكَ الضَّامِرَ يُطْوَى لِلسَّبَقْ تفسير : وقيل: إن اللوح شدة العطش؛ يقال: لاحه العطش ولوَّحه أي غيّره. والمعنى أنها معطَّشة للبشر أي لأهلها؛ قاله الأخفش، وأنشد: شعر : سَقْتنِي على لَوْحٍ منَ الماء شَرْبَةً سقاها بها اللَّهُ الرِّهامَ الغَواديا تفسير : يعني باللّوح شدّة العطش، والتاح أي عَطِش. والرِّهام جمع رهمة بالكسر وهي المطرة الضعيفة وأرهمت السحابة أتت بالرِّهام. وقال ٱبن عباس: {لَوَّاحَةٌ} أي تلوح للبشر من مسيرة خمسمائة عام. الحسن وٱبن كيسان: تلوح لهم جهنم حتى يروها عِياناً. نظيره: { أية : وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ } تفسير : [الشعراء: 91] وفي البَشَر وجهان: أحدهما ـ أنه الإنس من أهل النار؛ قاله الأخفش والأكثرون. الثاني ـ أنه جمع بَشرة، وهي جلدة الإنسان الظاهرة؛ قاله مجاهد وقتادة. وجمع البَشَر أبشار، وهذا على التفسير الأوّل، وأما على تفسير ٱبن عباس فلا يستقيم فيه إلا الناس لا الجلود؛ لأنه من لاح الشيءُ يَلُوح: إذا لمع.
المحلي و السيوطي
تفسير : {سَأُصْلِيهِ } أدخله {سَقَرَ } جهنم.
ابن عطية
تفسير : {سقر} هو الدرك السادس من جهنم على ما روي، و {أصليه} معناه أجعله فيها مباشراً لنارها، وقوله تعالى: {وما أدراك ما سقر} هو على معنى التعجب من عظم أمرها وعذابها ثم بين ذلك بقوله {لا تبقي ولا تذر} المعنى: {لا تبقي} على من ألقي فيها، {ولا تذر} غاية من العذاب إلا وصلته إليها، وقوله تعالى: {لواحة للبشر}، قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وأبو رزين وجمهور الناس: معناه، مغيرة للبشرات، محرقة للجلود مسودة لها، و "البشر" جمع بشرة، وتقول العرب: لاحت النار الشيء إذا أحرقته وسودته، وقال الشاعر [الأعشى]: [الخفيف] شعر : لاحة الصيف والغيار وإشفا ق على سقبة كقوس الضال تفسير : وأنشد أبو عبيدة: [الرجز] شعر : يا بنت عمي لاحني الهواجر تفسير : وقال الحسن وابن كيسان: {لواحة} بناء مبالغة من لاح يلوح إذا ظهر، والمعنى أنها تظهر للناس وهم البشر من مسيرة خمسمائة عام، وذلك لعظمها وهولها وزفيرها. وقرأ عطية العوفي "لواحةً" بالنصب، وقوله تعالى: {عليها تسعة عشر} ابتداء وخبره مقدم في المجرور، ولا خلاف بين العلماء أنهم خزنة جهنم المحيطون بأمرها الذين إليهم جماع أمر زبانيتها، وقد قال بعض الناس: إنهم على عدد حروف بسم الله الرحمن الرحيم لأن بها تقووا، وروي أن قريشاً لما سمعت هذا كثر إلغاطهم فيه وقالوا: لو كان هذا حقاً، فإن هذا العدد قليل، فقال أبو جهل: هؤلاء تسعة عشر، وأنتم الدهم، أفيعجز عشرة منا عن رجل منهم، وقال ابو الأشدي الجمحي: أنا أجهضهم على النار، إلى غير هذا من أقوالهم السخيفة، فنزلت في أبي جهل: {أية : أولى لك فأولى} تفسير : [القيامة: 34-35] الآية، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع وطلحة بن شبل "تسعْة عشر" بسكون العين، وذلك لتوالي الحركات، وقرأ أنس بن مالك وأبو حيوة "تسعةُ عشر" برفع التاء، وروي عن أنس بن مالك أنه قرأ "تسعة أعشر"، وضعفها أبو حاتم، وقوله تعالى: {وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة} تبيين لفساد أقوال قريش، أي إن جعلناهم خلقاً لا قبل لأحد من الناس بهم وجعلنا عدتهم هذا القدر فتنة للكفار ليقع منهم من التعاطي والطمع في المبالغة ما وقع و {ليستيقن} أهل الكتاب: التوراة والإنجيل أن هذا القرآن من عند الله، إذ هم يجدوه هذه العدة في كتبهم المنزلة التي لم يقرأها محمد صلى الله عليه وسلم ولا هو من أهلها، ولكن كتابه يصدق ما بين يديه من كتب الأنبياء إذ جميع ذلك حق يتعاضد منزل من عند الله، قال هذا المعنى ابن عباس ومجاهد وغيرهم، وبورود الحقائق من عند الله عز وجل يزداد كل ذي إيمان إيماناً ويزول الريب عن المصدقين من أهل الكتاب ومن المؤمنين، وقوله تعالى: {وليقول الذين في قلوبهم مرض} الآية، نوع من الفتنة لهذا الصنف المنافق أو الكافر، أي جاروا وضلوا ولم يهتدوا لقصد الحق فجعلوا يستفهم بعضهم بعضاً عن مراد الله تعالى بهذا المثل استبعاداً أن يكون هذا من عند الله، قال الحسين بن الفضل: السورة مكية ولم يكن بمكة نفاق فإنما المرض في هذه الآية الاضطراب وضعف الإيمان.
ابن عبد السلام
تفسير : {سَقَرَ} اسم لجهنم من سقرته الشمس إذا آلمت دماغه لشدّة إيلامها.
النسفي
تفسير : {سَأُصْلِيهِ } سأدخله بدل من {سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً } {سَقَرَ } علم لجهنم ولم ينصرف للتعريف والتأنيث {وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ } تهويل لشأنها {لاَ تُبْقِى } أي هي لا تبقى لحماً {وَلاَ تَذَرُ } عظماً أو لا تبقى شيئاً يبقى فيها إلا أهلكته ولا تذره هالكاً بل يعود كما كان {لَوَّاحَةٌ } خبر مبتدأ محذوف أي هي لواحة {لِّلْبَشَرِ } جمع بشرة وهي ظاهرة الجلد أي مسوّدة للجلود ومحرقة لها {عَلَيْهَا } على سقر {تِسْعَةَ عَشَرَ } أي يلي أمرها تسعة عشر ملكاً عند الجمهور. وقيل: صنفاً من الملائكة. وقيل: صفاً. وقيل: نقيباً {وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَـٰبَ ٱلنَّارِ } أي خزنتها {إِلاَّ مَلَـٰئِكَةً } لأنهم خلاف جنس المعذبين فلا تأخذهم الرأفة والرقة لأنهم أشد الخلق بأساً فللواحد منهم قوة الثقلين. {وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ } تسعة عشر {إِلاَّ فِتْنَةً } أي ابتلاء واختبار {لِلَّذِينَ كَفَرُواْ } حتى قال أبو جهل: لما نزلت {عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ } أما يستطيع كل عشر منكم أن يأخذوا واحداً منهم وأنتم الدهم، فقال أبو الأشد وكان شديد البطش: أنا أكفيكم سبعة عشر فاكفوني أنتم اثنين فنزلت {وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَـٰبَ ٱلنَّارِ إِلاَّ مَلَـٰئِكَةً } أي وما جعلناهم رجالاً من جنسكم يطاقون. وقالوا: في تخصيص الخزنة بهذا العدد مع أنه لا يطلب في الأعداد العلل أن ستة منهم يقودون الكفرة إلى النار، وستة يسوقونهم، وستة يضربونهم بمقامع الحديد، والآخر خازن جهنم وهو مالك وهو الأكبر. وقيل: في سقر تسعة عشر دركاً وقد سلط على كل درك ملك. وقيل: يعذب فيها بتسعة عشر لوناً من العذاب وعلى كل لون ملك موكل. وقيل: إن جهنم تحفظ بما تحفظ به الأرض من الجبال وهي تسعة عشر وإن كان أصلها مائة وتسعين إلا أن غيرها يشعب عنها {لِيَسْتَيْقِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ } لأن عدتهم تسعة عشر في الكتابين فإذا سمعوا بمثلها في القرآن أيقنوا أنه منزل من الله {وَيَزْدَادَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ } بمحمد وهو عطف على {لِيَسْتَيْقِنَ } {إِيمَـٰناً } لتصديقهم بذلك كما صدقوا سائر ما أنزل، أو يزدادوا يقيناً لموافقة كتابهم كتاب أولئك {وَلاَ يَرْتَابَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْمُؤْمِنُونَ } هذا عطف أيضاً، وفيه توكيد للاستيقان وزيادة الإيمان إذ الاستيقان وازدياد الإيمان دالان على انتفاء الارتياب. ثم عطف على {لِيَسْتَيْقِنَ } أيضاً. {وَلِيَقُولَ ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ } نفاق {وَٱلْكَـٰفِرُونَ } المشركون فإن قلت: النفاق ظهر في المدينة والسورة مكية. قلت: معناه وليقول المنافقون الذين يظهرون في المستقبل بالمدينة بعد الهجرة والكافرون بمكة {مَاذَا أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً } وهذا إخبار بما سيكون كسائر الإخبارات بالغيوب وذا لا يخالف كون السورة مكية. وقيل: المراد بالمرض الشك والارتياب لأن أهل مكة كان أكثرهم شاكين. و{مَثَلاً } تمييز لهذا أو حال منه كقوله: {أية : هَـٰذِهِ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمْ ءَايَةً }تفسير : [الأعراف:73] [هود: 64] ولما كان ذكر العدد في غاية الغرابة وأن مثله حقيق بأن تسير به الركبان سيرها بالأمثال سمي مثلاً، والمعنى أي شيء أراد الله بهذا العدد العجيب، وأي معنى أراد في أن جعل الملائكة تسعة عشر لا عشرين، وغرضهم إنكاره أصلاً وأنه ليس من عند الله وأنه لو كان من عند الله لما جاء بهذا العدد الناقص {كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَاء } الكاف نصب و«ذلك» إشارة إلى ما قبله من معنى الإضلال والهدى أي مثل ذلك المذكور من الإضلال والهدى يعني إضلال المنافقين والمشركين حتى قالوا ما قالوا، وهدي المؤمنين بتصديقه، ورؤية الحكمة في ذلك يضل الله من يشاء من عباده وهو الذي علم منه اختيار الضلال {وَيَهْدِى مَن يَشَاءُ} وهو الذي علم منه اختيار الاهتداء، وفيه دليل خلق الأفعال ووصف الله بالهداية والإضلال. لما قال أبو جهل لعنه الله: أما لرب محمد أعوان إلا تسعة عشر نزل {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ} لفرط كثرتها {إِلاَّ هُوَ } فلا يعز عليه تتميم الخزنة عشرين ولكن له في هذا العدد الخاص حكمة لا تعلمونها {وَمَا هِىَ } متصل بوصف سقر وهي ضميرها أي وما سقر وصفتها {إِلاَّ ذِكْرَىٰ لِلْبَشَرِ } أي تذكرة للبشر أو ضمير الآيات التي ذكرت فيها. {كَلاَّ } إنكار بعد أن جعلها ذكرى أن تكون لهم ذكرى لأنهم لا يتذكرون {وَٱلْقَمَرِ } أقسم به لعظم منافعه {وَٱلَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ } نافع وحفص وحمزة ويعقوب وخلف. وغيرهم {إِذَا دبرٍ } ودبر بمعنى أدبر ومعناهما ولى وذهب. وقيل: أدبر ولى ومضى، ودبر جاء بعد النهار {وَٱلصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ } أضاء وجواب القسم. {إِنَّهَا } إن سقر {لإِحْدَى ٱلْكُبَرِ } هي جمع الكبرى أي لإحدى البلايا أو الدواهي الكبر، ومعنى كونها إحداهن أنها من بينهن واحدة في العظم لا نظيرة لها كما تقول: هو أحد الرجال وهي إحدى النساء {نَذِيراً } تمييز من {إِحْدَى } أي إنها لإحدى الدواهي إنذاراً كقولك: هي إحدى النساء عفافاً. وأبدل من {لّلْبَشَرِ * لِمَن شَاء مّنكُمْ } بإعادة الجار {أَن يَتَقَدَّمَ } إلى الخير {أَوْ يَتَأَخَّرَ } عنه. وعن الزجاج: إلى ما أمر وعما نهى. {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ } هي ليست بتأنيث «رهين» في قوله {أية : كُلُّ ٱمْرِىء بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ }تفسير : [الطور: 21] لتأنيث النفس، لأنه لو قصدت الصفة لقيل رهين، لأن فعيلاً بمعنى مفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث، وإنما هي اسم بمعنى الرهن كالشتيمة بمعنى الشتم كأنه قيل: كل نفس بما كسبت رهن، والمعنى كل نفس رهن بكسبها عند الله غير مفكوك {إِلاَّ أَصْحَـٰبَ ٱلْيَمِينِ } أي أطفال المسلمين لأنهم لا أعمال لهم يرهنون بها، أو إلا المسلمين فإنهم فكوا رقابهم بالطاعة كما يخلص الراهن رهنه بأداء الحق {فِي جَنَّـٰتٍ } أي هم في جنات لا يكتنه وصفها {يَتَسَاءَلُونَ عَنِ ٱلْمُجْرِمِينَ } يسأل بعضهم بعضاً عنهم أو يتساءلون غيرهم عنهم {مَا سَلَكَكُمْ فِى سَقَرَ } أدخلكم فيها. ولا يقال لا يطابق قوله {مَا سَلَكَكُمْ } وهو سؤال للمجرمين قوله {يَتَسَاءلُونَ* عَنِ ٱلْمُجْرِمِينَ } وهو سؤال عنهم، وإنما يطابق ذلك لو قيل يتساءلون المجرمين ما سلككم، لأن {مَا سَلَكَكُمْ } ليس ببيان للتساؤل عنهم وإنما هو حكاية قول المسؤولين عنهم، لأن المسؤولين يلقون إلى السائلين ما جرى بينهم وبين المجرمين فيقولون: قلنا لهم ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين، إلا أنه اختصر كما هو نهج القرآن. وقيل: «عن» زائدة. {قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ ٱلْمُصَلِّينَ } أي لم نعتقد فرضيتها {وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ ٱلْمِسْكِينَ } كما يطعم المسلمون {وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ ٱلُخَائِضِينَ } الخوض: الشروع في الباطل. أي نقول الباطل والزور في آيات الله {وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ } الحساب والجزاء {حَتَّىٰ أَتَـٰنَا ٱلْيَقِينُ } الموت {فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَـٰعَةُ ٱلشَّـٰفِعِينَ } من الملائكة والنبيين والصالحين لأنها للمؤمنين دون الكافرين. وفيه دليل ثبوت الشفاعة للمؤمنين في الحديث: «حديث : إن من أمتي من يدخل الجنة بشفاعته أكثر من ربيعة ومضر»تفسير : {فَمَا لَهُمْ عَنِ ٱلتَّذْكِرَةِ } عن التذكير وهو العظة أي القرآن {مُعْرِضِينَ } مولين حال من الضمير نحو: مالك قائماً {كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ } أي حمر الوحش حال من الضمير في {مُعْرِضِينَ } {مُّسْتَنفِرَةٌ } شديدة النفار كأنها تطلب النفار من نفوسها. وبفتح الفاء: مدني وشامي أي استنفرها غيرها {فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ } حال و«قد» معها مقدرة. والقسورة: الرماة أو الأسد فعولة من القسر وهو القهر والغلبة، شبهوا في إعراضهم عن القرآن واستماع الذكر بحمر جدت في نفارها. {بَلْ يُرِيدُ كُلُّ ٱمْرِىءٍ مّنْهُمْ أَن يُؤْتَىٰ صُحُفاً مُّنَشَّرَةً } قراطيس تنشر وتقرأ وذلك أنهم قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لن نتبعك حتى تأتي كل واحد منا بكتب من السماء عنوانها: من رب العالمين إلى فلان بن فلان نؤمر فيها باتباعك. ونحوه قوله: {أية : لَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيّكَ حَتَّى تُنَزّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ }تفسير : [الإسراء: 93] وقيل: قالوا إن كان محمد صادقاً فليصبح عند رأس كل رجل منا صحيفة فيها براءته وأمنه من النار {كَلاَّ } ردع لهم عن تلك الإرادة وزجر عن اقتراح الآيات. ثم قال: {بَل لاَّ يَخَافُونَ ٱلآخِرَةَ } فلذلك أعرضوا عن التذكرة لا لامتناع إيتاء الصحف {كَلاَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ } ردعهم عن إعراضهم عن التذكرة وقال: إن القرآن تذكرة بليغة كافية {فَمَن شَاء ذَكَرَهُ } أي فمن شاء أن يذكره ولا ينساه فعل. فإن نفع ذلك عائد إليه {وَمَا يَذْكُرُونَ } وبالتاء: نافع ويعقوب {إِلاَّ أَن يَشَاءَ ٱللَّهُ} إلا وقت مشيئة الله وإلا بمشيئة الله {هُوَ أَهْلُ ٱلتَّقْوَىٰ وَأَهْلُ ٱلْمَغْفِرَةِ } في الحديث: «حديث : هو أهل أن يتقي وأهل أن يغفر لمن اتقاه»تفسير : والله أعلم.
البقاعي
تفسير : ولما انقضى بيان عناده فحصل التشوف لتفصيل جزائه في معاده، قال مبيناً لبعض ما أفهمه إرهاقه الصعود: {سأصليه} أي بوعيد لا بد منه عن قرب {سقر *} أي الدركة النارية التي تفعل في الأدمغة من شدة حموها ما يجل عن الوصف، فأدخله إياها وألوّحه في الشدائد حرها وأذيب دماغه بها، وأسيل ذهنه وكل عصارته بشديد حرها جزاء على تفكيره، هذا الذي قدره وتخيله وصوره بإدارته في طبقات دماغه ليحرق أكباد أولياء الله وأصفيائه. ولما أثبت له هذا العذاب عظمه وهوله بقوله: {وما أدراك} أي أعلمك وإن اجتهدت في البحث {ما سقر *} يعني أن علم هذا خارج عن طوق البشر لا يمكن أن يصل إليه أحد منهم بإعلام الله له لأنه أعظم من أن يطلع عليه بشر. ولما أثبت لها هذه العظمة، زادها عظماً ببيان فعلها دون شرح ماهيتها فقال: {لا تبقى} أي سقر هذه لا تترك شيئاً يلقى فيها على حالة البقاء على ما كان عليه {ولا تذر *} أي تترك على حالة من الحالات ولو كانت أقبح الحالات فضلاً عما دونها، بل هي دائمة الإهلاك لكل ما أذن فيه والتغيير لأحوال ما أذن لها في عذابه، ولم يؤذن في محقه بالكلية، لكل شيء فترة وملال دونها. ولما كان تغير حال الإنسان إلى دون ما هو عليه غائطاً له موجعاً إذا كان ذلك تغير لونه لأن الظاهر عنوان الباطن، قال الله تعالى دالاً على شدة فعلها في ذلك: {لواحة} أي شديدة التغيير بالسواد والزرقة واللمع والاضطراب والتعطيش ونحوها من الإفساد من شدة حرها، تقول العرب: لاحت النار الشيء - إذا أحرقته وسودته {للبشر *} أي للناس أو لجلودههم، جمع بشرة وجمع البشر أبشار {عليها} أي مطلق النار بقرينة ما يأتي من الخزنة {تسعة عشر *} أي ملكاً، لطبقة المؤمنين وهي العليا ملك واحد، وللست الباقية ثمانية عشر، لكل واحدة ثلاثة، لأن الواحد يؤازر بثان، وهما يعززان بثالث، فلذا والله أعلم كانوا ثلاثة، أو لأن الكفر يكون بالله وكتابه ورسوله صلى الله عليه وسلم، فكان لكل تكذيب في كل طبقة من طبقاتها الست ملك أو صنف من الملائكة، وعلى الأول في كونهم أشخاصاً بأعيانهم أكثر المفسرين، وقد علم مما مضى أنهم غلاظ شداد كل واحد منهم يكفي لأهله الأرض كلهم كما أن ملكاً واحداً وكل بقبض جميع الأرواح، وجاء في الآثار أن أعينهم كالبرق الخاطف، وأنيابهم كالصياصي، يخرج لهب النار من أفواههم، ما بين منكبي أحدهم مسيرة سنة، نزعت منهم الرحمة، يدفع أحدهم سبعين ألفاً فيرميهم حيث أراد من جهنم، قال عمرو بن دينار: إن واحداً منهم يدفع بالدفعة الواحدة أكثر من ربيعة ومضر. وقيل: إن هذه العدة لمكافأة ما في الإنسان من القوى التي بها ينتظم قوامه، وهي الحواس الخمس الظاهرة: السمع والبصر والشم والذوق واللمس، والخمس الباطنة: المتخيلة والواهمة والمفكرة والحافظة والذاكرة، وقوتا الشهوة والغضب، والقوى الطبيعية السبع: الماسكة والهاضمة والجاذبة والدافعة والغاذية والنامية والمولدة، وقيل: اختير هذا العدد لأن التسعة نهاية الآحاد، والعشرة بداية العشرات، فصار مجموعهما جامعاً لأكثر القليل وأقل الكثير، فكان أجمع الأعداد، فكان إشارة إلى أن خزنتها أجمع الجموع، ويروى عن ابن مسعود رضي الله عنه أن قراءة البسملة تنجي من خزنة النار فإنها تسعة عشر حرفاً، كل حرف منها لملك منهم.
اسماعيل حقي
تفسير : {سأصليه سقر} اى ادخله جهنم لما قال فى الصحاح سقر اسم من اسماء النار وقال ابن عباس رضى الله عنهما اسم للطبقة السادسة من جهنم يقال سقرته الشمس اذا آذته وآلمته وسميت سقر لا يلامها قوله سأصليه سقر بدل من سارهقه صعودا بدل الاشتمال سوآء جعل مثلا لما يلقى من الشدآئد أو اسم جبل من نار لان سقر تشتمل على كل منهما.
الطوسي
تفسير : قرأ نافع وحمزة وحفص عن عاصم {إذ أدبر} باسكان الذال وقطع الهمزة من {أدبر} الباقون بفتح الذال والالف معها "دبر" بغير الف. وقرأ ابن مسعود بزيادة الف، ومن قال (دبر، وأدبر) فهما لغتان. قيل: هو مثل قبل واقبل والاختيار عندهم {أدبر} لقوله {إذا أسفر} ولم يقل إذا سفر، لان ابن عباس، قال لعكرمة: حين دبر الليل، لان العرب تقول: دبر فهو دابر، وحجة نافع وحمزة قول النبي صلى الله عليه وآله "حديث : إذا أقبل الليل من ها هنا وأدبر النهار من ها هنا فقد أفطر الصيام"تفسير : ثم قال ابو عبيدة: أدبر ولى، ودبرني جاء خلفي. لما حكى الله تعالى صفات الكافر الذى ذكره، وهو الوليد بن المغيرة، وانه فكر وقدر إلى ان قال: هذا القرآن سحر مأثور، وهو قول البشر، قال الله تعالى مهدداً له ومتوعداً {سأصليه سقر} أى ألزمه جهنم، والاصلاء إلزام موضع النار أصلاه يصليه إصلاه واصطلى فهو يصطلي اصطلاء، وصلاه يصليه، واصله اللزوم. وسقر اسم من اسماء جهنم، ولم يصرف للتعريف والتأنيث وأصله من سقرته الشمس تستقره سقراً إذا آلمت دماغه. وقد سميت النار سقر لشدة إيلامها، ومنه الصقر بالسين والصاد، لأن شدته فى نفسه كشدة الألم فى أذى صيده. وقوله {وما أدراك ما سقر} إعظاماً للنار وتهويلا لها أي ولم يعلمك الله سقر على كنهها وصفتها، ثم وصف بعض صفاتها فقال {لا تبقي ولا تذر} وقال مجاهد: معناه لا تبقي من فيها حياً، ولا تذره ميتاً. وقال غيره: لا تبقي احداً من أهلها إلا تناولته، ولا تذره من العذاب. والابقاء ترك شيء مما اخذ، يقال أبقى شيئاً يبقيه ابقاء، وأبقاه الله أي اطال مدّته. والباقي هو المستمر الوجود. وقوله {لوّاحة للبشر} أي مغيرة لجلد الانسان الذي هو البشرة - فى قول مجاهد - وقال المؤرج: لواحة بمعنى حرّاقة، وبه قال الفراء. وقال غيرهما: معناه تلوح لجميع الخلق حتى يروها، كما قال {أية : وبرّزت الجحيم لمن يرى}تفسير : لانه لا يجوز أن يصفها بأنها تسودّ البشرة مع قوله {إنها لا تبقي ولا تذر} والتلويح تغير اللون إلى الأحمر والتلويح بالنار تغير بشرة أهلها إلى الاحمرار، يقال: لوحته الشمس تلوحه تلويحا فهي لواحة على المبالغة فى كثرة التلويح، والبشر جمع بشرة، وهي ظاهر الجلدة، ومنه سمي الانسان بشراً، لأنه ظاهر الجلدة، بتعريه من الوبر والريش والشعر الذي يكون فى غيره من الحيوان فى غالب أمره. وقوله {عليها تسعة عشر} أي على سقر تسعة عشر من الملائكة. وإنما خص بهذه العدة لتوافق صحة الخبر لما جاء به الانبياء قبله صلى الله عليه وآله، ويكون في ذلك مصلحة للمكلفين. وقد بين ذلك بقوله {وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم} أي لم نجعل من يتولى تدبير النار إلا من الملائكة ولم نجعلهم على هذه العدة {إلا فتنة} ومحنة وتشديداً فى التكليف {للذين كفروا} نعم الله وجحدوا ربوبيته ليلزمهم النظر في ذلك، فلما كانت هذه العدة التي جعلت عليها الملائكة يظهر عندها ما كان في نفس الكافر مما يقتضيه كفره، كان فتنة له، لان الفتنة هي المحنة التي تخرج ما في النفس من خير او شر باظهار حاله كاظهار الحكاية للمحكي. والملك عبارة عما كان على خلاف صورة الجن والانس من المكلفين. وقال قوم: لا يكون ملكا إلا رسولا لانه من الرسالة، كما قال الهذلي: شعر : الكني اليها وخير الرسو ل أعلمهم بنواحي الخبر تفسير : واصله ملأك بالهمز كما قال الشاعر: شعر : فلست لا نسي ولكن بملأك تنزل من جو السماء يصوب تفسير : والملك عظيم الخلق شديد البطش كريم النفس. والاصل نفسه منشرحة بالطاعة إنشراح الكريم بالجود، وأصله من النور، ووجه دلالة هذه العدة من الملائكة على نبوة النبي صلى الله عليه وآله هو انه اذا كان الله - عز وجل - قد اخبر به في الكتب المتقدمة ولم يكن محمد صلى الله عليه وآله ممن قرأها ولا تعلمها من أحد من الناس دل على أن الله أعلمه وانزل عليه به وحياً أبانه به من جميع الخلق ليدل على صدقه مع انه احد الاشياء التي أخبر بها على هذه الصفة {ليستيقن الذين أوتوا الكتاب} والتقدير ليعلم أهل الكتاب يقيناً ان محمداً صادق من حيث اخبر بما هو في كتبهم من غير قراءة لكتبهم ولا تعلم منهم {ويزداد الذين آمنوا إيماناً} أي ويزداد بذلك ايضاً المؤمنون الذين عرفوا الله إيماناً مضافاً الى ايمانهم. ووجه المحنة على الكفار بتكليفهم ان يستدلوا حتى يعرفوا ان الله تعالى قادر ان يقوي هذه العدة من الملائكة بما يفي بتعذيب أهل النار على ما هم عليه من الكثرة {ولا يرتاب} أى لا يشك {الذين أوتوا الكتاب} في خبره ولا يرتاب أيضاً {المؤمنون} في خبره. وقوله {وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون} ومعناه لئلا يقول الذين في قلوبهم شك ونفاق {ماذا أراد الله بهذا مثلا} اي أي شيء اراد الله بهذا مثلا، وقيل اللام في قوله {وليقول الذين في قلوبهم مرض} لام العاقبة كما قال {أية : فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوّاً وحزناً}تفسير : فقال الله تعالى {كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء} أى مثل ما فضح الله هؤلاء الكفار وذمهم مثل ذلك يضل من يشاء من الكفار. والاضلال - ها هنا - اظهار فضيحة الكفار بما يوجب الذم، ومعناه الحكم عليهم بالضلال عن الحق، والاخبار بأنهم يستحقون اللعن بتكذيبهم النبي صلى الله عليه وآله، وما انزل عليه. ونقيضه الهداية أي ويحكم بهداية المؤمنين إلى الحق ومصيرهم الى الطاعة، وتصديقهم بالحق عند نزوله وقبولهم له. وقال ابن عباس وقتادة والضحاك: عدة الملائكة الموكلين بالنار فى التوراة والانجيل تسعة عشر. ثم اخبر تعالى فقال {وما يعلم جنود ربك إلا هو} أي لا يعلم جنود الله إلا الله. ثم قال {وما هي إلا ذكرى للبشر} قيل معناه إن النار فى الدنيا تذكير بالنار فى الآخرة. وقال قتادة ومجاهد: النار الموصوفة بهذه الصفة ذكرى للبشر وعظة لهم. وقال البلخي: إلا ذكرى للبشر أي الجنود ذكرى أي عظة للبشر، لان الله تعالى لا يحتاج الى ناصر ومعين. ثم قال {كلا والقمر} أي حقاً ثم اقسم بالقمر {والليل إذ أدبر} قيل معناه إذا ولى يقال: دبر وادبر، وقد قرئ بهما. وقيل: إنما دبر الليل بان جاء بعده النهار وآخره. وتقول العرب: قبح الله ما قبل منك وما دبر {والصبح إذا أسفر} أي اضاء وأنار - في قول قتادة - وهو قسم آخر. وقال قوم: التقدير ورب هذه الاشياء، لان اليمين لا يكون إلا بالله. وقال قوم: معنى قوله {والصبح إذا أسفر} أي كشف عن الظلام وأنار الاشخاص. وقوله {إنها لإحدى الكبر} جواب القسم. وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك: معناه إن النار لأحدى الكبر. وقال قوم: ان هذه الآية لاحدى الكبر. والكبر جمع الكبرى، وهي العظمى وروي عن ابن كثير أنه {قرأ إنها لحدى الكبر} لا يهمزه ولا يكسر يسقط الهمزة تخفيفاً، كقولهم في زيد الاحمر زيد لحمر. وفي أصحاب الايكة اصحاب ليكة. والاختيار قطع الألف، لأن العرب اذا حذفت مثل هذا نقلت حركة الهمزة إلى ما قبلها، واللام قبل هذه الهمزة متحركة، واللام في الاحمر لام التعريف ساكنة.
الهواري
تفسير : قال الله عز وجل: {سَأُصْلِيهِ سَقَرَ} وسقر اسم من أسماء جهنم {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ} أي: لم تكن تدري ما سقر حتى أعلمتك. قال تعالى: {لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ} أي: لا تبقي، إذا دخلها، شيئاً من لحمه ودمه وشعره وبشره وعظامه وأحشائه حتى تهجم على الفؤاد فتطبخ الفؤاد. فإذا انتهت إلى الفؤاد لم تجد شيئاً تتعلق به. ثم يجدد الله خلقه فتأكله أيضاً. وهو قوله: (أية : كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ) تفسير : [النساء:56]. وقال مجاهد: {لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ} أي: لا تحيي ولا تميت. قوله عز وجل: {لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ} أي: محرقة للجلد، تأكل كل شيء إلا الفؤاد. {عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ}. لما نزلت قال أبو جهل: يا معشر قريش إني أرى محمداً يخوّفكم بخزنة النار، ويزعم أنهم تسعة عشر وأنتم الدَّّهم، أفيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا بواحد منهم فتخرجوا منها؟ فقال أبو الأشد الجمحي: أنا أكفيكم منهم سبعة عشر: عشرة على ظهري وسبعة على صدري، فاكفوني أنتم اثنين. فأنزل الله: {وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَابَ النَّارِ إِلاَّ مَلاَئِكَةً} [أي: فمن يطيقهم] {وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً} أي بلية {لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الكِتَابَ} لأنهم في كتبهم تسعة عشر {وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُواْ إِيمَاناً} أي: تصديقاً {وَلاَ يَرْتَابَ} أي: ولا يشك {الَّذينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ وَالْمُؤمِنُونَ} أي: فيما أنزل الله من عددهم {وَلِيَقُولَ الَّذينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} أي: نفاق {وَالْكَافِرُونَ} أي الجاحدون {مَاذَآ أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلاً} [أي: ذكرها] وذلك منهم استهزاء وتكذيب. قال الله: {كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَن يَشَآءُ} بترك الإِيمان بالقرآن الذي فيه التسعة عشر. {وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ}. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر في حديث ليلة أسري به قال: فعرج بي حتى انتهيت إلى باب الحفظة وعليه ملك يقال له إسماعيل جنده سبعون ألف ملك. ثم تلا هذه الآية: {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ}. قال: {وَمَا هِيَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْبَشَرِ} تفسير الحسن وغيره: يعني النار: رجع إلى قوله: {سَأُصْلِيهِ سَقَرَ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ}.
اطفيش
تفسير : {سَأُصْلِيهِ} أدخله، قيل هو بدل من سأرهقه *{سَقَرَ} اسم من أسماء النار نار جهنم وقيل آخر دركاتها، وقيل سادستها.
اطفيش
تفسير : وعيد على قوله سحر يؤثر وقوله سأرهقه صعوداً وعيد على عناده فى الايات أعنى أنه مرتب عليه ولو شمل العناد قوله سحرت أو كلتا الجملتين وعيد على الإِطلاق، ولا يصح ما قيل أن الثانية بدل اشتمال من ألأُولى معللاً بأَن سقر مشتملة على الشدائد وعلى الجبل لأَنا نقول الاشتمال يكون فى المبدل منه على البدل كاشتمال زيد على العلم فى أعجبنى زيد علمه لا العكس ذكر البشر هنا وفى قوله ذكرى للبشر بمعنى الناس أو الإِنسان وذكره فيما بينهما بمعنى الجلد ففى ذلك جناس تام لفظى وخطى.
الالوسي
تفسير : وقوله تعالى: {سَأُصْلِيهِ سَقَرَ } بدل من {أية : سَأُرْهِقُهُ}تفسير : [المدثر: 17] الخ بدل اشتمال لاشتمال السقر على الشدائد وعلى الجبل من النار، والوصف الآتي لا ينافي الإبدال على إرادة الجبل بناء على أن المراد به نحو ما في الحديث. وقال أبو حيان يظهر أنهما جملتان اعتقبت كل واحدة منهما على سبيل توعد العصيان الذي قبل كل واحدة منهما فتوعد على كونه عنيداً لآيات الله تعالى بإرهاق صعود وعلى قوله إن القرآن سحر يؤثر بإصلاء سقر، وفيه بحث لا يخفى على من أحاط خبراً بما تقدم.
ابن عاشور
تفسير : جملة {سأُصليه سقر} مستأنفة استئنافاً بيانياً ناشئاً عن قوله: {أية : إنه فكّر وقدّر}تفسير : [المدثر: 18] إلى آخر الآيات فذكر وعيده بعذاب الآخرة. ويجوز أن تكون بدلاً من جملة {سأرهق صعوراً}. والإِصلاء: جعل الشيء صالياً، أي مباشراً حرَّ النار. وفعل صَلِيَ يطلق على إحساس حرارة النار، فيكون لأجل التدَفّىء كقول الحارث بن حِلزة:شعر : فتنورتَ نارها من بعيد بخزازَى أيَّانَ منكَ الصلاء تفسير : أي أنت بعيد من التدفىء بها وكما قال حُمَيد بن ثَوْر: شعر : لا تصطلي النارَ إلاّ مِجْمَرا أرِجَا قد كَسَّرت من يَلْنَجُوجٍ له وَقَصَا تفسير : ويطلق على الاحتراق بالنار قال تعالى: {أية : سَيصلَى ناراً ذات لهب}تفسير : في سورة أبي لهب (3) وقال: {أية : فأنذرتكم ناراً تلظَّى لا يصلاَها إلاّ الأشقى}تفسير : في سورة الليل (14، 15)، وقال: {أية : وسيَصلون سعيراً}تفسير : في سورة النساء (10)، والأكثر إذا ذكر لفعل هذه المادة مفعول ثان من أسماء النار أن يكون الفعل بمعنى الإِحراق كقوله تعالى: {أية : فسوف نُصليه ناراً}تفسير : في سورة النساءِ (30). ومنه قوله هنا سأُصليه سقر. وسقر: علَم لطبقة من جهنم، عن ابن عباس: أنه الطبق السّادس من جهنم. قال ابن عطية: سقر هو الدرك السادس من جهنم على ما روي ا هـ. واقتصر عليه ابنُ عطية. وجرى كلام جمهور المفسرين بما يقتضي أنهم يفسّرون سقر بما يرادف جهنم. وسقر ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث لأنه اسم بُقعة من جهنم أو اسم جهنم وقد جرى ضمير سقر على التأنيث في قوله تعالى: {لا تُبقي} إلى قوله: {عليها تسعة عشر}. وقيل سقر معرَّب نقله في «الإِتقان» عن الجواليقي ولم يذكر الكلمة المعرّبة ولا من أية لغة هو. و {ما أدراك ما سقر} جملة حالية من {سقر}، أي سقر التي حالها لا ينبئك به مُنبىء وهذا تهويل لحالها. و {ما سقر} في محل مبتدإ وأصله سقر مَّا، أي ما هي، فقدّم {ما} لأنه اسم استفهام وله الصدارة. فإن {ما} الأولى استفهامية. والمعنى: أيُّ شيء يدريك، أي يعلمك. و {ما} الثانية استفهامية في محل رفع خبر عن {سقر}. وجملة {لا تبقي} بدل اشتمال من التهويل الذي أفادته جملة {وما أدراك ما سَقر}، فإن من أهوالها أنها تهلك كل من يصلاها. والجملة خبر ثان عن سقر. وحذف مفعول {تبقي} لقصد العموم، أي لا تبقي منهم أحداً أو لا تبقي من أجزائهم شيئاً. وجملة {ولا تذر} عطف على {لا تبقي} فهي في معنى الحال، ومعنى {لا تذر}، أي لا تترك من يلقَى فيها، أي لا تتركه غير مصلي بعذابها. وهذه كناية عن إعادة حياته بعد إهلاكه كما قال تعالى: {أية : كلما نَضِجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب}تفسير : [النساء: 56]. و {لوّاحة}: خبر ثالث عن {سقر}. و {لوّاحة} فعَّالة، من اللّوح وهو تغيير الذات من ألمٍ ونحوه، وقال الشاعر، وهو من شواهد «الكشاف» ولم أقف على قائله:شعر : تقول ما لاحكَ يا مُسافِرْ يا ابنة عمي لاحني الهَواجِرْ تفسير : والبشر: يكون جمع بشرة، وهي جلد الإِنسان، أي تغير ألوان الجلود فتجعلها سوداً، ويكون اسم جمع للناس لا واحد له من لفظه. وقوله: {عليها تسعة عشر} خبر رابع عن {سَقر} من قوله: {وما أدراك ما سقر}. ومعنى {عليها} على حراستها، فـ (على) للاستعلاء المجازي بتشبيه التصرف والولاية بالاستعلاء كما يقال: فلان على الشرطة، أو على بيت المال، أي يلي ذلك والمعنى: أن خزنة سقر تسعة عشر مَلَكاً. وقال جمع: إن عدد تسعة عشر: هُم نقباء الملائكة الموكلين بجهنم. وقيل: تسعة عشر صِنفاً من الملائكة وقيل تسعة عشر صفّاً. وفي «تفسير الفخر»: ذكر أرباب المعاني في تقدير هذا العدد وجوهاً: أحدها قول أهل الحكمة: إن سبب فساد النفس هو القُوى الحيوانية والطبيعية أما الحيوانية فهي الخمس الظاهرة والخمس الباطنة، والشهوة والغضب، فمجموعها اثنتا عشرة. وأما القوى الطبيعية فهي: الجاذبة، والماسكة، والهاضمة، والدافعة، والغاذية، والنامية، والمولِّدة، فهذه سبعة، فتلك تسعَ عشرة. فلما كان منشأ الآفات هو هذه التسع عشرة كان عدد الزبانية كذلك اهـ. والذي أراه أن الملائكة التسعة عشر موزَّعون على دركات سقر أو جهنمَ لكل دَرك مَلك فلعل هذه الدركات معيَّن كل درك منها لأهل شعبة من شُعب الكفر، ومنها الدرك الأسفل الذي ذكره الله تعالى: {أية : إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار}تفسير : في سورة النساء (145) فإن الكفر أصناف منها إنكار وجود الله، ومنها الوثنية، ومنها الشرك بتعدد الإِلٰه، ومنها عبادة الكواكب، ومنها عبادة الشيطان والجن، ومنها عبادة الحيوان، ومنها إنكار رسالة الرسل، ومنها المجوسية المانوية والمزدكية والزندقة، وعبادة البشر مثل الملوك، والإِباحيةُ ولو مع إثبات الإِلٰه الواحد. وفي ذكر هذا العدد تحدٍّ لأهل الكتابين يبعثهم على تصديق القرآن إذ كان ذلك مما استأثر به علماؤهم كما سيأتي قوله: {أية : ليستيقن الذين أوتوا الكتاب}تفسير : [المدثر: 31]. وقرأ الجمهور {تسعة عَشر} بفتح العين من {عَشر}. وقرأ أبو جعفر {تسعة عشر} بسكون العين من {عشْر} تخفيفاً لتوالي الحركات فيما هو كالاسم الواحد، ولا التفات إلى إنكار أبي حاتم هذه القراءة فإنها متواترة.
د. أسعد حومد
تفسير : (26) - سَأُدْخِلُهُ جَهَنَّمَ، وأَغْمُرُهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ. سَقَرَ - اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ جَهَنَّمَ. صَلاَةُ النَّارَ - أَدْخَلَهُ فِيهَا حَتَّى تَغْمُرَهُ أَوْ أَذَاقَهُ حَرَّهَا.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):