Verse. 5526 (AR)

٧٤ - ٱلْمُدَّثِّر

74 - Al-Muddathir (AR)

وَمَا جَعَلْنَاۗ اَصْحٰبَ النَّارِ اِلَّا مَلٰۗىِٕكَۃً۝۰۠ وَّمَا جَعَلْنَا عِدَّتَہُمْ اِلَّا فِتْنَۃً لِّلَّذِيْنَ كَفَرُوْا۝۰ۙ لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِيْنَ اُوْتُوا الْكِتٰبَ وَيَزْدَادَ الَّذِيْنَ اٰمَنُوْۗا اِيْمَانًا وَّلَا يَرْتَابَ الَّذِيْنَ اُوْتُوا الْكِتٰبَ وَالْمُؤْمِنُوْنَ۝۰ۙ وَلِيَقُوْلَ الَّذِيْنَ فِيْ قُلُوْبِہِمْ مَّرَضٌ وَّالْكٰفِرُوْنَ مَاذَاۗ اَرَادَ اللہُ بِہٰذَا مَثَلًا۝۰ۭ كَذٰلِكَ يُضِلُّ اللہُ مَنْ يَّشَاۗءُ وَيَہْدِيْ مَنْ يَّشَاۗءُ۝۰ۭ وَمَا يَعْلَمُ جُنُوْدَ رَبِّكَ اِلَّا ہُوَ۝۰ۭ وَمَا ھِيَ اِلَّا ذِكْرٰى لِلْبَشَرِ۝۳۱ۧ
Wama jaAAalna ashaba alnnari illa malaikatan wama jaAAalna AAiddatahum illa fitnatan lillatheena kafaroo liyastayqina allatheena ootoo alkitaba wayazdada allatheena amanoo eemanan wala yartaba allatheena ootoo alkitaba waalmuminoona waliyaqoola allatheena fee quloobihim maradun waalkafiroona matha arada Allahu bihatha mathalan kathalika yudillu Allahu man yashao wayahdee man yashao wama yaAAlamu junooda rabbika illa huwa wama hiya illa thikra lilbashari

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة» أي فلا يطاقون كما يتوهمون «وما جعلنا عدتهم» ذلك «إلا فتنة» ضلالا «للذين كفروا» بأن يقولوا لم كانوا تسعة عشر «ليستيقن» ليستبين «الذين أوتوا الكتاب» أي اليهود صدق النبي صلى الله عليه وسلم في كونهم تسعة عشر الموافق لما في كتابهم «ويزداد الذين آمنوا» من أهل الكتاب «إيمانا» تصديقا لموافقته ما أتي به النبي صلى الله عليه وسلم لما في كتابهم «ولا يرتاب الذين أُوتوا الكتاب والمؤمنون» من غيرهم في عدد الملائكة «وليقول الذين في قلوبهم مرض» شك بالمدينة «والكافرون» بمكة «ماذا أراد الله بهذا» العدد «مثلا» سموه لغرابته بذلك وأعرب حالا «كذلك» أي مثل إضلال منكر هذا العدد وهدى مصدقه «يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وما يعلم جنود ربك» أي الملائكة في قوتهم وأعوانهم «إلا هو وما هي» أي سقر «إلا ذكرى للبشر».

31

Tafseer

الرازي

تفسير : قوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَـٰبَ ٱلنَّارِ إِلاَّ مَلَـئِكَةً } روي أنه لما نزل قوله تعالى: {أية : عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ } تفسير : [المدثر: 30] قال أبو جهل: لقريش ثكلتكم أمهاتكم، قال ابن أبي كبشة: إن خزنة النار تسعة عشر وأنتم الجمع العظيم، أيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا برجل منهم! فقال أبو الأشد بن أسيد بن كلدة الجمحي وكان شديد البطش: أنا أكفيكم سبعة عشر واكفوني أنتم اثنين! فلما قال أبو جهل وأبو الأشد ذلك، قال المسلمون ويحكم لا تقاس الملائكة بالحدادين! فجرى هذا مثلاً في كل شيئين لا يسوى بينهما، والمعنى لا تقاس الملائكة بالسجانين والحداد، السجان الذي يحبس النار، فأنزل الله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَـٰبَ ٱلنَّارِ إِلاَّ مَلَـئِكَةً } واعلم أنه تعالى إنما جعلهم ملائكة لوجوه أحدها: ليكونوا بخلاف جنس المعذبين، لأن الجنسية مظنة الرأفة والرحمة، ولذلك بعث الرسول المبعوث إلينا من جنسنا ليكون له رأفة ورحمة بنا وثانيها: أنهم أبعد الخلق عن معصية الله تعالى وأقواهم على الطاعات الشاقة وثالثها: أن قوتهم أعظم من قوة الجن والإنس، فإن قيل: ثبت في الأخبار، أن الملائكة مخلوقون من النور، والمخلوق من النور كيف يطيق المكث في النار؟ قلنا: مدار القول في إثبات القيامة على كونه تعالى قادراً على كل الممكنات، فكما أنه لا استبعاد في أن يبقى الحي في مثل ذلك العذاب الشديد أبد الآباد ولا يموت، فكذا لا استبعاد في بقاء الملائكة هناك من غير ألم. ثم قال تعالى: {وما جعلنا أصحـاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا الكتـاب ويزداد الذين آمنوا إيماناً ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلاً } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: هذا العدد إنما صار سبباً لفتنة الكفار من وجهين الأول: أن الكفار يستهزئون، يقولون: لم لم يكونوا عشرين، وما المقتضى لتخصيص هذا العدد بالوجود؟ الثاني: أن الكفار يقولون هذا العدد القليل كيف يكونون وافين بتعذيب أكثر خلق العالم من الجن والإنس من أول ما خلق الله إلى قيام القيامة؟ وأما أهل الإيمان فلا يلتفتون إلى هذين السؤالين. أما السؤال الأول: فلأن جملة العالم متناهية، فلا بد وأن يكون للجواهر الفردة التي منها تألفت جملة هذا العالم عدد معين، وعند ذلك يجيء ذلك السؤال، وهو أنه لم خصص ذلك العدد بالإيجاد، ولم يزد على ذلك العدد جوهر آخر ولم ينقص، وكذا القول في إيجاد العالم، فإنه لما كان العالم محدثاً والإله قديماً، فقد تأخر العالم عن الصانع بتقدير مدة غير متناهية، فلم لم يحدث العالم قبل أن حدث بتقدير لحظة أو بعد أن وجد بتقدير لحظة؟ وكذا القول في تقدير كل واحد من المحدثات بزمانه المعين، وكل واحد من الأجسام بأجزائه المحدودة المعدودة، ولا جواب عن شيء من ذلك إلا بأنه قادر مختار، والمختار له أن يرجح الشيء على مثله من غير علة، وإذا كان هذا الجواب هو المعتمد في خلق جملة العالم، فكذا في تخصيص زبانية النار بهذا العدد. وأما السؤال الثاني: فضعيف أيضاً، لأنه لا يبعد في قدرة الله تعالى أن يعطي هذا العدد من القدرة والقوة ما يصيرون به قادرين على تعذيب جملة الخلق، ومتمكنين من ذلك من غير خلل، وبالجملة فمدار هذين السؤالين على القدح في كمال قدرة الله، فأما من اعترف بكونه تعالى قادراً على مالا نهاية له من المقدورات، وعلم أن أحوال القيامة على خلاف أحوال الدنيا زال عن قلبه هذه الاستبعادات بالكلية. المسألة الثانية: احتج من قال: إنه تعالى قد يريد الإضلال بهذه الآية، قال لأن قوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لّلَّذِينَ كَفَرُواْ } يدل على أن المقصود الأصلي إنما هو فتنة الكافرين، أجابت المعتزلة عنه من وجوه أحدها: قال الجبائي: المراد من الفتنة تشديد التعبد ليستدلوا ويعرفوا أنه تعالى قادر على أن يقوي هؤلاء التسعة عشر على مالا يقوى عليه مائة ألف ملك أقوياء وثانيها: قال الكعبي: المراد من الفتنة الامتحان حتى يفوض المؤمنون حكمة التخصيص بالعدد المعين إلى علم الخالق سبحانه، وهذا من المتشابه الذي أمروا بالإيمان به وثالثها: أن المراد من الفتنة ما وقعوا فيه من الكفر بسبب تكذيبهم بعدد الخزنة، والمعنى إلا فتنة على الذين كفروا ليكذبوا به، وليقولوا ما قالوا، وذلك عقوبة لهم على كفرهم، وحاصله راجع إلى ترك الألطاف والجواب: أنه لا نزاع في شيء مما ذكرتم، إلا أنا نقول: هل لإنزال هذه المتشابهات أثر في تقوية داعية الكفر، أم لا؟ فإذا لم يكن له أثر في تقوية داعية الكفر، كان إنزالها كسائر الأمور الأجنبية، فلم يكن للقول بأن إنزال هذه المتشابهات فتنة للذين كفروا وجه ألبتة، وإن كان له أثر في تقوية داعية الكفر، فقد حصل المقصود، لأنه إذا ترجحت داعية الفعل، صارت داعية الترك مرجوحة، والمرجوح يمتنع أن يؤثر، فالترك يكون ممتنع الوقوع، فيصير الفعل واجب الوقوع، والله أعلم، واعلم أنه تعالى بين أن المقصود من إنزال هذا المتشابه أمور أربعة. أولها: {لِيَسْتَيْقِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ } وثانيها: {وَيَزْدَادَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِيمَـٰناً } وثالثها: {وَلاَ يَرْتَابَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْمُؤْمِنُونَ } ورابعها: {وَلِيَقُولَ ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَٱلْكَـٰفِرُونَ مَاذَا أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً } واعلم أن المقصود من تفسير هذه الآيات لا يتلخص إلا بسؤالات وجوابات: السؤال الأول: لفظ القرآن يدل على أنه تعالى جعل افتتان الكفار بعدد الزبانية سبباً لهذه الأمور الأربعة، فما الوجه في ذلك؟ والجواب: أنه ما جعل افتتانهم بالعدد سبباً لهذه الأشياء وبيانه من وجهين الأول: التقدير: وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا، وإلا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب، كما يقال: فعلت كذا لتعظيمك ولتحقير عدوك، قالوا: والعاطفة قد تذكر في هذا الموضع تارة. وقد تحذف أخرى الثاني: أن المراد من قوله: {وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لّلَّذِينَ كَفَرُواْ } هو أنه وما جعلنا عدتهم إلا تسعة عشر إلا أنه وضع فتنة للذين كفروا موضع تسعة عشر كأنه عبر عن المؤثر باللفظ الدال على الأثر، تنبيهاً على أن هذا الأثر من لوازم ذلك المؤثر. السؤال الثاني: ما وجه تأثير إنزال هذا المتشابه في استيقان أهل الكتاب؟ الجواب: من وجوه أحدها: أن هذا العدد لما كان موجوداً في كتابهم، ثم إنه عليه السلام أخبر على وفق ذلك من غير سابقة دراسة وتعلم، فظهر أن ذلك إنما حصل بسبب الوحي من السماء فالذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب يزدادون به إيماناً وثانيها: أن التوراة والإنجيل كانا محرفين، فأهل الكتاب كانوا يقرأون فيهما أن عدد الزبانية هو هذا القدر، ولكنهم ما كانوا يعولون على ذلك كل التعويل لعلمهم بتطرق التحريف إلى هذين الكتابين، فلما سمعوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم قوي إيمانهم بذلك واستيقنوا أن ذلك العدد هو الحق والصدق وثالثها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعلم من حال قريش أنه متى أخبرهم بهذا العدد العجيب، فإنهم يستهزئون به ويضحكون منه، لأنهم كانوا يستهزئون به في إثبات التوحيد والقدرة والعلم، مع أن تلك المسائل أوضح وأظهر فكيف في ذكر هذا العدد العجيب؟ ثم إن استهزاءهم برسول الله وشدة سخريتهم به ما منعه من إظهار هذا الحق، فعند هذا يعلم كل أحد أنه لو كان غرض محمد صلى الله عليه وسلم طلب الدنيا والرياسة لاحترز عن ذكر هذا العدد العجيب، فلما ذكره مع علمه بأنهم لا بد وأن يستهزئوا به علم كل عاقل أن مقصوده منه إنما هو تبليغ الوحي، وأنه ما كان يبالي في ذلك لا بتصديق المصدقين ولا بتكذيب المكذبين. السؤال الثالث: ما تأثير هذه الواقعة في ازدياد إيمان المؤمنين؟ الجواب: أن المكلف مالم يستحضر كونه تعالى عالماً بجميع المعلومات غنياً عن جميع الحادثات منزهاً عن الكذب والحلف لا يمكنه أن ينقاد لهذه العدة ويعترف بحقيقتها، فإذا اشتغل باستحضار تلك الدلائل ثم جعل العلم الإجمالي بأنه صادق لا يكذب حكيم لا يجهل دافعاً للتعجب الحاصل في الطبع من هذا العدد العجيب فحينئذ يمكنه أن يؤمن بحقيقة هذا العدد، ولا شك أن المؤمن يصير عند اعتبار هذه المقامات أشد استحضاراً للدلائل وأكثر انقياداً للدين، فالمراد بازدياد الإيمان هذا. السؤال الرابع: حقيقة الإيمان عندكم لا تقبل الزيادة والنقصان فما قولكم في هذه الآية؟ الجواب: نحمله على ثمرات الإيمان وعلى آثاره ولوازمه. السؤال الخامس: لما أثبت الاستيقان لأهل الكتاب وأثبت زيادة الإيمان للمؤمنين فما الفائدة في قوله بعد ذلك: {وَلاَ يَرْتَابَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْمُؤْمِنُونَ }؟ الجواب: أن المطلوب إذا كان غامضاً دقيق الحجة كثير الشبهة، فإذا اجتهد الإنسان فيه وحصل له اليقين فربما غفل عن مقدمة من مقدمات ذلك الدليل الدقيق، فيعود الشك والشبهة، فإثبات اليقين في بعض الأحوال لا ينافي طريان الارتياب بعد ذلك، فالمقصود من إعادة هذا الكلام هو أنه حصل لهم يقين جازم، بحيث لا يحصل عقيبه ألبتة شك ولا ريب. السؤال السادس: جمهور المفسرين قالوا في تفسير قوله: {ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ } إنهم الكافرون وذكر الحسين بن الفضل البجلي أن هذه السورة مكية ولم يكن بمكة نفاق، فالمرض في هذه الآية ليس بمعنى النفاق، والجواب: قول المفسرين حق وذلك لأنه كان في معلوم الله تعالى أن النفاق سيحدث فأخبر عما سيكون، وعلى هذا تصير هذه الآية معجزة، لأنه إخبار عن غيب سيقع، وقد وقع على وفق الخبر فيكون معجزاً، ويجوز أيضاً أن يراد بالمرض الشك لأن أهل مكة كان أكثرهم شاكين وبعضهم كانوا قاطعين بالكذب. السؤال السابع: هب أن الاستيقان وانتفاء الارتياب يصح أن يكونا مقصودين من إنزال هذا المتشابه، فكيف صح أن يكون قول الكافرين والمنافقين مقصوداً؟ الجواب: أما على أصلنا فلا إشكال لأنه تعالى يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وسيأتي مريد تقرير لهذا في الآية الآتية، وأما عند المعتزلة فإن هذه الحالة لما وقعت أشبهت الغرض في كونه واقعاً، فأدخل عليه حرف اللام وهو كقوله: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ }. السؤال الثامن: لم سموه مثلاً؟ الجواب: أنه لما كان هذا العدد عدداً عجيباً ظن القوم أنه ربما لم يكن مراد الله منه ما أشعر به ظاهره بل جعله مثلاً لشيء آخر وتنبيهاً على مقصود آخر، لا جرم سموه مثلاً. السؤال التاسع: القوم كانوا ينكرون كون القرآن من عند الله، فكيف قالوا: ماذا أراد الله بهذا مثلاً؟ الجواب: أما الذين في قلوبهم مرض، وهم المنافقون فكانوا في الظاهر معترفين بأن القرآن من عند الله فلا جرم قالوا ذلك باللسان، وأما الكفار فقالوه على سبيل التهكم أو على سبيل الاستدلال بأن القرآن لو كان من عند الله لما قال مثل هذا الكلام. قوله تعالى: {كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَاء وَيَهْدِى مَن يَشَاء } وجه الاستدلال بالآية للأصحاب ظاهر لأنه تعالى ذكر في أول الآية قوله: {وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لّلَّذِينَ كَفَرُواْ } ثم ذكر في آخر الآية: {وَلِيَقُولَ ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَٱلْكَـٰفِرُونَ مَاذَا أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً } ثم قال: {كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَاء وَيَهْدِى مَن يَشَاء } أما المعتزلة فقد ذكروا الوجوه المشهورة التي لهم أحدها: أن المراد من الإضلال منع الألطاف وثانيها: أنه لما اهتدى قوم باختيارهم عند نزول هذه الآيات وضل قوم باختيارهم عند نزولها أشبه ذلك أن المؤثر في ذلك الاهتداء وذلك الإضلال هو هذه الآيات، وهو كقوله: {أية : فَزَادَتْهُمْ إِيمَـٰناً } تفسير : [التوبة: 124] وكقوله: {أية : فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا } تفسير : [التوبة: 125] وثالثها: أن المراد من قوله: {يُضِلَّ } ومن قوله: {يَهْدِى } حكم الله بكونه ضالاً ويكون مهتدياً ورابعها: أنه تعالى يضلهم يوم القيامة عن دار الثواب، وهذه الكلمات مع أجوبتها تقدمت في سورة البقرة في قوله: {أية : يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا } تفسير : [البقرة: 26]. قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبّكَ إِلاَّ هُوَ } فيه وجوه: أحدها: وهو الأولى أن القوم استقبلوا ذلك العدد، فقال تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبّكَ إِلاَّ هُوَ } فهب أن هؤلاء تسعة عشر إلا أن لكل واحد منهم من الأعوان والجنود مالا يعلم عددهم إلا الله وثانيها: وما يعلم جنود ربك لفرط كثرتها إلا هو، فلا يعز عليه تتميم الخزنة عشرين ولكن له في هذا العدد حكمة لا يعلمها الخلق وهو جل جلاله يعلمها وثالثها: أنه لا حاجة بالله سبحانه في تعذيب الكفار والفساق إلى هؤلاء الخزنة، فإنه هو الذي يعذبهم في الحقيقة، وهو الذي يخلق الآلام فيهم، ولو أنه تعالى قلب شعرة في عين ابن آدم أو سلط الألم على عرق واحد من عروق بدنه لكفاه ذلك بلاء ومحنة، فلا يلزم من تقليل عدد الخزنة قلة العذاب، فجنود الله غير متناهية لأن مقدوراته غير متناهية. قوله تعالى: {وَمَا هِىَ إِلاَّ ذِكْرَىٰ لِلْبَشَرِ } الضمير في قوله: {وَمَا هِىَ } إلى ماذا يعود؟ فيه قولان: الأول: أنه عائد إلى سقر، والمعنى وما سقر وصفتها إلا تذكرة للبشر والثاني: أنه عائد إلى هذه الآيات المشتملة على هذه المتشابهات، وهي ذكرى لجميع العالمية، وإن كان المنتفع بها ليس إلا أهل الإيمان.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: {وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَـٰبَ ٱلنَّارِ} أي: خزانها {إِلاَّ مَلَـٰئِكَةً} أي: زبانية غلاظاً شداداً، وذلك رد على مشركي قريش حين ذكر عدد الخزنة، فقال أبو جهل: يا معشر قريش أما يستطيع كل عشرة منكم لواحد منهم فتغلبونهم؟ فقال الله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَـٰبَ ٱلنَّارِ إِلاَّ مَلَـٰئِكَةً} أي: شديدي الخلق، لا يقاومون ولا يغالبون، وقد قيل: إن أبا الأشدين، واسمه كلدة بن أسيد بن خلف قال: يا معشر قريش اكفوني منهم اثنين، وأنا أكفيكم منهم سبعة عشر؛ إعجاباً منه بنفسه، وكان قد بلغ من القوة فيما يزعمون أنه كان يقف على جلد البقرة، ويجاذبه عشرة لينزعوه من تحت قدميه، فيتمزق الجلد ولا يتزحزح عنه، قال السهيلي: وهو الذي دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مصارعته، وقال: إن صرعتني آمنت بك، فصرعه النبي صلى الله عليه وسلم مراراً، فلم يؤمن، قال: وقد نسب ابن إسحاق خبر المصارعة إلى ركانة بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب. (قلت): ولا منافاة بين ما ذكراه، والله أعلم. وقوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي: إنما ذكرنا عدتهم أنهم تسعة عشر اختباراً منا للناس؛ {لِيَسْتَيْقِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ} أي: يعلمون أن هذا الرسول حق؛ فإنه نطق بمطابقة ما بأيديهم من الكتب السماوية المنزلة على الأنبياء قبله، وقوله تعالى {وَيَزْدَادَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ إِيمَـٰناً} إلى إيمانهم، أي: بما يشهدون من صدق إخبار نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم، {وَلاَ يَرْتَابَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} أي: من المنافقين {وَٱلْكَـٰفِرُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً} أي: يقولون: ما الحكمة في ذكر هذا ههنا؟ قال الله تعالى: {كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ} أي: من مثل هذا وأشباهه يتأكد الإيمان في قلوب أقوام، ويتزلزل عند آخرين، وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة. وقوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ} أي: ما يعلم عددهم وكثرتهم إلا هو تعالى؛ لئلا يتوهم متوهم أنهم تسعة عشر فقط، كما قد قاله طائفة من أهل الضلالة والجهالة، من الفلاسفة اليونانيين ومن شايعهم من الملتين الذين سمعوا هذه الآية، فأرادوا تنزيلها على العقول العشرة، والنفوس التسعة التي اخترعوا دعواها، وعجزوا عن إقامة الدلالة على مقتضاها، فأفهموا صدر هذه الآية، وقد كفروا بآخرها، وهو قوله: {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ} وقد ثبت في حديث الإسراء المروي في الصحيحين وغيرهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال في صفة البيت المعمور الذي في السماء السابعة: «حديث : فإذا هو يدخله في كل يوم سبعون ألف ملك، لا يعودون إليه آخر ما عليهم.»تفسير : وقال الإمام أحمد: حدثنا أسود، حدثنا إسرائيل عن إبراهيم بن مهاجر عن مجاهد عن مورق عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إني أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، أطت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا عليه ملك ساجد، لو علمتم ما أعلم، لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيراً، ولا تلذذتم بالنساء على الفرشات، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله تعالى» تفسير : فقال أبو ذر: والله لوددت أني شجرة تعضد. ورواه الترمذي وابن ماجه من حديث إسرائيل، وقال الترمذي: حديث حسن غريب، ويروى عن أبي ذر موقوفاً، وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا خير بن عرفة المصري، حدثنا عروة بن مروان الرقي، حدثنا عبيد الله بن عمرو عن عبد الكريم بن مالك عن عطاء بن أبي رباح عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما في السموات السبع موضع قدم ولا شبر ولا كف، إلا وفيه ملك قائم، أو ملك ساجد، أو ملك راكع، فإذا كان يوم القيامة، قالوا جميعاً: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك، إلا أنا لم نشرك بك شيئاً»تفسير : . وقال محمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة: حدثنا عمرو بن زرارة، أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء عن سعيد عن قتادة عن صفوان بن محرز عن حكيم بن حزام قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه إذ قال لهم: «حديث : هل تسمعون ما أسمع؟» تفسير : قالوا: ما نسمع من شيء. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أسمع أطيط السماء، وما تلام أن تئط، ما فيها موضع شبر، إلا وعليه ملك راكع أو ساجد.»تفسير : وقال أيضاً: حدثنا محمد بن عبد الله بن قهزاذ، حدثنا أبو معاذ الفضل بن خالد النحوي، حدثنا عبيد ابن سليمان الباهلي، سمعت الضحاك بن مزاحم يحدث عن مسروق بن الأجدع عن عائشة: أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما في السماء الدنيا موضع قدم، إلا عليه ملك ساجد أو قائم، وذلك قول الملائكة: {وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ}» تفسير : وهذا مرفوع غريب جداً. ثم رواه عن محمود بن آدم عن أبي معاوية عن الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق عن ابن مسعود أنه قال: إن من السموات سماء ما فيها موضع شبر إلا وعليه جبهة ملك أو قدماه قائم، ثم قرأ: {أية : وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ} تفسير : [الصافات: 165 ــــ 166]. ثم قال: حدثنا أحمد بن سيار، حدثنا أبو جعفر محمد بن خالد الدمشقي المعروف بابن أمه، حدثنا المغيرة بن عمر بن عطية من بني عمرو بن عوف، حدثني سليمان ابن أيوب عن سالم بن عوف، حدثني عطاء بن زيد بن مسعود من بني الحبلي، حدثني سليمان بن عمرو بن الربيع من بني سالم، حدثني عبد الرحمن بن العلاء من بني ساعدة عن أبيه العلاء بن سعد، وقد شهد الفتح وما بعده: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوماً لجلسائه: «حديث : هل تسمعون ما أسمع؟» تفسير : قالوا: وما تسمع يا رسول الله؟ قال: «حديث : أطت السماء، وحق لها أن تئط، إنه ليس فيها موضع قدم إلا وعليه ملك قائم أو راكع أو ساجد، وقالت الملائكة: {وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ}» تفسير : وهذا إسناد غريب جداً. ثم قال: حدثنا إسحاق بن محمد بن إسماعيل الفروي، حدثنا عبد الملك بن قدامة عن عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن أبيه عن عبد الله بن عمر: أن عمر جاء، والصلاة قائمة، ونفر ثلاثة جلوس، أحدهم أبو جحش الليثي، فقال: قوموا فصلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام اثنان، وأبى أبو جحش أن يقوم، وقال: لا أقوم حتى يأتي رجل هو أقوى مني ذراعين، وأشد مني بطشاً، فيصرعني، ثم يدسّ وجهي في التراب، قال عمر: فصرعته ودسست وجهه في التراب، فأتى عثمان بن عفان فحجزني عنه، فخرج عمر مغضباً حتى انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : ما رأيك يا أبا حفص؟» تفسير : فذكر له ما كان منه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن رضى عمر رحمه، والله على ذلك لوددت أنك جئتني برأس الخبيث» تفسير : فقام عمر فوجه نحوه، فلما أبعد ناداه فقال: «حديث : اجلس حتى أخبرك بغناء الرب تبارك وتعالى عن صلاة أبي جحش، إن لله تعالى في السماء الدنيا ملائكة خشوعاً لا يرفعون رؤوسهم حتى تقوم الساعة، فإذا قامت، رفعوا رؤوسهم، ثم قالوا: ربنا ما عبدناك حق عبادتك، وإن لله في السماء الثانية ملائكة سجوداً لا يرفعون رؤوسهم حتى تقوم الساعة، فإذا قامت الساعة رفعوا رؤوسهم وقالوا: سبحانك ربنا ما عبدناك حق عبادتك.»تفسير : فقال له عمر: وما يقولون يا رسول الله؟ فقال: «حديث : أما أهل السماء الدنيا فيقولون: سبحان ذي الملك والملكوت، وأما أهل السماء الثانية فيقولون: سبحان ذي العزة والجبروت، وأما أهل السماء الثالثة فيقولون: سبحان الحي الذي لا يموت، فقلها يا عمر في صلاتك» تفسير : فقال عمر: يا رسول الله فكيف بالذي كنت علمتني وأمرتني أن أقوله في صلاتي؟ فقال: «حديث : قل هذا مرة، وهذا مرة» تفسير : وكان الذي أمره به أن يقوله: «حديث : أعوذ بعفوك من عقابك، وأعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بك منك جل وجهك» تفسير : هذا حديث غريب جداً، بل منكر نكارة شديدة، وإسحاق الفروي روى عنه البخاري، وذكره ابن حبان في الثقات، وضعفه أبو داود والنسائي والعقيلي والدارقطني، وقال أبو حاتم الرازي: كان صدوقاً، إلا أنه ذهب بصره، فربما لقن، وكتبه صحيحة، وقال مرة: هو مضطرب، وشيخه عبد الملك بن قدامة أبو قتادة الجمحي تكلم فيه أيضاً، والعجب من الإمام محمد بن نصر كيف رواه ولم يتكلم عليه، ولا عرف بحاله، ولا تعرض لضعف بعض رجاله، غير أنه رواه من وجه آخر عن سعيد بن جبير مرسلاً بنحوه، ومن طريق أخرى عن الحسن البصري مرسلاً قريباً منه، ثم قال محمد بن نصر: حدثنا محمد ابن عبد الله بن قهزاذ، أخبرنا النضر، أخبرنا عباد بن منصور قال: سمعت عدي بن أرطاة، وهو يخطبنا على منبر المدائن، قال: سمعت رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن لله تعالى ملائكة ترعد فرائصهم من خيفته، ما منهم ملك تقطر منه دمعة من عينه، إلا وقعت على ملك يصلي، وإن منهم ملائكة سجوداً منذ خلق الله السموات والأرض، لم يرفعوا رؤوسهم، ولا يرفعونها إلى يوم القيامة، وإن منهم ملائكة ركوعاً لم يرفعوا رؤوسهم منذ خلق الله السموات والأرض، ولا يرفعونها إلى يوم القيامة، فإذا رفعوا رؤوسهم، نظروا إلى وجه الله عز وجل قالوا: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك» تفسير : وهذا إسناد لا بأس به. وقوله تعالى: {وَمَا هِىَ إِلاَّ ذِكْرَىٰ لِلْبَشَرِ} قال مجاهد وغير واحد: {وَمَا هِى} أي: النار التي وصفت {إِلاَّ ذِكْرَىٰ لِلْبَشَرِ} ثم قال تعالى: { كَلاَّ وَٱلْقَمَرِ وَٱلَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ } أي: ولى { وَٱلصُّبْحِ إِذَآ أَسْفَرَ} أي: أشرق { إِنَّهَا لإِحْدَى ٱلْكُبَرِ} أي: العظائم، يعني: النار، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك وغير واحد من السلف { نَذِيراً لِّلْبَشَرِ لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ } أي: لمن شاء أن يقبل النذارة ويهتدي للحق، أو يتأخر عنها ويولي ويردها.

المحلي و السيوطي

تفسير : قال تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَٰبَ ٱلنَّارِ إِلاَّ مَلَئِكَةً } أي فلا يطاقون كما يتوهمون {وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ } ذلك {إِلاَّ فِتْنَةً } ضلالاً {لِلَّذِينَ كَفَرُواْ } بأن يقولوا لم كانوا تسعة عشر؟ {لِيَسْتَيْقِنَ } ليستبين {ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ } أي اليهود صِدق النبي صلى الله عليه وسلم أنها تسعة عشر الموافق لما في كتابهم {وَيَزْدَادَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ } من أهل الكتاب {إِيمَٰناً } تصديقاً لموافقة ما أتى به النبي صلى الله عليه وسلم لما في كتابهم {وَلاَ يَرْتَابَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْمُؤْمِنُونَ } من غيرهم في عدد الملائكة {وَلِيَقُولَ ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ } شك بالمدينة {وَٱلْكَٰفِرُونَ } بمكة {مَاذَا أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَٰذَا } العدد {مَثَلاً } سموه لغرابته بذلك وأعرب حالاً {كَذٰلِكَ } أي مثل إضلال منكر هذا العدد وهدى مصدِّقه {يُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِى مَن يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ } أي الملائكة في قوّتهم وأعوانهم {إِلاَّ هُوَ وَمَا هِىَ } أي سقر {إِلاَّ ذِكْرَىٰ لِلْبَشَرِ }.

الشوكاني

تفسير : لما نزل قوله سبحانه: {أية : عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ } تفسير : [المدثر: 30] قال أبو جهل: أما لمحمد من الأعوان إلاّ تسعة عشر يخوّفكم محمد بتسعة عشر، وأنتم الدهم، أفيعجز كل مائة رجل منكم أن يبطشوا بواحد منهم، ثم يخرجون من النار؟ فقال أبو الأشدّ، وهو رجل من بني جمح: يا معشر قريش إذا كان يوم القيامة، فأنا أمشي بين أيديكم، فأدفع عشرة بمنكبي الأيمن، وتسعة بمنكبي الأيسر، ونمضي ندخل الجنة، فأنزل الله: {وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَـٰبَ ٱلنَّارِ إِلاَّ مَلَـئِكَةً } يعني: ما جعلنا المدبرين لأمر النار القائمين بعذاب من فيها إلاّ ملائكة، فمن يطيق الملائكة ومن يغلبهم، فكيف تتعاطون أيها الكفار مغالبتهم. وقيل: جعلهم ملائكة؛ لأنهم خلاف جنس المخلوقين من الجنّ والإنس، فلا يأخذهم ما يأخذ المجالس من الرقة والرأفة. وقيل: لأنهم أقوم خلق الله بحقه والغضب له، وأشدهم بأساً وأقواهم بطشاً {وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً } أي: ضلالة لِلَّذِينَ استقلوا عددهم، ومحنة لهم، والمعنى: ما جعلناهم عددهم هذا العدد المذكور في القرآن إلاّ ضلالة ومحنة لهم، حتى قالوا ما قالوا، ليتضاعف عذابهم ويكثر غضب الله عليهم. وقيل: معنى {إِلاَّ فِتْنَةً } إلاّ عذاباً، كما في قوله: {أية : يَوْمَ هُمْ عَلَى ٱلنَّارِ يُفْتَنُونَ } تفسير : [الذاريات: 13] أي: يعذبون، واللام في قوله: {لِيَسْتَيْقِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ } متعلق بـ {جعلنا}، والمراد بأهل الكتاب: اليهود والنصارى لموافقة ما نزل من القرآن بأن عدّة خزنة جهنم تسعة عشر لما عندهم. قاله قتادة، والضحاك، ومجاهد، وغيرهم، والمعنى: أن الله جعل عدّة الخزنة هذه العدّة؛ ليحصل اليقين لليهود والنصارى بنبوّة محمد صلى الله عليه وسلم لموافقة ما في القرآن لما في كتبهم. {وَيَزْدَادَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِيمَـٰناً } وقيل: المراد الذين آمنوا من أهل الكتاب كعبد الله بن سلام. وقيل: أراد الذين آمنوا المؤمنين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، والمعنى: ليزدادوا يقيناً إلى يقينهم لما رأوا من موافقة أهل الكتاب لهم، وجملة {وَلاَ يَرْتَابَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْمُؤْمِنُونَ } مقرّرة لما تقدّم من الاستيقان وازدياد الإيمان، والمعنى: نفي الارتياب عنهم في الدّين، أو في أن عدّة خزنة جهنم تسعة عشر، ولا ارتياب في الحقيقة من المؤمنين، ولكنه من باب التعريض لغيرهم ممن في قلبه شك {وَلِيَقُولَ ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَٱلْكَـٰفِرُونَ مَاذَا أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً } المراد بالذين في قلوبهم مرض: هم المنافقون؛ والسورة وإن كانت مكية، ولم يكن إذ ذاك نفاق، فهو إخبار بما سيكون في المدينة، أو المراد بالمرض مجرّد حصول الشكّ والريب، وهو كائن في الكفار. قال الحسين بن الفضل: السورة مكية، ولم يكن بمكة نفاق، فالمرض في هذه الآية الخلاف، والمراد بقوله: {وَٱلْكَـٰفِرُونَ } كفار العرب من أهل مكة، وغيرهم، ومعنى {مَاذَا أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً }: أيّ شيء أراد بهذا العدد المستغرب استغراب المثل. قال الليث: المثل الحديث، ومنه قوله: {أية : مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ }تفسير : [الرعد: 35] أي: حديثها، والخبر عنها {كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَاء } أي: مثل ذلك الإضلال المتقدّم ذكره، وهو قوله: {وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لّلَّذِينَ كَفَرُواْ }. {يُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَاء } من عباده، والكاف نعت مصدر محذوف {وَيَهْدِى مَن يَشَاء } من عباده، والمعنى: مثل ذلك الإضلال للكافرين والهداية للمؤمنين، يضلّ الله من يشاء إضلاله ويهدي من يشاء هدايته. وقيل المعنى: كذلك يضلّ الله عن الجنة من يشاء، ويهدي إليها من يشاء. {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبّكَ إِلاَّ هُوَ } أي: ما يعلم عدد خلقه، ومقدار جموعه من الملائكة، وغيرهم إلاّ هو وحده لا يقدر على علم ذلك أحد. وقال عطاء: يعني من الملائكة الذين خلقهم لتعذيب أهل النار لا يعلم عدّتهم إلاّ الله، والمعنى: أن خزنة النار، وإن كانوا تسعة عشر، فلهم من الأعوان والجنود من الملائكة ما لا يعلمه إلاّ الله سبحانه. ثم رجع سبحانه إلى ذكر سقر فقال: {وَمَا هِىَ إِلاَّ ذِكْرَىٰ لِلْبَشَرِ } أي: وما سقر، وما ذكر من عدد خزنتها إلاّ تذكرة وموعظة للعالم. وقيل: {وَمَا هِىَ } أي: الدلائل والحجج والقرآن إلاّ تذكرة للبشر. وقال الزجاج: نار الدنيا تذكرة لنار الآخرة، وهو بعيد. وقيل: {مَا هِىَ } أي: عدّة خزنة جهنم إلاّ تذكرة للبشر؛ ليعلموا كمال قدرة الله، وأنه لا يحتاج إلى أعوان وأنصار. وقيل: الضمير في {وَمَا هِىَ } يرجع إلى الجنود. ثم ردع سبحانه المكذبين وزجرهم فقال: {كَلاَّ وَٱلْقَمَرِ } قال الفراء: {كلا} صلة للقسم، التقدير، أي: والقمر. وقيل المعنى: حقاً والقمر. قال ابن جرير: المعنى ردّ زعم من زعم أنه يقاوم خزنة جهنم أي: ليس الأمر كما يقول، ثم أقسم على ذلك بالقمر وبما بعده، وهذا هو الظاهر من معنى الآية. {وَٱلَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ } أي: ولى. قرأ الجمهور: "إذا" بزيادة الألف، دبر بزنة ضرب على أنه ظرف لما يستقبل من الزمان، وقرأ نافع، وحفص، وحمزة: {إذ} بدون ألف، أدبر بزنة أكرم ظرف لما مضى من الزمان ودبر، وأدبر لغتان، كما يقال: أقبل الزمان وقبل الزمان، يقال: دبر الليل وأدبر: إذا تولى ذاهباً. {وَٱلصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ } أي: أضاء وتبين {إِنَّهَا لإِحْدَى ٱلْكُبَرِ } هذا جواب القسم، والضمير راجع إلى سقر، أي: إنّ سقر لإحدى الدواهي، أو البلايا الكبر، والكبر جمع كبرى، وقال مقاتل: إن الكبر اسم من أسماء النار. وقيل: إنها أي: تكذبيهم لمحمد لإحدى الكبر. وقيل: إن قيام الساعة لإحدى الكبر، ومنه قول الشاعر:شعر : يابن المعلى نزلت إحدى الكبر داهية الدهر وصماء الغير تفسير : قرأ الجمهور: {لإحدى} بالهمزة، وقرأ نصر بن عاصم، وابن محيصن، وابن كثير في رواية عنه: "إنها لحدى" بدون همزة. وقال الكلبي: أراد بالكبر دركات جهنم وأبوابها. {نَذِيراً لّلْبَشَرِ } انتصاب {نذيراً} على الحال من الضمير في {إنها}، قاله الزجاج. وروي عنه، وعن الكسائي، وأبي عليّ الفارسي أنه حال من قوله: {أية : قُمْ فَأَنذِرْ }تفسير : [المدثر: 2] أي: قم يا محمد فأنذر حال كونك نذيراً للبشر. وقال الفراء: هو مصدر بمعنى الإنذار منصوب بفعل مقدّر. وقيل: إنه منتصب على التمييز لإحدى لتضمنها معنى التنظيم كأنه قيل: أعظم الكبر إنذاراً، وقيل: إنه مصدر منصوب بأنذر المذكور في أوّل السورة. وقيل: منصوب بإضمار أعني، وقيل: منصوب بتقدير ادع. وقيل: منصوب بتقدير ناد أو بلغ. وقيل: إنه مفعول لأجله، والتقدير: وإنها لإحدى الكبر؛ لأجل إنذار البشر. قرأ الجمهور بالنصب، وقرأ أبيّ بن كعب، وابن أبي عبلة بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هي نذير، أو هو نذير. وقد اختلف في النذير، فقال الحسن: هي النار. وقيل: محمد صلى الله عليه وسلم. وقال أبو رزين: المعنى أنا نذير لكم منها، وقيل: القرآن نذير للبشر لما تضمنه من الوعد والوعيد {لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ } هو بدل من قوله: {لّلْبَشَرِ } أي: نذيراً لمن شاء منكم أن يتقدّم إلى الطاعة أو يتأخر عنها، والمعنى: أن الإنذار قد حصل لكل من آمن وكفر، وقيل: فاعل المشيئة هو الله سبحانه، أي: لمن شاء الله أن يتقدّم منكم بالإيمان أو يتأخر بالكفر، والأوّل أولى. وقال السديّ: لمن شاء منكم أن يتقدّم إلى النار المتقدم ذكرها، أو يتأخر إلى الجنة. وقد أخرج ابن جرير، وابن مردويه عن ابن عباس قال: لما سمع أبو جهل {عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ }. قال لقريش: ثكلتكم أمهاتكم، أسمع ابن أبي كبشة يخبركم أن خزنة جهنم تسعة عشر وأنتم الدّهم، أفيعجز كل عشرة منكم أن يبطش برجل من خزنة جهنم؟ وأخرج ابن مردويه عنه في قوله: {وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لّلَّذِينَ كَفَرُواْ } قال: قال أبو الأشدّ: خلوا بيني وبين خزنة جهنم أنا أكفيكم مؤنتهم، قال: وحدّثت أن النبيّ صلى الله عليه وسلم وصف خزّان جهنم فقال: «حديث : كأن أعينهم البرق، وكأن أفواههم الصياصي يجرّون أشعارهم، لهم مثل قوّة الثقلين، يقبل أحدهم بالأمة من الناس يسوقهم على رقبته جبل حتى يرمي بهم في النار فيرمي بالجبل عليهم»تفسير : . وأخرج الطبراني في الأوسط، وأبو الشيخ عن أبي سعيد الخدري: «حديث : أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حدّثهم عن ليلة أسري به قال: فصعدت أنا وجبريل إلى السماء الدنيا، فإذا أنا بملك يقال له: إسماعيل، وهو صاحب سماء الدنيا، وبين يديه سبعون ألف ملك مع كل ملك جنده مائة ألف، وتلا هذه الآية {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبّكَ إِلاَّ هُوَ }»تفسير : . وأخرج أحمد عن أبي ذرّ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أطت السماء، وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أصبع إلاّ عليه ملك ساجد»تفسير : وأخرجه الترمذي، وابن ماجه. قال الترمذي: حسن غريب، ويروى عن أبي ذرّ موقوفاً. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس: {إِذْ أَدْبَرَ } قال: دبور ظلامه. وأخرج مسدّد في مسنده، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: سألت ابن عباس عن قوله: {وَٱلَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ } فسكت عني حتى إذا كان من آخر الليل وسمع الأذان، ناداني يا مجاهد هذا حين دبر الليل. وأخرج ابن جرير عنه في قوله: {لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ } قال: من شاء اتبع طاعة الله ومن شاء تأخر عنها.

الماوردي

تفسير : {وما جَعَلْنَا أصحابَ النارِ إلا ملائكةً وما جعلْنا عدَّتهم إلا فِتْنةً للذين كَفَروا} وروى ابن جريج أن النبي صلى الله عليه وسلم نعت خزنة جهنم فقال: كأن أعينهم البرق، وكأن أفواههم الصياصي، يجرون شعورهم، لأحدهم مثل قوة الثقلين، يسوق أحدهم الأمة وعلى رقبته جبل فيرمي بهم في النار، ويرمي الجبل عليهم. {ليَسْتَيْقِنَ الذين أُوتوا الكتابَ} فيه وجهان: أحدهما: ليستيقنوا عدد الخزنة لموافقة التوراة والإنجيل، قاله مجاهد. الثاني: ليستيقنوا أن محمداً نبي لما جاء به من موافقة عدة الخزنة. {ويَزْدادَ الذين آمَنوا إيماناً} بذلك، قاله جريج. {وما هي إلا ذِكْرى للبَشَرِ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: وما نار جهنم إلا ذكرى للبشر، قاله قتادة. الثاني: وما هذه النار في الدنيا إلا تذكرة لنار الآخرة، حكاه ابن عيسى. الثالث: وما هذه السورة إلا تذكرة للناس، قاله ابن شجرة. {كلا والقَمرِ} الواو في " والقمر" واو القسم، أقسم الله تعالى به، ثم أقسم بما بعده فقال: {والليلِ إذا أَدْبَرَ} فيه وجهان: أحدهما: إذ ولّى، قاله ابن عباس. الثاني: إذ أقبل عند إدبار النهار قاله أبو عبيدة، وقرأ الحسن وأبو عبد الرحمن إذا دبر، وهي قراءة ابن مسعود وأُبي بن كعب. واختلف في أدبر ودبر على قولين: - أحدهما: أنهما لغتان ومعناهما واحد، قاله الأخفش. - الثاني: أن معناهما مختلفان، وفيه وجهان: أحدهما: أنه دبر إذا خلقته خلفك، وأدبر إذا ولى أمامك، قاله أبو عبيدة. الثاني: أنه دبر إذا جاء بعد غيره وعلى دبر، وأدبر إذا ولى مدبراً، قاله ابن بحر. {والصُّبْحِ إذا أَسْفَرَ} يعني أضاء وهذا قسم ثالث. {إنها لإحْدَى الكُبَرِ} فيها ثلاثة تأويلات: أحدها: أي أن تكذيبهم بمحمد صلى الله عليه وسلم لإحدى الكبر، أي الكبيرة من الكبائر، قاله ابن عباس. الثاني: أي أن هذه النار لإحدى الكبر، أي لإحدى الدواهي. الثالث: أن هذه الآية لإحدى الكبر، حكاه ابن عيسى. ويحتمل رابعاً: أن قيام الساعة لإحدى الكبر، والكُبَرُ هي العظائم والعقوبات والشدائد، قال الراجز: شعر : يا ابن المُغَلّى نزلتْ إحدى الكُبَرْ داهية الدهرِ وصَمّاءُ الغِيَرْ. تفسير : {نذيراً للبشر} فيه وجهان: أحدهما: أن محمداً صلى الله عليه وسلم نذير للبشر حين قاله له " قم فأنذر" قاله ابن زيد. الثاني: أن النار نذير للبشر، قال الحسن: والله ما أنذر الخلائق قط بشيء أدهى منها. ويحتمل ثالثاً: أن القرآن نذير للبشر لما تضمنه من الوعد والوعيد. {لمن شاءَ منكم أن يتقدّم أو يتأَخّرَ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن يتقدم في طاعة الله، أو يتأخر عن معصية الله، وهذا قول ابن جريج. الثاني: أن يتقدم في الخير أو يتأخر في الشر، قاله يحيى بن سلام. الثالث: أن يتقدم إلى النار أو يتأخر عن الجنة، قاله السدي. ويحتمل رابعاً: لمن شاء منكم أن يستكثر أو يقصر، وهذا وعيد وإن خرج مخرج الخبر.

ابن عطية

تفسير : قوله تعالى: {كذلك يضل الله من يشاء} أي بهذه الصفة وهذا الرّين على القلوب يضل، ثم أخبر تعالى أنه {يهدي من يشاء} من المؤمنين لما ورد بذلك لعلمهم بالقدرة ووقوف عقولهم على كنه سلطان الله تعالى، فهم موقنون متصورون صحة ما أخبرت به الأنبياء وكتب الله تعالى، ثم قال: {وما يعلم جنود ربك إلا هو} إعلاماً بأن الأمر فوق ما يتوهم وأن الخبر إنما هو عن بعض القدرة لا عن كلها، والسماء كلها عامرة بأنواع من الملائكة كلهم في عبادة متصلة وخشوع دائم وطاعة لا فترة في شيء من ذلك ولا دقيقة واحدة. وقوله تعالى: {وما هي إلا ذكرى للبشر} قال مجاهد الضمير في قوله {وما هي} للنار المذكورة، أي يذكرها البشر فيخافونها فيطيعون الله تعالى. وقال بعض الحذاق: قوله تعالى: {ما هي}، يراد بها الحال والمخاطبة والنذارة، قال الثعلبي: وقيل {وما هي}، يراد نار الدنيا، أي إن هذه تذكرة للبشر بنار الآخرة، وقوله عز وجل: {كلا} رد على الكافرين وأنواع الطاغين على الحق، ثم أقسم بـ {القمر}، تخصيص تشريف وتنبيه على النظر في عجائبه وقدرة الله تعالى في حركاته المختلفة التي هي مع كثرتها واختلافها علىنظام واحد لا يختل، وكذلك هو القسم بـ {الليل} وبـ {الصبح}، فيعود التعظيم في آخر الفكرة وتحصيل المعرفة إلى الله تعالى مالك الكل وقوام الوجود ونور السماء والأرض، لا إله إلا هو العزيز القهار. وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو والكسائي وأبو بكر عن عاصم: "إذ أدَبَر" بفتح الدال والباء، وهي قراءة ابن عباس وابن المسيب وابن الزبير ومجاهد وعطاء ويحيى بن يعمر وأبي جعفر وشيبة وأبي الزناد وقتادة وعمر بن عبد العزيز والحسن وطلحة. وقرأ نافع وحمزة وحفص عن عاصم، "إذا أدْبر" بسكون الدال وبفعل رباعي، وهي قراءة سعيد بن جبير وأبي عبد الرحمن والحسن بخلاف عنهم والأعرج وأبي شيخ وابن محيصن وابن سيرين، قال يونس بن حبيب: "دبر" معناه انقضى و "أدبر" معناه تولى. وفي مصحف ابن مسعود وأبيّ بن كعب "إذ أدَبر" بفتح الدال وألف وبفعل رباعي وهي قراءة الحسن وأبي رزين وأبي رجاء ويحيى بن يعمر. وسأل مجاهد ابن عباس عن دبر الليل فتركه حتى إذا سمع المنادي الأول للصبح قال له: يا مجاهد، هذا حين دبر الليل، وقال قتادة: دبر الليل ولى. قال الشاعر [الأصمعي]: [الكامل] شعر : وأبي الذي ترك الملوك وجمعهم بهضاب هامدة كأمس الدابر تفسير : والعرب تقول في كلامها كأمس المدبر، قال أبو علي الفارسي: فالقراءتان جميعاً حسنتان و "أسفر الصبح" أضاء وانتشر ضوءه قبل طلوع الشمس بكثير والإسفار رتب أول ووسط وآخر، ومن هذه اللفظة السَّفر، والسفر بفتح السين، والسفير وسفرت المرأة عن وجهها كلها ترجع إلى معنى الظهور والانجلاء، وقرأ عيسى بن الفضيل وابن السميفع: "إذا اسفر"، فكأن المعنى طرح الظلمة عن وجهه وضعفها أبو حاتم، وقوله تعالى: {إنها لإحدى الكبر} قال قتادة وأبو رزين وغيره: الضمير لجهنم، ويحتمل أن يكون الضمير للنذارة، وأمر الآخرة فهو للحال والقصة، وتكون هذه الآية مثل قوله عز وجل {أية : قل هو نبأ عظيم أنتم عنه معرضون} تفسير : [ص: 68]، و {الكبر}، جمع كبيرة، وقرأ جمهور القراء "لإحدى" بهمزة في ألف إحدى، وروي عن ابن كثير أنه قرأ "لاحدى" دون همزة، وهي قراءة نصر بن عاصم، قال أبو علي: التخفيف في {لإحدى الكبر}، أن تجعل الهمزة فيها بين بين، فأما حذف الهمزة فليس بقياس وقد جاء حذفها. قال أبو الأسود الدؤلي: [الكامل] شعر : يا أبا المغيرة رب أمر معضل فرجته بالنكر مني والدّها تفسير : وأنشد ثعلب: [الكامل] شعر : إن لم أقاتل فالبسوني برقعا وفتخات في اليدين أربعا تفسير : وقوله تعالى: {نذيراً للبشر} قال الحسن بن أبي الحسن: لا نذير إذ هي من النار. وهذا القول يقتضي أن {نذيراً} حال من الضمير في {إنها}. أو من قوله {لإحدى}، وكذلك أيضاً على الاحتمال في أن تكون {إنها} يراد بها قصة الآخرة وحال العالم، وقال أبو رزين: الله جل ذكره هو النذير، فهذا القول يقتضي أن {نذيراً} معمول الفعل تقديره: ليس نذيراً للبشر أو ادعوا نذيراً للبشر، وقال ابن زيد محمد عليه السلام هو النذير: فهذا القول يقتضي أن {نذيراً} معمول لفعل. وهذا اختيار الخليل في هذه الآية ذكره الثعلبي قال: ولذلك يوصف به المؤنث، وقرأ ابن أبي عبلة "نذيرٌ" بالرفع على إضمار هو، وقوله تعالى: {لمن يشاء منكم أن يتقدم أو يتأخر}، قال الحسن هو وعيد نحو قوله تعالى: {أية : فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} تفسير : [الكهف: 29]، وقوله تعالى: {أية : ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين} تفسير : [الحجر: 24]. قال القاضي أبو محمد: هو بيان في النذارة وإعلام أن كل أحد يسلك طريق الهدى والحق إذا حقق النظر، اي هو بعينه يتأخر عن هذه الرتبة بغفلته وسوء نظره ثم قوي هذا المعنى بقوله: {كل نفس بما كسبت رهينة} إذ ألزم بهذا القول أن المقصر مرتهن بسوء عمله. وقال الضحاك: المعنى كل نفس حقت عليها كلمة العذاب، ولا يرتهن تعالى أحداً من أهل الجنة إن شاء الله، والهاء في {رهينة} للمبالغة، أو على تأنيث اللفظ لا على معنى الإنسان وقوله تعالى: {إلا أصحاب اليمين} استثناء ظاهر الانفصال، وتقديره لكن أصحاب اليمين، وذلك لأنهم لم يكتسبوا ما هم به مرتهنون، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: {أصحاب اليمين} في هذه الآية، أطفال المسلمين، وقال ابن عباس: هم الملائكة، وقال الضحاك: هم الذين سبقت لهم من الله الحسنى، وقال الحسن وابن كيسان: هم المسلمون المخلصون وليسوا بمرتهنين، ثم ذكر تعالى حال {أصحاب اليمين} وأنهم في جنات يسأل بعضهم بعضاً عمن غاب من معارفه، فإذا علموا أنهم مجرمون في النار، قالوا لهم أو قالت الملائكة: {ما سلككم في سقر}؟ وسلك معناه: أدخل، ومنه قول أبي وجزة السعدي: شعر : حتى سلكن الشوى منهن في مسك من نسل جوابة الآفاق مهداج

ابن عبد السلام

تفسير : {وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَابَ النَّارِ} ولما وصفهم الرسول صلى الله عليه وسلم قال: " حديث : كأن أعينهم البرق وكأنّ أفواههم الصياصي يجرون شعورهم لأحدهم مثل قوّة الثقلين يسوق أحدهم الأمّة على رقبته [جبل] فيرمي بهم في النار ويرمي الجبل عليهم "تفسير : . {لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ} نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم أو عدد الخزنة لموافقة ذلك لما في التوراة والإنجيل {وَيَزْدَادَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ} بذلك إيماناً {وَمَا هِىَ} وما نار جهنم إلاّ ذكر، أو ما نار الدنيا إلاّ تذكرة لنار الآخرة أو ما هذه السورة إلاّ تذكرة للناس.

ابن عادل

تفسير : قوله: {وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَابَ ٱلنَّارِ إِلاَّ مَلاَئِكَةً}. روي أن أبا جهل لما نزل قول الله تعالى: {أية : عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ}تفسير : [المدثر: 30] قال: أيعجز كل مائة ان يبطشوا بواحدٍ منهم ثم يخرجون من النار؛ فنزل قوله عز وجل: {وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَابَ ٱلنَّارِ إِلاَّ مَلاَئِكَةً} أي: لم نجعلهم رجالاً فتغالبوهم. وقيل: جعلهم ملائكة لأنهم خلاف المعذبين من الجن والإنس، فلا تأخذهم مآخذ المجانس من الرقة والرأفة، ولا يستريحون إليهم، ولأنهم أشد الخلق بأساً، وأقواهم بطشاً، ولذلك جعل - تعالى - الرسول إلى البشر من جنسهم ليكون رأفة ورحمة بنا. وقيل: لأنَّ قوتهم أعظم من قوة الإنس والجن. فإن قيل: ثبت في الأخبار أنَّ الملائكة مخلوقون من النور، والمخلوق من النور كيف يطيق المكث في النار؟. فالجواب: أن الله - تعالى - قادر على كل الممكنات، فكما أنه لا استبعاد في [إبقاء الحي في مثل ذلك العذاب أبد الآباد ولا يموت، فكذا لا استبعاد] في بقاء الملائكة هناك من غير ألم. قوله {وَمَا جَعَلْنَآ عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ}. أي: بليّة. روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: المعنى: ضلالة للذين كفروا. وقوله تعالى {فِتْنَةً} مفعول ثانٍ على حذف مضاف، أي إلا سبب فتنة، و "الذين" صفة لـ"فتنة"، وليست "فتنة" مفعولاً له. فصل في علة ذكر العدد. قال ابن الخطيب: هذا العدد إنَّما صار سبباً لفتنة الكفار من وجهين: الأول: أن الكفار يستهزئون ويقولون: لم لم يكونوا عشرين، وما المقتضي لتخصيص هذا العدد؟. والثاني: أن الكفار يقولون: هذا العدد القليل، كيف يكونون وافين بتعذيب أكثر خلق العالم من الجن والإنس من أول ما خلقهم الله إلى قيام القيامة؟. والجواب عن الأول: أن هذا السؤال لازمٌ على كل عددٍ يفرض. وعن الثاني: أنه لا يبعد أن الله يزرق ذلك العدد القليل قوة تفي بذلك، فقد اقتلع جبريل - صلوات الله وسلامه عليه - مدائن قوم لوطٍ على أحدِ جناحيه، ورفعها إلى السماء حتى سمع أهل السماء صياح ديكتهم، ثم قلبها وجعل عاليها سافلها. وأيضاً: فأحوال القيامة لا تقاس بأحوال الدنيا، ولا للعقل فيها مجال. فصل في أن الله تعالى يريد الفتنة. دلت هذه الآية على أن الله - تعالى - يريد الفتنة. وأجاب الجبائي: بأن المراد من الفتنة تشديدُ التعبد ليستدلوا على أنه - تعالى - قادرٌ على تقوية هؤلاء التسعة عشر على ما لا يقوى عليه مائةُ ألفِ ملكٍ أقوياء. وأجاب الكعبي: بأن المراد من الفتنة الامتحانُ حتَّى يفوضَ المؤمنون حكمة التخصيص بالعدد المعين إلى علم الله تعالى، وهذا من المتشابه الذي أمروا بالإيمان به، أو يكون المراد من الفتنة ما وقعوا فيه من الكفر بسبب تكذيبهم بعدد الخزنة، وحاصله ترك الألطاف. والجواب: أن نقول: هل لا يزال لهذه المتشابهات أثرٌ في تقوية داعية الكفر أم لا؟ فإن لم يكن له أثرٌ في تقوية داعية الكفر لم يكن إنزال هذه المتشابهات فتنة للذين كفروا ألبتة وإن كان له أثرٌ في تقوية داعية الكفر، فقد حصل المقصود؛ لأنه إذا ترجَّحت داعية الفعل صارت داعيةُ الترك مرجوحة، والمرجوح يمتنع تأثيره، فيكون الترك ممتنع الوقوع، فيصير الفعل واجب الوقوع. والله أعلم. قوله تعالى: {لِيَسْتَيْقِنَ ٱلَّذِينَ}. متعلق بـ"جعلنا" لا بـ "فتنة". وقيل: بفعل مضمر، أي: فعلنا ذلك ليستيقن. فصل في المراد بالآية معنى الكلام: ليُوقنَ الذين أعطوا التوراة والإنجيل أن عدَّة خزنة جهنَّم مُوافقةٌ لما عندهم. قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك وغيرهم. ثم يحتمل أن يريد الذين آمنوا منهم كعبد الله بن سلام، ويحتمل أن يريد الكُلَّ، {وَيَزْدَادَ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِيمَاناً} لتصديقهم بعدد خزنة النار. قال ابن الخطيب: فإن قيل: حقيقة الإيمان عندكم لا تقبل الزيادة والنقصان، فما قولكم في هذه الآية؟. فالجواب: نحملُه على ثمرات الإيمان، وعلى آثاره ولوازمه. قوله تعالى: {وَلاَ يَرْتَابَ}، أي: ولا يشك {ٱلَّذِينَ أُوتُواْ} أي: أعطُوا {ٱلْكِتَابَ وَٱلْمُؤْمِنُونَ} أي: المُصدِّقُون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في أنَّ خزنة جهنَّم تسعة عشر. فإن قيل: لما أثبت الاستيقان لأهل الكتاب، وأثبت زيادة الإيمان للمؤمنين، فما الفائدة في قوله تعالى بعد ذلك: {وَلاَ يَرْتَابَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا ٱلْكِتَابَ وَٱلْمُؤْمِنُونَ}؟. فالجواب: أن الإنسان إذا اجتهد في أمرٍ غامضٍ دقيقِ الحُجَّة كثير الشُّبه، فحصل له اليقين، فربَّما غفل عن مقدمةٍ من مقدِّمات ذلك الدليل الدقيق، فيعود الشرك، فإثبات اليقين في بعض الأحوال لا ينافي طريان الارتياب بعد ذلك، ففائدة هذه الإعادة نفي ذلك الشكِّ، وأنه حصل له يقينٌ جازمٌ، لا يحصل عقيبه شكٌّ ألبتة. قوله تعالى: {وَلِيَقُولَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ}، أي: في صدورهم شكٌّ ونفاقٌ من منافقي أهل "المدينة" الذين يجيئون في مستقبل الزمان بعد الهجرة، وهذا إخبار عما سيكون، ففيه معجزة {وَٱلْكَافِرُونَ} أي: اليهود والنصارى {مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً} يعني: بعدد خزنةِ جهنَّم، وهذا قول أكثر المفسرين. وقال الحسن بن الفضل: السورة مكيّة، ولم يكن بـ"مكة" نفاقٌ، فالمرض في هذه الآية الخلاف، والمراد بالكافرين: مشركو العرب، ويجوز أن يُراد بالمرض الشكُّ والارتياب لأن أهل "مكة" كان أكثرهم مشركين، وبعضهم قاطعين بالكذب، وقوله تعالى إخباراً عنهم: {مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً}؟ أي: هذا العدد الذي ذكره حديثاً، أي ما هذا من الحديث. قال الليث رحمه الله: المثل الحديث، ومنه: {أية : مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ}تفسير : [محمد: 15]، أي حديثها والخبر عنها. وقال ابن الخطيب: إنما سمَّوه مثلاً؛ لأنه لمَّا كان هذا العدد عدداً عجيباً ظن القوم أنه رُبَّما لم يكن مراداً لله منه ما أشعر به ظاهره بل جعله مثلاً لشيء آخر تنبيهاً على مقصود آخر - لا جَرمَ سمَّوه مثلاً - لأنهم لمَّا اسغربوه ظنُّوا أنه ضرب مثلاً لغيره، و "مَثَلاً" تمييزٌ أو حالٌ، وتسمية هذا مثلاً على سبيل الاستعارة لغرابته. فصل في لام: "وليقول" "اللام" في قوله تعالى: {وَلِيَقُولَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} جار على أصول أهل السُّنة؛ لأن ذلك مراد، وعند المعتزلة: هي لام العاقبة، ونسبوه إلى الله - عز وجل - مع أنهم ينكرون ذلك، إما على سبيل التَّهكُّم، وإما على ما يقولونه. قوله: {كَذَلِكَ}: نعتٌ لمصدر، أو حالٌ منه على ما عرف، وذلك إشارة إلى ما تقدم من الإضلال والهدي أي: مثل ذلك الإضلالِ والهدى {يُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ} كإضلال الله أبا جهل وأصحابه المنكرين لخزنة جهنم "يُضِلُّ" أي: يُعمي ويُخزي من يشاء، ويهدي من يشاء أي ويرشد من يشاء كإرشاد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه الآية تدل على مذهب أهل السنة؛ لأنه - تعالى - قال في أول هذه الآية: {وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ} وقال - جل ذكره - في آخر الآية: {وَلِيَقُولَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَٱلْكَافِرُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً}، ثم قال سبحانه: {كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ}. وأما المعتزلة فذكروا تأويلاتهم المشهورة، وتقدم أجوبتها. قوله: {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ}، "جُنُود ربِّك": مفعولٌ واجبُ التقديم لحصر فاعله ولعود الضمير على ما اتصل بالمفعول. فصل في تفسير الآية أي: وما يدري عدد ملائكة ربك الذين خلقهم لتعذيب أهل النار "إلاَّ هُوَ" أي: الله عز وجل، وهذا جواب لأبي جهل حين قال: ما لإله محمد صلى الله عليه وسلم من الجنود إلاَّ تسْعةَ عشرَ إلاَّ أنَّ لكلِّ واحد منهم من الأعوان والجنود ما لا يعلم عددهم إلا هو، ويحتمل أن يكون المعنى {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ} لفرط كثرتها {إِلاَّ هُوَ} فلا يعز عليه تتميم الخزنة عشرين، ولكن له في هذا العدد حكمة لا يعلمها الخلق، وهو جل جلاله يعلمها. ويكون المعنى: أنه لا حاجة بالله - سبحانه - في تعذيب الكفار والفساق إلى هؤلاء الخزنة، بل هو الذي يعذِّبهم في الحقيقة، وهو الذي يخلق الألم فيهم، ولو أنه - تعالى - قلب شعرة في عين ابن آدم أو سلط الألم على عرق واحد من عروق بدنه لكفاه ذلك بلاء ومحنة، فلا يلزم من تقليل عدد الخزنة قلَّةُ العذاب فجنود الله تعالى غير متناهية لأن مقدوراته غير متناهية قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أطَّتِ السَّماءُ وحَقَّ لَهَا أن تَئِطَّ، مَا فيهَا مَوضع أرْبعِ أصَابعَ إلاَّ وفِيهَا مَلكٌ سَاجِدٌ ". تفسير : قوله جل ذكره: {وَمَا هِيَ}، يجوز أن يعود الضمير على "سَقَر" أي: وما سقر إلاَّ تذكرةٌ أي عظةٌ للبشر، وأن يعود على الآيات المذكورة فيها، أو النار لتقدمها، أو الجنود لأنه أقربُ مذكور، أو نار الدنيا، وإن لم يجرِ لها ذكر تذكرة لنا بالآخرة، قاله الزجاج أو ما هذه العدة {إِلاَّ ذِكْرَىٰ لِلْبَشَرِ} أي ليتذكروا ويعلموا كمال قدرة الله تعالى، وأنه سبحانه لا يحتاج إلى أعوان وأنصار. والبشر: مفعول بـ"ذكرى" و "اللام" فيه مزيدة.

البقاعي

تفسير : ولما كان هذا غير مميز للمعدود، وكانت الحكمة في تعيين هذا العد غير ظاهر، وكان هذا العدد مما يستقله المتعنت فيزيده كفراً، قال تعالى مبيناً لذلك: {وما جعلنا} أي بما لنا من العظمة وإن خفي وجه العظمة فيه على من عمي قلبه {أصحاب النار} أي خزنتها {إلا ملائكة} أي إنهم ليسوا من جنس المعذبين فيرقوا لهم ويطيق المعذبون محاولتهم أو يستريحوا إليهم وهم أقوى الخلق، وقد تكرر عليكم ذكرهم وعلمتم أوصافهم وأنهم ليسو كالبشر بل الواحد منم يصيح صيحة واحدة فيهلك مدينة كاملة كما وقع لثمود، فكيف إذا كا كل واحد من هؤلاء الخزنة رئيساً تحت يده من الجنود ما لا يحصيه إلا الله تعالى {وما جعلنا} على ما لنا من العظمة {عدتهم} أي مذكورة ومحصورة فيما ذكرنا {إلا فتنة} أي حالة مخالطة مميلة محيلة {للذين كفروا} أي أوجدوا هذا الوصف ولو على أدنى الوجوه، فإنهم يستقلونه ويستهزئون به ويتعنتون أنواعاً من التعنت بحيث إن بعض أغبياء قريش وهو أبو جهل، قال: ثكلتكم أمهاتكم، أسمع ابن أبي كبشة يقول كذا وأنتم ألدهم، أيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا برجل منهم، فقال أبو الأشد بن أسيد بن كلدة الجمحي - وكان شديد البطش: أنا أكفيكم سبعة عشر فاكفوني أنتم اثنين، وهذا كله على سبيل الاستهزاء، فإنهم مكذبون بالبعث الذي هذا من آثاره، وكان في علم أهل الكتاب أن هذه العدة عدتهم، وأن العرب إذا سمعوا هذه العدة كانت سبباً للشك أكثرهم وموضعاً للتعنت، فلذلك علق بالفتنة أو بـ"جعلنا" قوله: {ليستيقن} أي يوجد اليقين إيجاداً تاماً كأنه بغاية الرغبة {الذين أوتوا الكتاب} بناه للمفعول لأن مطلق الإيتاء كاف في ذلك من غير احتياج إلى تعيين المؤتي مع أنه معروف أنه هو الله، قال البغوي: مكتوب في التوراة والإنجيل أنهم تسعة عشر. {ويزداد الذين آمنوا} أي أوجدوا هذه الحقيقة ولو على أدنى الوجوه إلى ما عندهم من الإيمان {إيماناً} بتصديق ما لم يعلموا وجه حكمته لا سيما مع افتتان غيرهم به وكثرة كلامهم فيه، فإن الإيمان بمثل ذلك يكون أعظم. ولما أثبت لكل من الجاهل والعالم ما أثبت، أكده بنفي ضده مبيناً للفتنة فقال: {ولا يرتاب} أي يشك شكاً يحصل بتعمد وتكسب {الذين أوتوا الكتاب} لما عندهم من العلم المطابق لذلك، قال ابن برجان: وروى جابر بن عبد الله رضي الله عنهما "حديث : إن قوماً من أهل الكتاب جاؤوا إليه في قضية - فيها طول، وفيها أنهم سالوه عن خزنة جهنم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده هكذا وهكذا، في مرة عشرة وفي مرة تسعة، فقالوا: بارك الله فيك يا أبا القاسم، ثم سألهم: ما خزنة الجنة؟ فسكتوا هيبة ثم قالوا: خبزة يا أبا القاسم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الخبزة من الدرمك" تفسير : {والمؤمنون} أي لا يرتاب الذين رسخ الإيمان عندهم لما رأوا من الدلائل التي جعلتهم في مثل ضوء النهار {وليقول الذين} استقر {في قلوبهم مرض} أي شك أو نفاق وإن قل، ونزول هذه السورة قبل وجود المنافقين علم من أعلام النبوة، ولا ينكر جعل الله تعالى بعض الأمور علة لمصالح ناس وفساد آخرين، لأنه لا يسأل عما يفعل على أن العلة قد تكون مقصودة لشيء بالقصد الأول، ثم يرتب عليها شيء آخر يكون قصده بالقصد الثاني تقول: خرجت من البلد لمخالفة أكثر ومخافة الشر لا يتعلق بها الغرض {والكافرون} أي ويقول الراسخون في الكفر الجازمون بالتكذيب المجاهرون به الساترون لما دلت عليه الأدلة من الحق {ماذا} أي أي شيء {أراد الله} أي الملك الذي له جميع العظمة {بهذا}: أي العدد القليل في جنب عظمته {مثلاً} أي من جهة أنه صار بذلك مستغرباً استغراب المثل، أو أن ذلك إشارة إلى أنه ليس المراد به ظاهره بل مثل لشيء لم يفهموه وفهموا أن بين استجماعه للعظمة وهذا العدد عناداً، وما علموا أن القليل من حيث العدد قد يكون أعظم بقوته من الكثير العدد، ويكون أدل على استجماع العظمة. ولما كان التقدير: أراد بهذا إضلال من ضل وهو لا يبالي، وهداية من اهتدى وهو لا يبالي، كان كأنه قيل: هل يفعل مثل هذا في غير هذا؟ فقال جواباً: {كذلك} أي مثل هذا المذكور من الإضلال والهداية {يضل الله} أي الذي له مجامع العظمة ومعاقد العز {من يشاء} بأي كلام شاء {ويهدي} بقدرته التامة {من يشاء} بنفس ذلك الكلام أو بغيره، وذلك من حكم جعل الخزنة تسعة عشر والإخبار عنهم بتلك العدة فإن إبراز الأحكام على وجه الغموض من أعظم المهلكات والمسعدات، لأن المنحرف الطباع يبحث عن عللها بحثاً متعنتاً، فإذا عميت عليه قطع ببطلان تلك الأحكام أو شك، وربما أبى الانقياد، وذلك هو سبب كفر إبليس والمستقيم المزاج يبحث مع التسليم فإن ظهر له الأمر ازداد تسليماً وإلا قال: آمنت بذلك كل من عند ربنا - فكان في غاية ما يكون من تمام الانقياد لما يعلم سره - رزقنا الله التسليم لأمره وأعاننا على ذكره وشكره. ولما كان هذا مما يوهم قلة جنوده تعالى، أتبعه ما يزيل ذلك فقال: {وما} أي والحال أنه ما {يعلم جنود ربك} أي المحسن إليك بأنواع الإحسان المدبر لأمرك بغاية الإتقان من جعل النار وخزنتها وجعلهم على هذه العدة وغير ذلك، فلا تعلم عدتهم لأجل كثرتهم وخروجهم عن طوق المخلوق وما هم عليه من الأوصاف في الأجساد والمعاني {إلا هو} أي الملك الأعظم المحيط بصفات الكمال، فلو أراد لجعل الخزنة أكثر من ذلك، فقد روي أن البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألفاً من الملائكة لا تعود إليهم نوبة أخرى، وقد ورد أن الأرض في السماء كحلقة ملقاة في فلاة وكل سماء في التي فوقها كذلك، وقد ورد في الخبر: أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع قدم إلا وفيه ملك قائم يصلي. وإنما خص هذا العدد لحكم لا يعلمها إلا هو، ومن أراد إطلاعه على ذلك من عباده مع أن الكفاية تقع بدون ذلك، فقد كان في الملائكة من اقتلع مدائن قوم لوط وهي سبع ورفعها إلى عنان السماء، وكل ما في الإنسان من الجواهر والإعراض من جنود الله لو سلط عليه شيء من نفسه لأهلكه: لو تحرك عرق ساكن أو سكن متحرك أو انسد مجوف أو تجوف منسد لهلك. ولما ذكر شيئاً من أسرار سوق الأخبار عنها غامضاً، وكان ذلك من رحمة العباد ليفتح لهم باباً إلى التسليم لما يغمض من تذكيرهم بأمر مليكهم لأن العاجز لا يسعه في المشي على قانون الحكمة إلا التسليم للقادر وإلا أهلك نفسه وما ضر غيرها، خص أمرها في التذكير تأكيداً للإعلام تذكيراً بالنعمة لأجل ما لأغلب المخاطبين من اعوجاج الطباع المقتضي للرد والإنكار، المقتضي لسوق الكلام على وجه التأكيد فقال: {وما هي} أي النار التي هي من أعظم جنوده سبحانه وتعالى: {إلا ذكرى للبشر} أي تذكرة عظيمة لكل من هو ظاهر البشرة فبدنه أقبل شيء للتأثر بها لأجل ما يعرفون منها في دنياهم، وإلا فهو سبحانه وتعالى قادر على إيجاد ما هو أشد منها وأعظم وأكثر إيلاماً مما لا يعلمه الخلائق.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ} [الآية: 31]. قال القاسم: قال الله تعالى: لمحمد صلى الله عليه وسلم: إنكم لا تقفون على المخلوقات فكيف تقفون على الأسامى والصفات.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ} جنوده عظمته وكبرياؤه وسلطنته وقهره الذى صدرت منه جنود السماوات والارض وله جنود قلوب العارفين وارواح الموحدين وانفاس المحبين التى يستهلك بها كل جبار عنيد وكل قهار عنيد قيل قال الله لمحمد صلى الله عليه وسلم انكم لا تقفون على المخلوقات فكيف تقفون على الاسامى والصفات.

اسماعيل حقي

تفسير : {وما جعلنا اصحاب النار} اى المدبرين لامرها القائمين بتعذيب اهلها فأصحاب النار هنا غير اصحاب النار فى قوله تعالى لا يستوى اصحاب النار واصحاب الجنة وفى كشف الاسرار وما جعلنا خزنة اصحاب النار فخذف المضاف انتهى وفيه بعد لانهم خزنة النار لا خزنة اصحابها {الا ملائكة} ليخالفوا جنس المعذبين من الثقلين فلا يرقوا لهم ولا يميلوا اليهم فان المجانسة مظنة الرأفة فلذا بعث الرسول من جنسنا ليرحم بنا ولانهم اقوى الخلق واقومهم بحق الله وبالغضب له تعالى واشدهم بأسا وعن النبى عليه السلام لقوة احدهم مثل قوة الثقلين يسوق احدهم الامة وعلى رقبته جبل فيرمى بهم فى النار ويرمى بالجبل عليهم ويروى انه لما نزل قوله تعالى عليها تسعة عشر قال أبو جهل لقريش أيعجز كل عشرة منكم ان يبشطوا برجل منهم فقال أبو الاسود ابن اسيد بن كلدة الجمحى وكان شديد البطش والقوة حتى كان من قوته انه اذا قام على اديم واجتمع جماعة على ازالة رجليه عنه لم يقدروا عليه فكانوا يشدون الاديم حتى يتقطع قطعا ورجلاه على حالهما أنا أكفيكم سبعة عشر منهم فاكفونى أنتم اثنين فنزلت اى وما جعلناهم رجالا من جنسكم يطاقون فمن ذا الذى يغلب الملائكة والواحد منهم يأخذ أرواح جميع الخلق وللواحد منهم من القوة ما يقلب الارض فيجعل عاليها سافلها. واتمام آدميان طاقت ديداريك فرشته تدارندنا بمقاومت كجا بسر آيند {وما جعلنا عدتهم الا فتنة للذين كفروا} اى وما جعلنا عددهم الا العدد الذى تسبب لافتتانهم ووقوعهم فى الكفر وهو التسعة عشر فعبر بالاثر عن المؤثر أى بالفتنة عن العدد المخصوص تنبيها على التلازم بينهما وحمل الكلام على هذا لان جعل من دواخل المبتدأ والخبر فوجب حمل مفعوله الثانى على الاول ولا يصح حمل افتتان الكفار على عدد الزبانية الا بالتوجيه المذكور فان عدتهم سبب للفتنة لا فتنة نفسها ثم ليس المراد مجرد جعل عددهم ذلك العدد المعين فى نفس الامر بل جعله فى القرءآن ايضا كذلك وهو الحكم بأن عليها تسعة شعر اذ بذلك يتحقق افتتانهم باستقلالهم له واستبعادهم لتولى هذا العدد القليل امر الجمع الغفير واستهزآئهم به حسبما ذكر وعليه يدور ما سيأتى من استيقان اهل الكتاب وازدياد المؤمنين ايمانا {ليستيقن الذين اوتوا الكتاب} متعلق بالجعل على المعنى المذكور والسين للطلب اى ليكتسبوا اليقين بنبوته عليه السلام وصدق القرءآن لما شاهدوا ما فيه موافقا لما فى كتابهم وفى عين المعانى سأل اليهود رسول الله صلى عليه وسلم عن خزنة النار وعددهم فاجاب عليه السلا م بانهم تسعة عشر. يعنى دوباربا صابع يدين اشارت فرمود ودر كرت دوم ابهام يمنى را امساك فرمود {ويزداد الذين آمنوا ايمانا} اى يزداد ايمانهم كيفية بما رأوا من تسليم اهل الكتاب وتصديقهم انه كذلك او كمية بانضمام ايمانهم بذلك الى ايمانهم بسائر ما انزل {ولا يرتاب الذين اوتوا الكتاب والمؤمنون} تأكيد لما قبله من الاستيقان وازدياد الايمان فان نفى ضد الشئ بعد اثبات وقوعه ابلغ فى الاثباب ونفى لما قد يعترى المستيقن والمؤمن من شبهة ما فيحصل له يقين جازم بحيث لا شك بعده وانما لم ينظم المؤمنين فى سلك اهل الكتاب فى نفى الارتياب حيث لم يقل ولا يرتابوا للتنبيه على تباين النفيين حالا فان انتفاء الارتياب من اهل الكتاب مقارن لما ينافيه من الجحود ومن المؤمنين مقارن لما يقتضيه من الايمان وكم بينهما والتعبير عنهم باسم الفاعل بعد ذكرهم بالموصول والصلة الفعلية المنبئة عن الحدوث للايذان بثباتهم على الايمان بعد ازدياده ورسوخهم فى ذلك {وليقول الذين فى قلوبهم مرض} شك او نفاق فان كلا منهما من الامراض الباطنة فيكون احبارا بما سيكون فى المدينة بعد الهجرة اذ النفاق انما حدث بالمدينة وكان اهل مكة اما مؤمنا حقا واما مكذبا واما شاكا {والكافرون} المصرون على التكذيب فان قلت كيف يجوز أن يكون قولهم هذا مقصود الله تعالى قلت اللام ليست على حقيقتها بل للعاقبة فلا اشكال {ماذا أراد الله بهذا مثلا} تمييز لهذا او حال منه بمعنى ممثلا به كقوله هذه ناقة الله لكم آية اى اى شئ أراد بهذا العدد المستغرب استغراب المثل فاطلاق المثل على هذا العدد على سبيل الاستعارة حيث شبهوه بالمثل المضروب وهو القول السائر فى الغرابة حيث لم يكن عقدا تاما كعشرين او ثلاثين والاستفهام لانكار أنه من عند الله بناء على انه لو كان من عنده لما جاء ناقصا وافراد قولهم هذا بالتعليل مع كونه من باب فتنتهم للاشعار باستقلاله فى الشناعة {كذلك يضل الله من يشاء} ذلك اشارة الى ما قبله من معنى الضلال اى يضل الله من يشاء اضلاله كأبى جهل واصحابه المنكرين لخزنة جهنم وعددهم اضلالا كائنا مثل ما ذكر من الاضلال لا اضلالا أدنى منه لصرف اختياره الى جانب الضلال عند مشاهدته لآيات الله الناطقة بالحق واصلها ان الله لا يضل الا بحسب الضلالة الازلية لان الضلال وصرف الاختيار الى جانبه كل منهما من مقتضى عينه الثابتة {ويهدى من يشاء} هدايته كاصحاب محمد عليه السلام هدايته كائنة مثل ما ذكر من الهداية لا هداية أدنى منها لصرف اختياره عند مشاهدة تلك الآيات الى جانب الهدى وحقيقته ان الله لا يهدى الا بموجب الهداية الازلية اذ الاهتدآء وصرف الاختيار الى جانبه كل منهما من احواله الازلية فلا يجوز خلافه فى عالم العين فى الابد {وما يعلم جنود ربك} اى جموع خلقه التى من جملتها الملائكة المذكورون والجنود جمع جند بالضم وهو العسكر وكل مجتمع وكل صنف من الخلق على حدة وفى الحديث ان لله جنودا منها العسل {الا هو} لفرط كثرتها وفى حديث موسى عليه السلام انه سأل ربه عن عدد اهل السماء فقال تعالى اثنا عشر سبطا عدد كل سبط عدد التراب وفى الاسرار المحمدية ليس فى العالم موضع بيت ولا زاوية الا وهو معمور بما لا يعلمه الا الله والدليل على ذلك أمر النبى عليه السلام بالتستر فى الخلوة وان لا يجامع الرجل امرأته عريانين وفيه اشارة الى ان لله فى اختيار عدد الزبانية حكمة والا فجنوده خارجة عن دآئرة العدد والضبط قال القاشانى وما يعلم عدد الجنود وكميتها وكيفيتها وحقيقتها الا هو لاحاطة علمه بالماهيات واحوالها وفى التأويلات النجمية الا هويتة الجامعة لجميع جنود التعينات الغير المتناهية بحسب الاسماء الجزئية والجزئيات الاسماء قال بعض العارفين خلقت الملائكة على مراتب فأرواح ليس لهم عقل الا تعظيم جناب الله وليس لهم وجه مصروف الى العالم ولا الى نفوسهم قد هيمهم جلال الله واختطفهم عنهم فهم فيه حيارى سكارى وارواح مدبرة اجساما طبيعة ارضية وهى ارواح الاناسى وارواح الحيوانات من جسم عنصرى طبيعى وهذ الارواح المدبرة لهذه الاجسام مقصورة عليها مسخر بعضها لبعض كما قال تعالى ليتخذ بعضهم بعضا سخريا وارواح اخر مسخرات لمصالحنا وهم على طبقات كثيرة فمنهم الموكل بالوحى ومنهم الموكل بالالقاء ومنهم الموكل بالارزاق ومنهم الموكل بقبض الارواح ومنهم الموكل باحياء الموتى ومنهم الموكل بالاستغفار للمؤمنين والدعاء لهم ومنهم الموكل بالغراسات فى الجنة جزآء لاعمال العباد ومنهم غير ذلك واما مراتبهم وتفاوتهم ففيهم الاكبر والكبير فجبريل اكبرمن عزرآئيل وميكائيل اكبر من جبريل واسرافيل اكبر من ميكائيل وقال بعضهم هذه الجنود ليست معدة للمحاربة بل هى لترتيب المملكة الظاهرة للعالم الاعلى والاسفل لانه اذا كان ما فى السموات وما فى الارض جنوده فلمن يقاتلون فما بقى الا ان المراد بهم جنود التسخير اذ العالم كله مسخر بعضه لبعض وجميع الملائكة مسخرون لنا بأسرهم تحت ايدى الأثنى عشر ملكا الذين ولاهم الله على عالم الخلق ومقرهم فى الفلك الاقصى كل وال فى برج كأبراج سور المدينة جالس على تخت وقد رفع الله الحجاب بين هؤلاء الولاة وبين اللوح المحفوظ فرأوا فيه مسطرا اسماءهم ومراتبهم وما شاء الله ان يجريه على ايديهم فى عالم الخلق الى يوم القيامة فارتقم ذلك كله فى نفوسهم وعلوه علما محفوظا لا يتبدل ولا يتغير كما علمنا نحن اسماءهم واحوالهم من مقابلة قلوبنا للوح المحفوظ ثم ان الله جعل لكل واحد من هؤلاء الولاة حاجبين ينفذ ان اوامراهم الى نوابهم وجعل بين كل حاجبين سفيرا يمشى بينهما بما يلقى اليه كل واحد منهما وعين الله لهؤلاء الذين جعلهم حجابا لهؤلاء الولاة فى الفلك الثانى منازل يسكنونها وانزلهم اليها وهى الثمانى والعشرون منزلة التى تسمى المنازل التى ذكرها الله بقوله والقمر قدرناه منازل يعنى فى سيره ينزل كل يوم منزلة منها الى ان ينتهى الى آخرها ثم تدور دورة اخرى ليعلموا بسيره وسير الشمس والخنس عدد السنين والحساب وكل شئ فصله الحق لنا تفصيلا فأسكن فى هذه المنازل هذه الملائكة وهم حجاب اولئك الولاة الذين فى الفلك ثم ان الله امر هؤلاء ان يجعلوا لهم نوابا ونقباء فى السموات السبع فى كل سماء نقيبا كما لحجاب لهم لينظروا فى مصالح العالم العنصرى بما يلقيه اليهم هؤلاء الولاة ويأمرونهم به وهو قوله تعالى وأوحى فى كل سماء امرها فجعل الله اجسام هذه الكواكب النقباء اجساما نيرة مستديرة ونفخ فيها ارواحها وانزلها فى السموات السبع فى كل سماء واحد منهم وقال لهم قد جعلتكم تستخرجون ما عند هؤلاء الاثنى عشر واليا بواسطة الحجاب الثمانية والعشرين كما يأخذ اولئك الولاة عن اللوح المحفوظ ثم جعل الله لكل نقيب من هؤلاء السبعة النقباء فلكا يسبح فيه هوله كالجواد للراكب وهكذا الحجاب لهم افلاك يسبحون فيها اذ كان لهم التصرف فى حوادث العالم والاستشراف عليه ولهم سدنة وأعوان يزيدون على الالف اعطاهم الله مراكب سماها افلاكا فهم ايضا يسبحون فيها وهى تدور بهم على المملكة فى كل يوم مرة فلا يفوتهم شئ من المملكة اصلا من ملك السموات والارض فتدور الولاة وهؤلاء الحجاب والنقباء والسدنة كلهم فى خدمة هؤلاء الولاة والكل مسخرون فى حقنا اذ كنا نحن المقصود الاعظم من العالم كله قال تعالى وسخر لكم ما فى السموات وما فى الارض جميعا منه وسبب دوران الافلاك علينا كل يوم دورة انما هو لينظر هؤلاء الولاة فيما تدعو حاجة الخلق اليه من الامور فيسدوا خللهم وينفذوا احكام الله فيهم من كونه مريدا فى خلقه لا من كونه آمرا اليه فينفذون الاقدار فيهم فى ازمان مختلفة وكماجعل الله زمام هذه الامور بأيدى هؤلاء الجماعة من الملائكة واقعد منهم من اقعد فى برجه ومسكنه الذى فيه تحت ملكه وانزل من انزل من الحجاب والنقباء الى منازلهم فى سمواتهم كذلك جعل فى كل سماء ملائكة مسخرة وجعلهم على طبقات فمنهم اهل العروج بالليل والنهار من الحق الينا ومنا الى الحق فى كل صباح ومساء ولا يقولون الاخيرا فى حقنا ومنهم المستغفرون لمن فى الارض ومنهم المستغفرون للمؤمنين لغلبة الغيرة الالهية عليهم كما غلبت الرحمة على المستغفرين لمن فى الارض ومنهم الموكلون بايصال الشرآئع ومنه الموكلون بالممات ومنهم الموكلون بالالهام وهم الموصلون العلوم الى القلوب ومنهم الموكلون بالارحام بتصوير ما يكون لله فى الارحام ومنهم الموكلون بنفخ الارواح ومنهم الملائكة التسعة عشر الموكلون بالشفاعة لمن دخل النار ومنهم الموكلون بالارزاق ومنهم الموكلون بالامطار ومنهم الصافات والزاجرات والتاليات والمقسمات والمرسلات والناشرات والنازعات والناشطات والسابقات والسابحات والملقيات والمدبرات ولذلك قالوا ومامنا الا له مقام معلوم فما من حادث يحدثه الله فى العالم الاوقدوكل الله باجرآئه الملائكة ولكن بأمر هؤلاء الولاة من الملائكة فلا يزالون تحت سلطانهم اذ هم خصائص الله ثم ان العامة ما تشهد من هؤلاء الملائكة الا منازلهم التى هى اجرام الكواكب ولا تشهد اعيان الحجاب ولا النقباء واما اهل الكشف فيشهدونهم فى منازلهم عيانا. ثم اعلم ان الله قد جعل فى هذ العالم العنصرى خلقا من جنسهم ولاة عليهم نظير العالم العلوى فمنهم الرسل والخلفاء والسلاطين والملوك وولاة امور جميع العالم من القضاة واضرابهم ثم جعل بين ارواح هؤلاء الولاة الذين هم فى الارض والولاة الذين هم فى السموات مناسبات ودقائق تمتد اليهم بالعدل مطهرة من الشوآئب مقدسة عن العيوب فيقبل هؤلاء الولاة الارضيون منهم بحسب استعدادتهم فمن كان استعداده حسنا قويا قبل ذلك الامر على صورته طاهرا مطهرا فكان والى عدل وامام فضل ومن كان استعداده رديئا قبل ذلك الامر الطاهر ورده الى شكله من الردآءة والقبح والجور فكان والى جور ونائب ظلم وبخل فلا يلومن الا نفسه فهذه امهات مراتب حكام العالم اصحاب المراتب على سبيل الاجمال واما الرعية فلا يحصى عددهم الا الله ولله تعالى فى الارض ملائكة لا يصعدون الى السماء أبدا وملائكة فى السماء لا ينزلون الى الارض أبدا كل قد علم صلاته وتسبيحه بالهام من الله تعالى كذا فى كتاب الجواهر للامام الشعرانى رحمه الله {وماهى} اى سقر وذكر صفتها {الا ذكرى للبشر} الا تذكرة وعظمة وانذار لهم بسوء عاقبة الكفر والضلال وتخصيص الانس مع انها تذكرة للجن ايضا لانهم هم الاصل فى القصد بالتذكرة او وما عدة الخزنة الا تذكرةلهم ليتذكروا ويعلموا ان الله قادر على ان يعذب الكثير الغير المحصور من كفار الثقلين وعصاتهم بهذا العدد بل هو لا يحتاج فى ذلك الى أعوان وانصار اصلا فانه لو قلب شعرة واحدة فى عين ابن آدم او سلط الألم على عرق واحد من عروق بدنه لكفاه ذلك بلاء ومحنة وانما عين العدد وخلق الجنود لحكمة لا لاحتياج ويجوز أن يعود الضمير الى الآيات الناطقة باحوال سقر فانها تذكرة لاشتمالها على الانذار.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {وما جعلنا أصحابَ النار} أي: خزنتها، المدبّرين لها، القائمين بتعذيب أهلها، {إِلاَّ ملائكةً} لأنهم خلاف جنس المعذّبين، فلا تأخذهم الرأفة والرقّة، ولأنهم أشد الخلقِ بأساً، فللواحد منهم قوة الثقلين، ونَعَتهم صلى الله عليه وسلم فقال: "حديث : كَأَنَّ أعْيُنَهُمُ البَرقُ، وكأنَّ أفْواهَهم الصَّيَاصِي، يَجرُّون أشعَارَهم، لأحدِهم قوةُ الثَّقَلَيْنِ، يَسوقُ أحدُهُم الأُمَّةَ، وعَلَى رَقَبَتِهِ جَبَلٌ, فَيَرْمِيهم في النَّارِ، ويَرْمي الجبلَ عَلَيْهم"تفسير : وفي رواية: " حديث : بيد كُلِّ واحدٍ منهم مِرْزَبَّة مِن حَديدٍ"تفسير : وفي رواية عن كعب: " حديث : مَعَ كُلِّ واحد مِنْهم عَمودٌ وشعبتَان يَدْفع به الدَّفَع يصرع به في النَّارٍ سَبعمَائَة أَلْفٍ، وبَيْن مِنْكَبَي الخازِنِ مِن خزَنَتِها مسيرةُ مَائةِ سَنَة"تفسير : . وفي حديث آخر: "حديث : ما بَيْن منكبي أَحَدهِم كَما بَيْن المشرقِ والمغرب، وليس في قلوبِهِمْ رَحْمَةٌ، يَضْربُ أحدُهم الرجلَ ضَربةً، فيتْركه طَحيناً من لَدُن قَرْنِه إلى قَدَمِهِ" تفسير : . وعن كعب: " حديث : يؤمر بالرجل إلى النار، فيبتدره مائة ألف ملك"تفسير : . قال القرطبي: المراد بقوله: {عليها تسعة عشر} رؤساؤهم، وأما جملة الخزنة فلا يعلم عددهم إلا الله تعالى. انظر البدور السافرة. رُوي أنه لمّا نزل قوله تعالى: {عليها تسعة عشر} قال أبو جهل: أيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا بواحد منهم، وأنتم ألدَّهم، أي: الشجعان؟ فقال أبو الأشد بن كلدة الجمحي وكان شديد البطش: أنا أكفيكم سبعة عشر، اكفوني أنتم اثنين، فنزلت الآية، أي: وما جعلناهم رجالاً من جنسكم يُطاقون. {وما جعلنا عِدَّتهم} تسعة عشر {إِلا فتنةً} أي: ابتلاء واختباراً {للذين كفروا} حتى قال أبو جهل ما قال، أي: وما جعلنا هذا العدد إلاّ سبب افتتانهم، فعبّر بالأثر عن المؤثّر، وليس المراد جعل ذلك العدد في نفس الأمر فتنة؛ بل جعله في القرآن أيضاً كذلك، وهو الحُكم بانّ عليها تسعة عشر، إذ بذلك يتحقق افتتانهم، وعليه يدور ما سيأتي من استيقان أهل الكتاب، وازدياد المؤمنين إيماناً. انظر أبا السعود. وقالوا في تخصيص الخزنة بهذا العدد ـ مع أنّه لا يطلب في الأعداد العلل: أنّ ستة منهم يقودون الكفرة إلى النار، وستة منهم يسوقونهم، وستة يضربونهم بمقامع من الحديد، والآخر خازن جهنّم، وهو مالك، وهو الأكبر. وقيل: في النار تسعة عشر دركاً، قد سلّط على كل درك مَلك، وقيل يُعذبون فيها بتسعة عشر لوناً من العذاب، وعلى كل لون ملك موكّل، وقيل غير ذلك. {لِيستيقنَ الذين أُوتوا الكتاب}، لأنَّ عدتهم تسعة عشر في الكتابَيْن, فإذا سمعوا مثلها في القرآن تيقّنوا أنه مُنزَّل من عند الله، وهو متعلق بالجعل المذكور، أي: جعلناهم كذلك ليكتسبوا اليقين بنبوته صلى الله عليه وسلم، وصِدْقِ القرآن، لموافقته لِما في كتبهم، {ويزداد الذين آمنوا} بمحمد صلى الله عليه وسلم {إِيماناً} لتصديقهم بذلك، كما صدّقوا بسائر ما أُنزل، فيزيدون إيماناً مع إيمانهم الحاصل، أو: يزداد إيمانهم تيقُّناً؛ لما رأوا من تسليم أهل الكتاب وتصديقهم، {ولا يرتابَ الذي أوتوا الكتاب والمؤمنون}، تأكيد لِما قبله من الاستيقان وازدياد الإيمان، ونفي لما قد يعتري المستيقن من شُبهة ما، وإنما لم ينظم المؤمنين في سلك أهل الكتاب في الارتياب، حيث لم يقل: ولا يرتابوا؛ للتنبيه على تباين النفيين حالاً، فإنَّ انتفاء الارتياب عن أهل الكتاب مما ينافيه لِما فيه من الجحود، وعن المؤمنين لما يقتضيه من الإيمان، وكم بينهما؟ والتعبير عنهم باسم الفاعل بعد ذكرهم بالموصول والصلة الفعلية المُنبئة عن الحدث؛ للإيذان بثباتهم على الإيمان بعد ازدياده ورسوخهم في ذلك. قاله أبو السعود. وعطف على {يستيقن} ايضاً قولَه: {ولِيقولَ الذين في قلوبهم مرض}؛ شك؛ لأنَّ أهل مكة كان أكثرهم شاكين، أو: نِفاق، فيكون إخباراً بما سيكون بالمدينة بعد الهجرة، {والكافرون}؛ المشركون بمكة، المُصرُّون على الكفر: {ماذا أراد اللهُ بهذا مثلاً}؟ أي: أيُّ شيءٍ أراد بهذا العدد المستغرَب استغراب المثل؟ وقيل: لمّا استبعدوه حسبوا أنه مَثَل مكذوب، أو: أيُّ حكمة في جعل الملائكة تسعة عشر، لا أكثر أو أقل؟ وإيراد قولهم هذا بالتعليل، مع كونه من باب فتنتهم؛ للإشعار باستقلاله بالبشاعة. و"مثلاُ": تمييز، أو حال، كقوله: {أية : هَذِهِ نَاقَةُ اللهِ لَكُمْ ءَايَةً } تفسير : [الأعراف:73]. {كذلك يُضل اللهُ مَن يشاء ويهدي مَن يشاء} أي: مثل ذلك الضلال وتلك الهداية يُضل الله مَن يشاء إضلاله، بصرف اختياره إلى جانب الضلال عند مشاهدته لآيات الله الناطقة بالحق، ويهدي مَن يشاء هدايته بصرف اختياره عند مشاهدته تلك الآيات إلى جانب الهُدى، فمحل الكاف النصب على أنها صفة لمصدر محذوف، أي: يُضل مَن يشاء ويهدي مَن يشاء، إضلالاً وهدايةً كائنين مثل ما ذكر من الإضلال والهداية. {وما يعلمُ جنودَ ربك} أي: جموع خلقه، التي من جملتها الملائكة المذكورون، {إلاّ هو}، إذ لا سبيل لأحد إلى حصر مخلوقاته، والوقوف على حقائقها وصفتها، ولو إجمالاً، فضلاً عن الاطلاع على تفاصيل أحوالها، من كَم وكيف ونسبة، فلا يَعِز عليه جعلُ الخزنة أكثر مما هو عليه، ولكن في هذا العدد الخاص حكمة لا تعلمونها، {وما هي إِلاّ ذِكرَى للبشر} هذا متصل بوصف سقر، أي: ما سقر وصفتها إلاّ تذكرة للبشر؛ لينزجروا عن القبائح. {كَلاَّ}؛ ردع لمَن أنكرها، أو نفي لأن يكون لهم تذكُّر، بعد أن جعلها ذِكرى، أي: لا يتذكرون لسبق الشقاء لهم، {والقمرِ}، أقسم به لِعظم منافعه، {والليلِ إِذْ أدبرَ} أي: ذهب، يقال: أدبر الليل ودبر: إذا ولّى، ومنه قولهم: صاروا كأمس الدابر، وقيل: أدبر: ولّى، ودَبَر جاء بعد النهار، {والصُبحِ إِذا أسفر}؛ أضاء وانكشف، وجواب القسم: {إِنها} أي: سقر {لإِحدَى الكُبَرِ} جمع كبرى، أي: لإحدى الدواهي أو البلايا الكُبْر، ومعنى كونها إحداهن: أنها من بينهن واحدة في العِظم لا نظيرة لها، كما تقول: هو أحد الرجال، وهي إحدى النساء. {نذيراً للبشر}: تمميز لإحدى، أي: إنها لإحدى الدواهي إنذاراً, كقولك: هي إحدى النساء جمالاً، أو حال مما دلّت عليه الجملة، أي: عظمت منذرة، {لمَن شاء منكم أن يتقدَّم أو يتأخّر}: بدل من "البشر"، بإعادة الجار، أي: نذيراً لمَن شاء منكم أن يسبق إلى الخير أو يتأخر عنه، وعن الزجاج: أن يتقدّم إلى ما أمر به، ويتأخر عما نهى عنه، وقيل: " لمَن شاء": خبر، و"أن يتقدّم": مبتدأ، فيكون كقوله تعالى: {أية : فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ }تفسير : [الكهف:29]. قال المحَشي: وحاصله: أنّ العبد متمكن من كسب الخير وضده، ولذلك كلّفه؛ لأنه علّق ذلك على مشيئته، وليس حجة؛ لكونه مستقلاً غير مجبور؛ لأنَّ مشيئته مُعلقة على مشيئة الله، { أية : وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ اللهُ } تفسير : [الإنسان:30] {أية : كَلاَّ إِنَهُ تَذْكِرَةُ فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ وَمَا يَذْكُرُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ اللهُ } تفسير : [المدثر:54-56]، وما نبهت عليه من التمكُّن والاختيار في الظاهر هو فائدة بدل " لمَن شاء" من البشر. هـ. الإشارة: من أسمائه تعالى الجليل والجميل، فوَكَّل بتنفيذ اسمه الجليل جنوداً يَجرُّون الناسَ إلى أسباب جلاله، من الكفر والعصيان، ووكَّل بتنفيذ اسمه الجميل جنوداً يَجرّون الناسَ إلى أسباب جماله من الهدى والطاعة، وما جعل ذلك إلاّ اختباراً واتبلاءً، لمن يُدبر عنه أو يُقبل عليه، وما جعلنا أصحابَ نار القطيعة إلاّ ملائكة، وهم حُراس الحضرة يملكون النفس، ويقذفونها في هاوية الهوى، وما جعلنا عدتهم تسعة عشر حجاباً كما تقدّم، إلاّ فتنة لأهل الغفلة، الكافرين بوجود الخصوصية، اختباراً لمَن يقف معها، فتحجبه عن ربه، ولمَن يتخلّص منها، فينفذ إلى ربه، ليستيقن أهل العلم بالله حين يطَّهروا منها، ويزداد السائرون إيماناً بمجاهدتهم في التخلُّص منها، ولا يبقى في القلب ريب ولا وَهْم، وليقول الذين في قلوبهم مرض من ضعف اليقين: ماذا أراد الله بخلق هذه الأمراض في قلوب العباد؟ فيُقال: أراد بذلك إضلال قوم عن حضرته، بالوقوف مع تلك الحُجب، وهداية قوم، بالنفوذ عنها، وما يعلم جنود ربك القاطعة عنه بقهره تعالى، والموصلة إليه برحمته، إلا هو. وقال الورتجبي: جنوده: عظمته وكبرياؤه وسلطانه وقهره، الذي صدرت منه جنود السموات والأرض، وله جنود قلوب العارفين، وأرواح الموحِّدين، وأنفاس المحبين، التي يستهلك بها كل جبّار عنيد، وكل قهّار عتيد. قيل: قال الله لمحمد صلى الله عليه وسلم: إنكم لا تقفون على المخلوقات، فكيف تقفون على الأسامي والصفات؟!. هـ. ثم حذَّر من سَقَر الحظوظ، والسقوط في مهاوي اللحوظ، وأقسم أنها من الدواهي الكُبَر لِمن ابتُلي بها، حتى سقط في الحضيض الأسفل من الناس، فمَن شاء فليتقدّم إلينا بالهروب منها، ومَن شاء فليتأخر بالسقوط فيها، والغرق في بحرها. والعياذ بالله. ثم ذكر حال مَن عَلَق بها أو تخلص منها، فقال: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ}.

الجنابذي

تفسير : {وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَابَ ٱلنَّارِ إِلاَّ مَلاَئِكَةً} يعنى لا يقوم تمام اهل الدّنيا بواحد منهم {وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ} الفتنة بالكسر الاختبار والضّلال والاثم والكفر والفضيحة والعذاب والاضلال والجنون والمحنة واختلاف النّاس فى الآراء، والكلّ مناسب ههنا لانّ خزنة النّار وان كانوا فى الآخرة لكن بمضمون وانّ جهنّم لمحيطة بالكافرين يكون من كلّ انموذجٍ فى الدّنيا ويكون موكّلاً بانموذجه على الكافر فى الدّنيا كما انّه فى الآخرة بنفسه يكون موكّلاً عليه، وقيل: سبب افتتانهم بهذا العدد استهزاؤهم واستبعادهم ان يتولّى هذا العدد القليل تعذيب اكثر الثّقلين {لِيَسْتَيْقِنَ} قيل تعليل لمحذوف اى قلنا ذلك ليستيقن {ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ} من اليهود والنّصارى بنبوّة محمّدٍ (ص) لمّا رأوا الخبر موافقاً لما فى كتبهم {وَيَزْدَادَ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} اى اسلموا بمحمّد (ص) {إِيمَاناً} لمّا اخبرهم اهل الكتاب بموافقته لما فى كتبهم {وَلاَ يَرْتَابَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ وَٱلْمُؤْمِنُونَ} هذا ما فسّروه بحسب الظّاهر به ولكن نقول ايتاء الكتاب كناية عن قبول النّبوّة ايّة نبوّة كانت ولا اختصاص باليهود والنّصارى بل كلّ من قبل نبوّة محمّد (ص) بالبيعة على يده وقبول احكام نبوّته والانقياد تحت حكمه وقبول دعوته الظّاهرة كان ممّن اوتى الكتاب والايمان، وان كان يستعمل فى الاسلام وقبول الدّعوة الظّاهرة بالبيعة العامّة مجازاً او على سبيل الاشتراك، لكنّ المراد به ههنا الايمان الحقيقىّ الحاصل بالبيعة الخاصّة وقبول الدّعوة الباطنة والدّخول تحت احكام الولاية، والى هذين اشار تعالى بقوله: {أية : لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى ٱلسَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ}تفسير : [ق:37] فانّ الاوّل اشارة الى المؤمن المحقّق والثّانى الى المسلم المقلّد، وقد ذكرنا انّ كلّما يكون فى الآخرة يكون انموذجه فى الدّنيا فانّ الدّنيا بوجهٍ مادّة الآخرة وبوجهٍ صورة الجحيم او انموذجها، فالمعنى عليها تسعة عشر صنفاً او شخصاً من الملائكة ليكونوا سائقين للكفّار الى النّار وللمؤمنين الى الجنّة، ومن قبل النّبوّة لمّا لم يكن يدرك بالذّوق والوجدان امور الآخرة لم يكن يستيقن بمحض تلك البيعة لامور الآخرة، ولمّا كان هؤلاء الملائكة فى الدّنيا سائقين لهم الى الآخرة كانوا بذلك السّوق يدركون بالوجدان امور الآخرة فيستيقنونها، ولمّا كان المؤمنون موقنين فسوقهم يصير سبباً لازدياد ايقانهم، ويجوز ان يكون تعليلاً لقوله: وما جعلنا اصحاب النّار الا ملائكة، او لقوله وما جعلنا عدّتهم الاّ فتنةً، ويجوز ان يكون تعليلاً للكلّ على سبيل التّنازع {وَلِيَقُولَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} ممّن قبل الدّعوة الظّاهرة اى من فى قلبه نفاق {وَٱلْكَافِرُونَ} اى الّذين لم يقبلوا الاسلام {مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا} العدد او بهذا القول او بجعل عدّتهم فتنة او بجعل اصحاب النّار ملائكة {مَثَلاً} تميز عن هذا او حال عنه اى حالكونه مستغرباً غرابة المثل او حالكونه جارياً على الالسن جريان المثل، واللاّم للعاقبة مثل قوله تعالى ليكون لهم عدوّاً وحزناً، او للغاية على ما بيّنا يعنى ما جعلنا اصحاب النّار الاّ ملائكة ليكونوا فى الدّنيا سائقين لاهل النّار الى النّار وموصلين لاهل الجنّة الى الجنّة {كَذَلِكَ} الاضلال باظهار ما ليس فى وسعهم ادراكه {يُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ} من الملائكة والجنّ وجميع الموجودات فانّ الكلّ من جنوده {إِلاَّ هُوَ} فليس قلّة عدد اصحاب النّار لقلّة جنوده بل لعدم الحاجة الى ازيد من ذلك {وَمَا هِيَ} اى المعهودة المطلقة الّتى هى ولاية علىّ بن ابى طالب (ع)، وقيل: ما السّقر او عدّة الخزنة او السّورة، وقد ورد عن الكاظم (ع) تفسيرها بالولاية {إِلاَّ ذِكْرَىٰ لِلْبَشَرِ} والتّذكرة الحقيقيّة هى الولاية وان كانت سقر وعدّة الخزنة والسّورة ايضاً تذكرة.

اطفيش

تفسير : {وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إلاَّ مَلاَئِكَةً} من غير جنس الإنس والجن لأن الجنسية مظنة الرأفة والرحمة واستراحة كل للاخر ولأن الملائكة أقوى وفيه رد لقول قريش إنهم يستطيعونهم أي جعلناهم خلقاً لا قبل لأحد من الناس بهم *{وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي جعلنا عددهم إلا عددا اقتضى افتنانهم في الدين وذلك أنه جعله تسعة عشر ملكاً وهو عدد قليل فطمعوا في الغلبة. وقيل فتنتهم هي قولهم كيف يقدر هذا العدد القليل على تعذيب جميع من في النار وهو أكثر الثقلين وما دروا أن أحوال الآخرة ليست كأحوال هذه وإن الله أعطى كل واحد قوة الثقلين، وقيل فتنتهم هي قولهم كيف نقص واحد من العقد هلا كانوا عشرين وهذا القول يصح على القول بأنهم تسعة عشر ملكا والقول بانهم تسعة عشر صفاً وغيرهما فكان ذلك سبباً لقولهم السابق واستهزائهم وقد مر توجيه كون العدد كذلك وتبين لك أنه عبر باسم المسبب وهو لفظ الفتنة عن السبب وهو العدد المقتضي له تنبيهاً على أن هذا العدد لا ينفك من الافتنان به والمراد بالعدة مطلق العدد لا العدد بقيد كونه تسعة عشر أي لم نجعلهم الا على عدد يقتضي الفتنة ويستلزمها فقوله الا فتنة واقع موقع الا تسعة عشر لكن لما أراد الإخبار بأن هذا العدد يفتنهم عبر بالفتنة وعلى هذا المعنى صح التعليل بقوله *{لِيَسْتَيْقِنَ} ولا تحريف لكتاب الله في ذلك المعنى ولو أدعى أبو حيان أنه تحريف وأنه لا يذهب اليه عاقل ولا من له أدنى ذكاء ويتضح التعليل أيضاً على تاويل الجعل بالجعل القولي اي قلنا إنما كان عدتهم فتنة ليكتسب *{الَّذِينَ أوتُوا الكِتَابِ} اليقين بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وصدق القرآن لرؤيتهم ذلك موافقاً لما في كتابهم التوراة والإنجيل وهم اليهود والنصارى ولا يصح أن يراد بالعدة تسعة عشر لعدم صحة التعليل عليه بل مطلق العدة وماهيتها هذا ما ظهر لي بمن الله تعالى *{وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَاناً} بسبب تصديق أهل الكتاب لذلك وأيضاً تصديقهم لذلك زيادة إيمان *{وَلاَ يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ} في ذلك وهذا تأكيد للاستيقان وزيادة الإيمان ونفي لما يعرض للمتيقن من الشبهة وذلك أبلغ لجمعه إثبات اليقين ونفي الشك ولأن فيه تعريضاً بحال من عداهم كأنه قال ولتخالف حالهم حال الشاكين المرتابين من هذا النفاق والكفر، وسبب الاستيقان والإزدياد أنه صلى الله عليه وسلم أخبرهم بذلك العدد الموافق لما في كتابيهم من غير تعلم ولا اطلاع عليه في كتاب فيعلمون أنه بالوحي، وقد بان لك أن المراد بالكتاب في الموضعين الجنس فيصدق بالتوراة والانجيل وقيل المراد بالذين ليزدادون إيماناً من آمن من أهل الكتاب *{وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} نفاق ولم يكن بمكة نفاق بل إيمان صريح أو شرك ظاهر والسورة مكية والنفاق كان بالمدينة فالمراد الأخبار عن من يكون منافقاً في المدينة من أهلها أو غيرهم اي وليقول المنافقون الذين ينجمون في مستقبل الزمان بعد الهجرة فالآية معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم حيث أخبر بالغيب ووقع وفق أخباره. وقيل المراد بالمرض الشك لأن من أهل مكة من هو شاك ومنهم من هو قاطع بالكذب وقال الحسين بن الفضل المرض الاضطراب وضعف الإيمان *{وَالْكَافِرُونَ} مشركو مكة أفادت اللام في قوله {لِيَقُولَ} مجرد العلة والسببية ولا يجب في العلة أن تكون غرضاً تقول خرجت من البلد لمخافة الشر أي سبب خروجي مخافة الشر اي خفت فخرجت ولم ترد أنك خرجت لتخاف *{مَاذَا} اي شيء *{أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلاً} اي العدد المستغرب استغراب المثل، وقيل لما استبعدوه حسبوه مثلا مضروباً وقيل مرادهم انكاره من أصله وإنه ليس من عند الله ولو كان منه لما كان بهذا العدد الناقص، ومثلا تمييز لهذا أو حال منه *{كَذَلِكَ} اي مثل ذلك المذكور من الاضلال والهدي *{يُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشَاءُ} اضلاله *{وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} هدايته لأن بيده الإضلال والهداية. ومن الإضلال الخذلان الذي هو عدم التوفيق للايمان بعدد الخزنة ومن الهداية الايمان به ويزيد من أنكره كفراً ومن صدقه إيماناً وأفعال الله كلها حسنة *{وَمَا يَعْلَمُ جُنُودُ رَبِّكَ} جموع خلقه وما عليه كل جند من العدد الخاص من كون بعضها على عقد كامل وبعضها على عدد ناقص وما في اختصاص كل جند لعدده من الحكمة وغير ذلك *{إِلاَّ هُوَ} أي إلا ربك فالآية دليل على جواز عود الضمير للمضاف اليه أي ولا سبيل لأحد الى معرفة ذلك كما لا يعرف الحكمة في عدد السماوات والأرضين وأيام السنة والشهور والبروج والكواكب وأعداد النطف والحدود والكفارات والصلوات في الشريعة أو ما يعلم جنود ربك لفرط كثرتها إلا هو فلا يعز عليه تتميم الخزنة عشرين ولكن له في هذه العدد الخاص حكمة لا يعلمونها وهو يعلمها وقيل المراد أنه كما أن مقدورات الله غير متناهية كذلك جنوده لا تتناهى وقيل جواب لأبي جهل إذ قال أما ليدين محمد أعوان إلا تسعة عشر. وفي حديث الاسراء انتهيت الى باب الحفظة وعليه ملك يقال له اسماعيل جنده سبعون ألف ملك وجند كل ملك سبعون ألف ملك ثم تلا {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودُ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ} {وَمَا هِيَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْبَشَرِ} الضمير لسقر فما بينهما اعتراض قاله الحسن ومجاهد وقيل الضمير للسورة وقيل للآيات التي فيها ذكر سقر وقيل آيات القرآن وقيل للخزنة وقيل لعدتها وقيل للحالة والمخاطبة.

اطفيش

تفسير : {وَمَا جَعَلْنَا أصْحَابَ النَّارِ} القائمين عليها الذين هم تسعة عشر أعينهم كالبرق الشديد وأنيابهم كالقرون يخرج اللهب من أفواههم بين كتفى أحدهم مسيرة سنة يدفع أحدهم فى النار سبعين ألفاً دفعة واحدة، قال عمرو بن دينار يدفع مرة أكثر من ربيعة ومضر. {إِلاَّ مَلاَئِكَةً} غير جنس الإِنس والجن لئلا يستريح أصحاب النار المعذبين بها إِليهم لو كانوا من جنسهم ولأَن ذلك أبعد من أن ترق قلوبهم على المعذبين بالنار ولو جعلهم من جنسهم لجعلهم لا يرقون عليهم ولأَن الملائكة أقوى الخلق ولأَنهم أشد غضباً لله عز وجل لأَنهم أعرف بحق الله ومقتضى الظاهر وما جعلناهم إِلا ملائكة بالهاء عائدة إِلى تسعة عشر لكن أظهر ليصفهم بصحبة النار تنبيها على أنهم قائمون بها ولا يخفى من تعميم العذاب والكفرة أن المراد بسقر طبقات النار كلها لا خصوص طبقة تسمى سقر. {وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهمْ} وهى تسعة عشر. {إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا} باستقلالهم واستهزائهم بهم كما مر، والمعنى خلقناهم تسعة عشر ليصل خبرهم الكفار فيفتتنوا، أو المراد بالجعل الإِخبار وقيل الأَصل وما جعلنا عدتهم إِلا تسعة عشر فعبر بالمسبب وهو الفتنة عن السبب وهو العدد، وفيه أنه لا فائدة فى قولك وما جعلنا عدتهم إِلا تسعة عشر للذين كفروا بعد قوله عليها تسعة عشر فضلا عن أن يقال هو الأَصل ولا كبير فائدة فى التنبيه على عدم التخلف المذكور، وقيل أيضاً تنبيهاً على عدم تخلف المسبب عن سببه هنا. {لِيَسْتَيْقِنَ} بنبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - ورسالته. {الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} اليهود والنصارى والكتاب التوراة والإِنجيل والزبور والصحف وكل كتاب نزل قبل نبى فقد أوتيه هو وأمته واللام متعلق بجعلنا أى حصرنا عدتهم من حيث الإِخبار بها فى الفتنة ليستيقن الذين أوتوا الكتاب وذلك أنه ذكر فى التوراة والإِنجيل أن الله تعالى يبعث نبيه محمداً - صلى الله عليه وسلم - ويخبره بعددهم فيفتتن به قومه فيكون - صلى الله عليه وسلم - قد اخبر بما فى كبتهم فيوقنوا رسالته وقدر بعض فعلنا ذلك ليستيقن وبعض عطف ليستيقن على الذين كفروا بحذف العاطف ولا يقبل هذا وأولى من هذا المعنى أن يجعل ليستيقن إِلخ بدل فتنة إِذ تضمنت فتنتهم استيقان أهل الكتاب إِذ ذكرت فى كتابهم علامة لرسالته وبدل الاشتمال قد يستعمل بلا رابط كما هنا وقد يقال إِيجادهم تسعة عشر علة للاستيقان لأَن الإِيجاد سبب للإِخبار والإِخبار سبب للاستيقان فهو سبب بعيد لكن فيه تكلف، وقيل المراد بأَهل الكتاب اليهود لأَن اليهود سأَلوا رجلاً من أصحاب النبى - صلى الله عليه وسلم - عن خزنة جهنم فقال الله ورسوله أعلم فأَخبر الرجل النبى - صلى الله عليه وسلم - فنزل فى حينه عليها تسعة عشر والسورة مكية فلعل الرجل لقى اليهود فى سفر أو فى المدينة أو دخل اليهود مكة لأَنهم قد يدخلونها قبل الفتح وقبل الهجرة. {وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَاناً} مِن غير أهل الكتاب وإِن كان قد آمن بعض أهل الكتاب قبل نزولها دخل ها. {وَلاَ يَرْتَابَ الَّذِينَ أوتُوا الكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ} تأْكيد لما قيل هذا من ازدياد الإِيمان والاستيقان ونفى لأَن تبقى شبهة أو تحدث ولم يقل ويزداد الذين آمنوا إِيماناً ولا يرتابوا وليقول الذين فى قلوبهم مرض بِرَدْ واو يرتابوا إِلى أهل الكتاب والمؤمنين لأَن نفى الارتياب عن أهل الكتاب مقابل لجحودهم ونفيه عن المؤمنين مقابل لإِيمانهم ولئلا يتوهم رجوع الواو إِلى المؤمنين فقط لقرب ذكرهم. {وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} شك أو نفاق على أن السورة كلها مكية فيكون ذلك إِخباراً بالغيب بأَنه سيكون النفاق فىالمدينة أو هذا مدنى جعل فى سورة مكية ولا مانع من أن يكون فى أهل مكة قبل النزول من قرب من الإِسلام فشك. {وَالكَافِرُونَ} المصرون على الشرك بلا شك فى الوحى فى مكة أو فى المدينة. {مَاذَا} اسم واحد مركب مفعول به لا راد من قوله: {أرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلاً} أو مبتدأ وخبر وما بعده صلة ذا والرابط محذوف أى أراده ومثلا تمييز أو حال، والمراد أن هذا العدد مستغرب استغراب المثل أو المراد ما شبه مضر به بمورده بأَن يكون قد عدوه مثلا لاستغرابه ونسبوه إِلى الله تهكماً والإِشارة للتحقير وغرضهم نفى أن يكون ذلك من الله تعالى على أبلغ وجه وافرد قولهم هذا بقوله وليقول مع أنه من فتنتهم للإِشعار باستقلاله فى الشناعة، وروى أن أبا جهل قال: أما لرب محمد أعوان إِلا تسعة عشر. فقال الله عز وجل مع هؤلاء التسعة عشر جنود للتعذيب لا يعلمها إِلا الله عز وجل وأعيد اللام للفرق بين العلتين لأَن مرجع الأُولى بالهداية وهى مقصودة بالذات ومرجع هذه الضلال المقصود بالعرض الناشئ من سوء اختيار الضالين. {كَذَلِكَ} قيل قدم للحصر. {يُضِلُّ اللهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِى مَن يَشَاءُ} يضل الله من يشاء إِضلاله ويهدى من يشاء هدايته عند مشاهدة الآيات بحسب اختيارهما إِضلالاً وهداية ثابتين كإِضلال من ذكر وهداية من ذكر لا غيرهما على أنها اسم. {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ} مخلوقاته التى تشبه حصون القتال وناسب ذلك أن الملائكة مسلطون فى النار على أعداء الله عز وجل وذلك قيل من الجند وهى الأَرض الغليظة التى فيها الحجارة، أو المراد مطلق جموع خلقه ومنها ملائكته المذكورون وعلى كل حال لا يعلم أنواعها وأفرادها وأحوالها وصفاتها. {إِلاَّ هُوَ} عز وجل، قال أبو جهل: أما لرب محمد أعوان إِلا تسعة عشر فنزلت كما مر فالظاهر أن المراد العدد فقط لأَن كلامه لعنه الله عز وجل فيه لكن لا مانع من الزيادة فى الجواب بل قد تستحسن وقد تكون لا بد منها وأكثر الخلق الملائكة، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديث : أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع قدم إِلاَّ وفيه ملك قائم أو راكع أو ساجد تفسير : أى صاتت بثقل الحمل وذلك كناية، والمراد أنه لم يفرغ منها قدر قدم ففى موضع قدم كل ملك عدد أقدام مثلا يصدق عليها أن فيها ملكاً ويحتمل أنها تنطوى حتى يكون فى مقدار قدم واحد ملك ويقال مخلوقات البر عُشر مخلوقات البحر والمجموع عُشر مخلوقات الجو والمجموع عشر ملائكة السماء الأولى والمجموع عشر ملائكة السماء الثانية وهكذا والمجموع عُشر ملائكة الكرسى والمجموع عُشر ملائكة الحافين بالعرش والمجموع اقل قليلا بالنسبة إِلى الملائكة الهائمين الذين لا يعلمون أن الله تعالى خلق سواهم والمجموع أقل قليلا بالنسبة إِلى مالا يعلمه إِلا الله تعالى وعز وجل. {وَمَا هِيَ إِلاَّ ذِكْرَى} تذكرة. {لِلْبَشَرِ} كل ما ذكر الإِنس فالجن مثلهم إِلا ما لم يمكن والعطف على سأصليه سقر والضمير لسقر فإِن ذكرها عظة للكافرين والفاسقين على كفرهم وفسقهم ولا سيما قد ذكر صفاتها وأحوالها، وقيل للآيات الناطقة بأَحوال سقر، وقيل لعدة خزنتها، وقيل للجنود.

الالوسي

تفسير : {وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَـٰبَ ٱلنَّارِ إِلاَّ مَلَٰئِكَةً } أي ما جعلناهم رجالاً من جنسكم يطاقون، وأنزل سبحانه في أبـي جهل{أية : أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ * ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ}تفسير : [القيامة: 34ـ35] والظاهر أن المراد بأصحاب النار هم التسعة عشر ففيه وضع الظاهر موضع الضمير، وكأن ذلك لما في هذا الظاهر من الإشارة إلى أنهم المدبرون لأمرها القائمون بتعذيب أهلها ما ليس في الضمير وفي ذلك إيذان بأن المراد بسقر النار مطلقاً لا طبقة خاصة منها. والجمهور على أن المراد بهم النقباء فمعنى كونهم عليها أنهم يتولون أمرها وإليهم جماع زبانيتها وإلا فقد جاء «يؤتى بجهنم يومئذٍ لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها» وذهب بعضهم إلى أن التمييز المحذوف صنف وقيل صف والأصل عليها تسعة عشر صنفاً أو عليها تسعة عشر صفاً ويبعده ما تقدم في رواية الحبر وكذا قوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لّلَّذِينَ كَفَرُواْ } فإن المتبادر أن افتتانهم باستقلالهم لهم واستبعادهم تولي تسعة عشر لتعذيب أكثر الثقلين واستهزائهم بذلك ومع تقدير الصنف أو الصف لا يتسنى ذلك. وقال غير واحد في تعليل جعلهم ملائكة ليخالفوا جنس المعذبين فلا يرقوا لهم ولا يستروحوا إليهم ولأنهم أقوى الخلق وأقومهم بحق الله تعالى وبالغضب له سبحانه وأشدهم بأساً وفي الحديث حديث : كأن أعينهم البرق وكأن أفواههم الصياصي يجرون أشعارهم لهم مثل قوة الثقلين يقبل أحدهم بالأمة من الناس يسوقهم على رقبته جبل حتى يرمي بهم في النار فيرمى بالجبل عليهم تفسير : ولا يبعد أن يكون في التنوين إشعار إلى عظم أمرهم. ومعنى قوله تعالى {وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ} إلى آخره على ما اختاره بعض الأجلة: وما جعلنا عدد أصحاب النار إلا العدد الذي اقتضى فتنة الذين كفروا بالاستقلال والاستهزاء وهو التسعة عشر، فكأن الأصل وما جعلنا عدتهم إلا تسعة عشر، فعبر بالأثر - وهو فتنة الذين كفروا - عن المؤثر وهو خصوص التسعة عشر لأنه كما علم السبب في افتتانهم وقيل {إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ} بدل إلا تسعة عشر - تنبيهاً على أن الأثر هنا لعدم انفكاكه عن مؤثره لتلازمهما كانا كشيء واحد يعبر باسم أحدهما عن الآخر، ومعنى جعل عدتهم المطلقة العدة المخصوصة أن يخبر عن عددهم بأنه كذا إذ الجعل لا يتعلق بالعدة إنما يتعلق بالمعدود فالمعنى أخبرنا أن عدتهم تسعة عشر دون غيرها. {لِيَسْتَيْقِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ } أي ليكتسبوا اليقين بنبوته صلى الله عليه وسلم وصدق القرآن لأجل موافقة المذكورين ذكرهم في القرآن بهذا العدد وفي الكتابين كذلك وهذا غير جعل الملائكة على العدد المخصوص لأنه إيجاد، ولا يصح على ما قال بعض المحققين أن يجعل إيجادهم على الوصف علة للاستيقان المذكور لأنه ليس إلا للموافقة. وتكلف بعضهم لتصحيحه بأن الإيجاد سبب للإخبار والإخبار سبب للاستيقان فهو سبب بعيد له والشيء كما يسند لسببه البعيد يسند لسببه القريب لكنه كما قال لا يحسن ذلك، وإنما احتيج إلى التأويل بالتعبير بالأثر عن المؤثر ولم يبق الكلام على ظاهره لأن الجعل من دواخل المبتدأ والخبر فما يترتب عليه يترتب باعتبار نسبة أحد المفعولين إلى الآخر كقولك جعلت الفضة خاتماً لتزين به وكذلك ما جعلت الفضة إلا خاتماً لكذا، ولا معنى لترتب الاستيقان وما بعده على جعل عدتهم فتنة للكفار ولا مدخل لافتتانهم بالعدد المخصوص في ذلك وإنما الذي له مدخل العدة بنفسها أي العدة باعتبار أنها العدة المخصوصة والإخبار بها كما سمعت وليس ذلك تحريفاً لكتاب الله تعالى ولا مبنياً على رعاية مذهب باطل كما توهم، ومنهم من تكلف لأمر السببية على الظاهر بما تمجه / الأسماع فلا نسود به الرقاع. وفي «البحر» {لِيَسْتَيْقِنَ} مفعول من أجله وهو متعلق بجعلنا لا بفتنة فليست الفتنة معلولة للاستيقان بل المعلول جعل العدة سبب الفتنة وفي «الانتصاف» يجوز أن يرجع قوله تعالى {لِيَسْتَيْقِنَ} إلى ما قبل الاستثناء أي جعلنا عدتهم سبباً لفتنة الكفار ويقين المؤمنين. وذكر الإمام في ذلك وجهين الثاني ما قدمناه مما اختاره بعض الأجلة والأول أن التقدير وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للكافرين وإلا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب قال وهذا كما يقال فعلت كذا لتعظيمك ولتحقير عدوك فالواو العاطفة قد تذكر في هذا الموضع تارة وقد تحذف أخرى. وقال بعض إنه متعلق بمحذوف أي فعلنا ذلك ليستيقن الخ والكل كما ترى. وحمل {ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ} على أهل الكتابين مما ذهب إليه جمع، وقيل المراد بهم اليهود فقد أخرج ابن أبـي حاتم وابن مردويه والبيهقي في «البعث» عن البراء أن رهطاً من اليهود سألوا رجلاً من أصحاب النبـي صلى الله عليه وسلم عن خزنة جهنم فقال الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم أعلم فجاء فأخبر النبـي صلى الله عليه وسلم فنزل عليه ساعتئذٍ{أية : عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ}تفسير : [المدثر: 30] وأخرج الترمذي وابن مردويه حديث : عن جابر قال قال ناس من اليهود لأناس من أصحاب النبـي صلى الله عليه وسلم هل يعلم نبيكم عدد خزنة جهنم فأخبروا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال هكذا وهكذا في مرة عشرة وفي مرة تسعة تفسير : . واستشعر من هذا أن الآية مدنية لأن اليهود إنما كانوا فيها وهو استشعار ضعيف لأن السؤال لصحابـي فلعله كان مسافراً فاجتمع بيهودي حيث كان وأيضاً لا مانع إذ ذاك من إتيان بعض اليهود نحو مكة المكرمة. ثم إن الخبرين لا يعينان حمل الموصول على اليهود كما لا يخفى فالأولى إبقاء التعريف على الجنس وشمول الموصول للفريقين أي ليستيقن أهل الكتاب من اليهود والنصارى. {وَيَزْدَادَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِيمَـٰناً } أي يزداد إيمانهم كيفية بما رأوا من تسليم أهل الكتاب وتصديقهم أنه كذلك، أو كمية بانضمام إيمانهم بذلك إلى إيمانهم بسائر ما أنزل {وَلاَ يَرْتَابَ ٱلَّذِينَ أَتَوْا ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْمُؤْمِنُونَ } تأكيد لما قبله من الاستيقان وازدياد الإيمان ونفي لما قد يعتري المستيقن من شبهة ما للغفلة عن بعض المقدمات أو طريان ما توهم كونه معارضاً في أول وهلة ولما فيه من هذه الزيادة جاز عطفه على المؤكد بالواو لتغايرهما في الجملة. وإنما لم ينظم المؤمنين في سلك أهل الكتاب في نفي الارتياب حيث لم يقل ولا يرتابوا للتنبيه على تباين النفيين حالاً فإن انتفاء الارتياب من أهل الكتاب مقارن لما ينافيه من الجحود، ومن المؤمنين مقارن لما يقتضيه من الإيمان وكم بينهما، وقيل إنما لم يقل ولا يرتابوا بل قيل {وَلاَ يَرْتَابَ} الخ للتنصيص على تأكيد الأمرين لاحتمال عود الضمير في ذلك على المؤمنين فقط، والتعبير عن المؤمنين باسم الفاعل بعد ذكرهم بالموصول والصلة الفعلية المنبئة عن الحدوث للإيذان بثباتهم على الإيمان بعد ازديادهم ورسوخهم في ذلك. {وَلِيَقُولَ ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ } أي شك أو نفاق فيكون بناء على أن السورة بتمامها مكية والنفاق إنما حدث بالمدينة إخباراً عما سيحدث من المغيبات بعد الهجرة {وَٱلْكَـٰفِرُونَ } المصرون على التكذيب {مَاذَا أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً } أي أي شيء أراد الله تعالى أو ما الذي أراده الله تعالى بهذا العدد المستغرب استغراب المثل، وعلى الأول {مَاذَا} منزلة منزلة اسم واحد للاستفهام في موضع نصب بأراد وعلى الثاني هي مؤلفة من كلمة (ما) اسم استفهام مبتدأ و(ذا) اسم موصول خبره والجملة بعد صلة والعائد فيها محذوف و{مَثَلاً} نصب على التمييز أو على الحال كما في قوله تعالى {أية : هَـٰذِهِ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمْ آيَةً}تفسير : [الأعراف: 73]. والظاهر أن ألفاظ هذه الجملة من المحكي، وعنوا بالإشارة التحقير وغرضهم نفي أن يكون ذلك من عند الله عز وجل على أبلغ وجه لا / الاستفهام حقيقة عن الحكمة ولا القدح في اشتماله عليها مع اعترافهم بصدور الأخبار بذلك عنه تعالى. وجوز أن يكون {أَرَادَ ٱللَّهُ} من الحكاية وهم قالوا ماذا أريد ونحوه. وقيل يجوز أن يكون المثل بمعناه الآخر وهو ما شبه مضربه بمورده بأن يكونوا قد عدوه لاستغرابه مثلاً مضروباً ونسبوه إليه عز وجل استهزاء وتهكماً. وإفراد قوله بهذا التعليل مع كونه من باب فتنتهم قيل للإشعار باستقلاله في الشناعة. وفي «الحواشي الشهابية» إنما أعيد اللام فيه للفرق بين العلتين إذ مرجع الأولى الهداية المقصودة بالذات ومرجع هذه الضلال المقصود بالعرض الناشيء من سوء صنيع الضالين، وتعليل أفعاله تعالى بالحكم والمصالح جائز عند المحققين، وجوز في هذه اللام وكذا الأولى كونها للعاقبة. {كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَاء } (ذلك) إشارة إلى ما قبله من معنى الإضلال والهداية ومحل الكاف في الأصل النصب على أنها صفة لمصدر محذوف وأصل التقدير يضل الله من يشاء {وَيَهْدِى مَن يَشَاء } إضلالاً وهداية كائنين مثل ما ذكر من الإضلال والهداية فحذف المصدر وأقيم وصفه مقامه ثم قدم على الفعل لإفادة القصر فصار النظم: مثل ذلك الإضلال وتلك الهداية يضل الله تعالى من يشاء إضلاله لصرف اختياره حسب استعداده السيـىء إلى جانب الضلال عند مشاهدته لآيات الله تعالى الناطقة بالهدى ويهدي من يشاء هدايته لصرف اختياره حسب استعداده الحسن عند مشاهدة تلك الآيات إلى جانب الهدى لا إضلالاً وهداية أدنى منهما، ويجوز أن تكون الإشارة إلى ما بعد كما في قوله تعالى: {أية : وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا}تفسير : [البقرة: 143] على ما حقق في موضعه. {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبّكَ } جمع جند اشتهر في العسكر اعتباراً بالغلظة من الجند أي الأرض الغليظة التي فيها حجارة ويقال لكل جمع، أي وما يعلم جموع خلقه تعالى التي من جملتها الملائكة المذكورون على ما هم عليه {إِلاَّ هُوَ } عز وجل إذ لا سبيل لأحد إلى حصر الممكنات والوقوف على حقائقها وصفاتها ولو إجمالاً فضلاً عن الاطلاع على تفاصيل أحوالها من كم وكيف ونسبة، وهو رد لاستهزائهم بكون الخزنة تسعة عشر لجهلهم وجه الحكمة في ذلك. وقال مقاتل وهو جواب لقول أبـي جهل أما لرب محمد أعوان إلا تسعة عشر وحاصله أنه لما قلل الأعوان أجيب بأنهم لا يحصون كثرة إنما الموكلون على النار هؤلاء المخصوصون لا أن المعنى مايعلم بقوة بطش الملائكة إلا هو خلافاً للطيبـي فإن اللفظ غير ظاهر الدلالة على هذا المعنى. واختلف في أكثر جنود الله عز وجل فقيل الملائكة لخبر حديث : أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع قدم إلا وفيه ملك قائم أو راكع أو ساجد تفسير : وفي بعض الأخبار أن مخلوقات البر عشر مخلوقات البحر والمجموع عشر مخلوقات الجو والمجموع عشر ملائكة السماء الدنيا والمجموع عشر ملائكة السماء الثانية وهكذا إلى السماء السابعة والمجموع عشر ملائكة الكرسي والمجموع عشر الملائكة الحافين بالعرش والمجموع أقل قليل بالنسبة إلى ما لا يعلمه إلا الله وقيل المجموع أقل قليل بالنسبة إلى الملائكة المهيمين الذين لا يعلم أحدهم أن الله تعالى خلق أحداً سواه والمجموع أقل قليل بالنسبة إلى ما يعلمه سبحانه من مخلوقاته. وعن الأوزاعي قال قال موسى عليه السلام يا رب من معك في السماء قال ملائكتي قال كم عدتهم؟ قال اثنا عشر سبطاً قال كم عدة كل سبط قال عدد التراب، وفي صحة هذا نظر وإن صح فصدره من المتشابه وأنا لا أجزم بأكثرية صنف فما يعلم جنود ربك إلا هو ولم يصح عندي نص في ذلك بيد أنه يغلب على الظن أن الأكثر الملائكة عليهم السلام. وهذه الآية وأمثالها من الآيات والأخبار تشجع على القول باحتمال أن يكون في الأجرام العلوية جنود من جنود الله تعالى لا يعلم حقائقها وأحوالها إلا هو عز وجل، ودائرة ملك الله جل جلاله أعظم من أن يحيط بها نطاق الحصر أو يصل إلى مركزها طائر الفكر فأنى وهيهات ولو استغرقت القوى والأوقات. هذا واختلف في المخصص لهذا العدد / أعني تسعة عشر فقيل إن اختلاف النفوس البشرية في النظر والعمل بسبب القوى الحيوانية الإثنتي عشرة يعني الحواس الخمسة الباطنة والحواس الخمسة الظاهرة والقوة الباعثة كالغضبية والشهوية والقوة المحركة فهذه اثنتا عشرة والطبيعية السبع التي ثلاث منها مخدومة وهي القوة النامية والغادية والمولدة وأربع منها خادمة وهي الهاضمة والجاذبة والدافعة والماسكة وهذا مع ابتنائه على الفلسفة لا يكاد يتم كما لا يخفى على من وقف على كتبها. وقيل إن لجهنم سبع دركات ست منها لأصناف الكفار وكل صنف يعذب بترك الاعتقاد والإقرار والعمل أنواعاً من العذاب تناسبها فبضرب الست في الثلاثة يحصل ثمانية عشر وعلى كل نوع ملك أو صنف يتولاه، وواحدة لعصاة الأمة يعذبون فيها بترك العمل نوعاً يناسبه ويتولاه ملك أو صنف وبذلك تتم التسعة عشر. وخصت ست منها بأصناف الكفار وواحدة بأصناف الأمة ولم يجعل تعذيب الكفار في خمس منها فيبقى للمؤمنين اثنتان إحداهما لأهل الكبائر والأخرى لأهل الصغائر أو إحداهما للعصاة منهم والأخرى للعاصيات لأنه حيث أعدت النار للكافرين أولاً وبالذات ناسب أن يستغرقوها كلية ويوزعوا على جميع أماكنها بقدر ما يمكن لكن لما تعلقت أرادته سبحانه بتعذيب عصاة الأمة بها أفرزت واحدة منها لهم. وقيل إن الساعات أربع وعشرون خمسة منها مصروفة للصلاة فلم يخلق في مقابلتها زبانية لبركة الصلاة الشاملة لمن لم يصل فيبقى تسعة عشر. وقيل إن لجهنم سبع دركات ست منها لأصناف الكفار وللاعتناء بأمر عذابهم واستمراره ناسب أن يقوم عليه ثلاثة واحد في الوسط واثنان في الطرفين فهذه ثمانية عشر. وواحدة منها لعصاة المؤمنين ناسب أمر عذابهم أن يقوم عليه واحد وبه تتم التسعة عشر وقيل إن العدد على وجهين قليل وهو من الواحد إلى التسعة وكثير وهو من العشرة إلا ما لا نهاية له فجمع بين نهاية القليل وبداية الكثير، وقيل غير ذلك. والذي مال إليه أكثر العلماء أن ذلك مما لا يعلم حكمته على التحقيق إلا الله عز وجل وهو كالمتشابه يؤمن به ويفوض علمه إلى الله تعالى، وكل ما ذكر مما لا يعول عليه كما لا يخفى على من وجه أدنى نظره إليه، والله تعالى الهادي لصوب الصواب والمتفضل على من شاء بعلم لا شك معه ولا ارتياب. وقرأ أبو جعفر وطلحة بن سليمان (تسعة عشر) بإسكان العين وهو لغة فيه كراهة توالي الحركات فيما هو كاسم واحد. وقرأ أنس بن مالك وابن عباس وابن قطب وإبراهيم بن قتة (تسعة) بضم التاء وهي حركة بناء، عدل إليها عن الفتح لتوالي خمس فتحات ولا يتوهم أنها حركة إعراب وإلا أعرب عشر. وقرأ أنس أيضاً (تسعة) بالضم (أعشر) بالفتح قال صاحب «اللوامح» فيجوز أنه جمع العشرة على أعشر ثم أجراه مجرى تسعة عشر وعنه أيضاً تسعة وعشر بالضم وقلب الهمزة واواً خالصة تخفيفاً والتاء فيهما مضمومة ضمة بناء لما سمعت آنفاً وعن سليمان بن قتة وهو أخو إبراهيم أنه قرأ تسعة أعشر بضم التاء ضمة إعراب والإضافة إلى أعشر وجره منوناً وهو على ما قال صاحب «اللوامح» جمع عشرة وقد صرح بأن الملائكة على القراءة بهذا الجمع معرباً أو مبنياً تسعون ملكاً. وقال الزمخشري جمع عشير مثل يمين وأيمن وروى عنه أنه قال أي تسعة من الملائكة كل واحد منهم عشير فهم مع أشياعهم تسعون والعشير بمعنى العشر فدل على أن النقباء تسعة. وتعقب بأن دلالته على هذا المعنى غير واضحة ولهذا قال ابن جني لا وجه لتلك القراءة إلا أن يعني تسعة أعشر جمع العشير وهم الأصدقاء فليراجع. {وَمَا هِىَ } أي سقر كما يقتضيه كلام مجاهد {إِلاَّ ذِكْرَىٰ لِلْبَشَرِ } إلا تذكرة لهم والعطف قيل على قوله تعالى {أية : سَأُصْلِيهِ سَقَرَ}تفسير : [المدثر: 26] {وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَـٰبَ ٱلنَّارِ} إلى هنا اعتراض ووجهه أنه لما قيل {أية : عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ}تفسير : [المدثر: 30] زيادة في تهويل أمر جهنم عقب بما يؤكد قوتهم وتسلطهم وتباينهم بالشدة عن سائر المخلوقات ثم بما يؤكد الكمية، وما أكد المؤكد فهو مؤكد أيضاً، وقيل / الضمير للآيات الناطقة بأحوال سقر وقيل لعدة خزنتها والتذكير والعظة فيها من جهة إن في خلقه تعالى ما هو في غاية العظمة حتى يكون القليل منهم معذباً ومهلكاً لما لا يحصى دلالة على أنه عز وجل لا يقدر حق قدره ولا توصف عظمته ولا تصل الأفكار إلى حرم جلاله. وقيل الضمير للجنود وقيل لنار الدنيا وهذا أضعف الأقوال، وأقواها على ما قيل ما تقدم وبين البشر هٰهنا والبشر فيما سبق أعني قوله تعالى{أية : لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ}تفسير : [المدثر: 29] على تفسير الجمهور تجنيس تام لفظي وخطي وقل من تذكر له.

ابن عاشور

تفسير : {وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَابَ ٱلنَّارِ إِلاَّ مَلاَئِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيَسْتَيْقِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ وَيَزْدَادَ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِيمَاناً وَلاَ يَرْتَابَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَٱلْكَافِرُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً}. روى الطبري عن ابن عباس وجابر بن زيد: «أن أبا جهل لما سمع قوله تعالى: {أية : عليها تسعة عشر}تفسير : [المدثر: 30] قال لقريش: ثكلتكم أمهاتكم إن ابن أبي كبشة يخبركم أن خزنة النار تسعة عشر وأنتم الدَّهْم أفيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا برجل من خزنة جهنم؟ فقال الله تعالى: {وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة}، أي ما جعلناهم رجالاً فيأخذ كل رجل رجلاً، فمن ذا يغلب الملائكة اهـ. وفي «تفسير القرطبي» عن السدي: أن أبا الأشَدَّ بنَ كَلَدَة الجُمَحِي قال مستهزئاً: لا يَهُولَنَّكم التسعةَ عشر، أنا أدفع بمنكبي الأيمنِ عشرة وبمنكبي الأيسر تسعة ثم تمرون إلى الجنة، وقيل: قال الحارث بن كَلَدة: أنا أكفيكم سبعة عشر واكفوني أنتم اثنين، يريد التهكم مع إظهار فرط قوته بين قومه. فالمراد مِن {أصحاب النار} خزنتها، وهم المتقدم ذكرهم بقوله: {أية : عليها تسعةَ عشر}تفسير : [المدثر: 30]. والاستثناء من عموم الأنواع، أي ما جعلنا خزنة النار من نوع إلاّ من نوع الملائكة. وصيغة القصر تفيد قلب اعتقاد أبي جهل وغيره مَا توهموه أو تظاهروا بتوهمه أن المراد تسعة عشر رجلاً فطمع أن يخلص منهم هو وأصحابه بالقوة فقد قال أبو الأشدِّ بن أُسَيد الجُمحِي: لا يَبلغون ثوبي حتى أُجْهِضَهم عن جهنم، أي أنحِّيهم. وقوله تعالى: {وما جعلنا عِدَّتهم إلا فتنة للذين كفروا} تتميم في إبطال توهم المشركين حقارة عدد خزنة النار، وهو كلام جار على تقدير الأسلوب الحكيم إذ الكلام قد أثار في النفوس تساؤلاً عن فائدة جعل خزنة جهنم تسعةَ عشر وهلاّ كانوا آلافاً ليكون مرآهم أشد هولاً على أهل النار، أو هلاَّ كانوا ملكاً واحداً فإن قُوى الملائكة تأتي كل عمل يسخرها الله له، فكان جواب هذا السؤال: أن هذا العدد قد أظهر لأصناف الناس مبلغ فَهم الكفار للقرآن. وإنما حصلت الفتنة من ذكر عددهم في الآية السابقة. فقوله: {وما جعلنا عدتهم} تقديره: وما جعلنا ذكر عدتهم إلاّ فتنة، ولاستيقان الذين أوتوا الكتاب، وازدياد الذين آمنوا إيماناً، واضطراب الذين في قلوبهم مرض فيظهر ضلال الضالين واهتداء المهتدين. فالله جعل عدة خزنة النار تسعة عشر لحكمة أخرى غير ما ذكر هنا اقتضت ذلك الجعل يعلمها الله. والاستثناء مفرغ لمفعول ثان لفعل {جعلنا} تقديره جعلنا عدتهم فتنة لا غير، ولما كانت الفتنة حالاً من أحوال الذين كفروا لم تكن مراداً منها ذاتها بل عروضها للذين كفروا فكانت حالاً لهم. والتقدير: ما جعلنا ذكر عدتهم لعلة وغرض إلاّ لغرض فتنة الذين كفروا؛ فانتصب {فتنة} على أنه مفعول ثان لفعل {جعلنا} على الاستثناء المفرغ، وهو قصر قلب للردّ على الذين كفروا إذ اعتقدوا أن عدتهم أمر هيّن. وقوله: {ليستيقن الذين أُوتوا الكتاب} الخ. علة ثانية لفعل {وما جعلنا عدتهم إلا فتنة}. ولولا أن كلمة {فتنةً} منصوبة على المفعول به لِفعل {جعلنا}. لكان حق {ليستيقن} أن يعطف على {فتنة} ولكنه جاء في نظم الكلام متعلقاً بفعل: {ومَا جعلنا عدتهم إلا فتنة}. ويجوز أن يكون {للذين كفروا} متعلقاً بفعل {جعلنا} وبـ {فتنة}، على وجه التنازع فيه، أي ما جعلنا عدتهم للذين كفروا إلاّ فتنةً لهم إذ لم يحصل لهم من ذكرها إلاّ فساد التأويل، وتلك العِدة مجعولة لفوائد أخرى لغير الذين كفروا الذين يفوضون معرفة ذلك إلى علم الله وإلى تدبر مفيد. والاستيقان: قوة اليقين، فالسين والتاء فيه للمبالغة. والمعنى: ليستيقنوا صدق القرآن حيث يجدون هذا العدد مصدقاً لما في كتبهم. والمراد بـ {الذين أُوتوا الكتاب} اليهود حين يبلغهم ما في القرآن من مثل ما في كتبهم أو أخبارهم. وكان اليهود يترددون على مكة في التجارة ويتردد عليهم أهل مكة للميرة في خيبر وقريظة ويثرب فيسأل بعضهم بعضاً عما يقوله محمد صلى الله عليه وسلم ويودّ المشركون لو يجدون عند اليهود ما يكذبون به أخبار القرآن ولكن ذلك لم يجدوه ولو وجدوه لكان أيسر ما يطعنون به في القرآن. والاستيقان من شأنه أن يعقبه الإِيمان إذا صادف عقلاً بريئاً من عوارض الكفر كما وقع لعبد الله بن سَلاَم وقد لا يعقبه الإِيمان لمكابرة أو حسد أو إشفاق من فوات جاه أو مال كما كان شأن كثير من اليهود الذين قال الله فيهم {أية : يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن كثيراً منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون} تفسير : [البقرة: 146] ولذلك اقتصرت الآية على حصول الاستيقان لهم. روى الترمذي بسنده إلى جابر بن عبد الله قال: قال ناس من اليهود لأناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم هل يعلم نبيئكم عدد خزنة النار؟، قالوا: لا ندري حتى نسأل نبيئنا. فجاء رجل إلى النبي فقال: يا محمد غُلب أصحابكم اليوم، قال: وبم غلبوا قال: سألهم يهودُ: هل يعلم نبيئكم عدد خزنة النار، قال: فما قالوا؟ قال: قالوا لا ندري حتى نسأل نبينا، قال: أفغُلب قوم سُئلوا عما لا يعلمون؟ فقالوا: لا نعلم حتى نسأل نبينا إلى أن قال جابر: فلما جاءوا قالوا: يا أبا القاسم كم عدد خزنة جهنم؟ قال. هكذا وهكذا في مرة عشرة وفي مرة عشرة وفي مرة تسع (بإشارة الأصابع) قالوا: نعم الخ. وليس في هذا ما يُلجىء إلى اعتبار هذه الآية نازلة بالمدينة كما روي عن قتادة لأن المراجعة بين المشركين واليهود في أخبار القرآن مألوفة من وقت كون النبي صلى الله عليه وسلم في مكة. قال أبوبكر ابن العربي في «العارضة»: حديث جابر صحيح والآية التي فيها {أية : عليها تسعةَ عشر}تفسير : [المدثر: 30] مكية بإجماع، فكيف تقول اليهود هذا ويدعوهم النبي للجواب وذلك كان بالمدينة، فيحتمل أن الصحابة قالوا: لا نعلم، لأنهم لم يكونوا قرأوا الآية ولا كانت انتشرت عندهم (أي لأنهم كانوا من الأنصار الذين لم يتلقوا هذه الآية من سورة المدثر لبعد عهد نزولها بمكة وكان الذين يجتمعون باليهود ويسألهم اليهود هم الأنصار. قال: ويحتمل أن الصحابة لم يمكنهم أن يعينوا أن التسعة عشر هم الخزنة دون أن يعيِّنهم الله حتى صرح به النبي صلى الله عليه وسلم اهـ. فقد ظهر مصداق قوله تعالى: {ليستيقن الذين أُوتوا الكتاب} بعد سنين من وقت نزوله. ومعنى {ويزداد الذين ءامنوا إيماناً} أنهم يؤمنون به في جملة ما يؤمنون به من الغيب فيزداد في عقولهم جُزئيّ في جزئيات حقيقة إيمانهم بالغيب، فهي زيادة كمية لا كيفية لأن حقيقة الإِيمان التصديق والجزم وذلك لا يقبل الزيادة، وبمثل هذا يكون تأويل كل ما ورد في زيادة الإِيمان من أقوال الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة. وقوله: {ولا يرتاب الذين أُوتوا الكتاب والمؤمنون} عطف على {ليستيقن الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون}، أي لينتفي عنهم الريب فلا تعتورهم شبهة من بعد علمه لأنه إيقان عن دليل. وإن كان الفريقان في العمل بعلمهم متفاوتين، فالمؤمنون علموا وعَملوا، والذين أُوتوا الكتاب علموا وعاندوا فكان علمهم حجة عليهم وحسرة في نفوسهم. والمقصود من ذكره التمهيد لذكر مكابرة الذين في قلوبهم مرض والكافرين في سوء فهمهم لهذه العِدة تمهيداً بالتعريض قبل التصريح، لأنه إذا قيل {ولا يرتاب الذين أُوتوا الكتاب والمؤمنون} شعر الذين في قلوبهم مرض والكافرون بأنهم لما ارتابوا في ذلك فقد كانوا دون مرتبة الذين أوتوا الكتاب لأنهم لا ينازعون في أن الذين أوتوا الكتاب أرجح منهم عقولاً وأسد قولاً، ولذلك عطف عليه {وليقولَ الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلاً}، أي ليقولوا هذا القول إعراباً عما في نفوسهم من الطعن في القرآن غير عالمين بتصديق الذين أوتوا الكتاب. واللام لام العاقبة مثل التي في قوله تعالى: {أية : فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً}تفسير : [القصص: 8]. والمرض في القلوب: هو سوء النية في القرآن والرسول صلى الله عليه وسلم وهؤلاء هم الذين لم يزالوا في تردد بين أن يسلموا وأن يبقوا على الشرك مثل الأخنس بن شَرِيق والوليد بن المغيرة، وليس المراد بالذين في قلوبهم مرض المنافقون لأن المنافقين ما ظهروا إلاّ في المدينة بعد الهجرة والآية مكية. و {ماذا أراد الله} استفهام إنكاري فإن (ما) استفهامية، و (ذا) أصله اسم إشارة فإذا وقع بعد (ما) أو (مَن) الاستفهاميتين أفاد معنى الذي، فيكون تقديره: ما الأَمر الذي أراده الله بهذا الكلام في حال أنه مثل، والمعنى: لم يرد الله هذا العدد الممثل به، وقد كُنّي بنفي إرادة الله العدد عن إنكار أن يكون الله قال ذلك، والمعنى: لم يرد الله العدد الممثل به فكنَّوا بنفي إرادة الله وصفَ هذا العددِ عن تكذيبهم أن يكون هذا العدد موافقاً للواقع لأنهم ينفون فائدته، وإنما أرادوا تكذيب أن يكون هذا وحياً من عند الله. والإِشارة بهذا إلى قوله: {أية : عليها تسعةَ عشر}تفسير : [المدثر: 30]. و {مثلاً} منصوب على الحال من هذا، والمثل: الوصف، أي بهذا العدد وهو تسعة عشر، أي ما الفائدة في هذا العدد دون غيره مثل عشرين. والمثل: وصف الحالة العجيبة، أي ما وصَفه من عدد خزنة النار كقوله تعالى: {أية : مثل الجنّة التي وعد المتقون}تفسير : [محمد: 15] الآية. وتقدم نظير هذا عند قوله تعالى: {أية : وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلاً}تفسير : في سورة [البقرة: 26]. {كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ} اسم الإِشارة عائد إلى ما تضمنه الكلام المتقدم من قوله: {ليستيقن الذين أوتوا الكتاب} إلى قوله: {مثلاً} بتأويل ما تضمنه الكلام، بالمذكور، أي مثل ذلك الضلال الحاصل للذين في قلوبهم مرض وللكافرين، والحاصل للذين أوتوا الكتاب بعد أن استيقنوا فلم يؤمنوا يُضل الله من يشاء أن يضله من عباده، ومثل ذلك الهُدى الذي اهتداه المؤمنون فزادهم إيماناً مع إيمانهم يَهدي الله من يشاء. والغرض من هذا التشبيهِ تقريبُ المعنى المعقول وهو تصرف الله تعالى بخلق أسباب الأحوال العارضة للبشر، إلى المعنى المحسوس المعروف في واقعة الحال، تعليماً للمسلمين وتنبيهاً للنّظر في تحصيل ما ينفع نفوسهم. ووجه الشبه هو السببية في اهتداء من يهتدي وضَلال من يَضِل، في أن كُلاًّ من المشبَّه والمشبه به جعله الله سبباً وإرادة لحكمة اقتضاها علمه تعالى فتفاوتَ الناسُ في مدى إفهامهم فيه بين مهتدٍ ومرتابٍ مُختلف المرتبةِ في ريبه، ومكابرٍ كافر وسَيّىءِ فهمٍ كافر. وهذه كلمة عظيمة في اختلاف تلقي العقول للحقائق وانتفاعهم بها أو ضده بحسب اختلاف قرائحهم وفهومهم وتراكيب جبلاتهم المتسلسلة من صواب إلى مثله، أو من تردد واضطراب إلى مثله، أو من حَنق وعناد إلى مثله، فانطوى التشبيه من قوله: {كذلك} على أحوال وصور كثيرة تظهر في الخارج. وإسناد الإِضلال إلى الله تعالى باعتبار أنه موجِد الأسباب الأصلية في الجبلات، واقتباس الأهواء وارتباط أحوال العالم بعضها ببعض، ودعوة الأنبياء والصلحاء إلى الخير، ومقاومة أيمة الضلال لتلك الدعوات. تلك الأسباب التي أدت بالضالين إلى ضلالهم وبالمهتدين إلى هداهم. وكلٌّ من خلق الله. فما على الأنفس المريدة الخير والنجاة إلاّ التعرض لأحد المهيعين بعد التجرد والتدبر {أية : لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت}تفسير : [البقرة: 286]. ومشيئة الله ذلك تعلق علمه بسلوك المهتدين والضالّين. ومحل {كذلك} نصب بالنيابة عن المفعول المطلق لأن الجار والمجرور هنا صفة لمصدر محذوف دلّت عليه الصفة، والتقدير: يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء إضلالاً وهدياً كذلك الإِضلال والهدي. وليس هذا من قبيل قوله تعالى: {أية : وكذلك جعلناكم أمة وسطاً}تفسير : [البقرة: 143]. وقدم وصف المفعول المطلق للاهتمام بهذا التشبيه لما يرشد إليه من تفصيل عند التدبر فيه، وحصل من تقديمه محسّن الجمع ثم التقسيم إذ جاء تقسيمه بقوله {يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء}. {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ} كلمة جامعة لإِبطال التخرصَات التي يتخرصها الضالون ومرضى القلوب عند سماع الأخبار عن عالم الغيب وأمورِ الآخرة من نحو: ما هَذَا به أبو جهل في أمر خزنة جهنم يشمل ذلك وغيره، فلذلك كان لهذه الجملة حكم التذييل. والجنودُ: جمع جند وهو اسم لجماعة الجيش واستعير هنا للمخلوقات التي جعلها الله لتنفيذ أمره لمشابهتها الجنود في تنفيذ المراد. وإضافة رب إلى ضمير النبي صلى الله عليه وسلم إضافة تشريف، وتعريض بأن من شأن تلك الجنود أن بعضها يكون به نصرُ النبي صلى الله عليه وسلم ونفي العلم هنا نفي للعلم التفصيلي بأعدادها وصفاتها وخصائصها بقرينة المقام، فإن العلم بعدد خزنة جهنم قد حصل للناس بإعلام من الله لكنهم لا يعلمون ما وراء ذلك. {وَمَا هِيَ إِلاَّ ذِكْرَىٰ لِلْبَشَرِ} فيه معان كثيرة أعلاها أن يكون هذا تتمة لقوله: {وما جعلنا عدتهم إلاّ فتنة للذين كفروا} على أن يكون جارياً على طريقة الأسلوب الحكيم، أي أن النافع لكم أن تعلموا أن الخبر عن خزنة النار بأنهم تسعة عشر فائدته أن يكون ذكرى للبشر ليتذكروا دار العقاب بتوصيف بعض صفاتها لأن في ذكر الصفة عوناً على زيادة استحضار الموصوف، فغرض القرآن الذكرى، وقد اتخذه الضالّون ومرضى القلوب لهواً وسخرية ومِراء بالسؤال عن جعلهم تسعة عشر ولِمَ لم يكونوا عشرين أو مئات أو آلافاً. وضمير {هي} على هذا الوجه إلى {عدتهم}. ويجوز أن يرجع الضمير إلى الكلام السابق وتأنيث ضميره لتأويله بالقصّة أو الصفة أو الآيات القرآنية. والمعنى: نظير المعنى على الاحتمال الأول. ويحتمل أن يرجع إلى{أية : سَقَر}تفسير : [المدثر: 26] وإنما تكون {ذِكْرى} باعتبار الوعيد بها وذكرِ أهوالها. والقصرُ متوجه إلى مضاف محذوف يدل عليه السياق تقديره: وما ذكرها أو وصفها أو نحو ذلك. ويحتمل أن يرجع ضمير {هي} إلى {جنود ربّك} والمعنَى المعنى، والتقديرُ التقديرُ، أي وما ذكرها أو عِدة بعضها. وجوّز الزجاج أن يكون الضمير راجعاً إلى نار الدنيا، أي أنها تذكر للناس بنار الآخرة، يريد أنه من قبيل قوله تعالى: {أية : أفرأيتم النار التي تورون أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون نحن جعلناها تَذْكرة}تفسير : [الواقعة: 71ــ 73]. وفيه محسن الاستخدام. وقيل: المعنى: وما عدتهم إلاّ ذكرى للناس ليعلموا غنى الله عن الأعوان والجند فلا يظلوا في استقلال تسعة عشر تجاه كثرة أهل النار. وإنما حَمَلَت الآية هذه المعانيَ بحسن موقعها في هذا الموضع وهذا من بلاغة نظم القرآن. ولو وقعت إثر قوله: {أية : لواحة للبشر} تفسير : [المدثر: 29] لتمحض ضمير {وما هي إلاّ ذكرى} للعود إلى سقر، وهذا من الإعجاز بمواقع جمل القرآن كما في المقدمة العاشرة من مقدمات هذا التفسير. وبين لفظ البشر المذكور هنا ولفظ البشَر المتقدم في قوله: {لوّاحة للبشر} التّجنيس التام.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 31- وما جعلنا خزنة النار إلا ملائكة، وما جعلنا عدتهم تسعة عشر إلا اختباراً للذين كفروا، ليحصل اليقين للذين أوتوا الكتاب بأن ما يقوله القرآن عن خزنة جهنم إنما هو حق من الله تعالى - حيث وافق ذلك كتبهم - ويزداد الذين آمنوا بمحمد إيماناً، ولا يشك فى ذلك الذين أعطوا الكتاب والمؤمنون، وليقول الذين فى قلوبهم نفاق والكافرون: ما الذى أراده الله بهذا العدد المستغرب استغراب المثل؟.. بمثل ذلك المذكور من الإضلال والهدى يضل الله الكافرين ويهدى المؤمنين، وما يعلم جنود ربك لفرط كثرتهم إلا هو - سبحانه وتعالى - وما سقر إلا تذكرة للبشر وتخويف لهم. 32، 33، 34، 35، 36- ردعاً لمن ينذر بها ولم يخف، أقسم بالقمر، وبالليل إذا ذهب، وبالصبح إذا أضاء وانكشف إن سقر لأعظم الدواهى الكبرى إنذاراً وتخويفاً. 37- إنذار للبشر لمَن شاء منكم أن يتقدم إلى الخير أو يتأخر عنه.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: أصحاب النار: أي خزنتها مالك وثمانية عشر معه. إلا ملائكة: أي لم نجعلهم بشراً ولا جنَّاً حتى لا يرحموهم بحكم الجنس. وما جعلنا عدتهم: أي كونهم تسعة عشر. إلا فتنة للذين كفروا: أي ليستخفوا بهم كما قال أبو الأشُدين الجُمحي فيزدادوا ضلالا. ليستيقن الذين أوتوا الكتاب: أي ليحصل اليقين لأهل التوراة والإِنجيل بموافقة القرآن لكتابيهما التوراة والإِنجيل. ولا يرتاب: أي ولا يشك أهل الكتاب والمؤمنون في حقيقة ذلك. وليقول الذين في قلوبهم مرض: أي مرض النفاق. ماذا أراد الله بهذا مثلا: أي أي شيء أراد الله بهذا العدد الغريب استنكاراً منهم. كذلك: أي مثل اضلال منكر هذا العدد وهدى مصدقه يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء. وما هي إلا ذكرى للبشر: أي وما النار إلا ذكرى للبشر يتذكرون بها. إذ أدبر: أي ولى ومضى. إذا أسفر: أي أضاء وظهر. إنها لإحدى الكبر: أي جهنم لإِحدى البلايا العظام. نذيراً للبشر: أي عذاب جهنم نذير لبني آدم. لمن شاء منكم: أي أيها الناس. أن يتقدم: أي بالطاعة. أو يتأخر: أي بالمعصية. معنى الآيات: قوله تعالى {وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَٰبَ ٱلنَّارِ إِلاَّ مَلَٰئِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ} هذه الآية نزلت ردّاً على أبي الأشُدين كلدة الجمحي الذي قال لما سمع قول الله تعالى {أية : وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ} تفسير : [المدثر: 27-30] قال لقريش ساخراً مستهزئاً أنا أكفيكم سبعة عشر واكفوني أنتم اثنين، ومرة قال أنا أمشي بين أيديكم على الصراط فأدفع عشرة بمنكبي الأيمن وتسعة بمنكبي الأيسر في النار ونمضي فنخل الجنة. فأنزل الله تعالى قوله {وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَٰبَ ٱلنَّارِ إِلاَّ مَلَٰئِكَةً} أي لم نجعلهم بشراً ولا جنَّا حتى لا يرحموا أهل النار بخلاف لو كانوا بشرا قد يرحمون بني جنسهم ولو كانوا جنا فكذلك، ولذا جعلهم من الملائكة فلا تناسب بينهم وبين الإِنس والجن والمراد بأصحاب النار خزنتها وهم مالك وثمانية عشر هؤلاء رؤساء في جهنم أما من عداهم فلا تتسع لهم العبارة ولا حتى الرقم الحسابي وكيف وقد قال تعالى {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ}، وقوله {وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ} أي كونهم تسعة عشر {إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ} ليزدادوا ضلالا وكفرا وقد تم هذا فإن أبا جهل كأبي الشدين قد فتنا بهذا العدد وازدادا ضلالا وكفرا بما قالا، وقوله تعالى {لِيَسْتَيْقِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ} أي أخبرنا عن عددهم وأنه تسعة عشر ليستيقن الذين أوتوا الكتاب لموافقة القرآن لما عندهم في كتابهم. ويزداد الذين آمنوا إيمانا فوق إيمانهم عندما يرون أن التوراة موافقة للقرآن الكريم كشاهد له، وقوله {وَلاَ يَرْتَابَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْمُؤْمِنُونَ} أي حتى لا يقعوا في ريب وشك في يوم من الأيام لما اكتسبوا من المناعة بتضافر الكتابين على حقيقة واحدة. وقوله {وَلِيَقُولَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَٱلْكَٰفِرُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً} اي وما جعلنا عدتهم تسعة عشر إلا ليقول الذين في قلوبهم مرض وهو النفاق والشك والكافرون الكفر الظاهر من قريش وغيرهم ماذا أراد الله بهذا مثلا أي أي شيء أراده الله بهذا الخبر الغريب غرابة الأمثال قالوا هذا استنكارا وتكذيبا. فهذه جملة علل ذكرها تعالى لإِخباره عن زبانية جهنم ثم قال وقوله الحق {كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ} أي مثل اضلال منكر هذا العدد وهُدَى مصدقه يضل الله من يشاء إضلاله ويهدي من يشاء هدايته. وقوله تعالى {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ} هذا جواب أبي جهل القائل أما لمحمد أعوان إلا تسعة عشر استخفافا وتكذيبا فأخبر تعالى أن له جنوداً لا يعلم عددها ولا قوتها إلا هو وقد ورد أن لأحدهم مثل قوة الثقلين يسوق أحدهم الأمة وعلى رقبته جبل فيرمي بهم في النار ويرمي الجبل عليهم، ولا عجب وأربعة ملائكة يحملون العرش الذي هو أكبر من السماوات والأرضين فسبحان الخلاق العليم سبحان الله العزيز الرحيم سبحان الله ذي الجبروت والملكوت. وقوله تعالى وما هي أي جهنم إلا ذكرى للبشر اي تذكرة يذكرون بها عظمة الله ويخافون بها عقابه. وقوله {كَلاَّ وَٱلْقَمَرِ وَٱللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ وَٱلصُّبْحِ إِذَآ أَسْفَرَ} أي كلا أي ليس القول كما يقول من زعم من المشركين أنه يكفي أصحابه المشركين خزنة جهنم حتى يجهضهم عنها. والقمر والليل إذا أدبر ولى ذاهبا والصبح إذا أسفر أي أضاء وأقبل {إِنَّهَا لإِحْدَى ٱلْكُبَرِ} أي أقسم تعالى بالقمر والليل إذا أدبر والصبح إذا أسفر على أن جهنم لإِحدى الكبر أي البلايا العظام {نَذِيراً لِّلْبَشَرِ} أي بني آدم، وقال نذيرا ولم يقل نذيرة وهي جهنم لأنها بمعنى العذاب أي عذابها نذير للبشر. وقوله {لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ} في طاعة الله ورسوله حتى يبلغ الدرجات العلا، {أَوْ يَتَأَخَّرَ} في معصية الله ورسوله حتى ينزل الدركات السفلى. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان الحكمة من جعل عدد الزبانية تسعة عشر والإِخبار عنهم بذلك. 2- موافقة التوراة والإِنجيل للقرآن من شأنها أن تزيد إيمان المؤمنين من الفريقين. 3- في النار من الزبانية ما لا يعلم عددهم إلا الله تعالى خالقهم. 4- جهنم نذير للبشر أي عذابها نذير للبشر لمن شاء أن يتقدم بالطاعة أو يتأخر بالمعصية.

د. أسعد حومد

تفسير : {أَصْحَابَ} {مَلاَئِكَةً} {ٱلْكِتَابَ} {آمَنُوۤاْ} {إِيمَاناً} {ٱلْكَافِرُونَ} (31) - لَمَّا أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى قَوْلَهُ الكَرِيمَ (عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ)، قَالَ أَبُو جَهْلٍ مُسْتَهْزِئاً: أَيَعْجَزُ كُلُّ عَشَرَةٍ مِنْكُمْ أَنْ يَبْطُشُوا بِوَاحِدٍ مِنْهُمْ؟ فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ رَدّاً عَلَى هَؤُلاَءِ السَّاخِرِينَ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَقَالَ تَعَالَى: إِنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ حَرَسَ النَّارِ إِلاَّ مَلاَئِكَةً، وَمَنْ يُطِيقُ مُغَالَبَةَ مَلاَئِكَةِ اللهِ تَعَالَى؟ وَمَا جَعَلَ عَدَدَهُمْ (تِسْعَةَ عَشَرَ)، إِلاَّ لِيَقُولَ الكَافِرُونَ مَا قَالُوا، لِيَتَضَاعَفَ غَضَبُ اللهِ وَنَقْمَتُهُ عَلَيْهِمْ، فَقَدِ اسْتَقَلُّوا العَدَدَ، وَقَالُوا كَيْفَ يَتَوَلَّى مِثْلُ هَذَا العَدَدِ القَلِيلِ تَعْذِيبَ خَلْقِ اللهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ؟ وَقَدْ بَيَّنَ اللهُ تَعَالَى العَدَدَ لِرَسُولِهِ لِيَحْصُلَ اليَقِينُ لِلْيَهُودِ وَالنَّصَارَى بِأَنَّ مُحَمَّداً صَادِقٌ فِي نُبُوَّتِهِ، وَأَنَّ القُرْآنَ الذِي أَنْزَلَهُ اللهُ عَلَيْهِ مُوَافِقٌ لِمَا جَاءَ فِي كُتُبِهِمْ، وَلِيَزْدَادَ المُؤْمِنُونَ إِيْمَاناً، حِينَمَا يَرَوْنَ تَسْلِيمَ أَهْلِ الكِتَابِ، وَتَصْدِيقَهُمْ لِمَا جَاءَ فِي القُرْآنِ، فَلاَ يَبْقَى فِي أَنْفُسِهِمْ شَكًّ مِنْ أَنَّ القُرْآنَ مُنَزَّلٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَلِكَيْلاَ يَشُكَّ أَهْلُ التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ، وَالمُؤْمِنُونَ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ فِي حَقِيقَةِ ذَلِكَ العَدَدِ، وَلِيَقُولَ الذِينَ يَشُكُّونَ فِي صِدْقِ رِسَالَةِ مُحَمَّدٍ، مِنَ المُنَافِقِينَ، وَالكَافِرِينَ بِرِسَالَتِهِ: مَا الذِي أَرَادَهُ اللهُ بِذِكْرِ هَذَا العَدَدِ القَلِيلِ المُسْتَغْرَبِ، وَمَا الحِكْمَةُ فِيهِ؟. وَكَمَا أَضَلَّ اللهُ تَعَالَى المُنَافِقِينَ وَالمُشْرِكِينَ بِذِكْرِ العَدَدِ، كَذَلِكَ فَإِنَّهُ تَعَالَى يُضِلّ مَنْ يَشَاءُ مِنْ خَلْقِهِ فَيَصْرِفُهُ عَنِ الحَقِّ، وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ مِنْهُمْ فَيُوفِّقُهُ لِلْهُدَى، وَالخَيْرِ، والصَّوَابِ. وَمَا يَعْلَمُ عَدَدَ خَلْقِ اللهِ، وَمِقْدَارَ جُمُوعِهِ، التِي مِنْهَا المَلاَئِكَةُ، إِلاَّ اللهُ تَعَالَى، لِكَيْلاَ يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أَنَّهُمْ تِسْعَةَ عَشَرَ فَقَطْ، وَمَا سَقَرُ ولاَ صِفَتُهَا إِلاَّ تَذْكِرَةٌ لِمَنْ يَتَّعِظُ مِنَ البَشَرِ، وَتَخْوِيفٌ لَهُمْ.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَلاَ يَرْتَابَ} يعني ولا يَشُكَّ. وقوله تعالى: {ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} معناه شَكٌّ ونِفاقٌ.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَٰبَ ٱلنَّارِ إِلاَّ مَلَٰئِكَةً} [المدثر: 31]؛ يعني: كانوا مأمورين بأمور بأمر الله غالبين على الهوى الجسماني غير مغلوبين، {وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ} [المدثر: 31]؛ يعني: فتناهم بقواهم وبعدد قواهم الذين ظنوا أن يقدروا على غلبتهم لقلة عددهم، وما ظنوا أن قواهم كانوا قائمين بهم واليوم غالبون بأمر الرتبة عليهم؛ {لِيَسْتَيْقِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ} [المدثر: 31] عدتهم بما أوتوا من علم الوارد، {وَيَزْدَادَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ إِيمَٰناً} [المدثر: 31] يعني: يزداد إيماناً من شاهد هذه القوى في نفسه، وعلم عددها إذا جاء الوارد وبيَّن هذه الأعداد كما هي إيماناً مشاهدياً على إيمان مكاشفي، {وَلاَ يَرْتَابَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْمُؤْمِنُونَ} [المدثر: 31] ألاَّ يشكون فيما جاء به الوارد ونطقت به اللطيفة المنذرة يعلمهم بما في كتابهم مسطوراً، {وَلِيَقُولَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} [المدثر: 31]؛ أي: القوى المنافقة التي ما طهرت بماء الوارد باطنها، {وَٱلْكَٰفِرُونَ} [المدثر: 31] والقوى المنكرة للوارد واللطيفة المنذرة، {مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً} [المدثر: 31]؛ يعني: أي شيء أراد الله بهذا المثل؟ أي: لا تحقق لعدتهم بل هو مثل ضربه لمعنى خاص لا يتعلق بسقر، {كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ} [المدثر: 31]؛ يعني: الله أعلم باستعداد كل أحد من الخلق فمن شاء أن يكون مظهراً لقهره واستعداده لائق بأن يكون مضل قهره يضله، ومن شاء أن يكون مظهراً للطفه واستعداده قابل للطف يهديه، {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ} [المدثر: 31] وما يعلم بالقوى التي خلقها في مملكتك إلا هو، {وَمَا هِيَ إِلاَّ ذِكْرَىٰ لِلْبَشَرِ} [المدثر: 31]؛ يعني: ذكر النار والسقر؛ لأجل الموعظة ليتعظ ويذكر أهوالها وينب إلى الله ويخافها. {كَلاَّ وَٱلْقَمَرِ} [المدثر: 32] هذا قسم يقول حقاً وحق اللطيفة الجمالية الطالعة في القلب، {وَٱللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ} [المدثر: 33] وحق اللطيفة الجلالية المستكنة في القالب، {وَٱلصُّبْحِ إِذَآ أَسْفَرَ} [المدثر: 34] وحق اللطيفة الحاجزة بين بياض الجمال وسواد الجلال التي أودعناها في الصدور والألوان، التي يشاهد السالك المبتدئ بعد خروجه عن ظلمات القالب ألوان هذه اللطيفة المستودعة في الصدر، {إِنَّهَا لإِحْدَى ٱلْكُبَرِ} [المدثر: 35] جواب القسم؛ يعني: بحق هذه اللطائف إن سقر لأحدى الكبر؛ أي: آية من آياتها الكبرى. {نَذِيراً لِّلْبَشَرِ} [المدثر: 36]؛ يعني: هي منذرة للقوى البشرية، {لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ} [المدثر: 37]؛ يعني: هذه نذيرة لمن شاء منكم أن يتقدم إلى معصية أو يتأخر عن طاعة، وبعبارة أخرى أن يتقدم إلى الحق أو يتأخر عن الحظ.

همام الصنعاني

تفسير : 3387- معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {لِيَسْتَيْقِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ}: [الآية: 31]، قال: ليَسْتَقِن أهْلَ الكتاب حين وافق عدّة خزنة أَهْل النَّار في كتابِهِم.