٧٤ - ٱلْمُدَّثِّر
74 - Al-Muddathir (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
32
Tafseer
الرازي
تفسير : ثم قال تعالى: {كَلاَّ } وفيه وجوه أحدها: أنه إنكار بعد أن جعلها ذكرى، أن تكون لهم ذكرى لأنهم لا يتذكرون وثانيها: أنه ردع لمن ينكر أن يكون إحدى الكبر نذيراً وثالثها: أنه ردع لقول أبي جهل وأصحابه: إنهم يقدرون على مقاومة خزنة النار ورابعها: أنه ردع لهم عن الاستهزاء بالعدة المخصوصة. ثم قال تعالى: {وَٱلْقَمَرِ * وَٱلَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ } وفيه قولان: الأول: قال الفراء والزجاج: دبر وأدبر بمعنى واحد كقبل وأقبل ويدل على هذا قراءة من قرأ إذا دبر، وروى أن مجاهداً سأل ابن عباس عن قوله: {دُبُرٍ } فسكت حتى إذا أدبر الليل قال: يا مجاهد هذا حين دبر الليل، وروى أبو الضحى أن ابن عباس كان يعيب هذه القراءة ويقول: إنما يدبر ظهر البعير، قال الواحدي: والقراءتان عند أهل اللغة سواء على ما ذكرنا، وأنشد أبو علي:شعر : وأبى الذي ترك الملوك وجمعهم بصهاب هامدة كأمس الدابر تفسير : القول الثاني: قال أبو عبيدة وابن قتيبة: دبر أي جاء بعد النهار، يقال: دبرني أي جاء خلفي ودبر الليل أي جاء بعد النهار، قال قطرب: فعلى هذا معنى إذا دبر إذا أقبل بعد مضي النهار.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {كَلاَّ وَٱلْقَمَرِ} قال الفراء: «كَلاَّ» صلة للقسم، التقدير أي والقمر. وقيل: المعنى حقاً والقمر؛ فلا يوقف على هذين التقديرين على «كَلاَّ» وأجاز الطّبريّ الوقف عليها، وجعلها ردًّا للذين زعموا أنهم يقاومون خَزَنة جهنم؛ أي ليس الأمر كما يقول من زعم أنه يقاوم خزنة النار. ثم أقسم على ذلك جلّ وعزّ بالقمر وبما بعده، فقال: {وَٱللَّيْلِ إِذَا أَدْبَرَ} أي وَلَّى وكذلك «دَبَر». وقرأ نافع وحمزة وحفص «إِذْ أَدْبَرَ» الباقون «إذَا» بألف و «دَبَرَ» بغير ألف وهما لغتان بمعنًى؛ يقال: دَبَر وأدبر، وكذلك قَبِل الليل وأقبل. وقد قالوا: أمس الدابر والمدبر؛ قال صخر بن عمرو بن الشَّريد السُّلَميّ: شعر : وَلَقَدْ قَتَلْنَاكُمُ ثُنَاءَ وَمَوْحَداً وَتَرَكْتُ مُرَّةَ مِثْلَ أَمْس الدَّابِرِ تفسير : ويروي المدبِر. وهذا قول الفراء والأخفش. وقال بعض أهل اللغة: دَبَر الليل: إذا مضى، وأدبر: أخذ في الإدبار. وقال مجاهد: سألت ٱبن عباس عن قوله تعالى: «وَاللَّيْلِ إِذَا دَبَرَ» فسكت حتى إذا دَبَر قال: يا مجاهد، هذا حين دَبَرَ الليلُ. وقرأ محمد بن السَّمَيقْعَ {وَٱللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ} بألفين، وكذلك في مصحف عبد الله وَأُبَيّ بألفين. وقال قُطرب من قرأ «دَبَرَ» فيعني أقبل، من قول العرب دَبَر فلان: إذا جاء من خلفي. قال أبو عمرو: وهي لغة قريش. وقال ٱبن عباس في رواية عنه: الصواب: «أَدْبَرَ» إنما يَدْبَر ظهرَ البعير. وٱختار أبو عُبيد: «إِذَا أَدْبَرَ» قال: لأنها أكثر موافقة للحروف التي تليه؛ ألا تراه يقول: {وَٱلصُّبْحِ إِذَآ أَسْفَرَ}، فكيف يكون أحدهما «إذ» والآخر «إذا»، وليس في القرآن قَسَم تعقبه «إذ» وإنما يتعقبه «إذا». ومعنى «أَسْفَرَ»: ضاء. وقراءة العامة «أَسْفَرَ» بالألف. وقرأ ٱبن السَّمَيْقَع: «سَفَرَ». وهما لغتان. يقال: سَفَر وجهُ فلان وأسفر: إذا أضاء. وفي الحديث: « حديث : أسِفروا بالفجر، فإنه أعظم للأجر » تفسير : أي صلّوا صلاة الصبح مُسْفِرين، ويقال: طَوِّلوها إلى الإسفار، والإسفار: الإنارة. وأسفر وجهه حسناً أي أشرق، وسفرت المرأة كشفت عن وجهها فهي سافر. ويجوز أن يكون (من) سَفَر الظلامَ أي كنسه، كما يُسفَر البيت؛ أي يُكنَس؛ ومنه السَّفير: لما سقط من ورق الشجر وتَحاتَّ؛ يقال: إنما سمي سفيراً لأن الريح تَسِفره أي تكنُسه. والمِسْفَرة: المِكْنَسة. قوله تعالى: {إِنَّهَا لإِحْدَى ٱلْكُبَرِ} جواب القسم؛ أي إن هذه النار {لإِحْدَى ٱلْكُبَرِ} أي لإحدى الدواهي. وفي تفسير مقاتل «الْكُبَر»: ٱسم من أسماء النار. وروي عن ٱبن عباس «إنَّهَا» أي إن تكذيبهم بمحمد صلى الله عليه وسلم {لإِحْدَى ٱلْكُبَرِ} أي لَكبيرة من الكبائر. وقيل: أي إن قيام الساعة لإحدى الكُبَر. والكُبَر: هي العظائم من العقوبات؛ قال الراجز: شعر : يا بن المُعَلَّي نَزلتْ إحدى الكُبَرْ داهيةُ الدهْر وصَمَّاءُ الغِيَرْ تفسير : وواحدة «الكُبَر»، كُبرى مثل الصُّغْرى والصُّغَر، والعُظْمى والعُظَم. وقرأ العامة «لإِحْدَى» وهو ٱسم بني ٱبتداء للتأنيث، وليس مبنيًّا على المذكر؛ نحو عُقْبَى وأخرى، وألفه ألف قطع، لا تذهب في الوصل. وروى جرير بن حازم عن ٱبن كثير «إنَّهَا لَحْدى الكُبَر» بحذف الهمزة. {نَذِيراً لِّلْبَشَرِ} يريد النار؛ أي إن هذه النار الموصوفة {نَذِيراً لِّلْبَشَرِ} فهو نصب على الحال من المضمر في «إِنَّهَا» قاله الزجاج. وذُكِّر؛ لأن معناه معنى العذاب، أو أراد ذات إنذار على معنى النَّسب؛ كقولهم: ٱمرأة طالق وطاهر. وقال الخليل: النذير: مصدر كالنكير، ولذلك يوصف به المؤنث. وقال الحسن: والله ما أنذر الخلائق بشيء أدهى منها. وقيل: المراد بالنذير محمد صلى الله عليه وسلم؛ أي قم نذيراً للبشر، أي مُخَوِّفاً لهم فـ «ـنَذيراً» حال من «قُمْ» في أوّل السورة حين قال: {قُمْ فَأَنذِرْ} قال أبو علي الفارسيّ وابن زيد، وروى عن ٱبن عباس وأنكره الفراء. ٱبن الأنباري: وقال بعض المفسرين معناه «يَٰأَيُّهَا الْمُدَّثِّرْ قُمْ نَذِيراً لِلْبَشَرِ». وهذا قبيح؛ لأن الكلام قد طال فيما بينهما. وقيل: هو من صفة الله تعالى. روي أبو معاوية الضرير: حدّثنا إسماعيل بن سميع عن أبي رزَين {نَذِيراً لِّلْبَشَرِ} قال: يقول الله عز وجل: أنا لكم منها نذير فٱتقوها. و «نَذِيراً» على هذا نصب على الحال؛ أي «وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلاَّ مَلاَئِكَةً» منذراً بذلك البشر. وقيل: هو حال من «هو» في قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ}. وقيل: هو في موضع المصدر؛ كأنه قال: إِنذاراً للبشر. قال الفراء: يجوز أن يكون النذير بمعنى الإنذار، أي أنذر إنذاراً؛ فهو كقوله تعالى: {فكيف كان نذير} أي إنذاري؛ فعلى هذا يكون راجعاً إلى أوّل السورة؛ أي {قُمْ فَأَنذِرْ} أي إنذاراً. وقيل: هو منصوب بإضمار فعل. وقرأ ٱبن أبي عَبْلة «نَذِيرٌ» بالرفع، على إضمار هو. وقيل: أي إن القرآن نذير للبشر، لما تضمنه من الوعد والوعيد. قوله تعالى: {لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ} اللام متعلقة بـ «ـنذيراً»، أي نذيراً لمن شاء منكم أن يتقدّم إلى الخير والطاعة، أو يتأخر إلى الشر والمعصية؛ نظيره: { أية : وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ } تفسير : [الحجر: 24] أي في الخير { أية : وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَأْخِرِينَ } تفسير : [الحجر: 24] عنه. قال الحسن: هذا وعيد وتهديد وإن خرج مخرج الخبر؛ كقوله تعالى: { أية : فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ } تفسير : [الكهف: 29]. وقال بعض أهل التأويل: معناه لمن شاء الله أن يتقدّم أو يتأخر؛ فالمشيئة متصلة بالله جل ثناؤه، والتقديم الإِيمان، والتأخير الكفر. وكان ٱبن عباس يقول: هذا تهديد وإعلام أن من تقدم إلى الطاعة والإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم جوزيَ بثواب لا ينقطع، ومن تأخر عن الطاعة وكذب محمداً صلى الله عليه وسلم عوقب عقاباً لا ينقطع. وقال السّديّ: {لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ} إلى النار المتقدم ذكرها، {أَوْ يَتَأَخَّرَ} عنها إلى الجنة. قوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} أي مرتهنة بكسبها، مأخوذة بعملها، إما خلَّصها وإما أوبقها. وليست «رَهِينَةٌ» تأنيث رهين في قوله تعالى: { أية : كُلُّ ٱمْرِىءٍ بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ } تفسير : [الطور: 21] لتأنيث النفس؛ لأنه لو قُصدت الصفة لقيل رهين؛ لأن فعيلا بمعنى مفعول يستوى فيه المذكر والمؤنث. وإنما هو اسم بمعنى الرهن كالشتيمة بمعنى الشتم؛ كأنه قيل: كل نفس بما كسبت رهين؛ ومنه بيت الحماسة: شعر : أبْعَدَ الذي بالنَّعْفِ نَعْفِ كُوَيْكَبٍ رهِينَةُ رَمْسٍ ذِي تُرابٍ وجَنْدَلِ تفسير : كأنه قال رَهْن رمسٍ. والمعنى: كل نفس رهن بكسبها عند الله غير مفكوك {إِلاَّ أَصْحَابَ ٱلْيَمِينِ} فإنهم لا يُرْتهنون بذنوبهم. وٱختلف في تعيينهم؛ فقال ٱبن عباس: الملائكة. علي بن أبي طالب: أولاد المسلمين لم يكتسبوا فيُرتهنوا بكسبهم. الضحاك: الذين سبقت لهم من الله الحسنى، ونحوه عن ٱبن جريج؛ قال: كل نفس بعملها محاسبة {إِلاَّ أَصْحَابَ ٱلْيَمِينِ} وهم أهل الجنة، فإنهم لا يحاسبون. وكذا قال مقاتل أيضاً: هم أصحاب الجنة الذين كانوا عن يمين آدم يوم الميثاق حين قال الله لهم: هؤلاء في الجنة ولا أبالي. وقال الحسن وٱبن كَيْسان: هم المسلمون المخلصون ليسوا بمرتهنين؛ لأنهم أدّوا ما كان عليهم. وعن أبي ظبيان عن ٱبن عباس قال: هم المسلمون. وقيل: إلا أصحاب الحق وأهل الإيمان. وقيل: هم الذين يُعطَون كتبهم بأيمانهم. وقال أبو جعفر الباقر: نحن وشيعتنا أصحاب اليمين، وكل من أبغضنا أهلَ البيت فهم المرتهنون. وقال الحكم: هم الذين ٱختارهم الله لخدمته، فلم يدخلوا في الرهن، لأنهم خدام الله وصفوته وكسبهم لم يضرهم. وقال القاسم: كل نفس مأخوذة بكسبها من خير أو شر، إلا من ٱعتمد على الفضل والرحمة، دون الكسب والخدمة، فكل من ٱعتمد على الكسب فهو مرهون، وكل من ٱعتمد على الفضل فهو غير مأخوذ به. {فِي جَنَّاتٍ} أي في بساتين {يَتَسَآءَلُونَ} أي يسألون {عَنِ ٱلْمُجْرِمِينَ} أي المشركين {مَا سَلَكَكُمْ} أي أدخلكم {فِي سَقَرَ} كما تقول: سلكت الخيط في كذا أي أدخلته فيه. قال الكلبيّ: فيَسأل الرجل من أهل الجنة الرجل من أهل النار باسمه، فيقول له: يا فلان وفي قراءة عبد الله بن الزبير «يا فلانُ ما سَلَكَك فِي سَقَرَ»؟ وعنه قال: قرأ عمر بن الخطاب «يا فلانُ ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ» وهي قراءة على التفسير، لا أنها قرآن كما زعم من طعن في القرآن؛ قاله أبو بكر بن الأنباري. وقيل: إن المؤمنين يسألون الملائكة عن أقربائهم، فتسأل الملائكة المشركين فيقولون لهم: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ}. قال الفراء: في هذا ما يقوي أن أصحاب اليَمِينِ الوِلدان؛ لأنهم لا يعرفون الذنوب. {قَالُواْ} يعني أهل النار {لَمْ نَكُ مِنَ ٱلْمُصَلِّينَ} أي المؤمنين الذين يصلون. {وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ ٱلْمِسْكِينَ} أي لم نك نتصدق. {وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ ٱلُخَآئِضِينَ} أي كنا نخالط أهل الباطل في باطلهم. وقال ٱبن زيد: نخوض مع الخائضين في أمر محمد صلى الله عليه وسلم، وهو قولهم ـ لعنهم الله ـ كاهن، مجنون، شاعر، ساحر. وقال السّديّ: أي وكنا نكّذب مع المكّذبين. وقال قتادة: كلما غَوَى غاوٍ غَوَينا معه. وقيل معناه: وكنا أتباعاً ولم نكن متبوعين. {وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ} أي لم نك نصدّق بيوم القيامة، يوم الجزاء والحكم. قوله تعالى: {حَتَّىٰ أَتَانَا ٱلْيَقِينُ} أي جاءنا ونزل بنا الموت؛ ومنه قوله تعالى: { أية : وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ } تفسير : [الحجر: 99]. قوله تعالى: {فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ ٱلشَّافِعِينَ} هذا دليل على صحة الشفاعة للمذنبين؛ وذلك أن قوماً من أهل التوحيد عُذّبوا بذنوبهم، ثم شُفِعَ فيهم، فرحمهم الله بتوحيدهم والشفاعة، فأخرجوا من النار، وليس للكفار شفيع يشفع فيهم. وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: يشفع نبيكم صلى الله عليه وسلم رابع أربعة: جبريل، ثم إبراهيم، ثم موسى أو عيسى، ثم نبيكم صلى الله عليه وسلم، ثم الملائكة، ثم النبيون، ثم الصديقون، ثم الشهداء، ويبقى قوم في جهنم، فيقال لهم: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ ٱلْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ ٱلْمِسْكِينَ} إلى قوله: {فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ ٱلشَّافِعِينَ} قال عبد الله ابن مسعود: فهؤلاء هم الذين يبقَون في جهنم؛ وقد ذكرنا إسناده في كتاب «التذكرة».
البيضاوي
تفسير : {كَلاَّ } ردع لمن أنكرها، أو إنكار لأن يتذكروا بها. {وَٱلْقَمَرِ }. {وَٱلَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ } أي أدبر كقبل بمعنى أقبل، وقرأ نافع وحمزة ويعقوب وحفص «إِذَا دبر» على المضي. {وَٱلصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ } أضاء. {إِنَّهَا لإِحْدَى ٱلْكُبَرِ } أي لإِحدى البلايا الكبر أي البلايا الكبر كثيرة و {سَقَرَ } واحدة منها، وإنما جمع كبرى على «كبر» إلحاقاً لها بفعله تنزيلاً للألف منزلة التاء كما ألحقت قاصعاء بقاصعة فجمعت على قواصع، والجملة جواب القسم أو تعليل لـ {كَلاَّ }، والقسم معترض للتأكيد. {نَذِيراً لّلْبَشَرِ } تمييز أي {لإِحْدَى ٱلْكُبَرِ } إنذاراً أو حال عما دلت عليه الجملة أي كبرت منذرة، وقرىء بالرفع خبراً ثانياً أو خبراً لمحذوف. {لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ } بدل من {لّلْبَشَرِ } أي نذيراً للمتمكنين من السبق إلى الخير والتخلف عنه، أو {لِمَن شَاء } خبر لـ {أَن يَتَقَدَّمَ } فيكون في معنى قوله: {أية : فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ }تفسير : [الكهف: 29] {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ } مرهونة عند الله مصدر كالشكيمة أطلقت للمفعول كالرهن ولو كانت صفة لقيل رهين. {إِلاَّ أَصْحَـٰبَ ٱلْيَمِينِ } فإنهم فكوا رقابهم بما أحسنوا من أعمالهم، وقيل هم الملائكة أو الأطفال. {فِي جَنَّـٰتِ } لا يكتنه وصفها وهي حال من {أصحاب اليمين }، أو ضميرهم في قوله: {يَتَسَاءلُونَ }.
المحلي و السيوطي
تفسير : {كَلاَّ } استفتاح بمعنى ألا {وَٱلْقَمَرِ }.
ابن عادل
تفسير : قوله: {كَلاَّ وَٱلْقَمَرِ}. قال الفراء: "كَلاَّ" أصله للقسم، التقدير: أي: والقمر. وقيل: المعنى حقّاً والقمر، فلا يوقف على هذين التقديرين على "كلا". وأجاز الطبري الوقف عليها، وجعلها ردّاً على الذين زعموا أنهم يقاومون خزنة جهنم أي: ليس الأمر كما يقول من زعم أنه يقاوم خزنة النار، ثم أقسم على ذلك بالقمر، وبما بعده. وقيل: هذا إنكار بعد أن جعلها ذكرى أن يكون لهم ذكرى؛ لأنهم لا يتذكرون. وقيل: هو ردعٌ لمن ينكر أن يكون الكبر نذيراً. وقيل: ردع عن الاستهزاء بالعدة المخصوصة. قوله تعالى: {وَٱللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ}. قرأ نافع وحمزة وحفص: "إذ" ظرفاً لما مضى من الزمان "أدبر" بزنة "أكْرَمَ". والباقون: "إذا" ظرفاً لما يستقبل "دَبَرَ" بزنة "ضَرَبَ". والرَّسْمُ محتمل لكلتيهما، فالصورة الخطية لا تختلف. واختار أبو عبيد قراءة "إذا"، قال: لأن بعده "إذَا أسْفرَ"، قال: "وكذلك هي في حرف عبد الله"، يعني: أنه مكتوب بألفين بعد الذال؛ أحدهما: ألف "إذا" والأخرى همزة "أدبر". قال: وليس في القرآن قسم يعقبه "إذ"، وإنما يعقبه "إذا". واختار ابن عباس - رضي الله عنه -: "إذا". ويحكى عنه: أنه لما سمع "دَبَرَ" قال: "إنَّما يدبرُ ظهر البعير". واختلفوا: هل "دبر، وأدبر" بمعنى أم لا؟. فقيل: هما بمعنى واحد، يقال: دبر الليل والنهار وأدبر، وقبل وأقبل؛ ومنه قولهم: "أمس الدابر" فهذا من "دَبَر"، و "أمس المُدبِر"؛ قال صَخرُ بن عمرو بن الشَّريدِ السُّلمِيُّ: [الكامل] شعر : 4970 - ولقَدْ قَتلْتُكمْ ثُنَاءَ ومَوْحَداً وتَركْتُ مُرَّةَ مِثلَ أمْسِ الدّابرِ تفسير : ويروى: "المُدْبِر"، وهذا قول الفرَّاء والأخفش والزجاج. وأما: "أدبر الراكب" وأقبل فرباعي لا غير. وقال يونس: "دبر" انقضى، و "أدبر" تولى، ففرق بينهما. وقال الزمخشري: "ودبر: بمعنى أدبر" كـ"قبل بمعنى أقبل". وقيل منه: صاروا كأمسِ الدابر. وقيل: هو من دبر الليل بالنهار، إذا خلفه. وذكر القرطبي عن بعض أهل اللغة: "دبر الليل: إذا مضى، وأدبر: أخذ في الإدبار". وقرأ محمد بن السميفع: "والليل إذا أدبر" بألفين، وكذلك هي في مصحف عبد الله وأبيّ. وقال قطرب: من قرأ "دبر" فيعني أقبل، من قول العرب: دبر فلان، إذا جاء من خلفي. قال أبو عمرو: وهي لغة قريش. قوله تعالى: {وَٱلصُّبْحِ إِذَآ أَسْفَرَ}. أي أضاء، وفي الحديث: "حديث : أسِفرُوا بالفَجْرِ ". تفسير : ومنه قوله تعالى: {أية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ}تفسير : [عبس: 38]. وقرأ العامة: "أسْفَرَ" بالألف وعيسى بن الفضل وابن السميفع: "سَفَر" ثلاثياً. والمعنى: طرح الظُّلمة عن وجهه على وجه الاستعارة، وهما لغتان. ويقال: سَفَرَ وجه فلان إذا أضاء، وأسفر وجهه حسناً: أي أشرق، وسفرت المرأة، أي كشفت عن وجهها، فهي سافرة. قال القرطبي: ويجوز أن يكون سَفَرَ الظلام، أي كنسه، كما يسفر البيت أي: يُكنس، ومنه السفير، لما يسقط من ورق الشجر ويتحاتّ، يقال: إنما سمي سفيراً لأن الريح تُسْفره، أي: تكنسه، والمُسفرة: المكنسة". قوله: {إِنَّهَا}. أي: إن النار. وقيل: إن قيام الساعة كذا حكاه أبو حيان. وفيه شيئان: عوده على غير مذكور، وكونُ المضاف اكتسب تأنيثاً. وقيل: إنه النذارة، وقيل: هي ضمير القصّة، وهذا جواب القسم وتعليل لـ "كَلاَّ" والقسم معترض للتوكيد. قاله الزمخشري. قال شهاب الدين: "وحينئذ يحتاج إلى تقدير جوازه، وفيه تكلف وخروج عن الظاهر". قوله: {لإِحْدَى ٱلْكُبَرِ}. قرأ العامَّةُ: "لإحْدَى الكُبَر" بهمزة، وأصلها واو من الوحدة. وقرأ نصر بن عاصم، وابن محيصن، ويروى عن ابن كثير: "لَحدى" بحذف الهمزة. وهذا من الشُّذوذ بحيث لا يقاس عليه. وتوجيهه: أن يكون أبدالها ألفاً ثُمَّ حذف الألف لالتقاء الساكنين، وقياس تخفيف مثل هذه الهمزة أن تجعل بَيْنَ بَيْنَ. قال الواحدي: ألف إحدى مقطوع لا تذهب في الوصل و "الكُبَر": جمع "كُبْرَى" كـ"الفُضَل" جمع "فُضْلَى". قال الزمخشري: "الكُبَر: جمع الكُبْرى". جعلت ألف التأنيث كتاء التأنيث، فكما جمعت "فُعْلة" على "فُعَل" جمعت "فُعْلى" عليها، ونظير ذلك: "السَّوافِي" في جمع "السَّافِيَاء" وهو التراب التي تسفّه الريح، و "القَواصع" في جمع "القَاصِعَاء" كأنها جمع "فاعلة" قاله ابن الخطيب فصل في معنى الآية معنى "إحْدَى الكُبَرِ" أي إحدى الدواهي، قال: [الرجز] شعر : 4971 - يَا ابْنَ المُعلَّى نزَلتْ إحْدَى الكْبَرْ دَاهِيَةُ الدَّهْرِ وصَمَّاءُ الغِيَرْ تفسير : ومثله: هو أحد الرجال، وهي إحدى النساء، لمن يستعظمونه. والمراد من "الكبر" دركات جهنم، وهي سبعة: جَهَنَّم، ولَظَى، والحطمة، والسَّعير، والجَحِيم، والهَاوية، وسَقَر. أعاذنا الله منها. وفي تفسير مقاتل: "الكُبَر" اسم من أسماء النار. وعن ابن عباس رضي الله عنهما "إنها" أي إن تكذيبهم بمحمد صلى الله عليه وسلم "لإحْدَى الكُبَر" أي: الكبيرة من الكبائر. قوله: {نَذِيراً}. فيه أوجه: أحدها: أنه تمييز من "إحدى" لما ضمنت معنى التعظيم، كأنه قيل: أعظم الكبر إنذاراً، فـ"نذير" بمعنى "الإنذار" كالنكير بمعنى الإنكار، كأنه قيل: إنها لإحدى الدواهي إنذاراً، ومثله: هي إحدى النساء عفافاً. الثاني: أنه مصدر بمعنى الإنذار أيضاً ولكنه نصب بفعل مقدَّر، قاله الفراء. الثالث: أنه "فعيل" بمعنى "مُفْعِل" وهو حال من الضمير في "إنها". قاله الزجاج، وذُكِّرَ لأن معناه معنى العذاب أو أراد أنَّها "ذات إنذارٍ" على معنى النسب، كقولهم: امرأة طالق وطاهر. قال الحسن رضي الله عنه: والله ما أنذرَ الخلائق بشيءٍ أدهى منها. الرابع: أنه حال من الضمير في "إحدى" لتأويلها بمعنى العظم. الخامس: أنه حال من فاعل "قُمْ" أول السورة، والمراد بالنذير: محمدٌ صلى الله عليه وسلم أي: قُمْ نذيراً للبشر، أي: مخوفاً لهم. قاله أبو علي الفارسي. وروي عن ابن عباس، وأنكره الفراء. قال ابن الأنباري: قال بعض المفسرين: معناه يا أيُّها المدثِّر، قُم نذيراً للبشر، وهذا قبيح لطول ما بينهما. السادس: أنه مصدر منصوب بـ"أنذِر" أول السورة، كأنه قال: إنذاراً للبشر. قال الفراء: يجوز أن يكون النذير بمعنى الإنذار، أي: أنذر إنذاراً، فهو كقوله تعالى: {أية : كَيْفَ نَذِيرِ}تفسير : [الملك: 17]. أي: إنذاري، فعلى هذا يكون راجعاً إلى أول السورة. السابع: هو حالٌ من "الكُبَر". الثامن: حالٌ من ضمير "الكُبَرِ". التاسع: أنه منصوب بإضمار "أعني". العاشر: أنه حال من "لإحدى". قاله ابن عطية. الحادي عشر: أنَّه منصوب بـ"ادع" مقدَّراً، إذ المراد به الله تبارك وتعالى. روى أبو معاوية الضرير: حدثنا إسماعيل بن سميع عن أبي رزين: "نذيراً للبشر"، قال: يقول الله عز وجل: أنا لكم منها نذير فاتقوها. و "نذيراً" على هذا نصب على الحال، أي بـ {وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَابَ ٱلنَّارِ إِلاَّ مَلاَئِكَةً} منذراً بذلك البشر. الثاني عشر: أنَّه منصوب بـ "نادى، أو ببلِّغ" إذ المراد به الرسول صلى الله عليه وسلم. الثالث عشر: أنَّه منصوب بما دلَّت عليه الجملة، تقديره: عظُمتْ نذيراً. الرابع عشر: هو حال من الضمير في "الكُبَرِ". الخامس عشر: أنَّها حال من "هو" في قوله {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ}. السادس عشر: أنَّها مفعول من أجله، النَّاصب لها ما في "الكُبَرِ" من معنى الفعل. قال أبو البقاء: "إنَّها لإحْدى الكبر لإنذار البشر". فظاهرُ هذا أنه مفعول من أجله. واعلم أنَّ النصب: قراءةُ العامَّة. وقرأ أبي بن كعب، وابن أبي عبلة: بالرفع. فإن كان المراد النار جاز فيه وجهان: أن يكون خبراً بعد خبرٍ، وأن يكون خبر مبتدإ مضمرٍ، أي: هي نذير، والتذكِر - لما تقدم - من معنى النَّسبِ. وإن كان الباري تعالى أو رسوله صلى الله عليه وسلم كان على خبر مبتدإ مضمر، أي: هو نذير. و "للبشر": إما صفة، وإما مفعول لـ "نذير" واللام مزيدة لتقوية العامل. قوله: {لِمَن شَآءَ}، فيه وجهان: أحدهما: أنه بدل من البشر بإعادة العامل كقوله: {أية : لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ}تفسير : [الزخرف: 33]، و {أية : لِلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ ءَامَنَ}تفسير : [الأعراف: 75]، وأن يتقدم مفعول "شاء" أي: نذيراً لمن شاء التقدم أو التأخر، وفيه ذكر مفعول "شاء" وقد تقدم أنه لا يذكر إلا إذا كان فيه غرابة. الثاني: وبه بدأ الزمخشري: أن يكون "لمن شاء" خبراً مقدماً، و "أن يتقدم" مبتدأ مؤخر. قال: كقولك: لمن توضّأ أن يصلي، ومعناه: مطلق لمن شاء التقدم أو التأخر أن يتقدم، أو يتأخر انتهى. فقوله: "التقدم أو التأخر" وهو مفعول "شاء" المقدر. قال أبو حيَّان رحمه الله: قوله: "أن يتقدم" هو المبتدأ معنى لا يتبادر إلى الذهن، وفيه حذف. قال القرطبي: اللام في "لمن شاء" متعلقة بـ"النذير"، أي: نذيراً لمن شاء منكم أن يتقدم إلى الخير والطاعة أو يتأخر إلى الشر والمعصية، نظيره: {ولقد علمنا المستقدمين منكم}، أي: في الخير {أية : وَلَقَدْ عَلِمْنَاٱلْمُسْتَأْخِرِينَ}تفسير : [الحجر: 24] عنه، قال الحسن: هذا وعيد وتهديد وإن خرج مخرج الخبر، كقوله تعالى: {أية : فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ}تفسير : [الكهف: 27]. وقيل: المعنى لمن شاء الله أن يتقدم أو يتأخر، فالمشيئة متصلة بالله - عز وجل - والتقديم بالإيمان والتأخير بالكفر. وكان ابن عباس يقول: هذا تهديد وإعلام أنَّ من تقدم إلى الطاعة والإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم تسليماً كثيراً جوزي بثوابٍ لا ينقطع، ومن تأخر عن الطاعة، وكذب محمداً صلى الله عليه وسلم عوقب عقاباً لا ينقطع. وقال السديُّ: "لمن شاء منكم أن يتقدم إلى النار المتقدم ذكرها، أو يتأخر عنها إلى الجنة". فصل فيمن استدل بالآية على كون العبد متمكناً من الفعل احتج المعتزلة بهذه الآية على كون العبد متمكناً من الفعل غير مجبور عليه. وجوابه: أنَّ هذه الآية دلَّت على أن فعل العبد معلق على مشيئته، لكن مشيئة العبد معلقة على مشيئة الله - تعالى جل ذكره - كقوله تعالى: {أية : وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ}تفسير : [الإنسان: 30]. وحينئذ تصير الآية حجة عليهم. قال ابن الخطيب: وذكر الأصحاب جوابين آخرين: الأول: معنى إضافة المشيئة إلى المخاطبين، التهديد، كقوله عز وجل: {فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ}. الثاني: أنَّ هذه المشيئة لله - تبارك وتعالى - على معنى: لمن شاء الله منكم أن يتقدم، أو يتأخر.
البقاعي
تفسير : ولما كان حصرها في الذكرى ربما أوهم نقصاً في أمرها يوجب لبعض المعاندين ريبة في عظمه وأنه لا حقيقة لها ولا عذاب فيها، قال رادعاً من ذلك ومنبهاً على الاستعداد والحذر بكلمة لاردع والتنبيه: {كلا} أي إياك أن ترتاب في أهوالها وعظيم أمرها وأحوالها وأوجالها لأن الأمر أطم وأعظم مما يخطر بالبال، فليرتدع السامع ولينزجر. ولما حصر أمرها في الذكرى ونفى أن يظن بها نقص فيما جعلت له تأكيداً للكلام إشارة إلى ما لأغلب المخاطبين من الشكاسة والعوج إيقاظاً مما هم فيه من الغفلة وتلطيفاً لما لهم من اللوم والكثافة وتنبيهاً لهم على السعي في تقويم أنفسهم بما يستعملونه من الأدوية التي يرشدهم سبحانه إلى علاج أمراض القلوب بها، زاد الأمر تأكدياً فأقسم على ذلك بما هو ذكرى للناس ولا يظهر معه ظلام الليل كما أن ضياء القرآن لا يظهر معه ظلام الجهل من أعمل عين فكرته، وألقى حظوظ نفسه، فقال: {والقمر *} أي الذي هو آية الليل الهادية لمن ضل بظلامه {واليل إذا أدبر *} أي مضى فانقلب راجعاً من حيث جاء فانكشف ظلامه فزال الجهل بانكشافه، وانصرفت الريب والشكوك بانصرافه {والصبح إذا أسفر *} أقبل ضياؤه فجل العلم بحلوله، وحصلت الهداية بحصوله، أو دبر بمعنى "أقبل" قال قطرب: تقول العرب: دبرني فلان أي جاء خلفي. ولما أقسم على ما أخبر به من ذكراها، وأكده لإنكارهم العظيم لبلاياها استأنف تعظيمها والتخويف منها تأكيداً للتخويف لما تقدم من الإنكار فقال: {إنها} أي النار التي سقر دركة من دركاتها، وزاد في التأكيد على مقتضى زيادتهم في الاستهزاء فقال: {لإحدى الكبر *} أي من الدواهي والعظائم، جمع كبيرة وكبرى، وهو كناية عن شدة هولها كما يقول: هو أحد الرجال أي لا مثل له، أو المراد بها واحدة سبع هي غاية في الكبر أي دركات النار، وهو جهنم فلظى فالحطمة فالسعير فسقر فالجحيم فالهاوية، هي إحداها في عظيم أقطارها وشديد إيلامها وإضرارها، حال كونها {نذيراً} عظيماً أو من جهة نذارتها أو إنذاراً بالغاً: فعيل بمعنى المصدر مثل{أية : فكيف كان نكير}تفسير : [الملك: 18] أي إنكاري، وعبر بقوله: {للبشر *} لما تقدم من الإشارة إلى إسراع الجسم العادي في قبول التأثر لا سيما بالنار. ولما كان التقدم عند الناس لا سيما العرب محبوباً والتأخر مكروهاً، وكان سبحانه وتعالى قد خلق في الإنسان قوة واختياراً بها يفعل ما قدره الله له وغطى عنه علم العاقبة حتى صار الفعل ينسب إليه وإن كان إنما هو بخلق الله، قال تعالى باعثاً لهم على الخير ومبعداً من الشر مستأنفاً أو مبدلاً جواباً لمن يقول: وما عسى أن نفعل؟ أو ينفع الإنذار وقد قال إنه هو الهادي المضل {يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء} {لمن شاء} أي بإرادته، وصرح بالمقصود لئلا يتعنت متعنتهم فيقول: المراد غيرنا، فقال: {منكم} أي أيها المعاندون {أن يتقدم} أي إلى الخيرات {أو يتأخر *} أي عنها فيصل إلى غضب الله تعالى والنار التي هي أثر غضبه، التي جعل ما عندنا من مؤلم الحر ومهلك البرد متأثراً عن نفسيها تذكيراً لنا ورحمة بنا، وحذف المفعول لأن استعماله كثير حتى صار يعرف وإن لم يذكر، وترجمة ذلك: لمن شاء أن يتقدم التقدم بما له من المكنة والاختيار في ظاهر الأمر، ولمن شاء أن يتأخر التأخر، و {أن يتقدم} مبتدأ، وهو مثل "لمن يتوضأ أن يصلي" ويجوز أن تكون الجملة بدلاً من "للبشر" على طريق الالتفات من الغائب إلى الحاضر ليصير كل مخاطب به كأنه هو المقصود بذلك بالقصد الأول فيتأمل المعنى في نفسه فيجده صادقاً ثم يتأمل فلا يجد مانعاً من تعديته إلى غيره من جميع البشر، ويكون "أن" والفعل على هذا مفعولاً لـ"شاء". ولما كان التقدم والتأخر بالأفعال، وكان أكثر أفعال الإنسان الشر لما جبل عليه من النقصان، قال مبيناً لما يقدم وما يؤخر {كل نفس} أي ذكر أو أنثى على العموم {بما كسبت} أي خاصة لا بما كسب غيرها {رهينة *} أي مرتهنة بالفعل، اسم بمعنى. الرهن كما في قول الحماسي: شعر : أبعد الذي بالنعف نعف كويكب رهينة رمس ذي تراب وجندل تفسير : لا تأنيث "رهين" الذي هو وصف، لأن فعيلاً بمعنى مفعول يستوي مذكره ومؤنثه، ولو كانت الفواصل التي يعبرون بها عن السجع تأدباً تراعى في القرآن بوجه لقيل: رهين - لأجل يمين، ولكن لا نظر فيه لغير المعنى، ويجوز أن تكون الهاء للمبالغة بمعنى موثقة إيثاقاً بليغاً محبوسة حبساً عظيماً فهي في النار، فجعل الأصل في الكسب الموثق. ولما كان الرهن تارة يفك وتارة يغلق، وكان أكثر الخلق هالكاً، جعل رهينة بمعنى هالكة، ثم استثنى الممدوح فقال: {إلا أصحاب اليمين *} أي الذين تقدم وصفهم وهم الذين تحيزوا إلى الله فائتمروا بأوامره وانتهوا بنواهيه، فإنهم لا يرتهنون بأعمالهم، بل يرحمهم الله فيقبل حسناتهم ويتجاوز عن سيئاتهم. ولما أخرجهم عن حكم الارتهان الذي أطلق على الإهلاك لأنه سببه، استأنف بيان حالهم فقال: {في جنات} أي بساتين في غاية العظم لأنهم أطلقوا أنفسهم وفكوا رقابهم فلم يرتهنوا، فالآية من الاحتباك: أثبت أولاً الارتهان دليلاً على حذف ضده ثانياً، وأثبت ثانياً الجنة دليلاً على حذف ضدها أولاً. ولما كان السؤال عن حال الغير دالاً دلالة واضحة على الراحة والفراغ عن كل ما يهم النفس، عبر عن راحتهم في أجل وعظ وألطف تحذير بقوله: {يتساءلون *} أي فيما بينهم يسأل بعضهم بعضاً {عن المجرمين *} أي أحوال العريقين في قطع ما أمر الله به أن يوصل.
ابو السعود
تفسير : {كَلاَّ} ردعٌ لمن أنكرهَا أو إنكارٌ ونفيٌ لأن يكونَ لهم تذكرٌ {وَٱلْقَمَرِ * وَٱلَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ} وقُرِىءَ إذْ دَبَر بمعنى أدبرَ كقَبِلَ بمَعْنى أَقْبَلَ ومنْهُ قولِهم صارُوا كأمسِ الدابرِ قيل: هُو من دَبِرَ الليلُ النهارَ إذَا خلفَهُ {وَٱلصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ} أي أضاءَ وانكشفَ {إِنَّهَا لإِحْدَى ٱلْكُبَرِ} جوابٌ للقسمِ أوْ تعليلٌ لكَلاَّ والقسمُ معترضٌ للتوكيدِ، والكُبرَ جمعُ الكُبْرى جعلتْ ألفُ التأنيثِ كتائِها فكَما جُمعتْ فُعْلَة على فُعَلٍ جُمعتْ فُعْلَى عَليها ونظيرُها القواصعُ في جمعِ القاصِعاءِ كأنها جمعُ قاصعةٍ أي لإِحْدى البَلايا أو لإِحْدَى الدَّواهِي الكُبرَ على مَعْنى أنَّ البلايا الكبرَ أو الدواهِيَ الكبرَ كثيرةٌ وهذهِ واحدةٌ في العظمِ لانظيرةَ لَها.
السلمي
تفسير : قال القاسم: ورب القمر جذب عباده إليه بالإشارة والليل إذا أظلم.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {كَلاَّ وَٱلْقَمَرِ وَٱللَّيْلِ} اقسم الله باقمار ارواح الصديقين حين يصير بدورا فى رؤية شمس جلاله وجماله واقسم بذهاب ليلى هجران اهل الشوق حين اقبل الى قلوبهم انوار قربه ومشاهدته واقسم بطلوع صبح انوار صفاته وذاته عن مطالع اسرار الواصلين ونزيل بنوره ظلمات الطبائع والهياكل وصارت عرصات قلوبهم صافية عن كدورات الكون ولا يرى عيون اسرارهم فيها لا فردانية الله التى تقدست من كل علة من علل الحدثانية قال القاسم كلا ورب القمر جذب عباده اليه بالاشارة والليل اذ دبر ظلم السراير اذا انكشف وضياء الانوار اذا ظهر على القلوب وقال الاستاذ والصبح اذا سفر ضياء انوار الحقائق اذا تجلت فى السرائر.
اسماعيل حقي
تفسير : {كلا} ردع لمن انكر سقر أى ارتدع عن انكارها فانها حق او انكار ونفى لان تكون لهم تذكرة فان كونها ذكرى للبشر لا ينافى ان بعضهم لا يتذكرون بل يعرضون عنها بسوء اختيارهم ألا يرى الى قوله تعالى فما لهم عن التذكرة معرضين {والقمر} مقسم به مجرور بواو القسم يعنى سوكند بماه كه معرفت اوقات وآجال بوى باز بسته است. وفى فتح الرحمن تخصيص تشريف وتنبيه على النظر فى عجائبه وقدرته فى حركاته المختلفة التى هى مع كثرتها واختلافها على نظام واحد لا يختل وقال أبو الليث وخالق القمر يعنى الهلال بعد ثالثه.
الجنابذي
تفسير : {كَلاَّ} ردع لمن لا يعظّم الولاية او لا يعتنى بسقر او الخزنة {وَٱلْقَمَرِ وَٱللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ} قرئ اذ بسكون الذّال وادبر من الادبار وهذه هى القراءة الصّحيحة فانّ اللّيل الّذى هو عالم الكون وجوده على الادبار فهو مدبر ابداً بخلاف صبح الملكوت فانّه يسفر بعد بالنّسبة الى اهل عالم الملك، وقرئ اذا بالالف ودبر من الثّلاثىّ المجرّد.
الأعقم
تفسير : {كلا} قيل: ردع وزجرٌ لهم عما يقولون كأنه قيل: احذروا العقوبة، وقيل: معناه حقّاً فيبطل بما بعده {والقمر} قيل: ورب القمر وإنما أقسم به لما فيه من عظم آياته في طلوعه ومسيره {والليل إذ أدبر} ولّى وذهب، وقيل: جاء دبر النهار أي أقبل، وأدبر تولى عن أكثر المفسرين {والصبح إذا أسفر} أضاء {إنها لإِحدى الكُبَر} قيل: النار الكبرى، وقد تقدم ذكرها في قوله: {سقر} وهو جواب القسم، وقيل: هذه الآية الذي بينها إحدى الكبر، وقيل: آيات القرآن والوعيد، وقيل: النار في الدنيا تذكر في الآخرة {نذيراً للبشر} أي مخوفاً للخلق قيل: تقديره أنا لكم منها نذير {لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر} عنها {كل نفس بما كسبت رهينة} يعني أن كل واحد مأخوذ بعمله فيجازى عليه {إلاَّ أصحاب اليمين} قيل: هم المؤمنون، وقيل: يعطون كتبهم بأيمانهم، وعن علي (عليه السلام) أنه فسّر أصحاب اليمين بالأطفال لأنه لا أعمال لهم يرتهنون بها، وعن ابن عباس: هم الملائكة {في جناتٍ يتساءلون} {عن المجرمين} يسأل بعضهم بعضاً عنهم أو يسألون عن المجرمين الذين دخلوا النار {ما سلككم في سقر} أي ما أدخلكم النار؟ وبأيّ سبب؟ {قالوا لم نك من المصلين} {ولم نك نطعم المسكين} اي لم نؤدِ الزكاة المفروضة {وكنا نخوض مع الخائضين} أي كنا نسرع في الباطل مع المبطلين، وقيل: كنا نخوض في تكذيب النبي وآياته {وكنا نكذّب بيوم الدين} أي يوم الجزاء وهو يوم القيامة {حتى أتانا اليقين} قيل: هو الموت {فما تنفعهم شفاعة الشافعين} أي لا يشفع لهم أحد والشفعاء الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء {فما لهم عن التذكرة معرضين} أي ما الذي منعهم عن التذكر لما يتلى عليهم {كأنهم حمر مستنفرة} {فرت من قسورة} قيل: هم الرماة، وقيل: جماعات الرجال، وقيل: الأسد سمي بذلك لأنه يقهر السباع كلها، يعني أعرضوا عن القرآن نفوراً كإعراض الحُمُر من الأسد {بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفاً منشَّرة} الآية نزلت في المشركين قالوا: يا محمد إن شئت أن نتبعك فأتنا بكتاب خاصة إلى فلان وإلى فلان من رب العالمين، وقيل: قالوا: إن كان محمداً صادقاً فليصبح عند رأس كل واحد منا صحيفة فيها براءة من النار، فنزلت الآية {كلا} يعني ليس كما يقولون ويريدون ولا يكون كذلك، وقيل: زجرٌ لهم أي لا يطلبوا ذلك {بل لا يخافون الآخرة} قيل: لا يخافون عذابها ولو خافوا لما كذبوا الرسل {كلاّ إنه تذكرة} أي عظة يتعظ بها المكلف قيل: القرآن، وقيل: ما تقدم ذكره {فمن شاء} اتعظ به {وما يذكرون إلاَّ أن يشاء الله} مشيئة إكراه إلا أن يجبرهم على ذلك {هو أهل التقوى} أي أهل أن يتقى معاصيه ومحارمه، وقيل: هو أهل أن يتقى عقابه، وأهل من يغفر ذنوب من أناب اليه، يعني هو حقيق بأن يتقيه عباده ويخافون عقابه، وحقيق أن يغفر لهم إذا آمنوا وأطاعوا.
الهواري
تفسير : قال: {كَلاَّ وَالْقَمَرِ وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ} أي: إذا ولى، وبعضهم يقرأها إذا دبر، [أي إذا ولّى] قال {وَالصُّبْحِ إِذَآ أَسْفَرَ} أي: إذا أضاء. هذا كله قسم. {إِنَّهَا لإِحْدَى الْكُبَرِ} يعني النار في تفسير الحسن ومجاهد؛ أي: إحدى العظائم. وقال الكلبي: إنها لإحدى الكبر، يعني سقر. وجهنم سبعة أبواب: جهنم، ولظى، والحطمة، وسقر، والجحيم، والسعير، والهاوية. قال: {نَذِيراً لِّلْبَشَرِ} يعني النبي عليه السلام ينذرهم النار. رجع إلى أول السورة: {يَآ أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ} أي: قم نذيراً للبشر، فأنذرهم. قال: {لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ} في الخير {أَوْ يَتَأَخَّرَ} في الشر. وقال في آية أخرى: (أية : لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ)تفسير : [التكوير:28-29] وقال في سورة الكهف: (أية : فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ)تفسير : [الكهف:29-31] وهذا كله وعيد. فذكر ما للمؤمنين وما للكافرين في الآخرة فقال: {إِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً} وهو ظلم فوق ظلم وظلم دون ظلم... إلى آخر الآية. وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ}.
اطفيش
تفسير : {كَلاَّ} ردع لمن أنكر ما ذكر أو بعضه أو إنكار لتذكرهم بذلك اي هي ذكرى لكن لا يتعظون بها وقيل ردع لمن يزعم أنه يكفي الخزنة وقيل ردع لمن ينكر أن تكون إحدى الكبر نذيراً بناء على أنها أن تكون لانكار ما بعدها كما تكون لانكار ما قبلها وقيل معناها حقاً أي تحقق كونها ذكرى أو تحقيق لما بعدها وعاملها محذوف إن قلنا مفعول مطلق. قال ابن هشام تكون كلا بمعنى حقاً عند الكسائى ومتابعيه وهي حرف وأما قول مكي أن كلا على رائ الكسائي اسم إذا كانت بمعنى حقاً فبعيد لقلة اشتراك اللفظ بين الاسمية والحرفية ومخالف للاصل ومحوج التكلف دعوى علة لبنائها والا فلم لا تنون. وقال الفراء والنضر ومن وافقهما تكون حرف جواب بمنزلة اي ونعم وحملوا عليه لقوله تعالى {كَلاَّ وَالْقَمَرِ} وقال أبو حاتم ومتابعوه تكون بمعنى الا الاستفتاحية ويأتي في الآية وليست في الآية للزجر إذ ليس قبلها ما يصح رده وقول الطبري وجماعة أنه لما نزل في عدد خزنة جهنم {أية : عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ} تفسير : قال بعضهم اكفوني اثنين وأنا اكفيكم سبعة عشر فنزلت "كلا زجرا له" قول متعسف لأن الآية لم تتضمن ذلك انتهى كلام ابن هشام بتلخيص *{وَالْقَمَرِ وَاللَّيْلِ إِذَا أَدْبَرَ} باسكان الذال بعدها همزة تنقل حركتها اليها على طريقة ورش فتكتب ألف واحدة بعد الذال وهذه قراءة نافع وحمزة ويعقوب في رواية عنه وحفص وقرأ الباقون بألف تشبع بها الذال وفتح الدال المهملة وهي الثانية وتكتب أيضاً ألف واحدة ففي القراءة الأولى إذ التي هي ظرف لما مضى وفعل رباعي وعدم اشباع، وفي الثانية إذا الاستقبالية وفعل ثلاثي وإشباع ولم أجد من قرأ بألف وهمزة ومعنى أدبر ودبر واحد كقبل بمعنى أقبل ومن دبر قولهم صاروا كامس الدابر وقيل من دبر الليل النهار إذ أخلفه يقال دبرني فلان أي جاء خلفي وكذا في أدبر فهي من دبر وأدبر بمعنى اقبل من دبري أي خلفي.
اطفيش
تفسير : {كَلاَّ} ردع عن إِنكار سقر وقيل عن قول أبى جهل ونحوه بمقاومة الملائكة التسعة عشر وفيه أنه ليس فىالاية ذكر ادعاء مقاومتهم وإِنما هى ردع عن إِنكار سقر أو مع إِنكار التسعة عشر أو عن إِنكار أنها إِحدى الكُبر وقيل صلة للقسم بعدها كأَنه قيل احذر المخالفة وقيل حرف تأكيد واستفتاح وقيل بمعنى حقاً. {وَالْقَمَرِ. وَاللَّيْلِ إِذْ أدْبَرَ} أى إِذا يدبر، والماضى بمعنى المستقبل بعد أدوات الشرط وإِدباره ذهابه أنشأَ الله القسم حين النزول معلقاً إِلى إِدباره بعد، أو المراد إِذا أدبر أوقع قسماً ويجوز أن يراد بإِدباره حاله آخر الشهر.
الالوسي
تفسير : {كَلاَّ } ردع لمن أنكرها، وقيل زجر عن قول أبـي جهل وأصحابه أنهم يقدرون على مقاومة خزنة جهنم، وقيل ردع عن الاستهزاء بالعدة المخصوصة وقال الفراء هي صلة للقسم وقدرها بعضهم بحقاً وبعضهم بألا الاستفتاحية. وقال الزمخشري إنكار بعد أن جعلها سبحانه ذكرى أن يكون لهم ذكرى. وتعقبه أبو حيان بأنه لا يسوغ في حقه تعالى أن يخبر أنها ذكرى للبشر ثم ينكر أن يكون لهم ذكرى. وأجيب بأنه لا تناقض لأن معنى كونها ذكرى أن شأنها أن تكون مذكرة لكل أحد ومن لم يتذكر لغلبة الشقاء عليه لا يعد من البشر ولا يلتفت لعدم تذكره، كما أن حلاوة العسل لا يضرها كونها مرة في فم منحرف المزاج المحتاج إلى العلاج. وحال حسن الوقف على {أية : كَلاَّ}تفسير : [المدثر: 16] وعدم حسنه هنا يعلم من النظر إلى المراد بها، وصرح بعضهم بذلك فقال إن كانت متعلقة بالكلام السابق يحسن الوقف عليها وإن كانت متعلقة بالكلام اللاحق لا يحسن ذلك، أي كما إذا كانت بمعنى ألا الاستفتاحية فالوقت حينئذٍ تام على {أية : لِلْبَشَرِ }تفسير : [المدثر: 31] ويستأنف {كَلاَّ } {وَٱلْقَمَرِ }.
ابن عاشور
تفسير : {كلاّ}. {كلاَّ} حرف ردع وإبطال. والغالب أن يقع بعد كلام من متكلم واحد أوْ من متكلم وسامعٍ مثل قوله تعالى: {أية : قال أصحاب موسى إنا لمُدْرَكون قال كلا إن معي ربي سيهدين}تفسير : [الشعراء: 61، 62] فيفيد الردع عما تضمنه الكلام المحكي قبله. ومنه قوله تعالى: {أية : كلا سنكتب ما يقول}تفسير : في سورة مريم (79)، ويجوز تقديمه على الكلام إذا أريد التعجيلُ بالردع والتشويقُ إلى سماع ما بعده، وهو هنا محتمل لأن يكون إبطالاً لما قبله من قولهم: فإذا أراد الله بهذا مثلاً، فيكون ما بينهما اعتراضاً ويكون قوله {والقمرِ} ابتداء كلام فيحسن الوقف على {كلاّ}. ويحتمل أن يكون حرف إبطال مقدماً على الكلام الذي بعده من قوله: {إنها لإِحدى الكبر نذيراً للبشر} تقديم اهتمام لإِبطال ما يجيء بعده من مضمون قوله: {نذيراً للبشر،}أي من حقهم أن ينتذروا بها فلم ينتذر أكثرهم على نحو معنى قوله: {أية : وأنَّى له الذكرى}تفسير : [الفجر: 23] فيحسن أن توصل في القراءة بما بعدها. {وَٱللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ وَٱلصُّبْحِ إِذَآ أَسْفَرَ إِنَّهَا لإِحْدَى ٱلْكُبَرِ نَذِيراً لِّلْبَشَرِ لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ} الواو المفتتح بها هذه الجملة واو القسم، وهذا القسم يجوز أن يكون تذييلاً لما قبله مؤكِّداً لما أفادته {كَلاّ} من الإِنكار والإِبطال لمقالتهم في شأن عدة خزنة النار، فتكون جملة {إِنها لإِحدى الكبر}تعليلاً للإِنكار الذي أفادته {كَلاّ} ويكون ضمير {إنها} عائداً إلى {أية : سقَر}تفسير : [المدثر: 26]، أي هي جديرة بأن يتذكر بها فلذلك كان من لم يتذكر بها حقيقاً بالإِنكار عليه وردعه. وجملة القسم على هذا الوجه معترضة بين الجملة وتعليلها، ويحتمل أن يكون القسم صدراً للكلام الذي بعده وجملة {إنها لإِحدى الكبر} جواب القسم والضمير راجع إلى {سقَر}، أي أن سقر لأعظم الأهوال، فلا تجزي في معاد ضمير {إنها} جميع الاحتمالات التي جرت في ضمير {أية : وما هي إلاّ ذكرى}تفسير : [المدثر: 31]. وهذه ثلاثة أيمان لزيادة التأكيد فإن التأكيد اللفظي إذا أكد بالتكرار يكرر ثلاث مرات غالباً، أقسم بمخلوق عظيم، وبحالين عظيمين من آثار قدرة الله تعالى. ومناسبة القَسَم بـ {القمر والليل إذ أدبر والصبحُ إذا أسفر} أن هذه الثلاثة تظهر بها أنوار في خلال الظلام فناسبت حالي الهدى والضلال من قوله: {أية : كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء}تفسير : [المدثر: 31] ومن قوله: {أية : وما هي إلاّ ذكرى للبشر}تفسير : [المدثر: 31] ففي هذا القسَم تلويح إلى تمثيل حال الفريقين من الناس عند نزول القرآن بحال اختراق النور في الظلمة. وإدبار الليل: اقتراب تقضيه عند الفجر، وإسفار الصبح: ابتداء ظهور ضوء الفجر. وكل من {إذْ} و {إذَا} واقعان اسمي زمان منتصبان على الحال من الليل ومن الصبح، أي أُقسم به في هذه الحالة العجيبة الدالة على النظام المحكم المتشابه لمحو الله ظلمات الكفر بنور الإِسلام قال تعالى: {أية : كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور}تفسير : [إبراهيم: 1]. وقد أجريت جملة {إنها لإِحدى الكبر} مجرى المثل. ومعنى {إحدى} أنها المتوحدة المتميزة من بين الكُبر في العظم لا نظيرة لها كما يقال: هو أحدَ الرجال لا يراد: أنه واحد منهم، بل يراد: أنه متوحد فيهم بارز ظاهر، كما تقدم في قوله: {أية : ذرني ومن خلقت وحيداً}تفسير : [المدثر: 11]، وفي المثل «هذه إحدى حُظَيَّات لقمان». وقرأ نافع وحمزة وحفص ويعقوب وخلف {إذْ أدبر} بسكون ذال {إذ} وبفتح همزة {أدبر} وإسكان داله، أقسم بالليل في حالة إدباره التي مضت وهي حالة متجددة تَمضي وتَحْضُر وتُستْقبَل، فأي زمن اعتبر معها فهي حقيقة بأن يُقسم بكونها فيه، ولذلك أقسم بالصبح إذَا أسفر مع اسم الزمن المستقبل. وقرأه ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وأبو بكر عن عاصم والكسائيّ وأبو جعفر "إِذَا دَبَر" بفتح الذال المعجمة من (إذا) بعدها ألف، وبفتح الدّال المهملة من دَبَر على أنه فعل مضي مجرد، يقال: دَبَر، بمعنى: أدبر، ومنه وصفه بالدّابر في قولهم: أمسِ الدّابرِ، كما يقال: قبل بمعنَى أقبل، فيكون القسم بالحالة المستقبلة من إدبار الليل بعد نزول الآية، على وزان {إذَا أسفر} في قراءة الجميع، وكل ذلك مستقيم فقد حصل في قراءة نافع وموافقيه تفنن في القسم. و {الكُبَر}: جمع الكبرى في نوعها، جمعوه هذا الجمع على غير قياسِ بابه لأن فُعْلى حقها أن تجمع جمع سلامة على كبريات، وأما بنية فُعل فإنها جمع تكسير لفُعْلة كغُرفة وغُرف، لكنهم حملوا المؤنث بالألف على المؤنث بالهاء لأنهم تأولوه بمنزلة اسم للمصيبة العظيمة ولم يعتبروه الخصلة الموصوفة بالكِبر، أي أُنثى الأكبر فلذلك جعلوا ألف التأنيث التي فيه بمنزلة هاء التأنيث فجمعوه كجمع المؤنث بالهاء من وزن فعلة ولم يفعلوا ذلك في إخواته مثل عظمى. وانتصب {نذيراً} على الحال من ضمير {إِنها}، أي إنها لعُظمَى العظائم في حال إنذارها للبشر وكفى بها نذيراً. والنذير: المُنذر، وأصله وصف بالمصدر لأن {نذيراً} جاء في المصادر كما جاء النكير، والمصدر إذا وصف به أو أخبر به يلزم الإِفرادَ والتذكيرَ، وقد كثر الوصف بـ (النذير) حتى صار بمنزلة الاسم للمُنذر. وقوله: {لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر} بدل مفصل من مجمل من قوله {للبشر}، وأعيد حرف الجر مع البدل للتأكيد كقوله تعالى: {أية : قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم} تفسير : [الأعراف: 75]، وقوله: {أية : إن هو إلاّ ذكر للعالمين لمن شاء منكم أن يستقيم}تفسير : [التكوير: 27، 28] وقوله تعالى: {أية : تكون لنا عيداً لأوَّلنا وآخِرِنا} تفسير : [المائدة: 114]. والمعنى: إنها نذير لمن شاء أن يتقدم إلى الإِيمان والخير لينتذر بها، ولمن شاء أن يتأخر عن الإيمان والخير فلا يرعوي بنذارتها لأن التقدّم مشي إلى جهة الإمام فكأنَّ المخاطب يمشي إلى جهة الداعي إلى الإِيمان وهو كناية عن قبول ما يدعو إليه، وبعكسه التأخر، فحذف متعلق {يتقدم ويتأخّر} لظهوره من السياق. ويجوز أن يقدر: لمن شاء أن يتقدم إليها، أي إلى سَقَر بالإِقدام على الأعمال التي تُقدمه إليها، أو يتأخر عنها بتجنب ما من شأنه أن يقربه منها. وتعليق {نذيراً} بفعل المشيئة إنذارٌ لمن لا يتذكر بأن عدم تذكره ناشىء عن عدم مشيئته فتبعتُه عليه لتفريطه على نحو قول المثل «يَداك أوكَتا وفُوك نفخ»، وقد تقدم في سورة المزمل (19) قوله: {أية : إنَّ هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربّه سبيلاً}تفسير : وفي ضمير {منكم} التفات من الغيبة إلى الخطاب لأن مقتضى الظاهر أن يقال: لمن شاء منهم، أي من البشر.
القطان
تفسير : كلاّ: تأتي لمعانٍ أربعة: الأول: ان تكون للردع والزجر، وهو الغالبُ في استعمالها، مثل قوله تعالى {أية : قَالَ أَصْحَابُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} تفسير : [الشعراء: 61، 62] والمعنى انتهوا عن القول. الثاني: ان تكون للرد والنفي فتردّ شيئا وتثبت آخر مثل ان يقول المريضُ الذي لم يعمل بنصح طبيبه: شربتُ ماء، فيقول الطبيب: كلا، بل شربتَ لبنا. معناه ما شربت ماء، ولكنْ شربتَ لبنا. الثالث: تكون بمعنى ألا، يُستفتح بها الكلامُ للتنبيه، مثل قوله تعالى: {أية : كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ} تفسير : [العلق: 6، 7]. الرابع: ان تجيء جواباً بمعنى حقاً وتكون مع القسَم، مثل قوله تعالى هنا: {كَلاَّ وَٱلْقَمَرِ} ومعناه حقاً، وأُقسم بالقمر الخ.... أدبر: ولى. أسفر: اضاء. انها لإحدى الكبر: ان جهنم لاحدى الدواهي الكبيرة. رهينة: مرتهنة بعملها. ما سَلككم: ما ادخلكم. نخوض مع الخائضين: نخالط اهل الباطل في باطلهم ونكثر من الكلام الذي لا خير فيه. حتى أتانا اليقين: حتى اتانا الموت. مستنفرة: نافرة، هاربة. القسورة: الأسد. منشَّرة: منشورة. كلا: لا سبيلَ لكم إلى إنكار سقَرَ وصفتها المخيفة. وأُقسِم بالقمر، وبالليلِ إذا ولّى وذهب، وبالصُّبح إذا تبلّج وأضاء - إن جهنّم لإحدى البلايا الكبار والدواهي العِظام لإنذار البشَر لمن شاءَ ان يقبلَ الإنذارَ او يتولّى عنه. وهذا تهديد وإعلام بأن من تقدم الى الطاعة والايمان بمحمد صلى الله عليه وسلم جازاه الله بثواب لا ينقطع ابدا، ومن تأخر عن الطاعة ولم يؤمن بمحمد عوقب عقابا لا ينقطع ابدا. {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} فهي محبوسة بعملها، مرهونة عند الله بكسْبها. {إِلاَّ أَصْحَابَ ٱلْيَمِينِ} لأنهم فكّوا رقابَهم بحُسْنِ أعمالهم، وبطاعتهم وإيمانهم.. ولذلك فانهم {فِي جَنَّاتٍ يَتَسَآءَلُونَ عَنِ ٱلْمُجْرِمِينَ}؟. فقد جزاهم الله أحسنَ الجزاءِ فهم في غرفاتِ الجناتِ يسألُ بعضهم بعضاً عن المجرمين. ويقولون لهم: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ} ما الذي أدخلكم جهنم؟ فاجابوهم أن هذا العذابَ الذي هم فيه سببه اربعة أمور: الاول: {قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ ٱلْمُصَلِّينَ} لم نصلِّ مطلقا لاننا لم نكن نعتقد بوجوب الصلاة علينا. الثاني: {وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ ٱلْمِسْكِينَ} ولم نكن من المحسنين، ولم نتصدق بفضل اموالنا على الفقراء والمساكين. الثالث: {وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ ٱلُخَآئِضِينَ} وكنا لا نبالي بالخوض في الباطل مع من يخوض فيه، ونكثر من الكلام الذي لا خير فيه: في حق محمد واصحابه، وفي امر القرآن فنقول انه سحر وشعر وكهانة. الرابع: {وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ} وكنا نكذب بيوم القيامة، ولم يؤمن بالبعث والنشور والجزاء والحساب، {حَتَّىٰ أَتَانَا ٱلْيَقِينُ} حتى جاءنا الموت فعرفنا اننا كنا في ضلال تائهين. ولذلك قال الله تعالى معقبا على اعترافهم بجرمهم {فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ ٱلشَّافِعِينَ} فهم بعد اتصافهم بهذه الصفات واعترافهم بجريمتهم لا يمكن ان يشفع لهم احد، لأن لهم النار خالدين فيها ابدا. ثم اكد توبيخهم والتقريع عليهم بقوله: {فَمَا لَهُمْ عَنِ ٱلتَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ} فما لهم عن التذكير بالقرآنِ والعظة به منصرفين، كأنهم حميرٌ فرَّت من أسدٍ يطاردُها ليفترسَها. ثم بين انهم بلغوا في العناد حداً لا يتقبله عقل، فقال: {بَلْ يُرِيدُ كُلُّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ أَن يُؤْتَىٰ صُحُفاً مُّنَشَّرَةً} فكل واحدٍ منهم يريد ان ينزِلَ عليه كتابٌ مفتوح من السماء. وكانوا يقولون: إن كان محمد صادقاً فليصبحْ عندَ رأسِ كل واحدٍ منا صحيفةٌ فيها براءة من النار {كَلاَّ}: زجرٌ وتوبيخٌ على اقتراحهم لتلك الصحف، {بَل لاَّ يَخَافُونَ ٱلآخِرَةَ} لانهم لم يؤمنوا بها. {كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ} حقا ان القرآن تذكرة بليغة كافية، فمن شاء ان يذكره ولا ينساه فعل. وما يذكرون الا بمشيئة الله، هو أهل لأن يتقى، وأهل لان يغفر لمن اتقاه.. بابه مفتوح دائما. والحمد لله رب العالمين. قراءات: قرأ الجمهور: اذا دبر اذا بالف بعد الذال، ودبر بوزن ضرب. وقرأ نافع وحمزة وحفص: اذ ادبر، اذ بسكون الذال، وأدبر بوزن أكرم. ودبر وأدبر لغتان.
د. أسعد حومد
تفسير : (32) - كَلاَّ لاَ سَبِيلَ إِلَى إِنْكَارِ النَّارِ، قَسَماً بِالقَمَرِ.
الثعلبي
تفسير : {كَلاَّ وَٱلْقَمَرِ * وَٱللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ} يعني ولّى ذاهباً، اختلفت القراءة فيه فقرأ ابن محيضن ونافع وحمزة وخلف ويعقوب وحفص {إِذْ} بغير ألف. {أَدْبَرَ} بالألف، غيرهم هم ضده، واختاره أبو عبيد قال: لأنها أشّد موافقه للحرف الذي يليه، ألا تراه قال: {وَٱلصُّبْحِ إِذَآ أَسْفَرَ} فكيف يكون في أحدهما إذا وفي الآخر إذ، وأبو حاتم قال: لأنه ليس في القرآن لجنبه إذ وأنما الأقسام بجنبها إذا. قال قطرب من قرأ { وَٱللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ}: يريد أقبل، من قول العرب دبر فلان أي جاء خلفي، فكأنّه دبر خلف النهار. قال أبو الضحى: كان ابن عباس يعيب على من يقرأ دبر ويقول: إنما يدبّر ظهر البعير، وقال الفراء: هما لغتان دبّر وأدبر. قال الشاعر: شعر : صدعت غزالة قلبه بفوارس تركت مسامعه كأمس الدابر تفسير : وقال أبو عمرو: دبّر لغة قريش. {وَٱلصُّبْحِ إِذَآ أَسْفَرَ} قرأه العامة بالألف أي أضاء وأقبل، وقرأ ابن السميع وعيسى ابن الفضل سفر بغير ألف، وهما لغتان يقال: سفر وجه فلان وأسفر، إذا أضاء، ويجوز أن يكون من قولهم: سفرت المرأة إذا ألقت خمارها عن وجهها، ويحتمل أن يكون معناه نفي الظلام كما سفر البيت أي يكنس ويقال للمكنسة المسفرة. {إِنَّهَا لإِحْدَى ٱلْكُبَرِ} يعني أن سفر لإحدى الأمور العظام وواحد الكبر كُبرى: {نَذِيراً لِّلْبَشَرِ} يعني أنّ النار نذير للبشر قال الحسن: والله ما أنذر الله بشيء أدهى منها، وهو نصب على القطع من قوله: {لإِحْدَى ٱلْكُبَرِ}؛ لأنها معرفة ونذيراً نكرة. قال الخليل: النذير مصدر كالنكير، فلذلك وصف به المؤنث، وقيل: هو من صفة الله سبحانه مجازه: وما جعلنا أصحاب النار إلاّ ملائكة، نذيراً للبشر أي إنذاراً لهم. قال أبو رزين: أنا لكم منها نذير فاتقوها، وقيل: هو صفة محمد(عليه السلام)، ومعنى الكلام: يا أيّها المدثر قم نذيراً للبشر فأنذر، وهو معنى قول ابن زيد، وقرأ إبراهيم عن أبي غيلة نذير للبشر بالرفع على إضمار هو. {لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ} في الخير والطاعة {أَوْ يَتَأَخَّرَ} عنها في الشر والمعصية نظيره ودليله {أية : وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ} تفسير : [الحجر: 24] يعني في الخير {أية : وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَأْخِرِينَ} تفسير : [الحجر: 24] عنه قاله الحسن، وهذا وعيد لهم كقوله: {أية : فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ} تفسير : [الكهف: 29] يعني أنّه نذير لهما جميعاً. {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} مرتهنة بكسبها مأخوذة بعملها. {إِلاَّ أَصْحَابَ ٱلْيَمِينِ} فإنهم لا يحاسبون ولا يرتهنون بذنوبهم ولكن يغفرها الله لهم ويتجاوزها عنهم كما وعدهم. قال قتادة: غلق الناس كلّهم إلاّ أصحاب اليمين واختلفوا فيهم. فأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن [شنبه] قال: حدّثنا رضوان بن أحمد قال: حدّثنا أحمد بن عبد الجبار قال: حدّثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي اليقظان عن زاذان عن علي في قوله: {إِلاَّ أَصْحَابَ ٱلْيَمِينِ} قال: هم أطفال المسلمين. تدل عليه ما أخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حسن قال: حدّثنا البغوي قال: حدّثنا علي ابن الجعد قال: أخبرنا أبو عقيل عن نُهيّة عن عائشة قالت: حديث : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ولدان المؤمنين أين هم؟ قال: "فِى الْجَنَّةِ" وسألته عن ولدان المشركين فقال: "إنْ شئت سمّعتُكِ تضاغيهم في النار ". تفسير : وقال أبو ظبيان: عن ابن عباس: هم الملائكة، وروى أبو حمزة الثمالي عن أبي جعفر الباقر قال: نحن وشيعتنا أصحاب اليمين، وقال مقاتل: هم أهل الجنة الذين كانوا على يمين آدم يوم الميثاق حين قال لهم الله سبحانه: هؤلاء في الجنة ولا أبالي. وقال الحسن: هم المسلمون المخلصون، وعنه أيضاً: هم الذين كانوا ميامين على أنفسهم. ابن كيسان هم المؤمنون الصالحون ليسوا مرتهنين لأنهم أدّوا ما كان عليهم. يمان: هم الذين أمكنوا رهونهم، وقال الحكيم: هم الذين أختار الله سبحانه بخدمته فلم يدخلوا في الرهن، لأنهم خدّام الله سبحانه وصفوته وكسبهم لم يضرهم، وقال القاسم: كلّ نفس مأخوذة بكسبها من خير وشر إلاّ من اعتمد الفضل والرحمة دون الكسب والخدمة فكل من اعتمد على الكسب فهو رهين به ومَنْ اعتمد على الفضل فإنّه غير مأخوذ. وسمعت أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت أبا بكر الرازي يقول: سمعت أبا عمرو البخاري يقول: في قوله سبحانه: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} قال: فأين الفرار من القدر وكيف القرار على الخطر؟ {فِي جَنَّاتٍ يَتَسَآءَلُونَ * عَنِ ٱلْمُجْرِمِينَ} المشركين {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ ٱلْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ ٱلْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ ٱلُخَآئِضِينَ} في الباطل. {وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ * حَتَّىٰ أَتَانَا ٱلْيَقِينُ} يعني الموقن به وهو الموت. قال الله سبحانه وتعالى: {فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ ٱلشَّافِعِينَ} قال عبد الله بن مسعود: يشفع الملائكة والنبيون والشهداء والصالحون وجميع المؤمنين فلا يبقى في النار إلاّ أربعة ثم تلا قوله سبحانه: {لَمْ نَكُ مِنَ ٱلْمُصَلِّينَ} إلى قوله {بِيَوْمِ ٱلدِّينِ} قال الحسن: كنا نتحدّث أن الشهيد يُشفع في سبعين من أهل بيته. وأخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حمدان قال: حدّثنا ابن ماهان قال: حدّثنا موسى بن إسماعيل قال: حدّثنا حماد قال: حدّثنا ثابت عن الحسن أن رسول الله (عليه السلام) قال: "حديث : يقول الرجل من أهل الجنة يوم القيامة أي ربي عبدك فلان سقاني شربة من الماء في الدنيا فشفّعني فيه، فيقول اذهب فاخرجه من النار فيذهب فيتجسس النار حتى يخرجه منها ". تفسير : وبإسناد عن حماد عن خالد الحذاء عن عبد الله ابن شفيق عن رجل من بني تميم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : ليشفعن رجل من أمتي لأكثر من بني تميم ". تفسير : وأخبرنا الحسن قال: حدّثنا عمر بن نوح البجلي قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن شاهين قال: حدّثنا عبد الله بن عمر قال: حدّثنا أبو معاوية قال: حدّثنا داود بن أبي هند عن عبد الله بن قيس الأسدي عن الحرث بن أقشن قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"حديث : من أمتي من سيدخل الله بشفاعته الجنة أكثر من مضر ". تفسير : {فَمَا لَهُمْ عَنِ ٱلتَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ} نصب على الحال، وقيل: صاروا معرضين. {كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ} جمع حمار {مُّسْتَنفِرَةٌ} قرأ أهل المدينة والشام وأيوب بفتح الفاء أي منفرة مذعورة، ومثله روى المفضل عن عاصم وأختاره أبو عبيد، وقرأ الآخرون بالكسر أي نافرة يقال: نفرت واستنفرت بمعنى واحد، وأنشد الفراء: شعر : أمسك حمارك إنه مستنفر في الثر أحمرة عمدن لغُرت تفسير : وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا أبو حامد المستملي قال: حدّثنا محمد بن حاتم الذمي قال: حدّثنا محمد بن سلام الجمحي قال: سألت أبا سراب الغنوي وكان إعرابياً فصيحاً قارئاً للقرآن فقلت: حمر ماذا؟ قال: حمرّ مستنفرة طردها قسورة، قلت: إنّما هي فرت من قسورة فقال: أفرّت، قلت: نعم قال: فمستنفرة. {فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ} اختلفوا فيه فقال مجاهد وقتادة والضحاك وابن كيسان: هم الرُماة وهي رواية عطاء عن ابن عباس وأبي ظبيان عن أبي موسى الأشعري، وقال سعيد بن جبير: هم القناص وهي رواية عطية عن ابن عباس. وأخبرني الحسين قال: حدّثنا عمر بن أحمد بن القاسم النهاوندي قال: حدّثنا محمد بن أيوب قال: أخبرنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدّثنا وكيع عن شعبة عن أبي حمزة عن ابن عباس: فرت من قسورة قال: عُصب الرجال. وأخبرني عقيل قال: أخبرنا المعافى قال: أخبرنا محمد بن جرير قال: حدّثنا ابن المثنى قال: حدّثني عبد الصمد بن عبد الوارث قال: سمعت أبي تحدث قال: حدّثني داود قال: حدّثني عباس بن عبد الرحمن مولى بني هاشم قال: سئل ابن عباس عن القسورة فقال: هي جمع الرجال ألم تسمع ما قالت فلانه في الجاهلية: شعر : يا بنت كوني خيرة لخيرة أخوالها الحي وأهل القسورة تفسير : وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حمدان قال: حدّثنا محمد بن عمران قال: حدّثنا أبو عبيد الله المخزومي قال: حدّثنا سفيان بن عيينة عن عمرو وعن عطاء عن ابن عباس في قوله سبحانه {فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ} قال: هي ركز الناس. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حبش قال: حدّثنا أبو يعلي الموصلي قال: حدّثنا يحيى بن معين قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن إسماعيل بن مسلم العبدي عن أبي المتوكّل في قوله سبحانه: {فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ} قال: هو لغط القوم، وقال أبو هريرة: هي الأسد. وأخبرني بن فنجويه قال: حدّثنا ابن حمدان قال: حدّثنا ابن ماهان قال: حدّثنا موسى بن إسماعيل قال: حدّثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن سليمان بن قتة عن ابن عباس {فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ} قال: هو بلسان العرب: الأسد، وبلسان الحبش: القسورة، وبلسان فارس: شير، وبلسان النبط: أريا. وقيل: هو فعولة من القسر وهو القهر، سمي بذلك لأنه يقهر السباع كلّها. وأخبرني الحسين قال: حدّثنا محمد بن علي بن الحسن الصوفي قال: حدّثنا محمد بن صالح بن ذريح قال: حدّثنا حبارة بن مغلس قال: حدّثنا عبد الأعلى بن أبي المساور عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى {فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ} قال: من حبال الصيادين، وقال عكرمة: من ظلمة الليل، وقيل: هي سواد أول الليل ولا يقال لسواد آخر الليل: قسورة، وقال زيد بن أسلم: أي من رجال أقوياء، وكلّ ضخم شديد عند العرب فهو قسور وقسورة. قال لبيد: شعر : إذا ما هتفنا هتفة في ندينا أتانا الرجال العائذون القساور تفسير : {بَلْ يُرِيدُ كُلُّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ أَن يُؤْتَىٰ صُحُفاً مُّنَشَّرَةً} وذلك أنهم قالوا: يا محمد إن سرّك أن نتبعك فأتنا بكتاب خاصة إلى فلان وفلان من ربّ العالمين نؤمر فيه باتباعك، نظيره قوله: {أية : وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ} تفسير : [الإسراء: 93]. بادان عن ابن عباس يقول: كان المشركون يقولون: لو كان محمد صادقاً فليصح عند كل رأس رجل منا صيحة فيها براءته وأمنه من النار. قال مطر الوراق: كانوا يريدون أن يؤتوا براءة من غير عمل، وقال الكلبي: حديث : إن المشركين قالوا: يا محمد بلغنا أن الرجل من بني إسرائيل يصبح مكتوب عند رأسه ذنبه وكفارته فأتنا بمثل ذلك، فكرهه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنزل الله سبحانه هذه الآية {كَلاَّ} تفسير : ليس كما تقولون وتريدون وقيل: حقاً وكل ما ورد عليك منه فهذا وجهه {بَل لاَّ يَخَافُونَ ٱلآخِرَةَ * كَلاَّ إِنَّهُ} يعني القرآن {تَذْكِرَةٌ} وليس بسحر {فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ * وَمَا يَذْكُرُونَ} بالتاء نافع، يعقوب وغيرهما بالياء {إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ هُوَ أَهْلُ ٱلتَّقْوَىٰ وَأَهْلُ ٱلْمَغْفِرَةِ} أي أهل أن تتقى محارمه وأهل أن يغفر لمن اتقاه. أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا عمر بن الخطاب قال: حدّثنا عبد الله بن الفضل قال: حدّثنا هدية بن خالد قال: وحدّثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدقاق وهارون بن محمد قالا: حدّثنا محمد بن عبد العزيز قال: حدّثنا هدية قال: حدّثنا موسى بن محمد بن علي قال: حدّثنا الحسن ابن علي المعمري قال: حدّثنا هدية قال: حدّثنا سهيل بن أبي حزم عن ثابت عن أنس حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال هذه الآية: {هُوَ أَهْلُ ٱلتَّقْوَىٰ وَأَهْلُ ٱلْمَغْفِرَةِ}: قال ربكم عزّوجلّ: أنا أهل أن اتقى ولا يشرك بي غيري وأنا أهل لمن اتقى أن يشرك بي أن أغفر له ". تفسير : وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن مالك قال: حدّثنا ابن حنبل قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا عبد القدوس بن بكر قال: سمعت محمد بن النظر الجارقي يذكر في قوله سبحانه: {هُوَ أَهْلُ ٱلتَّقْوَىٰ وَأَهْلُ ٱلْمَغْفِرَةِ} قال: أنا أهلٌ أن يتقيني عبدي فإن لم يفعل كنت أنا أهلاً أن أغفر له.
الأندلسي
تفسير : {كَلاَّ} قال الزمخشري: كلا إنكار بعد أن جعلها ذكرى أن تكون لهم ذكرى لأنهم لا يتذكرون "انتهى". ليس يسوغ هذا في حق الله تعالى أن يخبر انها ذكرى للبشر ثم ينكر أن تكون لهم ذكرى وإنما قوله للبشر عام مخصوص. {وَٱلْقَمَرِ * وَٱللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ} أي ولى ويقال دبر وأدبر بمعنى واحد أقسم تعالى بهذه الأشياء تشريفاً لها وتنبيهاً على ما يظهر بها وفيها من عجائب الله وقدرته وقوام الوجود بإِيجادها. {إِنَّهَا لإِحْدَى ٱلْكُبَرِ} الظاهر أن الضمير في إنها عائد على النار وإحدى الكبر الدواهي الكبر أي لا نظير لها كما تقول هو أحد الرجال وهي إحدى النساء والكبر العظائم من العقوبات. {نَذِيراً لِّلْبَشَرِ} هو محمد صلى الله عليه وسلم فهو منصوب بفعل مضمر أي ناد أو بلغ أو أعلى والظاهر أن لمن بدل من البشر بإِعادة الجار. {أَن يَتَقَدَّمَ} منصوب بشاء والفاعل بشاء ضمير يعود على من وقيل الفاعل ضمير يعود على الله تعالى أي لمن شاء هو أي الله تعالى أن يتقدم من طاعة الله تعالى أو يتأخر عنها والظاهر العموم في كل نفس ورهينة بمعنى مرهونة كالنطيحة بمعنى المنطوحة أنث مراعاة لقوله: {كُلُّ نَفْسٍ} كما ذكر في قوله: {أية : كُلُّ ٱمْرِىءٍ بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ}تفسير : [الطور: 21] مراعاة لامرىء وهو ذكر. {إِلاَّ أَصْحَابَ ٱلْيَمِينِ} إستثناء منقطع. {فِي جَنَّاتٍ} خبر. {يَتَسَآءَلُونَ} حال. {مَا سَلَكَكُمْ} خطاب للمجرمين أطلع الله المؤمنين على أحوال المجرمين فسألوهم سؤال توبيخ لهم وتحسير والا فهم عالمون ما الذي أدخلهم النار والجواب أنهم لم يكونوا متصفين بخصائل الإِسلام من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ثم ارتقوا من ذلك إلى الأعظم وهو الكفر والتكذيب بيوم الجزاء واليقين الموت. {فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ ٱلشَّافِعِينَ} أي لا شفاعة شافعين لهم فتنفعهم من باب، على لاحب لا يهتدي بمناره، أي لا منار له فيهتدي به. {فَمَا لَهُمْ عَنِ ٱلتَّذْكِرَةِ} وهي مواعظ القرآن التي تذكر الآخرة. {مُعْرِضِينَ} أي والحال المنتظرة هذه الموصوفة ثم شبههم بالحمر الوحشية المستنفرة في شدة إعراضهم ونفارهم عن الإِيمان وآيات الله تعالى وقرىء بكسر الفاء إسم فاعل وبفتحها إسم مفعول وقال ابن الأعرابي: القسوة أول الليل والمعنى فرت من ظلمة الليل ولا شىء أشد نفاراً من حمر الوحش ولذلك شبهت بها العرب الإِبل في سرعة مسيرها وخفتها وقيل القسورة الرماة والصيادون وقيل الأسد قاله جماعة من اللغويين. {بَلْ يُرِيدُ كُلُّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ} أي من المعرضين عن عظات الله تعالى وآياته. {أَن يُؤْتَىٰ صُحُفاً مُّنَشَّرَةً} أي منشورة غير مطوية تقرأ كالكتب التي يتكاتبونها أو كتبت في السماء نزلت بها الملائكة ساعة كتبت رطبة لم تطو بعد وذلك أنهم قالوا للرسول صلى الله عليه وسلم لن نتبعك حتى يؤتى كل واحد منا بكتب من السماء عنوانها من رب العالمين إلى فلان ابن فلان يؤمر فيها باتباعك فنزلت هذه الآية. {كَلاَّ} ردع عن إعراضهم عن التذكرة. {إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ * فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ} ذكر في أنه وفي ذكره لأن التذكرة ذكر. {هُوَ أَهْلُ ٱلتَّقْوَىٰ} أي أهل أن يتقى ويخاف. {وَأَهْلُ} أن يغفر سبحانه وتعالى.
الجيلاني
تفسير : {كَلاَّ} وحاشا أن يتذكر بها هؤلاء الحمقى، إلاَّ من وفقه الحق، وأدركته العناية من جانبه {وَ} حق {ٱلْقَمَرِ} [المدثر: 32] المنير. {وَٱللَّيْلِ} المظلم، وكيفية تصاريف القمر المضيء في ظلمة الليل، وانمحاء نوره {إِذْ أَدْبَرَ} [المدثر: 33] أي: ولى واصنرف ذاهباً؛ يعني بالقمر: نور الإيمان المشرق في الليل الذي هو عبارة عن ظلمة عالم الكون والفساد المترتب على التعينات العدمية الحاصلة من انعكاس شمس الذات. {وَٱلصُّبْحِ} الذي هو ظهور نور الوجود، وطلوع شمس الذات الأحدية التي انمحت وفنيت {إِذَآ أَسْفَرَ} [المدثر: 34] أي: أضاء وأشرق أضلال التعينات بالمرة، وانتثرت كواكب الهويات، وانطفأت شهب العكوس، واضمحلت مطلق الإضافات. {إِنَّهَا} أي: سقر الطرد والحرمان، وسعير الزجر والخذلان، والخزنة المعدودين الموكلين عليها بقدرة الله {لإِحْدَى ٱلْكُبَرِ} [المدثر: 35] أي: إحدى البلايا والمصيبات الكبار النازلة لأصحاب الضلال بمقتضى القهر الإلهي وجلاله. وإنما أنزلنا في كتابه، وأخبرنا عنها؛ لتكون {نَذِيراً لِّلْبَشَرِ} [المدثر: 36] ينذرهم ويحذرهم عن حر سقر. {لِمَن شَآءَ} وأراد سبحانه {مِنكُمْ} أيها المكلفون المجبولون على الهداية والضلال {أَن يَتَقَدَّمَ} بالإيمان والأعمال الصالحة، وفعل الخيرات، وترك المنكرات، فيهتدي بطريق النجاة منها {أَوْ يَتَأَخَّرَ} [المدثر: 37] بالكفر، وارتكاب المناهي والمنكرات، وفعل المحرمات، فوقع فيها وازدجر. وبالجملة: {كُلُّ نَفْسٍ} من النفوس الخيرة {بِمَا كَسَبَتْ} واقترفت {رَهِينَةٌ} [المدثر: 38] مرهونة مرتهنة عند الله بكسبها، فكسبها إن كان لأجل الدنيا وما يترتب عليها من اللذات والشهوات البهيمية، والوهمية والخيالية من الجاه والثروة، والاستكبار والاستعظام بالأموال والأولاد، ترتب عليها أنواع العقوبات والمصيبات، وإن كان لأجل الآخرة من الإيمان والإسلام، وصوالح الأعمال، وارتكاب المتاعب والمشاق في طريق الحق وتوحيده، ترتب عليه أصناف المثوبات، وأنواع الكرامات والدرجات العليَّة، والمقامات السنيَّة من اللذات الروحانية. {إِلاَّ أَصْحَابَ ٱلْيَمِينِ} [المدثر: 39] وهم الطائرون إلى الله، السائرون نحوه؛ لإفناء هوياتهم في هوية الحق، المنخلعون عن لوازم عالم الناسوت بالمرة، المتخلعون بخلع عالم اللاهوت. والمتمكنون {فِي جَنَّاتٍ} ومنتزهات موصوفة بما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ومن كمال تمكنهم وتقررهم في مقر الوحدة {يَتَسَآءَلُونَ} [المدثر: 40]. ويسألون {عَنِ ٱلْمُجْرِمِينَ} [المدثر: 41]. على سبيل التعجب والاستبعاد: {مَا سَلَكَكُمْ} وأدخلكم {فِي سَقَرَ} [المدثر: 42] الإمكان، وجحيم الطرد والخذلان؟! {قَالُواْ} أي: المجرمون في جوابهم متحسرين متأسفين: {لَمْ نَكُ} في دار الاختبار ونشأة الاعتبار {مِنَ ٱلْمُصَلِّينَ} [المدثر: 43] المتوجهين نحو الحق في الأوقات المكتوبة علينا. {وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ ٱلْمِسْكِينَ} [المدثر: 44] على متقضى الأمر الإلهي عطفاً ولطفاً. {وَ} مع ذلك {كُنَّا نَخُوضُ} ونشرع في الباطل ونروجه، ونترك الحق ونهمله {مَعَ ٱلُخَآئِضِينَ} [المدثر: 45] الشارعين المزوِّرين، المروِّجين عناداً ومكابرةً. {وَ} أعظم من الكل: إنا {كُنَّا} من نهاية جهلنا وغفلتنا {نُكَذِّبُ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ} [المدثر: 46] أي: بوقوع الطامة الكبرى وقيام الساعة، مقتفين أثر الضالين المضلين، مستظهرين بالآلهة الباطلة، مغترين بشفاعتهم العاطلة لدى الحاجة، وبالجملة: كنَّا مصرين على ما كنَّا عليه. {حَتَّىٰ أَتَانَا ٱلْيَقِينُ} [المدثر: 47] وحلَّ علينا الأجل، وظهرت مقدماته، وانقرضت نشأة الاخيبار.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : { كَلا } هنا بمعنى: حقا، أو بمعنى { ألا } الاستفتاحية، فأقسم تعالى بالقمر، وبالليل وقت إدباره، والنهار وقت إسفاره، لاشتمال المذكورات على آيات الله العظيمة، الدالة على كمال قدرة الله وحكمته، وسعة سطانه، وعموم رحمته، وإحاطة علمه، والمقسم عليه قوله: { إِنَّهَا } أي النار { لإحْدَى الْكُبَرِ } أي: لإحدى العظائم الطامة والأمور الهامة، فإذا أعلمناكم بها، وكنتم على بصيرة من أمرها، فمن شاء منكم أن يتقدم، فيعمل بما يقربه من ربه، ويدنيه من رضاه، ويزلفه من دار كرامته، أو يتأخر [عما خلق له و] عما يحبه الله [ويرضاه]، فيعمل بالمعاصي، ويتقرب إلى نار جهنم، كما قال تعالى: {أية : وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ } تفسير : الآية. { كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ } من أعمال السوء وأفعال الشر { رَهِينَةٌ } بها موثقة بسعيها، قد ألزم عنقها، وغل في رقبتها، واستوجبت به العذاب، { إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ } فإنهم لم يرتهنوا، بل أطلقوا وفرحوا { فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ } أي: في جنات قد حصل لهم بها جميع مطلوباتهم، وتمت لهم الراحة والطمأنينة، حتى أقبلوا يتساءلون، فأفضت بهم المحادثة، أن سألوا عن المجرمين، أي: حال وصلوا إليها، وهل وجدوا ما وعدهم الله تعالى؟ فقال بعضهم لبعض: " هل أنتم مطلعون عليهم " فاطلعوا عليهم في وسط الجحيم يعذبون، فقالوا لهم: { مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ } أي: أي شيء أدخلكم فيها؟ وبأي: ذنب استحققتموها؟ فـ { قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ } فلا إخلاص للمعبود، [ولا إحسان] ولا نفع للخلق المحتاجين. { وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ } أي: نخوض بالباطل، ونجادل به الحق، { وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ } هذا آثار الخوض بالباطل، [وهو] التكذيب بالحق، ومن أحق الحق، يوم الدين، الذي هو محل الجزاء على الأعمال، وظهور ملك الله وحكمه العدل لسائر الخلق. فاستمرينا على هذا المذهب الفاسد { حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ } أي: الموت، فلما ماتوا على الكفر تعذرت حينئذ عليهم الحيل، وانسد في وجوههم باب الأمل. { فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ } لأنهم لا يشفعون إلا لمن ارتضى، وهؤلاء لا يرضى الله أعمالهم. فلما بين الله مآل المخالفين، ورهب مما يفعل بهم، عطف على الموجودين بالعتاب واللوم، فقال: { فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ } أي: صادين غافلين عنها. { كَأَنَّهُمْ } في نفرتهم الشديدة منها { حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ } أي: كأنهم حمر وحش نفرت فنفر بعضها بعضا، فزاد عدوها، { فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ } أي: من صائد ورام يريدها، أو من أسد ونحوه، وهذا من أعظم ما يكون من النفور عن الحق، ومع هذا الإعراض وهذا النفور، يدعون الدعاوى الكبار. فـ { يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً } نازلة عليه من السماء، يزعم أنه لا ينقاد للحق إلا بذلك، وقد كذبوا، فإنهم لو جاءتهم كل آية لم يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم، فإنهم جاءتهم الآيات البينات التي تبين الحق وتوضحه، فلو كان فيهم خير لآمنوا، ولهذا قال: { كَلا } أن نعطيهم ما طلبوا، وهم ما قصدوا بذلك إلا التعجيز، { بَلْ لا يَخَافُونَ الآخِرَةَ } فلو كانوا يخافونها لما جرى منهم ما جرى. { كَلا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ } الضمير إما أن يعود على هذه السورة، أو على ما اشتملت عليه [من] هذه الموعظة، { فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ } لأنه قد بين له السبيل، ووضح له الدليل. { وَمَا يَذْكُرُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ } فإن مشيئته نافذة عامة، لا يخرج عنها حادث قليل ولا كثير، ففيها رد على القدرية، الذين لا يدخلون أفعال العباد تحت مشيئة الله، والجبرية الذين يزعمون أنه ليس للعبد مشيئة، ولا فعل حقيقة، وإنما هو مجبور على أفعاله، فأثبت تعالى للعباد مشيئة حقيقة وفعلا وجعل ذلك تابعا لمشيئته، { هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ } أي: هو أهل أن يتقى ويعبد، لأنه الإله الذي لا تنبغي العبادة إلا له، وأهل أن يغفر لمن اتقاه واتبع رضاه. تم تفسير سورة المدثر ولله الحمد.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):