٧٤ - ٱلْمُدَّثِّر
74 - Al-Muddathir (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
38
Tafseer
الرازي
تفسير : قال صاحب «الكشاف»: رهينة ليست بتأنيث رهين في قوله: {أية : كُلُّ ٱمْرِىء بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ } تفسير : [الطور: 21] لتأنيث النفس لأنه لو قصدت الصيغة لقيل: رهين، لأن فعيلاً بمعنى مفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث، وإنما هي اسم بمعنى الرهن كالشتيمة بمعنى الشتم، كأنه قيل: كل نفس بما كسبت رهن، ومنه بيت الحماسة:شعر : أبعد الذي بالنعف نعف كواكب رهينة رمس ذي تراب وجندل تفسير : كأنه قال: رهن رمس، والمعنى كل نفس رهن بكسبها عند الله غير مفكوك إلا أصحاب اليمين، فإنهم فكوا عن رقاب أنفسهم بسبب أعمالهم الحسنة، كما يخلص الراهن رهنه بأداء الحق، ثم ذكروا وجوهاً في أن أصحاب اليمين من هم؟ أحدها: قال ابن عباس: هم المؤمنون وثانيها: قال الكلبي: هم الذين قال (فيهم) الله تعالى: «هؤلاء في الجنة ولا أبالي» وهم الذين كانوا على يمين آدم وثالثها: قال مقاتل: هم الذين أعطوا كتبهم بأيمانهم لا يرتهنون بذنوبهم في النار ورابعها: قال علي بن أبي طالب عليه السلام وابن عمر: هم أطفال المسلمين، قال الفراء: وهو أشبه بالصواب لوجهين: الأول: لأن الولدان لم يكتسبوا إثماً يرتهنون به والثاني: أنه تعالى ذكر في وصفهم، فقال: {أية : فِى جَنَّـٰتٍ يَتَسَاءلُونَ عَنِ ٱلْمُجْرِمِينَ مَا سَلَكَكُمْ فِى سَقَرَ } تفسير : [المدثر: 40 ـ 42] وهذا إنما يليق بالولدان، لأنهم لم يعرفوا الذنوب، فسألوا {مَا سَلَكَكُمْ فِى سَقَرَ } وخامسها: عن ابن عباس: هم الملائكة.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مخبراً: أن { كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} أي: معتقلة بعملها يوم القيامة، قاله ابن عباس وغيره { إِلاَّ أَصْحَـٰبَ ٱلْيَمِينِ} فإنهم { فِى جَنَّـٰتٍ يَتَسَآءَلُونَ عَنِ ٱلْمُجْرِمِينَ } أي: يسألون المجرمين، وهم في الغرفات، وأولئك في الدركات، قائلين لهم: { مَا سَلَكَكُمْ فِى سَقَرَ قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ ٱلْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ ٱلْمِسْكِينَ } أي: ما عبدنا الله، ولا أحسنا إلى خلقه من جنسنا { وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ ٱلُخَآئِضِينَ} أي: نتكلم فيما لا نعلم. وقال قتادة: كلما غوى غاوٍ، غوينا معه { وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ حَتَّىٰ أَتَـٰنَا ٱلْيَقِينُ } يعني: الموت؛ كقوله تعالى: {أية : وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ} تفسير : [الحجر: 99] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : أما هو ــــ يعني: عثمان بن مظعون ــــ فقد جاءه اليقين من ربه» تفسير : قال الله تعالى: { فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَـٰعَةُ ٱلشَّـٰفِعِينَ} أي: من كان متصفاً بمثل هذه الصفات، فإنه لا تنفعه يوم القيامة شفاعة شافع فيه؛ لأن الشفاعة إنما تنجع إذا كان المحل قابلاً، فأما من وافى الله كافراً يوم القيامة، فإنه له النار لا محالة خالداً فيها، ثم قال تعالى: { فَمَا لَهُمْ عَنِ ٱلتَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ} أي: فما لهؤلاء الكفرة الذين قبلك؛ مما تدعوهم إليه، وتذكرهم به معرضين؟ { كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ } أي: كأنهم في نفارهم عن الحق، وإعراضهم عنه، حمر من حمر الوحش إذا فرت ممن يريد صيدها؛ من أسد، قاله أبو هريرة وابن عباس في رواية عنه، وزيد بن أسلم وابنه عبد الرحمن، أو رامٍ، وهو رواية عن ابن عباس، وهو قول الجمهور. وقال حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس: الأسد بالعربية، ويقال له بالحبشية: قسورة، وبالفارسية: شير، وبالنبطية: أوبا. وقوله تعالى: {بَلْ يُرِيدُ كُلُّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ أَن يُؤْتَىٰ صُحُفاً مُّنَشَّرَةً} أي: بل يريد كل واحد من هؤلاء المشركين أن ينزل عليه كتاب كما أنزل الله على النبي صلى الله عليه وسلم، قاله مجاهد وغيره، كقوله تعالى: {أية : وَإِذَا جَآءَتْهُمْ ءَايَةٌ قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَآ أُوتِىَ رُسُلُ ٱللَّهِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} تفسير : [الأنعام: 124] وفي رواية عن قتادة: يريدون أن يؤتوا براءة بغير عمل، فقوله تعالى: { كَلاَّ بَل لاَّ يَخَافُونَ ٱلأَخِرَةَ} أي: إنما أفسدهم عدم إيمانهم بها، وتكذيبهم بوقوعها. ثم قال تعالى: { كَلاَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ} أي: حقاً إن القرآن تذكرة {فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ وَمَا يَذْكُرُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ} كقوله: {وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ}. وقوله تعالى: {هُوَ أَهْلُ ٱلتَّقْوَىٰ وَأَهْلُ ٱلْمَغْفِرَةِ} أي: هو أهل أن يخاف منه، وهو أهل أن يغفر ذنب من تاب إليه وأناب. قاله قتادة. وقال الإمام أحمد: حدثنا زيد بن الحباب، أخبرني سهيل أخو حزم، حدثنا ثابت البناني عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {هُوَ أَهْلُ ٱلتَّقْوَىٰ وَأَهْلُ ٱلْمَغْفِرَةِ} وقال: «حديث : قال ربكم: أنا أهل أن أُتَّقَى، فلا يجعل معي إله، فمن اتقى أن يجعل معي إلهاً، كان أهلاً أن أغفر له» تفسير : ورواه الترمذي وابن ماجه من حديث زيد بن الحباب، والنسائي من حديث المعافى بن عمران، كلاهما عن سهيل بن عبد الله القطعي به، وقال الترمذي: حسن غريب، وسهيل ليس بالقوي، ورواه ابن أبي حاتم عن أبيه عن هدبة بن خالد عن سهيل به، وهكذا رواه أبو يعلى والبزار والبغوي وغيرهم من حديث سهيل القطعي به. آخر تفسير سورة المدثر، ولله الحمد والمنة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ } مرهونة مأخوذة بعملها في النار.
الشوكاني
تفسير : قوله: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ } أي: مأخوذة بعملها ومرتهنة به، إما خلصها وإما أوبقها، والرهينة اسم بمعنى الرهن، كالشيمة بمعنى الشيم، وليست صفة، ولو كانت صفة لقيل: رهين؛ لأن فعيلاً يستوي فيه المذكر والمؤنث، والمعنى: كل نفس رهن بكسبها غير مفكوكة. {إِلاَّ أَصْحَـٰبَ ٱلْيَمِينِ } فإنهم لا يرتهنون بذنوبهم، بل يفكون بما أحسنوا من أعمالهم. واختلف في تعيينهم. فقيل: هم الملائكة. وقيل: المؤمنون. وقيل: أولاد المسلمين. وقيل: الذين كانوا عن يمين آدم. وقيل: أصحاب الحقّ. وقيل: هم المعتمدون على الفضل دون العمل. وقيل: هم الذين اختارهم الله لخدمته {فِي جَنَّـٰتِ } هو في محل رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، والجملة استئناف جواباً عن سؤال نشأ مما قبله، ويجوز أن يكون {في جنات} حالاً من {أصحاب اليمين}، وأن يكون حالاً من فاعل {يتساءلون}، وأن يكون ظرفاً لـ {يتساءلون}، وقوله: {يَتَسَاءلُونَ } يجوز أن يكون على بابه، أي: يسأل بعضهم بعضاً، ويجوز أن يكون بمعنى يسألون أي: يسألون غيرهم، نحو دعيته وتداعيته، فعلى الوجه الأوّل يكون {عَنِ ٱلْمُجْرِمِينَ } متعلقاً بـ {يتساءلون} أي: يسأل بعضهم بعضاً عن أحوال المجرمين، وعلى الوجه الثاني تكون "عن" زائدة، أي: يسألون المجرمين. وقوله: {مَا سَلَكَكُمْ فِى سَقَرَ } هو على تقدير القول، أي: يتساءلون عن المجرمين يقولون لهم: ما سلككم في سقر، أو يسألونهم قائلين لهم: ما سلككم في سقر، والجملة على كلا التقديرين في محل نصب على الحال، والمعنى: ما أدخلكم في سقر، تقول سلكت الخيط في كذا: إذا دخلته فيه. قال الكلبي: يسأل الرجل من أهل الجنة الرجل من أهل النار باسمه، فيقول له: يا فلان ما سلكك في النار. وقيل: إن الملائكة يسألون الملائكة عن أقربائهم، فتسأل الملائكة المشركين يقولون لهم: ما سلككم في سقر. قال الفراء: في هذا ما يقوّي أن أصحاب اليمين هم الولدان؛ لأنهم لا يعرفون الذنوب. ثم ذكر سبحانه ما أجاب به أهل النار عليهم فقال: {قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ ٱلْمُصَلّينَ } أي: من المؤمنين الذين يصلون لله في الدنيا. {وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ ٱلْمِسْكِينَ } أي: لم نتصدق على المساكين. قيل: وهذان محمولان على الصلاة الواجبة والصدقة الواجبة؛ لأنه لا تعذيب على غير الواجب، وفيه دليل على أن الكفار مخاطبون بالشرعيات. {وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ ٱلُخَائِضِينَ } أي: نخالط أهل الباطل في باطلهم. قال قتادة: كلما غوى غاوٍ غوينا معه. وقال السديّ: كنا نكذب مع المكذبين. وقال ابن زيد: نخوض مع الخائضين في أمر محمد صلى الله عليه وسلم، وهو قولهم: كاذب مجنون ساحر شاعر. {وَكُنَّا نُكَذّبُ بِيَوْمِ ٱلدّينِ } أي: بيوم الجزاء والحساب {حَتَّىٰ أَتَـٰنَا ٱلْيَقِينُ } وهو: الموت، كما في قوله: {أية : وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ } تفسير : [الحجر: 99]. {فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَـٰعَةُ ٱلشَّـٰفِعِينَ } أي: شفاعة الملائكة والنبيين، كما تنفع الصالحين. {فَمَا لَهُمْ عَنِ ٱلتَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ } التذكرة التذكير بمواعظ القرآن، والفاء لترتيب إنكار إعراضهم عن التذكرة على ما قبله من موجبات الإقبال عليها، وانتصاب {معرضين} على الحال من الضمير في متعلق الجارّ والمجرور، أي: أيّ شيء حصل لهم حال كونهم معرضين عن القرآن الذي هو مشتمل على التذكرة الكبرى والموعظة العظمى. ثم شبههم في نفورهم عن القرآن بالحمر فقال: {كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ } والجملة حال من الضمير في معرضين على التداخل، ومعنى مُّسْتَنفِرَةٌ: نافرة، يقال: نفر واستنفر، مثل عجب واستعجب، والمراد الحمر الوحشية. قرأ الجمهور: {مستنفرة} بكسر الفاء، أي: نافرة، وقرأ نافع، وابن عامر بفتحها، أي: منفرة مذعورة، واختار القراءة الثانية أبو حاتم، وأبو عبيد. قال في الكشاف: المستنفرة الشديدة النفار كأنها تطلب النفار من نفوسها في جمعها له، وحملها عليه، {فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ } أي: من رماة يرمونها، والقسور الرامي، وجمعه قسورة، قاله سعيد بن جبير، وعكرمة، ومجاهد، وقتادة، وابن كيسان. وقيل: هو الأسد، قاله عطاء والكلبي. قال ابن عرفة: من القسر بمعنى القهر؛ لأنه يقهر السباع. وقيل: القسورة أصوات الناس. وقيل: القسورة بلسان العرب الأسد، وبلسان الحبشة الرماة. وقال ابن الأعرابي: القسورة أوّل الليل، أي: فرت من ظلمة الليل، وبه قال عكرمة، والأوّل أولى، وكلّ شديد عند العرب فهو: قسورة، ومنه قول الشاعر:شعر : يا بنت كوني خيرة لخيره أخوالها الحيّ وأهل القسورة تفسير : ومنه قول لبيد:شعر : إذا ما هتفنا هتفة في ندينا أتانا الرجال العابدون القساورتفسير : ومن إطلاقه على الأسد قول الشاعر:شعر : مضمر تحذره الأبطال كأنه القسوّر الرهال تفسير : {بَلْ يُرِيدُ كُلُّ ٱمْرِىء مّنْهُمْ أَن يُؤْتَىٰ صُحُفاً مُّنَشَّرَةً } عطف على مقدر يقتضيه المقام كأنه قيل: لا يكتفون بتلك التذكرة بل يريد. قال المفسرون: إن كفار قريش قالوا لمحمد صلى الله عليه وسلم: ليصبح عند رأس كل رجل منا كتاب منشور من الله أنك رسول الله. والصحف الكتب واحدتها صحيفة، والمنشرة المنشورة المفتوحة، ومثل هذه الآية قوله سبحانه: {أية : حَتَّى تُنَزّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَءهُ }تفسير : [الإسراء: 93] قرأ الجمهور: {منشرة} بالتشديد. وقرأ سعيد بن جبير بالتخفيف. وقرأ الجمهور أيضاً: بضم الحاء من صحف. وقرأ سعيد بن جبير بإسكانها. ثم ردعهم الله سبحانه عن هذه المقالة وزجرهم فقال: {كَلاَّ بَل لاَّ يَخَافُونَ ٱلآخِرَةَ } يعني: عذاب الآخرة؛ لأنهم لو خافوا النار لما اقترحوا الآيات. وقيل: كلا بمعنى حقاً. ثم كرّر الردع والزجر لهم فقال: {كَلاَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ } يعني: القرآن، أو حقاً إنه تذكرة، والمعنى: أنه يتذكر به ويتعظ بمواعظه. {فَمَن شَاء ذَكَرَهُ } أي: فمن شاء أن يتعظ به اتعظ. ثم ردّ سبحانه المشيئة إلى نفسه فقال: {وَمَا يَذْكُرُونَ إِلاَّ أَن يَشَاء ٱللَّهُ } قرأ الجمهور: {يذكرون} بالياء التحتية. وقرأ نافع، ويعقوب بالفوقية، واتفقوا على التخفيف، وقوله: {إلاّ أن يشاء الله} استثناء مفرّغ من أعمّ الأحوال. قال مقاتل: إلاّ أن يشاء الله لهم الهدى {هُوَ أَهْلُ ٱلتَّقْوَىٰ } أي: هو الحقيق بأن يتقيه المتقون بترك معاصيه والعمل بطاعاته {وَأَهْلُ ٱلْمَغْفِرَةِ } أي: هو الحقيق بأن يغفر للمؤمنين ما فرط منهم من الذنوب، والحقيق بأن يقبل توبة التائبين من العصاة، فيغفر ذنوبهم. وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ } قال: مأخوذة بعملها. وأخرج ابن المنذر عنه في قوله: {إِلاَّ أَصْحَـٰبَ ٱلْيَمِينِ } قال: هم المسلمون. وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عن عليّ بن أبي طالب: {إِلاَّ أَصْحَـٰبَ ٱلْيَمِينِ } قال: هم أطفال المسلمين. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس: {حَتَّىٰ أَتَـٰنَا ٱلْيَقِينُ } قال: الموت. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عن أبي موسى الأشعري في قوله: {فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ } قال: هم الرماة رجال القسيّ. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عن ابن عباس قال: القسورة الرجال الرماة القنص. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن أبي جمرة قال: قلت لابن عباس: القسورة الأسد، فقال: ما أعلمه بلغة أحد من العرب الأسد هم عصبة الرجال. وأخرج سفيان بن عيينة، وعبد الرزاق، وابن المنذر عن ابن عباس {مِن قَسْوَرَةٍ } قال: هو ركز الناس يعني: أصواتهم. وأخرج أحمد، والدارمي، والترمذي وحسنه، والنسائي، وابن ماجه، والبزار، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن عديّ وصححه، وابن مردويه عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية {هُوَ أَهْلُ ٱلتَّقْوَىٰ وَأَهْلُ ٱلْمَغْفِرَةِ } فقال: قال ربكم:«حديث : أنا أهل أن أتقى فلا يجعل معي إلٰه، فمن اتقاني فلم يجعل معي إلٰهاً، فأنا أهل أن أغفر له»تفسير : وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة، وابن عمر، وابن عباس مرفوعاً نحوه.
الماوردي
تفسير : {كلُّ نفْسٍ بما كَسَبَتْ رَهينةٌ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: ان كل نفس مرتهنة محتسبة بعملها لتحاسب عليه، إلا أصحاب اليمين، وهم أطفال المسلمين فإنه لا حساب عليهم لأنه لا ذنوب لهم، قاله عليٌّ رضي الله عنه. الثاني: كل نفس من أهل النار مرتهنة في النار إلا أصحاب اليمين وهم المسلمون، فإنهم لا يرتهنون، وهم إلى الجنة يسارعون، قاله الضحاك. الثالث: كل نفس بعملها محاسبة إلا أصحاب اليمين وهم أهل الجنة، فإنهم لا يحاسبون، قاله ابن جريج. {وكنّا نَخُوض مع الخائضينَ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: نكذب مع المكذبين، قاله السدي. الثاني: كلما غوى غاو غوينا معه، قاله قتادة. الثالث: قولهم محمد كاهن، محمد ساحر، محمد شاعر، قاله ابن زيد. ويحتمل رابعاً، وكنا أتباعاً ولم نكن مبتوعين. {وكنّا نًكذّب بيوم الدِّين} يعني يوم الجزاء وهو يوم القيامة. {حتى أتانا اليقين} فيه وجهان: أحدهما: الموت، قاله السدي. الثاني: البعث يوم القيامة. {فما لهم عن التَذْكِرَةِ مُعْرِضين} قال قتادة: عن القرآن. ويحتمل ثالثاً: عن الاعتبار بعقولهم. {كأنهم حُمُرٌ مُسْتَنْفِرةٌ} قرأ نافع وابن عامر بفتح الفاء، يعني مذعورة وقرأ الباقون بكسرها، يعني هاربة، وأنشد الفراء: شعر : أمْسِكْ حمارَك إنه مُستنفِرٌ في إثْر أحْمِرَةٍ عَمَدْنَ لغُرَّبِ. تفسير : {فَرَّتْ من قَسْورةٍ} فيه ستة تأويلات: أحدها: أن القسورة الرماة، قاله ابن عباس. الثاني: أنه القناص أي الصياد، ومنه قول علي: شعر : يا ناس إني مثل قسورةٍ وإنهم لعداة طالما نفروا. تفسير : الثالث: أنه الأسد، قاله أبو هريرة، روى يوسف بن مهران عن ابن عباس أنه الأسد بلسان الحبشة، قال الفرزدق: شعر : إلى هاديات صعاب الرؤوس فساروا للقسور الأصيد. تفسير : الرابع: أنهم عصب من الرجال وجماعة، رواه أبو حمزة عن ابن عباس. الخامس: أنه أصوات الناس، رواه عطاء عن ابن عباس. السادس: أنه النبيل، قاله قتادة. {بل يريد كلُّ امرىءٍ منهم أنْ يُؤْتى صحُفاً مُنَشّرةً} يعني كتباً منشورة وفيه أربعة أوجه: أحدها: أن يؤتى كتاباً من الله أن يؤمن بمحمد، قاله قتادة. الثاني: أن يؤتى براءة من النار أنه لا يقذف بها، قاله أبو صالح. الثالث: أن يؤتى كتاباً من الله بما أحل له وحرم عليه، قاله مقاتل. الرابع: أن كفار قريش قالوا إن بني إسرائيل كانوا إذا أذنب الواحد ذنباً وجده مكتوباً في رقعة، فما بالنا لا نرى ذلك فنزلت الآية، قاله الفراء. {هو أهل التقْوَى وأهل المغْفِرةِ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: هو أهل أن تتقى محارمه، وأهل أن يغفر الذنوب، قاله قتادة. الثاني: هو أهل أن يتقى أن يجعل معه إله غيره، وأهل لمن اتقاه أن يغفر له، وهذا معنى قول رواه أنس مرفوعاً. الثالث: هو أهل أن يتقى عذابه وأهل أن يعمل بما يؤدي إلى مغفرته. ويحتمل رابعاً: أهل الانتقام والإنعام.
ابن عبد السلام
تفسير : {كُلُّ نَفْسٍ} بالغة محتبسة بعملها {إِلآ أَصْحَابَ الْيَمِينِ} أطفال المسلمين أو كل نفسٍ من أهل النار مرتهنة في النار إلاّ المسلمين أو كل نفسٍ محاسبة بعملها إلا أهل الجنة فلا يحاسبون.
ابن عادل
تفسير : قوله: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ}. فيه أوجه: أحدها: أنَّ "رَهِينَةٌ" بمعنى "رَهْنٍ" كـ "الشَّتِيمة" بمعنى "الشَّتْم". قال الزمخشري: ليس كتأنيث "رهين" في قوله: {أية : كُلُّ ٱمْرِىءٍ بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ}تفسير : [الطور: 21] لتأنيث النفس، لأنه لو قصدت الصفة لقيل: رهين؛ لأن "فعيلاً" بمعنى "مفعول" يستوي فيه المذكر والمؤنث، وإنَّما هي اسم بمعنى "الرهن" كالشتيمة بمعنى "الشّتم" كأنه قيل: كل نفس بما كسبت رهن، ومنه بيت الحماسة: [الطويل] شعر : 4972 - أبَعْدَ الذي بالنَّعْفِ نَعْفِ كُويكِبٍ رَهِينَةِ رَمْسٍ ذي تُرابٍ وجَنْدلِ تفسير : كأنَّه قال: "رَهْنِ رَمْسٍ". الثاني: أن الهاء للمبالغة. الثالث: أنَّ التأنيث لأجل اللفظ. واختار أبو حيان: أنها بمعنى "مفعول" وأنها كالنَّطيحة، وقال: ويدل على ذلك أنَّه لما كان خبراً عن المذكر كان بغير هاء، وقال تعالى: {كُلُّ ٱمْرِىءٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} فأنَّثَ حيث كان خبراً عن المذكر أتى بغير تاء، وحيث كان خبراً عن مؤنث أتى بالتاء كما في هذه الآية فأمَّا التي في البيت فأنَّثَ على معنى النَّفْسِ. فصل في معنى رهينة ومعنى "رهينة" أي: مُرتهَنَة بكسبها، مأخوذة بعملها، إمَّا خلَّصهَا وإمَّا أوبقها. قوله: {إِلاَّ أَصْحَابَ ٱلْيَمِينِ}. فيه وجهان: أحدهما: أنَّه استثناء متصل إذا المراد بهم المسلمون الخالصون الصالحون، فإنَّهم فكُّوا رقاب أنفسهم بأعمالهم الحسنة كما يخلِّص الراهن رهنه بإيفاءِ الحق. والثاني: أنَّه منقطع، إذا المراد به الأطفال والملائكة. قال ابن عباس: المراد بهم الملائكة. وقال عليُّ بن أبي طالب وابن عمر - رضي الله عنهما - هم أولاد المسلمين لم يكتسبوا فيُرْتهَنُوا. وقال الضحاك: هم الذين سبقت لهم منا الحسنى، ونحوه عن ابن جريج قال: كل نفس بعملها محاسبة إلا أصحاب اليمين، وهم أهل الجنة فإنَّهم لا يحاسبون. وكذا قال مقاتل والكلبي أيضاً: هم أصحاب الجنة الذين كانوا عن يمين آدم - عليه الصلاة والسلام - يوم الميثاق حين قال الله تعالى لهم: "حديث : هؤلاء في الجنة ولا أبالي ". تفسير : قال الحسن وابن كيسان: هم المسلمون المخلصون ليسوا بمرتهنين، لأنهم أدَّوا ما كان عليهم. وعن أبي ظبيان عن ابن عباس قال: هم المسلمون. وقيل: إلا أصحاب الحق وأهل الإيمان. وقيل: هم الذين يُعطون كتبهم بأيمانهم. وقال أبو جعفر الباقرُ: نحن وشيعتنا أصحاب اليمين، وكل من أبغضنا أهل البيت فهم المرتهنون. قوله تعالى: {فِي جَنَّاتٍ}. يجوز أن يكون خبر مبتدأ مضمرٍ، أي: هم في جنات، وأن يكون حالاً من "أصحاب اليمين"، وأن يكون حالاً من فاعل "يتساءلون". ذكرهما أبو البقاء. ويجوز أن يكون ظرفاً لـ"يتساءلون"، وهو أظهر من الحالية من فاعله. و "يتساءلون" يجوز أن يكون على بابه، أي: يسأل بعضهم بعضاً، ويجوز أن يكون بمعنى "يسألون" أي يسألون غيرهم، نحو "دَعوْتُه وتَداعَيْتُه". قوله: {عَنِ ٱلْمُجْرِمِينَ} فيه وجهان: الأول: أن تكون كلمة "عن" صلة زائدة، والتقدير: يتساءلون المجرمين، فيقولون لهم: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ}، فإنه يقال: سألته كذا، وسألته عن كذا. الثاني: أن يكون المعنى: أن أصحاب اليمين يسأل بعضهم بعضاً عن أحوال المجرمين. فإن قيل: فعلى هذا يجب أن يقولوا: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ}؟. فأجاب الزمخشري عنه فقال: "المرادُ من هذا أن المشركين يلقون ما جرى بينهم وبين المؤمنين، فيقولون: قلنا لهم: مَا سلَكَكُمْ في سَقَرَ". وفيه وجه آخر وهو: أنَّ المراد أن أصحاب اليمين كانوا يتساءلون عن المجرمين أين هم؟ فلما رأوهم، قالوا لهم: ما سلككم في سقر؟ والإضمارات كثيرة في القرآن. قوله: {مَا سَلَكَكُمْ}: يجوز أن يكون على إضمار القول، وذلك في موضع الحال أي: يتساءلون عنهم قائلين لهم: ما سلككم؟ قال الزمخشري: فإن قلت: كيف طابق بعد قوله: "ما سلككم" وهو سؤال المجرمين، قوله: {يَتَسَآءَلُونَ عَنِ ٱلْمُجْرِمِينَ}، وهو سؤال عنهم، وإنما كان يتطابق ذلك لو قيل: يتساءلون المجرمين: ما سلككم؟. قلت: قوله تعالى: {مَا سَلَكَكُمْ} ليس ببيانٍ للتساؤل عنهم وإنما هو حكاية قول المسئولين عنهم؛ لأن المشركين يلقون إلى السائلين ما جرى بينهم وبين المجرمين، فيقولون: قلنا لهم: ما سلككم في سقر؟ أي: أدخلكم في سقر، كما تقول: سَلكْتُ الخَيْط في كذا إذا أدخلته فيه، والمقصود من هذا: زيادة التوبيخ والتخجيل، والمعنى: ما أدخلكم في هذه الدركةِ من النار؟ فأجابوا: أن العذاب لأمور أربعة، ثم ذكروها وهي قولهم: {لَمْ نَكُ مِنَ ٱلْمُصَلِّينَ}. قال الكلبيُّ رحمه الله: يسألُ الرجلُ من أهل الجنة الرجلَ من أهل النار باسمه فيقول له: يا فلانُ. وفي قراءة عبد الله بن الزبير: يا فلان، ما سلككم في سقر؟ وهي قراءة على التفسير؛ لا أنها قرآن كما زعم من طعن في القرآن. قاله ابن الأنباري. وقيل: إن المؤمنين يسألون الملائكة عن أقربائهم، فتسأل الملائكة المشركين، فيقولون لهم: ما سلككم في سقر؟. قال الفراء: في هذا ما يقوي أن أصحاب اليمين هم الولدان؛ لأنهم لا يعرفون الذنوب. قوله: {لَمْ نَكُ مِنَ ٱلْمُصَلِّينَ}، هذا هو الدالُّ على فاعل "سلكنا كذا" الواقع جواباً لقول المؤمنين لهم: "ما سلككم" [والتقدير: سلكنا عَدمُ صلاتنا كذا وكذا. قال أبو البقاء: هذه الجملة سدّت مسدّ الفاعل، وهو جواب: ما سلككم، وهو نظير "مناسككم"، وقد تقدم في "البقرة"] فصل في تفسير الآية قال القرطبي: معنى قولهم: {لَمْ نَكُ مِنَ ٱلْمُصَلِّينَ} أي: المؤمنين الذين يصلون {وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ ٱلْمِسْكِينَ} أي: لم نكن نتصدق. قال ابن الخطيب: "وهذان يجب أن يكونا محمولين على الصلاة الواجبة، والزكاة؛ لأن ما ليس بواجب لا يجوز أن يعذَّبوا على تركه". {وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ ٱلُخَآئِضِينَ}، أي: في الأباطيل. وقال ابن زيد: {نَخُوضُ مَعَ ٱلُخَآئِضِينَ} في أمر محمد صلى الله عليه وسلم وهو قولهم - لعنهم الله -: إنه ساحر، كاهن، مجنون، شاعر كذبوا - والله - لم يكن فيه شيءٌ من ذلك صلى الله عليه وسلم. وقال قتادة: كلما غوى غاوٍ غوينا معه. وقيل: معناه: كنا أتباعاً ولم نكن متبوعين، وقولهم: {وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ} أي: نكذّب بيوم القيامة، يوم الجزاء والحكم. {حَتَّىٰ أَتَانَا ٱلْيَقِينُ} أي: جائنا الموت، قال الله تعالى: {أية : حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ}تفسير : [الحجر: 99]. وهذه الآية تدل على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة. فإن قيل: لم أخر التكذيب وهو أفحش تلك الخصال الأربع؟. فالجواب: أريد أنهم بعد اتصافهم بتلك الأمور الثلاثة كانوا مكذِّبين بيوم الدين، والغرض تعظيم هذا الذنب كقوله تعالى: {أية : ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ}تفسير : [البلد: 17]. قوله: {فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ ٱلشَّافِعِينَ}؛ كقوله: [الطويل] شعر : 4973 - عَلَى لاَحِبٍ لا يُهتَدَى بِمنَارِهِ ........................ تفسير : في أحد وجهيه، أي: لا شفاعة لهم فلا انتفاع بها، وليس المراد أن ثمَّ شفاعةً غير نافعة كقوله تعالى: {أية : وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ}تفسير : [الأنبياء: 28] الآية. وهذه الآية تدلُّ على صحة الشفاعة للمذنبين من هذه الأمة بمفهومها؛ لأن تخصيص هؤلاء بأنهم لا تنفعهم شفاعة الشافعين يدلُّ على أن غيرهم تنفعهم شفاعة الشافعين. قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: يشفع نبيكم صلى الله عليه وسلم رابع أربعة: جبريل، ثم إبراهيم، ثم موسى، أو عيسى، ثم نبيكم صلى الله عليه وسلم ثم الملائكة، ثم النبيون، ثم الصديقون، ثم الشهداء، ويبقى قوم في جهنم، فيقال لهم: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ}؟ قالوا: لم نك من المصلين، إلى قوله: {فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ ٱلشَّافِعِينَ}. قال عبد الله بن مسعود: فهؤلاء الذين في جهنم.
السيوطي
تفسير : وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: {كل نفس بما كسبت رهينة} قال: مأخوذة بعملها. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة {كل نفس بما كسبت رهينة إلا أصحاب اليمين} قال: علق الناس كلهم إلا أصحاب اليمين. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: {كل نفس بما كسبت رهينة إلا أصحاب اليمين} قال: لا يحاسبون. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: {إلا أصحاب اليمين} قال: هم المسلمون. وأخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن علي بن أبي طالب في قوله: {إلا أصحاب اليمين} قال: هم أطفال المسلمين. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن عمر في قوله: {إلا أصحاب اليمين} قال: هم أطفال المسلمين. أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وعبدالله بن أحمد في زوائد الزهد وابن أبي داود وابن الأنباري معاً في المصاحف وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عمرو بن دينار قال: سمعت عبدالله بن الزبير يقرأ {في جنات يتساءلون عن المجرمين} يا فلان {ما سلككم في سقر} قال عمرو: وأخبرني لقيط قال: سمعت ابن الزبير قال: سمعت عمر بن الخطاب يقرؤها كذلك. وأخرج أبو عبيد في فضائله وابن المنذر عن ابن مسعود أنه قرأ: "يا أيها الكفار ما سلككم في سقر". وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: {وكنا نخوض مع الخائضين} قال: يقولون: كلما غوى غاو غوينا معه، وفي قوله: {فما تنفعهم شفاعة الشافعين} قال: تعلموا أن الله يشفّع المؤمنين يوم القيامة بعضهم في بعض. قال: وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن في أمتي رجلاً ليدخلن الله الجنة بشفاعته أكثر من بني تميم" تفسير : وقال الحسن: أكثر من ربيعة ومضر. قال: وكنا نحدث أن الشهيد يشفع في سبعين من أهل بيته. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس {حتى أتانا اليقين} قال: الموت. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد {فما تنفعهم شفاعة الشافعين} قال: لا تنالهم شفاعة من يشفع. وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ليخرجن بشفاعتي من أهل الإِيمان من النار حتى لا يبقى فيها أحد إلا أهل هذه الآية {ما سلككم في سقر} إلى قوله: {شفاعة الشافعين} ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن عبد الرحمن بن ميمون أن كعباً دخل يوماً على عمر بن الخطاب فقال له عمر: حدثني إلى ما تنتهي شفاعة محمد يوم القيامة؟ فقال كعب: قد أخبرك الله في القرآن، إن الله يقول: {ما سلككم في سقر} إلى قوله: {اليقين} قال كعب: فيشفع يومئذ حتى يبلغ من لم يصل صلاة قط، ويطعم مسكيناً قط، ومن لم يؤمن ببعث قط، فإذا بلغت هؤلاء لم يبق أحد فيه خير. وأخرج ابن مردويه عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:حديث : يؤتى بأدنى أهل النار منزلة يوم القيامة فيقول الله له: تفتدى بملء الأرض ذهباً وفضة؟ فيقول: نعم إن قدرت عليه، فيقول: كذبت، قد كنت أسألك ما هو أيسر عليك من أن تسألني فأعطيك وتستغفرني فأغفر لك وتدعوني فأستجيب لك، فلم تخفني ساعة قطّ من ليل ونهار، ولم ترج ما عندي قط، ولم تخش عقابي ساعة قط، وليس وراءه أحد إلا وهو شر منه، فيقال له: {ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين} إلى قوله: {حتى أتانا اليقين} يقول الله: {فما تنفعهم شفاعة الشافعين} ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن صهيب الفقير قال: كنا بمكة ومعي طلق بن حبيب وكنا نرى رأي الخوارج فبلغنا أن جابر بن عبدالله يقول في الشفاعة فأتيناه فقلنا له: بلغنا عنك في الشفاعة قول الله مخالف لك فيها في كتابه، فنظر في وجوهنا فقال: من أهل العراق أنتم؟ قلنا: نعم. فتبسم وقال: وأين تجدون في كتاب الله؟ قلت: حيث يقول: {أية : ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته}تفسير : [آل عمران: 192] و {أية : يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها}تفسير : [المائدة: 37] و {أية : كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها} تفسير : [السجدة: 20] وأشباه هذا من القرآن فقال: أنتم أعلم بكتاب الله أم أنا؟ قلنا: بل أنت أعلم به منا. قال: فوالله لقد شهدت تنزيل هذا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وشفاعة الشافعين، ولقد سمعت تأويله من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن الشفاعة لنبيه في كتاب الله قال في السورة التي تذكر فيها المدثر: {ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين} الآية، ألا ترون أنها حلت لمن مات لم يشرك بالله شيئاً؟ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إن الله خلق خلقاً ولم يستعن على ذلك، ولم يشاور فيه أحداً، فأدخل من شاء الجنة برحمته، وأدخل من شاء النار، ثم إن الله تحنن على الموحدين فبعث الملك من قبله بماء ونور فدخل النار، فنضح فلم يصب إلا من شاء، ولم يصب إلا من خرج من الدنيا لم يشرك بالله شيئاً فأخرجهم حتى جعلهم بفناء الجنة، ثم رجع إلى ربه فأمده بماء ونور، ثم دخل فنضح فلم يصب إلا من شاء الله، ثم لم يصب إلا من خرج من الدنيا لم يشرك بالله شيئاً فأخرجهم حتى جعلهم بفناء الجنة، ثم أذن الله للشفعاء فشفعوا لهم فأدخلهم الله الجنة برحمته وشفاعة الشافعين ". تفسير : وأخرج البيهقي في البعث عن ابن مسعود قال: يعذب الله قوماً من أهل الإِيمان، ثم يخرجهم بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم حتى لا يبقى إلا من ذكر الله {ما سلككم في سقر} إلى قوله: {شفاعة الشافعين} . أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة {فما لهم عن التذكرة معرضين} قال: عن القرآن. وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ {كأنهم حمر} مثقلة {مستنفرة} بخفض الفاء. وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن الحسن وأبي رجاء أنهما قرآ {مستنفرة} يعني بنصب الفاء. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم عن أبي موسى الأشعري في قوله: {فرت من قسورة} قال: هم الرماة رجال القنص. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: القسورة الرجال الرماة رجال القنص. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي جمرة قال: قلت لابن عباس قال: القسورة الأسد. فقال: ما أعلمه بلغة أحد من العرب الأسد هم عصبة الرجال. وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة {كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة} قال: وحشية فرت من رماتها. وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير {فرت من قسورة} قال: القناص. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد {فرت من قسورة} قال: القناص الرماة. وأخرج عبد بن حميد عن أبي مالك قال: القسورة الرماة. وأخرج الخطيب في تاريخه عن عطاء بن أبي رباح مثله. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة قال: القسورة النبل. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس {من قسورة} قال: من حبال الصيادين. وأخرج سفيان بن عيينة في تفسيره وعبد الرزاق وابن المنذر عن ابن عباس {من قسورة} قال: هو ركز الناس يعني أصواتهم. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {من قسورة} قال: هو بلسان العرب الأسد وبلسان الحبشة قسورة. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن أبي هريرة في قوله: {فرت من قسورة} قال: الأسد. أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن السدي عن أبي صالح قال: قالوا: إن كان محمد صادقاً فليصبح تحت رأس كل رجل منا صحيفة فيها براءته وأمنته من النار، فنزلت {بل يريد كل امرىء منهم أن يؤتى صحفاً منشرة} . وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه {بل يريد كل امرىء منهم أن يؤتى صحفاً منشرة} قال: إلى فلان ابن فلان من رب العالمين يصبح عند رأس كل رجل صحيفة موضوعة يقرؤها. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: {بل يريد كل امرىء منهم أن يؤتى صحفاً منشرة} قال: قد قال قائلون من الناس لمحمد صلى الله عليه وسلم: إن سرك أن نتابعك فائتنا بكتاب خاصة يأمرنا باتباعك وفي قوله {كلا بل لا يخافون الآخرة} قال: ذلك الذي أضحك بالقوم وأفسدهم أنهم كانوا لا يخافون الآخرة ولا يصدقون بها وفي قوله: {كلا إنها تذكرة} قال: هذا القرآن، وفي قوله: {هو أهل التقوى وأهل المغفرة} قال: إن ربنا محقوق أن تتقى محارمه، وهو أهل أن يغفر الذنوب الكثيرة لعباده. وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن رضي الله عنه {كلا بل لا يخافون الآخرة} قال: هذا الذي فضحهم. وأخرج أحمد والدارمي والترمذي والنسائي وابن ماجة والبزار وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عدي والحاكم وصححه وابن مردويه عن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية {هو أهل التقوى وأهل المغفرة} فقال: قد قال ربكم أنا أهل أن أُتَّقَى فمن لم يجعل معي إلهاً فأنا أهل أن أغفر له. وأخرج ابن مردويه عن عبدالله بن دينار قال: سمعت أبا هريرة رضي الله عنه وابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم يقولون: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله: {هو أهل التقوى وأهل المغفرة} قال: "حديث : يقول الله أنا أهل أن أتقى، فلا يجعل معي شريك، فإذا اتقيت ولم يجعل معي شريك فأنا أهل أن أغفر ما سوى ذلك ". تفسير : وأخرج الحكيم والترمذي في نوادر الأصول عن الحسن رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : قال الله أنا أكرم وأعظم عفواً من أن أستر على عبد لي في الدنيا ثم أفضحه بعد أن سترته، ولا أزال أغفر لعبدي ما استغفرني"تفسير : . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يقول الله تعالى: إني لأجدني استحي من عبدي يرفع يديه إليّ ثم أردهما. قالت الملائكة: إلهنا ليس لذلك بأهل. قال الله: لكني أهل التقوى وأهل المغفرة أشهدكم أني قد غفرت له" تفسير : . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ويقول الله: إني لأستحي من عبدي وأمتي يشيبان في الإِسلام ثم أعذبهما بعد ذلك في النار ".
السلمي
تفسير : قال القاسم: بما باشرت من الأعمال مأخوذة بكسبها من خير أو شر إلاَّ من اعتمد الفضل والرحمة دون الكسب والسعاية. سمعت أبا بكر الرازى يقول: سمعت أبا عمرو البخارى يقول فى قوله: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ}. قال: فأين الفرار من القدر وكيف الفرار.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ}. أي: مرتهنة بما عملت، ثم استثنى: {إِلاَّ أَصْحَابَ ٱلْيَمِينِ}. فقال: إنهم غير مرتهنين بأعمالهم، ويقال: هم الذين قال الله تعالى في شأنهم: "هؤلاء في الجنة ولا أُبالي"! وقيل: أَطفال المؤمنين. {فِي جَنَّاتٍ يَتَسَآءَلُونَ عَنِ ٱلْمُجْرِمِينَ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ ٱلْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ ٱلْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ ٱلُخَآئِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ}. هؤلاء يتساءلون عن المجرمين، ويقولون لأهل النار إذا حَصِلَ لهم إشرافٌ عليهم: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ}؟ {قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ ٱلْمُصَلِّينَ} ألم نكُ نُطْعِمُ المسكين؟ وهذا يدل على أنَّ الكفارَ مُخَاطَبون بتفصيل الشرائع. {وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ ٱلُخَآئِضِينَ}: نشرع في الباطل، ونكذِّب بيوم الدين.
البقلي
تفسير : انفس المحبين رهينة بالمحبة وانفس المشتاقين رهينة بالشوق وانفس العاشقين رهينة بالعشق وانفس العارفين رهينة بالمعرفة وانفس رب الانفس فان الكل مرتهن مما عنده الا من تجرد مما دون الله بالله وهم اصحاب يمين مشاهدة الحق.
اسماعيل حقي
تفسير : {كل نفس} من نفوس الانس والجن المكلفين {بما كسبت رهينة} مرهونة عند الله بكسبها محبوسة ثابتة وفى بعض التفاسير بسبب ما كسبت من الاعمال السيئة من رهن الشئ اى دام وثبت وارهنته اى تركته مقيما عنده وثابتا والرهن ما وضع عندك لينوب مناب ما اخذ منك والمرتهن هو الذى يأخذ المرهون ونفس المكلف محبوسة ثابتة عند الله بما اوجبه عليه من التكاليف التى هى حق خالص له تعالى فان اداها الملكف كما وجبت عليه فك رقبته وخلص نفسه والا بقيت نفسه مرهونة محبوسة عنده وقال بعضهم الرهينة اسم بمعنى الرهن كالشتيمة بمعنى الشتم على ان تكون التاء للنقل من الوصفية الى الاسمية وفى فتح الرحمن للمبالغة او على تأنيث اللفظ لا على معنى الانسان ونحوه وليس اى الرهينة صفة والا لقيل رهين لان فعيلا بمعنى مفعول لا تدخله التاء بل يستوى فيه المذكر والمؤنث الا ان يحمل على ما هو بمعنى الفاعل فانه يؤتى فى مؤنثه بالتاء كما فى عكسه فى قوله تعالى ان رحمة الله قريب من المحسنين قال الراغب قيل فى قوله كل نفس بما كسبت رهينة انه فعيل بمعنى فاعل اى ثابتة مقيمة وقيل بمعنى مفعول اى كل نفس مقامة فى جزآء ما قدم من علمها ولما كان الرهن يتصور من حبسه استعير ذلك للمحتبس اى شئ كان.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: { كلُّ نفس بما كسبتْ رهينةٌ} أي: مرهونة، محبوسة عند الله تعالى بكسبها. ورهينة: فعلية، بمعنى مفعولة، وإنما دخلتها التاء، مع أن فعيلاً بمعنى مفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث، تقول: رجل جريح، وامرأة جريح؛ لأنها هنا لم تتبع موصوفاً اصطلاحياً، ومَن قال: إنَّ الخبر في معنى الصفة فهي تابعة له، جعل "رهينة" اسماً بمعنى الرهن، كالشتيمة بمعنى الشتم، وقيل: إنَّ التاء في رهينة للنقل مع الوصفية للاسمية، لا للتأنيث، كما في نصيحة وذبيحة. هـ. فكل واحد مرهون بذنبه. {إِلاَّ أصحابَ اليمين} فإنهم فاكُّون رقابهم بما أحسنوا من أعمالهم، كما يفك الراهن رهنه بأداء الدَّين، وقيل: هم أطفال المسلمين؛ لأنهم لا أعمال لهم يُرهنون بها، وقيل: هم الذين سبقت لهم من الله الحسنى، {في جنات}، لا يُكتَنَهُ كُنهها، ولا يُدرك وصفها، أي: هم في جناتٍ، والجملة استئناف بياني، كأنه قيل: ما بالهم؟ فقال: هم {في جناتٍ يتساءلون}؛ يسأَل بعضهم بعضاً {عن} أحوال {المجرمين}، فيقول بعضهم لبعض: قد سألناهم فقلنا له: {ما سلككم في سقرٍ}؟ فـ{قالوا لم نك من المصلين...} الخ. قاله النسفي، ورده أبو السعود، فقال: وليس المراد بتساؤلهم أن يسأل بعضُهم بعضاً، على أن يكون كل واحد منهم سائلاً ومسؤولاً معاً، بل صدور السؤال عنهم مجرداً عن وقوعه عليهم، فإنَّ صيغة التفاعل وإن وضعت في الأصل للدلالة على صدور الفعل عن المتعدد، ووقوعه عليه معاً، بحيث يصير كل واحد فاعلاً ومفعولاً معاً، كما في قولك: تراءى القوم، أي: رأى كُلُّ واحد منهم الآخر، لكنها قد تجرد عن المعنى الثاني، ويقصد بها الدلالة على الأول فقط, فيُذكر للفعل حينئذ مفعول، كما في قولك: تراءوا الهلال، فمعنى {يتساءلون عن المجرمين}: يسألونهم عن أحوالهم، وقد حذف المسؤول لكونه عيَّن المسؤول عنه، أي: يسألون المجرمين عن أحوالهم، وقوله تعالى: {ما سلككم في سقر}: مقول لقول هو حال من فاعل "يتساءلون" أي: يسألونهم قائلين: أيُّ شيء أدخلكم في سقر؟ فتأمل ودع عنك ما يتكلّف المتكلفون. هـ. {قالوا} أي: المجرمين مجيبين للسائلين: {لم نكُ من المصلِّين} للصلوات الواجبة، {ولم نك نُطعم المسكين} كما يُطعم المسلمون، وفيه دلالة على أنّ الكفار مخاطبون بالفروع في حق المؤاخذة، {وكنا نخوض مع الخائضين} أي: نشرع في الباطل مع الشارعين فيه، فنقول الباطل والزور في آيات الله، {وكنا نُكذِّب بيوم الدين}؛ بيوم الجزاء والحساب. وتأخير ذكر جنايتهم هذه مع كونها أعظم من الكل؛ لتفخيمها، كأنهم قالوا: وكنا بعد ذلك مكذِّبين بيوم الدين، ولبيان كون تكذيبهم به مقارناً لسائر جناياتهم المعدودة مستمراً إلى آخر عمرهم، حسبما نطق به قوله تعالى: {حتى أتانا اليقينُ}؛ الموت ومقدماته، {فما تنفعهم شفاعةُ الشافعين} من الملائكة والنبيين والأولياء والصالحين، لأنها خاصة بالمؤمنين، وفيه دلالة على ثبوت الشفاعة للمؤمنين، وفي الحديث: " حديث : إن من أمتي مَن يدخل الجنة بشفاعته أكثر من ربيعة ومضر ". تفسير : {فما لهم عن الذكرةِ}؛ عن التذكير والوعظ بالقرآن {معرِضين}؛ مولّين، والفاء لترتيب ما قبلها من موجبات الإقبال عليه، والاتعاظ به من سوء حال المعرضين، و"معرضين": حال من الضمير الواقع خبراً لـ"ما" الاستفهامية، كقولك: ما لك قائماً؟ أي: فإذا كان حال المكذّبين به على ما ذكر من سوء الحال. فإيُّ شيء حصل لكم حال كونكم معرضين عن القرآن، مع تعاضد الدواعي إلى الإيمان؟ {كأنهم حُمُرٌ}؛ أي حُمر الوحش {مُستنفِرَةٌ}؛ شديدة النفار، كأنها تطلب النفار من نفوسها. وقرأ نافع والشامي بفتح الفاء، أي: استنفرها غيرُها، وجملة التشبيه حال من ضمير "معرضين" أي: مشبّهين بحُمر نافرة {فرّتْ من قسورة} أي: من أسد, فَعْولة من القَسر، وهو القهر، وقيل: هي جماعة الرماة الذين يصطادونها، شُبِّهوا في إعراضهم عن القرآن، واستماع ما فيه من المواعظ، وشرودهم عنه بحُمر حدث في نفارها ما أفزعها. وفيه مِن ذمهم وتهجين حالهم من تشبيههم بالحُمر ما لا يخفى. {بل يُريد كل امرىءٍ منهم أن يُؤتَى صُحفاً مُنَشَّرةً}: عطف على مُقدّر يقتضيه الكلام، كأنه قيل: لم يكتفوا بتلك التذكرة، ولم يَرضوا بها، بل يُريد كل امرىء منهم أن يُؤتى {صُحفاً مُنشَّرة}؛ قراطيس تُنشر وتٌقرأ، وذلك أنهم قالوا للرسول صلى الله عليه وسلم: لن نتبعك حتى تأتي كلَّ واحدٍ منا بكتاب من السماء، عنوانها: من رب العالمين إلى فلان بن فلان، يؤمر فيها باتباعك، وهذا كقوله: { أية : وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيّكَ حَتَّى تُنَزِلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ }تفسير : [الإسراء:93]. وقيل: قالوا: إن كان محمد صادقاً فليصبح عند رأس كل واحد منا صحيفة، فيها براءته وأمنه من النار. {كَلاَّ}، ردع لهم عن تلك الجرأة، وزجر عن اقتراح الآيات، {بل لا يخافون الآخرة} فلذلك يُعرضون عن التذكرة، لاَ لامتناع إيتاء الصُحف. {كَلاَّ إِنه تذكرةٌ} زجَرهم عن إعراضهم عن التذكرة، وقال: إن القرآن تذكرة بليغة كافية، {فمَن شاءَ ذكرَه} أي: فمَن شاء أن يذكره ذكره، وحاز سعادة الدارين، {وما يَذْكُرُون} بمجرد مشيئتهم {إِلاّ أن يشاء اللهُ} هدايتهم فيذكرون، والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال، أي: وما يذكرون لِعلةٍ من العلل، وفي حال من الأحوال، إلاَّ أن يشاء الله ذلك، وهو تصريح بأنَّ أفعال العباد كلها بمشيئة الله تعالى، وقرأ نافع ويعقوب بتاء الخطاب للكفرة. {هو أهلُ التقوى} أي: حقيق با، يُتقى عقابه، ويؤمن به ويُطاع، {وأهلُ المغفرةِ}؛ حقيق بأن يَغفر لمَن آمن به وأطاعه، وعنه عليه السلام في تفسيرها: "هو أهل أن يُتّقى، وأهل أن يغفر لمن اتقاه". وفي رواية ابن ماجه والترمذي: "حديث : قال الله تعالى: أنا أهل أن أُتَّقَى، فلا يُجعل معي إله آخر، فمَن اتقى ذلك فأنا أهل أن أغْفر له" تفسير : قال ذلك عليه السلام لَمّا قرأ الآية. هـ. الإشارة: قال الورتجبي: قوله تعالى: {كل نفس بما كسبت رهينة...} الخ، كلُّ واقفٍ مع حال، وملاحظ لمقام، فهو مرتهن، إلاّ مَن تجرّد مما دون الله، وهم أصحاب يمين مشاهدة الحق، فإنهم في جنان قُربه ووصاله. هـ. أي: كل نفس واقفة مع حالها أو مقامها مرتهنة معه، إلاّ مَن ينفذ إلى شهود الحق، إنه يكون من قبضة اليمين الذين اختارهم الله بمحض الفضل، فهم في جنات المعارف يتساءلون عن الغافلين: ما سلككم في سقر السقوط من درجة القُرب والوصال؟ قالوا: لم نك من المُصلِّين الصلاة الدائمة، ولم نك نُطعم المسكين، بل كنا بُخلاء بأموالنا وأنفسنا، وكنا نخوض في أودية الدنيا مع الخائفين، وكنا نُكذّب بيوم الدين؛ لأنَّ أفعالهم كانت فعل مَن لا يُصدّق بيوم الحساب، حتى أتانا اليقين بعد الموت، فندمنا، فلم ينفع الندم وقد زلّت القَدَم، فما تنفع فيهم شفاعة الشافعين، حيث ماتوا غافلين؛ لأنَّ الشفاعة لا تقع في مقام القُرب والاصطفاء، فمَن مات بعيداً بسبب الغفلة لا يصير قريباً، ولو شفع فيه ألف نبي وألف وَلِيّ، إذ القُرب على قدر الكشف، وكشف الحجاب عن الروح إنما يحصل في هذه الدار، لقوله عليه السلام: "حديث : يموت المرء على ما عاش عليه، ويُبعث على ما مات عليه" تفسير : وإنما تقع الشفاعة في النجاة، أو في الدرجة الحسية، والله تعالى أعلم. فما لهم، أي: لأهل الإعراض عن المذكِّر، عن التذكرة منه مُعرضين، كأنهم حُمر الوحش فرّت من قسورة، وتشبيههم بالحُمر في البلادة والجهل، وكل مَن طلب الكرامة من الأولياء فهو كاذب في الطلب، إذ لو صدق في الطلب لأراه الله الكرامات على أيديهم كالسحاب، كلاَّ بل لا يخافون الآخرة، ولو خافوها وجعلوها نُصب أعينهم لما توقّفوا على كرامة ولا معجزة، والأمر كله بيد الله، هو أهل التقوى وأهل المغفرة. وبالله التوفيق، وصلّى الله سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم.
الجنابذي
تفسير : {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} جوابٌ لسؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل: كيف يكون الولاية احدى الآيات الكبر؟ - فقال: لانّ كلّ نفسٍ بما كسبت رهينة الاّ من تمسّك بها والمعنى كلّ نفسٍ بما كسبت من خيرٍ او شرٍّ فانّه مفاد الاطلاق مرهونة فانّ كلّ ما عملت الانفس بانانيّاتها سواء كانت بحسب الصّورة خيراً او شرّاً كانت وبالاً عليها وقيداً لها، وكانت الانفس مرهونةً مقيّدةً بها الاّ من تولّى عليّاً (ع) لانّ الولاية هى المبدّلة للسّيّئات بالحسنات ويجزى الله الّذين تولّوا عليّاً (ع) بازاء جملة اعمالهم باحسن ما كانوا يعملون.
فرات الكوفي
تفسير : قال: حدثنا أبو القاسم العلوي [قال: حدثنا فرات] معنعناً: عن أبي جعفر عليه السلام في قوله [ر: قول الله تعالى]: {كل نفس بما كسبت رهينة إلا أصحاب اليمين} قال: نحن وشيعتنا. [فرات. ب] قال: حدثني عبيد بن كثير معنعناً: عن أبي جعفر محمد بن علي عليهما السلام في قوله: {كل نفس بما كسبت رهينة إلا أصحاب اليمين} قال: هم شيعتنا أهل البيت. [فرات. ب] قال: حدثني الحسين بن سعيد معنعناً: عن أبي جعفر محمد بن علي عليهما السلام في قول الله: {إلا أصحاب اليمين} قال: شيعة علي والله هم أصحاب اليمين. قال: حدثني جعفر بن محمد الفزاري معنعناً: عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله تعالى: {في جنات يتساءلون عن المجرمين: ما سلككم في سقر؟ قالوا: لم نك من المصلين} يعني: لم نك [أ، ر: يكونوا] من شيعة علي بن أبي طالب عليه السلام {ولم نك نطعم المسكين وكنا نخوض مع الخائضين وكنا نكذب بيوم الدين} فذلك [ر: فذاك] يوم القائم عليه السلام وهو يوم الدين {حتى أتانا اليقين} أيام القائم [عليه السلام. أ] {فما تنفعهم شفاعة الشافعين} فما تنفعهم شفاعة لمخلوق ولن يشفع فيهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم القيامة.
الهواري
تفسير : قوله: {كُلُّ نَفْسٍ} يعني أهل النار {بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} في النار. ثم قال: {إِلاَّ أَصْحَابَ الْيَمِينِ} وهم أهل الجنة كلهم في هذا الموضع. وقال مجاهد: لا يحاسبون. قال: {فِي جَنَّاتٍ يَتَسَآءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ} أي: المشركين، أي: يسائلون المجرمين: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ} فأجابهم المشركون: {قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَآئِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ}. قال الله: {فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} أي: لا يشفع لهم الشافعون في تفسير مجاهد وغيره، وإنما يشفعون للمؤمنين. قال: {فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ} أي: عن القرآن {مُعْرِضِينَ} {كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ} وهي حمر وحشية {فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ} قال الحسن: القسورة الرماة وقال بعضهم: القسورة: الأسد. والعامة على أنها الرماة. قال: {بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ} يعني المشركين {أَن يُؤْتَى صُحُفاً مُّنَشَّرَةً} أي: إلى كل إنسان باسمه، أي: من الله رب العالمين إلى أبي جهل بن هشام وإلى فلان بن فلان وإلى فلان بن فلان آن آمِن بمحمد فإنه رسول الله. قال الله عز وجل: {كَلاَّ} أي: أنتم أهون على الله من ذلك. ثم قال: {بَل لاَّ يَخَافُونَ الآخِرَةَ} أي: لا يؤمنون بها {كَلاَّ إِنَّهُ} يعني القرآن {تَذْكِرَةٌ فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ وَمَا يَذْكُرُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ اللهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى} أي أهلُ أن يُتَّقى {وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ} أي: هو أهل أن يَغفِر، ولا يغفر إلا للمؤمنين.
اطفيش
تفسير : {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} مرهونة عند الله عز وجل بعملها السيء أو مرهونة في النار وفيه تقوية لما قبله ورهينة وصف على وزن فعلية بمعنى مفعولة خبر كل وانث لاضافة كل للنفس وزعم بعض أن رهينة مصدر كالشتيمة بمعنى اسم مفعول لا وصف مؤنث مذكره رهين لأن فعيلا بمعنى مفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث وليس بشيء لأن هذا الإستواء غير لازم على ما هو الواضح نعم ما قاله جائز لامتعين كما زعم أعني كونه مصدراً بمعنى مفعول لكن فيه تكلف وكذا يجوز كونه مصدراً بلا تاويل مبالغة.
اطفيش
تفسير : {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} قدم للحصر. {رَهِينَةٌ} مرهونة عند الله تعالى، ويقال مرهونة فى النار بما كسبته أو يسكبها فما اسم أو حرف مصدر ورهينة فعيل بمعنى مفعول لحقته التاء على القلة أو ليست للتأَنيث بل للمبالغة أو تغلبت عليه الاسمية كالنطيحة أو هو مصدر أخبر به عن الذات للمبالغة كالشتيمة بمعنى الشتم.
الالوسي
تفسير : مرهونة عند الله تعالى بكسبها والرهينة مصدر بمعنى الرهن كالشتيمة بمعنى الشتم لا صفة وإلا لقيل رهين لأن فعيلاً بمعنى مفعول لا يدخله التاء ويستوي فيه المذكر والمؤنث ومنه قول عبد الرحمن بن زيد وقد قتل أبوه وعرض عليه سبع ديات فأبى أن يأخذها: شعر : أبعد الذي بالنعف نعف كويكب رهينة رمس ذي تراب وجندل أذكر بالبقيا على من أصابني وبقياي أني جاهد غير مؤتل تفسير : واختير على رهين مع موازنته لـِ {أية : ٱلْيَمِينِ}تفسير : [المدثر: 39] وعدم احتياجه للتأويل لأن المصدر هنا أبلغ فهو أنسب بالمقام فلا يلتفت للمناسبة اللفظية فيه. وقيل الهاء في {رَهِينَةٌ} للمبالغة واختار أبو حيان أنها مما غلب عليه الاسمية كالنطيحة وإن كانت في الأصل فعيلاً بمعنى مفعول وهو وجه أيضاً وادعى أن التأنيث في البيت على معنى النفس.
ابن عاشور
تفسير : استئناف بياني يبين للسامع عقبى الاختيار الذي في قوله: {أية : لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر}تفسير : [المدثر: 37] أي كل إنسان رَهْن بما كسب من التقدم أو التأخر أو غير ذلك فهو على نفسه بصيرة ليكسب ما يفضي به إلى النعيم أو إلى الجحيم. و {رهينة}: خبر عن {كل نفس} وهو بمعنى مرهونة. والرهن: الوثاق والحبس ومنه الرهن في الدَيْن، وقد يطلق على الملازمة والمقارنة، ومنه: فَرَسا رِهَانٍ، وكِلا المعنيين يصح الحمل عليه هنا على اختلاف الحال، وإنما يكون الرهن لتحقيق المطالبة بحق يخشى أن يتفلت منه المحْقوق به، فالرهن مشعر بالأخذ بالشدة ومنه رهائن الحرب الذين يأخذهم الغالب من القوم المغلوبين ضماناً لئلا يخيس القومُ بشروط الصلح وحتى يعطوا ديات القتلى فيكون الانتقام من الرهائن. وبهذا يكون قوله: {كل نفس} مراداً به خصوص أنفس المنذَرين من البشر فهو من العام المراد به الخصوص بالقرينة، أي قرينة ما تعطيه مادة رَهينة من معنى الحَبس والأسر. والباء للمصاحبة لا للسببية. وظاهر هذا أنه كلام منصف وليس بخصوص تهديدِ أهل الشر. و {رهينة}: مصدر بوزن فَعِيلة كالشَّتيمة فهو من المصادر المقترنة بهاء كهاء التأنيث مثل الفُعولة والفَعالة، وليس هو من باب فعيل الذي هو وصف بمعنى المفعول مثيل قتيلة، إذ لو قصد الوصف لقيل رعين لأن فعيلاً بمعنى مفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث إذا جرى على موصوفه كما هنا، والإِخبار بالمصدر للمبالغة على حد قول مِسْوَر بن زيادة الحارثي:شعر : أبَعْدَ الذي بالنَّعْفِ نَعْفِ كُوَيكِبٍ رهينةِ رَمْس ذي تراب وجندل تفسير : ألا تراه أثبت الهاء في صفة المذكر وإلاّ لما كان موجب للتأنيث. والاستثناء في قوله: {إلاّ أصحابَ اليمين}استثناء منقطع. و {أصحاب اليمين}: هم أهل الخير جعلت علاماتهم في الحشر بجهات اليمين في مناولة الصحف وفي موقف الحساب وغير ذلك. فاليمين هو جهة أهل الكرامة في الاعتبار كجهة يمين العرش أو يمين مَكان القُدُس يوم الحشر لا يحيط بها وصفنا وجعلت علامة أهل الشر الشمال في تناول صحف أعمالهم وفي مواقفهم وغير ذلك. وقوله: {في جنّات} يجوز أن يكون متعلقاً بقوله: {يتساءلون} قدّم للاهتمام، و {يتساءلون} حال من {أصحاب اليمين} وهو مناط التفصيل الذي جيء لأجله بالاستثناء المنقطع. ويجوز أن يكون {في جنات} خبر مبتدأ محذوف تقديره: هم في جنات. والجملة استئناف بياني لمضمون جملة الاستثناء ويَكون {يتساءَلون} حالاً من الضمير المحذوف. ومعنى {يتساءلون} يجوز أن يكون على ظاهر صيغة التفاعل للدلالة على صدور الفعل من جانبين، أي يسأل أصحاب اليمين بعضُهم بعضاً عن شأن المجرمين، وتكون جملة {ما سلككم في سقر} بياناً لجملة {يتساءلون}. وضمير الخطاب في قوله: {سلككم} يؤذن بمحذوف والتقدير: فيسألون المجرمين ما سلككم في سقر، وليس التفاتاً، أو يقول بعض المسؤولين لأصحابهم جواباً لسائليهم قلنا لهم: ما سلككم في سقر. ويجوز أن يكون صيغة التفاعل مستعملة في معنى تكرير الفعل أي يكثر سؤال كل أحد منهم سؤالاً متكرراً أو هو من تعدد السؤال لأجل تعدد السائلين. قال الزمخشري في تفسير قوله تعالى: {أية : واتقوا الله الذي تسَّاءَلون به}تفسير : في أول سورة النساء (1) "هو كقولك تَداعينا". ونقل عنه أيضاً أنه قال هنا: إذا كان المتكلم مفرداً يقال: دعوت، وإذا كان المتكلم متعدّداً يقال: تداعينا، ونظيره، رميتُه وتراميناه ورأيت الهلال وتَراءيناه ولا يكون هذا تفاعلاً من الجانبين اهـ. ذكره صاحب الكشّاف في سورة النساء، أي هو فعل من جانب واحد ذي عدد كثير، وعلى هذا يكون مفعول {يتساءَلون} محذوفاً يدلّ عليه قوله {عن المجرمين}. والتقدير: يتساءلون المجرمين عنهم، أي عن سبب حصولهم في سقر، ويدل عليه بيان جملة {يتساءلون} بجملة {ما سلككم في سقر}، فإن {ما سلككم} في بيان للتساؤل. وأصل معنى سلكه أدخله بين أجزاء شيء حقيقة ومنه جاء سِلْك العِقد، واستعير هنا للزج بهم، وتقدم في سورة الحجر (12) قوله تعالى: {أية : كذلك نَسْلُكْهُ في قلوب المجرمين}تفسير : وفي قوله: {أية : يُسْلِكْه عذاباً صعداً}تفسير : في سورة الجن (17). والمعنى: ما زجَّ بكم في سقر. فإن كان السؤال على حقيقته والاستفهام مستعملاً في أصل معناه كان الباعث على السؤال: إِمَّا نسيان الذي كانوا عَلِموه في الدنيا من أسباب الثواب والعقاب فيبقى عموم {يتساءلون} الراجع إلى أصحاب اليمين وعموم المجرمين على ظاهره، فكل من أصحاب اليمين يشرف على المجرمين من أعالي الجنة فيسألهم عن سبب ولوجهم النار فيحصل جوابهم وذلك إلهام من الله ليحمده أهل الجنّة على ما أخذوا به من أسباب نجاتهم ممّا أصاب المجرمين ويفرحوا بذلك. وإما أن يكون سؤالاً موجهاً من بعض أصحاب اليمين إلى ناس كانوا يَظنونهم من أهل الجنة فرأوهم في النار من المنافقين أو المرتدين بعد موت أصحابهم، فيكون المراد بأصحابه اليمين بعضهم وبالمجرمين بعضهم وهذا مثل ما في قوله تعالى: { أية : وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين}تفسير : الآيات في سورة الصافات (27، 28) وقوله فيها: {أية : قال قائل منهم إني كان لي قرين يقول أإنك لمن المصدقين}تفسير : إلى قوله {أية : في سواء الجحيم}تفسير : [الصافات: 51 ـ 55]. وإن كان السؤال ليس على حقيقته وكان الاستفهام مستعملاً في التنديم، أو التوبيخ فعموم أصحاب اليمين وعموم المجرمين على حقيقته. وأجاب المجرمون بذكر أسباب الزج بهم في النار لأنهم ما ظنوا إلاّ ظاهر الاستفهام، فذكروا أربعة أسباب هي أصول الخطايا وهي: أنهم لم يكونوا من أهل الصلاة فحرموا أنفسهم من التقرب إلى الله. وأنهم لم يكونوا من المطعمين المساكين وذلك اعتداء على ضعفاء الناس بمنعهم حقهم في المال. وأنهم كانوا يخوضون خوضهم المعهود الذي لا يعدُو عن تأييد الشرك وأذى الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين. وأنهم كذبوا بالجزاء فلم يتطلبوا ما ينجيهم. وهذا كناية عن عدم إيمانهم، سلكوا بها طريق الإِطناب المناسبَ لمقام التحسر والتلهف على ما فات، فكأنهم قالوا: لأنا لم نكن من المؤمنين لأن أهل الإِيمان اشتهروا بأنهم أهل الصلاة، وبأنهم في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم، وبأنهم يؤمنون بالآخرة وبيوم الدين ويصدقون الرسل وقد جمعها قوله تعالى في سورة البقرة (2 ـ 4) { أية : هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون}تفسير : . وأصل الخوض الدخول في الماء، ويستعار كثيراً للمحادثة المتكررة، وقد اشتهر إطلاقه في القرآن على الجدال واللجاج غير المحمود قال تعالى:{أية : ثم ذرهم في خوضهم يلعبون}تفسير : [الأنعام: 91] وغيرَ ذلك، وقد جمع الإِطلاقين قوله تعالى: {أية : وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره}تفسير : [الأنعام: 68]. وباعتبار مجموع الأسباب الأربعة في جوابهم فضلاً عن معنى الكناية، لم يكن في الآية ما يدل للقائلين بأن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة. ويوم الدين: يوم الجزاء والجزاء. و {اليقين}: اسم مصدر يَقِن كفَرِح، إذا علم علماً لا شك معه ولا تردد. وإتيانه مستعار لحصوله بعد أن لم يكن حاصلاً، شبه الحُصول بعد الانتفاء بالمجيء بعد المغيب. والمعنى: حتى حصل لنا العلم بأن ما كنا نكذب به ثابت، فقوله: {حتى أتانا اليقين} على هذا الوجه غاية لجملة {نكذب بيوم الدين}. ويطلق اليقين أيضاً على الموت لأنه معلوم حصوله لكل حيّ فيجوز أن يكون مراداً هنا كما في قوله تعالى: {أية : واعبد رَبّك حتى يأتيك اليقين}تفسير : [الحجر: 99]. فتكون جملة {حتى أتانا اليقين} غاية للجمل الأربع التي قبلها من قوله: "لم نَكْ من المصلين} إلى {بيوم الدين}. والمعنى: كنا نفعل ذلك مدة حياتنا كلها. وفي الأفعال المضارعة في قوله: {لم نك، ونخوض، ونكذب" إيذان بأن ذلك ديدنهم ومتجدد منهم طول حياتهم. وفي الآية إشارة إلى أن المسلم الذي أضاع إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة مستحق حظّاً من سقر على مقدار إضاعته وعلى ما أراد الله من معادلة حسناته وسيئاته، وظواهره وسرائره، وقبل الشفاعة وبعدها. وقد حَرَم الله هؤلاء المجرمين الكافرين أن تنفعهم الشفاعة فعسى أن تنفع الشفاعةُ المؤمنين على أقدارهم. وفي قوله: {فما تنفعهم شفاعة الشافعين} إيماء إلى ثبوت الشفاعة لغيرهم يوم القيامة على الجملة وتفصيلها في صحاح الأخبار. وفاء {فما تنفعهم شفاعة الشافعين} تفريع على قوله: {كلّ نفس بما كسبت رهينة}، أي فهم دائمون في الارتهان في سقر.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 38، 39- كل نفس بما عملت مأخوذة إلا المسلمين الذين فكُّوا رقابهم بالطاعة. 40، 41، 42- هم فى جنات لا يُدرك وصفها، يسأل بعضهم بعضاً عن المجرمين، وقد سألوهم عن حالهم، ما أدخلكم فى سقر؟. 43، 44، 45، 46، 47- قالوا لم نك من المصلين كما كان يصلى المسلمون، ولم نك نطعم المسكين كما كان يطعم المسلمون، وكنا نندفع وننغمس فى الباطل والزور مع الخائضين فيه، وكنا نكذِّب بيوم الحساب والجزاء حتى أتانا الموت. 48- فما تغيثهم شفاعة الشافعين من الملائكة والنبيين والصالحين. 49- فما لهم عن العظة بالقرآن منصرفين. 50، 51- كأنهم حمر شديدة النفار فرَّت من مطارديها. 52- بل يريد كل امرئ منهم أن يُؤتى صُحفاً من السماء واضحة مكشوفة تثبت صدْق الرسول - صلى الله عليه وسلم -. 53- ردْعاً لهم عما أرادوا. بل هم لا يخافون الآخرة، فأعرضوا عن التذكرة، وتفننوا فى طلب الآيات.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: كل نفس: أي مأمورة منهية. رهينة: أي مرهونة مأخوذة بعملها في جهنم. إلا أصحاب اليمين: أي المؤمنين فهم ناجون من النار وهم في جنات النعيم يتساءلون عن المجرمين. ولم نك نطعم المسكين: أي بخلا بما آتاهم الله. وكنا نخوض: أي في الباطل وفيما يكره الله تعالى مع الخائضين. نكذب بيوم الدين: بيوم المجازاة والثواب ولا نصدق بثواب ولا عقاب. حتى أتانا اليقين: أي الموت. عن التذكرة معرضين: أي الموعظة منصرفين لا يسمعونها ولا يقبلون عليها. حُمر مستنفرة: أي كأنهم حمر وحشية مستنفرة. فرت من قسورة: أي هربت من أسدٍ أشَدَّ الهرب. بل يريد كل امرئ منهم: أي ليس هناك قصور في الأدلة والحجج التي قدمت لهم بل يريد كل واحد منهم. أن يؤتى صحفا منشرة: أي يصبح وعند رأسه كتاب من الله رب العالمين إلى فلان آمن بنبينا محمد واتبعه. إنه تذكرة: أي عظة وعبرة. فمن شاء ذكره: أي قرأه واتعظ به. هو أهل التقوى: أي هو أهل لأن يتقي لعظمة سلطانه وأليم عقابه. وأهل المغفرة: أي وأهل لأن يغفر للتائبين من عباده والموحدين. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في تقرير عقيدة البعث والجزاء فقال تعالى {كُلُّ نَفْسٍ} أي يوم القيامة {رَهِينَةٌ} بمعنى مرهونة محبوسة أي كل نفس مأمورة منهية بمعنى مكلفة بخلاف نفوس غير المكلفين من أطفال ومجانين وقوله {إِلاَّ أَصْحَابَ ٱلْيَمِينِ} فإِنهم قد فك رهنهم وهم في جنات النعيم يتساءلون فيما بينهم عن أصحاب الجحيم وكيف حالهم ثم يتصلون بهم وهم في جنات النعيم والمجرمون في سواء الجحيم، ويتم الاتصال برؤية الشخص وسماع كلامه وفي الصناعات الحديثة اليوم ما جعل هذا أمراً معقولا فيقولون لهم {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ} أي أدخلكم في سقر فأجابوهم قائلين {لَمْ نَكُ مِنَ ٱلْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ ٱلْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ ٱلُخَآئِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ حَتَّىٰ أَتَانَا ٱلْيَقِينُ}. فذكروا لهم أعظم الجرائم وهي ترك الصلاة ومنع الزكاة والتخوض مع أهل الباطل في كل شر وفساد والتكذيب بيوم القيامة وإنه لا حساب ولا جزاء أي لا ثواب ولا عقاب وأنهم مع هذه الجرائم الموجبة للسلوك في سقر لم يتوبوا منها حتى أتاهم اليقين الذي هو الموت فإن من مات دخل الدار الآخرة من عتبتها وهي القبر فلذا قالوا حتى أتانا اليقين أي الموت. وقد يقال ألم يكن هناك شفعاء من الملائكة والأنبياء والعلماء والشهداء يشفعون؟ والجواب هو في قوله تعالى {فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ ٱلشَّافِعِينَ} أي لم تكن لهم شفاعة لأنهم ملاحدة مجرمون. وقوله تعالى {فَمَا لَهُمْ عَنِ ٱلتَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ} أي فما لهؤلاء المشركين المكذبين بالبعث والجزاء عن التذكرة التي يذكرون بها في آيات هذه السورة وغيرها معرضين إنه أمر عجيب أي شيء يجعلهم يعرضون عنها هاربين منها فارين {كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ} وحشية {مُّسْتَنفِرَةٌ فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ} أي فرت هاربة أشد الهرب من أسد من أسود الصحراء الطاغية إن فرارهم من هذه الدعوة وإعراضهم عنها ليس عن قصور في أدلتها وضعف في حجتها بل يريد كل واحد منهم أن يؤتى كتاباً من الله يأمره فيه بالإِيمان واتباع محمد صلى الله عليه وسلم وهذا هو العناد والمكابرة وصاحبهما غير مستعد للإِيمان بحال من الأحوال. وهذه الآية كقوله تعالى: {أية : حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ} تفسير : [الإسراء: 93] هذا معنى قوله تعالى {بَلْ يُرِيدُ كُلُّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ أَن يُؤْتَىٰ صُحُفاً مُّنَشَّرَةً}. وقوله تعالى {كَلاَّ بَل لاَّ يَخَافُونَ ٱلآخِرَةَ} أي ليس الأمر كما يقولون ويدعون بل إن علة إعراضهم الحقيقية هي عدم خوفهم من عذاب الله يوم القيامة. وقوله تعالى {كَلاَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ} أي ألا إن هذا القرآن تذكرة فمن شاء ذكره أي قرأه فاتعظ به فآمن بالله واتقاه فإِنه ينجو ويسعد في جوار مولاه ومن لم يشأ ذلك فحسبه سقر وما أدراك ما سقر. وقوله تعالى {وَمَا يَذْكُرُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ} أي ما يذكر من يذكر إلا بمشيئة الله فلا بد من الافتقار إلى الله وطلب توفيقه في ذلك إذ لا استقلال لأحد عن الله ولا غنى بأحد عن الله بل الكل مفتقر إليه ومشيئته تابعة لمشيئته وقوله {هُوَ أَهْلُ ٱلتَّقْوَىٰ وَأَهْلُ ٱلْمَغْفِرَةِ} لقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم فسر هذه الآية فقال قال ربكم أنا أهل أن أُتقى فلا يُجعل معي إله فمن اتقاني فلم يجعل معي إلهاً فأنا أهل أن أغفر له. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- فكاك كل نفس مرهونة بكسبها هو الإِيمان والتقوى. 2- بيان أكبر الجرائم وهي ترك الصلاة ومنع الزكاة والخوض في الباطل وعدم التصديق بالحساب والجزاء. 3- لا شفاعة يوم القيامة لمن مات وهو يشرك بالله شيئا. 4- مرد الانحراف في الإِنسان إلى ضعف إيمانه بالبعث والجزاء. 5- الله جل جلاله هو ذو الأهلية الحقة لأمرين عظيمين التقوى فلا يتقى على الحقيقة إلا هو والمغفرة فلا يغفر الذنوب إلا هو اللهم اغفر ذنوبنا فإِنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.
د. أسعد حومد
تفسير : (38) - كُلُّ نَفْسٍ مُرْتَهَنَةٌ بِعَمَلِهَا عِنْدَ اللهِ يَوْمَ القِيَامَةِ.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} [المدثر: 38]؛ يعني: لا شك ولا شبهة أن كل نفس كسبت شراً فهي رهينة به، وكل نفس كسبت خيراً فهي رهينة به، وليس لكل نفس إلا ما كسبت، {إِلاَّ أَصْحَابَ ٱلْيَمِينِ} [المدثر: 39] هذا استثناء من رهينة بكسب اللمم؛ يعني: يغفر الرب لمم أصحاب اليمين؛ لأنهم اتكلوا على فضل الله بصدق القلب لا باللسان، فإذا صدرت عنهم لمة بشرية فلما يخلص البشر عنها يغفرها ربه بما وقر في قلبه من تصديق ذلك اليوم، وإقراره بالوارد وإيمانه بالجزاء، ويدخلهم الله {فِي جَنَّاتٍ يَتَسَآءَلُونَ * عَنِ ٱلْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ} [المدثر: 40-42]؛ أي: ما أدخلكم في سقر مستهزئاً بهم. {قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ ٱلْمُصَلِّينَ} [المدثر: 43]؛ أي: لم نكن من المطيعين بالجوارح الظاهرة، {وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ ٱلْمِسْكِينَ} [المدثر: 44]؛ أي: أطعمنا خاطر السكينة من طعام الذكر، {وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ ٱلُخَآئِضِينَ} [المدثر: 45]؛ يعني: نخوض مع القوى المربَّاة بالباطل في أباطيلهم، {وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ} [المدثر: 46]؛ يعني: كنا غير مصدقين بيوم الجزاء، {حَتَّىٰ أَتَانَا ٱلْيَقِينُ} [المدثر: 47]؛ أي: الموت وكشف غطاءنا فكاشفنا وشاهدنا بعد كشف الغطاء ما يكذب، والسالك يشاهد بالموت الاختياري كل ما ذكرته في جميع الكتاب مشاهدة يقين، {فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ ٱلشَّافِعِينَ} [المدثر: 48]؛ يعني: بعد الموت الاضطراري لا ينفع لمن مات غافلاً عن حقيقة الآيات منكراً إياها شفاعة الشافعين. {فَمَا لَهُمْ عَنِ ٱلتَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ} [المدثر: 49] نصب على الحال كونهم معرضين عن موعظة الوارد وعن اللطيفة الواعظة المنذرة لهم بالوارد الذي يرد على قلبه في الحق.
همام الصنعاني
تفسير : 3389- حدثنا عبد الرزاق، عن الثوري، عن الأعمش، عن عثمان بن قيس، قال: سمعت زاذان يقول، قال علي: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلاَّ أَصْحَابَ ٱلْيَمِينِ}: [الآيات: 38-39]، قَالَ: هم أولاد المسلمين.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):