٨٠ - عَبَسَ
80 - Abasa (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
1
Tafseer
الرازي
تفسير : وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن أم مكتوم ـ وأم مكتوم أم أبيه واسمه عبدالله بن شريح بن مالك بن ربيعة الفهري من بني عامر بن لؤى ـ وعنده صناديد قريش عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو جهل بن هشام، والعباس بن عبد المطلب، وأمية بن خلف، والوليد بن المغيرة يدعوهم إلى الإسلام، رجاء أن يسلم بإسلامهم غيرهم، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم أقرئني وعلمني مما علمك الله، وكرر ذلك، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم قطعه لكلامه، وعبس وأعرض عنه فنزلت هذه الآية، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكرمه، ويقول: إذا رآه «حديث : مرحباً بمن عاتبني فيه ربي»تفسير : ويقول: «حديث : هل لك من حاجة»، تفسير : واستخلفه على المدينة مرتين، وفي الموضع سؤالات: الأول: أن ابن أم مكتوم كان يستحق التأديب والزجر، فكيف عاتب الله رسوله على أن أدب ابن أم مكتوم وزجره؟ وإنما قلنا: إنه كان يستحق التأديب لوجوه أحدها: أنه وإن كان لفقد بصره لا يرى القوم، لكنه لصحة سمعه كان يسمع مخاطبة الرسول صلى الله عليه وسلم أولئك الكفار، وكان يسمع أصواتهم أيضاً، وكان يعرف بواسطة استماع تلك الكلمات شدة اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بشأنهم، فكان إقدامه على قطع كلام النبي صلى الله عليه وسلم وإلقاء غرض نفسه في البين قبل تمام غرض النبي إيذاء للنبي عليه الصلاة والسلام، وذلك معصية عظيمة وثانيها: أن الأهم مقدم على المهم، وهو كان قد أسلم وتعلم، ما كان يحتاج إليه من أمر الدين، أما أولئك الكفار فما كانوا قد أسلموا، وهو إسلامهم سبباً لإسلام جمع عظيم، فإلقاء ابن أم مكتوم، ذلك الكلام في البين كالسبب في قطع ذلك الخير العظيم، لغرض قليل وذلك محرم وثالثها: أنه تعالى قال: {أية : إَنَّ ٱلَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاء ٱلْحُجُرٰتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ }تفسير : [الحجرات: 4] فنهاهم عن مجرد النداء إلا في الوقت، فههنا هذا النداء الذي صار كالصارف للكفار عن قبول الإيمان وكالقاطع على الرسول أعظم مهماته، أولى أن يكون ذنباً ومعصية، فثبت بهذا أن الذي فعله ابن أم مكتوم كان ذنباً ومعصية، وأن الذي فعله الرسول كان هو الواجب، وعند هذا يتوجه السؤال في أنه كيف عاتبه الله تعالى على ذلك الفعل؟. السؤال الثاني: أنه تعالى لما عاتبه على مجرد أنه عبس في وجهه، كان تعظيماً عظيماً من الله سبحانه لابن أم مكتوم، وإذا كان كذلك فكيف يليق بمثل هذا التعظيم أن يذكره باسم الأعمى مع أن ذكر الإنسان بهذا الوصف يقتضي تحقير شأنه جداً؟. السؤال الثالث: الظاهر أنه عليه الصلاة والسلام كان مأذوناً في أن يعامل أصحابه على حسب ما يراه مصلحة، وأنه عليه الصلاة والسلام كثيراً ما كان يؤدب أصحابه ويزجرهم عن أشياء، وكيف لا يكون كذلك وهو عليه الصلاة والسلام إنما بعث ليؤدبهم وليعلمهم محاسن الآداب، وإذا كان كذلك كان ذلك التعبيس داخلاً في إذن الله تعالى إياه في تأديب أصحابه، وإذا كان ذلك مأذوناً فيه، فكيف وقعت المعاتبة عليه؟ فهذا جملة ما يتعلق بهذا الموضع من الإشكالات والجواب عن السؤال الأول من وجهين الأول: أن الأمر وإن كان على ما ذكرتم إلا أن ظاهر الواقعة يوهم تقديم الأغنياء على الفقراء وانكسار قلوب الفقراء، فلهذا السبب حصلت المعاتبة، ونظيره قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِىّ } تفسير : [الأنعام: 52]، والوجه الثاني: لعل هذا العتاب لم يقع على ما صدر من الرسول عليه الصلاة والسلام من الفعل الظاهر، بل على ما كان منه في قلبه، وهو أن قلبه عليه الصلاة والسلام كان قد مال إليهم بسبب قرابتهم وشرفهم وعلو منصبهم، وكان ينفر طبعه عن الأعمى بسبب عماه وعدم قرابته وقلة شرفه، فلما وقع التعبيس والتولي لهذه الداعية وقعت المعاتبة، لا على التأديب بل على التأديب لأجل هذه الداعية والجواب عن السؤال الثاني أن ذكره بلفظ الأعمى ليس لتحقير شأنه، بل كأنه قيل: إنه بسبب عماه استحق مزيد الرفق والرأفة، فكيف يليق بك يا محمد أن تخصه بالغلظة والجواب عن السؤال الثالث أنه كان مأذوناً في تأديب أصحابه لكن ههنا لما أوهم تقديم الأغنياء على الفقراء، وكان ذلك مما يوهم ترجيح الدنيا على الدين، فلهذا السبب جاءت هذه المعاتبة. المسألة الثانية: القائلون بصدور الذنب عن الأنبياء عليهم السلام تمسكوا بهذه الآية وقالوا: لما عاتبه الله في ذلك الفعل، دل على أن ذلك الفعل كان معصية، وهذا بعيد فإنا قد بينا أن ذلك كان هو الواجب المتعين لا بحسب هذا الاعتبار الواحد، وهو أنه يوهم تقديم الأغنياء على الفقراء، وذلك غير لائق بصلابة الرسول عليه الصلاة والسلام، وإذا كان كذلك، كان ذلك جارياً مجرى ترك الاحتياط، وترك الأفضل، فلم يكن ذلك ذنباً ألبتة. المسألة الثالثة: أجمع المفسرون على أن الذي عبس وتولى، هو الرسول عليه الصلاة والسلام، وأجمعوا (على) أن الأعمى هو ابن أم مكتوم، وقرىء عبس بالتشديد للمبالغة ونحوه كلح في كلح، أن جاءه منصوب بتولى أو بعبس على اختلاف المذهبين في إعمال الأقرب أو الأبعد ومعناه عبس، لأن جاءه الأعمى، وأعرض لذلك، وقرىء أن جاءه بهمزتين، وبألف بينهما وقف على {عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ } ثم ابتدأ على معنى ألآن جاءه الأعمى، والمراد منه الإنكار عليه، واعلم أن في الأخبار عما فرط من رسول الله ثم الإقبال عليه بالخطاب دليل على زيادة الإنكار، كمن يشكو إلى الناس جانياً جنى عليه، ثم يقبل على الجاني إذا حمى في الشكاية مواجهاً بالتوبيخ وإلزام الحجة.
القرطبي
تفسير : فيه ست مسائل: الأولى ـ قوله تعالى: {عَبَسَ} أي كلح بوجهه؛ يقال: عبس وبَسَر. وقد تقدّمَ. {وَتَوَلَّىٰ} أي أعرض بوجهه {أَن جَآءَهُ} «أنْ» في موضع نصب لأنه مفعول له، المعنى لأن جاءه الأعمى، أي الذي لا يبصر بعينيه. فروى أهل التفسير أجمع أن قوماً من أشراف قريش كانوا عند النبي صلى الله عليه وسلم وقد طمع في إسلامهم، فأقبل عبد الله بن أمّ مكتوم، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يَقْطَع عبدُ الله عليه كلامه، فأعرض عنه، ففيه نزلت هذه الآية. قال مالك: إن هشام بن عُروة حدّثه عن عروة، أنه قال: نزلتْ «عبس وتولى» في ٱبن أمّ مكتوم؛ جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فجعل يقول: يا محمد ٱستدنني، وعند النبي صلى الله عليه وسلم رجل من عظماء المشركين، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يُعرِض عنه ويُقْبل على الآخر، ويقول: « حديث : يا فلان، هل ترى بما أقولُ بأساً »؟ تفسير : فيقول: لا والدُّمَى ما أرى بما تقول بأساً؛ فأنزل الله «عبس وتولى». وفي الترمذي مسنداً قال: حدّثنا سعيد بن يحيى بن سعيد الأُموي، حدّثني أبي، قال هذا ما عرضنا على هشام بن عُروة عن أبيه عن عائشة، حديث : قالت: نزلت «عبس وتولى» في ٱبن أمّ مكتوم الأعمى، أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يقول: يا رسول الله أرشدني، وعند رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من عظماء المشركين، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يُعْرض عنه، ويُقْبل على الآخر، ويقول: «أترى بما أقول بأساً»فيقول: لا؛ ففي هذا نزلت » تفسير : ؛ قال: هذا حديث غريب. الثانية ـ الآية عتاب من الله لنبيه صلى الله عليه وسلم في إعراضه وتوليه عن عبد الله بن أم مكتوم. ويقال: عمرو بن أم مكتوم، وٱسم أمّ مكتوم عاتكة بنت عامر بن مخزوم، وعمرو هذا: هو ٱبن قيس بن زائدة بن الأصمّ، وهو ٱبن خال خديجة رضي الله عنها. وكان قد تشاغل عنه برجل من عظماء المشركين، يقال كان الوليد بن المغيرة. ٱبن العربي: قاله المالكية من علمائنا، وهو يكني أبا عبد شمس. وقال قتادة: هو أمية بن خلص وعنه: أبيّ بن خلف. وقال مجاهد: كانوا ثلاثة عتبة وشيبة ٱبنا ربيعة وأبيّ بن خلف. وقال عطاء عتبة بن ربيعة. سفيان الثوري: كان النبي صلى الله عليه وسلم مع عمه العباس. الزمخشري: كان عنده صناديد قريش: عتبة وشيبة ٱبنا ربيعة، أبو جهل بن هشام، والعباس بن عبد المطلب، وأمية بن خَلَف، والوليد بن المغيرة يدعوهم إلى الإسلام، رَجاء أن يُسْلم بإسلامهم غيرهم. قال ٱبن العربيّ: أما قول علمائنا إنه الوليد بن المغيرة فقد قال آخرون إنه أمية بن خلف والعباس وهذا كله باطل وجهل من المفسرين الذين لم يتحققوا الدين، ذلك أن أمية بن خلف والوليد كانا بمكة وٱبن أمّ مكتوم كان بالمدينة، ما حضر معهما ولا حضرا معه، وكان موتهما كافرين، أحدهما قبل الهجرة، والآخر ببدر، ولم يقصد قط أمية المدينة، ولا حضر عنده مفرداً، ولا مع أحد. الثالثة ـ أقبل ٱبن أمّ مكتوم والنبي صلى الله عليه وسلم مشتغل بمن حضره من وجوه قريش يدعوهم إلى الله تعالى، وقد قوِي طمعه في إسلامهم، وكان في إسلامهم إسلام من وراءهم من قومهم، فجاء ٱبن أمّ مكتوم وهو أعمى فقال: يا رسول الله علمني مما علمك الله، وجعل يناديه ويكثر النداء، ولا يدري أنه مشتغل بغيره، حتى ظهرت الكراهة في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم لقطعة كلامه، وقال في نفسه: يقول هؤلاء: إنما أتباعه العُميان والسَّفلة والعبيد؛ فعبَس وأعرض عنه، فنزلت الآية. قال الثَّوريّ: « حديث : فكان النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك إذا رأى ابن أمّ مكتوم يبسط له رداءه ويقول: «مرحبا بمن عاتبني فيه ربي». ويقول: «هل من حاجة» » تفسير : ؟ وٱستخلفه على المدينة مرتين في غزوتين غزاهما. قال أنس: فرأيته يوم القادسية راكباً وعليه درع ومعه راية سوداء. الرابعة ـ قال علماؤنا: ما فعله ٱبن أمّ مكتوم كان من سوء الأدب لو كان عالماً بأن النبي صلى الله عليه وسلم مشغول بغيره، وأنه يرجو إسلامهم، ولكن الله تبارك وتعالى عاتبه حتى لا تنكسر قلوب أهل الصُّفَّة؛ أو ليعلم أن المؤمن الفقير خير من الغني، وكان النظر إلى المؤمن أولى وإن كان فقيراً أصلح وأولى من الأمر الآخر، وهو الإقبال على الأغنياء طمعاً في إيمانهم، وإن كان ذلك أيضاً نوعاً من المصلحة، وعلى هذا يخرج قوله تعالى: { أية : مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ } تفسير : [الأنفال: 67] الآية. على ما تقدّم. وقيل: إنما قصد النبي صلى الله عليه وسلم تأليف الرجل، ثقة بما كان في قلب ٱبن أمّ مكتوم من الإيمان؛ كما قال: « حديث : إني لأصل الرجل وغيره أحب إليّ منه، مخافة أن يكُبه الله في النار على وجهه. تفسير : الخامسة ـ قال ٱبن زيد: إنما عبس النبي صلى الله عليه وسلم لابن أمّ مكتوم وأعرض عنه؛ لأنه أشار إلى الذي كان يقوده أن يكفه، فدفعه ٱبن أمّ مكتوم، وأبى إلا أن يكلم النبي صلى الله عليه وسلم حتى يعلمه، فكان في هذا نوعُ جفاء منه. ومع هذا أنزل الله في حقه على نبيه صلى الله عليه وسلم: «عبَس وتولَّى» بلفظ الإخبار عن الغائب، تعظيماً له ولم يقل: عبَستَ وتوليتَ. ثم أقبل عليه بمواجهة الخطاب تأنيساً له فقال: {وَمَا يُدْرِيكَ} أي يعلمك {لَعَلَّهُ} يعني ٱبن أمّ مكتوم {يَزَّكَّىٰ} بما ٱستدعَى منك تعليمه إياه من القرآن والدين، بأن يزداد طهارة في دينه، وزوال ظلمة الجهل عنه. وقيل: الضمير في «لعله» للكافر يعني إنك إذا طمعت في أن يتزكى بالإسلام أو يذَّكر، فتقربه الذكرى إلى قبول الحق وما يُدْريك أن ما طمعت فيه كائن. وقرأ الحسن «آأَن جاءه الأعمى» بالمدّ على الاستفهام فـ «ـأن» متعلقة بفعل محذوف دل عليه «عبس وتولى» التقدير: آأن جاءه أعرض عنه وتولى؟ فيوقف على هذه القراءة على «وتولَّى»، ولا يوقف عليه على قراءة الخبر، وهي قراءة العامة. السادسة ـ نظير هذه الآية في العتاب قوله تعالى في سورة الأنعام: { أية : وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ } تفسير : [الأنعام: 52] وكذلك قوله في سورة الكهف: { أية : وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا } تفسير : [الكهف: 28] وما كان مثله، والله أعلم: {أَوْ يَذَّكَّرُ} يتعظ بما تقول {فَتَنفَعَهُ ٱلذِّكْرَىٰ} أي العظة. وقراءة العامة «فتنفعُه» بضم العين، عطفاً على «يَزَّكَّى». وقرأ عاصم وٱبن أبي إسحاق وعيسى «فتنفَعه» نصباً. وهي قراءة السُّلمِيّ وزِرّ بن حُبَيش، على جواب لعل، لأنه غير موجَب؛ كقوله تعالى: { أية : لَّعَـلِّيۤ أَبْلُغُ ٱلأَسْبَابَ } تفسير : [غافر: 36] ثم قال: { أية : فَٱطَّلَعَ } تفسير : [الصافات: 55].
البيضاوي
تفسير : مكية وآيها ثنتان وأربعون آية بسم الله الرحمن الرحيم {عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ }. {أَن جَاءهُ ٱلأَعْمَىٰ } روي:حديث : أن ابن أم مكتوم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده صناديد قريش يدعوهم إلى الإِسلام، فقال: يا رسول الله علمني مما علمك الله، وكرر ذلك ولم يعلم تشاغله بالقوم، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم قطعه لكلامه وعبس وأعرض عنه فنزلت، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكرمه ويقول إذا رآه: مرحباً بمن عاتبني فيه ربي، واستخلفه على المدينة مرتينتفسير : . وقرىء «عَبَّسَ» بالتشديد للمبالغة و {أَن جَاءهُ } علة لـ {تَوَلَّىٰ }، أو {عَبَسَ } على اختلاف المذهبين، وقرىء «آأن» بهمزتين وبألف بينهما بمعنى ألئن جاءه الأعمى فعل ذلك، وذكر الأعمى للإِشعار بعذره في الإِقدام على قطع كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقوم والدلالة على أنه أحق بالرأفة والرفق، أو لزيادة الإِنكار كأنه قال: تولى لكونه أعمى كالالتفات في قوله: {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ } أي: وأي شيء يجعلك دارياً بحاله لعله يتطهر من الآثام بما يتلقف منك. وفيه إيماء بأن إعراضه كان لتزكية غيره. {أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ ٱلذّكْرَىٰ } أو يتعظ فتنفعه موعظتك، وقيل الضمير في {لَعَلَّهُ } للكافر أي أنك طمعت في تزكيه بالإِسلام وتذكره بالموعظة ولذلك أعرضت عن غيره، فما يدريك أن ما طمعت فيه كائن، وقرأ عاصم فتنفعه بالنصب جواباً للعل. {أَمَّا مَنِ ٱسْتَغْنَىٰ فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّىٰ } تتعرض له بالإِقبال عليه وأصله تتصدى، وقرأ ابن كثير ونافع «تَصَدَّىٰ» بالإِدغام وقرىء. «تَصَدىٰ» أي تعرض وتدعى إلى التصدي. {وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّىٰ } وليس عليك بأس في أن لا يتزكى بالإسلام حتى يبعثك الحرص على إسلامه إلى الإعراض عمن أسلم {أية : إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ ٱلْبَلَـٰغُ }تفسير : [الشورى: 48] {وَأَمَّا مَن جَاءَكَ يَسْعَىٰ } يسرع طالباً للخير. {وَهُوَ يَخْشَىٰ } الله أو أذية الكفار في إتيانك، أو كبوة الطريق لأنه أعمى لا قائد له.
ابن كثير
تفسير : ذكر غير واحد من المفسرين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوماً يخاطب بعض عظماء قريش، وقد طمع في إسلامه، فبينما هو يخاطبه ويناجيه، إذ أقبل ابن أم مكتوم، وكان ممن أسلم قديماً، فجعل يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء ويلح عليه، وود النبي صلى الله عليه وسلم أن لوكف ساعته تلك ليتمكن من مخاطبة ذلك الرجل؛ طمعاً ورغبة في هدايته، وعبس في وجه ابن أم مكتوم، وأعرض عنه، وأقبل على الآخر، فأنزل الله تعالى: {عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ أَن جَآءَهُ ٱلأَعْمَىٰ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ } أي: يحصل له زكاة وطهارة في نفسه { أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ ٱلذِّكْرَىٰ} أي: يحصل له اتعاظ وانزجار عن المحارم { أَمَّا مَنِ ٱسْتَغْنَىٰ فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّىٰ } أي: أما الغني، فأنت تتعرض له لعله يهتدي { وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّىٰ} أي: ما أنت بمطالب به إذا لم يحصل له زكاة { وَأَمَّا مَن جَآءَكَ يَسْعَىٰ وَهُوَ يَخْشَىٰ } أي: يقصدك ويؤمك ليهتدي بما تقول له: { فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّىٰ} أي: تتشاغل، ومن ههنا أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن لا يخص بالإنذار أحداً، بل يساوي فيه بين الشريف والضعيف، والفقير والغني، والسادة والعبيد، والرجال والنساء، والصغار والكبار، ثم الله تعالى يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة. قال الحافظ أيو يعلى في مسنده: حدثنا محمد بن مهدي، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن قتادة عن أنس رضي الله عنه في قوله تعالى: { عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ}: جاء ابن أم مكتوم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يكلم أبي بن خلف، فأعرض عنه، فأنزل الله عز وجل: {عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ أَن جَآءَهُ ٱلأَعْمَىٰ } فكان النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك يكرمه. قال قتادة: أخبرني أنس بن مالك قال: رأيته يوم القادسية وعليه درع، ومعه راية سوداء، يعني: ابن أم مكتوم. وقال أبو يعلى وابن جرير: حدثنا سعيد بن يحيى الأموي، حدثني أبي قال: هذا ما عرضنا على هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: أنزلت: { عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ} في ابن أم مكتوم الأعمى، أتى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل يقول: أرشدني، قالت: وعند رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من عظماء المشركين، قالت: فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يعرض عنه، ويقبل على الآخر، ويقول: «حديث : أترى بما أقول بأساً؟» تفسير : فيقول: لا! ففي هذا أنزلت: { عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ}. وقد روى الترمذي هذا الحديث عن سعيد بن يحيى الأموي بإسناده مثله، ثم قال: وقد رواه بعضهم عن هشام بن عروة عن أبيه قال: أنزلت عبس وتولى في ابن أم مكتوم، ولم يذكر فيه: عن عائشة. {قُلْتَ}: كذلك هو في الموطأ. ثم روى ابن جرير وابن أبي حاتم أيضاً من طريق العوفي عن ابن عباس قوله: { عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ أَن جَآءَهُ ٱلأَعْمَىٰ } قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يناجي عتبة بن ربيعة، وأبا جهل بن هشام، والعباس بن عبد المطلب، وكان يتصدى لهم كثيراً، ويحرص عليهم أن يؤمنوا، فأقبل إليه رجل أعمى، يقال له: عبد الله بن أم مكتوم يمشي، وهو يناجيهم، فجعل عبد الله يستقرىء النبي صلى الله عليه وسلم آية من القرآن، وقال: يا رسول الله علمني مما علمك الله، فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعبس في وجهه وتولى، وكره كلامه، وأقبل على الآخرين، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم نجواه، وأخذ ينقلب إلى أهله، أمسك الله بعض بصره، وخفق برأسه، ثم أنزل الله تعالى: {عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ أَن جَآءَهُ ٱلأَعْمَىٰ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ ٱلذِّكْرَىٰ }. فلما نزل فيه ما نزل، أكرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلمه، وقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما حاجتك؟ هل تريد من شيء؟ ــــ وإذا ذهب من عنده قال ــــ هل لك حاجة في شيء؟» تفسير : وذلك لما أنزل الله تعالى: { أَمَّا مَنِ ٱسْتَغْنَىٰ فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّىٰ وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّىٰ } فيه غرابة ونكارة، وقد تكلم في إسناده. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنا الليث، حدثني يونس عن ابن شهاب قال: قال سالم بن عبد الله: عن عبد الله بن عمر يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن بلالاً يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم» تفسير : وهو الأعمى الذي أنزل الله تعالى فيه: { عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ أَن جَآءَهُ ٱلأَعْمَىٰ } وكان يؤذن مع بلال، قال سالم: وكان رجلاً ضرير البصر، فلم يك يؤذن حتى يقول له الناس حين ينظرون إلى بزوغ الفجر: أذن. وهكذا ذكر عروة بن الزبير ومجاهد وأبو مالك وقتادة والضحاك وابن زيد وغير واحد من السلف والخلف: أنها نزلت في ابن أم مكتوم، والمشهور أن اسمه عبد الله، ويقال: عمرو، والله أعلم. وقوله تعالى: { كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ} أي: هذه السورة، أو الوصية بالمساواة بين الناس في إبلاغ العلم بين شريفهم ووضيعهم. وقال قتادة والسدي: { كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ} يعني: القرآن { فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ} أي: فمن شاء ذكر الله تعالى في جميع أموره. ويحتمل عود الضمير إلى الوحي لدلالة الكلام عليه. وقوله تعالى: { فَى صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ } أي: هذه السورة، أو العظة، وكلاهما متلازم، بل جميع القرآن في صحف مكرمة، أي: معظمة موقرة {مَّرْفُوعَةٍ} أي: عالية القدر {مُّطَهَّرَةٍ} أي: من الدنس والزيادة والنقص. وقوله تعالى: { بِأَيْدِى سَفَرَةٍ} قال ابن عباس ومجاهد والضحاك وابن زيد: هي الملائكة. وقال وهب بن منبه: هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، وقال قتادة: هم القراء. وقال ابن جريج عن ابن عباس: السفرة بالنبطية: القراء، وقال ابن جرير: والصحيح أن السفرة الملائكة، والسفرة يعني: بين الله تعالى وبين خلقه، ومنه يقال: السفير: الذي يسعى بين الناس في الصلح والخير؛ كما قال الشاعر:شعر : وما أَدَعُ السِّفارَةَ بينَ قَومي وما أَمْشي بِغِشَ إنْ مَشَيْتُ تفسير : وقال البخاري: سفرة: الملائكة، سفرت: أصلحت بينهم، وجعلت الملائكة إذا نزلت بوحي الله تعالى وتأديته كالسفير الذي يصلح بين القوم. وقوله تعالى: { كِرَامٍ بَرَرَةٍ} أي: خلقهم كريم حسن شريف، وأخلاقهم وأفعالهم بارة طاهرة كاملة. ومن ههنا ينبغي لحامل القرآن أن يكون في أفعاله وأقواله على السداد والرشاد. قال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا هشام عن قتادة عن زرارة بن أوفى عن سعد بن هشام عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الذي يقرأ القرآن، وهو ماهر به، مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرؤه، وهو عليه شاق، له أجران» تفسير : أخرجه الجماعة من طريق قتادة به.
المحلي و السيوطي
تفسير : {عَبَسَ } النبي صلّى الله عليه وسلم: كلح وجهه {وَتَوَلَّىٰ } أعرض لأجل.
الشوكاني
تفسير : قوله: {عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ } أي: كلح بوجهه وأعرض. وقرىء "عبس" بالتشديد. {أَن جَاءهُ ٱلأَعْمَىٰ } مفعول لأجله، أي لأن جاءه الأعمى، والعامل فيه إما {عبس}، أو {تولى} على الاختلاف بين البصريين والكوفيين في التنازع هل المختار إعمال الأوّل أو الثاني؟ وقد أجمع المفسرون على أن سبب نزول الآية: أن قوماً من أشراف قريش كانوا عند النبيّ صلى الله عليه وسلم، وقد طمع في إسلامهم، فأقبل عبد الله بن أمّ مكتوم، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقطع عليه ابن أمّ مكتوم كلامه، فأعرض عنه فنزلت، وسيأتي في آخر البحث بيان هذا إن شاء الله. {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ } التفت سبحانه إلى خطاب نبيه صلى الله عليه وسلم؛ لأن المشافهة أدخل في العتاب: أي أيّ شيء يجعلك دارياً بحاله حتى تعرض عنه، وجملة: {لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ } مستأنفة لبيان أن له شأناً ينافي الإعراض عنه أي: لعله يتطهر من الذنوب بالعمل الصالح بسبب ما يتعلمه منك، فالضمير في {لعله} راجع إلى {الأعمى}، وقيل: هو راجع إلى الكافر أي: وما يدريك أن ما طمعت فيه ممن اشتغلت بالكلام معه عن الأعمى أنه يزكى، أو يذكر، والأوّل أولى. وكلمة الترجي باعتبار من وجه إليه الخطاب للتنبيه على أن الإعراض عنه مع كونه مرجوّ التزكي مما لا يجوز. قرأ الجمهور{أن جاءه الأعمى} على الخبر بدون استفهام، ووجهه ما تقدّم. وقرأ الحسن: "آن جاءه" بالمدّ على الاستفهام، فهو على هذه القراءة متعلق بفعل محذوف دلّ عليه {عبس} و{تولى}، والتقدير أن جاءه الأعمى تولى وأعرض، ومثل هذه الآية قوله في سورة الأنعام: {أية : وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِىّ } تفسير : [الأنعام: 52] وكذلك قوله في سورة الكهف: {أية : وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا } تفسير : [الكهف: 28] وقوله: {أَوْ يَذَّكَّرُ } عطف على {يزكى} داخل معه في حكم الترجي أي: أو يتذكر، فيتعظ بما تعلمه من المواعظ {فَتَنفَعَهُ ٱلذّكْرَىٰ } أي: الموعظة. قرأ الجمهور: {فتنفعه} بالرفع، وقرأ عاصم وابن أبي إسحاق، وعيسى، والسلمي، وزرّ بن حبيش بالنصب على جواب الترجي {أَمَّا مَنِ ٱسْتَغْنَىٰ } أي: كان ذا ثروة وغنى، أو استغنى عن الإيمان، وعما عندك من العلم {فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّىٰ } أي: تصغي لكلامه، والتصدّي الإصغاء. قرأ الجمهور {تصدّى} بالتخفيف على طرح إحدى التاءين تخفيفاً، وقرأ نافع، وابن محيصن بالتشديد على الإدغام، وفي هذا مزيد تنفير له صلى الله عليه وسلم عن الإقبال عليهم، والإصغاء إلى كلامهم. {وَمَا عَلَيْكَ أَن لا يَزَّكَّىٰ } أي: أيّ شيء عليك في أن لا يسلم، ولا يهتدي، فإنه ليس عليك إلاّ البلاغ، فلا تهتم بأمر من كان هكذا من الكفار، ويجوز أن تكون "ما" نافية، أي: ليس عليك بأس في أن لا يتزكى من تصدّيت له، وأقبلت عليه، وتكون الجملة في محل نصب على الحال من ضمير تصدّى. ثم زاد سبحانه في معاتبة رسوله صلى الله عليه وسلم فقال: {وَأَمَّا مَن جَاءكَ يَسْعَىٰ } أي: وصل إليك حال كونه مسرعاً في المجيء إليك طالباً منك أن ترشده إلى الخير، وتعظه بمواعظ الله، وجملة: {وَهُوَ يَخْشَىٰ } حال من فاعل يسعى على التداخل، أو من فاعل جاءك على الترادف. {فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّىٰ } أي: تتشاغل عنه، وتعرض عن الإقبال عليه، والتلهي: التشاغل، والتغافل، يقال: لهيت عن الأمر ألهي أي: تشاغلت عنه، وكذا تلهيت، وقوله: {كَلاَّ } ردع له صلى الله عليه وسلم عما عوتب عليه، أي: لا تفعل بعد هذا الواقع منك مثله من الإعراض عن الفقير، والتصدّي للغني، والتشاغل به، مع كونه ليس ممن يتزكى عن إرشاد من جاءك من أهل التزكي، والقبول للموعظة، وهذا الواقع من النبيّ صلى الله عليه وسلم هو من باب ترك الأولى، فأرشده الله سبحانه إلى ما هو الأولى به {إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ } أي أن هذه الآيات، أو السورة موعظة حقها أن تتعظ بها، وتقبلها وتعمل بموجبها، ويعمل بها كل أمتك. {فَمَن شَاء ذَكَرَهُ } أي: فمن رغب فيها اتعظ بها، وحفظها، وعمل بموجبها، ومن رغب عنها، كما فعله من استغنى، فلا حاجة إلى الاهتمام بأمره. وقيل: الضميران في "إنها"، وفي {ذكره} للقرآن، وتأنيث الأوّل لتأنيث خبره. وقيل: الأوّل للسورة، أو للآيات السابقة. والثاني للتذكرة؛ لأنها في معنى الذكر. وقيل: إن معنى: {فَمَن شَاء ذَكَرَهُ }: فمن شاء الله ألهمه، وفهمه القرآن حتى يذكره، ويتعظ به، والأوّل أولى. ثم أخبر سبحانه عن عظم هذه التذكرة، وجلالتها فقال: {فَى صُحُفٍ } أي: إنها تذكرة كائنة في صحف، فالجار، والمجرور صفة لـ {تذكرة}، وما بينهما اعتراض، والصحف جمع صحيفة، ومعنى {مُّكَرَّمَةٍ }: أنها مكرمة عند الله لما فيها من العلم والحكمة، أو لأنها نازلة من اللوح المحفوظ، وقيل: المراد بالصحف: كتب الأنبياء، كما في قوله: {أية : إِنَّ هَـٰذَا لَفِى ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ صُحُفِ إِبْرٰهِيمَ وَمُوسَىٰ }تفسير : [الأعلى: 18، 19] ومعنى {مَّرْفُوعَةٍ } أنها رفيعة القدر عند الله. وقيل: مرفوعة في السماء السابعة. قال الواحدي: قال المفسرون: مكرمة يعني: اللوح المحفوظ {مَّرْفُوعَةٍ } يعني: في السماء السابعة. قال ابن جرير: مرفوعة القدر، والذكر، وقيل: مرفوعة عن الشبه، والتناقض {مُّطَهَّرَةٍ } أي: منزهة لا يمسها إلاَّ المطهرون. قال الحسن: مطهرة من كل دنس. قال السديّ: مصانة عن الكفار لا ينالونها {بِأَيْدِى سَفَرَةٍ } السفرة جمع سافر ككتبة وكاتب، والمعنى: أنها بأيدي كتبة من الملائكة ينسخون الكتب من اللوح المحفوظ. قال الفراء: السفرة هنا الملائكة الذين يسفرون بالوحي بين الله ورسوله، من السفارة وهو: السعي بين القوم، وأنشد:شعر : فما أدع السفارة بين قومي ولا أمشي بغير أب نسيب تفسير : قال الزجاج: وإنما قيل: للكتاب سفر بكسر السين، والكاتب سافر؛ لأن معناه أنه بين، يقال أسفر الصبح: إذا أضاء، وأسفرت المرأة: إذا كشفت النقاب عن وجهها، ومنه سفرت بين القوم أسفر سفارة أي: أصلحت بينهم. قال مجاهد: هم الملائكة الكرام الكاتبون لأعمال العباد. وقال قتادة: السفرة هنا هم القراء؛ لأنهم يقرءون الأسفار. وقال وهب بن منبه: هم أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم. ثم أثنى سبحانه على السفرة فقال: {كِرَامٍ بَرَرَةٍ } أي كرام على ربهم، كذا قال الكلبي. وقال الحسن: كرام عن المعاصي، فهم يرفعون أنفسهم عنها. وقيل: يتكرمون أن يكونوا مع ابن آدم إذا خلا بزوجته، أو قضى حاجته. وقيل: يؤثرون منافع غيرهم على منافعهم. وقيل: يتكرّمون على المؤمنين بالاستغفار لهم. والبررة: جمع بارّ مثل: كفر وكافر، أي: أتقياء مطيعون لربهم صادقون في إيمانهم، وقد تقدّم تفسيره. {قُتِلَ ٱلإِنسَـٰنُ مَا أَكْفَرَهُ } أي: لعن الإنسان الكافر ما أشدّ كفره، وقيل: عذب، قيل: والمراد به عتبة بن أبي لهب، ومعنى: {ما أكفره}: التعجب من إفراط كفره. قال الزجاج: معناه اعجبوا أنتم من كفره. وقيل: المراد بالإنسان من تقدم ذكره في قوله: {أَمَّا مَنِ ٱسْتَغْنَىٰ } وقيل: المراد به الجنس، وهذا هو الأولى، فيدخل تحته كل كافر شديد الكفر، ويدخل تحته من كان سبباً لنزول الآية دخولاً أوّلياً. ثم ذكر سبحانه ما كان ينبغي لهذا الكافر أن ينظر فيه حتى ينزجر عن كفره، ويكفّ عن طغيانه فقال: {مِنْ أَىّ شَىْء خَلَقَهُ } أي: من أيّ شيء خلق الله هذا الكافر، والاستفهام للتقرير. ثم فسر ذلك فقال: {مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ } أيّ: من ماء مهين، وهذا تحقير له. قال الحسن: كيف يتكبر من خرج من مخرج البول مرّتين، ومعنى {فَقَدَّرَهُ } أي: فسوّاه، وهيأه لمصالح نفسه، وخلق له اليدين، والرجلين، والعينين، وسائر الآلات، والحواسّ. وقيل: قدّره أطواراً من حال إلى حال، نطفة ثم علقة إلى أن تمّ خلقه. {ثُمَّ ٱلسَّبِيلَ يَسَّرَهُ } أي: يسرّ له الطريق إلى الخير والشرّ. وقال السديّ، ومقاتل، وعطاء، وقتادة: يسره للخروج من بطن أمه، والأوّل أولى. ومثله قوله: {أية : وَهَدَيْنَـٰهُ ٱلنَّجْدَينِ } تفسير : [البلد: 10] وانتصاب {السبيل} بمضمر يدل عليه الفعل المذكور أي، يسر السبيل يسره. {ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ } أي: جعله بعد أن أماته ذا قبر يوارى فيه إكراماً له، ولم يجعله مما يلقى على وجه الأرض تأكله السباع، والطير، كذا قال الفرّاء وقال أبو عبيدة: جعل له قبراً وأمر أن يقبر فيه. وقال أقبره، ولم يقل قبره؛ لأن القابر هو الدافن بيده، ومنه قول الأعشى:شعر : لو أسندت ميتاً إلى صدرها عاش ولم ينقل إلى قابر تفسير : {ثُمَّ إِذَا شَاء أَنشَرَهُ } أي: ثم إذا شاء إنشاره أنشره أي أحياه بعد موته، وعلق الإنشار بالمشيئة للدلالة على أن وقته غير متعين، بل هو تابع للمشيئة. قرأ الجمهور: {أنشره} بالألف، وروى أبو حيوة عن نافع، وشعيب بن أبي حمزة "نشره" بغير ألف، وهما: لغتان فصيحتان. {كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ } كلا ردع، وزجر للإنسان الكافر أي: ليس الأمر كما يقول. ومعنى: لما يقض ما أمره، لم يقض ما أمره الله به من العمل بطاعته، واجتناب معاصيه، وقيل: المراد الإنسان على العموم، وأنه لم يفعل ما أمره الله به مع طول المدّة؛ لأنه لا يخلو من تقصير. قال الحسن: أي: حقاً لم يعمل ما أمر به. وقال ابن فورك: أي: كلا لما يقض لهذا الكافر ما أمره به من الإيمان، بل أمره بما لم يقض له. قال ابن الأنباري: الوقف على "كلا" قبيح، والوقف على {أمره} جيد، و"كلا" على هذا بمعنى حقاً. وقيل المعنى: لما يقض جميع أفراد الإنسان ما أمره، بل أخلّ به: بعضها بالكفر، وبعضها بالعصيان، وما قضى ما أمره الله إلاّ القليل. ثم شرع سبحانه في تعداد نعمه على عباده؛ ليشكروها، وينزجروا عن كفرانها بعد ذكر النعم المتعلقة بحدوثه فقال: {فَلْيَنظُرِ ٱلإِنسَـٰنُ إِلَىٰ طَعَامِهِ } أي: ينظر كيف خلق الله طعامه الذي جعله سبباً لحياته؟ وكيف هيأ له أسباب المعاش يستعدّ بها للسعادة الأخروية؟ قال مجاهد: معناه، فلينظر الإنسان إلى طعامه أي: إلى مدخله، ومخرجه، والأوّل أولى. ثم بيّن ذلك سبحانه فقال: {أَنَّا صَبَبْنَا ٱلْمَاء صَبّاً } قرأ الجمهور: (إنا) بالكسر على الاستئناف. وقرأ الكوفيون، ورويس عن يعقوب بالفتح على أنه بدل من {طعامه} بدل اشتمال لكون نزول المطر سبباً لحصول الطعام، فهو كالمشتمل عليه، أو بتقدير لام العلة. قال الزجاج: الكسر على الابتداء والاستئناف، والفتح على معنى البدل من الطعام. المعنى: فلينظر الإنسان إلى أنا صببنا الماء صباً، وأراد بصبّ الماء: المطر. وقرأ الحسن بن عليّ بالفتح والإمالة: {ثُمَّ شَقَقْنَا ٱلأَرْضَ شَقّاً } أي: شققناها بالنبات الخارج منها بسبب نزول المطر شقاً بديعاً لائقاً بما يخرج منه في الصغر، والكبر، والشكل، والهيئة. ثم بيّن سبب هذا الشقّ، وما وقع لأجله، فقال: {فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً } يعني: الحبوب الذي يتغذى بها، والمعنى: أن النبات لا يزال ينمو، ويتزايد إلى أن يصير {حباً}، وقوله: {وَعِنَباً } معطوف على حباً أي: وأنبتنا فيها عنباً، قيل: وليس من لوازم العطف أن يقيد المعطوف بجميع ما قيد به المعطوف عليه، فلا ضير في خلوّ إنبات العنب عن شقّ الأرض، والقضب: هو القتّ الرطب الذي يقضب مرّة بعد أخرى تعلف به الدواب، ولهذا سمي قضباً على مصدر قضبه أي: قطعه كأنه لتكرّر قطعها نفس القطع. قال الخليل: القضب الفصفصة الرطبة، فإذا يبست فهي: القتّ. قال في الصحاح: والقضبة، والقضب الرطبة، قال: والموضع الذي ينبت فيه مقضبة. قال القتيبي، وثعلب: وأهل مكة يسمون العنب القضب. والزيتون هو ما يعصر منه الزيت، وهو شجرة الزيتون المعروفة، والنخل هو جمع نخلة {وَحَدَائِقَ غُلْباً } جمع حديقة، وهي البستان، والغلب: العظام الغلاظ الرقاب. وقال مجاهد، ومقاتل: الغلب الملتفّ بعضها ببعض، يقال: رجل أغلب: إذا كان عظيم الرقبة، ويقال للأسد: أغلب؛ لأنه مصمت العنق لا يلتفت إلاّ جميعاً. قال العجاج:شعر : مازلت يوم البين ألوي صلبي والرأس حتى صرت مثل الأغلب تفسير : وجمع أغلب وغلباء: غلب، كما جمع أحمر، وحمراء على حمر. وقال قتادة، وابن زيد: الغلب النخل الكرام. وعن ابن زيد أيضاً، وعكرمة: هي غلاظ الأوساط، والجذوع. والفاكهة: ما يأكله الإنسان من ثمار الأشجار كالعنب، والتين، والخوخ، ونحوها. والأبّ: كل ما أنبتت الأرض مما لا يأكله الناس، ولا يزرعونه من الكلأ، وسائر أنواع المرعى، ومنه قول الشاعر:شعر : جدّنا قيس ونجد دارنا ولنا الأبّ بها والمكرع تفسير : قال الضحاك: الأبّ كل شيء ينبت على وجه الأرض. وقال ابن أبي طلحة: هو الثمار الرطبة. وروي عن الضحاك أيضاً أنه قال: هو التين خاصة، والأوّل أولى. ثم شرع سبحانه في بيان أحوال المعاد فقال: {فَإِذَا جَاءتِ ٱلصَّاخَّةُ } يعني: صيحة يوم القيامة، وسميت صاخة لشدّة صوتها؛ لأنها تصخ الأذان: أي تصمها فلا تسمع. وقيل: سميت صاخة؛ لأنها يصيخ لها الأسماع، من قولك: أصخ إلى كذا أي: استمع إليه، والأوّل أصح. قال الخليل: الصاخة صيحة تصخ الآذان حتى تصمها بشدّة وقعها، وأصل الكلمة في اللغة مأخوذة من الصكّ الشديد، يقال صخه بالحجر: إذا صكه بها، وجواب إذا محذوف يدل عليه قوله: {لِكُلّ ٱمْرِىء مّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ } أي: فإذا جاءت الصاخة اشتغل كل أحد بنفسه، والظرف في قوله: {يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْء مِنْ أَخِيهِ وَأُمّهِ وَأَبِيهِ وَصَـٰحِبَتِهُ وَبَنِيهِ } إما بدل من إذا جاءت، أو منصوب بمقدّر أي: أعني، ويكون تفسيراً للصاخة، أو بدلاً منها مبنيّ على الفتح، وخصّ هؤلاء بالذكر؛ لأنهم أخصّ القرابة، وأولاهم بالحنوّ والرأفة، فالفرار منهم لا يكون إلاّ لهول عظيم، وخطب فظيع. {لِكُلّ ٱمْرِىء مّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ } أي: لكل إنسان يوم القيامة شأن يشغله عن الأقرباء، ويصرفه عنهم. وقيل: إنما يفرّ عنهم حذراً من مطالبتهم إياه بما بينهم، وقيل: يفرّ عنهم؛ لئلا يروا ما هو فيه من الشدّة. وقيل: لعلمه أنهم لا ينفعونه، ولا يغنون عنه شيئًا، كما قال تعالى: {أية : يَوْمَ لاَ يُغْنِى مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئاً }تفسير : [الدخان: 41] والجملة مستأنفة مسوقة لبيان سبب الفرار. قال ابن قتيبة: {يغنيه} أي: يصرفه عن قرابته، ومنه يقال: أغن عني وجهك أي: اصرفه. قرأ الجمهور (يغنيه) بالغين المعجمة. وقرأ ابن محيصن بالعين المهملة مع فتح الياء أي: يهمه، من عناه الأمر إذا أهمه. {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ } {وجوه} مبتدأ، وإن كان نكرة؛ لأنه في مقام التفصيل، وهو من مسوّغات الابتداء بالنكرة، ويومئذ متعلق به، ومسفرة خبره، ومعنى {مسفرة}: مشرقة مضيئة، وهي: وجوه المؤمنين؛ لأنهم قد علموا إذ ذاك مالهم من النعيم، والكرامة، يقال أسفر الصبح: إذا أضاء. قال الضحاك: مسفرة من آثار الوضوء، وقيل: من قيام الليل {ضَـٰحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ } أي: فرحة بما نالته من الثواب الجزيل. ثم لما فرغ من ذكر حال المؤمنين ذكر حال الكفار فقال: {وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ } أي: غبار وكدورة لما تراه مما أعدّه الله لها من العذاب. {تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ } أي: يغشاها ويعلوها سواد وكسوف. وقيل: ذلة. وقيل: شدّة، والقتر في كلام العرب الغبار، كذا قال أبو عبيدة، وأنشد قول الفرزدق:شعر : متوّج برداء الملك يتبعه فوج ترى فوقه الرايات والقترا تفسير : ويدفع ما قاله أبو عبيدة تقدم ذكر الغبرة، فإنها واحدة الغبار. وقال زيد بن أسلم: القترة ما ارتفعت إلى السماء، والغبرة: ما انحطت إلى الأرض {أُوْلَـٰئِكَ } يعني: أصحاب الوجوه {هُمُ ٱلْكَفَرَةُ ٱلْفَجَرَةُ } أي: الجامعون بين الكفر بالله، والفجور. يقال فجر، أي فسق وفجر، أي: كذب، وأصله الميل، والفاجر المائل عن الحق. وقد أخرج الترمذي وحسنه، وابن المنذر، وابن حبان، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن عائشة قالت:« أنزلت {عبس وتولى} في ابن أمّ مكتوم الأعمى، أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل يقول: يا رسول الله، أرشدني، وعند رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من عظماء المشركين، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض عنه، ويقبل على الآخر، ويقول: أترى بما أقول بأساً؟ فيقول لا، ففي هذا أنزلت». وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وأبو يعلى عن أنس قال: «جاء ابن أمّ مكتوم، وهو يكلم أبيّ بن خلف، فأعرض عنه، فأنزل الله: {عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ أَن جَاءهُ ٱلأَعْمَىٰ } فكان النبيّ صلى الله عليه وسلم بعد ذلك يكرمه». وأخرج ابن جرير، وابن مردويه عن ابن عباس قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يناجي عتبة بن ربيعة، والعباس بن عبد المطلب، وأبا جهل بن هشام، وكان يتصدّى لهم كثيراً، ويحرص عليهم أن يؤمنوا، فأقبل عليهم رجل أعمى يقال له: عبد الله بن أمّ مكتوم يمشي، وهو يناجيهم، فجعل عبد الله يستقرىء النبيّ صلى الله عليه وسلم آية من القرآن قال: يا رسول الله علمني مما علمك الله، فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبس في وجهه، وتولى، وكره كلامه، وأقبل على الآخرين، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم نجواه، وأخذ ينقلب إلى أهله أمسك الله ببعض بصره، ثم خفق برأسه، ثم أنزل الله {عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ } الآية، فلما نزل فيه ما نزل أكرمه نبيّ، وكلمه وقال له:«حديث : ما حاجتك؟ هل تريد من شيء؟» تفسير : وإذا ذهب من عنده قال: حديث : هل لك حاجة في شيء؟تفسير : قال ابن كثير: فيه غرابة، وقد تكلم في إسناده. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس {بِأَيْدِى سَفَرَةٍ } قال: كتبة. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه {بِأَيْدِى سَفَرَةٍ } قال: هم: بالنبطية القرّاء. وأخرج ابن جرير عنه أيضاً {كِرَامٍ بَرَرَةٍ } قال: الملائكة: وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«حديث : الذي يقرأ القرآن، وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرؤه، وهو عليه شاق له أجران»تفسير : وأخرج ابن جرير عن ابن عباس {ثُمَّ ٱلسَّبِيلَ يَسَّرَهُ } قال: يعني: بذلك خروجه من بطن أمه يسره له. وأخرج ابن المنذر عن عبد الله بن الزبير في قوله: {فَلْيَنظُرِ ٱلإِنسَـٰنُ إِلَىٰ طَعَامِهِ } قال: إلى مدخله، ومخرجه. وأخرج ابن أبي الدنيا عن ابن عباس: {فَلْيَنظُرِ ٱلإِنسَـٰنُ إِلَىٰ طَعَامِهِ } قال: إلى خرئه. وأخرج ابن المنذر عنه: {أَنَّا صَبَبْنَا ٱلْمَاء صَبّاً } قال: المطر {ثُمَّ شَقَقْنَا ٱلأَرْضَ شَقّاً } قال: عن النبات. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله: {وَقَضْباً } قال: الفصفصة، يعني: القتّ {وَحَدَائِقَ غُلْباً } قال: طوالاً {وَفَـٰكِهَةً وَأَبّاً } قال: الثمار الرطبة. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً قال: الحدائق كل ملتفّ، والغلب ما غلظ، والأبّ ما أنبتت الأرض مما تأكله الدوابّ، ولا يأكله الناس. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عنه أيضاً {وَحَدَائِقَ غُلْباً } قال: شجر في الجنة يستظل به لا يحمل شيئًا. وأخرج ابن جرير عنه أيضاً قال: الأبّ الكلأ والمرعى. وأخرج أبو عبيد في فضائله، وعبد بن حميد عن إبراهيم التيمي قال: سئل أبو بكر الصديق عن الأبّ ما هو؟ فقال: أيّ سماء تظلني، وأيّ أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله مالا أعلم؟. وأخرج عبد بن حميد عن عبد الله بن يزيد: أن رجلاً سأل عمر عن قوله: {وَأَبّاً } فلما رآهم يقولون أقبل عليهم بالدرّة. وأخرج ابن سعد، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم وصححه، والبيهقي في الشعب، والخطيب عن أنس أن عمر قرأ على المنبر: {فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً وَعِنَباً } إلى قوله: {وَأَبّاً } قال: كل هذا قد عرفناه، فما الأبّ؟ ثم رفض عصى كانت في يده فقال: هذا لعمر الله هو التكلف، فما عليك أن لا تدري ما الأبّ، اتبعوا ما بين لكم من هذا الكتاب، فاعملوا عليه، وما لم تعرفوه، فكلوه إلى ربه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس قال: الصاخة من أسماء يوم القيامة. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {مُّسْفِرَةٌ } قال: مشرقة، وفي قوله: {تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ } قال: تغشاها شدّة وذلة. وأخرج ابن أبي حاتم عنه: {قَتَرَةٌ } قال: سواد الوجه.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى {عَبَسَ وتَوَلّى أنْ جاءَه الأَعْمَى} روى سعيد عن قتادة أن ابن أم مكتوم، وهو عبد الله بن زائدة من بني فهر، وكان ضريراً، أتى رسول الله رسول الله صلى الله عليه سلم يستقرئه وهو يناجي بعض عظماء قريش - وقد طمع في إسلامهم - قال قتادة: هو أمية بن خلف، وقال مجاهد: هما عتبة وشيبة ابنا ربيعة، فأعرض النبي صلى الله عليه وسلم عن الأعمى وعبس في وجهه، فعاتبه الله تعالى في إعراضه وتوليه فقال" عبس وتولّى" أي قطّب واعرض " أن جاءه الأعمى" يعني ابن ام مكتوم. {وما يُدريك لعلّه يَزَّكى} فيه أربعة أوجه: أحدها: يؤمن، قاله عطاء. الثاني: يتعبد بالأعمال الصالحة، قاله ابن عيسى. الثالث: يحفظ ما يتلوه عليه من القرآن، قاله الضحاك. الرابع: يتفقه في الدين، قاله ابن شجرة. {أوْ يَذَّكّرُ فَتَنفَعَهُ الذّكْرَى} قال السدّي: لعله يزّكّى ويّذكرُ، والألف صلة، وفي الذكرى وجهان: أحدها: الفقه. الثاني: العظة. قال ابن عباس: فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نظر إليه مقبلاً بسط له رداءه حتى يجلس عليه إكراماً له. قال قتادة: واستخلفه على صلاة الناس بالمدينة في غزاتين من غزواته، كل ذلك لما نزل فيه. {كلاّ إنّها تَذْكِرةٌ} فيه وجهان: أحدهما: أن هذه السورة تذكرة، قاله الفراء والكلبي. الثاني: أن القرآن تذكرة، قاله مقاتل. {فَمَن شَاءَ ذكَرَهُ } فيه وجهان: أحدهما: فمن شاء الله ألهمه الذكر، قاله مقاتل. الثاني: فمن شاء أن يتذكر بالقرآن أذكره الله، وهو معنى قول الكلبي. {في صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: مكرمة عند الله، قاله السدي. الثاني: مكرمة في الدين لما فيها من الحكم والعلم، قاله الطبري. الثالث: لأنه نزل بها كرام الحفظة. ويحتمل قولاً رابعاً: أنها نزلت من كريم، لأن كرامة الكتاب من كرامة صاحبه. {مرفوعةٍ} فيه قولان: أحدهما: مرفوعة في السماء، قاله يحيى بن سلام. الثاني: مرفوعة القدروالذكر، قاله الطبري. ويحتمل قولاً ثالثاً: مرفوعة عن الشُبه والتناقض. {مُطَهّرةٍ} فيه أربعة أقاويل: أحدهأ: من الدنس، قاله يحيى بن سلام. الثاني: من الشرك، قاله السدي. الثالث: أنه لا يمسها إلا المطهرون، قاله ابن زيد. الرابع: مطهرة من أن تنزل على المشركين، قاله الحسن. ويحتمل خامساً: لأنها نزلت من طاهر مع طاهر على طاهر. {بأيْدِى سَفَرَةٍ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أن السفرة الكتبة، قاله ابن عباس، قال المفضل: هو مأخوذ من سفر يسفر سفراً، إذا كتب، قال الزجاج: إنما قيل للكتاب سِفْر وللكاتب سافر من تبيين الشيء وإيضاحه، كما يقال أسفر الصبح إذا وضح ضياؤه وظهر، وسفرت المرأة إذا كشفت نقابها. الثاني: أنهم القّراء، قال قتادة لأنهم يقرؤون الأسفار. الثالث: هم الملائكة، لأنهم السفرة بين يدي الله ورسله بالرحمة، قال زيد، كما يقال سَفَر بين القوم إذا بلغ صلاحاً، وأنشد الفراء: شعر : وما أدَعُ السِّفارةَ بين قوْمي وما أَمْشي بغِشٍ إنْ مَشَيْتُ تفسير : {كِرام بَرَرةٍ} في الكرام ثلاثة أقاويل: أحدها: كرام على ربهم، قاله الكلبي. الثاني: كرام عن المعاصي فهم يرفعون أنفسهم عنها، قاله الحسن. الثالث: يتكرمون على من باشر زوجته بالستر عليه دفاعاً عنه وصيانة له، وهو معنى قول الضحاك. ويحتمل رابعاً: أنهم يؤثرون منافع غيرهم على منافع أنفسهم. وفي " بررة" ثلاثة أوجه: أحدها: مطيعين، قاله السدي. الثاني: صادقين واصلين، قاله الطبري. الثالث: متقين مطهرين، قاله ابن شجرة. ويحتمل قولاً رابعاً: أن البررة مَن تعدى خيرهم إلى غيرهم، والخيرة من كان خيرهم مقصوراً عليهم.
ابن عطية
تفسير : " العبوس": تقطب الوجه واربداده عند كراهية أمر، وفي مخاطبته بلفظ ذكر الغائب مبالغة في العتب لأن في ذلك بعض الإعراض، وقال كثير من العلماء وابن زيد وعائشة وغيرها من الصحابة: لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كاتماً شيئاً من الوحي، لكتم هذه الآيات، وآيات قصة زيد وزينب بنت جحش، " والتولي": هنا الإعراض، و {أن}: مفعول من أجله، وقرأ الحسن {أن جاءه} بمدة تقرير وتوقيف والوقف مع هذه القراءة على {تولى} وهي قراءة عيسى. وذكر الله تعالى ابن مكتوم بصفة العمى ليظهر المعنى الذي شأن البشر احتقاره، وبين أمره بذكر ضده من غنى ذلك الكافر، وفي ذلك دليل على أن ذكر هذه العاهات متى كانت المنفعة أو لأن شهرتها تعرف السامع صاحبها دون لبس جائز، ومنه قول المحدثين سلمان الأعمش وعبد الرحمن الأعرج وسالم الأفطس ونحو هذا. ومتى ذكرت هذه الأشياء على جهة التنقيص فتلك الغيبة،حديث : وقد سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة تذكر امرأة، فقالت: إنها القصيرة، فقال لها: لقد قلت كلمة لو مزجت بالبحر لمزجته تفسير : ثم خاطب تعالى نبيه فقال: {وما يدريك لعله يزكى أو يذكر فتنفعه الذكرى} أي وما يطلعك على أمره وعقبى حاله، ثم ابتدأ القول: {لعله يزكى} أي تنمو بركته وتطهره لله وينفعه إيمانه، وأصل {يزكى} : يتزكى، فأدغم التاء في الزاي وكذلك {يذكر}، وقرأ الأعرج. "يذْكُر" بسكون الذال وضم الكاف، ورويت عن عاصم، وقرأ جمهور السبعة: "فتنفعُه" بضم العين على العطف، وقرأ عاصم وحده والأعرج: "فتنفعَه" بالنصب في جواب التمني، لأن قوله {أو يذكر} في حكم قوله: {لعله يزكى}، ثم أكد تعالى عتب نبيه عليه السلام بقوله: {أما من استغنى} أي بماله، و: {تصدى} معناه: تتعرض بنفسك، وقرأ ابن كثير ونافع: " تصّدى " بشد الصاد على إدغام التاء، وقرأ الباقون والأعرج والحسن وأبو رجاء وقتادة وعيسى والأعمش: "تصَدى"، بتخفيف الصاد على حذف التاء وقرأ أبو جعفر بن القعقاع: "تُصَدى"، بضم التاء وتخفيف الصاد على بناء الفعل للمجهول، أي تصديك حرصك على هؤلاء الكفار أن يسلموا، تقول: تصدى الرجل وصديته، كما تقول: تكسب وكسبته، ثم قال تعالى محتقراً لشأن الكفار: {وما عليك ألا يزكى} وما يضرك ألا يفلح، فهذا حض على الإعراض عن أمرهم، وترك الأكتراث بهم، ثم قال مبالغاً في العتب: {وأما من جاءك يسعى} أي يمشي، وقيل المعنى: {يسعى} في شؤونه وأمر دينه وتقربه منك، {وهو يخشى} الله تعالى، {فأنت عنه تلهى} أي تشتغل، تقول لهيت عن الشيء ألهى إذا اشتغلت وليس من اللهو الذي هو من ذوات الواو، وإما أن المعنى يتداخل، وقرأ الجمهور من القراء: "تَلهى" بفتح التاء على حذف التاء الواحدة، وقرأ ابن كثير فيما روي عنه "تلهى" بالإدغام، وقرأ طلحة بن مصرف: "تتلهى" بتاءين، وروي عنه " تَلْهى" بفتح التاء وسكون اللام وتخفيف الهاء المفتوحة، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع: "تُلْهى" بضم التاء وسكون اللام أي يلهيك حرصك على أولئك الكفار، وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : وما استأثر الله به فَالْهَ عنه"، تفسير : وقوله تعالى في هاتين: {وأما من} فالسبب ما ذكر من كفار قريش وعبد الله بن أم مكتوم، ثم هي بعد تتناول من شركهم في هذه الأوصاف، فحَمَلَهُ الشرع والعلم مخاطبون في تقريب الضعيف من أهل الخير وتقديمه على الشريف العاري من الخير، بمثل ما خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم في هذه السورة، ثم قال: {كلا} يا محمد أي ليس الأمر في حقه كما فعلت إن هذه السورة والقراءة التي كنت فيها مع ذلك الكافر {تذكرة} لجميع العالم لا يؤثر فيها أحد دون أحد، وقيل المعنى أن هذه المعتبة تذكرة لك يا محمد ففي هذا التأويل إجلال لمحمد صلى الله عليه وسلم وتأنيس له، وقوله تعالى: {فمن شاء ذكره} يتضمن وعداً ووعيداً على نحو قوله تعالى: {أية : فمن شاء اتخذ إلى ربه ومآباً} تفسير : [النبأ:39] وقوله تعالى: {في صحف} يتعلق بقوله: {إنها تذكرة}، وهذا يؤيد أن التذكرة يراد بها جميع القرآن وقال بعض المتأولين: الصحف هنا اللوح المحفوظ، وقيل: صحف الأنبياء المنزلة، وقيل: مصاحف المسلمين، واختلف الناس في " السفرة "، فقال ابن عباس: هم الملائكة لأنهم كتبة يقال: سفرت أي كتبت، ومنه السفر، وقال ابن عباس أيضاً: الملائكة سفرة لأنهم يسفرون بين الله تعالى وبين أنبيائه، وقال قتادة: هم القراء وواحد السفرة سافر، وقال وهب بن منبه: هم الصحابة لأنهم بعضهم يسفر إلى بعض في الخبر والتعلم، والقول الأول أرجح، ومن اللفظة قول الشاعر: [الوافر] شعر : وما أدع السفارة بين قومي وما أسعى بغش إن مشيت تفسير : و "الصحف" على هذا صحف عند الملائكة أو اللوح، وعلى القول الآخر هي المصاحف، وقوله تعالى: {قتل الإنسان ما أكفره} دعاء على اسم الجنس وهو عموم يراد به الخصوص، والمعنى: قتل الإنسان الكافر، ومعنى {قتل} أي هو أهل أن يدعى عليه بهذا، وقال مجاهد: {قتل} بمعنى لعن، وهذا تحكم، وقوله تعالى: {ما أكفره} يحتمل معنى التعجب، ويحتمل معنى الاستفهام توقيفاً أي أيّ شيء {أكفره} أي جعله كافراً، وقيلحديث : إن هذه الآية نزلت في عتبة بن أبي لهب، وذلك أنه غاضب أباه فأتى النبي صلى الله عليه وسلم ثم إن أباه استصلحه وأعطاه مالاً وجهزه إلى الشام، فبعث عتبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: إني كافر برب النجم إذا هوى، فيروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اللهم ابعث عليه كلبك حتى يأكله" ويروى أنه قال: "ما يخاف أن يرسل الله عليك كلبه"، ثم إن عتبة خرج في سفرة فجاء الأسد فأكله بين الرفقة .
ابن عبد السلام
تفسير : {عَبَسَ وَتَوَلَّى} قطب وأعرض.
النسفي
تفسير : {عَبَسَ} كلح أي النبي صلى الله عليه وسلم {وَتَوَلَّى} أعرض {أن جَاءَهُ} لأن جاءه ومحله نصب لأنه مفعول له، والعامل فيه {عبس} أو تولى على اختلاف المذهبين {الأعمى} عبد الله بن أم مكتوم، وأم مكتوم أم أبيه، وأبوه شريح بن مالك، أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يدعو أشراف قريش إلى الإسلام فقال: يا رسول الله علمني مما علمك الله وكرر ذلك وهو لا يعلم تشاغله بالقوم، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم قطعه لكلامه وعبس وأعرض عنه فنزلت فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكرمه بعدها ويقول:«حديث : مرحباً بمن عاتبني فيه ربي»تفسير : واستخلفه على المدينة مرتين {وما يدريك} وأي شيء يجعلك دارياً بحال هذا الأعمى {لعلّه يَزَّكَّىٰ} لعل الأعمى يتطهر بما يسمع منك من دنس الجهل. وأصله يتزكى فأدغمت التاء في الزاي، وكذا {أو يَذَّكَّرُ} يتعظ {فَتَنفَعَهُ} نصبه عاصم غير الأعشى جواباً لـ «لعل» وغيره رفعه عطفاً على {يذكر} {الذِّكرىٰ} ذكراك أي موعظتك أي أنك لا تدري ما هو مترقب منه من ترك، أو تذكر ولو دريت لما فرط ذلك منك. {أمّا مَنِ استغنى} أي من كان غنياً بالمال {فأَنتَ لَهُ تَصَدَّىٰ} تتعرض بالإقبال عليه حرصاً على إيمانه {تصدى} بإدغام التاء في الصاد: حجازي {وما عليك ألاّ يزّكّى} وليس عليك بأس في أن لا يتزكى بالإسلام إن عليك إلا البلاغ {وأمّا من جاءَكَ يسعى} يسرع في طلب الخير {وهو يخشى} الله أو الكفار أي أذاهم في إتيانك أو الكبوة كعادة العميان {فأنت عنه تلهّى} تتشاغل وأصله تتلهى. ورُوي أنه ما عبس بعدها في وجه فقير قط ولا تصدى لغني. ورُوي أن الفقراء في مجلس الشورى كانوا أمراء. {كَلاَّ} ردع أي لا تعد إلى مثله {إنَّها} إن السورة أو الآيات {تذكرةٌ} موعظة يجب الاتعاظ بها والعمل بموجبها {فمن شاء ذكره} فمن شاء أن يذكره ذكره. أو ذكر الضمير لأن التذكرة في معنى الذكر والوعظ، والمعنى فمن شاء الذكر ألهمه الله تعالى إياه {في صُحُفٍ} صفة لـ {تذكرة} أي أنها مثبتة في صحف منتسخة من اللوح، أو خبر مبتدأ محذوف أي هي في صحف {مُّكَرَّمَةٍ} عند الله {مَّرْفُوعَةٍ} في السماء أو مرفوعة القدر والمنزلة {مُّطَهَّرَةٍ} عن مس غير الملائكة أو عما ليس من كلام الله تعالى {بأيدي سفرةٍ} كتبة جمع سافر أي الملائكة ينتسخون الكتب من اللوح {كِرَامٍ} على الله أو عن المعاصي {بررةٍ} أتقياء جمع بار. {قتل الإنسَانُ} لعل الكافر أو هو أمية أو عتبة {ما أكْفَرَهُ} استفهام توبيخ أي أي شيء حمله على الكفر، أو هو تعجب أي ما أشد كفره {مِنْ أيِّ شيءٍ خَلَقَهُ} من أي حقير خلقه! وهو استفهام ومعناه التقرير. ثم بين ذلك الشيء فقال {مِن نُّطفةٍ خلقه فَقَدَّرَهُ} على ما يشاء من خلقه. {ثمّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ} نصب السبيل بإضمار يسر أي ثم سهل له سبيل الخروج من بطن أمه أو بين له سبيل الخير والشر {ثمّ أمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ} جعله ذا قبر يواري فيه لا كالبهائم كرامة له قبر الميت دفنه وأقبره الميت أمره بأن يقبره ومكنه منه {ثمّ إذا شاء أنشره} أحياه بعد موته {كَلاَّ} ردع للإنسان عن الكفر {لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ} لم يفعل هذا الكافر ما أمره الله به من الإيمان. ولما عدد النعم في نفسه من ابتداء حدوثه إلى آن انتهائه أتبعه ذكر النعم فيما يحتاج إليه فقال {فلينظر الإنسان إلى طعامه} الذي يأكله ويحيا به كيف دبرنا أمره {أَنَّا} بالفتح: كوفي على أنه بدل اشتمال من الطعام، وبالكسر على الاستئناف: غيرهم {صَبَبْنَا الماءَ صبًّا} يعني المطر من السحاب {ثمّ شققنا الأرض شقًّا} بالنبات {فأنبتنا فيها حبًّا} كالبر والشعير وغيرهما مما يتغذى به {وعنباً} ثمرة الكرم أي الطعام والفاكهة {وَقَضْباً} رطبة سمي بمصدر قضبه أي قطعه لأنه يقضب مرة بعد مرة {وزيتوناً وَنَخْلاً وحدائِقَ} بساتين {غُلْباً} غلاظ الأشجار جمع غلباء {وفاكهةً} لكم {وأبًّا} مرعى لدوابكم {مَّتَاعاً} مصدر أي منفعة {لّكم ولأنعامكم فإذا جاءت الصَّاخَّةُ} صيحة القيامة لأنها تصخ الآذان أي تصمها وجوابه محذوف لظهوره {يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وأُمِّهِ وأَبِيهِ} لتبعات بينه وبينهم أو لاشتغاله بنفسه {وصاحِبَتِهِ} وزوجته {وَبَنِيهِ} بدأ بالأخ ثم بالأبوين لأنهما أقرب منه ثم بالصاحبة والبنين لأنهم أحب. قيل: أول من يفر من أخيه هابيل، ومن أبويه إبراهيم، ومن صاحبته نوح ولوط، ومن ابنه نوح {لِكُلِّ امْرِىءٍ مِّنهُمْ يَوْمَئذٍ شَأْنٌ} في نفسه {يُغنِيهِ} يكفيه في الاهتمام به ويشغله عن غيره. {وجوهٌ يومئذٍ مُّسْفِرَةٌ} مضيئة من قيام الليل أو من آثار الوضوء {ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ} أي أصحاب هذه الوجوه وهم المؤمنون ضاحكون مسرورون {ووجوهٌ يومئذٍ عليها غبرةٌ} غبار {تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ} يعلو الغبرة سواد كالدخان ولا ترى أوحش من اجتماع الغبرة والسواد في الوجه {أُولَٰئِك} أهل هذه الحالة {هُمُ الْكَفَرَةُ} في حقوق الله {الفَجَرَةُ} في حقوق العباد، ولما جمعوا الفجور إلى الكفر جمع إلى سواد وجوههم الغبرة، والله أعلم.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {عبس وتولى} أي كلح وقطب وجهه وتولى أي أعرض بوجهه. {أن جاءه الأعمى} يعني ابن أم مكتوم، واسمه عمرو، وقيل عبد الله بن شريح بن مالك بن ربيعة، وقيل عمرو قيس بن زائدة بن الأصم بن زهرة بن رواحة القرشي الفهري من بني عامر بن لؤي، واسم أمه عاتكة بنت عبد الله المخزومية، وهو ابن خالة خديجة بنت خويلد أسلم قديماً بمكة، وذلك أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يناجي عتبة بن ربيعة، وأبا جهل بن هشام والعباس بن عبد المطلب، وأبي بن خلف، وأخاه أمية بن خلف ويدعوهم إلى الله يرجو إسلامهم فقال ابن أم مكتوم: يا رسول الله أقرئني وعلمني مما علمك الله؛ وجعل يناديه ويكرر النّداء، وهو لا يدري أنه مقبل على غيره حتى ظهرت الكراهة في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم لقطعه كلامه، وقال في نفسه يقول هؤلاء الصّناديد إنما اتبعه الصّبيان، والعبيد، والسّفلة فعبس وجهه وأعرض عنه، وأقبل على القوم الذين كان يكلمهم، فأنزل الله هذه الآيات معاتبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك يكرمه إذا رآه، ويقول مرحباً بمن عاتبني الله فيه ويقول له هل لك من حاجة، واستخلفه على المدينة مرتين في غزوتين وكان من المهاجرين الأولين، وقيل قتل شهيداً بالقادسية قال أنس: رأيته يوم القادسية، وعليه درع ومعه راية سوداء، عن عائشة رضي الله عنها قالت "حديث : أنزلت {عبس وتولى} في ابن أم مكتوم الأعمى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يقول يا رسول الله أرشدني، وعند رسول الله صلى الله عليه وسلم عظماء قريش من المشركين فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض عنه ويقبل على الآخرين ويقول أترى بما أقول بأساً فيقول لا ففي هذا أنزلت" تفسير : أخرجه التّرمذي، وقال حديث غريب {وما يدريك} أي أي شيء يجعلك دارياً {لعله يزكى} أي يتطهر من الذّنوب بالعمل الصّالح وما يتعلمه منك.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: كل آيات هذه السورة في الإمالة والتفخيم مثل سورة طه {فتنفعه} بالنصب على أنه جواب لعل: عاصم غير الأعشي {تصدّى} بتشديد الصاد للإدغام: أبو جعفر ونافع وابن كثير. الآخرون: بتخفيفها بناء على حذف تاء تتفعل أو الخطاب عنه {تلهى} بإشباع ضمة الهاء وتشديد التاء: البزي وابن فليح {أنا} بالفتح على البدل من الطعام: عاصم وحمزة وخلف. الوقوف: {وتولى} ه لا {الأعمى} ه ط {يزكى} ه لا {الذكرى} ه ط {استغنى} ه لا {تصدّى} ه ط {يزكى} ه {يسعى} ه لا {يخشى} ه {تلهى} ه ز لأن {كلا} للردع فلا يوقف أو بمعنى حقاً فيوقف {تذكرة} ه ج للشرط بعده مع الفاء {ذكره} ه م لأن الظرف لا يجوز أن يتعلق بما قبله ولكنه خبر مبتدأ محذوف أي هو في صحف {مكرمة} ه لا {مطهرة} ه لا {سفرة} ه ز {بررة} ط {أكفره} ه ط {خلقه} ه ز لأن الجواب محذوف أي خلقه من {نطفة} ط {فقدّره} ه لا {يسره} ه ز {فأقبره} ه لا {أنشره} ه ط بناء على أن {كلا} بمعنى حقاً ولا يصلح للردع وجه كما يجيء {أمره} ه ط {إلى طعامه} ه ز إلا لمن قرأ {أنا} بالفتح {صباً} ه لا {شقاً} ه لا {حباً} ه ز {وقضباً} ه ك {ونخلاً} ه ك {غلباً} ه ك {وأباً} ه لا {ولأنعامكم} ه ط {الصاخة} ه ز فإن الأوضح أن يكون {يوم} ظرف {جاءت} وجوز أن يكون مفعول " اذكر " محذوفاً والعامل مقدّر أي فإذا جاءت الصاخة كان ما كان {أخيه} لا {وأبيه} ه ك {وبنيه} ه ط {يغنيه} ه ك {مسفرة} ه لا {مستبشرة} ه ج فصلاً بين حالتي الفئتين مع اتفاق الجملتين {غبرة} ه لا {قترة} ه {الفجرة} ه. التفسير: أطبق المفسرون على أن الذي عبس هو الرسول صلى الله عليه وسلم والأعمى هو ابن أم مكتوم واسمه عبد الله بن شريخ بن مالك بن ربيعة الزهري. وذلك أنه أتى رسول الله وعنده صناديد قريش عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو جهل بن هشام والعباس بن عبد المطلب يدعوهم إلى الإسلام رجاء أن يسلم بإسلامهم غيرهم. فقال: يا رسول الله أقرئني وعلمني مما علمك الله، وكرر ذلك وهو لا يعلم شغله بالقوم، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم قطعه لكلامه وعبس وأعرض عنه فنزلت، فكان رسول الله صلى هلله عليه وسلم بعد ذلك يكرمه ويقول: إذا رآه: مرحباً بمن عاتبني فيه ربي ويقول له: هل لك من حاجة؟ واستخلفه على المدينة مرتين. وقال أنس: رأيته يوم القادسية وعليه درع وله راية سوداء. والجار محذوف على القياس متعلق بـ {عبس} أو بـ {تولى} على اختلاف في باب تنازع الفعلين للكوفيين والبصريين والتقدير: عبس لأن جاءه الأعمى وأعرض لذلك. يروى أنه صلى الله عليه وسلم ما عبس بعدها في وجه فقير قط ولا تصدّى لغني. قال أهل المعاني: في الالتفات من الغيبة إلى الخطاب دلالة على مزيد الإنكار كمن يشكو جانياً بطريق الغيبة وهو حاضر ثم يقبل على الجاني مواجهاً بالتوبيخ. قالوا: وفي ذكر الأعمى نحو من الإنكار أيضاً لأن العمى يوجب العطف والرأفة عند ذوي الآداب غالباً لا التولي والعبوس، ولا يخفى أن نظر النبي صلى الله عليه وسلم كان على أمر كلي هو رجاء إسلام قريش فإنه في الظاهر أهم من إجابة رجل أعمى على الفور إلا أنه سبحانه عدّ هذا الجزئي كلياً من جهة أخرى هي تطييب قلوب الفقراء والضعفاء وإهمال جانب أهل الغنى والثراء، فإن هذا أدخل في الإخلاص وابتغاء رضوان الله وذلك مظنة التهمة والرياء. يحكى عن سفيان الثوري أن الفقراء كانوا في مجلسه أمراء. وأيضاً فائدة الإرشاد والتعليم بالنسبة إلى هذا الأعمى أمر معلوم وبالنسبة إلى أولئك أمر موهوم لأنه جاء طالباً مسترشداً وأنهم جاءوا مستهزئين معاندين، وترك المعلوم للموهوم خارج عن طريق الاحتياط وإلى هذا المعنى أشار بقوله {وما يدريك لعله} لعل الأعمى {يزكى} عما لا ينبغي {أو يذكر} يتعظ {فتنفعه الذكرى} فيفعل ما ينبغي. وقيل: الضمير في {لعله} للكافر يعني أي شيء أدراك بحال كل من أولئك الكفرة حتى طمعت في تطهرهم من الأوزار وانتفاعهم بالاذكار. ثم زاد تصريحاً لما فعل قائلاً {أما من استغنى} أي بالمال. وقال عطاء: عن الإيمان. وقال الكلبي: أي عن الله. والأول أولى لأنهم كانوا أغنياء وما توجه الخطاب إلا من هذه الجهة وإن كان إسلامهم موهوماً {فأنت له تصدّى} تتعرض وأصله تتصدد من الصدد وهو ما استقبلك فصار قبالك {وما عليك} يحتمل أن تكون " ما " استفهامية ونافية يعني أي وبال يعود عليك أو ليس عليك بأس في أن لا يتزكى ذلك المستغني إن عليك إلا البلاغ فما الموجب للحرص والتهالك على إسلامه حتى تكسر قلوب الفقراء بالعبوس والإعراض، وهذا معنى قوله {وأما من جاءك يسعى} يسرع في طلب الخير {وهو يخشى} الله أو يخشى الكفار وأذاهم في إتيانك. وقيل: يخشى الكيوة لأنه أعمى ما كان له قائد {فأنت عنه تلهى} أي تتشاغل. قال أهل المعاني: بناء الكلامين على ضمير المخاطب تقوية إنكار التصدي والتهلي عليه أي مثلك خصوصاً لا ينبغي أن يتصدّى لغنى ويتلهى عن الفقير. قوله {كلا} ردع عن المعاتب عليه وعن معاودة مثله أي لا تفعل مثل ذلك. ثم قال {إنها} يعني آيات القرآن وهو قول مقاتل، أو هذه السورة وهو قول الكلبي واختاره الأخفش {تذكرة} وهي في معنى الذكر والوعظ فلذلك قال {فمن شاء ذكره} والمراد أن هذا القرآن أو هذا التأديب الذي عرفناكه في إجلال الفقراء وعدم الالتفات إلى أهل الدنيا ثبت في اللوح المحفوظ الذي قد وكل بحفظه أكابر الملائكة. وفيه أن القرآن الذي بلغ في العظمة إلى هذا الحد أيّ حاجة له إلى أن يقبله هؤلاء الكفرة، فسواء قبلوه أو لا فلا تلتفت إليهم واجتهد في تطيب قلوب الفقراء الذين هم أهل الإخلاص وحزب الله. ثم وصف الصحف بأنها مكرمة عند الله مرفوعة في السماء أو مرفوعة المقدار مطهرة عن أهل الخبائث لا يمسها إلا المطهرون من تلك الملائكة وتلك الصحف {بأيدي سفرة} قال ابن عباس ومجاهد ومقاتل وقتادة: هم الكتبة من الملائكة واحدها سافر مثل كتبة وكاتب، وقد مرّ في أول التفسير أن التركيب يدل على الكشف فبالكتابة يتبين ما في الضمير ويتضح. قال الفراء: اشتقاق السفرة من السفارة لأن الملائكة سفرة بين الله ورسوله ولا يخفى ما في السورة من معنى الكشف أيضاً {كرام} على ربهم. وقال عطاء: أراد أنهم يكرمون من أن يكونوا مع ابن آدم إذا خلا مع زوجته للجماع وعند قضاء الحاجة {بررة} أتقياء واحدها بارّ. وقيل: هي صحف الأنبياء فيكون كقوله {أية : إن هذا لفي الصحف الأولى} تفسير : [الأعلى: 18] وقيل: السفرة القراء. وقيل: الصحابة ثم عجب من صناديد قريش وأضرابهم من أهل العجب والكفر المرتفعين على الفقراء مع أن أوّلهم نطفة مذرة وآخرهم جيفة قذرة وهم فيما بين الوقتين حملة عذرة فقال {قتل الإنسان} وهو دعاء عليه أشنع دعوة لأنه لا أفظع من القتل و {ما أكفره} تعجب من حال إفراطه في الكفران وتلقي نعم خالقه بالجحود والطغيان، وهذا قد ورد على أسلوب كلام العرب وأنه لا يمكن أن يحمل في حقه تعالى إلا على إرادة إيصال العقاب الشديد وليكون لطفاً للمعتبرين المتعجبين المتأملين في مراتب حدوثهم التي أوّلها نطفة وأشار إيلها بقوله {من أي شيء خلقه من نطفة} والاستفهام لزيادة التقرير في التحقير. ثم قال {فقدّره} فحمله الفراء على أطواره بعد كونه نطفة إلى وقت إنشائه خلقاً آخر، وعلى أحواله من كونه ذكراً أو أنثى وشقياً أو سعيداً. وقال الزجاج: قدره على الاستواء كقوله {أية : ثم سوّاك رجلاً}تفسير : [الكهف: 37] ويحتمل أن يراد فقدر كل عضو في الكمية والكيفية على التقدير اللائق بمصلحته. وأما المرتبة الوسطى فإليها الإشارة بقوله {ثم السبيل يسره} وهو نصب على شريطة التفسير فمن فسر التقدير بالأطوار فسر السبيل بمخرج الولد من بطن أمه. يقال: إن رأس المولود في بطن أمه يكون من فوق ورجله من تحت، فإذا جاء وقت الخروج انقلب بإلهام الله تعالى إياه على أن نفس خروج الولد حياً من ذلك المنفذ الضيق من أعجب العجائب وعلى التفاسير الأخر فالمراد تسهيل سبيل الخير والشر كقوله {أية : إنا هديناه السبيل}تفسير : [الدهر: 3] وأشار إلى المرتبة الأخيرة بقوله {ثم أماته فأقبره} أي جعله ذا قبر فيكون متعدياً إلى واحد، ويحتمل أن يكون الثاني محذوفاً أي فأقبره غيره. يقال: قبر الميت إذا دفنه بنفسه، وأقبر غيره الميت إذا أمره بدفنه، فالمراد أن الله سبحانه أمر بدفن الأموات الإنسية تكرمة لهم دون أن يطرحوا على وجه الأرض طعمة للسباع كسائر الحيوان {ثم} إن في كل هذه الانتقالات دلالات واضحة على أنه سبحانه {إذا شاء} أن ينشر الإنسان ببعثه من قبره {أنشره} قوله {كلا} يجوز أن يكون ردعاً للإنسان عن تكبره وترفعه أو عن كفره وإنكاره المعاد. وقال في الكشاف: وهذا هو ردع للإنسان عما هو عليه فهذا قول مجاهد إن إنساناً لم يخل من تقصير قط فلم يقض أحد من لدن آدم إلى هذه الغاية جميع ما كان مفروضاً عليه. وقال آخرون: معناه أن الإنسان الكافر لم يقض بعد ما أمره الله من التأمل في دلائل التوحيد والبعث. وقال الأستاذ أبو بكر بن فورك: القضاء بمعنى الحكم والضمير لله أي لم يقض الله لهذا الكافر ما أمره به من الإيمان وترك التكبر بل أمره بما لم يحكم له به. وحين فرغ من دلائل الأنفس أردفها بدلائل الآفاق قائلاً {فلينظر الإنسان} نظر استدلال وتدبر {إلى طعامه} الذي يعيش به كيف دبرنا أمره من إنزال الماء من السماء، ثم شق الأرض بالنبات أو بالكراب على البقر فيكون إسناد الفعل إلى السبب. والحب ما يصلح للقوت كالحنطة والشعير، والقضب العلف بعينه قاله الحسن. وقال أكثر المفسرين: إنه القت لأنه يقضب مرة بعد أخرى أي يقطع. والغلب الغلاظ الأعناق في الأصل يقال: أسد أغلب، ثم استعير للحدائق أنفسها لتكاثف أشجارها ولأشجارها لعظمها وغلظها. ثم أجمل الفاكهة ليعم الكل وأجمل العلف بقوله {وأبا} للعموم وهو المرعى لأنه يؤب أي يؤم وينتجع. والأب والأم إخوان قاله جار الله. وقيل: الأب الفاكهة اليابسة المعدّة للبقاء. والفاء في قوله {فإذا جاءت} مثل ما مر في " النازعات " {والصاخة} النفخة الأخيرة. قال الزجاج: أصل الصخ الطعن والصك صخ رأسه بالحجر أي شدخه، والغراب يصخ بمنقاره في دبر البعير أي يطعن، والنفخة لشدّتها تصك الآذان. وقال جار الله: يقال صخ لحديثه مثل أصاخ له فوصف النفخة بالصاخة مجاز لأن الناس يصخون لها أي يستمعون. وفرار المرء من الجماعة المذكورين إما بالصورة وذلك للاحتراز عن المطالبة بالتبعات يقول الأخ: ما واسيتني بمالك. ويقول الأبوان: قصرت في برنا. وتقول الصاحبة: أطعمتني الحرام وفعت كذا وكذا، والبنون يقولون: لم تعلمنا ولم ترشدنا. قال جار الله: إنما بدأ بالأخ ثم بالأبوين لأنهما أقرب منه، والفرار إنما يقع من الأبعد ثم من الأقرب، وأخر الصاحبة والبنين لأن البنين أقرب وأحب فكأنه قيل: يفر من أخيه بل من أبيه بل من صاحبته وبنيه. وأقول: هذا القول يستلزم أن تكون الصاحبة أقرب وأحب من الأبوين ولعله خلاف العقل والشرع، والأصوب أن يقال: أراد أن يذكر بعض من هو مطيف بالمرء في الدنيا من أقاربه في طرفي الصعود والنزول فبدأ بطرف الصعود لأن تقديم الأصل أولى من تقديم الفرع، وذكر أوّلاً في كل من الطرفين من هو معه في درجة واحدة وهو الأخ في الأول، والصاحبة في الثاني على أن وجود البنين موقوف على وجود الصاحبة فكانت بالتقديم أولى. وقيل: أول من يفر من أخيه هابيل، ومن أبويه إبراهيم، ومن صاحبته نوح ولوط، ومن ابنه نوح. والأنسب عندي أن يكون الفار قابيل وقد جاء هكذا في بعض الروايات، والأظهر أن الفرار المعنيّ هو قلة الاهتمام بشأن هؤلاء بدليل قوله {لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه} أي يصرفه ويصدّه عن قرابته. قال ابن قتيبة: ويقال أغن عني وجهك أي اصرفه. وعندي أن اشتقاقه من الغنى وذلك أن من أغناك فقد صرفك عن نفسك أو عن طلب حاجته. ثم ذكر أن الناس يومئذ فريقان وأن أهل الكمال تلوح على وجوههم أنوار الكمال من أسفر الصبح إذا أضاء يستبشرون بأنواع المسار، ويضحكون بدل ما كانوا يبكون في الدنيا خوفاً من عقاب الله تعالى، وأن أهل النقائص يظهر على وجوههم سواد مع غبرة كوجوه الزنوج مثلاً إذا أعبرت. والقترة سواد كالدخان جمع الله في وجوههم ظلمة الضلال والكفر مع غبار الفجور والفسق ولهذا نعى عليهم بقوله {أولئك هم الكفرة الفجرة} أعاذنا الله في الدارين من مثل أحوالهم.
الثعالبي
تفسير : قوله تعالى: {عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ * أَن جَاءَهُ ٱلأَعْمَىٰ} سَبَبُها: حديث : أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كَانَ يدعُو بعضَ صَنَادِيدِ قريشٍ ويقرأ عليه القرآن ويقول له: هل ترى بما أقولُ بأساً، فكان ذلك الرجلُ يقول: لا والدُّمَىٰ يعني الأصْنَام؛ إذ جَاء ابنُ أم مكتُومٍ؛ فَقَالَ: يا رسول اللَّه! اسْتَدْنِنِي وَعَلِّمْنِي مما علَّمَك اللَّهُ؛ فكان [في] ذلك كلِّه قطعٌ لحديث النبي صلى الله عليه وسلم مع الرَّجُلِ، فلَما شَغَبَ عليه ابنُ أُم مكتوم عَبَسَ صلى الله عليه وسلم وأعْرَضَ عنهتفسير : ؛ فنزلتِ الآيةُ، قال سفيانُ الثوريّ: فكَانَ بعدَ ذلك إذَا رأَى ابنَ أم مكتومٍ قال: مَرْحَباً بمن عَاتَبَنِي فيه ربِّي ـــ عز وجل ـــ وبَسَطَ له رداءَه واسْتَخْلَفَه على المدينةِ مرتين، * ت *: والكافرُ المشارُ إليه في الآيةِ هو: الوليدُ بن المغيرة؛ قاله ابنُ إسْحَاق، انتهى، ثم أكَّد تعالى عَتْبَ نبيه بقوله: {أَمَّا مَنِ ٱسْتَغْنَىٰ} أي بمالِه، {فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّىٰ} أي: تَتَعَرَّضُ.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ} أي: كَلحَ بوجههِ، يقال: عبَسَ وبَسَر وتولى، أي: أعرضَ بوجهه. قوله: {أَن جَآءَهُ}. فيه وجهان: أحدهما: أنَّه مفعولٌ من أجله، وناصبه: إمَّا "تولَّى" وهو قول البصريين، وإمَّا "عَبَسَ" وهو قول الكوفيين، والمختار مذهب البصريين لعدم الإضمار في الثاني، وتقدم تحقيق هذا في مسائل النزاع والتقدير: لأن جَاءهُ الأعْمَى فعل ذلكَ. قال القرطبيُّ: إن من قرأ بالمدِّ على الاستفهام، فـ "أنْ" متعلقة بمحذوف دلَّ عليه {عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ} والتقدير: أأن جاءهُ اعرض عنهُ وتولى؟ فيوقف على هذه القراءة على "تولَّى"، ولا يوقف عليه على قراءة العامة. فصل في سبب نزول الآية قال المفسرون: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن أم مكتومٍ، واسمُ مكتُومٍ عاتكةُ بنتُ عامرٍ بن مخزومٍ، وكان عند النبي صلى الله عليه وسلم صناديدُ قريش: عُتْبَةُ وشيبةُ ابنا رَبِيعةَ، وأبُو جَهْلٍ بْنُ هشام، والعبَّاسُ بنُ عبدِ المُطلبِ، وأميَّةُ بن خلفٍ، والوليدُ بنُ المُغيرةِ، يدعوهم إلى الإسلام رجاءَ أن يسلم بإسلامهم غيرُهم، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: عَلِّمني مما علمك الله، وكرَّر ذلك عليه، فكره قطعه لكلامه، وعبس وأعرض عنه، فنزلت هذه الآية. قال ابن العربي: أمَّا قول المفسرين: إنه الوليد بن المغيرة، أو أمية بن خلف والعباس، فهذا كله باطلٌ وجهلٌ؛ لأن أمية والوليد كانا بـ "مكة" وابن أم مكتوم كان بـ "المدينة" ما حضر معهما، ولا حضرا معه، وماتا كافرين، أحدهما: قبل الهجرة، والآخر في "بدر"، ولم يقصد أمية "المدينة" قط، ولا حضر معه مفرداً، ولا مع أحدٍ، وإنَّما أقبل ابن أم مكتوم والنبي صلى الله عليه وسلم مشتغل بمن حضره من وجوه قريش يدعوهم إلى الإسلام، وقد طمع في إِسلامهم، وكان في إسلامهم إسلام من وراءهم من قومهم فجاء ابن أم مكتوم وهو أعمى، فقال: يا رسول الله علمني مما علمك الله وجعل يناديه ويكثر النداء، ولا يدري أنه مشتغل بغيره، حتى ظهرت الكراهة في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم لقطعه كلامه، وقال في نفسه: يقول هؤلاء إنَّما اتْباعُه العُمْيَان والسَّفلة والعبيد، فعبس وأعرضَ عنه، فنزلت الآية. قال الثوري: فـ حديث : كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم بعد ذلك إذا رأى ابن أم مكتوم بسط له رداءهُ، ويقول: "مَرْحَباً بمَنْ عَاتَبنِي فِيهِ ربِّي"، ويقول: "هَلْ مِنْ حَاجَةٍ"؟ واستخلفهُ على "المدينة" مرتين في غزوتين غزاهما . تفسير : قال أنسٌ رضي الله عنه: فرأيته يوم "القادسيَّة" راكباً وعليه دِرْع، ومعه رايةٌ سوداءُ. فصل في معاتبة الله تعالى رسوله قال ابن الخطيب: ما فعله ابن أم مكتوم كان يستحق التأديب والزَّجْر، فكيف عاتب الله - تعالى - رسوله على تأديبه ابن أم مكتوم؟. وإنما قلنا: إنه كان يستحق التأديب؛ لأنه وإن كان أعمى لا يرى القوم، لكنه سمع مخاطبة الرسول صلى الله عليه وسلم لأولئك الكفار، وكان بسماعه يعرف شدة اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بشأنهم، فكان إقدامه على قطع كلام النبي صلى الله عليه وسلم لغرض نفسه قبل تمام غرض النبي صلى الله عليه وسلم معصية عظيمة. وأيضاً: فإنَّ الأهم يقدِّم على المُهِمّ، وكان قد أسلم، وتعلَّم ما يحتاج إليه من أمر دينه، أما أولئك الكفَّار، فلم يكونوا أسلموا بعد، وكان إسلامهم سبباً لإسلام جمع عظيم، فكان كلام ابن مكتوم كالسبب في قطع ذلك الخير العظيم لغرض قليل، وذلك محرم. وأيضاً: فإنَّ الله - تعالى - ذمّ الذين يناجونه من وراء الحجرات بمجود ندائهم، فهذا النداء الذي هو كالصَّارف للكفار عن [قبول] الإيمانِ أوْلَى أن يكون ذنباً، فثبت أن الذي فعله ابن أمِّ مكتوم كان ذنباً ومعصية. وأيضاً: فمع هذا الاعتناء بابن أم مكتوم، فكيف لقب بالأعمى؟. وأيضاً: فالنبيُّ صلى الله عليه وسلم يؤدَّب أصحابه بما يراه مصلحة، والتَّعبيسُ من ذلك القبيل، ومع الإذن فيه، كيف يعاتب عليه؟. والجواب عن الأول: أنَّ ما فعله ابن أم مكتوم كان من سُوءِ الأدب لو كان عاملاً بأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم مشغولٌ بغيره، وأنَّه يرجو إسلامهم، ولكن الله عاتبه حتى لا تنكسر قلوبُ أهْلِ الصُّفَّةِ، أو ليعلم أنَّ المؤمن الفقير خيرٌ من الغنى، وكان النظر إلى المؤمن أولى، وإن كان فقيراً أصلحُ وأوْلَى من الإقبالِ على الأغنياء طمعاً في إيمانهم، وإن كان ذلك أيضاً طمعاً في المصلحة، وعلى هذا يخرج قوله تعالى: {أية : مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ} تفسير : [الأنفال: 67] الآية. وقيل: إنَّما قصد النبي صلى الله عليه وسلم تأليف الرجل ثقة بما كان في قلب ابن أم مكتوم من الإيمان، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنِّي لأعْطِي الرَّجُل وغَيرهُ أحَبُّ إليَّ مِنْهُ مخَافَة أن يكُبَّهُ اللهُ على وجْهِهِ ". تفسير : وقال ابن زيدِ: إنَّما عبس النبي صلى الله عليه وسلم لابن أم مكتوم، وأعرض عنه؛ لأنَّه أشار إلى الذي كان يقوده أن يكفه، فدفعه ابن أم مكتوم، وأبى إلا أن يكلم النبي صلى الله عليه وسلم حتى يعلمه, فكان في هذا نوع جفاءٍ منه، ومع هذا أنزل الله تعالى في حقه: {عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ}، بلفظ الإخبار عن الغائب تعظيماً له، ولم يقل: عَبْسَتَ وتولَّيت. ثم أقبل عليه بمواجهة الخطاب تأنيساً له، فقال: "ومَا يُدْرِيكَ" أي: يعلمك "لَعلَّهُ" ابنُ أم مكتوم "يَزَّكَّى" بما استدعى منك تعليمه إياه من القرآن والدين، وإنَّما ذكره بلفظ العمى ليس للتحقير، بل كأنه قيل: إنه بسبب عماه يستحق مزيد الرفق والرأفة، فكيف يليق بك يا محمد، أن تخصَّه بالغلظةِ، وأمَّا كونه مأذوناً لهُ في تأديب أصحابه، لكن هنا لمَّا أوهم تقديمَ الأغنياء على الفقراءِ، وكان ذلك مما يوهمُ ترجيح الدنيا على الدِّين، فلهذا السبب عوتب. فصل فيمن استدل بالآية على جواز صدور الذنوب من الأنبياء قال ابن الخطيب: تمسَّك القائلون بصدورِ الذنب عن الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - بهذه الآية. وقالوا: لمَّا عُوتبَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم على ذلك الفعل دلَّ على أنَّه كان معصية. قال ابن الخطيب: وهذا بعيد لما ذكرنا في الجواب عن الأول، وأيضاً: فإن هذا من باب الاحتياط وترك الأفضل. قوله تعالى: {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ}؛ الظاهر أنه أجرى التَّرجي مجرى الاستفهام، لما بينهما من معنى الطَّلب في التَّعليق، لأن المعنى منصب على تسليط الدراية على التَّرجي، إذ التقدير: لا يدري ما هو مترجّى منه التركيب، أو التذكر. وقيل: الوقف على "يَدْرِي"، والابتداء بما بعده على معنى: وما يطلعك على أمره، وعاقبة حاله، ثم ابتدأ، فقال: "لعلَّه يزكَّى". فصل في تحرير الضمير في قوله: "لعله" قيل: الضمير في "لعلَّهُ" للكافر، يعني: لعل إذا طمعت في أن يتزكَّى بالإسلام. {أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ ٱلذِّكْرَىٰ} أي: قبول الحق، "وما يدريك" أنَّ ما طمعت فيه كائن، ونظير هذه الآية قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ} تفسير : [الأنعام: 52]. وقوله: {أية : وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} تفسير : [الكهف: 28]. قوله: {أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ ٱلذِّكْرَىٰ}. قرأ عاصم: "فتنفعه" بالنصب. والباقون: بالرفع. فمن رفع، فهو نسق على قوله: "أو يذَّكرُ". ومن نصب، فعلى جواب التَّرجي كقوله في "المؤمن": {أية : فَأَطَّلِعَ} تفسير : [غافر: 37]، وهو مذهب كوفي وقد تقدم الكلام عليه. وقال ابن عطية: في جواب التمني؛ لأنَّ قوله تعالى: {أَوْ يَذَّكَّرُ} في حكم قوله: {لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ}. قال أبو حيان: "وهذا ليس تمنياً إنما هو ترجٍّ". قال شهاب الدين: إنما يريد التًّمني المفهوم من الكلام، ويدلُّ له ما قاله أبو البقاء: "وبالنصب على جواب التمني في المعنى"، وإلاَّ فالفرق بين التمنِّي والترجِّي لا يجهله ابن عطية. وقال مكي: "من نصبه جعله جواب "لَعلَّ" بالفاء؛ لأنَّه غير موجب، فأشبه التَّمني والاستفهام، وهو غير معروف عند البصريين" وقرأ عاصمٌ في رواية الأعرج: "أو يذْكُر" - بسكون الذال، وتخفيف الكاف مضمومة - مضارع "ذكر"، والمعنى: أو يتَّعظ بما يقوله: "فتنفعه الذكرى" أي: العِظَةُ. قوله: {أَمَّا مَنِ ٱسْتَغْنَىٰ} قال عطاء: يريد عن الإيمان، وقال الكلبي: استغنى عن الله، وقال بعضهم: استغنى أثرى؛ وهو فاسد ههنا؛ لأن إقبال النبي - عليه الصلاة والسلام - لم يكن لثروتهم ومالهم حتى يقال له أما من أثرى، فأنت تقبل عليه، ولأنه قال: {وَأَمَّا مَن جَآءَكَ يَسْعَىٰ وَهُوَ يَخْشَىٰ} ولم يقل وهو فقير معدم، ومن قال: أما من استغنى بماله فهو صحيح، لأن المعنى أنه استغنى عن الإيمان والقرآن بما لَهُ من المال. وقوله تعالى: {فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّىٰ} تقدمت فيه قراءتا التثقيل والتخفيف. قال الزجاج: أي: أنت تقبل عليه وتتعرض له وتميل إليه، يقال تصدى فلان لفلان، يتصدّد إذا تعرض له، والأصل فيه تصدد يتصدّد من الصدد، وهو ما استقبلك وصار قبالتك فأبدل أحد الأمثال حرف علة مثل: تظنيت وقصيت، وتقضى البازي قال الشاعر: شعر : 5107ب- تَصدَّى لِوضَّاح كأنَّ جَبينَه سِرَاجُ الدُّجَى يُجْبَى إليه الأساور تفسير : وقيل: هو من الصدى، وهو الصوت المسموع في الأماكن الخالية والأجرام الصلبة. وقيل: من الصدى وهو العطش، والمعنى على التعرض، ويتمحّل لذلك إذا قلنا أصله من الصوت أو العطش. وقرأ أبو جعفر "تُصْدي" بضم التاء وتخفيف الصاد. أي يصديك حرصك على إسلامه. يقال: صدى الرجل وصديته، وقال الزمخشري: وقرئ "تُصدي" بضم التاء أي تعرض، ومعناه يدعوك إلى داع إلى التصدي له؛ من الحرص والتهالك على إسلامه. قوله: {أَلاَّ يَزَّكَّىٰ} مبتدأ خبره "عليك" أي ليس عليك عدم تزكيته. والمعنى لا شيء عليك في أن لا يسلم من تدعوه إلى الإسلام، فإنه ليس عليك إلا البلاغ، أي لا يبلغن بك الحرص على إسلامهم إلى أن تعرض عمن أسلم للاشتغال بدعوتهم. قوله: {يَسْعَىٰ} حال من فاعل "جاءك" والمعنى أن يسرع في طلب الخير، كقوله: {أية : فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ} تفسير : [الجمعة: 9]. وقوله: {وَهُوَ يَخْشَىٰ} جملة حالية من فاعل "يسعى" فهو حال من حال وجعلها حالاً ثانية معطوفة على الأولى ليس بالقوي وفيها ثلاثة أوجه يخشى الله ويخافه في ألاَّ يهتم بأداء تكاليفه، أو يخشى الكفار وأذاهم في إتيانك، أو يخشى الكبوة فإنه كان أعمى، وما كان له قائد. قوله {تَلَهَّىٰ} أصله تتلهى من لهي يلهى بكذا أي اشتغل وليس هو من اللهو في شيء. وقال أبو حيان: ويمكن أن يكون منه لأن ما يبنى على فعل من ذوات الواو تنقلب واوه لانكسار ما قبلها. نحو شقي يشقى. فإن كان مصدره جاء بالياء فيكون من مادة غير مادة اللهو. قال شهاب الدين: الناس إنما لم يجعلوه من اللهو لأجل أنه مسند إلى ضمير النبي صلى الله عليه وسلم ولا يليق بمنصبه الكريم أن ينسب إليه التفعل من اللهو. بخلاف الاشتغال فإنه يجوز أن يصدر منه في بعض الأحيان، ولا ينبغي أن يعتقد غير هذا وإنما سقط الشيخ وقرأ ابن كثير في رواية البزي عنه "عنهو تلهى" بواو وهي صلة لهاء الكناية، وتشديد التاء والأصل تتلهى فأدغم، وجاز الجمع بين ساكنين لوجود حرف علة وإدغام، وليس لهذه الآية نظير. وهو أنه إذا لقي صلة هاء الكناية ساكن آخر ثبتت الصلة بل يجب الحذف، وقرأ أبو جعفر "تُلَهَّى" بضم التاء مبنياً للمفعول. أي يلهيك شأن الصناديد، وقرأ طلحة "تتلهى" بتاءين وهي الأصل، وعنه بتاء واحدة وسكون اللام. فصل فإن قيل قوله: {فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّىٰ} فأنت عنه تلهى كان فيه اختصاصاً. قلنا نعم، ومعناه إنكار التصدي والتلهي عنه، أي مثلك خصوصاً لا ينبغي أن يتصدى للغني، ويتلهى عن الفقير.
البقاعي
تفسير : لما قصره سبحانه على إنذاره من يخشى، وكان قد جاءه صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أم مكتوم الأعمى رضي الله تعالى عنه، وكان من السابقين، وكان النبي صلى الله عليه وسلم حين مجيئه مشتغلاً بدعاء ناس من صناديد قريش إلى الله تعالى، وقد وجد منهم نوع لين، فشرع عبد الله رضي الله عنه يسأله وهو لا يعلم ما هو فيه من الشغل، يسأله أن يقرئه ويعلمه مما عمله الله فكره أن يقطع كلامه مع أولئك خوفاً من أن يفوته منهم ما يرجوه من إسلامهم المستتبع لإسلام ناس كثير من أتباعهم، فكان يعرض عنه ويقبل عليهم، وتظهر الكراهة في وجهه، لاطفه سبحانه وتعالى بالعتاب عن التشاغل عن أهل ذلك بالتصدي لمن شأنه أن لا يخشى لافتتانه بزينة الحياة الدنيا وإقباله بكليته على ما يفنى، فقال مبيناً لشرف الفقر وعلو مرتبته وفضل أهل الدين وإن هانوا، وخسة أهل الدنيا وإن زانوا، معظماً له صلى الله عليه وسلم بسياق الغيبة كما قال سعد بن معاذ رضي الله عنه لما حكم في بني قريظة: وعلى من ههنا - يشير إلى ناحية النبي صلى الله عليه وسلم وهو معرض عنها حياء منه صلى الله عليه وسلم وإجلالاً له: {عبس} أي فعل الذي هو أعظم خلقنا ونجله عن أن نواجهه بمثل هذا العتاب بوجهه فعل الكاره للشيء من تقطيب الوجه بما له من الطبع البشري حين يحال بينه وبين مراده، وآذن بمدحه صلى الله عليه وسلم بأن ذلك خلاف ما طبعه عليه سبحانه من رحمة المساكين ومحبتهم والسرور بقربهم وصحبتهم بقوله {وتولى *} أي كلف نفسه الإعراض عنه رجاء أن يسلم أولئك الأشراف الذين كان يخاطبهم فيتأيد بهم الإسلام ويسلم بإسلامهم أتباعهم فتعلو كلمة الله لأجل {أن جاءه الأعمى *} الذي ينبغي أن يبالغ في العطف عليه وفي إكرامه جبراً لكسره واعترافاً بحقه في مجيئه، وذكره بالوصف للإشعار بعذره في الإقدام على قطع الكلام والبعث على الرأفة به والرحمة له، فكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا رآه بعد ذلك قال:"حديث : مرحباً بمن عاتبني فيه ربي"تفسير : واستخلفه على المدينة الشريفة عند غزوه مرتين، قال أنس بن مالك رضي الله عنه: ورأيته يوم القادسية عليه درع ومعه راية سوداء رضي الله عنه. ولما عرف بسياق الغيبة ما أريد من الإجلال، وكان طول الإعراض موجباً للانقباض، أقبل عليه صلى الله عليه وسلم فقال: {وما يدريك} أي وأي شيء يجعلك دارياً بحاله وإن اجتهدت في ذلك فإن ذوات الصدور لا يعلمها إلا الله تعالى {لعله} أي الأعمى {يزكى} أي يكون بحيث يرجى تطهره ونمو أحواله الصالحة بما يسمع منك ولو على أدنى الوجوه بما يشير إليه إدغام تاء الافتعال، وكذا قوله: {أو يذكر} أي أو يقع منه التذكر لشيء يكون سبباً لزكائه وتذكره ولو كان ذلك منه على أدنى الوجوه المخرجة من الكفر فإن الخير لا يحقر شيء منه، وسبب عن تزكيه وتذكره قوله: {فتنفعه} أي عقب تذكره وسببه {الذكرى *} وفي ذلك إيماء إلى أن الإعراض كان لتزكية غيره وتذكره، وقراءة النصب على أنه جواب "لعل". ولما ذكر العبوس والتولي عنه فأفهما ضدهما لمن كان مقبلاً عليهم، بين ذلك فقال: {أما من استغنى *} أي طلب الغنى وهو المال والثروة فوجده وإن لم يخش ولم يجىء إليك {فأنت له} أي دون الأعمى {تصدى *} أي تتعرض بالإقبال عليه والاجتهاد في وعظه رجاء إسلامه وإسلام أتباعه بإسلامه وهم عتبة بن ربيعة وأبو جهل وأبي وأمية ابنا خلف، وأشار حذف تاء التفعل في قراءة الجماعة وإدغامها في قراءة نافع وابن كثير إلى أن ذلك كان على وجه خفيف كما هي عادة العقلاء.
السيوطي
تفسير : وأخرج ابن الضريس عن أبي وائل: "حديث : أن وفد بني أسد أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقال: من أنتم؟ فقالوا: نحن بنو الزينة أحلاس الخيل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أنتم بنو رشدة فقال الحضرمي بن عامر: والله لا نكون كبني المحوسلة، وهم بنو عبدالله بن غطفان كان يقال لهم بنو عبد العزى بن غطفان. فقال النبي صلى الله عليه وسلم للحضرمي: هل تقرأ من القرآن شيئاً؟ قال: نعم، فقال: اقرأه فقرأ من {عبس وتولى} ما شاء الله أن يقرأ، ثم قال: وهو الذي منَّ على الحبلى فأخرج منها نسمة تسعى بين شراسيف وحشا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تزد فيها فإنها كافية ". تفسير : وأخرج ابن النجار عن أنس قال: "حديث : استأذن العلاء بن يزيد الحضرمي على النبي صلى الله عليه وسلم، فأذن له فتحدثا طويلاً ثم قال له: يا علاء تحسن من القرآن شيئاً؟ قال: نعم، ثم قرأ عليه عبس حتى ختمها فانتهى إلى آخرها وزاد في آخرها من عنده: وهو الذي أخرج من الحبلى نسمة تسعى من بين شراسيف وحشا فصاح به النبي صلى الله عليه وسلم: يا علاء إنته فقد انتهت السورة"تفسير : والله أعلم. أخرج الترمذي وحسنه وابن المنذر وابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه عن عائشة قالت: أنزل سورة عبس وتولى في ابن أم مكتوم الأعمى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يقول: يا رسول الله أرشدني وعند رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من عظماء المشركين، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض عنه، ويقبل على الآخر، ويقول أترى بما أقول بأساً فيقول لا، ففي هذا أنزلت. وأخرج ابن المنذر وابن مردويه عن عائشة قالت: حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلس من ناس من وجوه قريش منهم أبو جهل بن هشام وعتبة بن ربيعة فيقول لهم أليس حسناً أن جئت بكذا وكذا؟ فيقولون: بلى والله، فجاء ابن أم مكتوم وهو مشتغل بهم فسأله فأعرض عنه، فأنزل الله {أما من استغنى فأنت له تصدى وأما من جاءك يسعى وهو يخشى فأنت عنه تلهى} يعني ابن أم مكتوم . تفسير : وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وأبو يعلى عن أنس قال: جاء ابن أم مكتوم إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يكلم أبيّ بن خلف، فأعرض عنه، فأنزل الله {عبس وتولى أن جاءه الأعمى} فكان النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك يكرمه. وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس قال:حديث : بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يناجي عتبة بن ربيعة والعباس بن عبد المطلب وأبا جهل بن هشام، وكان يتصدى لهم كثيراً، ويحرص أن يؤمنوا، فأقبل إليه رجل أعمى يقال له عبدالله بن أم مكتوم يمشي وهو يناجيهم، فجعل عبدالله يستقرىء النبي صلى الله عليه وسلم آية من القرآن. قال يا رسول الله: علمني مما علمك الله، فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبس في وجهه، وتولى، وكره كلامه، وأقبل على الآخرين. فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم نجواه، وأخذ ينقلب إلى أهله أمسك الله ببعض بصره ثم خفق برأسه ثم أنزل الله {عبس وتولى أن جاءه الأعمى} فلما نزل فيه ما نزل أكرمه نبي الله وكلمه يقول له: ما حاجتك؟ هل تريد من شيء؟ ". تفسير : وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن أبي مالك في قوله: {عبس وتولى} قال: جاءه عبدالله بن أم مكتوم فعبس في وجهه وتولى، وكان يتصدى لأمية بن خلف، فقال الله: {أما من استغنى فأنت له تصدى} . وأخرج ابن أبي حاتم عن الحكم قال: ما رؤي رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية متصدياً لغني ولا معرضاً عن فقير. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال: لو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتم شيئاً من الوحي كتم هذا عن نفسه. وأخرج الطبراني وابن مردويه عن أبي أمامة قال: "حديث : أقبل ابن أم مكتوم الأعمى وهو الذي نزل فيه {عبس وتولى أن جاءه الأعمى} فقال يا رسول الله كما ترى قد كبرت سني ورق عظمي وذهب بصري ولي قائد لا يلائمني قياده إياي فهل تجد لي من رخصة أصلي الصلوات الخمس في بيتي؟ قال هل تسمع المؤذن؟ قال: نعم، قال: ما أجد لك من رخصة ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن كعب بن عجرة: "حديث : إن الأعمى الذي أنزل الله فيه {عبس وتولى} أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أني أسمع النداء ولعلي لا أجد قائداً، فقال: إذا سمعت النداء فأجب داعي الله ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: {أن جاءه الأعمى} قال: رجل من بني فهر اسمه عبدالله بن أم مكتوم {أما من استغنى} عتبة بن ربيعة وأميه بن خلف. وأخرج ابن سعد وابن المنذر عن الضحاك في قوله: {عبس وتولى} قال: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم لقي رجلاً من أشراف قريش فدعاه إلى الإِسلام، فأتاه عبدالله بن أم مكتوم، فجعل يسأله عن أشياء من أمر الإِسلام، فعبس في وجهه، فعاتبه الله في ذلك، فلما نزلت هذه الآية دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن أم مكتوم فأكرمه، واستخلفه على المدينة مرتين. وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه في شعب الإِيمان عن مسروق قال: دخلت على عائشة وعندها رجل مكفوف تقطع له الأترج وتطعمه إياه بالعسل، فقلت: من هذا يا أم المؤمنين؟ فقالت: هذا ابن أم مكتوم الذي عاتب الله فيه نبيه صلى الله عليه وسلم قالت: أتى نبي الله وعنده عتبة وشيبة فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهما فنزلت {عبس وتولى أن جاءه الأعمى} ابن أم مكتوم. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم مستخلياً بصنديد من صناديد قريش وهو يدعوه إلى الله وهو يرجو أن يسلم إذ أقبل عبدالله بن أم مكتوم الأعمى، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم كره مجيئه، وقال في نفسه: يقول هذا القرشي إنما أتباعه العميان والسفلة والعبيد، فعبس فنزل الوحي {عبس وتولى} إلى آخر الآية. أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة {في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة} قال: هي عند الله {بأيدي سفرة} قال: هي القرآن. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة {بأيدي سفرة} قال: كتبة. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن وهب بن منبه {بأيدي سفرة كرام بررة} قال: هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال: السفرة الكتبة من الملائكة. وأخرج ابن أبي حاتم وابن المنذر من طريق علي عن ابن عباس في قوله: {بأيدي سفرة} قال: كتبة. وأخرج الخطيب في تاريخه عن عطاء بن أبي رباح مثله. وأخرج ابن أبي حاتم وابن المنذر عن ابن عباس {سفرة} قال: بالنبطية القراء. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: {كرام بررة} قال: الملائكة. وأخرج أحمد والأئمة الستة عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلمحديث : الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة والذي يقرؤه، وهو عليه شاق له أجرانتفسير : والله أعلم.
ابو السعود
تفسير : مكية وآيُها اثنتان وأربعون {عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ * أَن جَاءهُ ٱلأَعْمَىٰ} رُويَ أنَّ ابنَ أمِّ مكتومٍ واسمُه عبدُ اللَّه بنُ شُريحِ بنِ مالكِ بنِ أبـي ربـيعةَ الفهريُّ وأمُّ مكتومٍ اسمُ أبـيهِ أتَى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وعندَهُ صناديدُ قريشٍ عتبةُ وشيبةُ ابنا ربـيعةَ وأبُو جهل بنُ هشامٍ والعباسُ بنُ عبدِ المطلبِ وأميةُ بنُ خلفٍ والوليدُ بنُ المغيرةِ يدعُوهم إلى الإسلامِ رجاءَ أنْ يسلمَ بإسلامِهم غيرُهم فقالَ له: يا رسولَ الله أقرئْنِي وعلمنِي مما علمكَ الله تعالَى، وكررَ ذلكَ وهو لا يعلمُ تشاغلَهُ عليه الصلاةُ والسلامُ بالقوم فكرِه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم قطعَهُ لكلامِه وعبسَ وأعرضَ عنه فنزلتْ. فكانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يكرمُه ويقولُ إذا رآه: « حديث : مرحباً بمن عاتبَني فيه ربِّـي » تفسير : ويقولُ لهُ: « حديث : هل لكَ من حاجةٍ » تفسير : واستخلفَهُ على المدينة مرتينِ وقرىء عبَّس بالتشديدِ للمبالغةِ وأنْ جاءَهُ علةٌ لتولَّى أو عَبَس على اختلافِ الرأيـينِ أيْ لأَنْ جاءَهُ الأعمى والتعرضُ لعنوانِ عماهُ إمَّا لتمهيدِ عُذرِه في الإقدامِ على قطعِ كلامِه عليه الصلاةُ والسلامُ بالقومِ والإيذانِ باستحقاقِه بالرفقِ والرأفةِ وإمَّا لزيادةِ الإنكارِ كأنَّه قيلَ: تولَّى لكونِه أَعْمى كما أنَّ الالتفاتَ في قولِه تعالى: {وَمَا يُدْرِيكَ} لذلكَ فإنَّ المشافهةَ أدخلُ في تشديدِ العتابِ أيْ وأيُّ شيءٍ يجعلُكَ دارياً بحالِه حتى تُعرضَ عنْهُ وقولُه تعالى: {لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ} استئنافٌ واردٌ لبـيانِ ما يلوحُ به ما قبلَه فإنه معَ إشعارِه بأنَّ له شأناً منافياً للإعراضِ عنه خارجاً عن درايةِ الغيرِ وادرائِه مؤذنٌ بأنه تعالَى يُدريه ذلكَ أي لعلَّه يتطهرُ بما يقتبسُ منكَ من أوضارِ الأوزارِ بالكليةِ وكلمةُ لعلَّ مع تحققِ التزكِّي واردةٌ على سَننِ الكبرياءِ أو على اعتبارِ مَعْنى الترجِّي بالنسبةِ إليه عليه الصلاةُ والسلامُ للتنبـيه على أن الإعراضَ عنه عند كونِه مرجوَّ التزكِّي مما لا يجوزُ فكيفَ إذا كان مقطوعاً بالتزكِّي كما في قولِك: لعلَّك ستندمُ على ما فعلتَ وفيه إشارةٌ إلى أنَّ من تصدَّى لتزكيتهم من الكفرة لا يُرجى منهم التزكِّي والتذكُّرِ أصلاً.
السلمي
تفسير : قال بعضهم فى قوله: {عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ * أَن جَآءَهُ ٱلأَعْمَىٰ} عاتب الله نبيه صلى الله عليه وسلم بألطف عتاب وهو ما عاتبه به فى الفقراء الصادقين أعلمه بذلك رتبة الفقر وتعظيم أهله.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ أَن جَآءَهُ ٱلأَعْمَىٰ}. نَزَلَت في ابن أمِّ مكتوم، وكان ضريراً.. أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم وكان عنده العباس بن عبد المطلب وأمية بن خلف الجُمْحي - يرجو الرسول صلى الله عليه وسلم إيمانَهما، فَكَرِه أَنْ يَقْطَعَ حديثَه معهما، فأعرض عن ابن أمِّ مكتوم، وعَبَسَ وَجْهُه، فأنزل اللَّهُ هذه الآية. وجاء في التفسير: أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم خرج على أثرِه، وأَمَرَ بطلبِه، وكان بعد ذلك يَبَرُّه ويُكْرِمُه، فاستخلفه على المدينة مرتين. وجاء في التفسير: أنه صلى الله عليه وسلم لم يَعْبَسْ - بعد هذا - في وجهِ فقيرٍ قط، ولم يُعْرِضْ عنه. ويقال: في الخطاب لُطْفٌ... وهو أنه لم يواجهه بل قالَه على الكناية، ثم بعده قال: {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ}. أي يتذكر بما يتعلم منك أو. {أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ ٱلذِّكْرَىٰ}.
البقلي
تفسير : {عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ أَن جَآءَهُ ٱلأَعْمَىٰ} بين الله سبحانه ههنا درجة الفقر وتعظيم اهله وخسة الدنيا وتحقير اهلها وان الفقر اذا كان نعت الصادق فى المعرفة والمحبة كان شرفا له وهو من اهل الصحبة ولا يجوز الاشتغال الصحبة الاغنياء ودعوتهم الى طريق الفقر اذا كان سجيتهم لم يكن سيجة اهل المعرفة فاذا كان حالهم كذلك لا ياتون الى طريق الحق بنعت التجريد فالصحبة ضائع الا ترى كيف عاتب الله نبيه صلى الله عليه وسلم بهذه الأية.
اسماعيل حقي
تفسير : {عبس} من الباب الثانى والعبس والعبوس ترش روى شدن يعنى ترش كرد روى خودرا محمد عليه السلام {وتولى} اعرض يعنى روى بكردانيد
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {عَبَسَ} أي: كلح {وتَوَلَّى}؛ أعرض {أن جاءه} أي: لأن جاءه {الأعمَى}، وهو عبدالله ابن أمِّ مكتوم، وأمُّ مكتوم: أمُّ أبيه، وأبوه: شريح بن مالك بن ربيعة الفهري، وذلك أنه أتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وعنده صناديد قريش، عُتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأبو جهل، والعباس بن عبد المطلب، وأمية بن خلف، والوليد بن المغيرة، يدعوهم إلى الإسلام، رجاء أن يسلم بإسلامهم غيرُهم، فقال: يا رسول الله, علِّمني مما علمك الله، وكرر ذلك، وهو لا يعلم تشاغله صلى الله عليه وسلم بالقوم، فَكَرِه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم قطعه لكلامه، وعبس وأعرض عنه، فنزلت، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُكرمه، ويقول إذا رأه: "حديث : مرحباً بمَن عاتبني فيه ربي "تفسير : ، ويقول: "حديث : هل لك من حاجة "تفسير : ، واستخلفه على المدينة مرتين. ولم يُواجهه ـ تعالى ـ بالخطاب، فلم يقل: عبستَ وتوليتَ؛ رفقاً به وملاطفة؛ لأنَّ مواجهة العتاب من رب الأرباب من أصعب الصعاب، خلافاً للزمخشري وابن عطية ومَن وافقهما. و" أن جاءه": علة لـ"تولَّى"، أو "عبس"، على اختلاف المذهبين في التنازع، والتعرُّض لعنوان عماه إمّا لتمهيد عذره في الإقدام على قطع كلامه عليه السلام بالقوم، والإيذان باستحقاقه بالرفق والرأقة، وإمّا لزيادة الإنكار، كأنه تولَّى عنه لكونه أعمى. قاله أبو السعود. {وما يُدْرِيك} أي: أيّ شيء يجعلك دارياً بحال هذا الأعمى حتى تُعرض عنه {لعله يَزَّكَّى}؛ لعل الأعمى يتطهّر بما سمع منك من دنس الجهل، وأصله: يتزكَّى، فأدغم. وكلمة الترجي مع تحقق الوقوع وارد على سنن الكبرياء، أو: على أنّ الترجّي بالنسبة إليه عليه السلام للتنبيه على أنَّ الإعراض عنه عند كونه مرجواً للتزكِّي مما لا ينبغي، فكيف إذا كان مقطوعاً بالتزكِّي، وفيه إشارة إلى أنَّ مَن تصدّى لتزكيتهم من الكفرة لا يرجى لهم التزكّي والتذكُّر أصلاً. وقوله تعالى: {أو يذَّكَّرُ}: عطف على "يزّكى"، داخل في حكم الترجي، قوله: {فتَنفَعه الذِكرَى}: عطف على "يذَّكَّر"، ومَن نصبه فجواب الترجي، أي: أو يتذكر فتنفعه موعظتك إن لم يبلغ درجة التزكي التام، أي: إنك لا تدري ما هو مترقَب منه مِن تزكٍّ أو تذكُّر، ولو دريت لَمَا فرط ذلك منك. {أمَّا مَن استغنى} أي: مَن كان غنياً بالمال، أو: استغنى عن الإيمان، أو عما عندك من العلوم والمعارف التي انطوى عليه القرآن {فأنت له تَصَدّى}؛ تتصدى وتتعرض له بالإقبال عليه، والاهتمام بإرشاده واستصلاحه. وفيه مزيد تنفير له صلى الله عليه وسلم عن مصاحبتهم، فإنّ الإقبال على المدبِر ليس من شأن الكرام، أهل الغنى بالله. {وما عليك ألاَّ يزَّكَّى} أي: وليس عليك بأس في ألاَّ يزَّكّى بالإسلام حتى تهتم بأمره، وتُعرض عمن أسلم وأقبل إليك، وقيل: "ما" استفهامية، أي: أيُّ شيء عليك في ألاّ يزكّى هذا الكافر. {وأمّا مَن جاءك يسعى} أي: حال كونه مسرعاً طالباً لِما عندك من أحكام الرشد، وخصال الخير، {وهو يخشى} الله تعالى أو الكفار، أي: أذاهم في إتيانك، أو: الكبوة، أي: السقطة، كعادة العميان، {فأنت عنه تَلَهَّى}؛ تتشاغل، وأصله: تتلهى. رُوي: أنه صلى الله عليه وسلم ما عبس بعدها في وجه فقير قط، ولا تصدَّى لغَني بعدُ. {كلاَّ} أي: لا تَعُدْ إلى مثلها. وحاصل العتاب: ترجيح الإقبال على مَن فيه القبول والأهلية للانتفاع، دون مَن ليس كذلك ممن فيه استغناء، وإن كان قصده عليه السلام صالحاً، ولكن نبَّهه اللّهُ ـ تعالى ـ على طريق الأولى في سلوك الدعوة إليه، وأنّ مظنة ذلك الفُقراء؛ لتواضعهم، بخلاف الأغنياء، لتكبُّرهم وتعاظمهم. ولذلك لم يتعرض صلى الله عليه وسلم لغَنِي بعدها، ولم يُعرض عن فقير، وكذلك ينبغي لفضلاء أمته من العلماء الدعاة إلى الله، وقد كان الفقراء في مجلس الثوري أُمراء. ثم قال تعالى: {إِنها تذكرةٌ}؛ موعظة يجب أن يُتعظ بها، ويُعمل بموجبها، وهو تعليل للردع عما ذكر ببيان رتبة القرآن العظيم الذي استغنى عنه مَن تصدّى له، {فمَن شاء ذّكَرَه} أي: فمَن شاء اللّهُ أن يذكره ذكره. أي: ألهمه الله الاتعاظ به، أو: مَن شاء حفظه واتعظ به، ومَن رغب عنها، كما فعله المستغني، فلا حاجة إلى الاهتمام بأمره. وذكّر الضمير؛ لأنَّ التذكرة في معنى الذكر والوعظ. وقال أبو السعود: الضميران للقرآن، وتأنيث الأول لتأنيث خبره، وقيل: الأول للسورة، أو للآيات السابقة، والثاني للتذكرة؛ لأنها في معنى الذكر والوعظ، وليس بذلك؛ فإنَّ السورة والآيات وإن كانت متصفة بما سيأتي من الصفات الشريفة، لكنها ليست مما ألقي على المستغنى عنه، واستحق بسبب ذلك ما سيأتي من الدعاء عليه، والتعجب مِن كفره المفرط، لنزولها بعد الحادثة، وأمّا مَن جَوْز رجوعهما إلى العتاب المذكور، فقد أخطأ وأساء الأدب، وخبط خبطاً يقضي منه العجب، فتأمّل. هـ. وحاصِلُ المعنى: أنَّ هذه الآيات ـ أي آيات القرآن ـ تذكرة، فمَن شاء فليتعظ بها، حاصلة {في صُحُفٍ} منتسخة من اللوح، {مُكَرَّمةٍ} عند الله عزّ وجل، {مرفوعةٍ} في السماء السابعة، أو: مرفوعة المقدار والمنزِلة، {مُطَهَّرةٍ} عن مساس أيدي الشياطين، أو: عما ليس من كلام الله تعالى أو: مِن خللٍ في اللفظ أو المعنى، {بأيدي سَفَرَةٍ} أي: كَتَبَة من الملائكة، يستنسخون الكتبَ من اللوح، على أنه جمع: "سافِرٍ"، من السَّفْر، وهو الكتب، وقيل: بأيدي رسل من الملائكة يَسْفِرون بالوحي، بينه تعالى وبين أنبيائه، على أنه جمع "سفير" من السِفارة، وحَمْل "السَفَرة" على الأنبياء ـ عليهم السلام ـ أو على القُراء، لأنهم يقرؤون الأسفار، أو على الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ بعيد؛ لأنَّ هذه اللفظة مختصة بالملائكة، لا تكاد تُطلق على غيرهم، وقال القرطبي: " المراد بقوله تعالى في الواقعة: {أية : لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ ٱلْمُطَهَّرُونَ}تفسير : [الواقعة:79] هؤلاء السَفَرة". {كِرام} عند الله تعالى، أو: متعطفين على المؤمنين يكلؤونهم ويستغفرون لهم، {بررةٍ}؛ أتقياء، أو: مطيعين لله تعالى، من قولهم: فلان يبر خالقه، أي: يُطيعه، أو: صادقين، من قولهم: برّ في يمينه: صدق. والله تعالى أعلم. الإشارة: ينبغي للداعي إلى الله أن ينبسط عند الضعفاء، ويُقبل عليهم بكليته ويواجههم بالبشاشة والفرح، سواء كانوا ضعفاء الأموال، أو ضعفاء الأبدان، كالعُميان والمحبوسين والمرضى، أو: ضعفاء اليقين، إن أقبلوا إليه, فقد كان الشيخ أبو العباس المرسي يحتفل بملاقاة أهل العصيان والجبابرة أكثر مِن غيرهم، فقيل له في ذلك، فقال: هؤلاء يأتونا فقراء منكسرين، بخلاف غيرهم من العلماء والصالحين. قلت: وكذلك رأيتُ حال أشياخنا ـ رضي الله عنهم ـ يَبرون بالجبابرة وأهل العصيان، ليجرُّوهم بذلك إلى الله تعالى، قالوا: يأتينا الرجل سَبُع فنهلس عليه فيرجع ذئباً، ثم نهلس عليه فيرجع قِطاً، ثم نجعل السلسلة في عنقه ونقوده إلى ربه. نَعَم إن تزاحم حق الفقراء وحق الجبابرة في وقت واحدٍ قدّم حقَّ الفقراء؛ لشرفهم عند الله، إلاّ إن كانوا راسخين، فيُقَدِّم عليهم غيرهم؛ لأنهم حينئذ يحبون الإيثار عليهم. قال الورتجبي: بيَّن الله تعالى هنا ـ يعني في هذه الآية ـ درجةَ الفقر، وتعظيم أهله، وخِسّة الدنيا، وتحقير أهلها، وأنَّ الفقير إذا كان بنعت الصدق والمعرفة والمحبة كان شرفاً له، وهو من أهل الصُحبة، ولا يجوز الاشتغال بصُحبة الأغنياء، ودعوتهم إلى طريق الفقراء، إذا كان سجيتهم لم تكن بسجية أهل المعرفة، فإذا كان حالهم كذلك لا يأتون إلى طريق الحق بنعت التجريد، فالصُحبة معهم ضائعة، إلا ترى كيف عاتب الله نبيَّه بهذه الآية بقوله: {أمّا مَن استغنى..} الآية، كيف يتزكَّى مَن خُلق على جبِلة حب الدنيا والعمى عن الآخرة والعُقبى. هـ. ثم دعا على مَ استغنى عن القرآن، فقال: {قُتِلَ ٱلإِنسَانُ مَآ أَكْفَرَهُ}.
الطوسي
تفسير : قرأ عاصم وحده {فتنفعه الذكرى} بالنصب على أنه جواب (لعل) فجرى مجرى جواب الأمر والنهي، لان (لعل) للترجمي فهي غير واجبة، كما أن الامر غير واجب في حصول ما تضمنه. الباقون بالرفع عطفاً على {يذكر}. وقرأ نافع وابن كثير {تصدى} مشددة الصاد على أن معناه تتصدى فأدغم، أحدى التائين في الصاد لقرب مخرجهما. الباقون {تصدى} بتخفيف الصاد باسقاط أحدى التائين. وقرأ ابن ابي بزة وابن فليح عن ابن كثير {تلهى} بتشديد اللام بمعنى تتلهى، فأدغم احدى التائين في اللام. الباقون بتخفيف اللام وحذف احدى التائين يقول الله تعالى {عبس وتولى} ومعناه قبض وجهه وأعرض، فالعبوس تقبض الوجه عن تكره، والعبوس البسور وهو التقطيب وعبس فلان في وجه فلان مثل كلح، ومنه اشتق اسم عباس، ومعنى {تولى} أعرض وذهب بوجهه عنه فصرفه عن ان يليه يقال: تولى عنه بمعنى أعرض عنه، وتولاه بخلاف تولى عنه، فان تولاه بمعنى عقد على نصرته، وتولى عنه أعرض. وقوله {أن جاءه الأعمى} معناه عبس لأن جاءه الاعمى، وقال ابن خالويه: تقديره إذ جاءه الاعمى، المراد به عبد الله بن أم مكتوم - في قول ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك وابن زيد - وقال الفراء: كانت أم مكتوم أم ابيه. وقال غيره: كانت أمه. وقال ابن خالويه ابوه يكنى أبا السرج. واختلفوا فيمن وصفه الله تعالى بذلك، فقال كثير من المفسرين وأهل الحشو: إن المراد به النبي صلى الله عليه وآله قالوا وذلك أن النبي صلى الله عليه وآله كان معه جماعة من أشراف قومه ورؤسائهم قد خلا بهم فاقبل ابن أم مكتوم ليسلم فأعرض النبي صلى الله عليه وآله عنه كراهية أن تكره القوم إقباله عليه فعاتبه الله على ذلك. وقيل: إن ابن أم مكتوم كان مسلماً، وإنما كان يخاطب النبي صلى الله عليه وآله وهو لا يعلم أن رسول الله مشغول بكلام قوم، فيقول يا رسول الله. وهذا فاسد، لان النبي صلى الله عليه وآله قد أجل الله قدره عن هذه الصفات، وكيف يصفه بالعبوس والتقطيب، وقد وصفه بأنه {أية : لعلى خلق عظيم}تفسير : وقال {أية : ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك}تفسير : وكيف يعرض عمن تقدم وصفه مع قوله تعالى {أية : ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه}تفسير : ومن عرف النبي صلى الله عليه وآله وحسن أخلاقه وما خصه الله تعالى به من مكارم الاخلاق وحسن الصحبة حتى قيل إنه لم يكن يصافح احداً قط فينزع يده من يده، حتى يكون ذلك الذي ينزع يده من يده. فمن هذه صفته كيف يقطب في وجه أعمى جاء يطلب الاسلام، على أن الانبياء عليهم السلام منزهون عن مثل هذه الاخلاق وعما هو دونها لما في ذلك من التنفير عن قبول قولهم والاصغاء إلى دعائهم، ولا يجوز مثل هذا على الانبياء من عرف مقدارهم وتبين نعتهم. وقال قوم: إن هذه الآيات نزلت في رجل من بني أمية كان واقفاً مع النبي صلى الله عليه وآله، فلما اقبل ابن أم مكتوم تنفر منه، وجمع نفسه وعبس في وجهه وأعرض بوجهه عنه فحكى الله تعالى ذلك وانكره معاتبة على ذلك. وقوله {وما يدريك} خطاب للنبي صلى الله عليه وآله وتقديره {قل} يا محمد {وما يدريك لعله يزكى} وإنما اضاف العبوس إلى النبي صلى الله عليه وآله من أضاف {وما يدريك} أنه رآه متوجهاً اليه ظن انه عتب له دون أن يكون متوجهاً اليه على أن يقول لمن فعل ذلك ويوبخه عليه. ومعنى قوله {يزكى} أي يتزكى بالعمل الصالح، فأدغم التاء في الزاي، كما أدغمت في الذال في قوله {يذكر} ومعناه يتذكر، ولا يجوز إدغام الزاي في التاء، لأنها من حروف الصفير، وهي الصاد والسين والزاي. وقوله {أو يذكر} معناه أو يتذكر ما أمره الله تعالى به، ويفكر فيما أمره بالفكر فيه. وقد حث الله تعالى على التذكير في غير موضع من القرآن فقال {أية : وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين}تفسير : وقال {أية : إنما يتذكر أولو الألباب}تفسير : وينبغي للانسان أن يستكثر من ذكر ما يدعو إلى الحق ويصرف عن الباطل. ثم بين انه متى يذكر {فتنفعه الذكرى} أي الفكر فيما أمره الله به من القرآن وغيره من الادلة. وقوله {أما من استغنى} معناه أما من كان غنياً أو وجدته موسراً، فالاستغناء الاكتفاء بالأمر فيما ينفي الضرر وقد يكتفى الاناء فى ملئه بما فيه، فلا يستغني استغناء فى الحقيقة. وقوله {فأنت له تصدى} فالتصدى هو التعرض للشيء كتعرض العطشان للماء. وأصله الصدى، وهو العطش. ورجل صديان أي عطشان والصدى الصوت الذي يرده الجبل أو الحمام ونحوهما، قال مجاهد: المراد بـ {من استغنى} عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة. وقال سفيان: نزلت في العباس، فقال الله تعالى {وما عليك ألا يزكى} أي قل له وما عليك ألا يتزكى، فالتزكي هو التطهر من الذنوب، واصله الزكاء وهو النماء، فلما كان الخير ينمي للانسان بالتطهر من الذنوب كان تزكياً. ثم قال {وأما من جاءك يسعى وهو يخشى} يعني عبد الله بن أم مكتوم جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله، وهو يخشى معصية الله والكفر، والخشية هي الحذر من مواقعة المعصية خوفاً من عقاب الله تعالى {فأنت عنه تلهى} أي تعرض عنه فالتلهي عن الشيء هو التروح بالاعراض عنه والتلهي به التروح والاقبال عليه ومنه قولهم إذا استأثر الله بشيء فاله عنه أي اتركه وأعرض عنه.
الجنابذي
تفسير : {عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ} قيل: نزلت الآية فى عبد الله بن امّ مكتوم كان اعمى وذلك انّه جاء الى رسول الله (ص) وعنده جمع من صناديد قريش يدعوهم الى الاسلام وفى روايةٍ كان عنده عتبة بن ربيعة وابو جهل والعبّاس وأبىّ واميّة ابنا خلف يدعوهم الى الله ويرجو اسلامهم فقال: يا رسول الله (ص) اقرأنى وعلّمنى ممّا علّمك الله فجعل يناديه ويكرّر النّداء ولا يدرى انّه مشتغل بغيره، فظهرت الكراهة فى وجه رسول الله (ص) ويقول فى نفسه: يقول هؤلاء الصّناديد انّما اتباعه العميان والعبيد فأعرض عنه وأقبل على القوم وكان رسول الله (ص) بعد ذلك يكرمه ويقول: مرحباً بمن عاتبنى فيه ربّى، وروى عن الصّادق (ع): انّ المراد كان رجلاً من بنى اميّة كان عند النّبىّ (ص) فجاء ابن امّ مكتوم فلمّا رآه تقذّر منه وجمع نفسه واعرض عنه فحكى الله سبحانه ذلك وأنكره عليه، وعن القمّىّ انّها فى عثمان وابن امّ مكتومٍ وكان مؤذّناً لرسول الله (ص) وجاء الى رسول الله (ص) فقدّمه رسول الله (ص) على عثمان فعبس عثمان وجهه وتولّى عنه.
الأعقم
تفسير : {عبس} أي بسر {وتولى} أعرض {أن جاءه الأعمى} {وما يدريك لعله يزكى} يتطهر بالأعمال الصالحة {أو يذكّر} آيات الله {فتنفعه} ذلك {الذكرى}، وقيل: يتعظ فتنفعه الموعظة {أما من استغنى} هذا عتاب حين اشتغل بالأغنياء عن الفقراء {فأنت له تصدى} تتعرض وتصغي إلى كلامه وتقبل عليه {وما عليك ألاَّ يزكّى} أي شيء يلزمك إن لم يسلم إنما عليك البلاغ {وأمَّا من جاءك يسعى} يمشي يعني الأعمى {وهو يخشى} أي يخاف الله {فأنت عنه تلهى} تتغافل وتعرض وتتشاغل بغيره {كلا} ردع وزجر أي لا تفعل ذلك بعدها فليس لك بمرضي ولا يليق بأخلاقك، وقيل: معناه حقّاً {إنها} قيل: السورة، وقيل: الموعظة، وقيل: آيات القرآن، وقيل: هذه الآيات في هذه السورة {تذكرة} أي تبصرة وعظة واعتبار {فمن شاء ذكره} القرآن والمواعظ {في صحف} جمع صحيفة والعرب تسمي كل مكتوب فيه صحيفة {مكرَّمة} أي كتب معظمة عند الله، قيل: تعظمها الملائكة لما فيها من العلم والحكمة، وقيل: معظمة عند المؤمنين، واختلفوا في تلك الصحف قيل: اللوح المحفوظ، وقيل: الصحف التي في السماء، وقيل: كتب الأنبياء المنزلة عليهم كقوله: {أية : إن هذا لفي الصحف الأولى} تفسير : [الأعلى: 18] {مرفوعة} رفيعة القدر عند الله تعالى {مطهّرة} عن أن ينالها، أي الطغاة والكفار لأنها في أيدي الملائكة، وقيل: مطهرة من كل دنس، وقيل: مطهرة من الشك والشبهة {بأيدي سفرة} كتبة ينسخون الكتب من اللوح {بررة} أتقياء، وقيل: السفرة، وقيل: أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقيل: هم الأنبياء والمؤمنون.
الهواري
تفسير : تفسير سورة عبس، وهي مكية كلها { بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله عز وجل: {عَبَسَ وَتَوَلَّى أَن جَآءَهُ الأَعْمَى} أي: لأن جاءه الأعمى. ذكروا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مع رجل من المشركين من وجوههم وأشرافهم، وهو يدعوه إلى الإسلام، والناس تَبَعٌ لوجوههم وأشرافهم. فرجا النبي عليه السلام أن يؤمن فيتبعه ناس من قومه. فهو يكلمه، وقد طمع في ذلك منه، إذ جاء ابن أم مكتوم، وكان أعمى، فأعرض عنه النبي عليه السلام وأقبل على الرجل. وبلغنا أن الرجل أمية بن خلف. وتفسير مجاهد أنه عتبة بن ربيعة أو شيبة بن ربيعة. فجعل ابن أم مكتوم لا يَتَقارُّ لما أعرض عنه النبي مخافة أن يكون حدث فيه شيء، فأنزل الله تعالى: {عَبَسَ وَتَوَلَّى أَن جَآءَهُ الأَعْمَى}. قال: {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى} أي: يؤمن. {أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى}. {أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى} أي: عن الله {فَأَنتَ لَهُ} بوجهك {تَصَدَّى} أي: تتعرّض {وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى} أي: ألا يؤمن. {وَأَمَّا مَن جَآءَكَ يَسْعَى} أي: يسارع في الخير {وَهُوَ يَخْشَى} أي: يخشى الله، يعني ابن أم مكتوم. {فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّى} أي: فأنت عنه تعرض.
اطفيش
تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم {عَبَسَ} انقبض وجهه صلى الله عليه وسلم وقرئ بالتشديد لمبالغة *{وَتَوَلَّى} أعرض.
اطفيش
تفسير : {عَبَسَ} هو أى محمد فى حضرة الأَعمى وعبر بالإِضمار له - صلى الله عليه وسلم - إِجلالا بأَنه يعلم ولو لم يذكر وللعلم به من وقوع القصة ومشاهدتها ولإِيهام أن من صدر منه ذلك غيره لأَنه لم يصدر منه مثله قبل ولا يصدر بعد والخطاب فى مواضع بعد ذلك تأكيد فى العتاب كما تلوم أحداً بأسلوب الغيبة ثم يزداد قصدك فى العتاب ويشتد فتقبل عليه بالخطاب فيه أو الخطاب بعد ذلك إِيناس وإِقبال بعد إِيحاش وإِعراض ويناسب الأَول رفع شأَن الضعيف الراغب فى الإِسلام عليه بست خطابات آخرها كلا بعد تشديدين بطريق الغيبة. {وَتَوَلَّى} أعرض عن الأَعمى طالب لدين الله تعالى مقبلا على أصحاب الدنيا.
الالوسي
تفسير : الخ روي أن ابن أم مكتوم - وهو ابن خال خديجة واسمه عمرو بن قيس بن زائدة بن جندب بن هرم بن رواحة بن حجر بن معيص بن عامر بن لؤي القرشي وقيل عبد الله بن عمرو وقتل عبد الله بن شريح بن مالك بن أبـي ربيعة الفهري والأول أكثر وأشهر كما في «جامع الأصول» وأم مكتوم كنية أمه واسمها عاتكة بنت عبد الله المخزومية وغلط الزمخشري في جعلها في «الكشاف» جدته وكان أعمى وعمي بعد نور وقيل ولد أعمى ولذا قيل لأمه أم مكتوم - أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده صناديد قريش عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو جهل والعباس بن عبد المطلب وأمية بن خلف والوليد بن المغيرة يناجيهم ويدعوهم إلى الإسلام رجاء أن يسلم بإسلامهم غيرهم فقال يا رسول الله أقرئني وعلمني مما علمك الله تعالى وكرر ذلك ولم يعلم تشاغله بالقوم فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم قطعه لكلامه وعبس وأعرض عنه فنزلت فكان رسول الله عليه الصلاة والسلام يكرمه ويقول إذا رآه مرحباً بمن عاتبني فيه ربـي ويقول له هل لك من حاجة. واستخلفه صلى الله عليه وسلم على المدينة فكان يصلي بالناس ثلاث عشرة مرة كما رواه ابن عبد البر في «الاستيعاب» عن أهل العلم بالسير ثم استخلف بعده أبا لبابة وهو من المهاجرين الأولين هاجر على الصحيح قبل النبـي صلى الله عليه وسلم ووهم القرطبـي في زعمه أنه مدني وأنه لم يجتمع بالصناديد المذكورين من أهل مكة. وموته قيل بالقادسية شهيداً يوم فتح المدائن أيام عمر رضي الله تعالى عنه ورآه أنس يومئذ وعليه درع وله راية سوداء وقيل رجع منها إلى المدينة فمات بها رضي الله تعالى عنه. وضمير {عَبَسَ} وما بعده للنبـي صلى الله عليه وسلم وفي التعبير عنه عليه الصلاة والسلام بضمير الغيبة إجلال له صلى الله عليه وسلم لإيهام أن من صدر عنه ذلك غيره لأنه لا يصدر عنه صلى الله عليه وسلم مثله كما أن في التعبير عنه صلى الله عليه وسلم بضمير الخطاب في قوله سبحانه: {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ}.
سيد قطب
تفسير : هذه السورة قوية المقاطع، ضخمة الحقائق، عميقة اللمسات، فريدة الصور والظلال والإيحاءات، موحية الإيقاعات الشعورية والموسيقية على السواء. يتولى المقطع الأول منها علاج حادث معين من حواث السيرة: كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مشغولاً بأمر جماعة من كبراء قريش يدعوهم إلى الإسلام حينما جاءه ابن أم مكتوم الرجل الأعمى الفقير ـ وهو لا يعلم أنه مشغول بأمر القوم ـ يطلب منه أن يعلمه مما علمه الله، فكره رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ هذا وعبس وجهه وأعرض عنه، فنزل القرآن بصدر هذه السورة يعاتب الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ عتاباً شديداً؛ ويقرر حقيقة القيم في حياة الجماعة المسلمة في أسلوب قوي حاسم، كما يقرر حقيقة هذه الدعوة وطبيعتها: {عبس وتولى أن جآءه الأعمى. وما يدريك لعله يزكى. أو يذكر فتنفعه الذكرى. أما من استغنى فأنت له تصدى! وما عليك ألا يزكى؟ وأما من جآءك يسعى وهو يخشى، فأنت عنه تلهى؟! كلا! إنها تذكرة، فمن شآء ذكره، في صحف مكرمة، مرفوعة مطهرة، بأيدي سفرة، كرام بررة}.. ويعالج المقطع الثاني جحود الإنسان وكفره الفاحش لربه، وهو يذكره بمصدر وجوده، وأصل نشأته، وتيسير حياته، وتولي ربه له في موته ونشره؛ ثم تقصيره بعد ذلك في أمره: {قتل الإنسان مآ أكفره! من أي شيء خلقه؟ من نطفة خلقه فقدره، ثم السبيل يسره، ثم أماته فأقبره، ثم إذا شآء أنشره، كلا! لما يقض مآ أمره}.. والمقطع الثالث يعالج توجيه القلب البشري إلى أمسّ الأشياء به وهو طعامه وطعام حيوانه. وما وراء ذلك الطعام من تدبير الله وتقديره له، كتدبيره وتقديره في نشأته: {فلينظر الإنسان إلى طعامه، أنا صببنا الماء صباً. ثم شققنا الأرض شقاً، فأنبتنا فيها حباً، وعنباً وقضباً، وزيتوناً ونخلاً، وحدائق غلباً، وفاكهة وأبا، متاعاً لكم ولأنعامكم}.. فأما المقطع الأخير فيتولى عرض {الصاخة} يوم تجيء بهولها، الذي يتجلى في لفظها، كما تتجلى آثارها في القلب البشري الذي يذهل عما عداها؛ وفي الوجوه التي تحدث عما دهاها: {فإذا جآءت الصآخة. يوم يفر المرء من أخيه، وأمه وأبيه، وصاحبته وبنيه، لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه، وجوه يومئذ مسفرة، ضاحكة مستبشرة، ووجوه يومئذ عليها غبرة، ترهقها قترة، أولـئك هم الكفرة الفجرة}.. إن استعراض مقاطع السورة وآياتها ـ على هذا النحو السريع ـ يسكب في الحس إيقاعات شديدة التأثير. فهي من القوة والعمق بحيث تفعل فعلها في القلب بمجرد لمسها له بذاتها. وسنحاول أن نكشف عن جوانب من الآماد البعيدة التي تشير إليها بعض مقاطعها مما قد لا تدركه النظرة الأولى. {عبس وتولى. أن جآءه الأعمى. وما يدريك لعله يزكى؟ أو يذكر فتنفعه الذكرى؟ أما من استغنى فأنت له تصدى؟ وما عليك ألا يزكى؟ وأما من جآءك يسعى وهو يخشى، فأنت عنه تلهى؟! كلا! إنها تذكرة، فمن شآء ذكره، في صحف مكرمة، مرفوعة مطهرة، بأيدي سفرة، كرام بررة}.. إن هذا التوجيه الذي نزل بشأن هذا الحادث هو أمر عظيم جداً. أعظم بكثير مما يبدو لأول وهلة. إنه معجزة، هو والحقيقة التي أراد إقرارها في الأرض، والآثار التي ترتبت على إقرارها بالفعل في حياة البشرية. ولعلها هي معجزة الإسلام الأولى، ومعجزته الكبرى كذلك. ولكن هذا التوجيه يرد هكذا ـ تعقيباً على حادث فردي ـ على طريقة القرآن الإلهية في اتخاذ الحادث المفرد والمناسبة المحدودة فرصة لتقرير الحقيقة المطلقة والمنهج المطرد. وإلا فإن الحقيقة التي استهدف هذا التوجيه تقريرها هنا والآثار الواقعية التي ترتبت بالفعل على تقريرها في حياة الأمة المسلمة، هي الإسلام في صميمه. وهي الحقيقة التي أراد الإسلام ـ وكل رسالة سماوية قبله ـ غرسها في الأرض. هذه الحقيقة ليست هي مجرد: كيف يعامل فرد من الناس؟ أو كيف يعامل صنف من الناس؟ كما هو المعنى القريب للحادث وللتعقيب. إنما هي أبعد من هذا جداً، وأعظم من هذا جداً. إنها: كيف يزن الناس كل أمور الحياة؟ ومن أين يستمدون القيم التي يزنون بها ويقدرون؟ والحقيقة التي استهدف هذا التوجيه إقرارها هي: أن يستمد الناس في الأرض قيمهم وموازينهم من اعتبارات سماوية إلهية بحتة، آتية لهم من السماء، غير مقيدة بملابسات أرضهم، ولا بموضوعات حياتهم، ولا نابعة من تصوراتهم المقيدة بهذه المواضعات وتلك الملابسات. وهو أمر عظيم جداً، كما أنه أمر عسير جداً. عسير أن يعيش الناس في الأرض بقيم وموازين آتية من السماء. مطلقة من اعتبارات الأرض. متحررة من ضغط هذه الاعتبارات. ندرك عظمة هذا الأمر وعسره حين ندرك ضخامة الواقع البشري، وثقله على المشاعر، وضغطه على النفوس، وصعوبة التخلي عن الملابسات والضغوط الناشئة من الحياة الواقعية للناس، المنبثقة من أحوال معاشهم، وارتباطات حياتهم، وموروثات بيئتهم، ورواسب تاريخهم، وسائر الظروف الأخرى التي تشدهم إلى الأرض شداً، وتزيد من ضغط موازينها وقيمها وتصوراتها على النفوس. كذلك ندرك عظمة هذا الأمر وعسره حين ندرك أن نفس محمد بن عبد الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد احتاجت ـ كي تبلغه ـ إلى هذا التوجيه من ربه؛ بل إلى هذا العتاب الشديد، الذي يبلغ حد التعجيب من تصرفه! وإنه ليكفي لتصوير عظمة أي أمر في هذا الوجود أن يقال فيه: إن نفس محمد بن عبد الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد احتاجت ـ كي تبلغه ـ إلى تنبيه وتوجيه! نعم يكفي هذا. فإن عظمة هذه النفس وسموها ورفعتها، تجعل الأمر الذي يحتاج منها ـ كي تبلغه ـ إلى تنبيه وتوجيه أمراً أكبر من العظمة، وأرفع من الرفعة! وهذه هي حقيقة هذا الأمر، الذي استهدف التوجيه الإلهي إقراره في الأرض، بمناسبة هذا الحادث المفرد.. أن يستمد الناس قيمهم وموازينهم من السماء، طلقاء من قيم الأرض وموازينها المنبثقة من واقعهم كله.. وهذا هو الأمر العظيم.. إن الميزان الذي أنزله الله للناس مع الرسل، ليقوّموا به القيم كلها، هو {أية : إن أكرمكم عند الله أتقاكم}تفسير : هذه هي القيمة الوحيدة التي يرجح بها وزن الناس أو يشيل! وهي قيمة سماوية بحتة، لا علاقة لها بمواضعات الأرض وملابساتها إطلاقاً.. ولكن الناس يعيشون في الأرض، ويرتبطون فيما بينهم بارتباطات شتى؛ كلها ذات وزن وذات ثقل وذات جاذبية في حياتهم. وهم يتعاملون بقيم أخرى.. فيها النسب، وفيها القوة، وفيها المال، وفيها ما ينشأ عن توزيع هذه القيم من ارتباطات عملية.. اقتصادية وغير اقتصادية.. تتفاوت فيها أوضاع الناس بعضهم بالنسبة لبعض. فيصبح بعضهم أرجح من بعض في موازين الأرض.. ثم يجيء الإسلام ليقول: {أية : إن أكرمكم عند الله أتقاكم}تفسير : فيضرب صفحاً عن كل تلك القيم الثقيلة الوزن في حياة الناس، العنيفة الضغط على مشاعرهم، الشديدة الجاذبية إلى الأرض. ويبدل من هذا كله تلك القيمة الجديدة المستمدة مباشرة من السماء، المعترف بها وحدها في ميزان السماء! ثم يجيء هذا الحادث لتقرير هذه القيمة في مناسب واقعية محددة. وليقرر معها المبدأ الأساسي: وهو أن الميزان ميزان السماء، والقيمة قيمة السماء. وأن على الأمة المسلمة أن تدع كل ما تعارف عليه الناس، وكل ما ينبثق من علاقات الأرض من قيم وتصورات وموازين واعتبارات، لتستمد القيم من السماء وحدها وتزنها بميزان السماء وحده! ويجيء الرجل الأعمى الفقير.. ابن أم مكتوم.. إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو مشغول بأمر النفر من سادة قريش. عتبة وشيبة ابني ربيعة، وأبي جهل عمرو بن هشام، وأمية بن خلف، والوليد بن المغيرة، ومعهم العباس بن عبد المطلب.. والرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يدعوهم إلى الإسلام؛ ويرجو بإسلامهم خيراً للإسلام في عسرته وشدته التي كان فيها بمكة؛ وهؤلاء النفر يقفون في طريقه بمالهم وجاههم وقوتهم؛ ويصدون الناس عنه، ويكيدون له كيداً شديداً حتى ليجمدوه في مكة تجميداً ظاهراً. بينما يقف الآخرون خارج مكة، لا يقبلون على الدعوة التي يقف لها أقرب الناس إلى صاحبها، وأشدهم عصبية له، في بيئة جاهلية قبلية، تجعل لموقف القبيلة كل قيمة وكل اعتبار. يجيء هذا الرجل الأعمى الفقير إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو مشغول بأمر هؤلاء النفر. لا لنفسه ولا لمصلحته، ولكن للإسلام ولمصلحة الإسلام. فلو أسلم هؤلاء لانزاحت العقبات العنيفة والأشواك الحادة من طريق الدعوة في مكة؛ ولانساح بعد ذلك الإسلام فيما حولها، بعد إسلام هؤلاء الصناديد الكبار.. يجيء هذا الرجل، فيقول لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يا رسول الله أقرئني وعلمني مما علمك الله.. ويكرر هذا وهو يعلم تشاغل الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بما هو فيه من الأمر. فيكره الرسول قطعه لكلامه واهتمامه. وتظهر الكراهية في وجهه ـ الذي لا يراه الرجل ـ فيعبس ويعرض. يعرض عن الرجل المفرد الفقير الذي يعطله عن الأمر الخطير. الأمر الذي يرجو من ورائه لدعوته ولدينه الشيء الكثير؛ والذي تدفعه إليه رغبته في نصرة دينة، وإخلاصه لأمر دعوته، وحبه لمصلحة الإسلام، وحرصه على انتشاره! وهنا تتدخل السماء. تتدخل لتقول كلمة الفصل في هذا الأمر؛ ولتضع معالم الطريق كله، ولتقرر الميزان الذي توزن فيه القيم ـ بغض النظر عن جميع الملابسات والاعتبارات. بما في ذلك اعتبار مصلحة الدعوة كما يراها البشر. بل كما يراها سيد البشر ـ صلى الله عليه وسلم ـ. وهنا يجيء العتاب من الله العلي الأعلى لنبيه الكريم، صاحب الخلق العظيم، في أسلوب عنيف شديد. وللمرة الوحيدة في القرآن كله يقال للرسول الحبيب القريب: {كلا!} وهي كلمة ردع وزجر في الخطاب! ذلك أنه الأمر العظيم الذي يقوم عليه هذا الدين! والأسلوب الذي تولى به القرآن هذا العتاب الإلهي أسلوب فريد، لا تمكن ترجمته في لغة الكتابة البشرية. فلغة الكتابة لها قيود وأوضاع وتقاليد، تغض من حرارة هذه الموحيات في صورتها الحية المباشرة. وينفرد الأسلوب القرآني بالقدرة على عرضها في هذه الصورة في لمسات سريعة. وفي عبارات متقطعة. وفي تعبيرات كأنها انفعالات، ونبرات وسمات ولمحات حية! {عبس وتولى. أن جاءه الأعمى}.. بصيغة الحكاية عن أحد آخر غائب غير المخاطب! وفي هذا الأسلوب إيحاء بأن الأمر موضوع الحديث من الكراهة عند الله بحيث لا يحب ـ سبحانه ـ أن يواجه به نبيه وحبيبه، عطفاً عليه، ورحمة به، وإكراماً له عن المواجهة بهذا الأمر الكريه! ثم يستدير التعبير ـ بعد مواراة الفعل الذي نشأ عنه العتاب ـ يستدير إلى العتاب في صيغة الخطاب. فيبدأ هادئاً شيئاً ما: {وما يدريك لعله يزكى؟ أو يذكر فتنفعه الذكرى؟}.. ما يدريك أن يتحقق هذا الخير الكبير. أن يتطهر هذا الرجل الأعمى الفقير ـ الذي جاءك راغباً فيما عندك من الخير ـ وأن يتيقظ قلبه فيتذكر فتنفعه الذكرى. ما يدريك أن يشرق هذا القلب بقبس من نور الله، فيستحيل منارة في الأرض تستقبل نور السماء؟ الأمر الذي يتحقق كلما تفتح قلب للهدى وتمت حقيقة الإيمان فيه. وهو الأمر العظيم الثقيل في ميزان الله.. ثم تعلو نبرة العتاب وتشتد لهجته؛ وينتقل إلى التعجيب من ذلك الفعل محل العتاب: {أما من استغنى، فأنت له تصدى؟! وما عليك ألا يزكى؟! وأما من جاءك يسعى وهو يخشى، فأنت عنه تلهى؟!}.. أما من أظهر الاستغناء عنك وعن دينك وعما عندك من الهدى والخير والنور والطهارة.. أما هذا فأنت تتصدى له وتحفل أمره، وتجهد لهدايته، وتتعرض له وهو عنك معرض! {وما عليك ألا يزكى؟}.. وما يضيرك أن يظل في رجسه ودنسه؟ وأنت لا تسأل عن ذنبه. وأنت لا تُنصر به. وأنت لا تقوم بأمره.. {وأما من جاءك يسعى} طائعاً مختاراً، {وهو يخشى} ويتوقى {فأنت عنه تلهى!}.. ويسمي الانشغال عن الرجل المؤمن الراغب في الخير التقي تلهياً.. وهو وصف شديد.. ثم ترتفع نبرة العتاب حتى لتبلغ حد الردع والزجر: {كلا!}.. لا يكن ذلك أبداً.. وهو خطاب يسترعي النظر في هذا المقام. ثم يبين حقيقة هذه الدعوة وكرامتها وعظمتها ورفعتها، واستغناءها عن كل أحد. وعن كل سند. وعنايتها فقط بمن يريدها لذاتها، كائناً ما كان وضعه ووزنه في موازين الدنيا: {إنها تذكرة. فمن شاء ذكره. في صحف مكرمة. مرفوعه مطهرة. بأيدي سفرة. كرام بررة}.. فهي كريمة في كل اعتبار. كريمة في صحفها، المرفوعة المطهرة الموكل بها السفراء من الملأ الأعلى ينقلونها إلى المختارين في الأرض ليبلغوها. وهم كذلك كرام بررة.. فهي كريمة طاهرة في كل ما يتعلق بها، وما يمسها من قريب أو من بعيد. وهي عزيزة لا يُتصدى بها للمعرضين الذين يظهرون الاستغناء عنها؛ فهي فقط لمن يعرف كرامتها ويطلب التطهر بها.. هذا هو الميزان. ميزان الله. الميزان الذي توزن به القيم والاعتبارات، ويقدر به الناس والأوضاع.. وهذه هي الكلمة. كلمة الله. الكلمة التي ينتهي إليها كل قول، وكل حكم، وكل فصل. وأين هذا؟ ومتى؟ في مكة، والدعوة مطاردة، والمسلمون قلة. والتصدي للكبراء لا ينبعث من مصلحة ذاتية؛ والانشغال عن الأعمى الفقير لا ينبعث من اعتبار شخصي. إنما هي الدعوة أولاً وأخيراً. ولكن الدعوة إنما هي هذا الميزان، وإنما هي هذه القيم، وقد جاءت لتقرر هذا الميزان وهذه القيم في حياة البشر. فهي لا تعز ولا تقوى ولا تنصر إلا بإقرار هذا الميزان وهذه القيم.. ثم إن الأمر ـ كما تقدم ـ أعظم وأشمل من هذا الحادث المفرد، ومن موضوعه المباشر. إنما هو أن يتلقى الناس الموازين والقيم من السماء لا من الأرض، ومن الاعتبارات السماوية لا من الاعتبارات الأرضية.. {أية : إن أكرمكم عند الله أتقاكم}تفسير : والأكرم عند الله هو الذي يستحق الرعاية والاهتمام والاحتفال، ولو تجرد من كل المقومات والاعتبارات الأخرى، التي يتعارف عليها الناس تحت ضغط واقعهم الأرضي ومواضعاتهم الأرضية. النسب والقوة والمال.. وسائر القيم الأخرى، لا وزن لها حين تتعرى عن الإيمان والتقوى. والحالة الوحيدة التي يصح لها فيها وزن واعتبار هي حالة ما إذا أنففت لحساب الإيمان والتقوى. هذه هي الحقيقة الكبيرة التي استهدف التوجيه الإلهي إقرارها في هذه المناسبة، على طريقة القرآن في اتخاذ الحادث المفرد والمناسبة المحدودة، وسيلة لإقرار الحقيقة المطلقة والمنهج المطرد. ولقد انفعلت نفس الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ لهذا التوجيه، ولذلك العتاب. انفعلت بقوة وحرارة، واندفعت إلى إقرار هذه الحقيقة في حياته كلها، وفي حياة الجماعة المسلمة. بوصفها هي حقيقة الإسلام الأولى. وكانت الحركة الأولى له ـ صلى الله عليه وسلم ـ هي إعلان ما نزل له من التوجيه والعتاب في الحادث. وهذا الإعلان أمر عظيم رائع حقاً. أمر لا يقوى عليه إلا رسول، من أي جانب نظرنا إليه في حينه. نعم لا يقوى إلا رسول على أن يعلن للناس أنه عوتب هذا العتاب الشديد، بهذه الصورة الفريدة في خطأ أتاه! وكان يكفي لأي عظيم ـ غير الرسول ـ أن يعرف هذا الخطأ وأن يتلافاه في المستقبل. ولكنها النبوة. أمر آخر. وآفاق أخرى! لا يقوى إلا رسول على أن يقذف بهذا الأمر هكذا في وجوه كبراء قريش في مثل تلك الظروف التي كانت فيها الدعوة، مع أمثال هؤلاء المستعزين بنسبهم وجاههم ومالهم وقوتهم، في بيئة لا مكان فيها لغير هذه الاعتبارات، إلى حد أن يقال فيها عن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم: {أية : لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم!}.. تفسير : وهذا نسبه فيهم، لمجرد أنه هو شخصياً لم تكن له رياسة فيهم قبل الرسالة! ثم إنه لا يكون مثل هذا الأمر في مثل هذه البيئة إلا من وحي السماء. فما يمكن أن ينبثق هذا من الأرض.. ومن هذه الأرض بذاتها في ذلك الزمان!! وهي قوة السماء التي دفعت مثل هذا الأمر في طريقه؛ فإذا هو ينفذ من خلال نفس النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى البيئة من حوله؛ فيتقرر فيها بعمق وقوة واندفاع، يطرد به أزماناً طويلة في حياة الأمة المسلمة. لقد كان ميلاداً جديداً للبشرية كميلاد الإنسان في طبيعته. وأعظم منه خطراً في قيمته.. أن ينطلق الإنسان حقيقة ـ شعوراً وواقعاً ـ من كل القيم المتعارف عليها في الأرض، إلى قيم أخرى تتنزل له من السماء منفصلة منعزلة عن كل ما في الأرض من قيم وموازين وتصورات واعتبارات وملابسات عملية، وارتباطات واقعية ذات ضغط وثقل، ووشائج متلبسة باللحم والدم والأعصاب والمشاعر. ثم أن تصبح القيم الجديدة مفهومة من الجميع، مسلماً بها من الجميع. وأن يستحيل الأمر العظيم الذي احتاجت نفس محمد ـ صلى الله عليه وسلم - كي تبلغه إلى التنبيه والتوجيه، أن يستحيل هذا الأمر العظيم بديهية الضمير المسلم، وشريعة المجتمع المسلم، وحقيقة الحياة الأولى في المجتمع الإسلامي لآماد طويلة في حياة المسلمين. إننا لا نكاد ندرك حقيقة ذلك الميلاد الجديد. لأننا لا نتمثل في ضمائرنا حقيقة هذا الانطلاق من كل ما تنشئه أوضاع الأرض وارتباطاتها من قيم وموازين واعتبارات ساحقة الثقل إلى الحد الذي يخيل لبعض أصحاب المذاهب "التقدمية!" أن جانباً واحداً منها ـ هو الأوضاع الاقتصادية ـ هو الذي يقرر مصائر الناس وعقائدهم وفنونهم وآدابهم وقوانينهم وعرفهم وتصورهم للحياة! كما يقول أصحاب مذهب التفسير المادي للتاريخ في ضيق أفق، وفي جهالة طاغية بحقائق النفس وحقائق الحياة! إنها المعجزة. معجزة الميلاد الجديد للإنسان على يد الإسلام في ذلك الزمان.. ومنذ ذلك الميلاد سادت القيم التي صاحبت ذلك الحادث الكوني العظيم.. ولكن المسألة لم تكن هينة ولا يسيرة في البيئة العربية، ولا في المسلمين أنفسهم.. غير أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد استطاع ـ بإرادة الله، وبتصرفاته هو وتوجيهاته المنبعثة من حرارة انفعاله بالتوجيه القرآني الثابت ـ أن يزرع هذه الحقيقة في الضمائر وفي الحياة؛ وأن يحرسها ويرعاها، حتى تتأصل جذورها وتمتد فروعها، وتظلل حياة الجماعة المسلمة قروناً طويلة.. على الرغم من جميع عوامل الانتكاس الأخرى.. كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعد هذا الحادث يهش لابن أم مكتوم ويرعاه؛ ويقول له كلما لقيه: "حديث : أهلاً بمن عاتبني فيه ربي" تفسير : وقد استخلفه مرتين بعد الهجرة على المدينة.. ولكي يحطم موازين البيئة وقيمها المنبثقة من اعتبار الأرض ومواضعاتها، زوج بنت خالته زينب بنت جحش الأسدية، لمولاه زيد بن حارثة. ومسألة الزواج والمصاهرة مسألة حساسة شديدة الحساسية. وفي البيئة العربية بصفة خاصة. وقبل ذلك حينما آخى بين المسلمين في أول الهجرة، جعل عمه حمزة ومولاه زيداً أخوين. وجعل خالد ابن رويحة الخثعمي وبلال بن رباح أخوين! وبعث زيداً أميراً في غزوة مؤته، وجعله الأمير الأول، يليه جعفر بن أبي طالب، ثم عبد الله بن رواحه الأنصاري، على ثلاثة آلاف من المهاجرين والأنصار، فيهم خالد بن الوليد. وخرج رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بنفسه يشيعهم.. وهي الغزوة التي استشهد فيها الثلاثة رضي الله عنهم. وكان آخر عمل من أعماله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن أمَّر أسامة بن زيد على جيش لغزو الروم، يضم كثرة من المهاجرين والأنصار، فيهم أبو بكر وعمر وزيراه، وصاحباه، والخليفتان بعده بإجمال المسلمين. وفيهم سعد بن أبي وقاص قريبه - صلى الله عليه وسلم -ومن أسبق قريش إلى الإسلام. وقد تململ بعض الناس من إمارة أسامة وهو حدث. وفي ذلك قال ابن عمر رضي الله عنهما-: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم - بعثاً أمر عليهم أسامة بن زيد ـ رضي الله عنهما ـ فطعن بعض الناس في إمارته، فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ "حديث : إن تطعنوا في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل. وأيم الله إن كان لخليقاً للإمارة، وإن كان لمن أحب الناس إليّ. وإن هذا لمن أحب الناس إلي ".. تفسير : ولما لغطت ألسنة بشأن سلمان الفارسي، وتحدثوا عن الفارسية والعربية، بحكم إيحاءات القومية الضيقة، ضرب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ضربته الحاسمة في هذا الأمر فقال: "حديث : سلمان منا أهل البيت" تفسير : فتجاوز به ـ بقيم السماء وميزانها ـ كل أفاق النسب الذي يستعزون به، وكل حدود القومية الضيقة التي يتحمسون لها.. وجعلة من أهل البيت رأساً! ولما وقع بين أبي ذر الغفاري وبلال بن رباح ـ رضي الله عنما ـ ما أفلت معه لسان أبي ذر بكلمة "يا بن السوداء".. غضب لها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ غضباً شديداً؛ وألقاها في وجهه أبي ذر عنيفة مخيفة: "حديث : يا أبا ذر طفّ الصاع ليس لابن البيضاء على ابن السوداء فضل"تفسير : . ففرق في الأمر إلى جذوره البعيدة.. إما إسلام فهي قيم السماء وموازين السماء. وإما جاهلية فهي قيم الأرض وموازين الأرض! ووصلت الكلمة النبوية بحرارتها إلى قلب أبي ذر الحساس؛ فانفعل لها أشد الانفعال، ووضع جبهته على الأرض يقسم ألا يرفعها حتى يطأها بلال. تكفيراً عن قولته الكبيرة! وكان الميزان الذي ارتفع به بلال هو ميزان السماء.. عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"حديث : يا بلال حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام منفعة عندك. فإني سمعت الليلة خشف نعليك بين يدي في الجنة"تفسير : . فقال: ما عملت في الإسلام عملاً أرجى عندي منفعة من أني لا أتطهر طهوراً تاماً في ساعة من ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي. وكان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول عن عمار بن ياسر وقد استأذن عليه: "حديث : ائذنوا له مرحباً بالطيب المطيب"تفسير : .. وقال عنه: "حديث : ملئ عمار ـ رضي الله عنه ـ إيماناً إلى مشاشه"تفسير : .. وعن حذيفة ـ رضي الله عنه قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ "حديث : إني لا أدري ما بقائي فيكم فاقتدوا باللذين من بعدي ـ وأشار إلى أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ـ واهتدوا بهدي عمار. وما حدثكم ابن مسعود فصدقوه ". تفسير : وكان ابن مسعود يحسبه الغريب عن المدينة من أهل بيت رسول الله.. عن أبي موسى ـ رضي الله عنه ـ قال: قدمت أنا وأخي من اليمن، فمكثنا حيناً وما نرى ابن مسعود وأمه إلا من أهل بيت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من كثرة دخولهم على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولزومهم له". وجليبيب ـ وهو رجل من الموالي ـ كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يخطب له بنفسه ليزوجه امرأة من الأنصار. فلما تأبى أبواها قالت هي: أتريدون أن تردوا على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أمره؟ إن كان قد رضيه لكم فأنكحوه. فرضيا وزوجاها. وقد افتقده رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الوقعة التي استشهد فيها بعد فترة قصيرة من زواجه.. عن أبي برزة الأسلمي ـ رضي الله عنه ـ قال: كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في مغزى له، فأفاء الله عليه. فقال لأصحابه: "حديث : هل تفقدون من أحد؟" تفسير : قالوا: نعم فلاناً وفلاناً وفلاناً. ثم قال: "حديث : هل تفقدون من أحد؟" تفسير : قالوا: نعم. فلاناً وفلاناً وفلاناً. ثم قال: "حديث : هل تفقدون من أحد؟" تفسير : فقالوا: لا. قال: "حديث : لكني أفقد جليبيباً" تفسير : فطلبوه، فوجدوه إلى جنب سبعة قد قتلهم ثم قتلوه. فأتى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فوقف عليه، ثم قال: "حديث : قتل سبعة ثم قتلوه. هذا مني وأنا منه. هذا مني وأنا منه. ثم وضعه على ساعديه، ليس له سرير إلا ساعدا النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: فحفر له، ووضع في قبره ولم يذكر غسلاً ". تفسير : بذلك التوجيه الإلهي وبهذا الهدي النبوي كان الميلاد للبشرية على هذا النحو الفريد. ونشأ المجتمع الرباني الذي يتلقى قيمه وموازينه من السماء، طليقاً من قيود الأرض، بينما هو يعيش على الأرض.. وكانت هذه هي المعجزة الكبرى للإسلام. المعجزة التي لا تتحقق إلا بإرادة إله، وبعمل رسول. والتي تدل بذاتها على أن هذا الدين من عند الله، وأن الذي جاء به للناس رسول! وكان من تدبير الله لهذا الأمر أن يليه بعد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ صاحبه الأول أبو بكر، وصاحبه الثاني عمر.. أقرب اثنين لإدراك طبيعة هذا الأمر، وأشد اثنين انطباعاً بهدي رسول الله، وأعمق اثنين حباً لرسول الله، وحرصاً على تتبع مواضع حبه ومواقع خطاه. حفظ أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ عن صاحبه ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما أراده في أمر أسامة. فكان أول عمل له بعد توليه الخلافة هو إنفاذه بعث أسامة، على رأس الجيش الذي أعده رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وسار يودعه بنفسه إلى ظاهر المدينة. أسامة راكب وأبو بكر الخليفة راجل. فيستحي أسامة الفتى الحدث أن يركب والخليفة الشيخ يمشي. فيقول: "يا خليفة رسول الله لتركبن أو لأنزلن".. فيقسم الخليفة: "والله لا تنزل. ووالله لا أركب. وما علي أن أغبر قدمي في سبيل الله ساعة؟".. ثم يرى أبو بكر أنه في حاجة إلى عمر. وقد حمل عبء الخلافة الثقيل. ولكن عمر إنما هو جندي في جيش أسامة. وأسامة هو الأمير. فلا بد من استئذانه فيه. فإذا الخليفة يقول: "إن رأيت أن تعينني بعمر فافعل".. يالله! إن رأيت أن تعينني فافعل.. إنها آفاق عوال. لا يرقى إليها الناس إلا بإرادة الله، على يدي رسول من عند الله! ثم تمضي عجلة الزمن فنرى عمر بن الخطاب خليفة يولي عمار بن ياسر على الكوفة. ويقف بباب عمر سهيل بن عمرو بن الحارث بن هشام، وأبو سفيان بن حرب، وجماعة من كبراء قريش من الطلقاء! فيأذن قبلهم لصهيب وبلال. لأنهما كانا من السابقين إلى الإسلام ومن أهل بدر. فتورم أنف أبي سفيان، ويقول بانفعال الجاهلية: "لم أر كاليوم قط. يأذن لهؤلاء العبيد ويتركنا على بابه!".. فيقول له صاحبه ـ وقد استقرت في حسه حقيقة الإسلام ـ: "أيها القوم. إني والله أرى الذي في وجوهكم. إن كنتم غضاباً فاغضبوا على أنفسكم. دعي القوم إلى الإسلام ودعيتم. فأسرعوا وأبطأتم. فكيف بكم إذا دعوا يوم القيامة وتركتم؟". ويفرض عمر لأسامة بن زيد أكبر مما يفرض لعبد الله بن عمر. حتى إذا سأله عبد الله عن سر ذلك قال له: "يا بني. كان زيد ـ رضي الله عنه ـ أحب إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من أبيك! وكان أسامة ـ رضي الله عنه ـ أحب إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ منك! فآثرت حب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على حبي".. يقولها عمر وهو يعلم أن حب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إنما كان مقوماً بميزان السماء! ويرسل عمر عماراً ليحاسب خالد بن الوليد ـ القائد المظفر صاحب النسب العريق ـ فيلببه بردائه.. ويروى أنه أوثقه بشال عمامته حتى ينتهي من حسابه فتظهر براءته فيفك وثاقه ويعممه بيده.. وخالد لا يرى في هذا كله بأساً. فإنما هو عمار صاحب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ السابق إلى الإسلام الذي قال عنه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما قال! وعمر هو الذي يقول عن أبي بكر ـ رضي الله عنهما ـ هو سيدنا وأعتق سيدنا. يعني بلالاً. الذي كان مملوكاً لأمية بن خلف. وكان يعذبه عذاباً شديداً. حتى اشتراه منه أبو بكر وأعتقه.. وعنه يقول عمر بن الخطاب.. عن بلال.. سيدنا! وعمر هو الذي قال: "ولو كان سالم مولى أبي حذيفة حياً لاستخلفته" يقول هذا، وهو لم يستخلف عثمان ولا علياً، ولا طلحة ولا الزبير.. إنما جعل الشورى في الستة بعده ولم يستخلف أحداً بذاته! وعلي بن أبي طالب ـ كرم الله وجهه ـ يرسل عماراً والحسن بن علي ـ رضي الله عنهما ـ إلى أهل الكوفة يستنفرهم في الأمر الذي كان بينه وبين عائشة ـ رضي الله عنها ـ فيقول: "إني لأعلم أنها زوجة نبيكم ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الدنيا والآخرة، ولكن الله ابتلاكم لتتبعوه أو تتبعوها".. فيسمع له الناس في شأن عائشة أم المؤمنين، وبنت الصديق أبي بكر ـ رضي الله عنهم جميعاً. وبلال بن رباح يرجوه أخوه في الإسلام أبو رويحة الخثعمي أن يتوسط له في الزواج من قوم من أهل اليمن. فيقول لهم: "أنا بلال بن رباح، وهذا أخي أبو رويحة، وهو امرؤ سوء في الخلق والدين. فإن شئتم أن تزوجوه فزوجوه، وإن شئتم أن تدعوا فدعوا".. فلا يدلس عليهم، ولا يخفى من أمر أخيه شيئاً، ولا يذكر أنه وسيط وينسى أنه مسؤول أمام الله فيما يقول.. فيطمئن القوم إلى هذا الصدق.. ويزوجون أخاه، وحسبهم ـ وهو العربي ذو النسب ـ أن يكون بلال المولى الحبشي وسيطه! واستقرت تلك الحقيقة الكبيرة في المجتمع الإسلامي، وظلت مستقرة بعد ذلك آماداً طويلة على الرغم من عوامل الانتكاس الكثيرة. "وقد كان عبد الله بن عباس يذكر ويذكر معه مولاه عكرمه. وكان عبد الله ابن عمر يذكر ويذكر معه مولاه نافع. وأنس بن مالك ومعه مولاه ابن سيرين. وأبو هريرة ومعه مولاه عبد الرحمن بن هرمز. وفي البصرة كان الحسن البصري. وفي مكة كان مجاهد بن جبر، وعطاء بن رباح، وطاووس بن كيسان هم الفقهاء. وفي مصر تولى الفتيا يزيد بن أبي حبيب في أيام عمر بن عبد العزيز وهو مولى أسود من دنقلة".. وظل ميزان السماء يرجح بأهل التقوى ولو تجردوا من قيم الأرض كلها.. في اعتبار أنفسهم وفي اعتبار الناس من حولهم. ولم يرفع هذا الميزان من الأرض إلا قريباً جداً بعد أن طغت الجاهلية طغياناً شاملاً في أنحاء الأرض جميعاً. وأصبح الرجل يقوم برصيده من الدولارات في أمريكا زعيمة الدول الغربية. وأصبح الإنسان كله لا يساوي الآلة في المذهب المادي المسيطر في روسيا زعيمة الدول الشرقية. أما أرض المسلمين فقد سادت فيها الجاهلية الأولى، التي جاء الإسلام ليرفعها من وهدتها؛ وانطلقت فيها نعرات كان الإسلام قد قضى عليها. وحطمت ذلك الميزان الإلهي وارتدت إلى قيم جاهلية زهيدة لا تمت بصلة إلى الإيمان والتقوى.. ولم يعد هنالك إلا أمل يناط بالدعوة الإسلامية أن تنقذ البشرية كلها مرة أخرى من الجاهلية؛ وأن يتحقق على يديها ميلاد جديد للإنسان كالميلاد الذي شهدته أول مرة، والذي جاء ذلك الحادث الذي حكاه مطلع هذه السورة ليعلنه في تلك الآيات القليلة الحاسمة العظيمة.. وبعد تقرير تلك الحقيقة الكبيرة في ثنايا التعقيب على ذلك الحادث، في المقطع الأول من السورة، يعجب السياق في المقطع الثاني من أمر هذا الإنسان، الذي يعرض عن الهدى، ويستغني عن الإيمان، ويستعلي على الدعوة إلى ربه.. يعجب من أمره وكفره، وهو لا يذكر مصدر وجوده، وأصل نشأته، ولا يرى عناية الله به وهيمنته كذلك على كل مرحلة من مراحل نشأته في الأولى والآخرة؛ ولا يؤدي ما عليه لخالقه وكافله ومحاسبه: {قتل الإنسان ما أكفره! من أي شيء خلقه؟ من نطفة خلقه فقدره. ثم السبيل يسره. ثم أماته فأقبره. ثم إذا شاء أنشره. كلا! لما يقض ما أمره}.. {قتل الإنسان!}.. فإنه ليستحق القتل على عجيب تصرفه.. فهي صيغة تفظيع وتقبيح وتشنيع لأمره. وإفادة أنه يرتكب ما يستوجب القتل لشناعته وبشاعته.. {ما أكفره!}.. ما أشد كفره وجحوده ونكرانه لمقتضيات نشأته وخلقته. ولو رعى هذه المقتضيات لشكر خالقه، ولتواضع في دنياه، ولذكر آخرته.. وإلا فعلام يتكبر ويستغني ويعرض.؟ وما هو أصله وما هو مبدؤه؟ {من أي شيء خلقه؟}.. إنه أصل متواضع زهيد، يستمد كل قيمته من فضل الله ونعمته، ومن تقديره وتدبيره: {من نطفة خلقه فقدره}.. من هذا الشيء الذي لا قيمة له؛ ومن هذا الأصل الذي لا قوام له.. ولكن خالقه هو الذي قدره. قدره. من تقدير الصنع وإحكامه. وقدره: من منحه قدراً وقيمة فجعله خلقاً سوياً، وجعله خلقاً كريماً. وارتفع به من ذلك الأصل المتواضع، إلى المقام الرفيع الذي تسخر له فيه الأرض وما عليها. {ثم السبيل يسره}.. فمهد له سبيل الحياة. أو مهد له سبيل الهداية. ويسره لسلوكه بما أودعه من خصائص واستعدادات. سواء لرحلة الحياة، أو للاهتداء فيها. حتى إذا انتهت الرحلة، صار إلى النهاية التي يصير إليها كل حي. بلا اختيار ولا فرار: {ثم أماته فأقبره}.. فأمره في نهايته كأمره في بدايته، في يد الذي أخرجه إلى الحياة حين شاء، وأنهى حياته حين شاء، وجعل مثواه جوف الأرض، كرامة له ورعاية، ولم يجعل السنة أن يترك على ظهرها للجوارح والكواسر. وأودع فطرته الحرص على مواراة ميته وقبره. فكان هذا طرفاً من تدبيره له وتقديره. حتى إذا حان الموعد الذي اقتضته مشيئته، أعاده إلى الحياة لما يراد به من الأمر: {ثم إذا شاء أنشره}.. فليس متروكاً سدى؛ ولا ذاهباً بلا حساب ولا جزاء.. فهل تراه تهيأ لهذا الأمر واستعد؟ {كلا! لما يقض ما أمره}.. الإنسان عامة، بأفراده جملة، وبأجياله كافة.. لما يقض ما أمره.. إلى آخر لحظة في حياته. وهو الإيحاء الذي يلقيه التعبير بلما. كلا إنه لمقصر، لم يؤد واجبه. لم يذكر أصله ونشأته حق الذكرى.. ولم يشكر خالقه وهاديه وكافله حق الشكر. ولم يقض هذه الرحلة على الأرض في الاستعداد ليوم الحساب والجزاء.. هو هكذا في مجموعه. فوق أن الكثرة تعرض وتتولى، وتستغني وتتكبر على الهدى! وينتقل السياق إلى لمسة أخرى في مقطع جديد.. فتلك هي نشأة هذا الإنسان.. فهلا نظر إلى طعامه وطعام أنعامه في هذه الرحلة؟ وهي شيء واحد من أشياء يسرها له خالقه؟ {فلينظر الإنسان إلى طعامه. أنا صببنا المآء صباً. ثم شققنا الأرض شقاً. فأنبتنا فيها حباً، وعنباً وقضباً. وزيتوناً ونخلاً. وحدآئق غلباً. وفاكهة وأبا. متاعاً لكم ولأنعامكم}.. هذه هي قصة طعامه. مفصلة مرحلة مرحلة. هذه هي فلينظر إليها؛ فهل له من يد فيها؟ هل له من تدبير لأمرها؟ إن اليد التي أخرجته إلى الحياة وأبدعت قصته، هي ذاتها اليد التي أخرجت طعامه وأبدعت قصته.. {فلينظر الإنسان إلى طعامه}.. ألصق شيء به، وأقرب شيء إليه، وألزم شيء له.. لينظر إلى هذا الأمر الميسر الضروري الحاضر المكرر. لينظر إلى قصته العجيبة اليسيرة، فإن يسرها ينسيه ما فيها من العجب. وهي معجزة كمعجزة خلقه ونشأته. وكل خطوة من خطواتها بيد القدرة التي أبدعته: {أنا صببنا الماء صباً}.. وصب الماء في صورة المطر حقيقة يعرفها كل إنسان في كل بيئة، في أية درجة كان من درجات المعرفة والتجربة. فهي حقيقة يخاطب بها كل إنسان. فأما حين تقدم الإنسان في المعرفة فقد عرف من مدلول هذا النص ما هو أبعد مدى وأقدم عهداً من هذا المطر الذي يتكرر اليوم ويراه كل أحد. وأقرب الفروض الآن لتفسير وجود المحيطات الكبيرة التي يتبخر ماؤها ثم ينزل في صورة مطر، أقرب الفروض أن هذه المحيطات تكونت أولاً في السماء فوقنا ثم صبت على الأرض صباً! وفي هذا يقول أحد علماء العصر الحاضر: "إذا كان صحيحاً أن درجة حرارة الكرة الأرضية وقت انفصالها عن الشمس كانت حوالي 12,000 درجة. أو كانت تلك درجة حرارة سطح الأرض. فعندئذ كانت كل العناصر حرة. ولذا لم يكن في الإمكان وجود أي تركيب كيميائي ذي شأن. ولما أخذت الكرة الأرضية، أو الأجزاء المكونة لها في أن تبرد تدريجياً، حدثت تركيبات، وتكونت خلية العالم كما نعرفه. وما كان للأكسيجين والهيدروجين أن يتحدا إلا بعد أن هبطت درجة الحرارة إلى 4000 درجة فارنهايت. وعند هذه النقطة اندفعت معاً تلك العناصر، وكونت الماء الذي نعرفه الآن أنه هواء الكرة الأرضية. ولا بد أنه كان هائلاً في ذلك الحين. وجميع المحيطات كانت في السماء. وجميع تلك العناصر التي لم تكن قد اتحدت كانت غازات في الهواء. وبعد أن تكون الماء في الجو الخارجي سقط نحو الأرض. ولكنه لم يستطع الوصول إليها. إذ كانت درجة الحرارة على مقربة من الأرض أعلى مما كانت على مسافة آلاف الأميال. وبالطبع جاء الوقت الذي صار الطوفان يصل فيه إلى الأرض ليطير منها ثانياً في شكل بخار. ولما كانت المحيطات في الهواء فإن الفيضانات التي كانت تحدث مع تقدم التبريد كانت فوق الحسبان. وتمشى الجيشان مع التفتت.... الخ؟". وهذا الفرض ـ ولو أننا لا نعلق به النص القرآني ـ يوسع من حدود تصورنا نحن للنص والتاريخ الذي يشير إليه. تاريخ صب الماء صباً. وقد يصح هذا الفرض، وقد تجدّ فروض أخرى عن أصل الماء في الأرض. ويبقى النص القرآني صالحاً لأن يخاطب به كل الناس في كل بيئة وفي كل جيل. ذلك كان أول قصة الطعام: {أنا صببنا الماء صباً}.. ولا يزعم أحد أنه أنشأ هذا الماء في أي صورة من صوره، وفي أي تاريخ لحدوثه؛ ولا أنه صبه على الأرض صباً، لتسير قصة الطعام في هذا الطريق! {ثم شققنا الأرض شقاً}.. وهذه هي المرحلة التالية لصب الماء. وهي صالحة لأن يخاطب بها الإنسان البدائي الذي يرى الماء ينصب من السماء بقدرة غير قدرته، وتدبير غير تدبيره. ثم يراه يشق الأرض ويتخلل تربتها. أو يرى النبت يشق تربة الأرض شقاً بقدرة الخالق وينمو على وجهها، ويمتد في الهواء فوقها.. وهو نحيل نحيل، والأرض فوقه ثقيلة ثقيلة. ولكن اليد المدبرة تشق له الأرض شقاً، وتعينه على النفاذ فيها وهو ناحل لين لطيف. وهي معجزة يراها كل من يتأمل انبثاق النبتة من التربة؛ ويحس من ورائه انطلاق القوة الخفية الكامنة في النبتة الرخية. فأما حين تتقدم معارف الإنسان فقد يعن له مدى آخر من التصور في هذا النص. وقد يكون شق الأرض لتصبح صالحة للنبات أقدم بكثير مما نتصور. إنه قد يكون ذلك التفتت في صخور القشرة الأرضية بسبب الفيضانات الهائلة التي يشير إليها الفرض العلمي السابق. وبسبب العوامل الجوية الكثيرة التي يفترض علماء اليوم أنها تعاونت لتفتيت الصخور الصلبة التي كانت تكسو وجه الأرض وتكون قشرتها؛ حتى وجدت طبقة الطمي الصالحة للزرع. وكان هذا أثراً من آثار الماء تالياً في تاريخه لصب الماء صباً. مما يتسق أكثر مع هذا التتابع الذي تشير إليه النصوص.. وسواء كان هذا أم ذاك أم سواهما هو الذي حدث، وهو الذي تشير إليه الآيتان السابقتان فقد كانت المرحلة الثالثة في القصة هي النبات بكل صنوفه وأنواعه. التي يذكر منها هنا أقربها للمخاطبين، وأعمها في طعام الناس والحيوان: {فأنبتنا فيها حباً}.. وهو يشمل جميع الحبوب. ما يأكله الناس في أية صورة من صوره، وما يتغذى به الحيوان في كل حالة من حالاته. {وعنباً وقضباً}.. والعنب معروف. والقضب هو كل ما يؤكل رطباً غضاً من الخضر التي تقطع مرة بعد أخرى.. {وزيتوناً ونخلاً. وحدائق غلبا. وفاكهة وأبا}.. والزيتون والنخل معروفان لكل عربي، والحدائق جمع حديقة، وهي البساتين ذات الأشجار المثمرة المسورة بحوائط تحميها. و {غلبا} جمع غلباء. أي ضخمة عظيمة ملتفة الأشجار. والفاكهة من ثمار الحدائق و {الأب} أغلب الظن أنه الذي ترعاه الأنعام. وهو الذي سأل عنه عمر بن الخطاب ثم راجع نفسه فيه متلوّماً! كما سبق في الحديث عن سورة النازعات! فلا نزيد نحن شيئاً! هذه هي قصة الطعام. كلها من إبداع اليد التي أبدعت الإنسان. وليس فيها للإنسان يد يدعيها، في أية مرحلة من مراحلها.. حتى الحبوب والبذور التي قد يلقيها هو في الأرض.. إنه لم يبدعها، ولم يبتدعها. والمعجزة في إنشائها ابتداء من وراء تصور الإنسان وإدراكه. والتربة واحدة بين يديه، ولكن البذور والحبوب منوعه، وكل منها يؤتى أكله في القطع المتجاورات من الأرض. وكلها تسقى بماء واحد، ولكن اليد المبدعة تنوع النبات وتنوع الثمار؛ وتحفظ في البذرة الصغيرة خصائص أمها التي ولدتها فتنقلها إلى بنتها التي تلدها.. كل أولئك في خفية عن الإنسان! لا يعلم سرها ولا يقضي أمرها، ولا يستشار في شأن من شؤونها.. هذه هي القصة التي اخرجتها يد القدرة: {متاعاً لكم ولأنعامكم}.. إلى حين. ينتهي فيه هذا المتاع؛ الذي قدره الله حين قدر الحياة. ثم يكون بعد ذلك أمر آخر يعقب المتاع. أمر يجدر بالإنسان أن يتدبره قبل أن يجيء: {فإذا جآءت الصآخة، يوم يفر المرء من أخيه، وأمه وأبيه، وصاحبته وبنيه. لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه.. وجوه يومئذ مسفرة، ضاحكة مستبشرة، ووجوه يومئذ عليها غبرة، ترهقها قترة، أولـئك هم الكفرة الفجرة}.. فهذه هي خاتمة المتاع. وهذه هي التي تتفق مع التقدير الطويل، والتدبير الشامل، لكل خطوة وكل مرحلة في نشأة الإنسان. وفي هذا المشهد ختام يتناسق مع المطلع. مع الذي جاء يسعى وهو يخشى. والذي استغنى واعرض عن الهدى. ثم هذان هما في ميزان الله. "والصاخة لفظ ذو جرس عنيف نافذ، يكاد يخرق صماخ الأذن، وهو يشق الهواء شقاً، حتى يصل إلى الأذن صاخاً ملحاً!" "وهو يمهد بهذا الجرس العنيف للمشهد الذي يليه: مشهد المرء يفر وينسلخ من ألصق الناس به: {يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه، وصاحبته وبنيه}.. أولئك الذين تربطهم به وشائج وروابط لا تنفصم؛ ولكن هذه الصاخة تمزق هذه الروابط تمزيقاً، وتقطع تلك الوشائج تقطيعاً. "والهول في هذا المشهد هول نفسي بحت، يفزع النفس ويفصلها عن محيطها. ويستبد بها استبداداً. فلكل نفسه وشأنه، ولديه الكفاية من الهم الخاص به، الذي لا يدع له فضلة من وعي أو جهد: {لكل امرئ منهم يومئذ شان يغنيه}.. "والظلال الكامنة وراء هذه العبارة وفي طياتها ظلال عميقة سحيقة. فما يوجد أخصر ولا أشمل من هذا التعبير، لتصوير الهم الذي يشغل الحس والضمير: {لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه}! ذلك حال الخلق جميعاً في هول ذلك اليوم.. إذا جاءت الصاخة.. ثم يأخذ في تصوير حال المؤمنين وحال الكافرين، بعد تقويمهم ووزنهم بميزان الله هناك: {وجوه يومئذ مسفرة. ضاحكة مستبشرة}.. فهذه وجوه مستنيرة منيرة متهللة ضاحكة مستبشرة، راجية في ربها، مطمئنة بما تستشعره من رضاه عنها. فهي تنجو من هول الصاخة المذهل لتتهلل وتستنير وتضحك وتستبشر. أو هي قد عرفت مصيرها، وتبين لها مكانها، فتهللت واستبشرت بعد الهول المذهل.. {ووجوه يومئذ عليها غبرة. ترهقها قترة. أولئك هم الكفرة الفجرة}.. فأما هذه فتعلوها غبرة الحزن والحسرة، ويغشاها سواد الذل والانقباض. وقد عرفت ما قدمت، فاستيقنت ما ينتظرها من جزاء.. {أولئك هم الكفرة الفجرة}.. الذين لا يؤمنون بالله وبرسالاته، والذين خرجوا عن حدوده وانتهكوا حرماته.. وفي هذا الوجوه وتلك قد ارتسم مصير هؤلاء وهؤلاء. ارتسم ملامح وسمات من خلال الألفاظ والعبارات. وكأنما الوجوه شاخصة، لقوة التعبير القرآني ودقة لمساته. بذلك يتناسق المطلع والختام.. المطلع يقرر حقيقة الميزان. والختام يقرر نتيجة الميزان. وتستقل هذه السورة القصيرة بهذا الحشد من الحقائق الضخام، والمشاهد والمناظر، والإيقاعات والموحيات. وتفي بها كلها هذا الوفاء الجميل الدقيق..
ابن عاشور
تفسير : افتتاح هذه السورة بفعلين متحملين لضمير لا معاد له في الكلام تشويق لما سيورد بعدهما، والفعلان يشعران بأن المحكي حادث عظيم، فأما الضمائر فيبين إبهامها قولُه: { أية : فأنت له تصدى } تفسير : [عبس: 6] وأما الحادث فيتبين من ذكر الأعمى ومَن استغنى. وهذا الحادث سبب نزول هذه الآيات من أولها إلى قوله: { أية : بررة } تفسير : [عبس: 16]. وهو ما رواه مالك في «الموطأ» مرسلاً عن هشام بن عروة عن أبيه أنه قال: حديث : أنزلت {عبس وتولى} في ابن أم مكتوم جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يقول: يا محمد استدنني، وعند النبي صلى الله عليه وسلم رجل من عظماء المشركين فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يعرض عنه (أي عن ابن أم مكتوم) ويُقبل على الآخر، ويقول: يا أبا فلان هل ترى بما أقول بأساً فيقول: «لا والدِّماء ما أرى بما تقول بأساً»تفسير : ، فأنزلت: {عبس وتولى}. ورواه الترمذي مسنداً عن عروة عن عائشة بقريب من هذا، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وروى الطبري عن ابن عباس: «أن ابن أم مكتوم جاء يستقرىءُ النبي صلى الله عليه وسلم آيةً من القرآن ومثله عن قتادة. وقال الواحدي وغيره: «كان النبي صلى الله عليه وسلم حينئذ يناجي عتبَة بن ربيعة وأبا جهل، والعباسَ بن عبد المطلب، وأبيَّ بن خلف، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن المغيرة، والنبي صلى الله عليه وسلم يقبل على الوليد بن المغيرة يَعرض عليهم الإِسلام. ولا خلاف في أن المراد بــــ {الأعمى} هو ابن أم مكتوم. قيل: اسمه عبد الله وقيل: اسمه عَمْرو، وهو الذي اعتمده في «الإِصابة»، وهو ابن قيس بن زائدة من بني عامر بن لؤي من قريش. وأمه عاتكة، وكنيت أمَّ مكتوم لأن ابنها عبد الله ولد أعمى والأعمى يكنى عنه بمكتوم. ونسب إلى أمه لأنها أشرف بيتاً من بيت أبيه لأن بني مخزوم من أهل بيوتات قريش فوق بني عامر بن لؤي. وهذا كما نسب عَمْرو بن المنذر ملكُ الحِيرة إلى أمه هند بنت الحارث بن عمرو بن حُجر آكِل المُرار زيادة في تشريفه بوراثة الملك من قبل أبيه وأمه. ووقع في «الكشاف»: أن أم مكتوم هي أم أبيه. وقال الطيبي: إنه وهَم، وأسلم قديماً وهاجر إلى المدينة قبل مقدم النبي صلى الله عليه وسلم إليها، وتوفي بالقادسية في خلافة عمر بعد سنة أربع عشرة أو خمس عشرة. وفيه نزلت هذه السورة وآيةُ { أية : غيرَ أُولي الضرر } تفسير : من سورة النساء (95). وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحبّه ويُكرمه وقد استخلفه على المدينة في خروجه إلى الغزوات ثلاث عشرة مرة، وكان مؤذِّنَ النبي صلى الله عليه وسلم هو وبلال بن رباح. والعُبوسُ بضم العين: تقطيب الوجه وإظهار الغضب. ويقال: رجل عَبوس بفتح العين، أي متقطب، قال تعالى: { أية : إنا نخاف من ربنا يوماً عَبوساً قمطريراً } تفسير : [الإنسان: 10]. وعبس من باب ضرَب. والتولي: أصله تحوّل الذات عن مَكانها، ويستعار لعدم اشتغال المرء بكلام يلقَى إليه أو جليس يحلّ عنده، وهو هنا مستعار لعدم الاشتغال بسؤال سائل ولعدم الإِقبال على الزائر. وحذف متعلق {تولّى} لظهور أنه تولَ عن الذي مجيئه كان سبب التولي. وعبر عن ابن أم مكتوم بـــ {الأعمى} ترقيقاً للنبيء صلى الله عليه وسلم ليكون العتاب ملحوظاً فيه أنه لما كان صاحب ضَرارة فهو أجدر بالعناية به، لأن مثله يكون سريعاً إلى انكسار خاطره. و{أن جاءه الأعمى} مجرور بلام الجر محذوفٍ مع {أن} وهو حذف مطرد وهو متعلق بفعلي {عبس وتولى} على طريقة التنازع. والعلم بالحادثة يدل على أن المراد مجيء خاص وأعمى معهود. وصيغة الخبر مستعملة في العتاب على الغفلة عن المقصود الذي تضمنه الخبر وهو اقتصار النبي صلى الله عليه وسلم على الاعتناء بالحرص على تبليغ الدعوة إلى من يرجو منه قبولَها مع الذهول عن التأمل فيما يقارن ذلك من تعليم من يرغب في علم الدين ممن آمن، ولما كان صدور ذلك من الله لنبيه صلى الله عليه وسلم لم يشأ الله أن يفاتحه بما يتبادر منه أنه المقصود بالكلام، فوجهه إليه على أسلوب الغيبة ليكون أول ما يقرع سمعه باعثاً على أن يترقب المعنيَّ من ضمير الغائب فلا يفاجئه العتاب، وهذا تلطف من الله برسوله صلى الله عليه وسلم ليقع العتاب في نفسه مدرجاً وذلك أهون وقعاً، ونظير هذا قوله: { أية : عَفا اللَّه عنك لِمَ أذِنتَ لَهم } تفسير : [التوبة: 43]. قال عياض: قال عون بن عبد الله والسمرقندي: أخبره الله بالعفو قبل أن يخبره بالذنب حتى سكن قلبه ا هــــ. فكذلك توجيه العتاب إليه مسنداً إلى ضمير الغائب ثم جيء بضمائر الغيبة فذكر الأعمى تظهر المراد من القصة واتضح المراد من ضمير الغيبة. ثم جيء بضمائر الخطاب على طريقة الالتفات. ويظهر أن النبي صلى الله عليه وسلم رجا من ذلك المجلس أن يُسلموا فيسلم بإسلامهم جمهور قريش أو جميعهم فكان دخول ابن أم مكتوم قطعاً لسلك الحديث وجعل يقول للنبيء صلى الله عليه وسلم يا رسول الله استدنني، علمني، أرشدني، ويناديه ويكثر النداء والإِلحاح فظهرت الكراهية في وجه الرسول صلى الله عليه وسلم لعله لقطعه عليه كلامه وخشيته أن يفترق النفر المجتمعون، وفي رواية الطبري أنه استقرأ النبي صلى الله عليه وسلم آية من القرآن. وجملة {وما يدريك} الخ في موضع الحال. (وما يدريك) مركبة من (ما) الاستفهامية وفعل الدّراية المقترن بهمزة التعدية، أي ما يجعلك دارياً أي عالماً. ومثله: {ما أدراك} كقوله: { أية : وما أدراك ما الحاقة } تفسير : [الحاقة: 3]. ومنه { أية : وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون } تفسير : في سورة الأنعام (109). والاستفهام في هذه التراكيب مراد منه التنبيه على مغفول عنه ثم تقع بعده جملة نحو { أية : ما أدراك ما القارعة } تفسير : [القارعة: 3] ونحو قوله هنا: {وما يدريك لعله يزكى}. والمعنى أيُّ شيء يجعلك دارياً. وإنما يستعمل مثله لقصد الإجمال ثم التفصيل. قال الراغب: ما ذكر ما أدراك في القرآن إلا وذكر بيانه بعده ا هــــ. قلت: فقد يُبينه تفصيلٌ مثل قوله هنا: {وما يدريك لعله يزكى} وقوله: { أية : وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر } تفسير : [القدر: 2 ـــ 3] وقد يقع بعده ما فيه تهويل نحو: { أية : وما أدراك ماهيه } تفسير : [القارعة: 10] أي ما يعلمك حقيقتها وقوله: { أية : وما أدراك ما الحاقة } تفسير : [الحاقة: 3] أي أيُّ شيء أعلمك جواب: {ما الحاقة}. وفعل: {يدريك} معلق عن العمل في مفعوليه لورود حرف (لعلّ) بعده فإن (لعل) من موجبات تعليق أفعال القلوب على ما أثبته أبو علي الفارسي في «التذكرة» إلحاقاً للترجي بالاستفهام في أنه طلب. فلما علق فعل {يدريك} عن العمل صار غير متعدَ إلى ثلاثة مفاعيل وبقي متعدياً إلى مفعول واحد بهمزة التعدية التي فيه فصار ما بعده جملة مستأنفة. والتذكر: حصول أثر التذكير، فهو خطور أمر معلوم في الذهن بعد نسيانه إذ هو مشتق من الذُّكر بضم الذال. والمعنى: انظر فقد يكون تزكِّيهِ مرجواً، أي إذا أقبلت عليه بالإِرشاد زاد الإِيمان رسوخاً في نفسه وفَعل خيرات كثيرة مما ترشده إليه فزاد تزكيّة، فالمراد بــــ «يتزكى» تزكية زائدة على تزكية الإِيمان بالتملّي بفضائل شرائعه ومكارم أخلاقه مما يفيضه هديك عليه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم « حديث : لو أنكم تكونون إذا خرجتم من عندي كما تكونون عندي لصافحتكم الملائكة » تفسير : إذ الهدى الذي يزداد به المؤمن رفعة وكمالاً في درجات الإِيمان هو كاهتداء الكافر إلى الإيمان لا سيما إذ الغاية من الاهتداءين واحدة. و{يزكّى} أصله: يتزكى، قلبت التاء زاياً لتقارب مخرجيهما قصداً ليتأتى الإِدغام وكذلك فُعِل في {يذّكر} من الإِدغام. والتزكّي: مطاوع زكَّاه، أي يحصل أثر التزكية في نفسه. وتقدم في سورة النازعات. وجملة {أو يذَّكَّر} عطف على {يزَّكَّى}، أي ما يدريك أن يحصل أحد الأمرين وكلاهما مهم، أي تحصل الذكرى في نفسه بالإِرشاد لما لم يكن يعلمه أو تذكر لِما كان في غفلة عنه. والذكرى: اسم مصدر التذكير. وفي قوله تعالى: {فتنفعه الذكرى} اكتفاء عن أن يقول: فينفعه التزكي وتنفعه الذكرى لظهور أن كليهما نفع له. والذكرى: هو القرآن لأنّه يذكّر الناس بما يغفلون عنه قال تعالى: { أية : وما هو إلا ذكر للعالمين } تفسير : [القلم: 52] فقد كان فيما سأل عنه ابن أم مكتوم آيات من القرآن. وقرأ الجمهور: {فتنفعُه} بالرفع عطفاً على «يذّكّر». وقرأه عاصم بالنصب في جواب: {لعله يزَّكَّى}.
الشنقيطي
تفسير : سبب نزول هذه السورة باتفاق المفسرين، أنه صلى الله عليه وسلم كان مشغولاً بدعوة صناديد قريش، فأتاه ابن أم مكتوم، وهو رجل أعمى وقال: "أقرِئني يا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم، وعلّمني مما علَّمكَ الله" وكرر ذلك، فلم يتفق ذلك وما هو مشتغل به صلى الله عليه وسلم، وما يرجوه مما هو أعظم، فعبس وتولى عنه منصرفاً، لما هو مشتغل به. قال الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في دفع إيهام الاضطراب على قوله تعالى: {أَن جَآءَهُ ٱلأَعْمَىٰ} ما نصه: عبّر تعالى عن هذا الصَّحابي الجَليل الذي هو عبد الله بن أم مكتوم، بلقَب يكرهه الناس، مع أنه قال: {أية : وَلاَ تَنَابَزُواْ بِٱلأَلْقَابِ}تفسير : [الحجرات: 11]. والجواب: هو ما نبه عليه بعض العلماء: من أن السر في التعبير عنه بلفظ الأعمى، للإشعار بعذره في الإقدام على قطع كلام الرسول صلى الله عليه وسلم، لأنه لو كان يرى ما هو مشتغل به مع صناديد الكفار لما قطع كلامه اهـ منه بلفظه. وقال الفخر الرازي: إنه وإن كان أعمى لا يرى، فإنه يسمع وبسماعه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإقدامه على مقاطعته يكون مرتكباً معصية، فكيف يعاتب عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم. فكلامه هذا يشعر بأنه إن كان معذوراً لعدم الرؤية، فليس معذوراً لإمكان سماعه، ولكن ذكره بوصفه ليوجب العطف عليه والرفق به. والظاهر والله تعالى أعلم: أن كلام الرازي ليس بعيداً عمَّا ذكره الشيخ، لأن معناه أنه عاقبه لعدم رفقه به. ومراعاة حالة عماه. فعليه، يكون ذكره بهذا الوصف من باب التعريض بغيره من أولئك الصناديد وسادة القوم، وكأنه يقول لهم: {أية : فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ}تفسير : [الحج: 46]، فهذا كفيف البصر، ولكن وقاد البصيرة أبصر الحق وآمن، وجاء مع عماه يسعى طلباً للمزيد، وأنتم تغلقت قلوبكم وعميت بصائركم فلم تدركوا الحقيقة ولم تبصروا نور الإيمان، كما في الآية الكريمة: {فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ} والعلم عند الله تعالى. تنبيه مما اتفق عليه المحدثون: جواز ذكر مثل هذه الأوصاف إذا كانت للتعريف لا للتنقيص، فقالوا: الأعمى والأعور والأعرج. وفي الحرف قالوا: الخراز، والخرقى، ونحوذ ذلك، وهذا ما فيه مصلحة لترجمة الرجال في السند. ومثله: ليس تنابزاً بالألقاب في هذا الفن. والله تعالى أعلم. ومثله: إذا كان للتعريف في غرض سليم دون تنقص كما قدمنا. وقوله تعالى: {عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ}، فإن فيه مثل ما في قوله تعالى: {أَن جَآءَهُ ٱلأَعْمَىٰ} لأن العبوسة أمر لا يتفق في الظاهر مع قوله تعالى في حقه صلى الله عليه وسلم، {أية : وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ}تفسير : [القلم: 4] وقوله: {أية : وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ}تفسير : [الحجر: 88]. ولم أقف على جواب لذلك، ولم يتعرض له الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في دفع إيهام الاضطراب. والذي يظهر والله تعالى أعلم، أنه لا يتأتى معه، لأنه صلى الله عليه وسلم لم يتكلم بما يسيء إلى هذا الصحابي في نفسه بشيء يسمعه فيزعجه، كل ما كان منه صلى الله عليه وسلم إنما هو تقطيب الجبين، وهذه حركة مرئية لا مسموعة. والحال: أن هذا أعملى لا يرى تلك الحركة، فكأنه لم يلق إساءة منه صلى الله عليه وسلم. ثم إنه صلى الله عليه وسلم مطمئن له لما هو عليه من خير في دينه. كما قال في حنين: وأكل أقواماً إلى ما في قلوبهم، أي لما أعطى المؤلفة قلوبهم، ولم يعط الأنصار على ما هو معروف في القصة، فلم يعاتبه الله على ذلك, ورضي الأنصار وبكوا فرحاً ورضا. ثم إن تقطيب الجبين وانبساط أسارير الوجه لحزن أو فرح، يكاد يكون جبلياً مما كان منه صلى الله عليه وسلم، فهو من باب الجبلية تقريباً، كأن المثير له غرض عام من خصوص الرسالة ومهمتها. ومع ذلك فقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان بعد نزولها يقول له: "حديث : مرحباً فيمن عاتبني فيه ربي"تفسير : ، ويكرمه، وقد استخلفه على المدينة مرتين. وعلى هذا يكون المراد بهذا أمران: الأول: التسامي بأخلاقه صلى الله عليه وسلم إلى ما لا نهاية له، إلى حد اللحظ بالعين، والتقطيب بالجبين، ولو لمن لا يراه، كما قال صلى الله عيله وسلم: "حديث : ما كان لنبي أن تكون له خائنة الأعين"تفسير : وذلك في صلح الحديبية. والثاني: تأديب للأمة وللدعاة خاصة، في شخصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما علمهم في شخصيته في بر الوالدين، في قوله تعالى: {أية : إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا}تفسير : [الإسراء: 23]. وهذا السياق بكامله من أول السورة إلى قوله تعالى: {أية : كَلآَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ}تفسير : [عبس: 11-12]، بيان لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يراعي في الدعوة إلى الله غنياً ولا فقيراً، وأن يصبر على ضعفه المؤمنين. لأن الرسالة تبليغ وليس عليه ما وراء ذلك من مسؤولية، فلا يتكلف لهم. وقد حثه الله تعالى على الصبر مع المؤمنين، لإيمانهم في قوله تعالى: {أية : وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً وَقُلِ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ}تفسير : [الكهف: 28-29]. ومثله قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ}تفسير : [الأنعام: 52]. وقد تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، شيء من هذا البيان عند هذه الآية، وبين أن هذا التنبيه قد وقع من نبي الله نوح إلى قومه، حينما ازدروا ضعفة المؤمنين في قوله تعالى: {أية : فَقَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ ٱتَّبَعَكَ إِلاَّ ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ ٱلرَّأْيِ}تفسير : [هود: 27] - إلى قوله: {أية : وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّهُمْ مُّلاَقُواْ رَبِّهِمْ وَلَـٰكِنِّيۤ أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ}تفسير : [هود: 29]. وقد دلت هذه الآية وأمثالها، على صدق مقالة هرقل حينما سأل أبا سفيان، عن أتباع محمد صلى الله عليه وسلم: أهم سادة القوم أم ضعفاؤهم؟ فقال: بل ضعفاؤهم. فقال: هكذا هم أتباع الرسل. وقال العلماء في ذلك: لأنهم أقرب إلى الفطرة، وأبعد عن السلطان والجاه، فليس لديهم حرص على منصب يضيع، ولا جاه يهدر، ويجدون في الدين عزاً ورفعة، وهكذا كان بلال وصهيب وعمار، وهكذا هو ابن أم مكتوم رضي الله عنهم.
الواحدي
تفسير : {عبس} كلح {وتولَّى} أعرض. {أن} [لأَنْ]. {جاءه الأعمى} وهو عبد الله بن أمِّ مكتوم أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم وهو يدعوا أشراف قريش إلى الإِسلام، فجعل يُناديه ويكرِّر النِّداء، ولا يدري أنَّه مشتغلٌ حتى ظهرت الكراهية في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعبس وأعرض عنه، وأقبل على القوم الذين يكلمهم، فأنزل الله تعالى هذه الآيات. {ومَا يدريك لعله} لعلَّ الأعمى {يزكَّى} يتطهَّر من ذنوبه بالإِسلام، وذلك أنَّه أتاه يطلب الإِسلام، ويقول له: علِّمني ممَّا علمك الله. {أو يَذكَّر} يتَّعظ {فتنفعه الذكرى} الموعظة، ثمَّ عاتبه عزَّ وجلَّ فقال: {أمَّا من استغنى} أثرى من المال.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 1- تغيَّر وجه النبى صلى الله عليه وسلم ضائقا معرضا. 2- لأِنْ جاءه الأعمى يسأل عن أمر دينه. 3- ومَا يُدْريك لعل هذا الأعمى يتطهر بما يتلقاه عنك. 4- أو يتعظ فتنفعه العظة. 5، 6- أما مَن استغنى بثروته وقوته فأنت تُقْبل عليه، وتهتم بتبليغه دعوتك. 7- وأى شئ عليك إذا لم يتطهر بالإيمان؟! 8، 9، 10- وأما مَن جاءك يسرع لطلب العلم والهداية، وهو يخاف الله فأنت عنه تتشاغل.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: عبس: أي النبي صلى الله عليه وسلم بمعنى كلح وجهه وتغيّر. وتولى: أي أعرض. أن جاءه الأعمى: أي لأجل أن جاء عبد الله بن أم مكتوم فقطعه عما هو مشغول به من دعوة بعض أشراف قريش للإِسلام. لعله يزكى: أم يتطهر من الذنوب. أو يذكر: أي يتعظ. فتنفعه الذكرى: أي الموعظة. وأما من استغنى: عن الإِيمان والعلم والدين بالمال والجاه. فأنت له تصدى: أي تقبل عليه وتتصدى له. وما عليك ألا يزكى: أي ليس عليك بأس في عدم تزكيته نفسه بالإِسلام. يسعى: أي في طلب الخير من العلم والهدى. فأنت عنه تلهى: أي تشاغل. كلا: أي لا تعد لمثل ذلك. إنها تذكرة: أي الآيات عظة للخلق. مكرمة: أي عند الله. مرفوعة: أي في السماء. مطهرة: أي منزهة عن مس الشياطين. بأيد سفرة: كتبة ينسخونها من اللوح المحفوظ. كرام بررة: مطيعين لله وهم الملائكة. معنى الآيات: قوله تعالى {عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ أَن جَآءَهُ ٱلأَعْمَىٰ} هذا عتاب لطيف يعاتب به الله سبحانه وتعالى رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم فالذي عبس بمعنى قطب وجهه وأعرض هو رسول الله صلى الله عليه وسلم والأعمى الذي لأجله عبس رسول الله وأعرض عنه هو عبدالله بن أم مكتوم الأعمى أحد المهاجرين ابن خال خديجة بنت خويلد أم المؤمنين. وسبب هذا العتاب الكريم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في مكة يوما ومعه صناديد قريش عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو جهل والعباس بن عبد المطلب وأميّة بن خلف يدعوهم إلى الإِسلام مجتهدا معهم يرغبهم ويرهبهم طمعا في إسلامهم فجاء عبد الله بن أم مكتوم ينادي يا رسول الله اقرئني وعلمني مما علمك الله وكرر ذلك مرارا فانزعج لذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فكره رسوله الله صلى الله عليه وسلم قطعه لحديثه مع القوم فعبس وتولى عنه لا يجيبه، وما إن عاد النبي صلى الله عليه وسلم إلى منزله حتى نزلت هذه الآيات {عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ} أي قطب وأعرض {أَن جَآءَهُ ٱلأَعْمَىٰ وَمَا يُدْرِيكَ} أي وما يعلمك أنه {يَزَّكَّىٰ} بما يطلب من القرآن والسنة أي يريد زكاة نفسه وتطهير روحه بما يتعلمه منك، أو يذكر فتنفعه الذكرى. أي وما يعلمك لعله بندائه لك وطلبه منك أن يتذكر بما يسمع منك فيتعظ به وتنفعه الذكرى منك. وقوله تعالى {أَمَّا مَنِ ٱسْتَغْنَىٰ} أي عن الإِيمان والإِسلام وما عندك من العلم بالله والمعرفة استغنى بماله وشرفه في قومه {فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّىٰ} أي تتعرض له مقبلا عليه {وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّىٰ} أي وأي شيء يلحقك من الأذى إن لم يتزكَّ ذاك المستغنى عنك بشرفه وماله. وكرر تعالى العتاب بالكلمات العذاب فقال {وَأَمَّا مَن جَآءَكَ يَسْعَىٰ وَهُوَ يَخْشَىٰ} جاءك مسرعا يجري وراءك يناديك بأحبّ الأسماء إليك يا رسول الله والحال أنه يخشى الله تعالى ويخاف عقابه فلذا هو يطلب ما يزكي به نفسه ليقيها العقاب والعذاب {فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّىٰ} أي تتشاغل بغيره {كَلاَّ} أي لا تفعل مثل هذا مرة أخرى. وقوله تعالى {إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ} أي هذه الآيات وما تحمل من عتاب حبيب إلى حبيب موعظة {فَمَن شَآءَ} من عباد الله {ذَكَرَهُ} أي ذكر هذا الوحي والتنزيل {فَي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ} مكرمة عند الله تعالى مرفوعة في السماء مطهرة منزهة عن مس الشياطين لها {بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ} أي مطيعين لله صادقين هم الملائكة كتبة ينسخونها من اللوح المحفوظ وما أقرب هذا الوصف من مؤمن كريم النفس طاهر الروح يحفظ كتاب الله ويعمل به بيده مصحف يقرأه ويرتّل كلام الله فيه وقد جاء في الصحيح أن هذا العبد الذي وصفت مع السفرة الكرام البررة. اللهم اجعلني منهم برحمتك يا أرحم الراحمين. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان مقام النبي صلى الله عليه وسلم وأنه أشرف مقام وأسماه دل على ذلك أسلوب عتاب الله تعالى له حيث خاطبه في أسلوب شخص غائب حتى لا يواجهه بالخطاب فيؤلمه فتلطف معه، ثم أقبل عليه بعد أن أزال الوحشة يخاطبه وما يدريك. 2- إثبات ما جاء في الخبر أدبني ربي فأحسن تأديبي فقد دلت الآيات عليه. 3- بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم بتأديب ربّه له مستوى لم يبلغه سواه، فقد كان إذا جاءه ابن أم مكتوم يوسع له في المجلس ويجلسه إلى جنبه ويقول له مرحبا بالذي عاتبني ربي من أجله وولاه على المدينة مرات، وكان مؤذناً له في رمضان. 4- استحالة كتمان الرسول صلى الله عليه وسلم لشيء من الوحي فقد قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها لو كان للرسول أن يكتم شيئا من وحي الله لكتم عتاب الله تعالى له في عبس وتولى.
القطان
تفسير : عبس: قطّب وجهه من ضيق الصدر. تولّى: أعرض: أن جاءه الأعمى: لأن الأعمى جاء عنده، يزكّى: يتطهر بما يتعلم من الدين. تصدّى: أصله تتصدّى بتاءين ومعناه تقبل عليه، وتتعرض له. تلهّى: تتغافل عنه. تذكِرة: موعظة. فمن شاء ذكَره: فمن شاء اتعظ به. في صحف مكرّمة: كتب شريفة في موضع التكريم والتعظيم. مرفوعة: عالية القدر والشأن. مطهَّرة: منزهة عن العبث والنقص. سَفَرة: الملائكة لأنهم السفراءُ بين الله تعالى ورسله الكرام. بررة: جمع بارّ وهم الأطهار. نزلت هذه السورةُ الكريمة في عبدِ الله بن أُم مكتوم ابن خالِ خديجة بنتِ خويلد رضي الله عنها، وكان رجلاً أعمى، ومن أول الناس إسلاما. وكان من المهاجرين الأولين والمؤذِّنَ الثاني لرسول الله، وقد استخلفه الرسولُ الكريم على المدينة، وكان يصلّي بالناس مرارا. وقد جاء هذا الرجل الى النبي صلى الله عليه وسلم، وعنده جماعة من زعماءِ قريش منهم: عتبة وشَيبة ابنا ربيعة، وأبو جهلٍ عمرو بن هشام، والعباسُ بن عبد المطلب، وأُميةُ بن خلف، والوليدُ بن المغيرة. وكان النبي الكريم محتفياً بهم يدعوهم الى الإسلام ويرغّبهم فيه رجاءَ أن يُسلموا، لأنه يعلم أنهم إذا أسلموا تَبِعَهم خَلْقٌ كثير. فجاء ابنُ أُم مكتوم وقال: يا رسولَ الله، أرشِدني، وعلِّمني مما علمك الله.. وكرر ذلك وهو لا يعلم من عنده. فكره الرسولُ قَطْعَه لكلامه، وظهر ذلك على وجهه، إذ عَبَسَ وأعرض عنه. وقد عاتب الله نبيَّه الكريمَ بأنّ ضَعْفَ ذلك الأعمى وفقره لا ينبغي ان يكون باعثاً على كراهةِ كلامه والإعراضِ عنه، فإنه حيُّ القلب ذكيُّ الفؤاد، اذا سمع الحكمةَ وعاها، فيتطهَّرُ بها من أوضارِ الشِرك. {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ ٱلذِّكْرَىٰ}. ما يدريك يا محمد لعلّ هذا الأعمى يتطهّر بما يسمعه منك، وما يتلقاه من العِلم والمعرفة، او يتذكر بها ويتّعظُ فتنفعُه الذِكرى. وبعد نزول هذه الآيات جَعل الرسولُ يكرِم عبد الله هذا ويُقبِل عليه ويقول له إذا رآه: أهلاً بمن عاتَبَني فيه ربّي، ويسأله هل لك حاجةٌ. ثم ذكَر اللهُ بعد ذلك أَمْرَ النبيّ الكريم مع زعماءِ قريش فقال: {أَمَّا مَنِ ٱسْتَغْنَىٰ فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّىٰ وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّىٰ}. أما من استغنى عن الله بمالِه وقوَّتِه، فأنت تُقبل عليه حِرصاً على إسلامه، وتهتمّ بتبليغه دعوتَك، ولا حَرَجَ عليك أن لا يتطهّر من الشِرك والوثنية، ولستَ بمطالَبٍ بهدايته. هذا بخلاف من جاءك مسرعاً في طلب الهداية والعلم، فأنتَ تتلهّى عنه وتتشاغل بهؤلاء الزعماءِ الّذين لا يؤمنون ولا فائدةَ منهم، لأنّ اكثَرهم جحدةٌ منصرفون الى المادة. لقد ألْهَتْهُم هذه الحياة الدنيا، فلا ينبغي الانصرافُ إليهم، والتصدّي لهم لمجرد الطمع في إسلامهم حتى يتبعَهم غيرُهم. إنّ قوة الانسان في حياةِ قلبه وذكاء لبّه، والإذعانِ للحق إذا ظهر، أما المالُ والعصبة والنَسب والأعوان والمراكز والتيجان - فهي كلها عوارٍ تغدو وترتحل، ولا يدوم ويبقى الا العملُ الصالح. وفي هذا تأديبٌ من اللهِ تعالى لأمةِ محمد صلى الله عليه وسلم. ولو تأدّبوا به لكانوا اليوم أرشدَ الأمم. {كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ}. إن الله لا ينصر دِينه بأمثالِ هؤلاء المتكبرين الجاحدين، فلا تهتمَّ يا محمد بهم. انما يُنصَر الحقُّ بالمؤمنين الصادقين أمثالِ ذلك الأعمى. وما هذه الآيات إلا موعظة، وهذا القرآن كافٍ في الهداية لمن طَلَبها، وما عليك الا البلاغُ والتذكير، فمن شاء اتّعظ بالقرآن الذي هو {فَي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ} عاليةِ القدر والمكانة بتعاليمها وحِكَمها البالغة {بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ} من الملائكة الذين جعلهم الله سفراء بينه وبين رسُله. وهم {أية : لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} تفسير : [التحريم: 6]. قراءات: قرأ الجمهور: فتنفعه بضم العين، وقرأ عاصم: فتنفعه بنصب العين، وقرأ الجمهور: تصدى بفتح الصاد من غير تشديد، وقرأ نافع وابن محيصن: تصدّى بفتح الصاد المشددة.
د. أسعد حومد
تفسير : (1) - كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَوْماً يُخَاطِبُ أَحَدَ سَادَةِ قُرَيْشٍ، وَقَدْ طَمِعَ فِي إِسْلاَمِهِ، فَبَيْنَمَا كَانَ يَتَحَدَّثُ إِلَيْهِ، إِذْ أَقْبَلَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَهُوَ رَجُلٌ أَعْمَى، وَكَانَ أَسْلَمَ، قَدِيماً، وَهَاجَرَ إِلَى المَدِينَةِ، وَقَدْ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ لِيَسْأَلَهُ عَنْ شَيءٍ، وَأَلَحَّ عَلَى النَّبِيِّ فِي السُّؤُالِ. وَوَدَّ النَّبِيُّ أَنْ لَوْ كَفَّ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، سَاعَتَهُ تِلْكَ، لِيَتَمَكَّنَ مِنْ مُتَابَعَةِ حَدِيثِهِ مَعَ ذَلِكَ الرَّجُلِ، طَمَعاً فِي هِدَايَتِهِ. وَعَبَسَ فِي وَجْهِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ وَأَعْرَضَ عَنْهُ، وَأَقْبَلَ عَلَى الآخَرِ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَاتِ مُعَاتِباً رَسُولَهُ الكَرِيمَ. فَكَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَعْدَ ذَلِكَ يَهَشُّ لآِبْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَيَلْقَاهُ بِالعِنَايَةِ والتَّكْرِيمِ وَيَقُولُ لَهُ: أَهْلاً بِمَنْ عَاتَبَنِي فِيهِ رَبِّي. وَمَعْنَى الآيَةِ: أَنَّ الرَّسُولَ قَطَّبَ وَجْهَهُ كَارِهاً وَأَعْرَضَ.
الثعلبي
تفسير : {عَبَسَ} كلح. {وَتَوَلَّىٰ} وأعرض عنه بوجهه {أَن} لأن {أَن جَآءَهُ ٱلأَعْمَىٰ} وهو حديث : ابن مكتوم واسمه عبد الله بن شريح بن مالك بن ربيعة الفهري من بني عامر بن لؤي، وذلك أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يناجي عتبة بن ربيعة وأبا جهل بن هشام والعباس بن عبد المطلب وأبيا وأمية ابني خلف ويدعوهم إلى الله سبحانه ويرجوا إسلامهم فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرئني وعلّمني مما علّمك الله، فجعل يناديه ويكرّر النداء ولا يدري أنه مشتغل مقبل على غيره حتى ظهرت الكراهية في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم لقطعه كلامه وقال في نفسه يقول: هؤلاء الصناديد إنما أتباعه العميان والسفلة والعبيد فعبس رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعرض عنه وأقبل على القوم يكلّمهم، فأنزل الله سبحانه هذه الآيات، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك يكرمه وإذا رآهُ قال: "مرحباً بمن عاتبني فيه ربي" ويقول: "هل لك من حاجة" تفسير : واستخلفه على المدينة مرتين في غزوتين غزاهما قال أنس بن مالك: فرأيته يوم القادسية عليه درع ومعه راية سوداء، قال ابن زيد كان يقال: لو كتم رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً من الوحي لكتم هذا. {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ} أي يتطهّر من ذنوبه ويتّعظ ويصلح، وقال ابن زيد: يسلم. {أَوْ يَذَّكَّرُ} يتعظ {فَتَنفَعَهُ ٱلذِّكْرَىٰ} الموعظة، وقراءة العامة فتنفعه بالرفع نسقاً على قوله يزّكى ويذكر، وقرأ عاصم في أكثر الروايات بالنصب على جواب لعل بالفاء. {أَمَّا مَنِ ٱسْتَغْنَىٰ} اثرى {فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّىٰ} تتعرّض وتصغي إلى كلامه قال الراعي: {تَصَدَّىٰ} لوّضاح كان جبينه سراج الدجى تجبى إليه الأساور، وقرأ أهل الحجاز وأيوب تصّدى بتشديد الصاد على معنى يتصدى، وقرأ الباقون بالتخفيف على الحذف. {وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّىٰ} أن لا يسلم أن عليك إلاّ البلاغ {وَأَمَّا مَن جَآءَكَ يَسْعَىٰ} يمشي يعني الأعمى {وَهُوَ يَخْشَىٰ} الله سبحانه {فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّىٰ} تعرض وتتغافل وتتشاغل بغيره {كَلا} ردع وزجر أي لا تفعل مثلها بعدها فليس الأمر كما فعلت من إقبالك على الغني الكافر وإعراضك [عن] الفقير المؤمن. {إِنَّهَا} يعني هذه الموعظة، وقيل: هذه السورة، وقال مقاتل: آيات القرآن {تَذْكِرَةٌ} موعظة وتبصرة {فَمَن شَآءَ} من عباد الله ذكره اتّعظ به، وقال مقاتل: فمن شاء الله ذكّره، أي فهّمه واتعض به إذا شاء الله منه ذلك وذكّره وفهمه، والهاء في قوله: {ذَكَرَهُ} راجعة إلى القرآن والتنزيل والوحي أو الوعظ. {فَي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ} يعني اللوح المحفوظ، وقيل: كتب الأنبياء (عليهم السلام)، دليله قوله سبحانه: {أية : إِنَّ هَـٰذَا لَفِي ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ} تفسير : [سورة الأعلى: 18]. {مَّرْفُوعَةٍ} رفيعة القدر عند الله {مُّطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ} قال ابن عباس ومجاهد: كتبة وهم الملائكة الكرام الكاتبون واحدهم سافر، ويقال: سفرت أي كتبت ومنه قيل للكتاب سفر، وجمعه أسفار، ويقال للورّاق سفّرا بلغة العبرانية وقال قتادة: هم القرّاء، وقال الباقون: هم الرسل من الملائكة واحدهم سفير وهو الرسول، وسفير القوم هو الذي يسعى بينهم للصلح، وسفرت بين القوم إذا أصلحت بينهم، قال الشاعر: شعر : فما ادع السفارة بين قومي ولا أمشي بغير أب نسيب تفسير : وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حبيش قال: حدّثنا أبو القاسم بن الفضل قال: حدّثنا علي بن الحسين قال: حدّثنا الصلت بن مسعود قال: حدّثنا جعفر بن سلمان قال: حدّثنا عبد الصمد بن معقل قال: سمعت عمّي وهب بن منبّه {بِأَيْدِي سَفَرَةٍ} قال: هم أصحاب محمد. {كِرَامٍ بَرَرَةٍ} جمع بار وبرّ مثل كافر وكفرة وساحر وسحرة. {قُتِلَ ٱلإِنسَانُ} لعن الكافر سمعت السلمي يقول: سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت أبا القاسم البزاز يقول: قال ابن عطا: منع الإنسان عن طريق الخيرات بجهله بطلب رشده وسكونه إلى ما وعد الله له، قال مقاتل: نزلت في عتبة بن أبي لهب {مَآ أَكْفَرَهُ} بالله وأنعمه مع كثرة إحسانه إليه وأياديه عنده على طريق التعجّب، وقال الكلبي ومقاتل: هو {مَآ} الاستفهام تعني أي شيء يحمله على الكفر. {مِنْ أَيِّ شَيءٍ خَلَقَهُ * مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ ٱلسَّبِيلَ يَسَّرَهُ} أي طريق خروجه من بطن أمّه، وقال الحسن ومجاهد: يعني طريق الحق والباطل بيّن له ذلك وسهل له العمل به، دليله قوله سبحانه: {أية : إِنَّا هَدَيْنَاهُ ٱلسَّبِيلَ} تفسير : [الإنسان: 3] و {أية : هَدَيْنَاهُ ٱلنَّجْدَينِ} تفسير : [البلد: 10] وقال أبو بكر بن طاهر: يسّر على كل أحد ما خلقه له وقدّر عليه، دليله قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اعملوا فكل ميسّر لما خلق له ". تفسير : {ثُمَّ أَمَاتَهُ} قبض روحه {فَأَقْبَرَهُ} صيّره بحيث يقبر ويدفن يقال: قبرت الميت، إذا دفنته، وأقبره الله أي صيّره بحيث يقبر وجعله ذا قبر ويقول العرب: بُترت ذنب البعير والله أبتره، وعضبت قرن الثور والله أعضبه، وطردتُ فلاناً والله أطرده أي صيّره طريدا، وقال الفراء: معناه جعله مقبوراً، ولم يجعله ممن يلقى للسباع والطير ولا ممن يلقى في النواويس، فالقبر مما أكرم به المسلم، وقال أبو عبيدة فأقبره أي أمر بأن يُقبر، قال: وقالت بنو تميم لعمر بن هبيرة لما قتل صالح بن عبد الرحمن: أقبرنا صالحاً فقال: دونكموه. {ثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنشَرَهُ} أحياه بعد موته. {كَلاَّ} ردّ عليه أي ليس الأمر كما تقول ونظر هذا الكافر، وقال الحسن: حتماً. {لَمَّا يَقْضِ مَآ أَمَرَهُ} أي لم يفعل ما أمرهُ به ربّه ولم يؤدّ ما فرض عليه {فَلْيَنظُرِ ٱلإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ} كيف قدر ربّه ودبّره وليكون له آية وعبرة، وقال مجاهد: إلى مدخله ومخرجه. أخبرنا ابن فتحوية قال: حدّثنا القطيعي قال: حدّثنا عبد الله قال: حدّثني أبي قال: حدّثنا أحمد بن عبد الملك قال: حدّثنا حماد بن زيد عن علي بن زيد بن جدعان حديث : عن الضحاك بن سفيان الكلابي: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: "يا ضحاك ما طعامك؟" قال: يا رسول الله اللحم واللبن، قال: "ثم يصير إلى ماذا؟" قال: إلى ما قد علمت. قال: "قال الله سبحانه وتعالى: ضرب ما يخرج من ابن آدم مثلا للدنيا ". تفسير : أخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن مالك قال: حدّثنا ابن حنبل قال: حدّثني محمد بن عبدالرحيم أبو يحيى قال: حدّثنا أبو حذيفة قال: حدّثنا سفيان عن يونس عن عبيد عن الحسن عن عتيّ عن أُبيّ بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنّ مطعم ابن آدم جُعل مثلا للدنيا وان قزحه وملحه فانظر إلى ما يصير ". تفسير : وأخبرني ابن فنحويه قال: حدّثنا ابن صقلاب قال: حدّثنا ابن أبي الخصيب قال: حدّثني أبي قال: حدّثنا سهل بن عامر قال: حدّثنا عمر بن سليمان عن ابن الوليد قال: سألت ابن عمر عن الرجل يدخل الخلاء فينظر إلى ما يخرج منه، قال: يأتيه الملك فيقول انظر إلى ما بخلت به إلى ما صار؟ {أَنَّا} قرأ الكوفيون بفتح الألف على نية تكرير الخافض، مجازه: ولينظر إلى أنّا، غيرهم بالكسر على الإستئناف. {صَبَبْنَا ٱلْمَآءَ صَبّاً} يعني الغيث {ثُمَّ شَقَقْنَا ٱلأَرْضَ شَقّاً} بالنبات {فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً * وَعِنَباً وَقَضْباً} قال ابن عباس والضحاك: يعني الرطبة، وأهل مكة يسمون القتّ القضيب، قال ثعلب: سمي بذلك لأنه يقضب في كل أيام أي يقطع، وقال الحسن: القضبّ العلف. {وَزَيْتُوناً} وهو الذي منه الزيت {وَنَخْلاً * وَحَدَآئِقَ غُلْباً} غلاظ الأشجار واحدها أغلب ومنه قيل لغليظ الرقبة أغلب، وقال مجاهد: ملتفة، ابن عباس: طوالا، قتادة: الغلب النخل الكرام، عكرمة: عظام الأوساط، ابن زيد: عظام الجذوع والرقاب. {وَفَاكِهَةً وَأَبّاً} يعني الكلاء والمرعى، وقال الحسن: هو الحشيش وما تأكله الدواب ولا تأكله الناس، قتادة: أما الفاكهة فلكم وأما الأبُ فلأنعامكم، أبو رزين: النبات، يدل عليه ما روى ابن جبير عن ابن عباس قال: ما أنبتت الأرض مما تأكل الناس والأنعام. علي بن أبي طلحة عنه: الأبّ: الثمار الرطبة. الضحّاك: هو التبن. عكرمة: الفاكهة: ما يأكل الناس، والأب: ما يأكل الدواب. وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا محمد بن خالد قال: حدّثنا داود بن سليمان قال: حدّثنا عبد بن حميد قال: حدّثنا محمد بن عبيد عن العوام بن حوشب عن إبراهيم التيمي إن أبا بكر سئل عن قوله {وَفَاكِهَةً وَأَبّاً} فقال: أي سماء تظلّني وأي أرض تقلّني إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم. وأخبرنا ابن حمدون قال: أخبرنا ابن الشرقي قال: حدّثنا محمد بن يحيى قال: حدّثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد قال: أخبرنا أبي عن صالح عن ابن شاب عن أنس بن مالك أخبره أنه سمع هذه الآية ثم قال: كلّ هذا قد عرّفنا فما الأب ثم رفض عصاً كانت بيده وقال: هذا لعمر الله التكليف وما عليك يابن أم عمر أن لا تدري ما الأب ثم قال: اتبعوا ما تبيّن لكم من هذا الكتاب وما لا فدعوه. {مَّتَاعاً لَّكُمْ} يعني الفاكهة {وَلأَنْعَامِكُمْ} يعني العشب.
الصابوني
تفسير : اللغَة: {عَبَسَ} كلح وجهه وقطَّب {تَصَدَّىٰ} تتعرض له وتصغي لكلامه {سَفَرَةٍ} السفرة: الملائكة الكرام الكاتبون لأعمال العباد جمع سافر مثل كاتب كَتَبة {فَأَقْبَرَهُ} جعل له قبراً وأمر أن يُقْبر {قَضْباً} القضبُ: كل ما يقطع من البقول فينبت أصلهُ مثل البرسيم "الفصة" والباقلاء، والكُرَّاث وغيرها {غُلْباً} كثيرة الأشجار ملتفة الأغصان جمع غلباء {أَبّاً} الأبُّ: المرعى وكل ما أنبتت الأرض مما تأكله البهائم كالكلأ والعشب {ٱلصَّآخَّةُ} الصيحة التي تصمُّ الآذان لشدتها {مُّسْفِرَةٌ} مشرقة مضيئة {غَبَرَةٌ} غبار ودخان {قَتَرَةٌ} سواد وظلمة. سَبَبُ النّزول: روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مشغولاً مع صناديد قريش يدعوهم إِلى الإِسلام، وكان يطمع في إِسلامهم رجاء أن يسلم أتباعهم، فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم مشتغل بمن عنده من وجوه قريش، جاء إِليه "عبد الله بن أُم مكتوم" وهو أعمى، فقال يا رسول الله: علمني مما علَّمك الله، وكرَّر ذلك وهو لا يعلم أن الرسول مشغول مع هؤلاء المشركين، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم قطعه لكلامه، وعبس وأعرض عنه وقال في نفسه: يقول هؤلاء إِنما أتباعه العميان والسَّفلة والعبيد، فعبس وجهه وأقبل على القوم يكلمهم فأنزل الله {عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ * أَن جَآءَهُ ٱلأَعْمَىٰ} الآيات. التفسِير: {عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ * أَن جَآءَهُ ٱلأَعْمَىٰ} أي كلح وجهه وقطَّبه وأعرض عنه كارهاً، لأنْ جاءه الاعمى يسأل عن أمور دينه قال الصاوي: إِنما أتى بضمائر الغيبة {عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ} تلطفاً به صلى الله عليه وسلم وإِجلالاً له، لما في المشافهة بتاء الخطاب ما لا يخفى من الشدة والصعوبة واسم الأعمى "عبد الله بن أم مكتوم" وكان بعد نزول آيات العتاب إِذا جاءه يقول له: حديث : مرحباً بمن عاتبني فيه ربي، ويبسط له رداءه تفسير : {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ} أي وما يُعلمك ويخبرك يا محمد لعلَّ هذا الأعمى الذي عبستَ في وجهه، يتطهر من ذنوبه بما يتلقاه عنك من العلم والمعرفة!! {أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ ٱلذِّكْرَىٰ} أي أو يتعظ بما يسمع فتنفعه موعظتك!! {أَمَّا مَنِ ٱسْتَغْنَىٰ} أي أما من استغنى عن اللهِ وعن الإِيمان، بما له من الثروة والمال {فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّىٰ} أي فأنت تتعرَّض له وتصغي لكلامه، وتهتم بتبليغه دعوتك {وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّىٰ} أي ولا حرج عليك أن لا يتطهر من دنس الكفر والعصيان، ولست بمطالبٍ بهدايته، إنما عليك البلاغ قال الألوسي: وفيه مزيد تنفيرٍ له صلى الله عليه وسلم عن مصاحبتهم، فإِن الإِقبال على المدبر مخلٌّ بالمروءة كما قال القائل: شعر : واللهِ لو كرهتْ كفي مُصاحبتي يوماً لقلتُ لها عن صُحْبتي بيْني تفسير : {وَأَمَّا مَن جَآءَكَ يَسْعَىٰ} أي وأمَّا من جاءك يسرع ويمشي في طلب العلم للهِ ويحرص على طلب الخير {وَهُوَ يَخْشَىٰ} أي وهو يخاف الله تعالى ويتقي محارمه {فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّىٰ} أي فأنت يا محمد تتشاغل عنه، وتتلهى بالانصراف عنه إِلى رؤساء الكفر والضلال!! {كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ} أي لا تفعل بعد اليوم مثل ذلك، فهذه الآيات موعظة وتبصرة للخلق، يجب أن يتعظ بها ويعمل بموجبها العقلاء {فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ} أي فمن شاء من عباد الله اتعظ بالقرآن، واستفاد من إِرشاداته وتوجيهاته، قال المفسرون: كان صلى الله عليه وسلم بعد هذا العتاب، لا يعبس في وجه فقير قط، ولا يتصدى لغني أبداً، وكان الفقراء في مجلسه أمراء، وكان إِذا دخل عليه "ابن أم مكتوم" يبسط له رداءه ويقول: مرحباً بمن عاتبني فيه ربي.. ثم بعد هذا البيان أخبر عن جلالة قدر القرآن فقال {فَي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ} أي هو في صحفٍ مكرمة عند الله {مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ} أي عالية القدر والمكانة، منزهة عن أيدي الشياطين، وعن كل دنسٍ ونقص {بِأَيْدِي سَفَرَةٍ} أي بأيدي ملائكة جعلهم الله سفراء بينه وبين رسله {كِرَامٍ بَرَرَةٍ} أي مكرمين معظمين عند الله، أتقياء صلحاء {أية : لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}تفسير : [التحريم: 6] ثم ذكر تعالى قبح جريمة الكافر، وإِفراطه في الكفر والعصيان مع كثرة إِحسان الله إِليه فقال {قُتِلَ ٱلإِنسَانُ مَآ أَكْفَرَهُ} أي لعن الكافر وطرد من رحمة الله، ما أشدَّ كفره بالله مع كثرة إِحسانه إِليه وأياديه عنده؟ قال الألوسي: والآية دعاءٌ عليه بأشنع الدعوات وأفظعها، وتعجيبٌ من إِفراطه في الكفر والعصيان، وهذا في غاية الإِيجاز والبيان {مِنْ أَيِّ شَيءٍ خَلَقَهُ} أي من أي شيء خلق الله هذا الكافر حتى يتكبر على ربه؟ ثم وضَّح ذلك فقال {مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ} أي من ماءٍ مهين حقير بدأ خلقه، فقدَّره في بطن أمه أطواراً من نطفة ثم من علقة إِلى أن تمَّ خلقه قال ابن كثير: قدَّر رزقه، وأجله، وعمله، وشقيّ أو سعيد {ثُمَّ ٱلسَّبِيلَ يَسَّرَهُ} أي ثم سهَّل له طريق الخروج من بطن أمه قال الحسن البصري: كيف يتكبر من خرج من سبيل البول مرتين؟ يعني الذكر والفرج {ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ} أي ثم أماته وجعل له قبراً يُوارى فيه إِكراماً له، ولم يجعله ملقى للسباع والوحوش والطيور قال الخازن: وهذه تكرمة لبني آدم على سائر الحيوانات {ثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنشَرَهُ} أي ثم حين يشاء الله إِحياءه، يحييه بعد موته للبعث والحساب والجزاء، وإِنما قال {إِذَا شَآءَ} لأن وقت البعث غير معلوم لأحد، فهو إِلى مشيئة الله تعالى، متى شاء أن يحيي الخلق أحياهم {كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ مَآ أَمَرَهُ} أي ليرتدع وينزجر هذا الكافر عن تكبره وتجبره، فإِنه لم يؤد ما فرض عليه، ولم يفعل ما كلفه به ربه من الإِيمان والطاعة.. ولما ذكر خلق الإِنسان، ذكر بعده رزقه، ليعتبر بما أغدق الله عليه من أنواع النعم، فيشكر ربه ويطيعه فقال {فَلْيَنظُرِ ٱلإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ} أي فلينظر هذا الإِنسان الجاحد نظر تفكر واعتبار، إلى أمر حياته، كيف خلقه بقدرته، ويسره برحمته، وكيف هيأ له أسباب المعاش، وخلق له الطعام الذي به قوام حياته؟! ثم فصَّل ذلك فقال {أَنَّا صَبَبْنَا ٱلْمَآءَ صَبّاً} أي أنا بقدرتنا أنزلنا الماء من السحاب على الأرض إِنزالاً عجيباً {ثُمَّ شَقَقْنَا ٱلأَرْضَ شَقّاً} أي شققنا الأرض بخروج النبات منها شقاً بديعاً {فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً * وَعِنَباً وَقَضْباً} أي فأخرجنا بذلك الماء أنواع الحبوب والنباتات: حباً يقتات الناس به ويدخرونه، وعنباً شهياً لذيذاً، وسائر البقول مما يؤكل رطباً {وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً} أي وأخرجنا كذلك أشجار الزيتون والنخيل، يخرج منها الزيت والرطب والتمر {وَحَدَآئِقَ غُلْباً} أي وبساتين كثيرة الأشجار، ملتفة الأغصان {وَفَاكِهَةً وَأَبّاً} أي وأنواع الفواكه والثمار، كما أخرجنا ما ترعاه البهائم قال القرطبي: الأبُّ ما تأكله البهائم من العشب {مَّتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ} أي أخرجنا ذلك وأنبتناه ليكون منفعة ومعاشاً لكم أيها الناس ولأنعامكم قال ابن كثير: وفي هذه الآيات امتنانٌ على العباد وفيها استدلال بإِحياء النبات من الأرض الهامدة، على إِحياء الأجسام بعدما كانت عظاماً باليةً وأوصالاً متفرقة.. ثم ذكر تعالى بعد ذلك أهوال القيامة فقال {فَإِذَا جَآءَتِ ٱلصَّآخَّةُ} أي فإِذا جاءت صيحة القيامة التي تصخ الآذان حتى تكاد تصمها {يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَٰحِبَتِهِ وَبَنِيهِ} أي في ذلك اليوم الرهيب يهرب الإِنسان من أحبابه، من أخيه، وأمه، وأبيه، وزوجته، وأولاده لاشتغاله بنفسه قال في التسهيل: ذكر تعالى فرار الإِنسان من أحبابه، ورتبهم على مراتبهم في الحنو والشفقة، فبدأ بالأقل وختم بالأكثر، لأن الإِنسان أشدُّ شفقةً على بنيه من كل من تقدم ذكره {لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} أي لكل إِنسان منهم في ذلك اليوم العصيب، شأنٌ يشغله عن شأن غيره، فإِنه لا يفكر في سوى نفسه، حتى إِن الأنبياء صلوات الله عليهم ليقول الواحد منهم يومئذٍ "نفسي نفسي".. ولما بيَّن تعالى حال القيامة وأهوالها، بيَّن بعدها حال الناس وانقسامهم في ذلك اليوم إِلى سعداء وأشقياء، فقال في وصف السعداء: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ} أي وجوه في ذلك اليوم مضيئة مشرقة من البهجة والسرور {ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ} أي فرحة مسرورة بما رأته من كرامة الله ورضوانه، مستبشرة بذلك النعيم الدائم {وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ} أي ووجوه في ذلك اليوم عليها غبارٌ ودخان {تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ} أي تغشاها وتعلوها ظلمةٌ وسواد {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَفَرَةُ ٱلْفَجَرَةُ} أي أولئك الموصوفون بسواد الوجوه، هم الجامعون بين الكفر والفجور، قال الصاوي: جمع الله تعالى إِلى سواد وجوههم الغَبرة كما جمعوا الكفر إِلى الفجور. البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- الالتفات من الغيبة إِلى الخطاب زيادة في العتاب {عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ}.. ثم قال: {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ}؟ فالتفت تنبيهاً للرسول صلى الله عليه وسلم إِلى العناية بشأن الأعمى. 2- جناس الاشتقاق بين {يَذَّكَّرُ .. وٱلذِّكْرَىٰ}. 3- الكناية الرائقة {ثُمَّ ٱلسَّبِيلَ يَسَّرَهُ} كنَّى بالسبيل عن خروجه من فرج الأم. 4- أسلوب التعجب {قُتِلَ ٱلإِنسَانُ مَآ أَكْفَرَهُ}؟ تعجبٌ من إِفراط كفره، مع كثرة إِحسان الله إِليه. 5- الطباق بين {تَصَدَّىٰ} وبين {تَلَهَّىٰ} لأن المراد بهما تتعرض وتنشغل. 6- التفصيل بعد الإِجمال {مِنْ أَيِّ شَيءٍ خَلَقَهُ} ثم فصَّل ذلك وبيَّنه بقوله {مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ ٱلسَّبِيلَ يَسَّرَهُ * ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ}. 7- المقابلة اللطيفة بين السعداء والأشقياء {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ} قابلها بقوله {وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ}. 8- توافق الفواصل مراعاة لرءوس الآيات، وهو من المحسنات البديعية ويسمى السجع مثل {عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ * أَن جَآءَهُ ٱلأَعْمَىٰ * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ} ومثل {فَي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ * مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ..} الخ. لطيفَة: اقتبس بعض الأدباء من قوله تعالى {قُتِلَ ٱلإِنسَانُ مَآ أَكْفَرَهُ}؟ هذين البيتين: شعر : يتمنى المرء في الصيف الشِّتا فإِذا جاء الشِّتا أنكره فهو لا يرضى بحالٍ واحدٍ قُتِل الإِنسانُ ما أكفره؟
زيد بن علي
تفسير : أخبرنا أبو جعفر. قال: حدّثنا علي بن أحمد. قال: حدّثنا عطاء بن السائب عن أبي خالد عن زيد بن علي عليهما السلامُ في قولهِ تعالى: {عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ} معناه كَلُحَ وَجهُهُ، وأَعرضَ. و: {ٱلأَعْمَىٰ} عَمرو بن أم مكتوم انتهى إلى النبي صلى الله عليهِ وعلَى آلهِ وسلمَ وهو يَدعو قريشاً إلى الإِسلامِ، فَشغلَ عَنهُ.
الأندلسي
تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ} الآية، هذه السورة مكية وسبب نزولها مجيء ابن أم مكتوم عليه السلام ومناسبتها لما قبلها أنه لما ذكر إنما أنت منذر من يخشاها ذكر في هذه الآية من ينفعه الإِنذار ومن لم ينفعه الإِنذار إن جاء مفعول من أجله أي لأن جاءه وتعلق بتولى على مختار البصريين في الأعمال وبعبس على مختار أهل الكوفة. {وَمَا يُدْرِيكَ} الكاف للخطاب انتقل من ضمير الغيبة في عبس إلى ضمير الخطاب وقرىء يزكى بتشديد الزاي أصله يتزكى أدغم التاء في الزاي وقرأ عاصم فتنفعه بنصب العين وتقدم الكلام في نظيره من قوله فاطلع في قراءة حفص. {أَمَّا مَنِ ٱسْتَغْنَىٰ} ظاهره من كان ذا ثروة وغنى وهم الذين كان الرسول عليه السلام يناجيهم في شأن الإِسلام عتبة وربيعة أبو جهل وأبي أمية ويدعوهم إليه وقرىء: تصدى بتخفيف الصاد وقرىء: {وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّىٰ} ما مبتدأة استفهامية تقديره أي شىء عليك وهذا تحقير لأمر الكافر وحفص على الإِعراض عنه وتر الاهتمام به في كونه لا يفرح ولا يتطهر من دنس الكفر. {وَأَمَّا مَن جَآءَكَ يَسْعَىٰ} أي يمشي بسرعة في أمر دينه وهو يخشى أي يخاف الله ويخاف الكفار وأذاهم العثار والسقوط لكونه أعمى وقد جاء بلا قائد يقوده وهي جملة حالية. {تَلَهَّىٰ} تشتغل يقال لها عن الشيء يلهي إذا اشتغل عنه وقرأ البزي عنه أتلهى بإِدغام تاء المضارعة في تاء تفعل وصلة الضمير بواو. {كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ} أي سور القرآن أو الآيات تذكرة عظمة لمن ينتفع بها. {فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ} أي فمن شاء أن يذكر هذه الموعظة ذكره أتى بالضمير مذكر لأن التذكرة هي الذكر. {فَي صُحُفٍ} قيل اللوح المحفوظ وقيل صحف الأنبياء المنزلة. {مُّكَرَّمَةٍ} عند الله تعالى. {مَّرْفُوعَةٍ} في السماء أو مرفوعة المقدار. {بِأَيْدِي سَفَرَةٍ} قال ابن عباس هم الملائكة لأنهم كتبة عمل الإِنسان. {قُتِلَ ٱلإِنسَانُ} حديث : قيل نزلت في عتبة بن أبي لهب غاضب أباه فأسلم ثم استصلحه أبوه وأعطاه مالاً وجهزه إلى الشام فبعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كافر برب النجم إذا هوى فروى أن النبي صلى الله عليه سلم قال: "اللهم إبعث عليه كلبك حتى يأكله" فلما انتهى. إلى الغاضرة ذكره النبي صلى الله عليه وسلم فجعل لمن معه ألف دينار أن أصبح حياً فجعلوه في وسط الرفقة والمتاع حوله فأقبل الأسد إلى الرحال ووثب فإِذا هو فوقه فمزقه فكان أبوه يندبه ويبكي عليه ويقول ما قال محمد شيئاً قط إلا كان تفسير : والآية وإن نزلت من مخصوص فالإِنسان يراد به الكافر قتل دعاء عليه والقتل أعظم شدائد الدنيا. {مَآ أَكْفَرَهُ} الظاهر أنه تعجب من إفراط كفره والتعجب بالنسبة للمخلوقين إذ هو مستحيل في حق الله تعالى أي هو ممن يقال فيه ما أكفره. {مِنْ أَيِّ شَيءٍ خَلَقَهُ} إستفهام على معنى التقرير على حقارة ما خلق منه ثم بين ذلك الشىء الذي خلق منه فقال: {مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ} أي فهيأه لما يصلح له. {ثُمَّ ٱلسَّبِيلَ يَسَّرَهُ} أي ثم يسر السبيل أي سهله وهذا من باب الاشتغال. {ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ} أي جعل له قبراً صيانة لجسده أن يأكله الطير والسباع. {ثُمَّ إِذَا شَآءَ} أي أراد إنشاره أنشره والمعنى إذا بلغ الوقت الذي قد شاءه الله تعالى وهو يوم القيامة. {كَلاَّ} ردع للإِنسان. {لَمَّا يَقْضِ} نفي من أول مدة تكليفية إلى حين إقباره. {مَآ أَمَرَهُ} به الله تعالى فالضمير في يقض عائد على الإِنسان. {فَلْيَنظُرِ ٱلإِنسَانُ} لما عدد تعالى نعمه في نفس الإِنسان ذكر النعم فيما به قوام حياته وأمره بالنظر إلى طعامه وكيفيات الأحوال التي اعتورت على طعامه حتى صار بصدد أن يطعم والظاهر أن الطعام هو المطعوم وكيف يسره الله تعالى بهذه الوسائط المذكورة. {أَنَّا صَبَبْنَا ٱلْمَآءَ صَبّاً} أسند تعالى الصب والشق إلى نفسه إسناد الفعل إلى السبب وصب الماء هو المطر. {حَبّاً} يشمل كل ما يسمى حبا من حنطة وشعير وذرة وسلت وعلس وغير ذلك. {وَقَضْباً} قيل العلف وقيل غير ذلك. {غُلْباً} قال ابن عباس غلاظا وعنه طوالا وقيل ملتفة مجتمعة. {وَفَاكِهَةً} ما يأكله الناس من ثمر الشجر كالخوخ والتين. {وَأَبّاً} ما تأكله البهائم من العشب. {ٱلصَّآخَّةُ} إسم من أسماء القيامة يصم نبأها الاذان تقول العرب صختهم الصاخة. {يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ} بدل من إذا وجواب إذا محذوف تقديره اشتغل كل إنسان بنفسه يدل عليه لكل امرىء منهم يومئذٍ شأن يغنيه وفراره من شدّة هول يوم القيامة. {مِنْ أَخِيهِ} بدأ أولاً بالأخ ثم بالأبوين ثم بالصاحبة ثم بالبنين. {يُغْنِيهِ} أي عن النظر في شأن الآخر من الإِغناء. {مُّسْفِرَةٌ} نيرة مضيئة من أسفر الصبح أضاء. {تَرْهَقُهَا} تغشاها. {قَتَرَةٌ} أي غبار والأولي هو ما يغشاها من العبوس عنه الهم والثانية من غبار الأرض والقترة ما ارتفع إلى السماء.
الجيلاني
تفسير : {عَبَسَ} وجهه من الكراهة عن المسترشد {وَتَوَلَّىٰ} [عبس: 1] أي: أعرض عنه، وحول صفحة وجهه عنه كارهاً إياه. وقت {أَن جَآءَهُ} المسترشد {ٱلأَعْمَىٰ} [عبس: 2] أخرج الكلام سبحانه مع حبيبه صلى الله عليه وسلم على طريق الغيبة؛ إظهاراً لكمال الغيرة، والحمية الإلهية عن هذه الغفلة الغير مرضية. ثمَّ التفت إلى الخطاب؛ لكمال التأديب والتشنيع فقال على سبيل التهويل: {وَمَا يُدْرِيكَ} أي: وأيّ شيء يكشف لك حاله وقلبه {لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ} [عبس: 3] ويتطهر عن الآثام، ويهتدي إلى طريق الإسلام بهدايتك وإرشادك، بخلاف أولئك الجهلة الغفلة الذين تحننت نحوهم، وتحببت دعوتهم، فإنهم لا يهتدون ولا يتطهرون. {أَوْ يَذَّكَّرُ} أي: يتعظ ويتذكر هذا المريد الفقير من كلامك {فَتَنفَعَهُ ٱلذِّكْرَىٰ} [عبس: 4] والعظة، و توجَّه هو بسببها إلى المولى. {أَمَّا مَنِ ٱسْتَغْنَىٰ} [عبس: 5] عن الله، وأعرض عن تذكيرك ودعوتك مستكبراً بماله وثروته، وسيادته وكمال نخوته. {فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّىٰ} [عبس: 6] تميل وتتعرض بالإقبال إليه، وتتحنن بكمال المحبة نحوه. {وَمَا عَلَيْكَ} أي: أيّ شيء عرض عليك، ولحِق بك عن المكاره الإمكانية {أَلاَّ يَزَّكَّىٰ} [عبس: 7] ولا يتظهر عن خباثة الآثام، وأدناس العصيان حتى يبعثك عن الإعراض عن أهل الحق، وعدم الالتفات نحوهم، مع أن ما عليك إلاَّ البلاغ والتبليغ. {وَأَمَّا مَن جَآءَكَ} من أرباب الطلب والإخلاص {يَسْعَىٰ} [عبس: 8] ويسرع بطلب الخير والهداية. {وَ} الحال أنه {هُوَ يَخْشَىٰ} [عبس: 9] عن غضب الله ويرجو ثوابه. {فَأَنتَ} مع كونك مبعوثاً عن الهداية والإرشاد إلى أصحاب الإرادة والقبول {عَنْهُ تَلَهَّىٰ} [عبس: 10] تتشاغل وتنصرف، كأنك تحقره ولا تبال بشأنه وإيمانه؛ لرثاثة حاله وفقره. ثمَّ بالغ سبحانه في تأديب حبيبه صلى الله عليه وسلم وأكده، حيث قال: {كَلاَّ} أي: ارتدع عن فعلتك هذه، ولا تمل إلى أصحاب الزيغ والضلال معرضاً عن أرباب الهداية والكمال؛ إذ ما عليك التخيير والاختيار، إن عليك إلاَّ التبليغ والإنذار {إِنَّهَا} أي: دعوتك وتذكيراتك بالآيات {تَذْكِرَةٌ} [عبس: 11] نازلة من ربك، مأمورة لك تبليغها إلى الناس. {فَمَن شَآءَ} سبحانه اتعاظه من عباده {ذَكَرَهُ} [عبس: 12] أي: بالقرآن، ووعظه به سواء كان فقيراً أو غنياً. وكيف لا يوعظ به، مع أنه منزّل من عند الله {فَي صُحُفٍ} نازلة على رسل الله {مُّكَرَّمَةٍ} [عبس: 13] عنده سبحانه؟! {مَّرْفُوعَةٍ} مقبولة لديه درجةً ومكاناً، ملقاة من عند الله إلى رسول الله {مُّطَهَّرَةٍ} [عبس: 14]. {بِأَيْدِي سَفَرَةٍ} [عبس: 15] أي: ملائكة يتوسلون بين الله ورسله. {كِرَامٍ} أعزة من عند الله، ذو كرامة على أهل الإيمان {بَرَرَةٍ} [عبس: 16] أتقياء مبرورين في أنفسهم، بارين على عباد الله مع هذه الكرامة العظيمة الإلهية، والإشفاق البليغ من لدنه سبحانه، والرحمة العامة من عنده. {قُتِلَ ٱلإِنسَانُ} أي: لُعن وطُرد عن ساحة القبول {مَآ أَكْفَرَهُ} [عبس: 17] أي: أيّ شيء حداه وبعثه إلى الإعراض عن الله المنعم المفضل، والانصراف عن طاعته وعبادته، مع أنه عالم بكمال كرامته سبحانه عليه، معترف ببدائع صنعه وصنعته معه، متذكر في نفسه، مستحضر بشئونه وتطوراته السالفة؟! {مِنْ أَيِّ شَيءٍ} مسترذل مستنزل {خَلَقَهُ} [عبس: 18] وأوجده حسب قدرته. {مِن نُّطْفَةٍ} مهينة خبيثة {خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ} [عبس: 19] أي: هيَّأ آلاته وأعضاءه منها، فعدَّله وسوَّى هيكله، ومن أنَّى تكبر وافتخر وبطر؟! {ثُمَّ ٱلسَّبِيلَ} الموحد الموصل إلى ربه وموجده الذي هو مبدؤه ومعاده {يَسَّرَهُ} [عبس: 20] وسهَّل عليه بأن أفاض عليه، وأودع فيه العقل الفطري المنشعب من العقل الكلي الإلهي؛ ليعرف به مبدأه ومعاده. {ثُمَّ أَمَاتَهُ} عن نشأة الاختيار والابتلاء تخليصاً وتقريباً له إلى ربه {فَأَقْبَرَهُ} [عبس: 21] في البرزخ. {ثُمَّ إِذَا شَآءَ} وتعلق مشيئته للإحياء {أَنشَرَهُ} [عبس: 22] من القبر، وحشره إلى المحشر فحاسبه فجازاه على مقتضى حسابه، خيراً كان أو شراً فضلاً منه وعدلاً.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : أيها المعبس في وجه أصحابه المعرض بوجهه عن الطلاب أما تقرأ فصل الخطاب وما تفهم العتاب الذي أدرج رب الأرباب في طي الكتاب المستطاب المنزل على نبيه سيد الأحباب حيث قال: {عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ * أَن جَآءَهُ ٱلأَعْمَىٰ} [عبس: 1-2] فينبغي أيتها اللطيفة المبلغة إذا جاءك طالب من قوى النفس التي عميت عيناها بالهوى ويطلب منك الهدى أن تغتنم مجيئها، وتقبل بوجهك عليها وترشدها إلى سبيل الهدى، {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ} [عبس: 3]؛ أي: يتطهر من الباطل بتعليمك إياه وبقي لك ثواب الدلالة والتعليم {أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ ٱلذِّكْرَىٰ} [عبس: 4]؛ أي: يتعظ بوعظك فتنفعه الموعظة، وأنت جئت إلى هذا العالم لينتفع بك الآخر. {أَمَّا مَنِ ٱسْتَغْنَىٰ} [عبس: 5] عن الوعظ وعن استماع الحق {فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّىٰ} [عبس: 6]؛ يعني: تقبل بوجهك إليه وتصغي إلى كلامه، وهو في الأنفس القوى الشريفة القالبية والنفسية تقبل اللطيفة عليها ليعطي حظها رجاء أن تقبل منها الحق، {وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّىٰ} [عبس: 7]؛ يعني: ما عليك إلا البلاغ، فإن لم يزك ما عليك ذنب، {وَأَمَّا مَن جَآءَكَ يَسْعَىٰ} [عبس: 8]؛ أي: القوى الضعيفة الطالبة {وَهُوَ يَخْشَىٰ} [عبس: 9] من الله ويسعى إليك؛ لترشده إلى سبيل الحق وطريق النجاة، {فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّىٰ} [عبس: 10]؛ أي: أنت تشتغل عنه باشتغالك بالأشراف. {كَلاَّ} [عبس: 11] كلمة جاءت على سبيل الزجر؛ أي: أنت عن مثل هذا الفعل {إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ} [عبس: 11]؛ يعني: هذه الموعظة والعتاب موعظة للمرشدين ليغتنموا مجيء المسترشدين، ويشتغلوا بإرشادهم ما ينزه على نفوسهم، ومنعه للطالبين ليجتهدوا في الطلب إذ اعلموا أن الله عاتب حبيبه لأجلهم، {فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ} [عبس: 12]؛ أي: من كان سعيداً اتعظ به، واجتهد في طلبه كان بمشيئة الله المسطورة. {فَي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ} [عبس: 13] بكرامة الله تعالى آمنة على أن يطلع عليها العدد {مَّرْفُوعَةٍ} [عبس: 14]؛ أي: رفيعة القدر عنه لا تصل إليها يد العدو، ومودعة في صحف القلب والسر والروح والخفى مطهرة عن الزيغ بحديث النفس، وعن إلقاء الشيطان بالزيادة والنقصان لا يمسها يد لامس لا تكون {مُّطَهَّرَةٍ} [عبس: 14] عن الباطل بل يمسها المطهرون، وهم القوى الملكية القلبية والسرية والروحية كما يقول في كتابه: {بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ} [عبس: 15-16] بأيدي كتبة على الله بررة على خلقه بكتابتهم كل ينؤون قبل الوقوع من الخير، ولا يكتبون ما ينؤون من السر إلا بعد الوقوع، وهم جمع من الملائكة التي خلقهم الله من رشاش النور المطهر من رأس القلم على لوح العقل، وهم الكتبة وفي هذا سر يتعلق بحد القرآن مما يجب أن يطوى سره. {قُتِلَ ٱلإِنسَانُ مَآ أَكْفَرَهُ} يعني: لمن القوى المتقدة الشريفة المقبلة عليها اللطيفة بوجهها لتهديها، وهو أعرض عنها وما قبل هدايتها {أية : فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ ٱللَّهِ}تفسير : [النحل: 112] التي أنعم في حقها من إعطاء الاستعداد لها والتفات اللطيفة إليها ألا تتفكر {مِنْ أَيِّ شَيءٍ خَلَقَهُ} [عبس: 18] {مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ} [عبس: 19]؛ أي: من نطفة قطرة نقطة القاسم خلقها {فَقَدَّرَهُ} [عبس: 19]؛ أي: في لوح العقل قدرها {ثُمَّ ٱلسَّبِيلَ يَسَّرَهُ} [عبس: 20]؛ أي: يسرها سبيل عالم الجسم لينزل إليه.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : وسبب نزول هذه الآيات الكريمات، أنه جاء رجل من المؤمنين أعمى يسأل النبي صلى الله عليه ويتعلم منه. وجاءه رجل من الأغنياء، وكان صلى الله عليه وسلم حريصا على هداية الخلق، فمال صلى الله عليه وسلم [وأصغى] إلى الغني، وصد عن الأعمى الفقير، رجاء لهداية ذلك الغني، وطمعا في تزكيته، فعاتبه الله بهذا العتاب اللطيف، فقال: { عَبَسَ } [أي:] في وجهه { وَتَوَلَّى } في بدنه، لأجل مجيء الأعمى له، ثم ذكر الفائدة في الإقبال عليه، فقال: { وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ } أي: الأعمى { يَزَّكَّى } أي: يتطهر عن الأخلاق الرذيلة، ويتصف بالأخلاق الجميلة؟ { أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى } أي: يتذكر ما ينفعه، فيعمل بتلك الذكرى. وهذه فائدة كبيرة، هي المقصودة من بعثة الرسل، ووعظ الوعاظ، وتذكير المذكرين، فإقبالك على من جاء بنفسه مفتقرا لذلك منك، هو الأليق الواجب، وأما تصديك وتعرضك للغني المستغني الذي لا يسأل ولا يستفتي لعدم رغبته في الخير، مع تركك من هو أهم منه، فإنه لا ينبغي لك، فإنه ليس عليك أن لا يزكى، فلو لم يتزك، فلست بمحاسب على ما عمله من الشر. فدل هذا على القاعدة المشهورة، أنه: " لا يترك أمر معلوم لأمر موهوم، ولا مصلحة متحققة لمصلحة متوهمة " وأنه ينبغي الإقبال على طالب العلم، المفتقر إليه، الحريص عليه أزيد من غيره.
همام الصنعاني
تفسير : 3496- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ}: [الآية: 1]، قال: جاء ابن أم مكتُوم إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يكلم أبيّ بن خَلَف، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فأنزل الله تعالى عليه: {عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ}: [الآية: 1]، فكان النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذَلِكَ يكْرِمُهُ. 3497- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، قال: أخبرني أنس بن مالِك، قال: رأيته يوم القادسية عليه درع ومعه راية سوداء، يعني ابن أم مكتوم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):