Verse. 5782 (AR)

٨٠ - عَبَسَ

80 - Abasa (AR)

فَلْيَنْظُرِ الْاِنْسَانُ اِلٰى طَعَامِہٖۗ۝۲۴ۙ
Falyanthuri alinsanu ila taAAamihi

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فلينظر الإنسان» نظر اعتبار «إلى طعامه» كيف قدر ودبر له.

24

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {فَلْيَنظُرِ ٱلإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ} لما ذكر جل ثناؤه ٱبتداء خلق الإنسان، ذكر ما يُسَّر من رزقه؛ أي فلينظر كيف خَلَق الله طعامه. وهذا النظر نظر القلب بالفكر؛ أي ليتدبرْ كيف خَلَق الله طعامَه الذي هو قِوام حياته، وكيف هيأ له أسباب المعاش، ليستعد بها للمعاد. ورُوِي عن الحسن ومجاهد قالا: {فَلينْظرِ الإنسان إِلى طعامِهِ} أي إلى مُدْخله ومُخْرجه. وروى ٱبن أبي خيْثمة « حديث : عن الضحاك بن سفيان الكلابيّ قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: «يا ضحاكُ ما طعامك» قلت: يا رسول الله! اللَّحم واللبن؛ قال: «ثم يصير إلى ماذا» قلت إلى ما قد علمته؛ قال: «فإنّ الله ضرب ما يخرج من ٱبن آدم مثلاً للدنيا» » تفسير : . وقال أبيّ بن كعب: قال النبي صلى الله عليه وسلم: « حديث : إن مَطْعَمَ ٱبن آدم جُعِل مثلاً للدنيا وإن قَزَحَه ومَلَّحه فٱنظر إلى ما يصير » تفسير : . وقال أبو الوليد: سألت ٱبن عَمر عن الرجل يدخل الخَلاء فينظر ما يخرج منه؛ قال: يأتيه الملك فيقول ٱنظر ما بَخِلت به إلى ما صار؟ قوله تعالى: {أَنَّا صَبَبْنَا ٱلْمَآءَ صَبّاً} قراءة العامة «إِنا» بالكسر، على الاستئناف. وقرأ الكوفيون ورُوَيْس عن يعقوب «أَنا» بفتح الهمزة، فـ «ـأنا» في موضع خفض على الترجمة عن الطعام، فهو بدل منه؛ كأنه قال: «فلينظرِ الإِنسان إِلى طعامِهِ» إلى «أنا صببنا»، فلا يحسُن الوقف على «طعامِهِ» من هذه القراءة. وكذلك إن رفعت «أَنا» بإضمار هو أنا صببنا؛ لأنها في حال رفعها مترجِمة عن الطعام. وقيل: المعنى: لأنا صببنا الماء، فأخرجنا به الطعام، أي كذلك كان. وقرأ الحسين بن عليّ «أَنَّى» ممال، بمعنى كيف؟ فمن أخذ بهذه القراءة قال: الوقف على «طعامه» تام. ويقال: معنى «أنَّى» أين، إلا أنّ فيها كناية عن الوجوه؛ وتأويلها: من أي وجه صَببنا الماء؛ قال الكميت: شعر : أَنَّى ومِنْ أينَ آبكَ الطَّرَبُ مِن حيثُ لا صَبْوةٌ ولا رِيبُ تفسير : «صببنا الماء صباً»: يعني الغيث والأمطار. {ثُمَّ شَقَقْنَا ٱلأَرْضَ شَقّاً}: أي بالنبات {فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً} أي قمحاً وشعيراً وسُلْتاً وسائر ما يُحْصَد ويدّخر {وَعِنَباً وَقَضْباً} وهو القَتّ والَعلَف؛ عن الحسن: سمي بذلك لأنه يُقْضَب أي يقطع بعد ظهوره مرة بعد مرة. قال القُتَبيّ وثعلب: وأهل مكة يسمون القَتَّ القَضْب. وقال ٱبن عباس: هو الرّطب لأنه يُقَضب من النخل: ولأنه ذكر العِنب قبله. وعنه أيضاً: أنه الفِصفِصة وهو القَتّ الرطب. وقال الخليل: القضب الفِصْفِصة الرطبة. وقيل: بالسين، فإذا يبست فهو قَتٌّ. قال: والقضْب: ٱسم يقع على ما يُقْضب من أغصان الشجرة، ليتخذ منها سِهام أو قِسِيّ. ويقال: قَضْباً، يعني جميع ما يقضب، مثل القَتِّ والكُرَّاث وسائر البقول التي تقطع فينبت أصْلها. وفي الصحاح: والقَضْبة والقَضْب الرَّطْبة، وهي الإسفِسْت بالفارسية، والموضع الذي يَنْبُت فيه مَقْضَبة. {وَزَيْتُوناً} وهي شجرة الزيتون {وَنَخْلاً} يعني النخيل {وَحَدَآئِقَ} أي بساتين واحدها حديقة. قال الكلبي: وكل شيء أَحيط عليه من نخيل أو شجر فهو حديقة، وما لم يُحَط عليه فليس بحديقة. {غُلْباً} عظاماً شجرها؛ يقال: شجرة غَلْباء، ويقال للأسد: الأغلب؛ لأنه مُصْمَت العنق، لا يلتفت إلا جميعاً؛ قال العجاج: شعر : ما زِلتُ يوم البَيْن أَلوِي صَلَبِي والرأَسَ حتى صِرتُ مِثلْ الأَغلبِ تفسير : ورجل أغلب بيّن الغَلَب إذا كان غليظ الرقبة. والأصل في الوصف بالغلَب: الرقاب فٱستعير؛ قال قال عمرو بن مَعْدِي كرِب: شعر : يَمشِي بها غُلْب الرقابِ كأَنهم بُزْل كُسِين مِن الكُحَيْلِ جِلالا تفسير : وحديقة غلباء: ملتفة وحدئق غُلْب. وٱغلَولَب العشب: بلغ وٱلتف البعض بالبعض. قل ٱبن عباس: الغُلْب: جمع أغلب وغلباء وهي الغِلاظ. وعنه أيضاً الطِّوال. قتادة وٱبن زيد: الغُلْب: النخل الكرام. وعن ٱبن زيد أيضاً وعِكرمة: عظام الأوساط والجذوع. مجاهد: ملتفة. {وَفَاكِهَةً} أي ما تأكله الناس من ثمار الأشجار كالتين والخَوْخ وغيرهما {وَأَبّاً} هو ما تأكله البهائم من العُشب؛ قال ٱبن عباس والحسن: الأَبُّ: كل ما أنبتت الأرض، مما لا يأكله الناس، ما يأكله الآدميون هو الحَصيد؛ ومنه قول الشاعر في مدح النبي صلى الله عليه وسلم: شعر : لَه دَعْوة ميْمونة ريُحها الصَّبا بها يُنبِتُ الله الحصِيدة والأَبَّا تفسير : وقيل: إنما سمي أَبًّا؛ لأنه يُؤَبُّ أي يُؤَمّ ويُنْتجَع. والأَب والأم: أَخَوان؛ قال: شعر : جِذمنا قيسٌ ونجدٌ دارنا ولنا الأَبُّ بِهِ والمَكْرَع تفسير : وقال الضحاك: والأب: كل شيء ينبت على وجه الأرض. وكذا قال أبو رَزِين: هو النبات. يدلّ عليه قول ٱبن عباس قال: الأبُّ: ما تنبت الأرض مما يأكل الناس والأنعام. وعن ٱبن عباس أيضاً وٱبن أبي طلحة: الأبّ: الثمار الرَّطْبة. وقال الضحاك: هو التين خاصة. وهو محكي عن ٱبن عباس أيضاً؛ قال الشاعر: شعر : فما لَهُمُ مَرْتَعٌ لِلسَّوا مِ والأَبُّ عندَهم يُقْدَرُ تفسير : الكلبيّ: هو كل نبات سوى الفاكهة. وقيل: الفاكهة: رَطْب الثمار، والأب يابسها. وقال إبراهيم التيميّ: سئل أبو بكر الصديق رضي الله عنه عن تفسير الفاكهة والأب فقال: أيُّ سماء تُظِلني، وأيُّ أرض تُقِلُّني إذا قلت: في كتاب الله ما لا أعلم. وقال أنس: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه قرأ هذه الآية ثم قال: كل هذا قد عرفناه، فما الأبّ؟ ثم رفع عصا كانت بيده وقال: هذا لعَمْر اللَّهِ التكلُّف، وما عليك يا بن أم عُمَر ألاَّ تدري ما الأب؟ ثم قال: ٱتبعوا ما بُيِّن لكم من هذا الكتاب، وما لا فدعوه. ورُوِي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : خُلِقتم من سبْع، ورزِقتم من سبع، فاسجدوا لله على سبْع »تفسير : . وإنما أراد بقوله: «حديث : خلقتم من سبع»تفسير : يعني { أية : مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ } تفسير : [الحج: 5] الآية، والرزق من سْبع، وهو قوله تعالى: {فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً } إلى قوله: {وَفَاكِهَةً}، ثم قال: {وَأَبّاً} وهو يدل على أنه ليس برزق لابن آدم، وأنه مما تختص به البهائم. والله أعلم. {مَّتَاعاً لَّكُمْ} نصب على المصدر المؤكِّد، لأن إنبات هذه الأشياء إمتاع لجميع الحيوانات. وهذا ضرب مثلٍ ضربه الله تعالى لبعث الموتَى من قبورهم؛ كنبات الزرع بعد دُثُوره، كما تقدم بيانه في غير موضع. ويتضمن ٱمتناناً عليهم بما أنعم به، وقد مضى في غير موضع أيضاً.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَلْيَنظُرِ ٱلإِنسَٰنُ } نظر اعتبار {إِلَىٰ طَعَامِهِ } كيف قُدِّرَ ودُبِّرَ له.

ابن عبد السلام

تفسير : {طَعَامِهِ} الذي يحيى به من أي شيء هو أو ما يخرج منه أي شيء كان ثم كيف صار بعد حفظ الحياة ونمو الجسد.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {فَلْيَنظُرِ ٱلإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ}. قال ابن الخطيب: اعلم أنَّ عادة الله - تعالى - جارية في القرآن الكريم، كلما ذكر دلائل الأنفس يذكر عقبها دلائل الآفاق، فبدأ - هاهنا - بما يحتاج الإنسان إليه. واعلم أنَّ النَّبْتَ إنَّما يحصل من القَطْرِ النازل من السماء الواقع في الأرض، فالسماء كالذَّكر، والأرض كالأنثى، فبيَّن نزول السماء إلى الأرض بقوله: {أَنَّا صَبَبْنَا ٱلْمَآءَ}. وقال القرطبي: لمَّا ذكر تعالى ابتداء خلقِ الإنسان، ذكر ما يسَّر من رزقه، أي: فلينظر كيف خلق الله طعامه الذي هو قوام حياته، وكيف هيأ له أسباب المعاشِ ليستعد بها للمعاد، وهذا النظر نظر القلب بالفكر، والتدبر. قال الحسنُ ومجاهدٌ: {فَلْيَنظُرِ ٱلإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ} أي: إلى مدخله ومخرجه. روى الضحاكُ بنُ سفيان الكلابي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : "يَا ضحَّاكُ، ما طَعامُكَ"؟ قلت: يا رسول الله، اللَحْمُ واللَّبنُ، قال: "ثُمَّ يصيرُ إلى مَاذَا"؟ قلت: إلى ما قد علمتهُ، قال: "فإنَّ الله - تعالى - ضَرَبَ مَا يَخْرجُ مِنْ ابْنِ آدمَ مثلاً للدُّنْيَا" ". تفسير : وقال أبو الوليد: سألت ابن عمر - رضي الله عنه - عن الرجل يدخل الخلاء، فينظر ما يخرج منه، قال: يأتيه الملك فيقول: انظر ما بخلت به إلى ما صار. واعلم أنَّ الطعام الذي يتناوله الإنسان له حالتان: إحداهما متقدمة، وهي التي لا بد من وجودها حتى يدخل ذلك الطعام في الوجود. والحالة الثانية متأخرة وهي الأمور التي لا بد منها في بدن الإنسان، حتى يحصل الانتفاع بذلك الطعام، فلما كانت الحالة الأولى أظهر للحسِّ، لا جرم اكتفى الله تعالى بذكرها. قوله تعالى: {أَنَّا صَبَبْنَا ٱلْمَآءَ صَبّاً}. قرأ الكوفيون: "أنَّا" بفتح الهمزة غير ممالة. والباقون: بالكسر. والحسين بن علي: بالفتح والإمالة. فأمَّا الفراءة الأولى، ففيها ثلاثة أوجه: أحدها: أنها بدل من "طَعامه"، فيكون في محل جر، واستشكل بعضهم هذا الوجه، ورد بأنه ليس بواضح. والثاني: أنه بدلُ اشتمالٍ، بمعنى أنَّ صبَّ الماء سبب في إخراج الطَّعام، فهو مشتمل عليه بهذا التقدير، وقد نحا مكيٌّ إلى هذا فقال: لأن هذه الأشياء مشتملة على الطعام ومنها يتكون، لأنَّ معنى "إلى طعامهِ" إلى حدوث طعامه كيف يتأتى، فالاشتمال في هذا إنما هو من الثاني على الأول؛ لأن الاعتبار إنَّما هو في الأشياء التي يتكون منها الطعام لا في الطعام نفسه. والوجه الثاني: أنها على تقدير لام العلَّة، أي فلينظر لأنا، ثم حذف الخافض فجرى الخلاف المشهور في محلها. قال القرطبيُّ: فـ "أنّا" في موضع خفضٍ على الترجمة عن الطعام، فهو بدل منه؛ كأنًّه قال: {فَلْيَنظُرِ ٱلإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ} إلى "أنَّا صببنا"، فلا يحسن الوقف على "طعامه" في هذه القراءة. والوجه الثالث: أنَّها في محل رفعٍ خبر لمبتدأ محذوف، أي: هو أنَّا صَببنَا، وفيه ذلك النظر المتقدم؛ لأنَّ الضمير إن عاد على الطعام، فالطعام ليس هو نفس الصب، وإن عاد على غيره، فهو غير معلوم، وجوابه ما تقدم. وأما القراءة الثانية: فعلى الاستئناف, تقديراً لنعمه عليه. وأما القراءة الثالثة: "أنَّى" التي بمعنى: "كَيْفَ"، وفيها معنى التَّعجُّب، فهي على هذه القراءة كلمة واحدة، وعلى غيرها كلمتان. قال القرطبي: فمن أخذ بهذه القراءة، قال: الوقف على "طعامه" تام، ويقال: معنى "أنَّى": أين، إلاَّ أنَّ فيها كناية عن الوجوه، وتأويلها: من أي وجهٍ صببنا؛ قال: الكميت: [المنسرح] شعر : 5109- أنَّى، ومِنْ أيْنَ آبَكَ الطَّربُ مِنْ حَيْثُ لا صبْوةُ ولا رَيبُ تفسير : فصل في المراد بصبّ الماء قوله: {صَبَبْنَا ٱلْمَآءَ صَبّاً}، يعني: الغيث والأمطار، {ثُمَّ شَقَقْنَا ٱلأَرْضَ شَقّاً} أي: بالنبات {فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً} أي: قَمْحاً وشعيراً وسلقاً، وسائر ما يحصد ويدخر، وإنما قدم ذلك لأنها كالأصل في الأغذية، "وعِنَباً" وإنما ذكره بعد الحب؛ لأنه غذاء من وجه، وفاكهة من وجه. قوله: {وَقَضْباً}: القَضْبُ هنا، قال ابن عباس: هو الرطبُ، لأنه يقضب النخل، أي: يقطع، ورجَّحه بعضهم بذكره بعد العنب، وكثيراً ما يقترنان. وقيل: القت. قال القتيبي: كذا يسميه أهلُ "مكة". وقيل: كُل ما يُقْضَبُ من البُقولِ لبني آدمَ. وقيل: هو الرَّطبةُ، والمقاضب: الأرض التي تنبتها. قال الراغب: والقَضْبُ: كالقضيب، لكن القضيب يستعمل في فروع الشجر، والقضبُ يستعمل في البقل، والقَضَبُ: أي بالفتح قطع القَضْب والقضيب، وعنه صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا رأى في ثوبٍ تصليباً قضبه، وسيفٌ قاضبٌ وقضيبٌ، أي: قاطعٌ، فالقضيب - هاهنا - بمعنى: الفاعل، وفي الأول: بمعنى المفعول، وكذا قولهم: ناقة قضيب، لما تركب من بين الإبل ولما ترض، ويقال لكل ما لم يهذب: مقتضب، ومنه اقتضاب الحديث، لما لم يترو فيه. وقال الخليل: القَضْبُ: أغصان الشجرة التي يتّخذ منها سهامٌ أو قسيٌّ. وقال ابن عباس: إنه الفصفصة، وهوالقتّ الرطب. وقال الخليل: القَضْبُ: الفصفصة الرطبة. وقيل: بالسين، فإذا يبست فهو قتّ. قوله: {وَزَيْتُوناً}. وهي: شجرة الزيتون، {وَنَخْلاً} يعني: النخيل. قوله: {وَحَدَآئِقَ غُلْباً}. جمع "أغلبَ وغلبَاء" كـ "حُمْر" في "أحْمرَ، وحَمْراءَ"، يقال: حديقة غلباء، أي: غليظة الشجر ملتفة، واغلولب العشب أي: غلظ، وأصله في وصف الرقاب يقال: رجل أغلب، وامرأة غلباء، أي: غليظة الرقبة. قال عمرو بن معديكرب: [الكامل] شعر : 5110- يَسْعَى بِهَا غلْبُ الرِّقابِ كأنَّهُمْ بُزلٌ كُسينَ مِنَ الكُحَيْلِ جِلالا تفسير : ويقال للأسد: الأغلب؛ لأنه مصمت العنق لا يلتفت إلا جميعاً؛ قال العجاج: [الرجز] شعر : 5111- مَا زِلْتُ يَوْمَ البَيْنِ ألْوِي صُلْبِي والرَّأسَ حتَّى صِرْتُ مِثْلَ الأغلبِ تفسير : والغلبة: القهر؛ أن يُنال وتصيب عليه رقبته، هذا أصله، وحديقة غلباء: ملتفة، وحدائق غلب، وقال ابن عباس: الغلب جمع أغلب، وغلباء، وهي الغِلاظ، وعنه أيضاً: الطوال. وقال قتادةُ: وابنُ زيدٍ: الغلبُ: النَّخْلُ الكرامُ. وعن ابن زيدٍ أيضاً وعكرمةَ: عظام الأوساط، والجذوع. وقال مجاهد: ملتفة. وتقدم الكلام على الحدائق في سورة "النمل". قوله: {وَفَاكِهَةً وَأَبّاً}. الفاكهةُ: ما يأكله الناس من ثمار الأشجار، كالتين، والخوخ، وغيرهما. قال ابن الخطيب: وقد استدلَّ بعضهم بأنَّ الله - تعالى - لمَّا ذكره الفاكهة بعد ذكر العنبِ، والزيتونِ، والنخل، وجب ألا يدخل هذه الأشياء في الفاكهة، وهذا أقربُ من جهة الظاهر؛ لان المعطوف مغاير للمعطوف عليه. وأمَّا الأبُّ: فقيل: الأبُّ للبهائم بمنزلة الفاكهة للنَّاس. وقيل: هو مطلق المرعى. قال الشاعر يمدحُ النبي صلى الله عليه وسلم: [الطويل] شعر : 5112- لَهُ دَعْوةٌ مَيْمُونةٌ رِيحُهَا الصَّبا بِهَا يُنْبِتُ اللهُ الحَصِيدةَ والأبَّا تفسير : وقيل: سمي المرعى أبًّا؛ لأنه يؤبُّ، أي: يؤم وينتجع، والأبُّ والأمُّ بمعنى؛ قال الشاعر: [الرمل] شعر : 5113- جِذمُنَا قَيْسٌ ونَجْدٌ دَارُنَا ولنَا الأبُّ بِهِ والمُكْرَعُ تفسير : وأبُّ لكذَا يَؤبُّ ابًّا، وأبَّ إلى وطنه، إذا نَزعَ الشيء نزوعاً: تهيَّأ لقصدهِ، وهكذا أب بسيفه: أي: تهيَّأ لسله، وقولهم: "إبان ذلك" هو فعلان منه، وهو الشيء المتهيِّئ لفعله ومجيئه، وقيل: الأبّ: يابس الفاكهة لأنها تؤب للشتاء، أي تعد. وقيل: الأبُّ ما تأكله البهائمُ من العُشْبِ. قال ابنُ عباسٍ والحسن: الأبُّ، كل ما أنبتت الأرض مما لا يأكله الناس، وما يأكله الآدميون، هو: "الحصيد". وعن ابن عباس وابن أبي طلحة: الأبُّ، الثِّمارُ الرَّطبةُ. وقال الضحاك: هو التِّينُ خاصَّةً. وهو محكي عن ابن عباس أيضاً. وقيل: الأب الفاكهة رطب الثمار ويابسها. وقال إبراهيم التيمي: سُئل أبُو بكر الصديقُ - رضي الله عنه - عن تفسير الفاكهة والأبِّ، فقال: أيُّ سماءٍ تظلني وأي أرض تقلّني إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم. وقال أنس: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقرأ هذه الآية، ثم قال: كل هذا عرفناه فما الأبُّ؟ ثم رفع عصا كانت بيده، ثم قال: هذا لعمر الله التكليف، وما عليك يا ابن أم عمر ألا تدري ما الأبُّ؟. ثم قال: اتَّبعوا ما بين لكم في هذا الكتاب، وما لا فدعوه. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : خُلِقْتُمْ مِنْ سَبْعٍ، ورُزقتُمْ مِنْ سَبعٍ فاسجُدُوا للهِ على سَبْعٍ ". تفسير : وإنما أراد بقوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : خُلِقْتُمْ مِنَ سَبْعٍ"تفسير : يعني: {أية : مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ} تفسير : [الحج: 5] الآية. والرزق من سبع، وهو قوله تعالى: {فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً وَعِنَباً وَقَضْباً وَزَيْتُوناً} إلى قوله "وفاكهة" ثم قال: "وأبًّا" وهو يدل على أنه ليس برزق لابن آدم، وأنَّه مما تختص به البهائم، والله أعلم. قوله: {مَّتَاعاً لَّكُمْ}: نصب على المصدر المؤكد؛ لأن إنبات هذه الأشياء متاعٌ لجميع الحيوانات، واعلم أنه - تعالى - لما ذكر ما يغتذي به الناس والحيوان، قال جل من قائل: {مَّتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ}. قال الفراء: جعلناه منفعة لكم ومتعة لكم ولأنعامكم، وهذا مثلٌ ضربه الله لبعث الموتى من قبورهم، كنبات الزرع بعد دُثُوره كما تقدم بيانه في غير موضع.

ابو السعود

تفسير : {فَلْيَنظُرِ ٱلإِنسَـٰنُ إِلَىٰ طَعَامِهِ} شروعٌ في تعدادِ النعمِ المتعلقةِ ببقائِه بعد تفصيلِ النعمِ المتعلقةِ بحدوثِه أي فلينظرْ إلى طعامِه الذي عليه يدورُ أمرُ معاشهِ كيفَ دبرنَاهُ. وقولُه تعالى: {أَنَّا صَبَبْنَا ٱلْمَاء صَبّاً} أي الغيثَ بدلُ اشتمالٍ من طعامِه لأنَّ الماءَ سببٌ لحدوثِ الطعامِ فهُو مشتَملٌ عليهِ. وقُرِىءَ إنَّا على الاستئنافِ، وقُرِىءَ أنى بالإمالةِ. أي كيفَ صببَنا إلى آخرِه أي صببنَاهُ صَّباً عجيباً. {ثُمَّ شَقَقْنَا ٱلأَرْضَ} أي بالنباتِ {شَقّاً} بديعاً لائقاً بما يشقُّها من النباتِ صِغَراً وكِبرَاً وشكلاً وهيئةً. وحملُ شقِّها على ما بالكرابِ بجعلِ إسنادِه إلى نونِ العظمةِ من قبـيلِ إسنادِ الفعلِ إلى سببِه يأباهُ كلمةُ ثمَّ. والفاءُ في قولِه تعالى: {فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً} فإنَّ الشقَّ بالمَعْنى المذكور لا ترتبَ بـينَهُ وبـين الأمطارِ أصلاً ولا بـينَهُ وبـينَ إنباتِ الحبِّ بلا مُهلةٍ. وإنَّما الترتيبُ بـين الأمطارِ وبـينَ الشقِّ بالنبات على التراخِي المعهودِ وبـين الشقِّ المذكورِ وبـينَ إنباتِ الحبِّ بلا مُهلةٍ، فإنَّ المرادَ بالنبات ما نبتَ من الأرضِ إلى أنْ يتكاملَ النموُّ وينعقدَ الحبُّ فإنَّ انشقاقَ الأرضِ بالنباتِ لا يزالُ يتزايدُ ويتسعُ إلى تلكَ المرتبةِ على أنَّ مساقَ النظمِ الكريمِ لبـيانِ النعمِ الفائضةِ من جنابهِ تعالى على وجهٍ بديعٍ خارجٍ عن العاداتِ المعهودةِ كما ينبىءُ عنه تأكيدُ الفعلينِ بالمصدرينِ فتوسيطُ فعلِ المنعمِ عليهِ في حصولِ تلك النعمِ مخلٌّ بالمرامِ.

اسماعيل حقي

تفسير : {فلينظر الانسان الى طعامه} شروع فى تعداد النعم المتعلقة ببقائه بعد تفصيل النعم المتعلقة بحدوثه اى فلينظر الانسان الى طعامه الذى عليه يدور امر معاشه كيف دبرناه وقال ابن عباس رضى الله عنهما فلينظر الانسان الى طعامه ليعلم خسة قدره وفناء عمره وفى الحديث "حديث : ان مطعم ابن آدم جعله الله مثلا للدنيا وان قزحه وملحه فانظر الى ماذا يصير"تفسير : يقال قزح القدر جعل التابل فيها وهو كصاحب وهاجر ابزار الطعام وملحها جعل الملح فيها.

الطوسي

تفسير : قرأ اهل الكوفة {أنا صببنا} بفتح الألف على البدل من{طعامه} أو على انه خبر مبتدإ محذوف. الباقون بالكسر على الاستئناف. يقول الله تعالى لخلقه منبهاً لهم على قدرته على احياء الخلق بعد موتهم ونشرهم ومجازاتهم بأن أمره ان ينظر إلى طعامه الذي يأكله ويتقوّته، ويفكر كيف يخلقه الله ويوصله اليه ويمكنه من الانتفاع به. وبين كيفية ذلك فقال {إنا صببنا الماء صباً} أي انزلنا الغيث إنزالا {ثم شققنا الأرض شقاً} فالشق قطع الشيء طولا ومثله الصدع والفرج والفطر، ومن ذلك شق الارض وشق الخشبة وشق الشعرة فأما قطع الليطة، وقطع الشجر، فعلى خلاف ذلك، فبين تعالى أنه يشق الارض ويخرج منها ما أنبته من أنواع النبات. ومن فتح {أنا} على البدل، فعلى انه بدل اشتمال، ويكون موضعه جراً فتقديره فلينظر إلى أنا صببنا. وقال آخرون: موضعه نصب، لان الأصل بـ {أنا} و (لأنا) فلما أسقط الخافض نصب على المعنى، فتقديره فلينظر الانسان إلى حدوث طعامه او نبات طعامه، لانه موضع الاعتبار. وقال المبرد: تقديره فلينظر الانسان إلى طعامه، لأنا صببنا فأخرجنا أي لهذه العلة كان طعامه، لان قوله {إنا صببنا} ليس من الطعام فى شيء، وقال ابو علي: وهو بدل الاشتمال، لان ما ذكره يشتمل على الطعام فهو بمنزلة قوله {أية : قتل أصحاب الأخدود النار}. تفسير : وقوله {فأنبتنا فيها حباً وعنباً وقضباً وزيتوناً...} فالانبات إخراج النامي حالا بعد حال، يقال أنبته الله انباتاً فنبت نباتاً، ففاعل النبات والانبات واحد إلا أن الانبات يؤخذ منه صفة المنبت، والنبات يؤخذ منه النابت. وليس النبات فاعلا لكنه الصائر على تلك الصفة بتصيير غيره، غير انه لما أسند الفعل اليه اشتق له منه اسم الفاعل. والحب جمع الحبة مثل الشعير والحنطة والسمسم والدخن والارز وغير ذلك، وكذلك يسمى حب اللؤلؤ تشبيهاً بذلك فى تدويره. والقضب الرطبة - فى قول الضحاك، والفراء - وأهل مكة يسمون القث قضباً. وأصله فيما يقطع رطباً من قولهم: قضبته وأقضبته قضباً إذا قطعته رطباً، ومنه القضيب والمقتضب. والزيتون معروف. وإنما ذكره الله تعالى لعظم النفع به والدهن الذي يكون منه {ونخلا} أي وانبتنا من الارض نخلا وهو شجر الرطب والتمر {وحدائق غلباً} فالحديقة البستان المحوط وجمعه حدائق، ومنه أحدق به القوم إذا أحاطوا به، ومنه الحدقة لما احاط بها من جفنها. والغلب جمع أغلب وغلبا، وهي الغلاظ بعظم الاشجار، وشجرة غلباء إذا كانت غليظة قال الفرزدق: شعر : عوى فاثار اغلب ضيغمياً فويل ابن المراغة ما استثارا تفسير : وقوله {وفاكهة وأباً} يعني ثمر الاشجار التي فيها النفع والالذاذ، يقال تفكه بكذا إذا استعمله للاستمتاع به والفاكهة تكون رطبة ويابسة. والأب المرعى من الحشيش وسائر النبات الذي ترعاه الانعام والدواب، ويقال أبّا إلى سيفه فاستله كقولك هب اليه وبدر اليه، فيكون كبدور المرعى بالخروج قال الشاعر: شعر : جدنا قيس ونجد دارنا ولنا الأب بها والمكرع تفسير : وقوله {متاعاً لكم ولأنعامكم} فالمتاع كل شيء فيه الذاذ الامساس من مأكل او منظر أو مشمم أو ملمس، وأصله المصدر من قولهم: امتعته امتاعاً ومتاعاً ومتع النهار إذا ارتفع، لأن ارتفاعه يستمتع به. فبين تعالى انه خلق ما خلق وانبت ما انبت من الارض لامتاع الخلق به من المكلفين وأنعامهم التي ينتفعون بها. والانعام الماشية بنعمة المشي من الابل والبقر والغنم بخلاف الحافر بشدة وطئه بحافره من الخيل والبغال والحمير.

الجنابذي

تفسير : {فَلْيَنظُرِ ٱلإِنسَانُ} الى الاسباب والمسبّبات ويشاهد كيفيّة ترقّيها وترتّبها ووصولها الى غاياتها ومسبّباتها حتّى يعلم بعلم اليقين انّ لها الهاً وانّ له رسولاً واماماً، وانّ الانسان ينتهى فى تقلّباته الى ان خرج من قشره وقالبه، ووصل الى لبّه وقلبه، والى حسابه وربّه فلينظر من جملة الاسباب والمسبّبات {إِلَىٰ طَعَامِهِ} الصّورىّ والمعنوىّ.

اطفيش

تفسير : {فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ} كيف دبره وجعل سببا لحياته وقيل إلى مخرج طعامه ومدخله ولولا ذلك لهلك والنظر نظر اعتبار.

اطفيش

تفسير : {فَلْيَنظُرِ الإِنسانُ} مطلقا أو الكافر أو ذلك المبالغ فى الكفر إِذا لم يقض إِلى الآن ما أمر به فلينظر إِلى طعامه لعله يقضى. {إِلَى طَعَامِهِ} كيف خلقه الله تعالى وجعله سبباً لحياته وكيف يسر دخوله وخروجه، وذلك ذكر للنعم الخارجية أو الأُولى نعم خاصة وهذه نعم عامة أو تلك متعلقة بالحدوث وهذه متعلقة بالبقاء والمراد بالطعام أى المطعوم ما يشمل المشروب كما قال الله عز وجل {أية : ومن لم يطعمه فإِنه مني} تفسير : [البقرة: 249].

الالوسي

تفسير : على معنى إذا كان هذا حال الإنسان وهو أنه إلى الآن لم يقض ما أمره مع أن مقتضى النعم السابقة القضاء فلينظر إلى طعامه الخ لعله يقضي وفي «الحواشي العصامية» لا يخفى ما في قوله تعالى: {أية : لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ }تفسير : [عبس: 23] من كمال تهييج الإنسان وتحريضه على امتثال ما يعقبه من الأمر بالنظر وتفريع الأمر عليه مبني على أن الائتمار كما ينبغي أن يتيسر بعد الارتداع عما هو عليه. والظاهر أن المراد بالإنسان هنا نحو ما أريد به في قوله تعالى: {أية : قُتِلَ ٱلإِنسَـٰنُ }تفسير : [عبس: 17] ولما جوز صاحب «الحواشي» المذكورة حمل عدم القضاء على السلب الكلي وجعل الكلام في الإنسان المبالغ في الكفر قال فالمراد بضمير {يَقْضِ} غير الإنسان الذي أمر بالنظر فإنه عام فلذا أظهر وتضمن ما مر ذكر النعم الذاتية أي ما يتعلق بذات الإنسان من الذات نفسها ولوازمها وهذا ذكر النعم الخارجية المقابلة لذلك. وقيل الأولى نعم خاصة والثانية نعم عامة وقيل تلك نعم متعلقة بالحدوث وهذه نعم متعلقة بالبقاء وفيه نظر. والظاهر أن المراد بالطعام المطعوم بأنواعه واقتصر عليه ولم يذكر المشروب لأن آثار القدرة فيه أكثر من آثارها في المشروب واعتبار التغليب لا يخفى ما فيه.

ابن عاشور

تفسير : إما مفرع على قوله: { أية : لَمَّا يقض ما أمره } تفسير : [عبس: 23] فيكون مما أمره الله به من النظر، وإما على قوله: { أية : ما أكفره } تفسير : [عبس: 17] فيكون هذا النظر مما يبطل ويزيل شدة كفر الإنسان. والفاء مع كونها للتفريع تفيد معنى الفصيحة، إذ التقدير: إن أراد أن يقضي ما أمره فلينظر إلى طعامه أو إن أراد نقض كفره فلينظر إلى طعامه. وهذا نظير الفاء في قوله تعالى: { أية : إن كل نفس لما عليها حافظ فلينظر الإنسان ممّ خلق } تفسير : [الطارق: 4، 5]، أي إن أراد الإنسان الخلاص من تبعات ما يكتبه عليه الحافظ فلينظر مِمَّ خُلق ليهتدي بالنظر فيؤمن فينجو. وهذا استدلال آخر على تقريب كيفية البعث انتقل إليه في معرض الإرشاد إلى تدارك الإِنسان ما أهملَه وكان الانتقال من الاستدلال بما في خَلْق الإنسان من بديع الصنع من دلائل قائمة بنفسه في آية: { أية : من أي شيء خلقه } تفسير : [عبس: 18] إلى الاستدلال بأحوال موجودة في بعض الكائنات شديدة الملازمة لحياة الإنسان ترسيخاً للاستدلال، وتفنناً فيه، وتعريضاً بالمنة على الإِنسان في هذه الدلائل، من نعمة النبات الذي به بقاء حياة الإنسان وحياة ما ينفعه من الأنعام. وتعدية فعل النظر هنا بحرف {إلى} تدل على أنه من نظر العين إشارة إلى أن العبرة تحصل بمجرد النظر في أطواره. والمقصود التدبر فيما يشاهده الإنسان من أحوال طعامه بالاستدلال بها على إيجاد الموجودات من الأرض. وجُعل المنظور إليه ذاتَ الطعام مع أن المراد النظر إلى أسباب تكونه وأحوال تطوره إلى حالة انتفاع الإنسان به وانتفاع أنعام الناس به. وذلك من أسلوب إناطة الأحكام بأسماء الذوات، والمراد أحوالها مثل قوله تعالى: { أية : حرمت عليكم الميتة } تفسير : [المائدة: 3] أي أكلها، فأمر الله الإنسان بالتفكير في أطوار تكوّن الحبوب والثمار التي بها طعامه، وقد وُصف له تطور ذلك ليَتَأمل ما أودع إليه في ذلك من بديع التكوين سواء رأى ذلك ببصره أم لم يَره، ولا يخلو أحد عن علمٍ إجمالي بذلك، فيزيده هذا الوصف علماً تفصيلياً، وفي جميع تلك الأطوار تمثيل لإحياء الأجساد المستقرة في الأرض، فقد يكون هذا التمثيل في مجرد الهيئة الحاصلة بإحياء الأجساد، وقد يكون تمثيلاً في جميع تلك الأطوار بأن تُخرج الأجساد من الأرض كخروج النبات بأن يكون بَذرها في الأرض ويُرسل الله لها قُوى لا نعلمها تُشابه قوة الماء الذي به تحيا بذور النبات، قال تعالى: { أية : والله أنبتكم من الأرض نباتاً ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجاً } تفسير : [نوح: 17، 18]. وفي «تفسير ابن كثير» عند قوله تعالى: { أية : وإذا النفوس زُوّجت } تفسير : [التكوير: 7] عن ابن (أبي) حاتم بسنده إلى ابن عباس: «يسيل واد من أصل العرش فيما بين الصيحتين فينبت منه كلُّ خلق بَلِي إنسانٍ أو دابة ولو مرّ عليهم مارٌّ قد عرفهم قبل ذلك لعرفهم قد نبتوا على وجه الأرض، ثم ترسل الأرواح فتزوج الأجساد» ا هــــ. وأمور الآخرة لا تتصورها الأفهام بالكُنْه وإنما يجزم العقل بأنها من الممكنات وهي مطيعة لتعلق القدرة التنجيزي. والإِنسان المذكور هنا هو الإِنسان المذكور في قوله: { أية : قُتل الإنسان ما أكفره } تفسير : [عبس: 17] وإنما جيء باسمه الظاهر دون الضمير كما في قوله: { أية : من أي شيء خلقه } تفسير : [عبس: 18]، لأن ذلك قريب من معاده وما هنا ابتداءُ كلام فعبر فيه بالاسم الظاهر للإِيضاح. وأدمج في ذلك منة عليه بالإمداد بالغذاء الذي به إخلاف ما يضمحل من قوته بسبب جهود العقل والتفكير الطبيعية التي لا يشعر بحصولها في داخل المزاج، وَبِسبب كد الأعمال البدنية والإِفرازات، وتلك أسباب لتبخر القوى البدنية فيحتاج المزاج إلى تعويضها وإخلافها وذلك بالطعام والشراب. وإنما تعلق النظر بالطعام مع أن الاستدلال هو بأحوال تكوين الطعام، إجراءً للكلام على الإِيجاز ويبينه ما في الجمل بعده من قوله: {إنا صببنا الماء صباً} إلى آخرها. فالتقدير: فلينظر الإِنسان إلى خَلق طعامه وتهيئة الماء لإنمائه وشق الأرض وإنباته وإلى انتفاعه به وانتفاع مواشيه في بقاء حياتهم. وقرأ الجمهور: {إنا صببنا} بكسر همزة (إنَّا) على أن الجملة بيان لجملة: {فلينظر الإنسان إلى طعامه} لتفصيل ما أجمل هنالك على وجه الإيجاز. وقرأه عاصم وحمزة والكسائي وخلف ورويس عن يعقوب بفتح الهمزة على أنه اسم بدلُ اشتمال من {طعامه} أو البدلُ الذي يسميه بعض النحويين بدل مفصَّل من مجمل. والصَّب: إلقاء صبرة متجمعة من أجزاء مائعة أو كالمائعة في الدقة في وعاء غير الذي كانت فيه، يقال: صَب الماء في الجَرة، وصب القَمح في الهَرِي، وصَبَّ الدراهم في الكِيس. وأصله: صبّ الماء، مثل نزول المطر وإفراغ الدلو. والشق: الإِبعاد بين ما كان متصلاً. والمراد هنا شقّ سطح الأرض بخرق الماء فيه أو بآلة كالمحراث والمسحاة، أو بقوة حرّ الشمس في زمن الصيف لتتهيأ لقبول الأمطار في فصل الخريف والشتاء. وإسناد الصّب والشق والإِنبات إلى ضمير الجلالة لأن الله مقدِّر نظام الأسباب المؤثرة في ذلك، ومُحْكِمُ نواميسها ومُلهمُ الناس استعمالها. فالإسناد مجاز عقلي في الأفعال الثلاثة. وقد شاع في {صببنا} و{أنبتنا} حتى ساوَى الحقيقة العقلية. وانتصب {صبّاً} و{شقاً} على المفعول المطلق لــــ {صببنا} و{شققنا} مؤكّداً لعامله ليتأتى تنوينه لما في التنكير من الدلالة على التعظيم وتعظيم كل شيء بما يناسبه وهو تعظيم تعجيب. والفاء في قوله: {فأنبتنا} للتفريع والتعقيب وهو في كل شيء بحسبه. والحَب أريد منه المقتات منه للإِنسان، وقد تقدم في قوله تعالى: { أية : كمثل حبة أنبتت سبع سنابل } تفسير : في سورة البقرة (261). والعِنب: ثمر الكَرم، ويتخذ منه الخمر والخل، ويؤكل رَطباً، ويتخذ منه الزبيب. والقضبُ: الفِصْفصة الرطبة، سميت قضباً لأنها تعلف للدواب رطبة فتقضب، أي تقطع مرة بعد أخرى ولا تزال تُخلف ما دام الماء ينزل عليها، وتسمى القَت. والزيتون: الثمر الذي يعصر منه الزيت المعروف. والنخل: الشجر الذي ثمرته التمر وأطوارهُ. والحدائق: جمع حديقة وهي الجنة من نخل وكَرم وشجرِ فواكهَ، وعطفُها على النخل من عطف الأعم على الأخص، ولأن في ذكر الحدائق إدماجاً للامتنان بها لأنها مواضع تنزههم واخترافهم. وإنما ذكر النخل دون ثمرته، وهو التمر، خلافاً لما قُرن به من الثمار والفواكهِ والكلأ، لأن منافع شجر النخيل كثيرة لا تقتصر على ثمره، فهم يقتاتون ثمرته من تمر ورُطب وبُسر، ويأكلون جُمَّاره، ويَشربون ماء عود النخلة إذا شُق عنه، ويتخذون من نَوى التمر علفاً لإبلهم، وكل ذلك من الطعام، فضلاً عن اتخاذهم البيوت والأواني من خشبه، والحُصُر من سَعَفه، والحبالَ من لِيفه. فذِكْرُ اسم الشجرة الجامعة لهذه المنافع أجمع في الاستدلال بمختلف الأحوال وإدماج الامتنان بوفرة النعم، وقد تقدم قريباً في سورة النبأ. والغُلْب: جمع غلباء، وهي مؤنث الأغلب، وهو غَليظُ الرقبة، يقال: غلب كفرح، يوصف به الإنسان والبعير، وهو هنا مستعار لغلظ أصول الشجر فوصف الحدائق به؛ إما على تشبيه الحديقة في تكاثف أوراق شجرها والتفافها بشخص غليظ الأوداج والأعصاب فتكون استعارة، وإما على تقدير محذوف، أي غُلْبٍ شَجَرُها، فيكون نعتاً سببيّاً وتكون الاستعارة في تشبيه كل شجرة بامرأة غليظة الرقبة، وذلك من محاسن الحدائق لأنها تكون قد استكملت قوة الأشجار كما في قوله: { أية : وجَنّاتٍ ألفافاً } تفسير : [النبأ: 16]. وخصت الحدائق بالذكر لأنها مواضع التنزه والاختراف، ولأنها تجمع أصنافاً من الأشجار. والفاكهة: الثمار التي تؤكل للتفكه لا للإقتيات، مثل الرُّطَب والعِنب الرَّطْب والرمان واللوز. والأبُّ: بفتح الهمزة وتشديد الباء: الكلأ الذي ترعاه الأنعام، روي أن أبا بكر الصديق سُئل عن الأبّ: ما هو؟ فقال: «أيُّ سماءٍ تُظلني، وأيُّ أرض تُقِلَّني إذا قلت في كتاب الله ما لا علم لي به» وروي أن عمر بن الخطاب قرأ يوماً على المنبر: {فأنبتنا فيها حباً} إلى {وأبّاً} فقال: كلّ هذا قد عرفناه فما الأبّ؟ ثم رفع عصا كانت في يده، وقال: هذا لعمر الله هو التكلف فما عليك يا ابن أمّ عمر أن لا تدري ما الأبّ ابتغوا ما بُيّن لكم من هذا الكتاب فاعملوا به، وما لم تعرفوه فَكِلوه إلى ربه». وفي «صحيح البخاري» عن عُمر بعض هذا مختصراً. والذي يظهر لي في انتفاء علم الصديق والفاروق بمدلول الأبّ وهما من خُلّص العربِ لأحد سببين: إما لأن هذا اللفظ كان قد تنوسي من استعمالهم فأحياه القرآن لرعاية الفاصلة فإن الكلمة قد تشتهر في بعض القبائل أو في بعض الأزمان وتُنسى في بعضها مثل اسم السِّكين عندَ الأوس والخزرج، فقد « حديث : قال أنس بن مالك: ما كُنَّا نَقول إلا المُدْية حتى سمعت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر أن سليمان عليه السلام قال: «ائيتوني بالسكين أقْسِمْ الطفْلَ بينهما نصفين» تفسير : . وإما لأن كلمة الأبّ تطلق على أشياء كثيرة منها النبت الذي ترعاه الأنعام، ومنها التبن، ومنها يابس الفاكهة، فكان إمساك أبي بكر وعمر عن بيان معناه لعدم الجزم بما أراد الله منه على التعيين، وهل الأبّ مما يرجع إلى قوله: {متاعاً لكم} أو إلى قوله: {ولأنعامكم} في جمْع ما قُسِّم قبله. وذكر في «الكشاف» وجهاً آخر خاصاً بكلام عُمر فقال: «إن القوم كانتْ أكبر همتهم عاكفة على العمل، وكان التشاغل بشيء من العلم لا يُعمل به تكلفاً عندهم، فأراد عمر أن الآية مسوقة في الامتنان على الإِنسان. وقد علم من فحوى الآية أنّ الأبَّ بعض ما أنبته الله للإِنسان متاعاً له ولأنعامه فعليك بما هو أهم من النهوض بالشكر لله على ما تبين لك مما عُدد من نعمه ولا تتشاغل عنه بطلب معنى الأبّ ومعرفة النبات الخاص الذي هو اسم له واكتف بالمعرفة الجُملية إلى أن يتبين لك في غير هذا الوقت، ثم وصى الناس بأن يَجروا على هذا السَنن فيما أشبه ذلك من مشكلات القرآن ا هــــ». ولم يأت كلام «الكشاف» بأزيد من تقرير الإِشكال. وقوله: {متاعاً لكم} حال من المذكورات يعود إلى جميعها على قاعدة ورود الحال بعد مفردات متعاطفة، وهذا نوع من التنازع. وقوله: {ولأنعامكم} عطَف قوله: {لكم}. والمتاع: ما يُنتفع به زمناً ثم ينقطع، وفيه لف ونشر مُشَوَّش، والسامع يرجع كل شيء من المذكورات إلى ما يصلح له لظهوره. وهذه الحال واقعة موقع الإِدماج أدمجت الموعظة والمنة في خلال الاستدلال.

الشنقيطي

تفسير : بعد ما بين له مم خلق، بين له هنا كيف يطعمه، وفي كليهما آية على القدرة. وقد اتفقت الآيتان على خطوات ثلاث متطابقة فيهما. فصب الماء من السماء إلى الأرض، يقابل دفق الماء في الرحم. وشق الأرض للنبات، يقابل خروجه إلى الدنيا. وإنبات أنواع النباتات، يقابل تقادير الخلق المختلفة. وفي التنصيص على أنواع النبات من حب وقضب وعنب ورمان وزيتون ونخيل وفواكه متعددة، وحدائق ملتفة، لظهور معنى المغايرة فيها، مع أنها من أصلين مشتركين: الماء من السماء. والتربة في الأرض، يسقى بماء واحد. ومرة أخرى. يقال للشيوعيين والدهريين: {أية : قُتِلَ ٱلإِنسَانُ مَآ أَكْفَرَهُ مِنْ أَيِّ شَيءٍ خَلَقَهُ}تفسير : [عبس: 17-18]. {أية : أَفَرَأَيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَم نَحْنُ ٱلْخَالِقُونَ نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأُولَىٰ فَلَوْلاَ تَذَكَّرُونَ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّارِعُونَ لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً}تفسير : [الواقعة: 58-65]. إنَّهم بلا شك لا يدعون لأنفسهم فعل شيء من ذلك. وإنهم ليعلمون أن لها خالقاً مدبراً. ولكنهم يكابرون. {أية : وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ}تفسير : [النمل: 14]، صدق الله العظيم، وكذب كل كفار أثيم. وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، بيان خلق الإنسان في مواطن متعددة سابقة آخرها في سورة الرحمن {أية : خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَٱلْفَخَّارِ}تفسير : [الرحمن: 14]، وبيان طعامه في كل من سورتي الواقعة والجاثية.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلإِنسَانُ} (24) - فَلْيَتَدَبَّرِ الإِنْسَانُ شَأْنَ نَفْسِهِ، وَلْيُفَكِّرْ فِي أَمْرِ طَعَامِهِ، وَتَدْبِيرِهِ وَتَهْيِئَتِهِ حَتَّى يَكُونَ غِذَاءً صَالِحاً نَافِعاً تَقُومُ بِهِ بُنْيَتُهُ، وَيَتَمَكَّنَ مِنْ أَدَاءِ مَهَمَّتِهِ فِي الحَيَاةِ.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {فَلْيَنظُرِ ٱلإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ} معناه إلى مَدخلِهِ ومخرجِهِ. فَجعلَ ذَلكَ لَهم آيةً.