Verse. 5791 (AR)

٨٠ - عَبَسَ

80 - Abasa (AR)

فَاِذَا جَاۗءَتِ الصَّاۗخَّۃُ۝۳۳ۡ
Faitha jaati alssakhkhatu

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فإذا جاءت الصاخة» النفخة الثانية.

33

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {فَإِذَا جَآءَتِ ٱلصَّآخَّةُ} لما ذكر أمر المعاش ذكر أمر المعاد، ليتزودوا له بالأعمال الصالحة، وبالإنفاق مما ٱمتَنَّ به عليهم. والصاخّة: الصيحة التي تكون عنها القيامة، وهي النفخة الثانية، تَصُخ الأسماع: أي تُصِمُّها فلا تسمع إلا ما يُدْعَى به للأحياء. وذكر ناس من المفسرين قالوا: تِصيخ لها الأسماع، من قولك: أصاخ إلى كذا: أي ٱستمع إليه، ومنه الحديث: «حديث : ما من دابة إلاّ وهي مُصِيخة يومَ الجمعة شَفَقاً من الساعة إلاّ الجنَّ والإِنس»تفسير : . وقال الشاعر: شعر : يُصِيخُ لِلَّنبْأَةِ أَسْماعَهُ إِصاخةَ المُنْشِدِ لِلمنْشِدِ تفسير : قال بعض العلماء: وهذا يؤخذ على جهة التسليم للقدماء، فأما اللغة فمقتضاها القول الأوّل، قال الخليل: الصاخَّة: صيحة تَصُخّ الآذان صَخًّا أي تُصِمُّها بشدة وقعتها. وأصل الكلمة في اللغة: الصَّكُّ الشديد. وقيل: هي مأخوذة من صَخَّه بالحجر: إذا صَكَّه، قال الراجز: شعر : يا جارتِي هل لكِ أن تجالِدِي جلادة كالصَّك بالجَلامِدِ تفسير : ومن هذا الباب قول العرب: صَخَّتْهمُ الصّاخة وباتتهم البائتة، وهي الداهية. الطبريّ: وأحسبه من صَخّ فلان فلاناً: إذا أصماه. قال ٱبن العربيّ: الصاخّة التي تُورِث الصَّمَم، وإنها لمُسِمعة، وهذا من بديع الفصاحة، حتى لقد قال بعض حَديثي الأسنان حديثي الأزمان: شعر : أَصَمَّ بِكَ الناعِي وإِنْ كان أَسْمَعا تفسير : وقال آخر: شعر : أَصَمَّنِي سِرُّهم أيامَ فُرقتهم فهل سمِعتم بسِر يُورِث الصَّمَما تفسير : لعمر اللَّهِ إنّ صيحة القيامة لمسمِعة تُصِم عن الدنيا، وتُسمِعُ أمور الآخرة. قوله تعالى: {يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ} أي يهرب، أي تجيء الصاخة في هذا اليوم الذي يهرب فيه من أخيه؛ أي من موالاة أخيه ومكالمته؛ لأنه لا يتفرغ لذلك، لاشتغاله بنفسه؛ كما قال بعده: {لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} أي يشغله عن غيره. وقيل: إنما يفر حذرا من مطالبتهم إياه، لما بينهم من التَّبِعات. وقيل: لئلا يرَوَا ما هو فيه من الشدة. وقيل: لعلمه أنهم لا ينفعونه ولا يغنون عنه شيئاً؛ كما قال: « حديث : يوم لا يغنِي مولًى عن مولًى شيئاً » تفسير : . وقال عبد الله بن ظاهر الأبهري: يفرّ منهم لما تبين له من عجزهم وقلة حيلتهم، إلى من يملك كشف تلك الكروب والهموم عنه، ولو ظهر له ذلك في الدنيا لما ٱعتمد شيئاً سوى ربه تعالى. {وَصَاحِبَتِهُ} أي زوجته. {وَبَنِيهِ} أي أولاده. وذكر الضحاك عن ٱبن عباس قال: يفرّ قابيلُ من أخيه هابيلَ، ويفر النبيُّ صلى الله عليه وسلم من أمه، وإبراهيم عليه السلام من أبيه، ونوح عليه السلام من ٱبنه، ولوط من ٱمرأته، وآدم من سَوْأة بنيه. وقال الحسن: أوّل من يفرّ يوم القيامة من أبيه: إبراهيم، وأوّل من يفرّ من ٱبنه نوح، وأوّل من يفرّ من ٱمرأته لوط. قال: فيَرون أن هذه الآية نزلت فيهم وهذا فرار التبرؤ. {لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ}. في صحيح مسلم « حديث : عن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «يُحْشَر الناس يوم القيامة حفُاة عُراة غُرْلاً» قلت، يا رسول الله! الرجال والنساء جميعاً ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال: «يا عائشة، الأمر أشدّ من أن ينظر بعضهم إلى بعض» » تفسير : خرّجه التِّرمذي عن ٱبن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : «يُحشرون حفاة عُراة غُرْلاً» فقالت ٱمرأة: أينظر بعضنا، أو يرى بعضنا عورة بعض؟ قال: «يا فلانة» {لكل ٱمرِيء مِنهم يومِئذٍ شأن يغنِيهِ}تفسير : . قال: حديث حسن صحيح. وقراءة العامة بالغين المعجمة؛ أي حالٌ يشغَله عن الأقرباء. وقرأ ٱبن مُحيصن وحُميد «يَعْنِيهِ» بفتح الياء، وعين غير معجمة؛ أي يعنيه أمره. وقال القُتَبي: يعنيه: يصرفه ويُصدّه عن قرابته؛ ومنه يقال: ٱعْنِ عني وجهك: أي ٱصرفْه وٱعنِ عن السفيه؛ قال خُفاف: شعر : سَيَعْنِيك حرب بني مالِكٍ عن الفُحْشِ والجهلِ في الْمَحفِل تفسير : قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ}: أي مُشرقة مضيئة، قد علمت مالها من الفوز والنعيم، وهي وجوه المؤمنين. {ضَاحِكَةٌ} أي مسرورة فَرِحة. {مُّسْتَبْشِرَةٌ}: أي بما آتاها الله من الكرامة. وقال عطاء الخُراساني: «مُسْفِرة» من طول ما ٱغْبرت في سبيل الله جل ثناؤه. ذكره أبو نَعِيم. الضحاك: من آثار الوضوء. ٱبن عباس: من قيام الليل؛ لما رُوي في الحديث: « حديث : من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار » تفسير : يقال: أسفر الصبح إذا أضاء. {وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ} أي غبار ودخان {تَرْهَقُهَا} أي تغشاها {قَتَرَةٌ} أي كسوف وسواد. كذا قال ٱبن عباس. وعنه أيضاً: ذِلة وشِدّة. والقَتَر في كلام العرب: الغبار، جمع القَتَرة، عن أبي عُبيد؛ وأنشد الفرزدق: شعر : مُتَوَّجٌ بِرِداء الملكِ يَتْبعه مَوجٌ ترى فوقه الراياتِ والقَتَرا تفسير : وفي الخبر: إن البهائم إذا صارت تراباً يوم القيامة حُوِّل ذلك التراب في وجوه الكفار. وقال زيد بن أسلم: القَترة: ما ٱرتفعت إلى السماء، والغَبَرة: ما ٱنحطت إلى الأرض، والغبار والغَبَرة: واحد. {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَفَرَةُ} جمع كافر {ٱلْفَجَرَةُ } جمع فاجر، وهو الكاذب المفترى على الله تعالى. وقيل: الفاسق؛ (يقال): فجر فجوراً: أي فسق، وفجر: أي كذب. وأصله: الميل، والفاجر: المائل. وقد مضى بيانه والكلام فيه. والحمد لله وحده.

ابن كثير

تفسير : قال ابن عباس: الصاخة: اسم من أسماء يوم القيامة، عظمه الله، وحذره عباده، وقال ابن جرير: لعله اسم للنفخة في الصور. وقال البغوي: الصاخة: يعني: صيحة يوم القيامة، سميت بذلك لأنها تصخ الأسماع، أي: تبالغ في إسماعها حتى تكاد تصمها {يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَـٰحِبَتِهُ وَبَنِيهِ } أي: يراهم ويفر منهم، ويبتعد منهم؛ لأن الهول عظيم، والخطب جليل. قال عكرمة: يلقى الرجل زوجته فيقول لها: يا هذه أي بعل كنت لك؟ فتقول: نعم البعل كنت، وتثني بخير ما استطاعت، فيقول لها: فإني أطلب إليك اليوم حسنة واحدة تهبينها لي؛ لعلي أنجو مما ترين، فتقول له: ما أيسر ما طلبت ولكني لا أطيق أن أعطيك شيئاً، أتخوف مثل الذي تخاف. قال: وإن الرجل ليلقى ابنه، فيتعلق به فيقول: يا بني أي والد كنت لك؟ فيثني بخير، فيقول له: يا بني إني احتجت إلى مثقال ذرة من حسناتك؛ لعلي أنجو بها مما ترى، فيقول ولده: يا أبت ما أيسر ما طلبت ولكني أتخوف مثل الذي تتخوف، فلا أستطيع أن أعطيك شيئاً، يقول الله تعالى: {يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَـٰحِبَتِهُ وَبَنِيهِ }. وفي الحديث الصحيح في أمر الشفاعة: أنه إذا طلب إلى كل من أولي العزم أن يشفع عند الله في الخلائق يقول: نفسي نفسي، لا أسألك اليوم إلا نفسي، حتى إن عيسى بن مريم يقول: لا أسأله اليوم إلا نفسي، لا أسأله مريم التي ولدتني، ولهذا قال تعالى: {يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَـٰحِبَتِهُ وَبَنِيهِ} قال قتادة: الأحب فالأحب، والأقرب فالأقرب، من هول ذلك اليوم. وقوله تعالى: {لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} أي: هو في شغل شاغل عن غيره، قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عمار بن الحارث، حدثنا الوليد بن صالح، حدثنا ثابت أبو زيد العباداني عن هلال بن خباب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : تحشرون حفاة عراة مشاة غرلاً» تفسير : قال: فقالت زوجته: يا رسول الله ننظر، أو يرى بعضنا عورة بعض؟ قال: «حديث : لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه ــــ أو قال: ما أشغله عن النظر ــــ .»تفسير : وقد رواه النسائي منفرداً به عن أبي داود عن عارم عن ثابت بن يزيد، وهو أبو زيد الأحول البصري أحد الثقات، عن هلال بن خباب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس به. وقد رواه الترمذي عن عبد بن حميد عن محمد بن الفضل عن ثابت بن يزيد عن هلال بن خباب عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : تحشرون حفاة عراة غرلاً» تفسير : فقالت امرأة: أيبصر، أو يرى بعضنا عورة بعض؟ قال: «حديث : يا فلانة لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه»تفسير : ثم قال الترمذي: وهذا حديث حسن صحيح، وقد روي من غير وجه عن ابن عباس رضي الله عنهما، وقال النسائي: أخبرني عمرو بن عثمان، حدثنا بقية، حدثنا الزبيدي، أخبرني الزهري عن عروة عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يبعث الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلاً» تفسير : فقالت عائشة: يا رسول الله فكيف بالعورات؟ فقال: «حديث : لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه»تفسير : انفرد به النسائي من هذا الوجه، ثم قال ابن أبي حاتم أيضاً: حدثنا أبي، حدثنا أزهر بن حاتم، حدثنا الفضل بن موسى عن عائذ بن شريح عن أنس بن مالك قال: سألت عائشة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي، إني سائلتك عن حديث فتخبرني أنت به قال: «حديث : إن كان عندي منه علم» تفسير : قالت: يا نبي الله كيف يحشر الرجال؟ قال: «حديث : حفاة عراة» تفسير : ثم انتظرت ساعة فقالت: يا رسول الله كيف يحشر النساء؟ قال: «حديث : كذلك حفاة عراة» تفسير : قالت: واسوأتاه من يوم القيامة قال: «حديث : وعن أي ذلك تسألين؟ إنه قد نزل علي آية لا يضرك كان عليك ثياب أو لا يكون»تفسير : . قالت: أية آية هي يا نبي الله؟ قال: {لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ}. وقال البغوي في تفسيره: أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي، أنبأنا أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، أخبرني الحسين بن عبد الله، حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، حدثنا محمد بن عبد العزيز، حدثنا ابن أبي أويس، حدثنا أبي عن محمد بن أبي عياش، عن عطاء بن يسار، عن سودة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يبعث الناس حفاة عراة غرلاً، قد ألجمهم العرق، وبلغ شحوم الآذان» تفسير : فقلت: يا رسول الله واسوأتاه ينظر بعضنا إلى بعض؟ فقال: «حديث : قد شغل الناس، لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه» تفسير : هذا حديث غريب من هذا الوجه جداً، وهكذا رواه ابن جرير عن أبي عمار الحسين بن حريث المروزي عن الفضل بن موسى به، ولكن قال أبو حاتم الرازي: عائذ بن شريح ضعيف، وفي حديثه ضعف. وقوله تعالى: { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ ضَـٰحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ } أي: يكون الناس هنالك فريقين: وجوه مسفرة، أي: مستنيرة { ضَـٰحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ} أي: مسرورة فرحة، من السرور في قلوبهم قد ظهر البشر على وجوههم، وهؤلاء هم أهل الجنة، { وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ } أي: يعلوها ويغشاها قترة، أي: سواد، قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا سهل بن عثمان العسكري، حدثنا أبو علي محمد مولى جعفر بن محمد عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يلجم الكافر العرق، ثم تقع الغبرة على وجوههم» تفسير : قال: فهو قوله تعالى: { وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ} وقال ابن عباس: { تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ} أي: يغشاها سواد الوجوه. وقوله تعالى: { أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَفَرَةُ ٱلْفَجَرَةُ} أي: الكفرة قلوبهم، الفجرة في أعمالهم؛ كما قال تعالى: {أية : وَلاَ يَلِدُوۤاْ إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً} تفسير : [نوح: 27]. آخر تفسير سورة عبس ولله الحمد والمنة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَإِذَا جَآءَتِ ٱلصَّآخَّةُ } النفخة الثانية.

الماوردي

تفسير : {فإذا جاءَتِ الصّاخّةُ} فيها قولان: أحدهما: أنها النفخة الثانية التي يصيخ الخلق لاستماعها، قاله الحسن، ومنه قول الشاعر: شعر : يُصِيخُ للنْبأَة أَسْماعه إصاخَةَ الناشدِ للمُنْشِد تفسير : الثاني: أنه اسم من أسماء القيامة، لإصاخة الخلق إليها من الفزع، قاله ابن عباس. {يوم يَفِرُّ المرءُ مِن أخيه وأُمِّه وابيه وصاحِبتِه وبنيه} وفي فراره منهم ثلاثة أوجه: أحدها: حذراً من مطالبتهم إياه للتبعات التي بينه وبينهم. الثاني: حتى لا يروا عذابه. الثالث: لاشتغاله بنفسه، كما قال تعالى بعده: {لكل امرىء منهم يومئذ شأنٌ يُغْنِيهِ} أي يشغله عن غيره. {وجوهٌ يومئذٍ مُسفِرةٌ} فيه وجهان: أحدهما: مشرقة. الثاني: فرحة، حكاه السدي. {ضَاحكةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ} يحتمل وجهين: أحدهما: ضاحكة من مسرة القلب. الثاني: ضاحكة من الكفار شماتة وغيظاً، مستبشرة بأنفسها مسرة وفرحاً. {ووجوهٌ يومَئذٍ عليها غبرَةٌ} يحتمل وجهين: أحدهما: أنه غبار جعل شيناً لهم ليتميزوا به فيعرفوا. الثاني: أنه كناية عن كمد وجوههم بالحزن حتى صارت كالغبرة. {ترْهقُها قَتَرةٌ} فيه خمسة أقاويل: أحدها: تغشاها ذلة وشدة، قاله ابن عباس. الثاني: خزي، قال مجاهد. الثالث: سواد، قاله عطاء. الرابع: غبار، قاله السدي، وقال ابن زيد: القترة ما ارتفعت إلى السماء والغبرة: ما انحطت إلى الأرض. الخامس: كسوف الوجه، قاله الكلبي ومقاتل. {أولئك هم الكَفَرَةُ الفَجرَةُ} يحتمل جمعه بينهما وجهين: أحدهما: أنهم الكفرة في حقوق الله، الفجرة في حقوق العباد. الثاني: لأنهم الكفرة في أديانهم، الفجرة في أفعالهم.

ابن عطية

تفسير : {الصاخة} : اسم من أسماء القيامة، واللفظة في حقيقتها إنما هي لنفخة الصور التي تصخ الآذان أي تصمها، ويستعمل هذا اللفظ في الداهية التي يصم نبؤها الآذان لصعوبته، وهذه استعارة وكذلك في الصيحة المفرطة التي يصعب وقعها على الأذن، ثم ذكر تعالى فرار المرء من القوم الذين معهودهم أن لا يفر عنهم في الشدائد، ثم رتبهم تعالى الأول فالأول محبة وحنواً، وقرأ أبو أناس جوية "من أخيهُ وأمهُ وأبيهُ" بضم الهاء في كلها، وقال منذر بن سعيد وغيره: هذا الفرار هو خوف من أن يتبع بعضهم بعضاً بتبعات إذ الملابسة تعلق المطالبة، وقال جمهور الناس: إنما ذلك لشدة الهول على نحو ما روي أن الرسل تقول يومئذ نفسي نفسي لا أسألك غيري، و "الشأن الذي يغنيه": هو فكرة في سيئاته وخوفه على نفسه من التخليد في النار، والمعنى {يغنيه} عن اللقاء مع غيره والفكرة في أمره، قال قتادة: أفضى كل إنسان إلى ما يشغله عن غيره. وحديث : قال النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة: "لا يضرك في القيامة كان عليك ثياب أم لا" تفسير : ،وقرأ هذه الآية وقال نحوه: لسودة، وقد قالتا: واسوأتاه ينظر بعض الناس إلى بعض يوم القيامة، وقرأ جمهور الناس: " يُغنيه" بالغين منقوطة وضم الياء على ما فسرناه، وقرأ ابن محيصن والزهري وابن السميفع: "يَعَنيه" بفتح الياء والعين غير منقوطة من قولك عناني الأمر أي قصدني وأردني. ثم ذكر تعالى اختلاف الوجوه من المؤمنين الواثقين برحمة الله حين بدت لهم تباشيرها من الكفار، و {مسفرة}: معناه: نيرة باد ضوؤها وسرورها، و {ترهقها} معناه تلح عليها، و "القترة" الغبار و "الغبرة" الأولى إنما هي العبوس والهم كما يرى على وجه المهموم والميت والمريض شبه الغبار، وأما "القترة" فغبار الأرض ويقال إن ذلك يغشاهم من التراب الذي تعوده البهائم، ثم فسر تعالى أصحاب هذه الوجوه المغبرة بأنهم الكفرة قريش يومئذ ومن جرى مجراهم قديماً وحديثاً. نجز تفسير سورة {عبس} والحمد لله كثيراً.

ابن عبد السلام

تفسير : {الصَّآخَّةُ} النفخة الثانية يصيخ الخلائق لاستماعها أو اسم للقيامة لإصاخة الخلق إليها من الفزع "ع".

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {فَإِذَا جَآءَتِ ٱلصَّآخَّةُ}: وهي الصَّيحةُ التي تصخُّ الآذان، أي: تصمها لشدة وقعتها. وقيل: هي مأخوذة من صَخّهُ بالحجر أي: صَكَّهُ به. وقال الزمخشري: "صخَّ لحديثه مثل أصاخ له، فوصفت النفخة بالصاخَّة مجازاً؛ لأن النَّاس يصخُّون لها". وقال ابن العربي: الصاخَّة: التي تورث الصَّممَ، وإنَّها لمسمعة، وهذا من بديع الفصاحة؛ كقول الشاعر: [البسيط] شعر : 5114- أصمَّنِــي سِـرُّهُمْ أيَّــام فُرقتِهِـــمْ فَهـل سَمِعتُـمْ بِســرِّ يُـورِثُ الصَّمَمَا تفسير : وقال آخر: [الطويل] شعر : 5115- أصَمَّ بِكَ النَّاعِي وإنْ كَانَ أسْمَعَا ................................. تفسير : وجواب "إذا" محذوف، يدل عليه قوله: "لكُلِّ امرئٍ مِنهُمْ يومئذٍ شأنٌ يُغنِيهِ". والتقدير: فإذا جاءت الصاخة اشتغل كل أحد بنفسه. فصل في تعلق الآية لما ذكر أمر المعاش ذكر أمر المعاد ليتزودوا له بالأعمال الصالحة، والإنفاق مما امتن به عليهم. وقال ابنُ الخطيب: لمَّا ذكر تعالى هذه الأشياء، وكان المقصود منها أمور ثلاثة: أولها: الدلائل الدالة على التوحيد. وثانيها: الدلائل الدالة على القدرة والمعاد. وثالثها: أن هذا الإله الذي أحسن إلى عبيده بهذه الأنواع العظيمة من الإحسان، لا يليق بالعاقل أن يتمرَّد عن طاعته، وأن يتكبَّر على عبيده أتبع ذلك بما يكون كالمؤكِّد لهذه الأغراض، وهو شرح [أهوالِ الآخرةِ]، فإن الإنسان إذا سمعها خاف، فيدعوه ذلك الخوف إلى التأمل في الدلائل، والإيمان بها، والإعراض عن الكفر، ويدعوه أيضاً إلى ترك التكبُّر على الناس، وإلى إظهار التواضع فقال تعالى: {فَإِذَا جَآءَتِ ٱلصَّآخَّةُ} يعني: صيحة القيامةِ، وهي النفخة الأخيرةُ، تصخُّ الأسماع أي: تصمُّها، فلا تسمع إلا ما يدعى به الأحياء. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَا مِنْ دَابَّةٍ إلا وهِيَ مُصِيخَةٌ يوْمَ الجُمعَةِ شفقاً مِنَ السَّاعَةِ إلاَّ الجنِّ والإنسَ ". تفسير : قوله: {يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ} بدل من "إذا"، ولا يجوز أن يكون "يغنيه" عاملاً، في "إذا"، ولا في "يوم"؛ لأنه صفة لـ "شأن" ولا يتقدم معمول الصِّفة على موصوفها. والعامة على "يغنيه" من الإغناءِ. وابن محيصن والزهري، وابنُ أبي عبلة وحميدٌ، وابن السميفع: "يعنيه" بفتح الياء والعين المهملة من قولهم: عناني في الأمر، أي: قصدني. فصل في معنى الآية قوله: "يَفِرُّ"، أي: يهرب في يوم مجيء الصاخَّةِ، "مَنْ أخِيْهِ" أي: من مُوالاةِ أخيهِ، ومُكالمتهِ لأنه مشتغل بنفسه، لقوله بعده: {لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ}، أي: يشغلهُ عن غيره. وقيل: إنَّما يفرّ حذراً من مطالبتهم إياه بالتبعات، يقول الأخُ: ما واسيتنِي بمالك، والأبوان يقولان: قصرت في برنَا، والصاحبة تقول: أطمعتني الحرامَ، والبنون يقولون: ما علمتنا. وقيل: لعلمه أنهم لا ينفعونه، ولا يغنون عنه شيئاً، لقوله تعالى: {أية : يَوْمَ لاَ يُغْنِي مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئاً} تفسير : [الدخان: 41]. وقال عبد الله بن طاهر: يفرُّ منهم لمَّا تبين له عجزهم، وقلّة حيلتهم. وذكر الضحاك عن ابن عباس، قال: يفر قابيلُ من أخيه هابيل، ويفرُّ النبي من أمِّه، ويفرُّ إبراهيمُ من أبيه، ونوحٌ من ابنه، ولوطٌ من امرأتهِ، وآدمُ من سوءةِ بنيهِ. قال ابنُ الخطيب: المراد: أن الذين كان المرء يفرُّ إليهم في دار الدنيا، ويستجيرُ بهم، فإنه يفرُّ منهم في دار الآخرة، وذكروا في فائدة الترتيب كأنَّه قيل: {يَوْمَ يفرُّ المَرْءُ من أخِيهِ}، بل من أبويه، فإنهما أقرب من الأخوين، بل من الصَّاحبة والولد؛ لأنَّ تعلُّق القلب بهما أشد من تعلُّقه بالأبوين. ثم لمَّا ذكر الفِرارَ أتبعه بذكر سببه فقال تعالى: {لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ}. قال ابن قتيبة: "يغنيه" أي: يصرفه عن قرابته، ومنه يقال: أغْنِ عنِّي وَجْهَكَ، أي: اصرفه. وقال أهل المعاني: إنَّ ذلك الهم الذي حصل له قد ملأ صدره، فلم يبق فيه متسع لهمّ آخر، فصار شبيهاً بالغني في أنه ملك شيئاً كثيراً. قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ}. لما ذكر تعالى حال يوم القيامة في الهول بيَّن أن المكلفين فيه على قسمين: سعداء، وأشقياء، فوصف سبحانه السعيد بقوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ} أي: مضيئة مشرقة، وقد علمت ما لها من الفوز، والنعيم، من أسفر الصبح: إذا أضاء، وهي وجوه المؤمنين "ضاحكةٌ" أي: مسرورة فرحة. قال الكلبي: يعني بالفراغ من الحساب {مُّسْتَبْشِرَةٌ} أي: بما آتاها الله تعالى من الكرامة. وقال عطاءُ الخراسانيُّ: "مسْفِرةٌ" من طول ما اغبرت في سبيل الله. وقال الضحاكُ: من آثار الوضوء. وقال ابن عباس - رضي الله عنه -: من قيامِ اللَّيل، لقوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : مَنْ كَثُرتْ صلاتُه باللَّيلِ حسُنَ وجههُ بالنَّهارِ ". تفسير : قوله تعالى: {وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ}. قال المبرد: "الغَبَرةُ" الغبارُ، والقترةُ: سوادٌ كالدُّخان. وقال أبو عبيدة: القترُ في كلام العرب: الغبارُ، جمع القترة؛ قال الفرزدقُ: [البسيط] شعر : 5116- مُتَوجٌ بِرداءِ المُلكِ يَتْبعهُ مَوْجٌ تَرى فَوقَهُ الرَّاياتِ والقَتَرَا تفسير : وفي عطفه على الغبرة ما يرد هذا إلا أن يقال: اختلف اللفظ فحسن العطف، كقوله: [الوافر] شعر : 5117-............................ ........كَذِبــًا ومَيْنَـــا تفسير : وقوله: [الطويل] شعر : 5118-............................ .......النَّــأيُ والبُعْــدُ تفسير : وهو خلاف الأصل، وفي الحديث: "حديث : إنَّ البَهَائِمَ إذَا صَارتْ تُراباً يَوْمَ القِيَامَةِ حُولَ ذلِكَ التُّرابُ في وُجوهِ الكُفَّارِ ". تفسير : وقال زيدُ بن أسلمَ: القترةُ: ما ارتفعت إلى السماء، والغبرةُ: ما انحطت إلى الأرض، والغُبَار والعبرةُ واحدٌ. قال ابن عباس: "تَرْهَقُهَا" أي: تغشاها، "قَتَرةٌ" أي: كسوفٌ وسواد. وعنه - أيضاً -: ذلَّةٌ وشدَّةٌ. وقيل: تَرهقُهَا، أي: تدركها عن قُرب، كقولك: رَهقَتْهُ الخيل إذا أدركته مسرعة، والرَّهْقُ: عجلة الهلاك، القترةُ: سواد كالدُّخان، ولا يرى أوحشُ من اجتماع الغبار والسواد في الوجه، كما ترى وجوه الزنوج إذا غبرت، فجمع الله - تعالى - في وجوههم بين السواد، والغبرة، كما جمعوا بين الكفر، والفجور، والله أعلم. والعامة: على فتح التاء في "قَتَرة"، وأسكنها ابن أبي عبلة. قوله: {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَفَرَةُ}: جمع كافِر، "الفَجرَةُ": جمع فَاجِر، وهو الكاذبُ المُفتَرِي على الله تعالى. وقيل: الفَاسقُ: يقال: فَجَرَ فُجُوراً، أي: فسَقَ، وفَجرَ: أي: كذبَ. وأصله الميل، والفاجر المائل. روى الثعلبي عن أبيٍّ - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله وسلم: "حديث : مَنْ قَرَأ سُورَة {عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ} جاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ ووجْههُ ضَاحِكٌ مُسْتَبْشِرٌ".

البقاعي

تفسير : ولما ذكر عجائب الصنع في الطعام، وكان ذلك يقطف فيعود لا سيما المرعى فإنه يأتي عليه الخريف فينشف ثم يتحطم من الرياح ويتفرق في الأرض ثم يصير تراباً ثم يبعث الله المطر فيجمعه من الأرض بعد أن صار تراباً ثم ينبته كما كان، وكان ذلك مثل إحياء الموتى سواء، فتحقق لذلك ما تقدم من أمر الإنشار بعد الإقبار، وكان ذلك أيضاً مذكراً بأمر أبينا آدم عليه الصلاة والسلام لما أمره الله بالأكل من الجنة إلا من الشجرة التي نهاه عنها، فلما أكل منها أخرجه من الجنة فسجنه في دار ليست بجنة ولا نار ولا غيرهما بل هي من ممتزج الدارين وكالبرزخ بينهما، فيها ما يذكر بهذه وما يذكر بتلك، وفيها أمثلة الموجدات كلها، قال مسبباً عما ثبت به الإحياء للبعث إلى المحشر معبراً بأداة التحقق لأن الساعة ممن لا بد منه ولا محيد عنه لأنها سر الكون فإن فيها حساب الذين استخلفوا في هذا الوجود وأفيضت عليهم النعم التي أودعها فيه، وأشار إلى أنهم عاجزون عن القيام بشكرها، وكثير منهم - بل أكثرهم - زاد على ذلك بكفرها، فأوجب ذلك - ولا بد - حسابهم على ما فعلوا فيما استخلفوا فيه واسترعوه كما هي عادة كل مسترع ومستخلف: {فإذا جاءت} أي كانت ووجدت لأن كل ما هو كائن كأنه لاقيك وجاء إليك {الصآخة *} أي الصرخة العظيمة التي يبالغ في إسماع الأسماع بها حتى تكاد تصمها لشدتها، وكأنها تطعن فيها لقوة وقعتها وعظيم وجبتها، وتضطر الآذان إلى أن تصيخ إليها أي تسمع، وهي من أسماء القيامة، وأصل الصخ: الضرب بشيء صلب على مصمت. ولما كان وصفها بما يقع فيها أهيب، قال مبدلاً من "إذا" ما يدل على جوابها من نحو: اشتغل كل بنفسه ولم يكن عنده فراغ ما لغيره: {يوم يفر المرء} أي الذي هو أعظم الخلق مروءة: ولما كان السياق للفرار، قدم أدناهم رتبة في الحب والذب فأدناهم على سبيل الترقي، وأخر الأوجب في ذلك فالأوجب بخلاف ما في "سأل" كما مضى فقال: {من أخيه} لأنه يألفه صغيراً وقد يركن إليه كبيراً مع طول الصحابة وشدة القرب في القرابة فيكون عنده في غاية العزة. ولما كانت الأم مشاركة له في الإلف، ويلزم من حمايتها أكثر مما يلزم الأخ وهو لها آلف وإليها أحنّ وعليها أرق وأعطف قال {وأمه} ولما كان الأب أعظم منها في الإلف لأنه أقرب في النوع وللولد عليه من العاطفة لما له من مزيد النفع أكثر ممن قبله قال: {وأبيه *} ولما كانت الزوجة التي هي أهل لأن تصحب ألصق بالفؤاد وأعرق في الوداد، وكان الإنسان أذب عنها عند الاشتداد، قال: {وصاحبته} ولعله أفردها إشارة إلى أنها عنده في الدرجة العليا من المودة بحيث لا يألف غيرها. ولما كان للوالد إلى الولد من المحبة والعاطفة والإباحة - بالسر والمشاورة في الأمر ما ليس لغيره، ولذلك يضيع عليه رزقه وعمره قال: {وبنيه *} وإن اجتمع فيها الصغير الذي هو عليه أشفق والكبير الذي هو في قلبه أجل وفي عينه أنبل ومن بينهما من الذكر والأنثى. ولما ذكر فراره الذي منعه قراره، علله فقال: {لكل امرىء} أي وإن كان أعظم الناس مروءة {منهم يومئذ} أي إذ تكون هذه الدواهي العظام والشدائد والآلام {شأن} أي أمر بليغ عظيم {يغنيه *} أي يكفيه - في الاهتمام بحيث لا يدع له حصة يمكنه صرفها إلى غيره ويوجب له لزوم المغنى، وهو المنزل - الذي يرضيه مع أنه يعلم أنه يتبعونه ويخاف أن يطالبوه لما هم فيه من الكرب بما لعله قصر فيه من حقوقهم. ولما ذكر اليوم، قسم أهله إلى القسمين المقصودين بالتذكرة أول السورة، فقال دالاًّ على البواطن بأشرف الظواهر: {وجوه يومئذ} أي إذ كان ما تقدم من الفرار وغيره {مسفرة *} أي بيض مضيئة بالإشراق والاستنارة، من أسفر الصبح - إذا أشرق واستنار {ضاحكة} لما علمت من سعادتها {مستبشرة *} أي طالبة للبشر وهو تغير البشرة من السرور وموجدة لذلك، وهي بيضاء نيره بما يرى من تبشير الملائكة، وذلك بما كانت فيه في الدنيا من عبوس الوجوه وتغيرها وشحوبها من خشية الله تعالى وما يظهر من جلاله في الساعة كابن أم مكتوم رضي الله عنه الذي كان يحمله خوف الساعة على حمل الراية في أشد الحروب كيوم القادسية والثبات بها حتى يكون كالعمود، لا يزول عن مركزه أصلاً ليرضي المعبود. ولما ذكر أهل السعادة الذين هم المقبلون على الخير المصابون في أنفسهم بما يكفر سيئاتهم ويعلي درجاتهم، ذكر أضدادهم فقال تعالى: {ووجوه} وأكد بإعادة الظرف لإزالة الشبهة فقال: {يومئذ} أي إذ وجد ما ذكر {عليها} أي ملاصقة لها مع الغلبة والعلو {غبرة *} أي اربداد وكأنه بحيث يصير كأنه قد علاها غبار وهي عابسة حذرة وجلة منذعرة، وذلك مما يلحقها من المشقات وكثرة الزحام مع رعب الفؤاد، وتذكر ما هي صائرة إليه من الأنكاد الشداد {ترهقها} أي تغشاها وتقهرها وتعلوها {قترة *} أي كدورة وسواد وظلمة ضد الإسفار فهي باكية عابسة مما كانت فيه في الدنيا من الفرح واللعب والضحك والأمن من العذاب، فالآية من الاحتباك: ذكر الإسفار والبشر أولاً يدل على الخوف والذعر ثانياً، وذكر الغبرة ثانياً يدل عل البياص والنور أولاً، وسر ذلك أنه ذكر دليل الراحة ودليل التعب لظهورهما ترغيباً وترهيباً. ولما كان هذا الأمر هائلاً، وكان الفاجر، لما علا قلبه من الرين وله من القساوة، قليل الخوف من الأجل عديم الفكر فيما يأتي به غد لما غلب عليه من الشهوتين: السبيعة والبهيمية بخلاف المتقي في كل ذلك، استأنف الإخبار زيادة في التهويل فقال: {أولٰئك} أي البعداء البغضاء {هم} أي خاصة لا غيرهم {الكفرة} أي الذين ستروا دلائل إلإيمان {الفجرة *} أي الذين خرجوا عن دائرة الشرع خروجاً فاحشاً حتى كانوا عريقين في ذلك الكفر والفجور، وهم في الأغلب المترفون الذين يحملهم غناهم على التكبر والأشر والبطر، فلجمعهم بين الكفر والفجور جمع لهم بين الغبرة والقترة، كما يكون للزنوج من البقاعة إذا علا وجوههم غبار ووسخ، فقد عاد آخرها على أولها فيمن يستحق الإعراض عنه ومن يستحق الإقبال عليه - والله الهادي.

السيوطي

تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق عليّ عن ابن عباس قال‏:‏ الصاخة من أسماء يوم القيامة‏.‏ وأخرج عبد بن حميد والترمذي والحاكم وصححاه وابن مردويه والبيهقي في البعث عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏تحشرون حفاة عراة غرلاً، فقالت زوجته‏:‏ أينظر بعضنا إلى عورة بعض‏؟‏ فقال‏:‏ يا فلانة ‏{‏لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه‏}‏ ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج الطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي عن سودة بنت زمعة قالت‏:‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : يبعث الناس حفاة عراة غرلاً قد ألجمهم العرق وبلغ شحوم الآذان، قلت يا رسول الله‏‏ واسوأتاه ينظر بعضنا إلى بعض‏؟‏ قال‏: شغل الناس عن ذلك، وتلا ‏ {‏يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه‏}‏ ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج الطبراني عن سهل بن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏يحشر الناس يوم القيامة مشاة حفاة غرلاً‏.‏ قيل يا رسول الله: ينظر الرجال إلى النساء‏؟‏ فقال‏: {‏لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه‏}‏ ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط بسند صحيح عن أم سلمة‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"حديث : ‏يحشر الناس يوم القيامة عراة حفاة، فقلت يا رسول الله‏:‏ واسوأتاه ينظر بعضنا إلى بعض‏؟‏ فقال‏:‏ شغل الناس.‏ قلت‏:‏ ما شغلهم‏؟‏ قال‏: نشر الصحائف فيها مثاقيل الذر ومثاقيل الخردل‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏يبعث الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلاً، قلت يا رسول الله‏:‏ فكيف بالعورات‏؟‏ قال‏:{‏لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه‏}‏ ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن عساكر عن الحسن قال‏:‏ إن أول من يفر يوم القيامة من أبيه إبراهيم، وأول من يفر من أمه إبراهيم، وأول من يفر من ابنه نوح، وأول من يفر من أخيه هابيل، وأول من يفر من صاحبته نوح، ولوط، وتلا هذه الآية ‏{‏يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه‏}‏ فيرون أن هذه الآية نزلت فيهم‏.‏ وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن قتادة قال‏:‏ ليس شيء أشد على الإِنسان يوم القيامة من أن يرى من يعرفه مخافة أن يكون يطلبه بمظلمة، ثم قرأ ‏ {‏يوم يفر المرء من أخيه‏} ‏ الآية‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم وابن المنذر من طريق عليّ عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏مسفرة‏} ‏ قال‏:‏ مشرقة، وفي قوله‏:‏ ‏{‏ترهقها قترة‏}‏ قال‏:‏ تغشاها شدة وذلة‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عطاء الخراساني عن ابن عباس ‏ {‏قترة‏}‏ قال‏:‏ سواد الوجوه‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم من طريق جعفر بن محمد عن أبيه عن جده قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏يلجم الكافر العرق، ثم تقع الغبرة على وجوههم فهو قوله‏:‏ ‏{‏ووجوه يومئذ عليها غبرة‏} ‏"‏‏.

اسماعيل حقي

تفسير : {فاذا جاءت الصاخة} شروع فى بيان احوال معادهم اثر بيان مبدأ خلقهم ومعاشهم والفاء للدلالة على ترتب ما بعدها على ما قبلها من فناء النعم عن قريب كما يشعر لفظ المتاع بسرعة زوالها وقرب اضمحلالها وجواب اذا محذوف يدل عليه يوم يفر الخ اى اشتغل كل احد بنفسه والصاخة هى الداهية العظيمة التى يصخ لها الخلائق اى يصيخون لها من صخ لحديثه اذا أصاخ واستمع وصفت بها النفخة الثانية لان الناس يصخون لها فى قبورهم فاسند الاستماع الى المسموع مجازا وقيل هى الصيحة التى تصم الآذان لشدة وقعها وقيل هى مأخوذة من صخه بالحجر أى صكه فتكون الصاخة حقيقة فى النفخة.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {فإِذا جاءت الصَّاخةُ} أي: صيحة القيامة، وهي في الأصل: الداهية العظيمة، وسُميت بذلك لأنَّ الخلائق يَصخون لها، اي: يُصيخون لها، مِن: صَخَّ لحديثه: إذا أصاخ له واستمع، وُصفت بها النفخة الثانية لأنَّ الناس يصخون لها، وقيل: هي الصيحة التي تصخ الآذان، أي: تصمها، لشدة وقعها. وجواب (إذا): محذوف أي: كان من أمر الله ما لا يدخل تحت نطاق العبارة، يدل عليه قوله: {يومَ يفرُّ المرءُ من أخيه}، فالظرف متعلق بذلك الجواب، وقيل: منصوب بأعني، وقيل: بدل من "إذا" أي: يهرب من أخيه لاشتغاله بنفسه، فلا يلتفت إليه ولا يسأل عنه، {و} يفرُّ أيضاً من {أُمهِ وأبيهِ} مع شدة محبتهم فيه في الدنيا، {وصاحبتهِ} أي: زوجته {وبنيهِ}، بدأ بالأخ ثم بالأبوين؛ لأنهما أقرب منه, ثم بالصاحبة والبنين؛ لأنهم أحبُّ، فالآية من باب الترقي. وقيل: أول مَن يفرُّ من أخيه: هابيل، ومن أبويه: إبراهيم، ومن صاحبته: نوح ولوط، ومن ابنه: نوح. {لكل امرىءٍ منهم يومئذٍ شأنٌ يُغْنيه} أي: لكل واحد من المذكورين شغل شاغل، وخطب هائل، يكفيه في الاهتمام به، ويشغله عن غيره. ثم بيَّن أحوال المذكورين وانقسامهم إلى السعداء والأشقياء، بعد ذكر وقوعهم في داهية دهياء، فقال: {وجوه يومئذٍ مُسْفِرةٌ} أي: مضيئة متهللة، من: أسفر الصبح: إذا أضاء، قيل: ذلك مِن قيام الليل، وقيل: مِن إشراق أنوار الإيمان في قلوبهم، {ضاحكةٌ مستبشرةٌ} بما تُشاهد من النعيم المقيم والبهجة الدائمة. {ووجوه يومئذٍ عليها غبرةٌ} أي: غبار وكدور، {تَرهقها} أي: تعلوها وتغشاها {قَتَرَةٌ} أي: سواد وظُلمة {أولئك هم الكفرةُ}، الإشارة إلى أصحاب تلك الوجوه. وما فيه من معنى البُعد للإيذان ببُعد درجتهم في السوء، أي: أولئك الموصوفون بسواد الوجوه وغبرتها هم الكفرة {الفجرةُ} أي: الجامعون بين الكفر والفجور، ولذلك جمع الله لهم بين السواد والغبرة. نسأل الله السلامة والعافية. الإشارة: فإذا جاءت الصاخة، أي: النفحة الإلهية التي تجذب القلوب إلى الحضرة القدسية, فتأنّست القلوب بالله، وفرتْ مما سواه فترى الرجل حين تهب عليه هذه النفحة، بواسطة أو بغير واسطة، يفر من الخلق، الأقارب والأجانب، أُنساً بالله وشُغلاً بذكره، لا يزال هكذا حتى يصل إلى مولاه، ويتمكن من شهوده أيَّ تمكُّن، فحينئذ يخالط الناسَ بجسمه, ويفارقهم بقلبه، كما قالت رابعة العدوية رضي الله عنها: شعر : إِنَّي جَعلتُكَ في الفُؤَادِ مُحَدّثي وأَبَحْتُ جسمي مَنْ أراد جُلوسي فَالْجِسْمُ مني لِلْجَلِيس مُؤَانِس وحبيبُ قَلْبي في الفُؤادِ أنِيسي تفسير : قال القشيري: قالوا: الاستقامة أن تشهد الوقت قيامة، فَما مِن وَلِيًّ وعارفٍ إلاّ وهو اليومَ يَفرُّ بقلبه من الجميع؛ لأنّ لكل شأناً يُغنيه، فالعارفُ مع الخَلْق لا بقلبه، ثم ذكر شعر رابعةُ. وقال الورتجبي: أكّد الله أمر نصيحته لعباده ألاّ يعتمدوا إلى مَن سواه في الدنيا والآخرة، وأنَّ ما سواه لا ينقذه مِن قبض الله حتى يفرّ مما دون الله إلى الله. هـ. وقال في قوله تعالى: {لكل امرىء منهم يومئذ شأن يُغنيه}: لكل واحدٍ منهم شأن يشغله، وللعارف شأن مع الله في مشاهدته، يُغنيه عما سوى الله. هـ. قوله تعالى: {وجوه يومئذ مُسْفِرة ضاحكة مستبشِرة} كل مَن أَسفر عن ليل وجوده ضياءُ نهار معرفته، فوجهه يوم القيامة مُسْفِر بنور الحبيب, ضاحك لشهوده، مستبشر بدوام إقباله ورضوانه. وقال أبو طاهر: كشف عنها سُتور الغفلة، فضحكت بالدنو من الحق، واستبشرت بمشاهدته. وقال ابن عطاء: أسفر تلك الوجوه نظرُها إلى مولاها، وأضحكها رضاه عنها. هـ. قال القشيري: ضاحكة مستبشرة بأسبابٍ مختلفة، فمنهم مَن استبشر بوصوله إلى حبيبه، ومنهم بوصوله إلى الحور، ومنهم، ومنهم، وبعضهم لأنه نظر إلى ربِّه فرأه، ووجوه عليها غبرة الفراقُ، يرهقها ذُلُّ الحجاب والبعاد. هـ. قال الورتجبي: {وجوه يومئذ مُسْفِرة}، وجوه العارفين مُسْفرة بطلوع إسفار صبح تجلِّي جمال الحق فيها، ضاحِكة مِن الفرح بوصولها إلى مشاهدة حبيبها، مستبشرة بخطابه ووجدان رضاه، والعلم ببقائها مع بقاء الله. ثم وصف وجوه الأعداء والمدّعين فقال: {ووجوه يومئذٍ عليه غبرةُ} الفراقِ يوم التلاق، وعليها قَتر ذل الحجاب، وظلمة العذاب ـ نعوذ بالله من العتاب ـ قال السري: ظاهر عليها حزن البعاد؛ لأنها صارت محجوبة، عن الباب مطرودة، وقال سَهْلٌ: غلب عليها إعراض الله عنها، ومقته إياها، فهي تزداد في كل يوم ظلمة وقترة. هـ. اللهم أسفر وجوهنا بنور ذاتك، وأضحكنا وبَشِّرنا بين أوليائك في الدنيا والآخرة، إنك على كل شيء قدير، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم تسليماً.

الطوسي

تفسير : قوله {فإذا جاءت الصاخة} قال ابن عباس: هي القيامة. وقيل: هي النفخة الثانية التي يحيا عندها الناس. وقال الحسن: الصاخة هي التي يصيخ لها الخلق، وهي النفخة الثانية. والصاخة هي الصاكة بشدة صوتها الآذان فتصمها، صخ يصخ صيخاً، فهو صاخ. وقد قلبها المضاعف باكراهه التضعيف، فقال: أصاخ يصيخ اصاخة قال الشاعر: شعر : يصيخ للنبأة أسماعه إصاخة الناشد للمنشد تفسير : ومثله تظنيت، والاصل تظننت. ثم بين شدة أهوال ذلك اليوم فقال {يوم يفر المرء من أخيه و} من {أمه وأبيه و} من {صاحبته} التي هي زوجته فى الدنيا {وبنيه} يعني أولاده الذكور نفر من هؤلاء حذراً من مظلمة تكون عليه. وقيل: لئلا يرى ما ينزل به من الهوان والذل والعقاب. وقيل: نفر منه ضجراً به لعظم ما هو فيه. وقيل: لأنه لا يمكنه ان ينفعه بشيء ولا ينتفع منه بشيء وقوله {لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه} فالمراد به الذكر من الناس وتأنيثه امرأة، فالمعنى إن كل انسان مكلف مشغول بنفسه لا يلتفت إلى غيره، من صعوبة الأمر وشدة أهواله. والشأن الأمر العظيم، يقال: لفلان شأن من الشأن أي له أمر عظيم، وأصله الواحد من شؤن الرأس، وهو موضع الوصل من متقابلاته التي بها قوام أمره. ومعنى {يغنيه} أي يكفيه من زيادة عليه أي ليس فيه فضل لغيره لما هو فيه من الامر الذي قد اكتنفه وملأ صدره، فصار كالغني عن الشيء فى أمر نفسه لا تنازع اليه. ثم قسم تعالى احوال العصاة والمؤمنين، فقال {وجوه يومئذ مسفرة} أي مكشوفة مضيئة، فالاسفار الكشف عن ضياء من قولهم: أسفر الصبح إذا أضاء، وسفرت المرأة إذا كشفت عن وجهها، ومنه السفر، لأنه يكشف عن أمور تظهر به، قال توبة الحميري. شعر : وكنت إذا فاجأت ليلى تبرقعت فقد رابني منها الغداة سفورها تفسير : أي كشفها قناعها. وقوله {ضاحكة مستبشرة} أي من فرحها بما اعددنا لها من الثواب تكون ضاحكة مسرورة. والضحك الاستبشار وإن إضيف إلى الوجه، فالمراد به أصحاب الوجوه، فأما الاسفار والاشراف فيجوز ان يكون للوجوه خاصة بما جعل الله فيها من النور، لتفرق الملائكة بين المؤمنين والكفار. ثم قال {ووجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة} أي يكون على تلك الوجوه غبار وجمعه غبرة {ترهقها} أي تغشاها "قترة" وهي ظلمة الدخان، ومنه قترة الصائد موضعه الذي يدخن فيه للتدفي به. ثم اخبر أن من كان على وجهه الغبرة التي تغشاها القترة {هم الكفرة} جمع كافر {الفجرة} جمع فاجر، كما أن كاتباً يجمع كتبة، وساحراً يجمع سحرة. وليس فى ذلك ما يدل على مذهب الخوارج من ان من ليس بمؤمن لا بد أن يكون كافراً من حيث أن الله قسم الوجوه هذين القسمين. وذلك انه تعالى ذكر قسمين من الوجوه متقابلين، وجوه المؤمنين ووجوه الكفار، ولم يذكر وجوه الفساق من أهل الملة. ويجوز ان يكون ثَم صفة اخرى بخلاف ما لهذين، بان يكون عليها غبرة لا يغشاها قترة او يَكون عليها صفرة، ولو دل ذلك على ما قالوه لوجب أن يدل قوله {أية : يوم تبيض وجوه وتسود وجوه}تفسير : على أن كل من لا يبيض وجهه من المؤمنين يجب ان يكون مرتداً، لانه تعالى قال لهم {أية : أكفرتم بعد إيمانكم} تفسير : والخوارج لا تقول ذلك، لان من المعلوم ان - ها هنا - كفاراً فى الأصل ليسوا مرتدين عن الايمان.

الجنابذي

تفسير : فَإِذَا جَآءَتِ ٱلصَّآخَّةُ} الصّخّ الضّرب بشيءٍ صلب على مصمت، والصّاخّة صيحة تصمّ الاسماع لشدّتها والقيامة والدّاهية، والكلّ مناسب ههنا.

اطفيش

تفسير : {فَإِذَا جَاءَتْ الصَّاخَّةُ} النفخة الثانية ويقال صخ لحديثه إذا استمع له وأسند الصخ اليها تجوزا لأن الناس يصبحون اليها أو حقيقة لمعنى تصح أسماعهم أي تبالغ فيها حتى تضمها وعبر بعض بقوله تكاد تصمها وعن الخليل الصاخة صيحة تصخى الآذان أي تصمها لشدتها.

اطفيش

تفسير : {فَإِذا} الفاء إِيذان بقرب متاع الدنيا من الفناء وإِتصالها بالآخرة وجواب إِذا محذوف يقدر بعد قوله وبنيه أى كان ما لا يفى بتفصيله الكلام، وقيل هو قوله لكل امرئ.. الخ. مع فعل يقدر أى كان كل امرئ الخ وهو ضعيف {جَاءَتِ الصَّاخَّةُ} الصيحة التى تصخ الأُذن أى تصمها لشدتها كما قال الخليل وابن العربى وقيل تكاد تصمها وهو مراد من ذكر أوتصمها حقيقة ثم إِذا أراد الله تعالى أسمعه أو الداهية العظيمة من صاخ بمعنى استمع والأَمر العظيم يستمع له الناس أسند الاستماع إِليها تجوزاً فىالإِسناد والصائخة مجازاً أو من صخة بالحجر مجازاً كأَنها تدق الناس بالحجر والمراد فى كل ذلك النفخة الثانية.

الالوسي

تفسير : شروع في بيان أحوال معادهم بعد بيان ما يتعلق بخلقهم ومعاشهم. والفاء للدلالة على ترتب ما بعدها على ما يشعر به لفظ المتاع من سرعة زوال هاتيك النعم وقرب اضمحلالها. والصاخة هي الداهية العظيمة من صخ بمعنى أصاخ أي استمع والمراد بها النفخة الثانية ووصفت بها لأن الناس يصخون لها فجعلت مستمعة مجازاً في الظرف أو الإسناد، وقال الراغب الصاخة شدة صوت ذي النطق يقال صخ يصخ فهو صاخ فعليه هي بمعنى الصائحة مجازاً أيضاً، وقيل مأخوذة من صخه بالحجر أي صكه وقال الخليل هي صيحة تصخ الآذان صخاً أي تصمها لشدة وقعتها ومنه أخذ الحافظ أبو بكر بن العربـي قوله ((الصاخة هي التي تورث الصمم وأنها لمسمعة وهو من بديع الفصاحة كقوله: شعر : أصم بك الناعي وإن كان اسمعا تفسير : ثم قال ولعمر الله تعالى إن صيحة القيامة مسمعة تصم عن الدنيا وتسمع أمور الآخرة)) والكلام في جواب {إِذَا} وفي {يَوْمَ} من قوله تعالى: {يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْء مِنْ أَخِيهِ}.

ابن عاشور

تفسير : الفاء للتفريع على اللوْم والتوبيخ في قوله: { أية : قُتل الإنسان ما أكفره } تفسير : [عبس: 17] وما تبعه من الاستدلال على المشركين من قوله: { أية : من أي شيء خلقه } تفسير : إلى قوله { أية : أنا صببنا الماء صباً } تفسير : [عبس: 18 ـــ 25]، ففُرع على ذلك إنذار بيوم الجزاء، مع مناسبة وقوع هذا الإِنذار عقب التعريض والتصريح بالامتنان في قوله: { أية : إلى طعامه } تفسير : [عبس: 24] وقوله: { أية : متاعاً لكم ولأنعامكم } تفسير : [عبس: 32] على نحو ما تقدم في قوله: { أية : فإذا جاءت الطامة الكبرى } تفسير : من سورة النازعات (34). و{الصَّاخّة}: صيحة شديدة من صيحات الإِنسان تَصُخ الأسماع، أي تُصِمها. يقال: صَخَّ يصخ قاصراً ومتعدياً، ومضارعه يصُخ بضم عينه في الحالين. وقد اختلف أهل اللغة في اشتقاقها اختلافاً لا جدوَى له، وما ذكرناه هو خلاصة قول الخليل والراغب وهو أحسن وأجرى على قياس اسم الفاعل من الثلاثي، فالصاخّة صارت في القرآن عَلماً بالغَلبة على حادثةِ يوم القيامة وانتهاءِ هذا العالم، وتحصل صيحات منها أصوات تزلزل الأرض واصطدام بعض الكواكب بالأرض مثلاً، ونفخة الصُّور التي تبعث عندها الناس. و(إذا) ظرف وهو متعلق بــــ {جاءت الصاخّة} وجوابه قوله: {وجوه يومئذ مسفرة} الآيات. والمجيء مستعمل في الحصول مجازاً، شُبه حصول يوم الجزاء بشخص جاء من مكان آخر. و{يومَ يفرّ المرء من أخيه} بدل من {إذا جاءت الصاخة} بدلاً مطابقاً. والفرار: الهروب للتخلص من مُخيف. وحرف (من) هنا يجوز أن يكون بمعنى التعليل الذي يُعدّى به فعل الفرار إلى سبب الفرار حين يقال: فَرّ من الأسد، وفرّ من العدو، وفرّ من الموت، ويجوز أن يكون بمعنى المجاوزة مثل (عن). وكون أقرب الناس للإِنسان يفرّ منهم يقتضي هولَ ذلك اليوم بحيث إذا رأى ما يحل من العذاب بأقرب الناس إليه توهم أن الفرار منه يُنْجِيه من الوقوع في مثله، إذ قد علم أنه كان مماثلاً لهم فيما ارتكبوه من الأعمال فذكرت هنا أصناف من القرابة، فإن القرابة آصرة تكون لها في النفس معزة وحرص على سلامة صاحبها وكرامته. والألفَ يحدث في النفس حرصاً على الملازمة والمقارنة. وكلا هذين الوجدانين يصد صاحبه عن المفارقة فما ظنك بهول يغْشَى على هذين الوجدانين فلا يَترك لهما مجالاً في النفس. ورتبت أصناف القرابة في الآية حسب الصعود من الصنف إلى من هو أقوى منه تدرجاً في تهويل ذلك اليوم. فابتدىء بالأخ لشدة اتصاله بأخيه من زمن الصبا فينشأ بذلك إلف بينهما يستمر طول الحياة، ثم ارتُقي من الأخ إلى الأبوين وهما أشد قرباً لابْنيهما، وقدمت الأم في الذكر لأن إلْفَ ابنها بها أقوى منه بأبيه وللرعي على الفاصلة، وانتقل إلى الزوجة والبنين وهما مُجتمع عائلة الإِنسان وأشد الناس قرباً به وملازمة. وأطنب بتعداد هؤلاء الأقرباء دون أن يقال: يوم يفر المرء من أقرب قرابته مثلاً لإحضار صورة الهول في نفس السامع. وكل من هؤلاء القرابة إذا قدرتَه هو الفارّ كان مَن ذُكر معه مفروراً منه إلا قولَه: {وصاحبته} لظهور أن معناه: والمرأةِ من صاحبها، ففيه اكتفاء، وإنما ذُكرتْ بوصف الصاحبة الدال على القرب والملازمة دون وصف الزوج لأن المرأة قد تكون غير حسنة العشرة لزوجها فلا يكون فراره منها كناية عن شدة الهول فذكر بوصف الصاحبة. والأقرب أن هذا فرار المؤمن من قرابته المشركين خشية أن يؤاخذ بتبعتهم إذْ بَقُوا على الكفر. وتعليق جار الأقرباء بفعل: {يفر المرء} يقتضي أنهم قد وقعوا في عذاب يخشون تعديه إلى من يتصل بهم. وقد اجتمع في قوله: {يوم يفر المرء من أخيه} إلى آخره أبلغ ما يفيد هول ذلك اليوم بحيث لا يترك هوله للمرء بقية من رشده فإن نفس الفرار للخائف مسبة فيما تعارفوه لدلالته على جبن صاحبه وهم يتعيرون بالجبن وكونَه يترك أعز الأعزة عليه مسبة عظمى. وجملة: {لكل امرىء منهم يومئذٍ شأن يغنيه} مستأنفة استئنافاً ابتدائياً لزيادة تهويل اليوم، وتنوينُ {شأن} للتعظيم. وحيث كان فرار المرء من الأقرباء الخمسة يقتضي فرار كل قريب من أولئك من مثله كان الاستئناف جامعاً للجميع تصريحاً بذلك المقتضَى، فقال: {لكل امرىء منهم يومئذٍ شأن يغنيه} أي عن الاشتغال بغيره من المذكورات بَلْهَ الاشتغال عمن هو دون أولئك في القرابة والصحبة. والشأن: الحال المهم. وتقديم الخبر في قوله: {لكل امرىء} على المبتدأ ليتأتى تنكير {شأن} الدال على التعظيم لأن العرب لا يبتدئون بالنكرة في جملتها إلا بمسوغ من مسوغاتٍ عَدَّها النحاة بضعةَ عشر مسوغاً، ومنها تقديم الخبر على المبتدإ. والإِغناء: جعل الغير غنياً، أي غير محتاج لشيء في غرضهِ. وأصل الإِغناء والغنى: حصول النافع المحتاج إليه، قال تعالى: { أية : وما أغنى عنكم من اللَّه من شيء } تفسير : [يوسف: 67] وقال: { أية : ما أغنى عني ماليه } تفسير : [الحاقة: 28]. وقد استعمل هنا في معنى الإِشغال والإِشغال أعم. فاستعمل الإغناء الذي هو نفع في معنى الإِشغال الأعم على وجه المجاز المرسل أو الاستعارة إيماء إلى أن المؤمنين يشغلهم عن قرابتهم المشركين فرط النعيم ورفع الدرجات كما دل عليه قوله عقبه: {وجوه يومئذٍ مسفرة} إلى آخر السورة. وجملة: {وجوه يومئذٍ مسفرة} جواب (إذا)، أي إذا جاءت الصاخة كان الناس صنفين صنف وجوههم مسفرة وصنف وجوههم مغبرة. وقدم هنا ذكر وجوه أهل النعيم على وجوه أهل الجحيم خلافَ قوله في سورة النازعات (37) { أية : فأما من طغى } تفسير : ثم قوله: { أية : وأما من خاف مقام ربه } تفسير : [النازعات: 40] إلى آخره لأن هذه السورة أقيمت على عماد التنويه بشأن رجل من أفاضل المؤمنين والتحقير لشأن عظيم من صناديد المشركين فكان حظ الفريقين مقصوداً مسوقاً إليه الكلام وكان حظ المؤمنين هو الملتفت إليه ابتداء، وذلك من قوله: { أية : وما يدريك لعله يزكَّى } تفسير : [عبس: 3] إلى آخره، ثم قوله: { أية : أما من استغنى فأنت له تَصَّدَّى } تفسير : [عبس: 5، 6]. وأما سورة النازعات فقد بُنِيت على تهديد المنكرين للبعث ابتداء من قوله: { أية : يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة قلوب يومئذ واجفة } تفسير : [النازعات: 6 ـــ 8] فكان السياق للتهديد والوعيد وتهويل ما يلقونه يوم الحشر، وأما ذكر حظ المؤمنين يومئذ فقد دعا إلى ذكره الاستطراد على عادة القرآن من تعقيب الترهيب بالترغيب. وتنكير {وجوه} الأول والثاني للتنويع، وذلك مسوغ وقوعهما مبتدأ. وإعادة {يومئذ} لتأكيد الربط بين الشرط وجوابه ولطول الفصل بينهما والتقدير: وجوه مسفرة يوم يفرّ المرء من أخيه إلى آخره. وقد أغنت إعادة {يومئذ} عن ربط الجواب بالفاء. والمسفرة ذات الإسفار، والإِسفار النور والضياء، يقال: أسفر الصبح، إذا ظهر ضوء الشمس في أفق الفجر، أي وجوه متهللة فرحاً وعليها أثر النعيم. و{ضاحكة} أي كناية عن السرور. و{مستبشرة} معناه فَرِحة، والسين والتاء فيه للمبالغة مثل: استجاب، ويقال: بَشَر، أي فرِح وسُرَّ، قال تعالى: { أية : قال يا بُشْرَايَ هذا غلام } تفسير : [يوسف: 19] أي يا فرحتي. وإسناد الضحك والاستبشار إلى الوجوه مجاز عقلي لأن الوجوه محلّ ظهور الضحك والاستبشار، فهو من إسناد الفعل إلى مكانه، ولك أن تجعل الوجوه كناية عن الذوات كقوله تعالى: { أية : ويبقى وجه ربك } تفسير : [الرحمٰن: 27]. وهذه وجوه أهل الجنة المطمئنين بالاً المكَرمِين عَرْضاً وحُضوراً. والغَبَرة بفتحتين الغُبار كلَّه، والمراد هنا أنها معفّرة بالغُبار إهانة ومن أثر الكَبوات. و{ترهقها} تغلب عليها وتعلوها. والقترة: بفتحتين شِبه دخان يغشى الوجه من الكرب والغم، كذا قال الراغب، وهو غير الغَبَرة كما تقتضيه الآية لئلا يكون من الإِعادة، وهي خلاف الأصل ولا داعي إليها. وسوَّى بينهما الجوهري وتبعه ابن منظور وصاحب «القاموس». وهذه وجوه أهل الكفر، يعلم ذلك من سياق هذا التنويع، وقد صرح بذلك بقوله: {أولئك هم الكفرة الفجرة} زيادة في تشهير حالهم الفظيع للسامعين. وجيء باسم الإشارة لزيادة الإِيضاح تشهيراً بالحالة التي سببت لهم ذلك. وضمير الفصل هنا لإفادة التقوي. وأتبع وصف {الكفرة} بوصف {الفجرة} مع أن وصف الكُفر أعظم من وصف الفجور لما في معنى الفجور من خساسة العمل فذُكر وصفاهم الدالان على مجموع فساد الاعتقاد وفساد العمل. وذكر وصف {الفجرة} بدون عاطف يفيد أنهم جمعوا بين الكفر والفجور.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: فإِذا جاءت الصاخة: أي النفخة الثانية. وصاحبته: أي زوجته. شأن يغنيه: أي حال تشغله عن شأن غيره. مسفرة: أي مضيئة. عليها غبرة: أي غبار. ترهقها قترة: أي ظلمة من سواد ومعنى ترهقها تغشاها. الكفرة الفجرة: أي الجامعون بين الكفر والفجور. معنى الآيات: بعدما بين تعالى بداية أمر الإِنسان في حياته ومعاشه فيها ذكر تعالى معاده ومآله فيها فقال عز من قائل {فَإِذَا جَآءَتِ ٱلصَّآخَّةُ} وهي القيامة ولعل تسميتها بهذا الاسم الصاخة نظرا إلى نفخة الصور التي تصخ الآذان أي تصمها بمعنى تصيبها بالصمم لشدتها. وهي النفخة الثانية وقوله تعالى {يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَٰحِبَتِهِ} أي زوجته {وَبَنِيهِ} وهؤلاء أقرب الناس إليه ومع هذا يفر عنهم أي يهرب خشية أن يطالبوه بحق لهم عليه فيؤخذ به. وقوله تعالى {لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ} أي حال وأمر {يُغْنِيهِ} عن السؤال عن غيره ولو كان أقرب قريب إليه. هنا ورد أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلة يا نبيّ الله كيف يحشر الرجال؟ قال حفاة عراة، ثم انتظرت ساعة فقالت يا نبيّ الله كيف يحشر النساء؟ قال كذلك حفاة عراة قالت واسوأتاه من يوم القيامة: قال وعن ذلك تسألين إنه قد نزلت عليّ آية لا يضرك كان عليك ثياب أم لا قالت أي آية هي يا نبيّ الله قال {لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ}. وقوله تعالى {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ} أي مضيئة مشرقة {ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ} وهي وجوه المؤمنين والمؤمنات أهل التقوى وجوههم حسنة مشرقة بالأنوار مستبشرون بالقدوم على ربهم والنزول بجواره الكريم. {وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ} أي تقوم القيامة ويحشر الناس لفصل القضاء {عَلَيْهَا غَبَرَةٌ} أي غبار {تَرْهَقُهَا} أي تغشاها {قَتَرَةٌ}. أي ظلمة وسواد أولئك اي الذين عليهم الغبرة وتغشاهم القترة هم {ٱلْكَفَرَةُ} في الدنيا {ٱلْفَجَرَةُ} فيها الذين عاشوا على الكفر والفجور وماتوا على ذلك والفجور هو الخروج عن طاعة الله تعالى بترك الواجبات وغشيان المحرمات كالربا والزنا وسفك الدماء. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان شدة الهول يوم القيامة يدل عليه فرار المرء من أقربائه. 2- خطر التبعات على العبد يوم القيامة وهي الحقوق التي يطالب بها العبد يوم القيامة. 3- شدة الهول والفزع تنسي المرء يوم القيامة أن ينظر إلى عورة أحد من أهل الموقف. 4- ثمرة الإِيمان والتقوى تظهر في الموقف نورا على الوجه وإشراقا له وإضاءة وثمرة الكفر والفجور تظهر ظلمة وسوادا على الوجه وغبارا. 5- تقرير عقيدة البعث والجزاء بعرض صورة من صورها.

د. أسعد حومد

تفسير : (33) - فَإِذَا جَاءَ يَوْمُ القِيَامَةِ، (وَسُمِّيَتِ القِيَامَةُ صَاخَّةً لأَِنَّهُ يَحْدُثُ فِيهَا صَوْتٌ هَائِلٌ يَصُمُّ الآذَانَ وَيَصُخُّ الأَسْمَاعَ). الصَّاخَّةُ - الصَّيْحَةُ العَظِيمَةُ تَصُمُّ الآذَانَ.

الثعلبي

تفسير : {فَإِذَا جَآءَتِ ٱلصَّآخَّةُ} يعني صيحة القيامة، سمّيت بذلك لأنها تصخّ الأسماع أي تبالغ في إسماعها حتى كاد تصمّها. {يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَٰحِبَتِهِ وَبَنِيهِ} لا يلتفت إلى واحد منهم لشغله بنفسه وقيل: حذراً من مطالبتهم إيّاه لما بينه وبينهم من التبعاتّ والمظالم، وقيل: لعلمه بأنهم لا ينفعونه ولا يغنون عنه من الله شيئاً. سمعت السلمي يقول: سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت عبد الله بن طاهر الأبهري يقول في هذه الآية: يفر منهم إذا ظهر له عجزهم وقلّة حيلتهم إلى مَنْ يملك كشف تلك الكروب والهموم عنه ولو ظهر له ذلك في الدنيا لما اعتمد سوى ربّه الذي لا يعجزه شيء، ويمكن من فسحة التوكّل واستراح في ظل التفويض. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا مخلّد قال: حدّثنا ابن علوية قال: حدّثنا إسماعيل بن عيسى قال: حدّثنا إسحق بن بشر قال: أخبرني شيخ لنا عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن قال: أول من يفر يوم القيامة من أبيه إبراهيم وأول من يفر من أمه إبراهيم وأول من يفر من إبنه نوح، وأول من يفر من أخيه هابيل بن آدم، وأول من يفر من صاحبته نوح ثم لوط، ثم تلا هذه الآية {يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ} وقال يروون أن هذه الآية نزلت فيهم. وأخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد بن عبدوس قال: أخبرنا أبو بكر بن محمد بن حمدون بن خالد قال: حدّثنا أبو حنيفة محمد بن عمرو قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا خليد بن دعلج عن قتادة في قول الله سبحانه {يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ} قال: يفرّ هابيل من قابيل وأمه وأبيه، قال: يفر النبي صلى الله عليه وسلم من أمه وإبراهيم من أبيه وصاحبته وبنيه، قال: لوط من صاحبته ونوح من ابنه. {لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} يشغله عن شأن غيره قال خفاف: شعر : ستغنيك حرب بني مالك عن الفحش والجهل في المحفل تفسير : قال الفراء: وقرأ بعض القراء وهو ابن محيض (بعينه) وهو شاذ. أخبرني الحسين قال: حدّثنا عبد الله بن عبد الرحمن قال: حدّثنا محمد بن عبد العزيز قال: حدّثنا ابن أبي أوس قال: حدّثنا أبي عن محمد بن عياش عن عطاء بن بشار حديث : عن سودة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يُبعث الناس حفاة عراة عزلا قد ألجمهم العرق، وبلغ شحوم الآذان". فقلت يا رسول الله واسوأتاه ينظر بعضنا إلى بعض؟ فقال: "قد شُغل الناسُ {لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} ". تفسير : {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ} مشرقة مضيئة، يقال: أسفر الصبح إذا أضاء {ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ} فرحة. أخبرنا الحسين قال: حدّثنا أبو علي الحسين بن أحمد الفامي قال: حدّثنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار قال: حدّثنا يحيى بن معين قال: أخبرنا إسحاق بن الأشعث عن شمر بن عطية عن عطاء في قول الله سبحانه: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ} قال: من طول ما اغبرت في سبيل الله. {وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ} غُبار، ذكر أن البهائم التي يصيّرها الله سبحانه تراباً بعد القضاء بينها حُوِّلَ ذلك التراب في وجوه الكفرة {تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ} ظلمة وكآبة وكسوف وسواد، قال ابن عباس: يغشاها ذلّة، قال ابن زيد: الفرق بين الغبرة والقترة أن القترة ما ارتفع من الغبار فلحق بالسماء، والغبرة ما كان أسفل في الأرض {أُوْلَـٰئِكَ} الذين يصنع بهم هذا {هُمُ ٱلْكَفَرَةُ ٱلْفَجَرَةُ}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {فَإِذَا جَآءَتِ ٱلصَّآخَّةُ} معناه يومُ القِيامةِ.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {فَإِذَا جَآءَتِ ٱلصَّآخَّةُ} [عبس: 33]؛ يعني: قيامة النفس فكاد صيحتها يُضم الآذان {يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ} [عبس: 34]؛ يعني: تفر النفس من القلب {وَأُمِّهِ} [عبس: 35]؛ يعني: من القالب {وَأَبِيهِ} [عبس: 35]؛ أي: من الأرواح {وَصَٰحِبَتِهِ} [عبس: 36]؛ أي: من هوية {وَبَنِيهِ} [عبس: 36]؛ أي: من الخواطر المتولدة عنه {لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} [عبس: 37]؛ يعني: لكل لطيفة من هذه اللطائف شأن خاص متعلق بها ليشغلها عن غيرها في هذا اليوم ترى وجوهاً مشرقة بنور الرب منعمة بنعمة الهداية ضاحكة أسنانها بما يشاهدون من حسن الجزاء فرحة بإنجاز الوعد لهم، وترى وجوههاً مظلمة مكدرة عليها سيماء النحوسة والشقاوة تلمع تغشاها كل ساعة كائنة وذلة وغيرة أرضية قالبية وقترة سماوية صدرية كما يقول كتابه الكريم {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ * أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَفَرَةُ ٱلْفَجَرَةُ} [عبس: 38-42]؛ يعني: هم الذين كفروا بنعمة الاستعداد الذي أعطاهم الله وإقبال اللطيفة عليهم وما آمنوا بالله وما قبلوا دعوة اللطيفة وفجروا في عالم الأنفس باختلال القوى النفسية والقالبية واستردافها على وفق هواهم فيا أيها السالك اعتبر بهذه السورة واجتهد في الطب ويا أيها المسلك احذر من هذا العتاب وأد حق الطلاب وتذكر ما قال الله تعالى لنبيه داود - عليه السلام - إذا رأيت لي طالب فكن له خادماً لتكون من المعتبرين بالقرآن المنتفعين من نعم معارفه. اللهم انفعنا بغفرانك الكريم نفعاً عظيماً وصل على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان والسالكين صراط مستقيم.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: إذا جاءت صيحة القيامة، التي تصخ لهولها الأسماع، وتنزعج لها الأفئدة يومئذ، مما يرى الناس من الأهوال وشدة الحاجة لسالف الأعمال. { يَفِرُّ الْمَرْءُ } من أعز الناس إليه، وأشفقهم لديه، { مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ } أي: زوجته { وَبَنِيهِ } وذلك لأنه { لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ } أي: قد شغلته نفسه، واهتم لفكاكها، ولم يكن له التفات إلى غيرها، فحينئذ ينقسم الخلق إلى فريقين: سعداء وأشقياء، فأما السعداء، فوجوههم [يومئذ] { مُسْفِرَةٌ } أي: قد ظهر فيها السرور والبهجة، من ما عرفوا من نجاتهم، وفوزهم بالنعيم، { ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ وَوُجُوهٌ } الأشقياء { يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا } أي: تغشاها { قَتَرَةٌ } فهي سوداء مظلمة مدلهمة، قد أيست من كل خير، وعرفت شقاءها وهلاكها. { أُولَئِكَ } الذين بهذا الوصف { هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ } أي: الذين كفروا بنعمة الله وكذبوا بآيات الله، وتجرأوا على محارمه. نسأل الله العفو والعافية إنه جواد كريم [والحمد لله رب العالمين].