Verse. 5949 (AR)

٨٧ - ٱلْأَعْلَىٰ

87 - Al-A'la (AR)

سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْاَعْلَى۝۱ۙ
Sabbihi isma rabbika alaAAla

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«سبح اسم ربك» أي نزه ربك عما لا يليق به واسم زائد «الأعلى» صفة لربك.

1

Tafseer

الرازي

تفسير : فيه مسائل: المسألة الأولى: في قوله: {ٱسْمَ رَبّكَ } قولان: أحدهما: أن المراد الأمر بتنزيه اسم الله وتقديسه والثاني: أن الاسم صلة والمراد الأمر بتنزيه الله تعالى. أما على الوجه الأول ففي اللفظ احتمالات أحدها: أن المراد نزه اسم ربك عن أن تسمي به غيره، فيكون ذلك نهياً على أن يدعى غيره باسمه، كما كان المشركون يسمون الصنم باللات، ومسيلمة برحمان اليمامة وثانيها: أن لا يفسر أسماءه بما لا يصح ثبوته في حقه سبحانه نحو أن يفسر الأعلى بالعلو في المكان والاستواء بالاستقرار بل يفسر العلو بالقهر والاقتداء والاستواء بالاستيلاء وثالثها: أن يصان عن الابتذال والذكر لا على وجه الخشوع والتعظيم، ويدخل فيه أن يذكر تلك الأسماء عند الغفلة وعدم الوقوف على معانيها وحقائقها ورابعها: أن يكون المراد بسبح باسم ربك، أي مجده بأسمائه التي أنزلتها عليك وعرفتك أنها أسماؤه كقوله: {أية : قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ }تفسير : [الإسراء: 110] ونظير هذا التأويل قوله تعالى: {أية : فَسَبّحْ بِٱسْمِ رَبّكَ ٱلْعَظِيمِ } تفسير : [الواقعة: 74] ومقصود الكلام من هذا التأويل أمران: أحدهما: {سَبِّحِ ٱسْمَ رَبّكَ ٱلأَعْلَىٰ }، أي صل باسم ربك، لا كما يصلي المشركون بالمكاء والتصدية والثاني: أن لا يذكر العبد ربه إلا بأسماء التي ورد التوقيف بها، قال الفراء: لا فرق بين {سَبِّحِ ٱسْمَ رَبّكَ } وبين {فَسَبّحْ بِٱسْمِ رَبّكَ } قال الواحدي: وبينهما فرق لأن معنى {فَسَبّحْ بِٱسْمِ رَبّكَ } نزه الله تعالى بذكر اسمه المنبىء عن تنزيهه وعلوه عما يقول المبطلون، و{سَبِّحِ ٱسْمَ رَبّكَ } أي نزه الاسم من السوء وخامسها: قال أبو مسلم: المراد من الاسم ههنا الصفة، وكذا في قوله تعالى: {أية : وَللَّهِ ٱلأَسْمَاء ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا }تفسير : [الأعراف: 180] أما على الوجه الثاني وهو أن يكون الاسم صلة ويكون المعنى سبح ربك وهو اختيار جمع من المحققين، قالوا: لأن الاسم في الحقيقة لفظة مؤلفة من حروف ولا يجب تنزيهها كما يجب في الله تعالى، ولكن المذكور إذا كان في غاية العظمة لا يذكر هو بل يذكر اسمه فيقال: سبح اسمه، ومجد ذكره، كما يقال: سلام على المجلس العالي، وقال لبيد: شعر : إلى الحول ثم اسـم السـلام عليكمـا تفسير : أي السلام وهذه طريقة مشهورة في اللغة، ونقول على هذا الوجه: تسبيح الله يحتمل وجهين الأول: أن لا يعامل الكفار معاملة يقدمون بسببها على ذكر الله بما لا ينبغي على ما قال: {أية : وَلاَ تَسُبُّواْ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَسُبُّواْ ٱللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ } تفسير : [الأنعام: 108]، الثاني: أنه عبارة عن تنزيه الله تعالى عن كل ما لا يليق به، في ذاته وفي صفاته وفي أفعاله، وفي أسمائه وفي أحكامه، أما في ذاته فأن يعتقد أنها ليست من الجواهر والأعراض، وأما في صفاته، فأن يعتقد أنها ليست محدثة ولا متناهية ولا ناقصة، وأما في أفعاله فأن يعتقد أنه مالك مطلق، فلا اعتراض لأحد عليه في أمر من الأمور، وقالت المعتزلة هو أن يعتقد أن كل ما فعله فهو صواب حسن، وأنه لا يفعل القبيح ولا يرضى به، وأما في أسمائه فأن لا يذكر سبحانه إلا بالأسماء التي ورد التوقيف بها، هذا عندنا وأما عند المعتزلة فهو أن لا يذكر إلا بالأسماء التي لا توهم نقصاً بوجه من الوجوه سواء ورد الإذن بها أو لم يرد، وأما في أحكامه فهو أن يعلم أنه ما كلفنا لنفع يعود إليه. بل إما لمحض المالكية على ما هو قولنا، أو لرعاية مصالح العباد على ما (هو) قول المعتزلة. المسألة الثانية: من الناس من تمسك بهذه الآية في أن الإسم نفس المسمى، فأقول: إن الخوض في الاستدلال لا يمكن إلا بعد تلخيص محل النزاع، فلا بد ههنا من بيان أن الإسم ما هو والمسمى ما هو حتى يمكننا أن نخوض في الاسم هل هو نفس المسمى أم لا، فنقول: وإن كان المراد من الاسم هو هذا اللفظ، وبالمسمى تلك الذات، فالعاقل لا يمكنه أن يقول: الاسم هو المسمى، وإن كان المراد، من الاسم هو تلك الذات، وبالمسمى أيضاً تلك الذات كان قولنا الاسم نفس المسمى، هو أن تلك الذات نفس تلك الذات، وهذا لا يمكن أن ينازع فيه عاقل، فعلمنا أن هذه المسألة في وصفها ركيكة. وإن كان كذلك كان الخوض في ذكر الاستدلال عليه أرك وأبعد بل ههنا دقيقة، وهي أن قولنا: اسم لفظة جعلناها اسماً لكل ما دل على معنى غير مقترن بزمان، والاسم كذلك فيلزم أن يكون الاسم إسماً لنفسه فههنا الاسم نفس المسمى فلعل العلماء الأولين ذكروا ذلك فاشتبه الأمر على المتأخرين، وظنوا أن الاسم في جميع المواضع نفس المسمى، هذا حاصل التحقيق في هذه المسألة، ولنرجع إلى الكلام المألوف، قالوا: الذي يدل على أن الاسم نفس المسمى أن أحداً لا يقول سبحان اسم الله وسبحان اسم ربنا فمعنى {سَبِّحِ ٱسْمَ رَبّكَ } سبح ربك، والرب أيضاً اسم فلو كان غير المسمى لم يجز أن يقع التسبيح عليه، واعلم أن هذا الاستدلال ضعيف لما بينا في المسألة الأولى أنه يمكن أن يكون الأمر وارداً بتسبيح الاسم، ويمكن أن يكون المراد تسبيح المسمى وذكر الاسم صلة فيه. ويمكن أن يكون المراد سبح باسم ربك كما يقال: {أية : فَسَبّحْ بِٱسْمِ رَبّكَ ٱلْعَظِيمِ }تفسير : [الواقعة: 74] ويكون المعنى سبح ربك بذكر أسمائه. المسألة الثالثة: روى عن عقبة بن عامر أنه لما نزل قوله تعالى: {فَسَبّحْ بِٱسْمِ رَبّكَ ٱلْعَظِيمِ } قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : اجعلوها في ركوعكم» تفسير : ولما نزل قوله: {سَبِّحِ ٱسْمَ رَبّكَ ٱلأَعْلَىٰ } قال: «حديث : اجعلوها في سجودكم» تفسير : ثم روي في الأخبار أنه عليه السلام كان يقول: في ركوعه: «حديث : سبحان ربي العظيم» تفسير : وفي سجوده: «حديث : سبحان ربي الأعلى» تفسير : ثم من العلماء من قال: إن هذه الأحاديث تدل على أن المراد من قوله: {سَبِّحِ ٱسْمَ رَبّكَ } أي صل باسم ربك، ويتأكد هذا الاحتمال بإطباق المفسرين على أن قوله تعالى: {أية : فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ }تفسير : [الروم: 17] ورد في بيان أوقات الصلاة. المسألة الرابعة: قرأ علي عليه السلام وابن عمر: (سبحان ربي الأعلى * الذي خلق فسوى) ولعل الوجه فيه أن قوله: {سَبِّحِ } أمر بالتسبيح فلا بد وأن يذكر ذلك التسبيح وما هو إلا قوله: سبحـان ربي الأعلى. المسألة الخامسة: تمسكت المجسمة في إثبات العلو بالمكان بقوله: {رَبّكَ ٱلأَعْلَىٰ } والحق أن العلو بالجهة على الله تعالى محال، لأنه تعالى إما أن يكون متناهياً أو غير متناه، فإن كان متناهياً كان طرفه الفوقاني متناهياً، فكان فوقه جهة فلا يكون هو سبحانه أعلى من جميع الأشياء وأما إن كان غير متناه فالقول: بوجود أبعاد غير متناهية محال وأيضاً فلأنه إن كان غير متناه من جميع الجهات يلزم أن تكون ذاته تعالى مختلطة بالقاذورات تعالى الله عنه، وإن كان غير متناه من بعض الجهات ومتناهياً من بعض الجهات كان الجانب المتناهي مغايراً للجانب غير المتناهي فيكون مركباً من جزأين، وكل مركب ممكن، فواجب الوجود لذاته ممكن الوجود، هذا محال. فثبت أن العلو ههنا ليس بمعنى العلو في الجهة، مما يؤكد ذلك أن ما قبل هذه الآية وما بعدها ينافي أن يكون المراد هو العلو بالجهة، أما قبل الآية فلأن العلو عبارة عن كونه في غاية البعد عن العالم، وهذا لا يناسب استحقاق التسبيح والثناء والتعظيم، أما العلو بمعنى كمال القدرة والتفرد بالتخليق والإبداع فيناسب ذلك، والسورة ههنا مذكورة لبيان وصفه تعالى بما لأجله يستحق الحمد والثناء والتعظيم، وأما ما بعد هذه الآية فلأنه أردف قوله: {ٱلأَعْلَىٰ } بقوله: {ٱلَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ } والخالقية تناسب العلو بحسب القدرة لا العلو بحسب الجهة. المسألة السادسة: من الملحدين من قال: بأن القرآن مشعر بأن للعالم ربين أحدهما عظيم والآخر أعلى منه، أما العظيم فقوله: {فَسَبّحْ بِٱسْمِ رَبّكَ ٱلْعَظِيمِ } وأما الأعلى منه فقوله: {سَبِّحِ ٱسْمَ رَبّكَ ٱلأَعْلَىٰ } فهذا يقتضي وجود رب آخر يكون هذا أعلى بالنسبة إليه. واعلم أنه لما دلت الدلائل على أن الصانع تعالى واحد سقط هذا السؤال، ثم نقول ليس في هذه الآية أنه سبحانه وتعالى أعلى من رب آخر، بل ليس فيه إلا أنه أعلى، ثم لنا فيه تأويلات. الأول: أنه تعالى أعلى وأجل وأعظم من كل ما يصفه به الواصفون، ومن كل ذكر يذكره به الذاكرون، فجلال كبريائه أعلى من معارفنا وإدراكاتنا، وأصناف آلائه ونعمائه أعلى من حمدنا وشكرنا، وأنواع حقوقه أعلى من طاعاتنا وأعمالنا. الثاني: أن قوله: {ٱلأَعْلَىٰ } تنبيه على استحقاق الله التنزيه من كل نقص فكأنه قال سبحانه فإنه: الأَعْلَى أي فإنه العالي على كل شيء بملكه وسلطانه وقدرته، وهو كما تقول: اجتنبت الخمر المزيلة للعقل أي اجتنبتها بسبب كونها مزيلة للعقل. والثالث: أن يكون المراد بالأعلى العالي كما أن المراد بالأكبر الكبير. المسألة السابعة: روي أنه عليه السلام كان يحب هذه السورة ويقول: «حديث : لو علم الناس علم سبح اسم ربك الأعلى لرددها أحدهم ست عشرة مرة»تفسير : وروى: «أن عائشة مرت بأعرابي يصلي بأصحابه فقرأ: (سبح اسم ربك الأعلى، الذي يسر على الحبلى، فأخرج منها نسمة تسعى، من بين صفاق وحشاً، أليس ذلك بقادر على أن يحيـي الموتى، ألا بلى ألا بلى) فقالت عائشة: لا آب غائبكم، ولا زالت نساؤكم في لزبة» والله أعلم. أما قوله تعالى: {ٱلَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ * وَٱلَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ } فاعلم أنه سبحانه وتعالى لما أمر بالتسبيح، فكأن سائلاً قال: الاشتغال بالتسبيح إنما يكون بعد المعرفة، فما الدليل على وجود الرب؟ فقال: {ٱلَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ * وَٱلَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ } واعلم أن الاستدلال بالخلق والهداية هي الطريقة المعتمدة عند أكابر الأنبياء عليهم السلام والدليل عليه ما حكى الله تعالى عن إبراهيم عليه السلام، أنه قال: {أية : ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ } تفسير : [الشعراء: 78] وحكى عن فرعون أنه لما قال لموسى وهرون عليهما السلام: {أية : فَمَن رَّبُّكُمَا يٰمُوسَىٰ }تفسير : [طه: 49]؟ قال موسى عليه السلام: {أية : رَبُّنَا ٱلَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَىء خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ } تفسير : [طه: 50] وأما محمد عليه السلام فإنه تعالى أول ما أنزل عليه هو قوله: {أية : ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ * خَلَقَ ٱلإِنسَـٰنَ مِنْ عَلَقٍ }تفسير : [العلق: 2,1] هذا إشارة إلى الخلق، ثم قال: {أية : ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلأَكْرَمُ * ٱلَّذِي عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ } تفسير : [العلق: 4,3] وهذا إشارة إلى الهداية، ثم إنه تعالى أعاد ذكر تلك الحجة في هذه السورة، فقال: {ٱلَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ * وَٱلَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ } وإنما وقع الاستدلال بهذه الطريقة كثيراً لما ذكرنا أن العجائب والغرائب في هذه الطريقة أكثر، ومشاهدة الإنسان لها، واطلاعه عليها أتم، فلا جرم كانت أقوى في الدلالة، ثم ههنا مسائل: المسألة الأولى: قوله: {خَلَقَ فَسَوَّىٰ } يحتمل أن يريد به الناس خاصة، ويحتمل أن يريد الحيوان، ويحتمل أن يريد كل شيء خلقه، فمن حمله على الإنسان ذكر للتسوية وجوهاً أحدها: أنه جعل قامته مستوية معتدلة وخلقته حسنة، على ما قال: {أية : لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَـٰنَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ } تفسير : [التين: 4] وأثنى على نفسه بسبب خلقه إياه، فقال: {فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَـٰلِقِينَ }، وثانيها: أن كل حيوان فإنه مستعد لنوع واحد من الأعمال فقط، وغير مستعد لسائر الأعمال، أما الإنسان فإنه خلق بحيث يمكنه أن يأتي بجميع أفعال الحيوانات بواسطة آلات مختلفة فالتسوية إشارة إلى هذا وثالثها: أنه هيأ للتكليف والقيام بأداء العبادات، وأما من حمله على جميع الحيوانات. قال: المراد أنه أعطى كل حيوان ما يحتاج إليه من أعضاء وآلات وحواس، وقد استقصينا القول في هذا الباب في مواضع كثيرة من هذا الكتاب، وأما من حمله على جميع المخلوقات، قال: المراد من التسوية هو أنه تعالى قادر على كل الممكنات عالم بجميع المعلومات، خلق ما أراد على وفق ما أراد موصوفاً بوصف الأحكام والإتقان، مبرأ عن الفسخ والاضطراب. المسألة الثانية: قرأ الجمهور: {قدَّرَ } مشددة وقرأ الكسائي على التخفيف، أما قراءة التشديد فالمعنى أنه قدر كل شيء بمقدار معلوم، وأما التخفيف فقال القفال: معناه ملك فهدى وتأويله: أنه خلق فسوى، وملك ما خلق، أي تصرف فيه كيف شاء وأراد، وهذا هو الملك فهداه لمنافعه ومصالحه، ومنهم من قال: هما لغتان بمعنى واحد، وعليه قوله تعالى: {أية : فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ ٱلْقَـٰدِرُونَ } تفسير : [المرسلات: 23] بالتشديد والتخفيف. المسألة الثالثة: أن قوله: {قدَّرَ } يتناول المخلوقات في ذواتها وصفاتها كل واحد على حسبه فقدر السموات والكواكب والعناصر والمعادن والنبات والحيوان والإنسان بمقدار مخصوص من الجثة والعظم، وقدر لكل واحد منها من البقاء مدة معلومة ومن الصفات والألوان والطعوم والروائح والأيون والأوضاع والحسن والقبح والسعادة والشقاوة والهداية والضلالة مقداراً معلوماً على ما قال: {أية : وَإِن مّن شَيْء إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ } تفسير : [الحجر: 21] وتفصيل هذه الجملة مما لا يفي بشرحه المجلدات، بل العالم كله من أعلى عليين إلى أسفل السافلين، تفسير هذه الآية. وتفصيل هذه الجملة. أما قوله: {فَهَدَىٰ } فالمراد أن كل مزاج فإنه مستعد لقوة خاصة وكل قوة فإنها لا تصلح إلا لفعل معين، فالتسوية والتقدير عبارة عن التصرف في الأجزاء الجسمانية وتركيبها على وجه خاص لأجله تستعد لقبول تلك القوى، وقوله: {فَهَدَىٰ } عبارة عن خلق تلك القوى في تلك الأعضاء بحيث تكون كل قوة مصدراً لفعل معين، ويحصل من مجموعها تمام المصلحة، وللمفسرين فيه وجوه، قال مقاتل: هدى الذكر للأنثى كيف يأتيها، وقال آخرون: هداه للمعيشة ورعاه، وقال آخرون: هدى الإنسان لسبل الخير والشر والسعادة والشقاوة، وذلك لأنه جعله حساساً دراكاً متمكناً من الإقدام على ما يسره والإحجام عما يسوءه كما قال: {أية : إِنَّا هَدَيْنَـٰهُ ٱلسَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً } تفسير : [الإنسان: 3] وقال: {أية : وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا }تفسير : [الشمس: 8,7] وقال السدي: قدر مدة الجنين في الرحم ثم هداه للخروج وقال الفراء: قدر فهدى وأضل، فاكتفى بذكر إحداهما: كقوله: {أية : سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ } تفسير : [النحل: 81] وقال آخرون: الهداية بمعنى الدعاء إلى الإيمان كقوله: {أية : وَإِنَّكَ لَتَهْدِي } تفسير : [الشورى: 52] أي تدعو، وقد دعى الكل إلى الإيمان، وقال آخرون: هدى أي دلهم بأفعاله على توحيده وجلال كبريائه، ونعوت صمديته، وفردانيته، وذلك لأن العاقل يرى في العالم أفعال محكمة متقنة منتسقة منتظمة، فهي لا محالة تدل على الصانع القديم، وقال قتادة في قوله: {فَهَدَىٰ } إن الله تعالى ما أكره عبداً على معصية، ولا على ضلالة، ولا رضيها له ولا أمره بها، ولكن رضي لكم الطاعة، وأمركم بها، ونهاكم عن المعصية، واعلم أن هذه الأقوال على كثرتها لا تخرج عن قسمين، فمنهم من حمل قوله: {فَهَدَىٰ } على ما يتعلق بالدين كقوله: {وَهَدَيْنَـٰهُ ٱلنَّجْدَينِ } ومنهم من حمله على ما يرجع إلى مصالح الدنيا، والأول أقوى، لأن قوله: {خَلَقَ فَسَوَّىٰ وٱلَّذي قَدَّرَ } يرجع إلى أحوال الدنيا، ويدخل فيه إكمال العقل والقوى، ثم أتبعه بقوله: {فَهَدَىٰ } أي كلفه ودله على الدين، أما قوله تعالى: {وَٱلَّذِي أَخْرَجَ ٱلْمَرْعَىٰ } فاعلم أنه سبحانه لما بين ما يختص به الناس أتبعه بذكر ما يختص به غير الناس من النعم: فقال: {وَٱلَّذِي أَخْرَجَ ٱلْمَرْعَىٰ } أي هو القادر على إنبات العشب لا الأصنام التي عبدتها الكفرة، والمرعى ما تخرجه الأرض من النبات ومن الثمار والزروع والحشيش، قال ابن عباس: المرعى الكلأ الأخضر، ثم قال: فجعله غثاء أحوى وفيه مسألتان: المسألة الأولى: الغثاء ما يبس من النبت فحملته الأودية والمياه وألوت به الرياح، وقال قطرب واحد الغثاء غثاءة. المسألة الثانية: الحوة السواد، وقال بعضهم: الأحوى هو الذي يضرب إلى السواد إذا أصابته رطوبة، وفي أحوى قولان: أحدهما: أنه نعت الغثاء أي صار بعد الخضرة يابساً فتغير إلى السواد، وسبب ذلك السواد أمور أحدها: أن العشب إنما يجف عند استيلاء البرد على الهواء، ومن شأن البرودة أنها تبيض الرطب وتسود اليابس وثانيها: أن يحملها السيل فيلصق بها أجزاء كدرة فتسود وثالثها: أن يحملها الريح فتلصق بها الغبار الكثير فتسود القول الثاني: وهو اختيار الفراء وأبي عبيدة، وهو أن يكون الأحوى هو الأسود لشدة خضرته، كما قيل: {أية : مُدْهَامَّتَانِ }تفسير : [الرحمن:64] أي سوداوان لشدة خضرتهما، والتقدير الذي أخرج المرعى أحوى فجعله غثاء، كقوله: {أية : وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا * قَيِّماً }تفسير : [الكهف:1،2] أي أنزل قيماً ولم يجعل له عوجاً.

القرطبي

تفسير : يُستحب للقارىء إذا قرأ {سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ} أن يقول عَقِبه: سبحانَ ربيَ الأعلى؛ قاله النبيّ صلى الله عليه وسلم، وقاله جماعة من الصحابة والتابعين؛ على ما يأتي. وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جدّه قال: إن لله تعالى مَلَكاً يقال له حِزْقيائيل، له ثمانية عَشَر ألفَ جَناح، ما بين الجناح إلى الجناح مسيرة خمسمائة عام، فخطر له خاطر: هل تقدر أن تبصر العرش جميعه؟ فزاده الله أجنحة مثلها، فكان له ستة وثلاثون ألف جناح، ما بين الجناح إلى الجناح خمسمائة عام. ثم أوحى الله إليه: أيها المَلَك، أَنْ طِرْ، فطار مقدار عشرين ألف سنة؛ فلم يبلغ رأس قائمة من قوائم العرش. ثم ضاعف الله له في الأجنحة والقوّة، وأمره أن يطير، فطار مقدار ثلاثين ألف سنة أخرى، فلم يصل أيضاً؛ فأوحى الله إليه: أيها المَلَك، لو طرت إلى نفخ الصور مع أجنحتك وقوّتك لم تبلغ ساق عرشي. فقال المَلَك: سبحان ربِّيَ الأعلى؛ فأنزل الله تعالى: {سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ }، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: « حديث : اجعلوها في سُجودكم » تفسير : . ذكره الثعلبيّ في (كتاب العرائس) له. وقال ابن عباس والسُّديّ: معنى {سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ } أي عظم ربك الأعلى. والاسم صِلة، قصِد بها تعظيم المسمَّى؛ كما قال لَبِيد: شعر : إلى الحولِ ثم اسمُ السلامِ عليكما تفسير : وقيل: نزه ربك عن السوء، وعما يقول فيه الملحدون. وذكر الطبريّ أن المعنى نزِّه اسم ربك عن أن تسمي به أحداً سواه. وقيل: نزه تسمية ربك وذكرك إياه، أن تذكره إلا وأنت خاشع معظم، ولذكره محترم. وجعلوا الاسم بمعنى التسمية، والأولى أن يكون الاسم هو المسَمّى. روى نافع عن ابن عمر قال: لا تقل على اسم الله؛ فإن اسم الله هو الأعلى. وروى أبو صالح عن ابن عباس: صَلِّ بأمر ربك الأعلى. قال: وهو أن تقول سبحان ربك الأعلى. وروِي عن عليّ رضي الله عنه، وابنِ عباس وابنِ عمر وابنِ الزبير وأبي موسى وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهم: أنهم كانوا إذا افتتحوا قراءة هذه السورة قالوا: سبحان ربِّيَ الأعلى؛ امتثالاً لأمره في ابتدائها. فيُختار الاقتداء بهم في قراءتهم؛ لا أن سبحان ربي الأعلى من القرآن؛ كما قاله بعض أهل الزيغ. وقيل: إنها في قراءة أُبيّ: «سبحان ربي الأعلى». وكان ابن عمر يقرؤها كذلك. وفي الحديث: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأها قال: « حديث : سبحان ربِّيَ الأعلى » تفسير : . قال أبو بكر الأنباريّ: حدّثني محمد بن شَهْرِيار، قال: حدّثنا حسين بن الأسود، قال: حدّثنا عبد الرحمن ابن أبي حَمَّاد قال: حدّثنا عيسى بن عمر، عن أبيه، قال: قرأ عليُّ بن أبي طالب عليه السلام في الصلاة «سَبِّحِ اسم رَبِّكَ الأعلى» ثم قال: سبحان رَبّي الأعلى؛ فلما انقضت الصلاة قيل له: يا أمير المؤمنين، أتزيد هذا في القرآن؟ قال: ما هو؟ قالوا: سبحان ربي الأعلى. قال: لا، إنما أُمِرنا بشيء فقلته، وعن عقبة بن عامر الجُهَنِيّ قال: « حديث : لما نزلت {سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اجعلوها في سجودكم» » تفسير : . وهذا كله يدل على أن الاسم هو المسمى؛ لأنهم لم يقولوا: سبحان اسم ربي الأعلى. وقيل: إن أوّل من قال (سبحان ربي الأعلى) ميكائيل عليه السلام. وقال النبيّ صلى الله عليه وسلم لجبريل: « حديث : يا جبريل أخبرني بثواب من قال: سبحان ربي الأعلى في صلاته أو في غير صلاته». فقال: «يا محمد، ما من مؤمن ولا مؤمنة يقولها في سجوده أو في غير سجوده، إلا كانت له في ميزانه أثقل من العرش والكرسيّ وجبال الدنيا، ويقول الله تعالى: صدق عبدي، أنا فوق كل شيء، وليس فوقي شيء، اشهدوا يا ملائكتي أني قد غفرت له، وأدخلته الجنة. فإذا مات زاره مِيكائيل كل يوم، فإذا كان يوم القيامة حمله على جناحه، فأوقفه بين يدي الله تعالى، فيقول: يا رب شَفعني فيه، فيقول قد شفعتك فيه، فاذهب به إلى الجنة»تفسير : . وقال الحسن: {سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ } أي صل لربك الأعلى. وقيل: أي صل بأسماء الله، لا كما يصلي المشركون بالمُكَاءِ والتصدِية. وقيل: ارفع صوتك بذكر ربك. قال جرير: شعر : قَبَحَ الإلهُ وجوهُ تغلِبَ كلَّما سَبَحَ الحجِيجُ وكبَّروا تكبيرا

البيضاوي

تفسير : مكية وآيها تسع عشرة آية بسم الله الرحمن الرحيم {سَبِّحِ ٱسْمَ رَبّكَ ٱلأَعْلَىٰ } نزه اسمه عن إلحاد فيه بالتأويلات الزائغة وإطلاقه على غيره زاعماً أنهما فيه سواء وذكره الأعلى على وجه التعظيم، وقرىء «سبحان ربي الأعلى». وفي الحديث «حديث : لما نزلت {فَسَبّحْ بِٱسْمِ رَبّكَ ٱلْعَظِيمِ } قال عليه الصلاة والسلام اجعلوها في ركوعكم، فلما نزلت {سَبِّحِ ٱسْمَ رَبّكَ ٱلأَعْلَىٰ } قال عليه الصلاة والسلام اجعلوها في سجودكم»تفسير : وكانوا يقولون في الركوع اللهم لك ركعت وفي السجود اللهم لك سجدت. {ٱلَّذِى خَلَقَ فَسَوَّىٰ } خلق كل شيء فسوى خلقه بأن جعل له ما به يتأتى كماله ويتم معاشه. {وَٱلَّذِى قَدَّرَ } أي قدر أجناس الأشياء وأنواعها وأشخاصها ومقاديرها وصفاتها وأفعالها وآجالها. {فَهَدَىٰ } فوجهه إلى أفعاله طبعاً واختياراً بخلق الميول والإِلهامات ونصب الدلائل وانزال الآيات. {وَٱلَّذِى أَخْرَجَ ٱلْمَرْعَىٰ } أنبت ما ترعاه الدواب. {فَجَعَلَهُ } بعد خضرته. {غُثَاء أَحْوَىٰ } يابساً أسود. وقيل {أَحْوَىٰ } حال من المرعى أي أخرجه {أَحْوَىٰ } أي أسود من شدة خضرته. {سَنُقْرِئُكَ } على لسان جبريل عليه الصلاة والسلام، أو سنجعلك قارئاً بإلهام القراءة. {فَلاَ تَنسَىٰ } أصلاً من قوة الحفظ مع أنك أمي ليكون ذلك آية أخرى لك مع أن الإِخبار به عما يستقبل ووقوعه كذلك أيضاً من الآيات، وقيل نهي والألف للفاصلة كقوله تعالى {أية : ٱلسَّبِيلاْ }تفسير : [الأحزاب: 67] {إِلاَّ مَا شَاءَ ٱللَّهُ } نسيانه بأن نسخ تلاوته، وقيل أراد به القلة والنذرة. لما روي أنه عليه الصلاة والسلام «حديث : أسقط آية في قراءته في الصلاة فحسب أُبيّ أنها نسخت فسأله فقال: نسيتها»تفسير : أو نفى النسيان رأساً فإن القلة تستعمل للنفي. {إِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلْجَهْرَ وَمَا يَخْفَىٰ} ما ظهر من أحوالكم وما بطن، أو جهرك بالقراءة مع جبريل عليه الصلاة والسلام وما دعاك إليه من مخافة النسيان فيعلم ما فيه صلاحكم من ابقاء وإنساء. {وَنُيَسّرُكَ لِلْيُسْرَىٰ } ونعدك لطريقة اليسرى في حفظ الوحي، أو التدين وتوفقك لها ولهذه النكتة قال {نيسرك} لا نيسر لك عطف على {سَنُقْرِئُكَ}، وأنه يعلم اعتراض.

ابن كثير

تفسير : قال الإمام أحمد: حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا موسى، يعني: ابن أيوب الغافقي، حدثنا عمي إياس بن عامر، سمعت عقبة بن عامر الجهني: لما نزلت: { أية : فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ} تفسير : [الواقعة: 96] قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : اجعلوها في ركوعكم» تفسير : فلما نزلت: { سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ} قال: «حديث : اجعلوها في سجودكم» تفسير : ورواه أبو داود وابن ماجه من حديث ابن المبارك عن موسى بن أيوب به. وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ: { سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ} قال: «حديث : سبحان ربي الأعلى» تفسير : وهكذا رواه أبو داود عن زهير بن حرب عن وكيع به، قال: وخولف فيه وكيع، رواه أبو وكيع وشعبة عن أبي إسحاق عن سعيد عن ابن عباس موقوفاً. وقال الثوري عن السدي عن عبد خير قال: سمعت علياً قرأ: { سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ} فقال: سبحان ربي الأعلى. وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا حكام عن عنبسة عن أبي إسحاق الهمداني: أن ابن عباس كان إذا قرأ: { سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ} يقول: سبحان ربي الأعلى، وإذا قرأ: {أية : لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ} تفسير : [القيامة: 1] فأتى على آخرها: {أية : أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَـٰدِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِىَ ٱلْمَوْتَىٰ} تفسير : [القيامة: 40] يقول: سبحانك وبلى، وقال قتادة: { سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ} ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأها قال: سبحان ربي الأعلى، وقوله تعالى: { ٱلَّذِى خَلَقَ فَسَوَّىٰ} أي: خلق الخليقة، وسوى كل مخلوق في أحسن الهيئات. وقوله تعالى: { وَٱلَّذِى قَدَّرَ فَهَدَىٰ} قال مجاهد: هدى الإنسان للشقاوة والسعادة، وهدى الأنعام لمراتعها. وهذه الآية كقوله تعالى إخباراً عن موسى: أنه قال لفرعون: {أية : رَبُّنَا ٱلَّذِىۤ أَعْطَىٰ كُلَّ شَىءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ} تفسير : [طه: 50] أي: قدر قدراً، وهدى الخلائق إليه، كما ثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء» تفسير : وقوله تعالى: { وَٱلَّذِىۤ أَخْرَجَ ٱلْمَرْعَىٰ} أي: من جميع صنوف النباتات والزروع، { فَجَعَلَهُ غُثَآءً أَحْوَىٰ} قال ابن عباس: هشيماً متغيراً، وعن مجاهد وقتادة وابن زيد نحوه. قال ابن جرير: وكان بعض أهل العلم بكلام العرب يرى أن ذلك من المؤخر الذي معناه التقديم، وأن معنى الكلام: والذي أخرج المرعى، أحوى: أخضر إلى السواد، فجعله غثاء بعد ذلك، ثم قال ابن جرير: وهذا وإن كان محتملاً، إلا أنه غير صواب؛ لمخالفته أقوال أهل التأويل، وقوله تعالى: {سَنُقْرِئُكَ} أي: يا محمد {فَلاَ تَنسَىٰ} وهذا إخبار من الله تعالى، ووعد منه له بأنه سيقرئه قراءة لا ينساها، {إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ} وهذا اختيار ابن جرير. وقال قتادة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينسى شيئاً إلا ما شاء الله. وقيل: المراد بقوله: {فَلاَ تَنسَىٰ} طلب، وجعل معنى الاستثناء على هذا ما يقع من النسخ، أي: لا تنسى ما نقرئك، إلا ما شاء الله رفعه، فلا عليك أن تتركه. وقوله تعالى: {إِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلْجَهْرَ وَمَا يَخْفَىٰ} أي: يعلم ما يجهر به العباد وما يخفونه؛ من أقوالهم وأفعالهم، لا يخفى عليه من ذلك شيء. وقوله تعالى: { وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَىٰ} أي: نسهل عليك أفعال الخير وأقواله، ونشرع لك شرعاً سهلاً سمحاً مستقيماً عدلاً، لا اعوجاج فيه، ولا حرج، ولا عسر. وقوله تعالى: { فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ ٱلذِّكْرَىٰ} أي: ذكر حيث تنفع التذكرة، ومن ههنا يؤخذ الأدب في نشر العلم، فلا يضعه عند غير أهله؛ كما قال أمير المؤمنين علي رضي الله عنه: ما أنت بمحدث قوماً حديثاً، لا تبلغه عقولهم، إلا كان فتنة لبعضهم، وقال: حدث الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذّب الله ورسوله؟ وقوله تعالى: { سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَىٰ} أي: سيتعظ بما تبلغه يا محمد من قلبه يخشى الله، ويعلم أنه ملاقيه { وَيَتَجَنَّبُهَا ٱلأَشْقَى ٱلَّذِى يَصْلَى ٱلنَّارَ ٱلْكُبْرَىٰ ثُمَّ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَا } أي: لا يموت فيستريح، ولا يحيا حياة تنفعه، بل هي مضرة عليه؛ لأن بسببها يشعر ما يعاقب به من أليم العذاب وأنواع النكال. قال الإمام أحمد: حدثنا ابن أبي عدي عن سليمان، يعني: التيمي، عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أما أهل النار الذين هم أهلها، لا يموتون ولا يحيون، وأما أناس يريد الله بهم الرحمة، فيميتهم في النار، فيدخل عليهم الشفعاء، فيأخذ الرجل أنصاره، فينبتهم ــــ أو قال: ــــ ينبتون ــــ في نهر الحيا ــــ أو قال: الحياة ــــ أو قال: الحيوان ــــ أو قال: نهر الجنة ــــ فينبتون نبات الحبة في حميل السيل» تفسير : قال: وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : أما ترون الشجرة تكون خضراء، ثم تكون صفراء، ثم تكون خضراء؟» تفسير : قال: فقال بعضهم: كأن النبي صلى الله عليه وسلم كان بالبادية. وقال أحمد أيضاً: حدثنا إسماعيل، حدثنا سعيد بن يزيد عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أما أهل النار الذين هم أهلها، فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن أناس ــــ أو كما قال ــــ تصيبهم النار بذنوبهم ــــ أو قال: بخطاياهم ــــ فيميتهم إماتة، حتى إذا صاروا فحماً، أذن في الشفاعة، فجيء بهم ضبائر ضبائر، فنبتوا على أنهار الجنة، فيقال: يا أهل الجنة أفيضوا عليهم، فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل» تفسير : قال: فقال رجل من القوم حينئذ: كأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بالبادية. ورواه مسلم من حديث بشر بن المفضل وشعبة، كلاهما عن أبي سلمة سعيد بن يزيد به مثله، ورواه أحمد أيضاً عن يزيد عن سعيد بن إياس الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن أهل النار الذين لا يريد الله إخراجهم لا يموتون فيها، ولا يحيون، وإن أهل النار الذين يريد الله إخراجهم يميتهم فيها إماتة حتى يصيروا فحماً، ثم يخرجون ضبائر، فيلقون على أنهار الجنة، فيرش عليهم من أنهار الجنة، فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل»تفسير : . وقد قال الله تعالى إخباراً عن أهل النار: {أية : وَنَادَوْاْ يٰمَـٰلِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَّـٰكِثُونَ} تفسير : [الزخرف: 77] وقال تعالى: {أية : لاَ يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِّنْ عَذَابِهَا} تفسير : [فاطر: 36] إلى غير ذلك من الآيات في هذا المعنى.

المحلي و السيوطي

تفسير : {سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ } أي نزِّه ربك عما لا يليق به و «اسم» زائد {ٱلأَعْلَىٰ } صفة لربك.

الشوكاني

تفسير : قوله: {سَبِّحِ ٱسْمَ رَبّكَ ٱلأَعْلَىٰ } أي: نزّهه عن كل ما لا يليق به. قال السديّ: {سبّح اسم ربك الأعلى}: أي: عظمه. قيل: والاسم هنا مقحم لقصد التعظيم، كما في قول لبيد:شعر : إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ومن يبك حولاً كاملاً فقد اعتذر تفسير : والمعنى: سبّح ربك الأعلى. قال ابن جرير: المعنى نزّه اسم ربك أن يسمى به أحد سواه، فلا تكون على هذا مقحمة. وقيل المعنى: نزّه تسمية ربك، وذكرك إياه أن تذكره إلاّ وأنت خاشع معظم، ولذكره محترم. وقال الحسن: معنى سبّح اسم ربك الأعلى: صلّ له. وقيل المعنى: صلّ بأسماء الله لا كما يصلي المشركون بالمكاء والتصدية. وقيل المعنى: ارفع صوتك بذكر ربك، ومنه قول جرير:شعر : قبح الإلٰه وجوه تغلب كلما سبّح الحجيج وكبّروا تكبيرا تفسير : والأعلى صفة للربّ. وقيل للاسم، والأوّل أولى. وقوله: {ٱلَّذِى خَلَقَ فَسَوَّىٰ } صفة أخرى للربّ. قال الزجاج: خلق الإنسان مستوياً، ومعنى سوّى: عدّل قامته. قال الضحاك: خلقه فسوّى خلقه. وقيل: خلق الأجساد، فسوّى الأفهام. وقيل: خلق الإنسان وهيأه للتكليف. {وَٱلَّذِى قَدَّرَ فَهَدَىٰ } صفة أخرى للربّ، أو معطوف على الموصول الذي قبله. قرأ عليّ بن أبي طالب، والكسائي، والسلمي: (قدر) مخففاً، وقرأ الباقون بالتشديد، قال الواحدي: قال المفسرون: قدّر خلق الذكر والأنثى من الدّواب، فهدى الذكر للأنثى كيف يأتيها. وقال مجاهد: هدى الإنسان لسبيل الخير والشرّ، والسعادة والشقاوة، وروي عنه أيضاً أنه قال في معنى الآية: قدّر السعادة والشقاوة، وهدى للرشد والضلالة، وهدى الأنعام لمراعيها. وقيل: قدّر أرزاقهم وأقواتهم، وهداهم لمعايشهم إن كانوا إنساً، ولمراعيهم إن كانوا وحشاً. وقال عطاء: جعل لكل دابة ما يصلحها وهداها له. وقيل: خلق المنافع في الأشياء، وهدى الإنسان لوجه استخراجها منها. وقال السديّ: قدّر مدّة الجنين في الرحم تسعة أشهر وأقلّ وأكثر، ثم هداه للخروج من الرحم. قال الفراء: أي قدّر، فهدى، وأضلّ فاكتفى بأحدهما، وفي تفسير الآية أقوال غير ما ذكرنا. والأولى عدم تعيين فرد، أو أفراد مما يصدق عليه قدّر، وهدى إلا بدليل يدلّ عليه، ومع عدم الدليل يحمل على ما يصدق عليه معنى الفعلين، إما على البدل، أو على الشمول، والمعنى: قدّر أجناس الأشياء وأنواعها، وصفاتها، وأفعالها، وأقوالها، وآجالها، فهدى كل واحد منها إلى ما يصدر عنه وينبغي له، ويسره لما خلق له، وألهمه إلى أمور دينه ودنياه. {وَٱلَّذِى أَخْرَجَ ٱلْمَرْعَىٰ } صفة أخرى للربّ، أي: أنبت العشب، وما ترعاه النعم من النبات الأخضر {فَجَعَلَهُ غُثَاء أَحْوَىٰ } أي: فجعله بعد أن كان أخضر غثاء، أي: هشيماً جافاً كالغثاء الذي يكون فوق السيل أحوى أي: أسود بعد اخضراره، وذلك أن الكلأ إذا يبس اسودّ. قال قتادة: الغثاء الشيء اليابس، ويقال: للبقل والحشيش إذا انحطم، ويبس غثاء وهشيم. قال امرؤ القيس:شعر : كأنّ ذرى رأس المجمر غدوة من السيل والأغثاء فلكة مغزل تفسير : وانتصاب {غثاء} على أنه المفعول الثاني، أو على الحال، و{أحوى} صفة له. وقال الكسائي: هو حال من المرعى، أي: أخرجه أحوى من شدّة الخضرة والريّ {فَجَعَلَهُ غُثَاء } بعد ذلك، والأحوى مأخوذ من الحوة، وهي: سواد يضرب إلى الخضرة. قال في الصحاح: والحوة سمرة الشفة، ومنه قول ذي الرمة:شعر : لمياء في شفتيها حوة لعس وفي اللثات وفي أنيابها شنب تفسير : {سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ } أي: سنجعلك قارئاً بأن نلهمك القراءة، فلا تنسى ما تقرؤه، والجملة مستأنفة لبيان هدايته الخاصة به بعد بيان الهداية العامة، وهي هدايته صلى الله عليه وسلم لحفظ القرآن. قال مجاهد، والكلبي: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه جبريل بالوحي لم يفرغ جبريل من آخر الآية حتى يتكلم النبيّ صلى الله عليه وسلم بأوّلها مخافة أن ينساها، فنزلت: {سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ } وقوله: {إِلاَّ مَا شَاء ٱللَّهُ } استثناء مفرغ من أعمّ المفاعيل. أي: لا تنسى مما تقرؤه شيئًا من الأشياء إلاَّ ما شاء الله أن تنساه. قال الفرّاء: وهو لم يشأ سبحانه أن ينسي محمد صلى الله عليه وسلم شيئًا كقوله: {أية : خَـٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ }تفسير : [هود: 107]. وقيل: إلا ما شاء الله أن تنسى، ثم تذكر بعد ذلك، فإذن قد نسي، ولكنه يتذكر ولا ينسى شيئًا نسياناً كلياً. وقيل: بمعنى النسخ أي: إلاَّ ما شاء الله أن ينسخه مما نسخ تلاوته. وقيل: معنى {فلا تنسى}: فلا تترك العمل إلاَّ ما شاء الله أن تتركه لنسخه ورفع حكمه. وقيل المعنى: إلاَّ ما شاء الله أن يؤخر إنزاله. وقيل: "لا" في قوله: {فَلاَ تَنسَىٰ } للنهي. والألف مزيدة لرعاية الفاصلة، كما في قوله: {أية : فَأَضَلُّونَا ٱلسَّبِيلاْ }تفسير : [الأحزاب: 67] يعني: فلا تغفل قراءته وتذكره. {إِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلْجَهْرَ وَمَا يَخْفَىٰ } الجملة تعليل لما قبلها، أي: يعلم ما ظهر وما بطن، والإعلان والإسرار، وظاهره العموم، فيندرج تحته ما قيل: إن الجهر ما حفظه رسول الله صلى الله عليه وسلم من القرآن، وما يخفى هو ما نسخ من صدره، ويدخل تحته أيضاً ما قيل من أن الجهر هو إعلان الصدقة، وما يخفى هو إخفاؤها، ويدخل تحته أيضاً ما قيل: إن الجهر جهره صلى الله عليه وسلم بالقرآن مع قراءة جبريل مخافة أن يتفلت عليه، وما يخفى ما في نفسه مما يدعوه إلى الجهر. {وَنُيَسّرُكَ لِلْيُسْرَىٰ } معطوف على سنقرئك، وما بينهما اعتراض. قال مقاتل: أي نهوّن عليك عمل الجنة. وقيل: نوفقك للطريقة التي هي أيسر وأسهل. وقيل: للشريعة اليسرى، وهي الحنيفية السهلة. وقيل: نهوّن عليك الوحي حتى تحفظه وتعمل به، والأولى حمل الآية على العموم، أي: نوفقك للطريقة اليسرى في الدين والدنيا في كلّ أمر من أمورهما التي تتوجه إليك. {فَذَكّرْ إِن نَّفَعَتِ ٱلذّكْرَىٰ } أي: عظ يا محمد الناس بما أوحينا إليك، وأرشدهم إلى سبل الخير، واهدهم إلى شرائع الدين. قال الحسن: تذكرة للمؤمن، وحجة على الكافر. قال الواحدي: إن نفعت أو لم تنفع؛ لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم بعث مبلغاً للإعذار والإنذار، فعليه التذكير في كل حال نفع، أو لم ينفع ولم يذكر الحالة الثانية كقوله: {أية : سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ } تفسير : [النحل: 81] الآية. قال الجرجاني: التذكير واجب، وإن لم ينفع، فالمعنى: إن نفعت الذكرى أو لم تنفع. وقيل: إنه مخصوص في قوم بأعيانهم. وقيل: إن بمعنى ما، أي: فذكر ما نفعت الذكرى؛ لأن الذكرى نافعة بكل حال. وقيل: إنها بمعنى قد، وقيل: إنها بمعنى إذ. وما قاله الواحدي، والجرجاني أولى، وقد سبقهما إلى القول به الفراء، والنحاس. قال الرازي: إنّ قوله: {إِن نَّفَعَتِ ٱلذّكْرَىٰ } للتنبيه على أشرف الحالين، وهو: وجود النفع الذي لأجله شرعت الذكرى، والمعلق بإن على الشيء لا يلزم أن يكون عدماً عند عدم ذلك الشيء، ويدل عليه آيات: منها هذه الآية، ومنها قوله تعالى: {أية : وَٱشْكُرُواْ للَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ }تفسير : [البقرة: 172]. ومنها قوله: {أية : فليس جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلوٰةِ إِنْ خِفْتُمْ } تفسير : [النساء: 101] فإن القصر جائز عند الخوف وعدمه، ومنها قوله: {أية : فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ } تفسير : [البقرة: 230] والمراجعة جائزة بدون هذا الظنّ، فهذا الشرط فيه فوائد: منها ما تقدّم، ومنها البعث على الانتفاع بالذكرى، كما يقول الرجل لمن يرشده: قد أوضحت لك إن كنت تعقل، وهو تنبيه للنبيّ صلى الله عليه وسلم على أنها لا تنفعهم الذكرى، أو يكون هذا في تكرير الدعوة، فأما الدعاء الأوّل فعامّ انتهى. ثم بيّن سبحانه الفرق بين من تنفعه الذكرى، ومن لا تنفعه، فقال: {سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَىٰ } أي: سيتعظ بوعظك من يخشى الله، فيزداد بالتذكير خشية وصلاحاً. {وَيَتَجَنَّبُهَا ٱلأَشْقَى } أي: ويتجنب الذكرى، ويبعد عنها الأشقى من الكفار لإصراره على الكفر بالله، وانهماكه في معاصيه. ثم وصف الأشقى فقال: {ٱلَّذِى يَصْلَى ٱلنَّارَ ٱلْكُبْرَىٰ } أي: العظيمة الفظيعة؛ لأنها أشدّ حراً من غيرها. قال الحسن: النار الكبرى نار جهنم، والنار الصغرى نار الدنيا. وقال الزجاج: هي السفلى من أطباق النار {ثُمَّ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَىٰ } أي: لا يموت فيها، فيستريح مما هو فيه من العذاب، ولا يحيا حياة ينتفع بها، ومنه قول الشاعر:شعر : ألا ما لنفس لا تموت فينقضي عناها ولا تحيا حياة لها طعم تفسير : و"ثم" للتراخي في مراتب الشدّة؛ لأن التردّد بين الموت، والحياة أفظع من صلي النار الكبرى. {قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ } أي: من تطهر من الشرك، فآمن بالله ووحده، وعمل بشرائعه. قال عطاء، والربيع: من كان عمله زاكياً نامياً. وقال قتادة: تزكى بعمل صالح. قال قتادة، وعطاء، وأبو العالية: نزلت في صدقة الفطر. قال عكرمة: كان الرجل يقول: أقدّم زكاتي بين يدي صلاتي. وأصل الزكاة في اللغة النماء. وقيل: المراد بالآية زكاة الأموال كلها. وقيل: المراد بها زكاة الأعمال لا زكاة الأموال؛ لأن الأكثر أن يقال في الأموال زكي لا تزكي. {وَذَكَرَ ٱسْمَ رَبّهِ فَصَلَّىٰ } قيل المعنى: ذكر اسم ربه بالخوف، فعبده وصلى له، وقيل: ذكر اسم ربه بلسانه فصلى أي: فأقام الصلوات الخمس. وقيل: ذكر موقفه ومعاده فعبده، وهو كالقول الأوّل. وقيل: ذكر اسم ربه بالتكبير في أوّل الصلاة، لأنها لا تنعقد إلا بذكره، وهو: قوله «الله أكبر» وقيل: ذكر اسم ربه في طريق المصلى فصلى. وقيل: هو أن يتطوّع بصلاة بعد زكاة. وقيل: المراد بالصلاة هنا صلاة العيد، كما أن المراد بالتزكي في الآية الأولى زكاة الفطر، ولا يخفى بعد هذا القول؛ لأن السورة مكية، ولم تفرض زكاة الفطر، وصلاة العيد إلا بالمدينة. {بَلْ تُؤْثِرُونَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا } هذا إضراب عن كلام مقدّر يدلّ عليه السياق، أي: لا تفعلون ذلك بل تؤثرون اللذات الفانية في الدنيا. قرأ الجمهور: {تؤثرون} بالفوقية على الخطاب، ويؤيدها قراءة أبيّ: (بل أنتم تؤثرون) وقرأ أبو عمرو بالتحتية على الغيبة. قيل: والمراد بالآية الكفرة، والمراد بإيثار الحياة الدنيا هو الرضا بها، والاطمئنان إليها، والإعراض عن الآخرة بالكلية. وقيل: المراد بها جميع الناس من مؤمن وكافر، والمراد بإيثارها ما هو أعمّ من ذلك مما لا يخلو عنه غالب الناس من تأثير جانب الدنيا على الآخرة، والتوجه إلى تحصيل منافعها، والاهتمام بها اهتماماً زائداً على اهتمامه بالطاعات. وجملة: {وَٱلآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ } في محل نصب على الحال من فاعل تؤثرون، أي: والحال أن الدار الآخرة التي هي الجنة أفضل، وأدوم من الدنيا. قال مالك بن دينار: لو كانت الدنيا من ذهب يفنى، والآخرة من خزف يبقى لكان الواجب أن يؤثر خزف يبقى على ذهب يفنى، فكيف والآخرة من ذهب يبقى، والدنيا من خزف يفنى؟ والإشارة بقوله: {إِنَّ هَذَا }إلى ما تقدّم من فلاح من تزكى وما بعده، وقيل: إنه إشارة إلى جميع السورة، ومعنى {لَفِى ٱلصُّحُفِ ٱلأَولَىٰ } أي: ثابت فيها. وقوله: {صُحُفِ إِبْرٰهِيمَ وَمُوسَىٰ } بدل من الصحف الأولى. قال قتادة، وابن زيد: يريد بقوله: {إِنَّ هَذَا } والآخرة خير وأبقى. وقالا: تتابعت كتب الله عزّ وجلّ أنّ الآخرة خير وأبقى من الدنيا. وقال الحسن: تتابعت كتب الله جلّ ثناؤه إن هذا لفي الصحف الأولى، وهو قوله: {قَدْ أَفْلَحَ } إلى آخر السورة. قرأ الجمهور: {لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم} بضم الحاء في الموضعين، وقرأ الأعمش، وهارون، وأبو عمرو في رواية عنه بسكونها فيهما، وقرأ الجمهور: {إبراهيم} بالألف بعد الراء، وبالياء بعد الهاء. وقرأ أبو رجاء بحذفهما وفتح الهاء. وقرأ أبو موسى، وابن الزبير: "إبراهام" بألفين. وقد أخرج أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، وابن المنذر، وابن مردويه عن عقبة بن عامر الجهني قال: لما نزلت: {أية : فَسَبّحْ بِٱسْمِ رَبّكَ ٱلْعَظِيمِ } تفسير : [الواقعة: 74] قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : اجعلوها في ركوعكم»تفسير : فلما نزلت {سَبِّحِ ٱسْمَ رَبّكَ ٱلأَعْلَىٰ } [أي: سورة الأعلى] قال:حديث : اجعلوها في سجودكم تفسير : ولا مطعن في إسناده. وأخرج أحمد، وأبو داود، والطبراني، وابن مردويه، والبيهقي في سننه عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ {أية : سَبِّحِ ٱسْمَ رَبّكَ ٱلأَعْلَىٰ } تفسير : [الأعلى: 1] قال: «حديث : سبحان ربي الأعلى»تفسير : قال أبو داود: خولف فيه وكيع، فرواه شعبة عن أبي إسحاق عن سعيد عن ابن عباس موقوفاً. وأخرجه موقوفاً أيضاً عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير عن ابن عباس أنه كان إذا قرأ: {سَبِّحِ ٱسْمَ رَبّكَ ٱلأَعْلَىٰ } قال: «سبحان ربي الأعلى»، وفي لفظ لعبد بن حميد عنه قال: «إذا قرأت {سَبِّحِ ٱسْمَ رَبّكَ ٱلأَعْلَىٰ }. فقل: سبحان ربي الأعلى». وأخرج الفريابي، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن الأنباري في المصاحف عن عليّ بن أبي طالب أنه قرأ {سَبِّحِ ٱسْمَ رَبّكَ ٱلأَعْلَىٰ } فقال: «سبحان ربي الأعلى» وهو في الصلاة، فقيل له أتزيد في القرآن؟ قال: لا، إنما أمرنا بشيء، فقلته. وأخرج الفريابي، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر عن أبي موسى الأشعري أنه قرأ في الجمعة: بـ{سَبِّحِ ٱسْمَ رَبّكَ ٱلأَعْلَىٰ } فقال: «سبحان ربي الأعلى». وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم وصححه عن سعيد بن جبير قال: سمعت ابن عمر يقرأ {سَبِّحِ ٱسْمَ رَبّكَ } الأعلى فقال: «سبحان ربي الأعلى»، وكذلك هي في قراءة أبيّ بن كعب. وأخرج ابن أبي شيبة عن عمر أنه قال: إذا قرأ {سَبِّحِ ٱسْمَ رَبّكَ ٱلأَعْلَىٰ } قال: «سبحان ربي الأعلى». وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد عن عبد الله بن الزبير أنه قرأ {سَبِّحِ ٱسْمَ رَبّكَ ٱلأَعْلَىٰ } فقال: «سبحان ربي الأعلى» وهو في الصلاة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {فَجَعَلَهُ غُثَاء } قال: هشيماً {أَحْوَىٰ } قال متغيراً. وأخرج ابن مردويه عنه قال: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يستذكر القرآن مخافة أن ينسى، فقيل له قد كفيناك ذلك، ونزلت: {سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ }. وأخرج الحاكم عن سعد بن أبي وقاص نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس {إِلاَّ مَا شَاء ٱللَّهُ } يقول: إلا ما شئت أنا، فأنسيك. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً {وَنُيَسّرُكَ لِلْيُسْرَىٰ } قال: للخير. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود: {وَنُيَسّرُكَ لِلْيُسْرَىٰ } قال: الجنة. وأخرج البزار، وابن مردويه عن جابر بن عبد الله عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في قوله: {قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ } قال: "حديث : من شهد أن لا إلٰه إلاّ الله، وقطع الأنداد، وشهد أني رسول الله"تفسير : {وَذَكَرَ ٱسْمَ رَبّهِ فَصَلَّىٰ } قال: هي الصلوات الخمس، والمحافظة عليها، والاهتمام بمواقيتها». قال البزار: لا يروى عن جابر إلا من هذا الوجه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ } قال: من الشرك {وَذَكَرَ ٱسْمَ رَبّهِ } قال: وحد الله {فَصَلَّىٰ } قال: الصلوات الخمس. وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس: {قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ } قال: من قال لا إلٰه إلا الله. وأخرج البزار، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم في الكنى، وابن مردويه والبيهقي في سننه عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جدّه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: «أنه كان يأمر بزكاة الفطر قبل أن يصلي صلاة العيد، ويتلو هذه الآية {قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ * وَذَكَرَ ٱسْمَ رَبّهِ فَصَلَّىٰ }». وفي لفظ قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن زكاة الفطر، فقال: {قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ } قال:« حديث : هي زكاة الفطر»تفسير : وكثير بن عبد الله ضعيف جدّاً، قال فيه أبو داود: هو ركن من أركان الكذب، وقد صحح الترمذي حديثاً من طريقه، وخطىء في ذلك، ولكنه يشهد له ما أخرجه ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : {قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ * وَذَكَرَ ٱسْمَ رَبّهِ فَصَلَّىٰ } ثم يقسم الفطرة قبل أن يغدو إلى المصلى يوم الفطر» تفسير : وليس في هذين الحديثين ما يدل على أن ذلك سبب النزول، بل فيهما أنه تلا الآية، وقوله: هي زكاة الفطر، يمكن أن يراد به أنها مما يصدق عليه التزكي، وقد قدّمنا أن السورة مكية، ولم تكن في مكة صلاة عيد ولا فطرة وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عن أبي سعيد الخدري: {قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ } قال: أعطى صدقة الفطر قبل أن يخرج إلى العيد. {وَذَكَرَ ٱسْمَ رَبّهِ فَصَلَّىٰ } قال: خرج إلى العيد وصلى. وأخرج ابن مردويه، والبيهقي عن ابن عمر قال: إنما أنزلت هذه الآية في إخراج صدقة الفطر قبل صلاة العيد: {قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ * وَذَكَرَ ٱسْمَ رَبّهِ فَصَلَّىٰ }. وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء قال: قلت لابن عباس: أرأيت قوله: {قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ } للفطر قال: لم أسمع بذلك، ولكن للزكاة كلها. ثم عاودته فقال لي: والصدقات كلها. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، والبيهقي في شعب الإيمان عن عرفجة الثقفي قال: استقرأت ابن مسعود {سَبِّحِ ٱسْمَ رَبّكَ ٱلأَعْلَىٰ } فلما بلغ: {بَلْ تُؤْثِرُونَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا } ترك القراءة، وأقبل على أصحابه، فقال: آثرنا الدنيا على الآخرة، فسكت القوم، فقال: آثرنا الدنيا لأنا رأينا زينتها، ونساءها، وطعامها، وشرابها، وزويت عنا الآخرة، فاخترنا هذا العاجل وتركنا الآجل، وقال: (بل يؤثرون الحياة الدنيا) بالياء. وأخرج البزار، وابن المنذر، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {إِنَّ هَـٰذَا لَفِى ٱلصُّحُفِ ٱلأَولَىٰ * صُحُفِ إِبْرٰهِيمَ وَمُوسَىٰ } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : هي كلها في صحف إبراهيم، وموسى»تفسير : وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عنه في الآية قال: نسخت هذه السورة من صحف إبراهيم وموسى، وفي لفظ: هذه السورة في صحف إبراهيم وموسى. وأخرج عبد بن حميد، وابن مردويه، وابن عساكر عن أبي ذرّ قال: قلت يا رسول الله كم أنزل الله من كتاب؟ قال: «حديث : مائة كتاب، وأربعة كتب» تفسير : الحديث.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى {سَبِّح اسمَ رَبِّكَ الأعْلَى} فيه أربعة أقاويل: أحدها: عظّم ربك الأعلى، قاله ابن عباس والسدي، والاسم صلة قصد بها تعظيم المسّمى، كما قال لبيد: شعر : إلى الحْولِ ثم اسم السلام عليكما ومَنْ يَبْكِ حَوْلاً كاملاً فقد اعتذر تفسير : الثاني: نزّه اسم ربك عن أن يسمى به أحد سواه، ذكره الطبري. الثالث: معناه ارفع صوتك بذكر ربك، قال جرير: شعر : قَبَحَ الإلهُ وَجوه تَغْلبَ كلّما سَبَحَ الحجيجُ وكبّروا تكبيرا تفسير : الرابع: صلّ لربك، فعلى هذا في قوله " اسم ربك " ثلاثة أوجه: أحدها: بأمر ربك. الثاني: بذكر ربك أن تفتتح به الصلاة. الثالث: أن تكون ذاكراً لربك بقلبك في نيتك للصلاة. وروي أن عليّاً وابن عباس وابن عمر كانوا إذا افتتحوا قراءة هذه السورة قالوا: " سبحان ربي الأعلى" امتثالاً لأمره تعالى في ابتدائها، فصار الاقتداء بهم في قراءتها، وقيل إنها في قراءة أُبيّ: " سبحان ربي الأعلى " وكان ابن عمر يقرؤها كذلك. {الذي خَلَقَ فَسَوَّى} يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: يعني أنشأ خلقهم ثم سوّاهم فأكملهم. الثاني: خلقهم خلقاً كاملاً وسوّى لكل جارحة مثلاً. الثالث: خلقهم بإنعامه وسوّى بينهم في أحكامه، قال الضحاك: خلق آدم فَسوّى خلقه. ويحتمل رابعاَ: خلق في أصلاب الرجال، وسوّى في أرحام الأمهات. ويحتمل خامساً: خلق الأجساد فسّوى الأفهام. {والذي قَدَّرَ فَهَدَى} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: قدّر الشقاوة والسعادة، وهداه للرشد والضلالة، قاله مجاهد. الثاني: قدر أرزاقهم وأقواتهم، وهداهم لمعاشهم إن كانوا إنساً، ولمراعيهم إن كانوا وحشاً. الثالث: قدرهم ذكوراً وإناثاً، وهدى الذكر كيف يأتى الأنثى، قاله السدي. ويحتمل رابعاً: قدر خلقهم في الأرحام، وهداهم الخروج للتمام. ويحتمل خامساً: خلقهم للجزاء، وهداهم للعمل. {والذي أَخْرَجَ المْرعى} يعني النبات، لأن البهائم ترعاه، قال الشاعر: شعر : وقد يَنْبُتُ المرعى على دِمَنِ الثّرَى وتَبْقَى حَزازاتُ النفوسِ كما هِيا تفسير : {فَجَعَلهُ غُثاءً أَحْوَى} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن الغثاء ما يبس من النبات حتى صار هشيماً تذروه الرياح. الأحوى: الأسود، قال ذي الرمة: شعر : لمياءُ في شَفَتَيْها حُوَّةٌ لَعَسٌ وفي اللّثاتِ وفي أنْيابها شَنَبُ تفسير : وهذا معنى قول مجاهد. الثاني: أن الغثاء ما احتمل السيل من النبات، والأحوى: المتغير، وهذا معنى قول السدي. الثالث: أن في الكلام تقديماً وتأخيراً، ومعناه أحوى فصار غثاء، والأحوى: ألوان النبات الحي من أخضر وأحمر وأصفر وأبيض، ويعبر عن جميعه بالسواد كما سمي به سواد العراق، وقال امرؤ القيس: شعر : وغيـــثٍ دائــمِ التهْــتــا نِ حـــاوي النــبـــتِ أدْهــــم تفسير : والغثاء: الميت اليابس، قال قتادة: وهو مثل ضربه الله تعالى للكفار لذهاب الدنيا بعد نضارتها. {سنُقْرئك فلا تَنسَى} فيه وجهان: أحدهما: أن معنى قوله: فلا تنسى، أي فلا تترك العمل إلا ما شاء الله أن يترخص لك فيه، فعلى هذا التأويل يكون هذا نهياً عن الشرك. والوجه الثاني: أنه إخبار من الله تعالى أنه لا ينسى ما يقرئه من القرآن، حكى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا نزل عليه جبريل بالوحي يقرؤه خيفة أن ينساه، فأنزل الله تعالى: " سنقرئك فلا تنسى" يعني القرآن. {إلا ما شاءَ اللهُ} فيه وجهان: أحدهما: إلا ما شاء الله أن ينسخه فتنساه، قاله الحسن وقتادة. الثاني: إلا ما شاء الله أن يؤخر إنزاله عليك فلا تقرؤه، حكاه ابن عيسى. {إنهُ يَعْلَمُ الجهْرَ وما يَخْفَى} فيه أربعة تأويلات: أحدها: أن الجهر ما حفظته من القرآن في صدرك، وما يخفى هو ما نسخ من حفظك. الثاني: أن الجهر ما علمه، وما يخفى ما سيتعلمه من بعد، قاله ابن عباس. الثالث: أن الجهر ما قد أظهره، وما يخفى ما تركه من الطاعات. {وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: نيسرك لأن تعمل خيراً، قاله ابن عباس. الثاني: للجنة، قاله ابن مسعود. الثالث: للدين واليسر وليس بالعسر، قاله الضحاك. {فذكّرْ إن نَّفَعتِ الذِّكْرَى} وفيما يذكر به وجهان: أحدهما: بالقرآن، قاله مجاهد. الثاني: بالله رغبة ورهبة، قاله ابن شجرة. وفي قوله: {إنْ نَفَعَتِ الذّكْرى} وجهان: أحدهما: يعني إن قبلت الذكرى وهو معنى قول يحيى بن سلام. الثاني: يعني ما نفعت الذكرى، فتكون " إنْ" بمعنى ما الشرط، لأن الذكرى نافعة بكل حال، قاله ابن شجرة. {سَيّذَّكَرُ مَن يَخْشى} يعني يخشى الله، وقد يتذكر من يرجوه، إلا أن تذكرة الخاشي أبلغ من تذكرة الراجي فلذلك علقها بالخشية دون الرجاء، وإن تعلقت بالخشية والرجاء. {وَيَتَجَنَّبُها الأشْقَى} يعني يتجنب التذكرة الكافر الذي قد صار بكفره شقياً. {الذي يَصْلَى النّارَ الكُبْرىَ} فيه وجهان: أحدهما: هي نار جهنم، والصغرى نار الدنيا، قاله يحيى بن سلام. الثاني: الكبرى نار الكفار في الطبقة السفلى من جهنم، والصغرى نار المذنبين في الطبقة العليا من جهنم، وهو معنى قول الفراء. {ثم لا يَمُوتُ فيها ولا يَحْيَا} فيه وجهان: أحدهما: لا يموت ولا يجد روح الحياة، ذكره ابن عيسى. الثاني: أنه يعذب لا يستريح ولا ينتفع بالحياة، كما قال الشاعر: شعر : ألا ما لنفسٍ لا تموتُ فَيَنْقَضِي عَناها ولا تحْيا حياةً لها طَعمْ.

ابن عطية

تفسير : {سبح} في هذه الآية، بمعنى نزه وقدس وقل سبحانه عن النقائص والغير جمعاً وما يقول المشركون، والاسم الذي هو: ألف، سين، ميم، يأتي في مواضع من الكلام الفصيح يراد به المسمى، ويأتي في مواضع يراد به التسمية نحو قوله عليه السلام: "حديث : إن لله تسعة وتسعين اسماً" تفسير : وغير ذلك، ومعنى أريد به المسمى فإنما هو صلة كالزائد كأنه قال في هذه الآية: سبح ربك، أي نزهه، وإذا كان الاسم واحداً من الأسماء كزيد وعمرو، فيجيء في الكلام على ما قلت، تقول زيد قائد تريد المسمى، وتقول: زيد ثلاثة أحرف تريد به التسمية، وهذه الآية تحتمل هذا الوجه الأول، وتحتمل أن يراد بالاسم التسمية نفسها على معنى نزه اسم ربك عن أن يسمى به صنم أو وثن، فيقال له إله ورب ونحو ذلك، و {الأعلى} يصح أن يكون صفة للاسم، ويحتمل أن يكون صفة للرب، وذكر الطبري أن ابن عمر وعلياً قرآ هذه السورة: "سبحان ربي الأعلى" قال وهي في مصحف أبيّ بن كعب كذلك، وهي قراءة أبي موسى الأشعري وابن الزبير ومالك بن أبي دينار، وروى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ هذه الآية قال: "سبحان ربي الأعلى"، وكان ابن مسعود وابن عامر وابن الزبير يفعلون ذلك، وحديث : لما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وسلم: "اجعلوها في سجودكم" تفسير : ،وقال قوم: معنى {سبح اسم ربك} نزه اسم ربك تعالى عن أن تذكره إلا وانت خاشع، وقال ابن عباس معنى الآية: صلّ باسم ربك الأعلى كما تقول ابدأ باسم الله، وحذف حرف الجر، و"سوى"، معناه عدل وأتقن حتى صارت الأمور مستوية دالة على قدرته ووحدانيته، وقرأ جمهور القراء " قدّر " بشد الدال فيحتمل أن يكون من القدر والقضاء، ويحتمل أن يكون من التقدير والموازنة، وقوله تعالى: {فهدى} عام لوجوه الهدايات فقال الفراء: معناه هدى وأضل، واكتفى بالواحدة لدلالتها على الأخرى، وقال مقاتل والكلبي: هدى الحيوان إلى وطء الذكور الإناث، وقيل هدى المولود عند وضعه إلى مص الثدي، وقال مجاهد: هدى الناس للخير والشر، والبهائم، للمراتع.. قال القاضي أبو محمد: وهذه الأقوال مثالات، والعموم في الآية أصوب في كل تقدير وفي كل هداية، و {المرعى} : التبات، وهو أصل في قيام المعاش إذ هو غذاء الأنعام ومنه ما ينتفع به الناس في ذواتهم، و " الغثاء " ما يبس وجف وتحطم من النبات، وهو الذي يحمله السيل، وبه يشبه الناس الذين لا قدر لهم، و " الأحوى": قيل هو الأخضر الذي عليه سواد من شدة الخضرة والغضارة، وقيل هو الأسود سواداً يضرب إلى الخضرة ومنه قول ذي الرمة: [البسيط] شعر : لمياء في شفتيها حوّة لعس وفي اللثات وفي أنيابها شنب تفسير : قال قتادة: تقدير هذه الآية {أخرج المرعى}، {أحوى} أسود من خضرته ونضارته، {فجعله غثاء} عند يبسه، فـ {أحوى} حال، وقال ابن عباس: المعنى {فجعله غثاء أحوى} أي أسود، لأن الغثاء إذا قدم وأصابته الأمطار اسود وتعفن فصار {أحوى} بهذه الصفة. وقوله تعالى: {سنقرئك فلا تنسى}، قال الحسن وقتادة ومالك ابن أنس: هذه الآية في معنى قوله تعالى: {أية : لا تحرك به لسانك} تفسير : [القيامة: 16] الآية، وعد الله أن يقرئه وأخبره أنه لا ينسى نسياناً لا يكون بعده ذكر، فتذهب الآية، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحرك شفتيه مبادرة خوفاً منه أن ينسى، وفي هذا التأويل آية النبي صلى الله عليه وسلم في أنه أمي، وحفظ الله تعالى عليه الوحي، وأمنه من نسيانه، وقال آخرون: ليست هذه الآية في معنى تلك، وإنما هذه وعد بإقرار الشرع والسور، وأمره أن لا ينسى على معنى التثبيت والتأكيد، وقد علم أن ترك النسيان ليس في قدرته، فقد نهي عن إغفال التعاهد، وأثبت الياء في " تنسى " لتعديل رؤوس الآي، وقال الجنيد: معنى {فلا تنسى}، لا تترك العمل بما تضمن من أمر ونهي، وقوله تعالى: {إلا ما شاء الله}، قال الحسن وقتادة وغيره مما قضى الله تعالى بنسخه، وأن ترفع تلاوته وحكمه. وقال الفراء وجماعة من أهل المعاني: هو استثناء صلة في الكلام على سنة الله تعالى في الاستثناء، وليس ثم شيء أبيح نسيانه، وقال ابن عباس: {إلا ما شاء الله} أن ينسيكه لتسن به على نحو قوله عليه السلام "حديث : إني لأنسى أَو أُنَسَّى لأسنَّ"تفسير : وقال بعض المتأولين: {إلا ما شاء الله} أن يغلبك النسيان عليه ثم يذكرك به بعد، ومن هذاحديث : قول النبي صلى الله عليه وسلم حين سمع قراءة عباد بن بشر يرحمه الله: "لقد أذكرني كذا في سورة كذا وكذا" . تفسير : قال القاضي أبو محمد: ونسيان النبي صلى الله عليه وسلم ممتنع فيما أمر بتبليغه، إذ هو معصوم فإذا بلغه ووعي عنه، فالنسيان جائز على أن يتذكر بعد ذلك وعلى أن يسنَّ، أو على النسخ، ثم أخبر تعالى {إنه يعلم الجهر} من الأشياء {وما يخفى} منها، وذلك لإحاطته بكل شيء علماً، وبهذا يصح الخبر بأنه لا ينسى شيئاً إلا ذكره الله تعالى به، وقوله تعالى: {ونيسرك لليسرى} معناه: نذهب بك نحو الأمور المستحسنة في دنياك وأخراك من النصر والظفر وعلو الرسالة والمنزلة يوم القيامة، والرفعة في الجنة، ثم أمره تعالى بالتذكير، واختلف الناس في معنى قوله تعالى {إن نفعت الذكرى} فقال الفراء والزهراوي معناه: وإن لم تنفع، فاقتصر على القسم الواحد لدلالته على الثاني، وقال بعض الحذاق: إنما قوله {إن نفعت الذكرى} ، اعتراض بين الكلامين على جهة التوبيخ لقريش، أي {إن نفعت الذكرى} في هؤلاء الطغاة العتاة، وهذا نحو قول الشاعر: [الوافر] شعر : لقد أسمعت لو ناديت حياً ولكن لا حياة لمن تنادي تفسير : وهذا كله كما تقول لرجل قل لفلان وأعد له إن سمعك، إنما هو توبيخ للمشار إليه، ثم أخبر تعالى أنه {سيذكر من يخشى} الله والدار الآخرة، وهم العلماء والمؤمنون كل بقدر ما وفق، ويتجنب الذكرى ونفعها من سبقت له الشقاوة، فكفر ووجب له صلي النار، وقال الحسن: {النار الكبرى} نار الآخرة، والصغرى نار الدنيا، وقال بعض المفسرين: إن نار جميع الآخرة وإن كانت شديدة فهي تتفاضل، ففيها شيء أكبر من شيء، وقال الفراء: {الكبرى} هي السفلى من أطباق النار، وقوله تعالى: {ثم لا يموت فيها ولا يحيى} معناه: {لا يموت فيها} موتاً مريحاً، {ولا يحيى} حياة هنية فهو لا محالة حي، وقد ورد في خبر: إن العصاة في النار موتى. قال القاضي أبو محمد: وأراه على التشبيه لأنه كالسبات والركود والهمول فجعله موتاً.

ابن عبد السلام

تفسير : {سَبِّحِ اسْمَ} عظم ربك "ع" أراد المسمى أو نزه اسمه أن يسمى به غيره أو ارفع صوتك بذكره أو صلِّ باسم ربك بأمره أو افتتح الصلاة بذكره أو اذكره بقلبك في نيتك للصلاة.

النسفي

تفسير : مكية وهي تسع عشرة آية بسم الله الرحمٰن الرحيم {سَبِّحِ ٱسْمَ رَبّكَ ٱلأَعْلَىٰ } نزه ذاته عما لا يليق به، والاسم صلة وذلك بأن يفسر الأعلى بمعنى العلو الذي هو القهر والاقتدار لا بمعنى العلو في المكان. وقيل: قل سبحان ربي الأعلى. وفي الحديث لما نزلت قال عليه السلام: «حديث : اجعلوها في سجودكم» تفسير : {ٱلَّذِى خَلَقَ فَسَوَّىٰ } أي خلق كل شيء فسوى خلقه تسوية ولم يأت به متفاوتاً غير ملتئم ولكن على إحكام واتساق، دلالة على أنه صادر عن عالم حكيم، أو سوَّاه على ما فيه منفعة ومصلحة {وَٱلَّذِى قَدَّرَ فَهَدَىٰ } أي قدر لكل حيوان ما يصلحه فهداه إليه وعرفه وجه الانتفاع به، أو فهدى وأضل ولكن حذف وأضل اكتفاء كقوله: {أية : يُضِلُّ مَن يَشَآء وَيَهْدِى مَن يَشَآء }تفسير : [النحل:93] [فاطر: 8]. {قُدِرَ } عليّ {وَٱلَّذِى أَخْرَجَ ٱلْمَرْعَىٰ } أنبت ما ترعاه الدواب {فَجَعَلَهُ غُثَاءً } يابساً هشيماً {أَحْوَىٰ } أسود {فأحوى} صفة الغثاء {أَحْوَىٰ سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ } سنعلمك القرآن حتى تنساه {إِلاَّ مَا شَاء ٱللَّهُ } أن ينسخه وهذا بشارة من الله لنبيه أن يحفظ عليه الوحي حتى لا ينفلت منه شيء إلا ما شاء الله أن ينسخه فيذهب به عن حفظه برفع حكمه وتلاوته. وسأل ابن كيسان النحوي جنيداً عنه فقال: فلا ننسى العمل به فقال: مثلك يصدر. وقيل: قوله {فَلاَ تَنسَىٰ } على النهي والألف مزيدة للفاصلة كقوله: {أية : ٱلسَّبِيلاْ }تفسير : [الأحزاب: 67] أي فلا تغفل قراءته وتكريره فتنساه إلا ما شاء الله أن ينسيكه برفع تلاوته {إِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلْجَهْرَ وَمَا يَخْفَىٰ } أي إنك تجهر بالقراءة مع قراءة جبريل مخافة التفلت والله يعلم جهرك معه وما في نفسك مما يدعوك إلى الجهر، أو ما تقرأ في نفسك مخافة النسيان، أو يعلم ما أسررتم وما أعلنتم من أقوالكم وأفعالكم وما ظهر وما بطن من أحوالكم. {وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَىٰ } معطوف على {سَنُقْرِئُكَ } وقوله {إِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلْجَهْرَ وَمَا يَخْفَىٰ } اعتراض ومعناه ونوفقك للطريقة التي هي أيسر وأسهل يعني حفظ الوحي. وقيل: للشريعة السمحة التي هي أيسر الشرائع أو نوفقك لعمل الجنة {فَذَكِّرْ} عظ بالقرآن {إِن نَّفَعَتِ ٱلذِّكْرَىٰ } جواب «إن» مدلول قوله {فَذَكِّرْ } قيل: ظاهره شرط ومعناه استبعاد لتأثير الذكرى فيهم. وقيل: هو أمر بالتذكير على الإطلاق كقوله: {أية : فَذَكّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكّرٌ }تفسير : [الغاشية: 21]. غير مشروط بالنفع {سَيَذَّكَّرُ } سيتعظ ويقبل التذكرة {مَن يَخْشَىٰ } الله وسوء العاقبة {وَيَتَجَنَّبُهَا } ويتباعد عن الذكرى فلا يقبلها {ٱلأَشْقَى } الكافر أو الذي هو أشقى الكفرة لتوغله في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قيل: نزلت في الوليد بن المغيرة وعتبة بن ربيعة {ٱلَّذِى يَصْلَى ٱلنَّارَ ٱلْكُبْرَىٰ } يدخل نار جهنم والصغرى نار الدنيا {ثُمَّ لاَ يَمُوتُ فِيهَا } فيستريح من العذاب {وَلاَ يَحْيَىٰ} حياة يتلذذ بها. وقيل: «ثم» لأن الترجح بين الحياة والموت أفظع من الصلي فهو متراخٍ عنه في مراتب الشدة. {قَدْ أَفْلَحَ } نال الفوز {مَن تَزَكَّىٰ } تطهر من الشرك أو تطهر للصلاة أو أدى الزكاة تفعل من الزكاة كتصدق من الصدقة {وَذَكَرَ ٱسْمَ رَبِّهِ } وكبر للافتتاح {فَصَلَّىٰ } الخمس وبه يحتج على وجوب تكبيرة الافتتاح، وعلى أنها ليست من الصلاة، لأن الصلاة عطفت عليها وهو يقتضي المغايرة، وعلى أن الافتتاح جائز بكل اسم من أسمائه عز وجل. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: ذكر معاده وموقفه بين يدي ربه وصلى له. وعن الضحاك: وذكر اسم ربه في طريق المصلى فصلى صلاة العيد {بَلْ تُؤْثِرُونَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا } على الآخرة فلا تفعلون ما به تفلحون. والمخاطب به الكافرون دليله قراءة أبي عمرو {يؤثرون} بالياء { وَٱلآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ } أفضل من نفسها وأدوم {إِنَّ هَـٰذَا لَفِى ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ } هذا إشارة إلى قوله {قَدْ أَفْلَحَ } إلى {أَبْقَىٰ } أي أن معنى هذا الكلام وارد في تلك الصحف أو إلى ما في السورة كلها، وهو دليل على جواز قراءة القرآن بالفارسية في الصلاة لأنه جعله مذكوراً في تلك الصحف مع أنه لم يكن فيها بهذا النظم وبهذه اللغة {صُحُفِ إِبْرٰهِيمَ وَمُوسَىٰ } بدل من {ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ } وفي الأثر وفي صحف إبراهيم: ينبغي للعاقل أن يكون حافظاً للسانه عارفاً بزمانه مقبلاً على شأنه.

الخازن

تفسير : قوله عزّ وجلّ: {سبح اسم ربك الأعلى} أي قل سبحان ربي الأعلى، وهو قول جماعة من الصحابة والتابعين يدل عليه ما روي عن ابن عباس "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ {سبّح اسم ربك الأعلى}، فقال سبحان ربي الأعلى"تفسير : ، ذكره البغوي بإسناد الثعلبي، وقيل معناه نزه ربك الأعلى عما يصفه الملحدون، فعلى هذا يكون الاسم صلة، وقيل معناه نزه تسمية ربك الأعلى بأن تذكره وأنت له معظم، ولذكره محترم. وقال ابن عباس: سبّح أي صل بأمر ربك الأعلى. عن عقبة بن عامر، قال: "حديث : لما نزلت فسبح باسم ربك العظيم قال النبي صلى الله عليه وسلم اجعلوها في ركوعكم، ولما نزلت {سبّح اسم ربك الأعلى} قال: اجعلوها في سجودكم" تفسير : أخرجه أبو داود {الذي خلق فسوى} أي خلق كل ذي روح فسوى اليدين والرجلين والعينين، وقيل خلق الإنسان مستوياً معتدل القامة. {والذي قدر فهدى} قيل قدر الأرزاق وهدى لاكتسابها، وقيل قدر لكل شيء شكله فهدى، أي فعرف كيف يأتي الذكر الأنثى وقيل قدر مدة الجنين في الرحم وهداه إلى الخروج منه، وقيل قدر السعادة لأقوام، والشقاوة لأقوام، ثم هدى كل فريق من الطائفتين لسلوك سبيل ما قدر له، وعليه، وقيل قدر الخير والشر، وهدى إليهما، وقيل قدر أي أعطى كل حيوان ما يحتاج إليه، وهدى الأنعام وسائر الحيوانات لمراعيها، وهو قوله تعالى: {والذي أخرج المرعى} أي أنبت العشب وما ترعاه الأنعام من أخضر وأصفر وأحمر وأبيض وغير ذلك.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {فسوّى} وجميع آياتها مثل " طه " وكذلك في سورة و " الشمس " و " الليل" و " الضحى " و " اقرأ باسم ربك " من قوله {أرأيت الذي ينهى} إلى آخر السورة. {قدر} بالتخفيف: علي {بل يؤثرون} على الغيبة: قتيبة وأبو عمرو ويعقوب. الوقوف: {الأعلى} ه لا {فسوّى} ه ص {فهدى} ه ك {المرعى} ه ك {أحوى} ه ط {فلا تنسى} ه لا {الله} ط {يخفى} ج ه للعدول. وقيل: قوله {ونيسرك} معطوف على {سنقرئك} وقوله {إنه يعلم الجهر وما يخفى} اعتراض فلا وقف {لليسرى} ه ك والوصل أليق {الذكرى} ه ج {يخشى} ه لا {الأشقى} ه لا {الكبرى} ج ه لأن " ثم " لترتيب الأخبار {ولا يحيا} ه ط لأن ما بعده مستأنف {تزكى} ه لا {فصلى} ه ط لأن " بل " للإضراب {الدنيا} ه بناء على أن الواو للاستئناف أو الحال أوجه {وأبقى} ه ط {الأولى} ه لا {وموسى} ه. التفسير: روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب هذه السورة. وأكثر السلف كانوا يواظبون على قراءتها في التهجد ويتعرفون بركتها. وعن عقبة بن عامر أنه قال: حديث : لما نزل قوله {فسبح باسم ربك العظيم} [الواقعة:74] قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: اجعلوها في ركوعكم. ولما نزل قوله {سبح اسم ربك الأعلى} قال: اجعلوها في سجودكم تفسير : . ومن الناس من تمسك بالآية في أن الاسم نفس المسمى لأن التسبيح أي التنزيه إنما يكون للمسمى لا للاسم. وأجاب المحققون عنه بأن الاسم صلة كقوله: " ثم اسم السلام عليكما ". سلمنا أنه غير صلة ولكن تسبيح اسمه تنزيهه عما لا يليق معناه بذاته تعالى أو صفاته أو بأفعاله أو بأحكامه، فإن العقائد الباطلة والمذاهب الفاسدة لم تنشأ إلا من هذه، ومن جملة ذلك أن يصان اسمه عن الابتذال والذكر لا على وجه الخشوع والتعظيم, وأن لا يسمى غيره بأسمائه الحسنى، وأن لا يطلق عليه من الأسامي إلا ما ورد به الإذن الشرعي. قال بعض العلماء: لعل الذين نقل عنهم أن الاسم نفس المسمى أرادوا به أن الاسم الذي حدّوه بأنه ما دل على معنى في نفسه غير مقترن بزمان هو نفس مدلول هذا الحد. قال الفراء لا فرق بين {سبح اسم ربك} وبين " سبح باسم ربك". واعترض عليه بأن الفرق هو أن الأول معناه نزه الاسم من السوء، والثاني معناه سبح الله أي نزهه بسبب ذكر أسمائه العظام، أو متلبساً بذكره إلا أن تجعل الباء صلة في الثاني نحو {أية : ولا تلقوا بأيديكم} تفسير : [البقرة: 195] أو مضمرة في الأول مثل {أية : واختار موسى قومه}تفسير : [الأعراف: 155] أي من قومه. نعم لو زعم الفراء أن المعنيين متلازمان جاز. ومن الملاحدة من طعن في القرآن بأن يقتضي أن يكون للعالم ربان أحدهما عظيم وهو في قوله{أية : فسبح باسم ربك العظيم} تفسير : [الواقعة: 96] والآخر أعلى منه وهو {سبح اسم ربك الأعلى} والجواب أنه عظيم في نفسه وأعلى وأجل من جميع الممكنات، والصفة كاشفة لا مميزة ونظيره وصفه بالكبير تارة وبالأكبر أخرى. والمراد بالعظم والعلو عظم الشرف وعلو القدر فلا استدلال فيه للمشبهة. ثم شرع في بعض أوصافه الكمالية فقال {الذي خلق فسوّى} وقد مر نظيره في " الانفطار" أي خلق الإنسان فجعله منتصب القامة في أحسن تقويم، أو خلق كل حيوان بل كل ممكن فجعله مستعدّاً للكمال اللائق بحاله. {والذي قدر} لكل مخلوق ما يصلح له فهداه إليه وعرّفه وجه الانتفاع به كما يحكى أن الأفعى إذا أتت عليها ألف سنة عميت وقد ألهمها الله أن تمسح العين بورق الرازيانج الرطب فتطلبه إلى أن تجده فيعود بصرها، وإلهامات البهائم والطيور مشروحة مكتوبة في كتب العجائب. وقال الحكيم: كل مزاج فإنه مستعدّ لقوة خاصة، وكل قوة فإنها لا تصلح إلا لفعل معين فالتقدير عبارةعن التصرف في الأجزاء الجسمية، وتركيبها على وجه خاص لأجله يستعدّ لقبول تلك القوى، والهداية عبارة عن خلق تلك القوى في تلك الأعضاء بحيث تكون كل قوّة مصدراً لفعل معين، ويحصل من مجموعها إتمام المصلحة. وقد خصه بعض المفسرين فقال مقاتل: هدى الذكر للأنثى كيف يأتيها. وقال غيره: هداه لمعيشته ومرعاه. وقيل: هداه لسبيل الخير والشر. وقال السدّي: قدر مدة مكث الجنين في الرحم ثم هداه للخروج. وقال الفراء: قدّر فهدى وأضل فاكتفى بذكر أحدهما كقوله {أية : سرابيل تقيكم الحر}تفسير : [النحل: 81] وقيل: الهداية بمعنى الدعاء إلى الإيمان أي قدّر دعاء الكل إلى الإيمان فدعاهم إليه كقوله {أية : وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم}تفسير : [الشورى: 52] وقيل: دلهم بأفعاله على توحيده وكبريائه " ففي كل شيء له آية تدل على أنه واحد" ومن جملة ذلك إخراج المرعى وهو الكلأ الأخضر، ثم جعله غثاء وهو مات يبس من النبات فحملته الأهوية وطيرته الرياح. والظاهر أن أحوى صفة للغثاء. والحوّة السواد، فالعشب إذا يبس واستولى البرد عليه جعل يضرب إلى السواد، وقد يحتمله السيل فيلصق به أجزاء كدرة. وقال الفراء وأبو عيبدة: الأحوى هو الأسود لشدّة خضرته وعلى هذا يكون حالاً من ضمير {المرعى} أي صيره في حال حوّته غثاء. وقال جار الله: هو حال من {المرعى} أي أخرجه أسود من الخضرة والري فجعله غثاء وحين أمره بالتسبيح بشره وشرفه بإيتاء آية باهرة وهي أن يقرأ عليه جبرائيل ما يقرأ من الوحي الذي هو أشرف أنواع الذكر فيحفظه لا ينساه إلا ما شاء الله أن ينساه وهو أحد طريقي النسخ. فقال مجاهد ومقاتل والكلبي: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه القرآن كثر تحريك لسانه مخافة أن ينسى فقيل له: لا تعجل بالقراءة فإن جبرائيل مأمور بأن يكرر عليك إلى أن تحفظه نظيره {أية : ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضي إليك وحيه}تفسير : [طه: 114] وعلى هذا يجوز أن يراد بالتعليم والإقراء شرح الصدر وتقوية الحفظ بحيث يبقى القرآن محفوظاً له من غير دراسة، ومع أنه أمي فيكون إعجازاً. وعن بعضهم أن قوله {فلا تنسى} نهي لا خبر، والألف مزيدة للفاصلة نحو {أية : الظنونا} تفسير : [الأحزاب: 10] و {أية : السبيلا}تفسير : [الأحزاب: 67] وضعف بأن الزيادة خلاف الأصل فلا يصار إليها إلا لدليل ظاهر. وأما إذا جعلناه خبراً كان معنى الآية البشارة بأنا جعلناك بحيث لا تنسى، وإن جعلناه نهياً كان أمراً بالمواظبة على الأسباب المانعة من النسيان وهي الدراسة والقراءة والبحث فلا يكون من البشارة في شيء. وأيضاً النسيان لا يتعلق بقدرة العبد فيلزم أن يحمل النهي عنه على الأمر بالأسباب المانعة منه وهو خلاف الظاهر، أما الاستثناء ففيه قولان: الأول أنه ليس على حقيقته، فقد روي عن الكلبي أنه صلى الله عليه وسلم لم ينس بعد نزول هذه الآية شيئاً. وعلى هذا فالمقصود من الاستثناء إما نفي النسيان رأساً كما تستعمل القلة في معنى العدم، وإما التبرك بذكر هذه الكلمة وتعليم العباد أن لايتركوها في كل ما يخبرون عنه، وفيه أنه تعالى قادر على إنسائه إلا أنه لا ينسيه بفضله وإحسانه، وفيه لطف للنبي صلى الله عليه وسلم أن يكون متيقظاً مبالغاً دراسة ما ينزل عليه من الوحي قليلاً كان أو كثيراً، فإن كل جزء من أجزائه يحتمل أن يكون هو المستثنى. الثاني أنه حقيقة. ثم حمله مقاتل على النسخ كما مر. وقال الزجاج: أراد إلا أن يشاء الله فتنساه ثم تذكره بعد النسيان كما روي أنه أسقط في قراءته آية في الصلاة فحسب أبيّ أنها نسخت فسأله فقال: نسيتها. وقيل: أريد القلة والندرة لا في الواجبات فإنه يورث الخلل في الشرع ولكن في غيرها. ثم علل حسن النسخ بقوله {إنه يعلم الجهر وما يخفى} وإذا كان كذلك كان وضع الحكم ورفعه واقعاً بحسب مصالح المكلفين. وقيل: أراد أنك تجهر بقراءتك مع قراءة جبرائيل مخافة النسيان والله يعلم ما في نفسك من الحرص على تحفظ الوحي، فلا تفعل فأنا أكفيك ما تخافه. ثم بشره ببشارة أخرى وهو تيسيره أي توفيقه للطريقة التي هي أيسر وهي حفظ القرآن والشريعة السهلة السمحة. وعن ابن مسعود: هي الجنة يعني العمل المؤدي إليها. والعبارة المشهورة أن يقال: جعل الفعل الفلاني ميسراً لفلان وإنما عكس الترتيب في الآية لدقيقة هي أن الفاعل ما لم يوجد فيه قابلية لصدور الفعل عنه امتنع حصوله منه وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم " حديث : كل ميسر لما خلق له" تفسير : وفي الآية دلالة على أنه سبحانه فتح عليه من أبواب قبول الفيض ما لم يفتحه على غيره حتى صار يتيم أبي طالب قدوة للعالمين وهادياً للخلائق أجمعين كما قال {فذكر إن نفعت الذكرى} وإن لم تنفع فحذفت إحدى القرينتين للعلم بها كقوله {أية : سرابيل تقيكم الحر} تفسير : [النحل: 81] وهو بناء على الإغلب فإن التذكير إنما يكون غالباً إذا كان رجاء التذكر حاصلاً كقوله {أية : ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصناً} تفسير : [النور: 33] وفيه حث على الانتفاع بالذكرى كما يقول المرء لغيره إذا بين له الحق: قد أوضحت لك إن كنت تسمع وتقبل، ويكون مراده البعث على السماع والقبول. أو تنبيه للنبي صلى الله عليه وسلم على أن الذكرى لا تنفعهم كما يقال للرجل: أدع فلاناً إن أجابك. والمعنى ما أراه يجيبك. ووجه آخر وهو أن تذكير العالم واجب في أوّل الأمر. وأما التكرير فالضابط فيه هو العرف فلعله إنما يجب عند رجاء حصول المقصود فلهذا أردفه بالشرط. قيل: التعليق بالشرط إنما يحسن في حق من يكون جاهلاً بعواقب الأمور. والجواب أن أمر الدعوة والبعثة مبنيّ على الظواهر لا على الخفيات. وروي في الكتب أنه تعالى كان يقول لموسى {أية : فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى}تفسير : [طه: 44] وأنا أشهد أنه لا يتذكر أو يخشى. وإنما سمى الوعظ بالتذكير لأن حسن هذا الدين مركوز في العقول {أية : فطرة الله التي فطر الناس عليها}تفسير : [الروم: 30] فكأن هذا العلم كان حاصلاً في نفسه بالقوّة ثم زال عنها بالعوائق والغواشي، وعند بعض العقلاء أن النفوس قبل تعلقها بالأبدان عالمة بما لها أن تعلم إلا أنها نسيتها لاشتغالها بتدبير البدن، ومن هنا قال أفلاطون: لست أعلمكم ما كنتم تجهلون ولكن أذكركم ما كنتم تعلمون. ثم إنه تعالى بين أن المنتفع بالتذكير من هو فقال {سيذكر من يخشى} قال في التفسير الكبير: إن الناس في أمر المعاد ثلاثة أقسام: القاطع بصحته، والمتردد فيه، والجاحد له. والفريقان الأوّلان ينتفعان بالتذكير والتخويف، وكثير من المعاندين إنما يجحدون باللسان فقط، فتبين أن أكثر الخلق ينتفعون بالوعظ والمعرض نادر وترك الخير الكثير لأجل الشر القليل شر كثير فلهذا وجب تعميم التذكير. قلت: هذا خلاف القرآن حيث قال {أية : وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين}تفسير : [يوسف: 103] وقال {أية : وقليل من عبادي الشكور} تفسير : [سبأ: 13] {أية : ولا تجد أكثرهم شاكرين}تفسير : [الأعراف: 17] وخلاف الحديث حيث قال صلى الله عليه وسلم في بعث النار "حديث : من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون" تفسير : وخلاف المعقول فإنه لو سلم أن قسمين من الأقسام الثلاثة ينتفعان بالتذكير وينضم إليه من القسم الثالث بعض آخر فقد لا يلزم أن يكون الثاني أقل من المجموع المفروض لجواز اختلاف الأقسام، بل السبب في تعميم التذكير انتفاع المنتفعين به وهم أهل الخشية أعني العلماء بالله وإلزام الحجة لغيرهم. والسين في {سيذكر} إما لمجرّد الإطماع فإن " سوف " من الله واجب، وإما لأن التذكير متراخ عن التذكير غالباً لتخلل زمان النظر والتأمل بينهما غالباً. قيل: نزلت الآية في عثمان بن عفان. وقيل: في أبن أم مكتوم. ونزل في الوليد بن المغيرة وعتبة بن ربيعة قوله {ويتجنبها الأشقى الذي يصلى النار الكبرى} أي السفلى من أطباق النار. وعن الحسن: النار الكبرى نار جهنم والصغرى نار الدنيا. فالأشقى هو الكافر على الإطلاق، وذلك أن الكافر أشقى من الفاسق. ولا يلزم من تخصيص ذكر الكافر بدخول النار أن لا يدخلها الفاسق، وسبب تخصيص الكافر بالذكر أن الفاسق لم يتجنب التذكير بالكلية فيكون القرآن مسكوتاً عن الشقي الذي هو أهل الفسق، ويحتمل أن يكون الأشقى بمعنى الشقي كقوله {أية : وهو أهون عليه} تفسير : [الروم: 27] أي هين فيدخل فيه الفاسق لأنه يجتنب بوجه من الوجوه. وقوله {ثم لا يموت فيها ولا يحيى} قد مر تفسيره في " طه ". ومعنى " ثم " تراخى الرتبة لأن هذا النوع من الحياة أفظع من نفس الدخول في النار. ثم ذكر وعد السعداء بعد وعيد الأشقياء. ومعنى {تزكى} تطهر من أدناس الشرك والمعاصي والعقائد الفاسدة {وذكر اسم ربه} بالتوحيد والإخلاص {فصلى} أي اشتغل بالخدمة والطاعة حتى يكون كاملاً بحسب قوّته النظرية والعملية بعد تخليته لوح الضمير عن النقوش الفاسدة. وقال الزجاج: تزكى أي تكثر من التقوى وأصله من الزكاء النماء فيكون تفصيله قوله {أية : قد أفلح المؤمنون} تفسير : [المؤمنون: 1] إلى آخر الآيات. وفي أوّل البقرة إلى قوله {أية : هم المفلحون} تفسير : [الآيات:1 - 5] وقال مقاتل: تزكى من الزكاة كتصدّق من الصدقة والمعنى: قد أفلح من تصدّق من ماله وذكر ربه بالتوحيد والصلاة فصلى له. وخصه قوم بصلاة العيد وصدقة الفطرة أي أفلح من تصدّق قبل خروجه إلى المصلى، وذكر اسم ربه في طريق المصلى أو عند تكبيرة الافتتاح فصلى العيد وهذا قول عكرمة وأبي العالية وابن سيرين وابن عمرو وعلي. وقد روي مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم وضعف بأنه خلاف ما ورد في مواضع أخر من القرآن من تقديم الصلاة على الزكاة. والجواب إنما ورد هكذا لأن زكاة الفطر مقدّمة على صلاته. واعترض الثعلبي بأن السورة مكية بالإجماع ولم يكن بمكة عيد ولا زكاة فطر. وأجاب الواحدي بأنه لا يمتنع أن يقال لما كان في معلوم الله تعالى أن يكون ذلك أثنى على من فعل ذلك. استدل على بعض الفقهاء بالآية على وجوب تكبيرة الافتتاح، واحتج بعض أصحاب أبي حنيفة بها على أن التكبيرة الأولى ليست من صلب الصلاة العطف الصلاة عليها، وعلى أن الافتتاح جائز بكل اسم من أسمائه. وأجيب بما روي عن ابن عباس أن المراد ذكر معاده وموقفه بين يدي ربه فصلى له وبأنه قد يقال " أكرمتني فزرتني " وبالعكس من غير فرق. وقد يزيف هذا الجواب الثاني بأنه خلاف الظاهر وبأن خصوصية المادة ملغاة فلا يلزم من عدم الفرق في المثال المضروب عدم الفرق فيما يتعلق به حكم شرعي. ثم وبخهم بقوله {بل تؤثرون} إلى آخره. ثم بين أن ما في السورة من التوحيد والنبوّة والوعيد والوعد كانت ثابتة في صحف الأنبياء الأقدمين لأنها قواعد كلية لا تتغير بتغير الأزمان فهو كقوله {أية : وإنه لفي زبر الأوّلين}تفسير : [الشعراء: 196] وقيل: المشار إليه بهذا هو قوله {بل تؤثرون} الآية لأنه أقرب المذكورات، ولأن حاصل جميع الكتب السماوية الزجر عن الدنيا والإقبال على الآخرة. قال في الكشاف: روي عن أبي ذر أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: كم أنزل الله من كتاب؟ قال"حديث : مائة وأربعة كتب منها على آدم عشر صحف، وعلى شيث خمسون صحيفة، وعلى أخنوخ وهو إدريس ثلاثون صحيفة، وعلى إبراهيم عشر صحائف، والتوراة والإنجيل والزبور والفرقان "تفسير : فتقدير الآية إن هذا لفي الصحف الأولى التي منها صحف إبراهيم وموسى. قالوا: في صحف إبراهيم ينبغي للعاقل أن يكون حافظاً للسانه عارفاً بزمانه مقبلاً على شأنه الله تعالى حسبي.

الثعالبي

تفسير : {سَبِّحِ} في هذه الآية بمعنى: نَزِّه وقَدِّسْ وَقُلْ: جَلَّ سبحانَه عن النقائِص والغَيْرِ جميعاً، ورَوَى ابنُ عباس حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ هذه الآية، قالَ: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الأعْلَىٰ»تفسير : ، وكان ابن مسعودِ وابنُ عمرَ وابنُ الزبيرِ يفعلون ذلك، ولما نَزَلَتْ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : اجْعَلُوهَا في سُجُودِكُم»تفسير : ، وعن سلمةَ بنِ الأكوع قال: حديث : مَا سمعتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يَسْتَفْتِحُ دُعَاءً إلاَّ ٱسْتَفْتَحَهُ بـ«سُبْحَان رَبِّيَ الأَعْلَىٰ الوهَّاب» تفسير : رواه الحاكم في «المستدركِ»، وقال: صحيحُ الإسنادِ، انتهى من «سلاح المؤمن». و«سُوًى» معناه: عَدَّلَ وأتْقَنَ. وقوله: {فَهَدَىٰ} عامٌّ لوجوهِ الهداياتِ في الإنسانِ والحيوانِ، وقال الفراء: معناه هَدَى وأضَلَّ؛ والعمومُ في الآيةِ أصوبُ، و{ٱلْمَرْعَىٰ}: النباتُ، و«الغُثَاء»: مَا يَبِسَ وجَفَّ وتَحَطَّمَ من النباتِ؛ وهو الذي يحمله السيلُ، و«الأَحْوَى» قيلَ هو الأَخْضَرُ الذي عليه سَوَادٌ من شدَّةِ الخُضْرَةِ والغَضَارة، فتقديرُ الآيةِ: الذي أخْرَجَ المَرْعى أحوَى أي أسْوَدَ من خضرتهِ وغَضَارَتِه فجعَله غُثَاءً عِنْدَ يُبْسِه فـ{أَحْوَىٰ}: حالٌ، وقال ابن عباسٍ: المعنى: فجعله غُثَاءً أحْوَى أي أسْوَدَ؛ لأن الغُثَاءَ إذا قَدِمَ وأصَابَتْهُ الأمْطَارُ اسْوَدَّ وتَعَفَّنَ فَصَارَ أحوى، فهذَا صفةٌ.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ}. يستحب للقارئ إذا قرأ: {سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ} أن يقول عقيبه: "سبحان ربي الأعلى" كذا جاء في الحديث، وقال جماعة من الصحابة والتابعين وقال ابنُ عباسٍ والسديُّ: معنى "سبح اسم ربك الأعلى" أي: عظِّم ربك الأعلى، والاسم صلة، قصد بها تعظيم المسمى. كقول لبيد: [الطويل] شعر : 5175- إلَى الحَـوْلِ ثُـمَّ اسْـمُ السَّـلامِ عَليْكُمَـا ................................. تفسير : [وقيل: نزه ربك عن السوء، وعما يقوله الملحدون، وذكره الطبري أن المعنى: نزه اسم ربك الأعلى على أن تسمي به أحداً سواه. وقيل: المعنى: نزه تسمية ربك وذكرك إياه أن تذكره إلا وأنت خاشع معظّم لذكره، وجعلوا الاسم بمعنى التسمية]. قال ابن الخطيب: معنى {سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ} أي: نزهه عن كل ما لا يليق به في ذاته، وفي صفاته، وفي أفعاله، وفي أسمائه، وفي أحكامه. أمَّا في ذاته، فأن تعتقد أنها ليست من الجواهر والأعراض. وأما في صفاته، فأن تعتقد أنها ليست محدثة ولا متناهية ولا ناقصة. وأمَّا في أفعاله، فأن تعتقد أنه سبحانه مالك مطلق لا اعتراض لأحد عليه في أمر من الأمور. وقالت المعتزلة: هو أن تعتقد أن كل ما فعله صواب حسن، وأنه سبحانه لا يفعل القبيح، ولا يرضى به، وأما في أسمائه: فأن لا تذكره - سبحانه وتعالى - إلاَّ بالأسماء التي لا توهم نقصاً بوجه من الوجوه، سواء ورد الإذن فيها أو لم يرد. وأمَّا في أحكامه: فهو أن تعلم أن ما كلفنا به ليس لنفعٍ يعود إليه، بل لمحض المالكية على قولنا، او لرعاية مصالح العباد على قول المعتزلة. فصل فيمن استدل بالآية على أن الاسم نفس المسمى قال ابن الخطيب: تُمسِّك بهذه الآية في أن الاسم نفس المسمى. وأقول: الخوض في هذه المسألة لا يمكن إلا بعد الكشف عن محل النزاع، فنقول: إن كان الاسم عبارة عن اللفظ؛ والمسمى عبارة عن الذات، فليس الاسم المسمى بالضرورة، فكيف يمكن الاستدلال على ما علم بالضرورة؟ نعم هنا نكتة، وهي أن الاسم هو اللفظ الدَّال على معنى في نفسه من غير زمن، والاسم كذلك، فيكون اسماً لنفسه، فالاسم هنا نفس المسمى، فعلى هذا يَرِدُ من أطلق ذلك؛ لأن الحكم بالتعميم خطأ، والمراد: الذي يدل على أن الاسم نفس المسمى هو أن أحداً لا يقول: سبحان الله وسبحان اسم ربنا، فمعنى "سبح اسم ربك" سبح ربك، والربُّ أيضاً اسم، فلو كان غير المسمى لم يجز أن يقع التسبيح عليه. وهذا الاستدلال ضعيف، لما بيَّنا أنه يمكن أن يكون وارداً بتسبيح الاسم، ويمكن أن يكون المراد: سبح المسمى، وذكر الاسم صلة فيه، ويكون المراد: سبح باسم ربك، كما قال تعالى: {أية : فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ} تفسير : [الواقعة: 74]، ويكون المعنى: سبح بذكر أسمائه. فصل في تفسير الآية روى أبو صالحٍ عن ابن عباس - رضي الله عنه -: صلِّ بأمر ربك الأعلى قال: وهو أن يقول: "سُبحانَ ربيّ الأعْلَى" وروي عن عليّ - رضي الله عنه - وابن عباسٍ، وابن عمر وابن الزبيرِ، وأبي موسى، وعبد الله بن مسعود - رضي الله عنهم - كانوا إذا افتتحوا قراءة هذه السورة، قالوا: "سُبْحَانَ رَبِّيَ الأعْلَى" وامتثالاً لأمره في ابتدائها، فيختار الاقتداء بهم في قراءتهم، لا أن سبحان ربيّ الأعلى من القرآن، كما قاله بعض أهل الزَّيْغ. وقيل: إنَّها في قراءة أبيّ: "سُبْحَانَ رَبِّيَ الأعْلَى". وروى ابن الأنباري بإسناده إلى عيسى بن عمر عن أبيهِ، قال: قرأ علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - في الصلاة: "سَبِّح اسْمَ رَبِّك الأعْلَى"، ثم قال: سبحان ربي الأعلى، فلما انقضت الصلاة، قيل له: يا أمير المؤمنين، أتزيد هذا في القرآن؟ قال: ما هو؟ قالوا: سبحان ربي الأعلى، قال: لا، إنما أمرنا بشيء فقلته. وعن عقبى بن عامرٍ الجهنيِّ، قال: حديث : لما نزلت {سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اجْعَلُوهَا في سُجودِكُمْ ". تفسير : قال القرطبيُّ: "هذا كله يدل على أن الاسم هو المسمى؛ لأنهم لم يقولوا: سبحان اسم ربي الأعلى". وقيل: معناه: ارفع صوتك بذكر ربك؛ قال جرير: [الكامل] شعر : 5276- قَبَحَ الإلهُ وجُوهَ تَغْلبَ كُلَّمَا سَبحَ الحَجيجُ وكبَّرُوا تَكْبِيرَا تفسير : قوله: "الأعلى": يجوز جره: "صفة" لـ "ربك"، ونصبه صفة لـ "اسم"، إلا أن هذا يمنع أن يكون "الذي" صفة لـ "ربك"، بل يتعين جعله نعتاً لـ "اسم"، أو مقطوعاً لئلا يلزم الفصل بين الصفة والموصوف بصفة غيره؛ إذ يصير التركيب، مثل قولك: جاءني غلامُ هندٍ العاقلُ الحسنة، فيفصل بـ "العاقل" بين "هند" وبين صفتها. وتقدم الكلام في إضافة الاسم إلى المسمى. قوله: {ٱلَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ}. قال ابن الخطيب: يحتمل أن يريد النَّاس خاصة، ويحتمل أن يريد الحيوان، ويحتمل أن يريد كل شيء خلقه الله تعالى، فمن حمله على الإنسان ذكر للتسوية وجوهاً: أحدها: اعتدال قامته، وحسن خلقته على ما قال تعالى: {أية : لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} تفسير : [التين: 4] وأثنى على نفسه بسبب خلقه إياه بقوله تعالى: {أية : فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ} تفسير : [المؤمنون: 14]. وثانيها: أن كل حيوان مستعد لنوعٍ واحدٍ من الأعمال فقط، وأما الإنسان، فإنه خلقه بحيثُ يمكنه أن يأتي بجميع الأعمال بواسطة الآلات. وثالثها: أنه - تعالى - هيأه للتكليف، والقيام بأداء العبادات. قال بعضهم: خلق في أصلاب الآباء، وسوَّى في أرحام الأمهات، ومن حمله على جميع الحيوانات، فمعناه: أنه أعطى كلَّ حيوان ما يحتاج إليه من آلاتٍ، وأعضاء، ومن حمله على جميع المخلوقات كان المراد من التسوية هو أنه - تعالى - قادر على كل الممكنات، علم بجميع المعلومات، يخلق ما أراد على وفق إرادته موصوفاً بالإحكام والإتقان، مبرأ عن النقص والاضطراب. قوله: {وَٱلَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ}؛ قرأ الكسائيُّ وعليٌّ - رضي الله عنه - والسلميُّ: "قدر" بتخفيف الدال، والباقون: بالتشديد. والمعنى: قدر كل شيء بمقدار معلوم. ومن خفف، قال القفَّال: معناه: ملك فهدى، وتأويله: انه تعالى خلق كل شيء، فسوى، وملك ما خلق، أي تصرف فيه كيف شاء وأراد هذا هو الملك، فهداه لمنافعه ومصالحه. ومنهم من قال: إنهما لغتان بمعنى واحدٍ، وعليه قوله تعالى: {أية : فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ ٱلْقَادِرُونَ} تفسير : [المرسلات: 23] بالتشديد والتخفيف، وقد تقدم. فصل في معنى الآية قال مجاهدٌ: قدَّر الشقاوة والسعادة، وهدى للرشد والضلالة، وعنه: هدى الإنسان للسعادة والشقاوة، وهدى الأنعام لمراعيها. وقيل: قدَّر أقواتهم وأرزاقهم، وهداهم لمعاشهم وإن كانوا أناساً، ولمراعيهم إن كانوا وحوشاً. وعن ابن عبَّاسٍ والسديِّ ومقاتلٍ والكلبيِّ في قوله تعالى: "فَهدَى": عرف خلقه كيف يأتي الذكرُ الأنثى، كما قال تعالى في سورة "طه": {أية : أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ} تفسير : [طه: 50]، أي: الذكر للأنثى. وقال عطاء: جعل لكل دابَّة ما يصلحها، وهداها له. وقيل: "قدَّر فَهَدى" أي: قدّر لكل حيوانٍ ما يصلحه، فهداهُ إليه، وعرفه وجه الانتفاع به، يقال: إن الأفعى إذا أتت عليها ألفُ سنة عميت، وقد ألهمها الله تعالى، أن مسح العينين بورق الرازيانج الغض، يرد إليها بصرها، فربما كانت في بريَّة بينها وبين الريف مسيرة أيام، فتطوى تلك المسافة على طولها، وعماها، حتى تهجم في بعض البساتين على شجرة الرَّازيانج، لا تخطئها، فتحك بها عينها، فترجع باصرة بإذن الله تعالى. [وهدايات الإنسان إلى أن مصالحه من أغذيته وأدويته، وأمور دنياه ودينه وإلهامات البهائم والطيور، وهوام الأرض باب ثابت واسع، فسبحان ربي الأعلى]. وقال السديُّ: قدَّر مدة الجنين في الرحم، ثم هداه إلى الخروج من الرحم. وقال الفراء: "قدَّى فهَدى" أي: وأضل، فاكتفى بذكر أحدهما، كقوله: {أية : سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ} تفسير : [النحل: 81]، ويحتمل أن يكون بمعنى "دَعَا" إلى الإيمان كقوله تعالى: {أية : وَإِنَّكَ لَتَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} تفسير : [الشورى: 52] أي لتدعو وقد دعا الكل إلى الإيمان]. وقيل: "فَهَدَى" أي: دلَّهم بأفعاله على توحيده وكونه عالماً قادراً. واعلم أن الاستدلال بالخلق وبالهدى، هي معتمد الأنبياء. قال إبراهيم - عليه الصلاة والسلام -: {أية : ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ} تفسير : [الشعراء: 78]. وقال موسى - عليه الصلاة والسلام - لفرعون: {أية : رَبُّنَا ٱلَّذِيۤ أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ} تفسير : [طه: 50]، وقال هنا ذلك، وإنما خصت هذه الطريقة لوضوحها وكثرة عجائبها. قوله: {وَٱلَّذِيۤ أَخْرَجَ ٱلْمَرْعَىٰ}، أي: النبات، لما ذكر سبحانه ما يختص بالناس، أتبعه بما يختص بسائر الحيوان من النعم، أي: هو القادر على إنبات العشب، لا كلأصنام التي عبدتها الكفرةُ، والمرعى: ما تخرجه الأرض من النبات، والثمار، والزروع، والحشيش. قال ابنُ عبَّاسٍ: "المرعى": الكلأ الأخضر. قوله: {فَجَعَلَهُ غُثَآءً أَحْوَىٰ}. "غثاء": إما مفعول ثانٍ: وإما حال. "والغُثَّاء": - بتشديد الثاء وتخفيفها - وهو الصحيح، ما يغترفه السيل على جوانب الوادي من النبات ونحوه؛ قال امرؤ القيس: [الطويل] شعر : 5177- كَأنَّ طَميَّاتِ المُجيمِرِ غُدوَةً مِن السَّيْلِ والأغْثَاءِ فلكةُ مِغْزَلِ تفسير : ورواه الفراء: "والأغثاء" على الجمع، وفيه غرابة من حيث جمع "فعالاً" على "أفعال". قوله تعالى: {أَحْوَىٰ}. فيه وجهان: أظهرهما: أنه نعت لـ "غثاء". والثاني: أنه حال من المرعى. قال أبو البقاء: "فقدَّم بعض الصلة"، يعني: ان الأصل أخرج المرعى أحوى، فجعله غثاء. قال شهابُ الدِّين: ولا يسمى هذا تقديماً لبعض الصلة. والأحْوَى: "أفعل" من الحُوَّة، وهي سوادٌ يضرب إلى الخُضْرَة؛ قال ذو الرُّمَّة: [البسيط] شعر : 5178- لـمْيَــاءُ فِــي شَفتيْـهَــا حُــوَّةٌ لَـعَــسٌ وفِـي اللِّثـاتِ وفـي أنْيَابِهَـا شَنَـبُ تفسير : وقد استدلَّ بعض النحاة على وجود بدل الغلط بهذا البيت. وقيل: خضرة عليها سواد، والأحْوَى" الظبي؛ لأن في ظهره خطَّين؛ قال: [الطويل] شعر : 5179- وفِي الحيِّ أحْوَى يَنفضُ المَرْدَ شَادِنٌ مُظَاهِـرُ سِمْطَـيْ لُـؤلـؤٍ وزَبَرْجَـدِ تفسير : ويقال: رجل أحْوَى، وامرأة حوَّاءُ، وجمعهما "حُوٌّ" نحو: أحْمَر وحَمْراء وحُمْر، قال القرطبيُّ: "وفي الصِّحاح": "والحُوَّةُ: حمرة الشفة، يقال: رجل أحْوَى وامرأة حوَّاء وقد حويتُ، وبعير أحْوَى: إذا خالط خضرته سواد وصُفْرَة، قال: وتصغير أحْوَى: أحَيْوٍ في لغة من قال: أسَيْود". قال عبد الرحمن بن زيدٍ: هذا مثلٌ ضربه الله تعالى للكُفَّار لذهاب الدنيا بعد نضارتها، والمعنى: أنه صار كذلك بعد خضرته. وقال أبو عبيدة: فجعله أسود من احتراقه وقدمه، والرطب إذا يبس اسود.

البقاعي

تفسير : لما تضمن أمره سبحانه في آخر الطارق بالإمهال النهي عن الاستعجال الذي هو منزه عنه لكونه نقصاً، وأشار نفي الهزل عن القرآن - إلى أنهم وصموه بذلك وهو في غاية البعد عنه إلى غير ذلك مما أشير إليه فيها ونزه نفسه الأقدس سبحانه عنه، أمر أكمل خلقة رسوله المنزل عليه هذا القرآن صلى الله عليه وسلم بتنزيه اسمه لأنه وحده العالم بذلك حق علمه، وإذا نزه اسمه عن أن يدعو به وثنا أو غيره أو يضعه في غير ما يليق به، كان لذاته سبحانه أشد تنزيهاً، فقال مرغباً في الذكر لا سيما بالتنزيه الذي هو نفي المستحيلات لأن التخلي قبل التحلي، شارحاً لأصول الدين مقدماً للإلهيات التي هي النهايات من الذات ثم الصفات لا سيما القيومية ثم الأفعال على النبوات، ثم أتبع ذلك النبوة ليعرف العبد ربه على ما هو عليه من الجلال والجمال، فيزول عنه داء الجهل الموقع في التقليد، وداء الكبر الموقع في إنكار الحقوق، فيعترف بالعبودية والربوبية، لا مثنياً عليه سبحانه بالجلال ثم الجمال فيعبده على ما يليق به من امتثال أمره واجتناب نهيه تعظيماً لقدره: {سبح} أي نزه وبرىء تنزيهاً وتبرئة عظيمتين جداً قويتين شديدتين {اسم ربك} أي المحسن إليك بعد إيجادك على صفة الكمال بتربيتك على أحسن الخلال حتى كنت في غاية الجلال والجمال. ولما كان الإنسان محتاجاً في أن تكون حياته طيبة ليتمكن مما يريد إلى ثلاثة أشياء: كبير ينتمي إليه ليكون له به رفعة ينفعه بها عند مهماته، ويدفع عنه عند ضروراته، ومقتدى يربط به نفسه عند ملماته، وطريقة مثلى ترتكبها كما أشار إليه قوله صلى الله عليه وسلم"حديث : رضيت بالله رباً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً وبالإسلام ديناً"تفسير : أرشده صلى الله عليه وسلم إلى أن الانقطاع إليه أعلى الجاه، فقال واصفاً لمن أمره بتسبيحه بإثبات ما له من الواجبات بعد نفي المستحيلات كما أشار إليه "سبحانك وبحمدك": {الأعلى *} أي الذي له وصف الأعلوية في المكانة لا المكان على الإطلاق عن كل شائبة نقص وكل سوء من الإلحاد في شيء من أسمائه بالتأويلات الزائغة وإطلاقه غلى غيره مع زعم أنهما فيه سواء، وذكره خالياً عن التعظيم وغير ذلك ليكون راسخاً في التنزيه فيكون من أهل العرفان الذين يضيئون على الناس مع كونهم في الرسوخ كالأوتاد الشامخة التي هي مع علوها لا تتزحزح، وقد ذكر سبحانه هذا المعنى معبراً عنه بجميع جهاته الأربع في ابتداء سور أربع استيعاباً لهذه الكلمة الحسنى الشريفة من جميع جهاتها. فابتدأ سورة الإسراء التي هي سورة الإحسان بـ"سبحان" المصدر الصالح لجميع معانيه إعلاماً بأن هذا المعنى ثابت له مطلقاً غير مقيد بشيء من زمان أو غيره، ثم ثنى بالماضي في أول الحديد والحشر والصف تصريحاً بوقوع ما أفهمه المصدر في الماضي الذي يشمل أزل الآزال إلى وقت الإنزال، ثم ثلث في أول الجمعة والتغابن بالمضارع لأن يفهم مع ما أفهم المصدر والماضي دوام التجدد، فلما تم ذلك من جميع وجوهه توجه الأمر فخصت به سورته، وقد مضى في أول الحديد والجمعة ما يتمم هذا. ولما كان الإبداع أدل ما يكون مع التنزه على الكمال لا سيما النور الذي هو سبب الانكشاف والظهور، مع أنه تفصيل لقوله "مم خلق" وهو أدل شيء على البعث المذكور "في يوم تبلى السرائر" قال مبيناً للفاعل الذي أبهمه لوضوحه في "مم خلق" مرغباً في الفكر في أفعاله سبحانه وتعالى الذي هو السبب الأقرب للسعادة بالدلالة عليه بما له من الجائزات بعد الترغيب في الذكر الذي هو المهيىء للفكر: {الذي خلق} أي أوجد من العدم أي له صفة الإيجاد لكل ما أراده لا يعسر عليه شيء {فسوّى} أي أوقع مع الإيجاد وعقبه التسوية في كل خلق بأن جعل له ما يتأتى معه كماله ويتم معاشه، وعدل بين الأمزجة الأربعة الماء والهواء والنار بعد أن قهرها على الجمع مع التضاد لئلا تتفاسد، وذلك بالعلم التام والقدرة الكاملة دلالة على تمام حكمته وفعله بالاختيار. وقال الاستاذ أبو جعفر بن الزبير: لما قال سبحانه وتعالى مخبراً عن عمه الكفار في ظلام حيرتهم{أية : إنهم يكيدون كيداً}تفسير : [الطارق: 15] وكان وقوع ذلك من العبيد المحاط بأعمالهم ودقائق أنفاسهم وأحوالهم من أقبح مرتكب وأبعده عن المعرفة بشيء من عظيم أمر الخالق جل جلاله وتعالى علاؤه وشأنه، أتبع سبحانه ذلك بأمر نبيه صلى الله عليه وسلم بتنزيه ربه الأعلى عن شنيع اعتدائهم وافك افترائهم، فقال {سبح اسم ربك الأعلى} [الأعلى:1] أي نزهه عن قبيح مقالهم، وقدم التنبيه على التنزيه في أمثال هذا ونظائره ووقوع ذلك أثناء السور فيما بين سورة وأخرى، وأتبع سبحانه وتعالى من التعريف بعظيم قدرته وعليّ حكمته بما يبين ضلالهم فقال {الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى} [الأعلى: 2 - 3] فتبارك الله أحسن الخالقين، وتنزه عما يتقوله المفترون - انتهى. ولما كان جعل الأشياء على أقدار متفاوته مع الهداية إلى ما وقع الخلق له على أوجه متفاضلة مع التساوي في العناصر مما يلي التسوية، وهو من خواص الملك الذي لا يكون إلا مع الكمال، أتبعه به بالواو دلالة على تمكن الأوصاف فقال: {والذي قدر} أي أوقع تقديره في أجناس الأشياء وأنواعها وأشخاصها ومقاديرها وصفاتها وأفعالها وآجالها، وغير ذلك من أحوالها، فجعل البطش لليد والمشي للرجل والسمع للأذن والبصر للعين ونحو ذلك {فهدى} أي أوقع بسبب تقديره وعقبه الهداية لذلك الذي وقع التقدير من أجله من الشكل والجواهر والأعراض التي هيأه بها لما يليق به طبعاً أو اختياراً بخلق الميول والإلهامات، ونصب الدلائل والآيات لدفع الشرور وجلب الخيور، فترى الطفل أول ما يقع من البطن يفتح فاه للرضاعة، وغيره من سائر الحيوانات، يهتدي إلى ما ينفعه من سائر الانتفاعات، فالخلق لا بد له من التسوية ليحصل الاعتدال، والتقدير لا بد له من الهداية ليحصل الكمال. ولما كانت دلائل التوحيد تارة بالنفس وتارة بالآفاق، ونبه بآيات النفس، فلم يبق إلا آيات الآفاق، وكان النبات من آياتها أدل المخلوقات على البعث قال: {والذي أخرج} أي أوقع إخراج {المرعى *} بما أنزل من المعصرات فأنبت ما ترعاه الدواب من النجم وغيره بدءاً وإعادة، فدل ذلك على تمام قدرته لا سيما على البعث لأنه سبحانه وتعالى أقدر على جمع الأموات من الأرض بنفسه بعد أن تفتتوا من الماء على جمعه للنبات الذي كان تفتت في الأرض وصار تراباً وإخراجه كما كان في العام الماضي بإذنه سبحانه وتعالى وهو خلق من مخلوقاته. ولما كان إيباسه وتسويده بعد اخضراره ونموه في غاية الدلالة على تمام القدرة وكمال الاختيار بمعاقبة الأضداد على الذات الواحدة قال تعالى: {فجعله} أي بعد أطوار من زمن إخراجه {غثاء} أي كثيراً، ثم أنهاه فأيبسه وهشمه ومزقه فجمع السيل بعضه إلى بعض فجعله زبداً وهالكاً وبالياً وفتاتاً على وجه الأرض {أحوى *} أي في غاية الري حتى صار أسود يضرب إلى خضرة، أو أحمر يضرب إلى سواد، أو اشتدت خضرته فصارت تضرب إلى سواد، وقال القزاز رحمه الله في ديوانه: الحوة شية من شيات الخيل، وهى بين الدهمة والكمتة، وكثر هذا حتى سموا كل أسود أحوى - انتهى. فيجوز أن يريد حينئذ أنه أسود من شدة يبسه فحوته الرياح وجمعته من كل أوب حيت تفتت، فكل من الكلمتين فيها حياة وموت، وأخر الثانية لتحملهما لأن دلالتها على الخضرة أتم، فلو قدمت لم تصرف إلى غيرها، فدل جمعه بين الأضداد على الذات الواحدة على كمال الاختيار، وأما الطبائع فليس لها من التأثير الذي أقامها سبحانه فيه إلا الإيجابي كالنار متى أصابت شيئاً أحرقته، ولا تقدر بعد ذلك أن تنقله إلى صفة أخرى غير التي أثرتها فيه، وأشار بالبداية والنهاية إلى تذكر ذلك، وأنه على سبيل التكرار في كل عام الدال على بعث الخلائق، وخص المرعى لأنه أدل على البعث لأنه مما ينبته الناس، وإذا انتهى تهشم وتفتت وصار تراباً، ثم يعيده سبحانه بالماء على ما كان عليه سواء كما يفعل بالأموات سواء - من غير فرق أصلاً. ولما استوفى سبحانه وتعالى وصف من أمره صلى الله عليه وسلم بتسبيحه بما دل على أوصاف جماله ونعوت كبريائه وجلاله، وشرح ما له سبحانه من القدرة التامة على الإبداع والهداية والتصرف في الأرواح الحسية والمعنوية بالنشر والطي والقبض والبسط، فدل على تمام أصول الدين بالدلالة على وجوده سبحانه على سبيل التنزل من ذاته إلى صفاته ثم إلى أفعاله فتم ما للخالق، أتبعه ما للخلائق وبدأ بما لأشرف خلقه المنزل عليه هذا الذكر تقديراً للنبوة التي بها تتم السعادة بالحقائق الواصلة من الحق إلى عبده، التي بها يتم أمره من القوتين العلمية ثم العملية بقبول الرسالة بعد التوحيد، لأن حياة الإنسان لا يتم طيبها إلا بمقتدي يقتدى به من أقواله وأفعاله وسائر أحواله، ولا مقتدي مثل المعصوم عن كل ميل الموجب ذلك الحب من كل ما يعرف حاله، والحب في الله أعظم دعائم الدين، فقال معللاً للأمر بالتسبيح للموصوف بالجلال والجمال دالاً على أنه يحيي ميت الأرواح بالعلم كما يحيي ميت الأشباح بالأرواح {سنقرئك} أي نجعلك بعظمتنا بوعد لا خلف فيه على سبيل التكرار بالتجديد والاستمرار قارئاً، أي جامعاً لهذا الذكر الذي هو حياة الأرواح بمنزلة حياة الأشباح، الذي تقدم أنه قول فصل، عالماً به كل علم، ناشراً له في كل حي، فارقاً به بين كل ملتبس، وإن كانت أميّاً لا تحسن الكتابة ولا القراءة، ولذلك سبب عنه قوله: {فلا تنسى *} أي شيئاً منه ولا من غيره ليكون في ذلك آيتان: كونك تقرأ وأنت أمي، وكونك تخبر عن المستقبل فيكون كما قلت فلا تحرك به لسانك عند التنزيل لتعجل به ولا تتعب نفسك فإن علينا حفظه في صدرك وإنطاق لسانك به.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال‏:‏ نزلت سورة ‏ {‏سبح‏} ‏ بمكة‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن الزبير قال‏:‏ أنزلت سورة {‏سبح اسم ربك الأعلى‏} ‏ بمكة‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت‏:‏ نزلت سورة ‏ {‏سبح اسم ربك‏}‏ بمكة‏.‏ وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة والبخاري عن البراء بن عازب قال‏:‏ أول من قدم علينا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير وابن أم مكتوم فجعلا يقرئاننا القرآن، ثم جاء عمار وبلال وسعد، ثم جاء عمر بن الخطاب في عشرين، ثم جاء النبي صلى الله عليه وسلم فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم به، حتى رأيت الولائد والصبيان يقولون‏:‏ هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جاء فما جاء حتى قرأت ‏{‏سبح اسم ربك الأعلى‏}‏ في سور مثلها‏.‏ وأخرج أحمد والبزار وابن مردويه عن علي قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب هذه السورة ‏{‏سبح اسم ربك الأعلى‏}‏ ‏.‏ وأخرج أبو عبيد عن تميم قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏إني نسيت أفضل المسبحات فقال أبيّ بن كعب فلعلها ‏ {‏سبح اسم ربك الأعلى‏} ‏ قال‏:‏ نعم ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة عن النعمان بن بشير أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في العيدين ويوم الجمعة بـ ‏ {‏سبح اسم ربك الأعلى‏}‏ و ‏{أية : ‏هل أتاك حديث الغاشية‏} تفسير : [الغاشية: 1‏]‏ وإن وافق يوم الجمعة قرأهما جميعا‏ً.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وابن ماجة عن أبي عتبة الخولاني أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الجمعة ‏ {‏سبح اسم ربك الأعلى‏}‏ و ‏{هل أتاك حديث الغاشية‏}.‏ وأخرج ابن ماجة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في العيد ‏{‏سبح اسم ربك الأعلى‏} ‏ و ‏{‏هل أتاك حديث الغاشية‏}.‏ وأخرج أحمد وابن ماجة والطبراني عن سمرة بن جندب أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في العيدين ‏ {‏سبح اسم ربك الأعلى‏}‏ و ‏{هل أتاك حديث الغاشية‏}.‏ وأخرج البزار عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الظهر والعصر بـ ‏{‏سبح اسم ربك الأعلى‏} و ‏{‏هل أتاك حديث الغاشية‏}.‏ وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم عن جابر بن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الظهر بـ ‏ {‏سبح اسم ربك الأعلى‏}‏ ‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم والبيهقي في سننه عن عمران بن حصين ‏ ‏‏حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر فلما سلم قال‏: "هل قرأ أحد منكم بـ ‏{‏سبح اسم ربك الأعلى‏} فقال رجل‏:‏ أنا‏.‏ قال‏:‏ قد علمت أن بعضكم خالجنيها"‏ ‏‏.‏ تفسير : وأخرج أبو داود والنسائي وابن ماجة وابن حبان والدارقطني والحاكم والبيهقي عن أبيّ بن كعب قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر بـ ‏ {‏سبح اسم ربك الأعلى‏} ‏ و ‏{‏أية : قل يا أيها الكافرون‏} تفسير : [الكافرون: 1‏].‏ وأخرج أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والحاكم وصححه والبيهقي عن عاشة قالت‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الوتر في الركعة الأولى بـ ‏{‏سبح‏} ‏ وفي الثانية ‏{‏قل يا أيها الكافرون‏} وفي الثالثة ‏{أية : ‏قل هو الله أحد‏}‏تفسير : ‏[الاخلاص: 1‏]‏ والمعوذتين‏.‏ وأخرج البزار عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الوتر بـ ‏{‏سبح اسم ربك الأعلى‏} ‏ و ‏{‏قل يا أيها الكافرون‏} و ‏{‏قل هو الله أحد‏}‏‏.‏ وأخرج محمد بن نصر عن أنس مثله‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن جابر بن عبدالله قال‏:‏ ‏حديث : أمَّ معاذ قوماً في صلاة المغرب فمر به غلام من الأنصار، وهو يعمل على بعير له، فأطال بهم معاذ، فلما رأى ذلك الغلام ترك الصلاة وانطلق في طلب بعيره، فرفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ ‏"أفتان أنت يا معاذ، ألا يقرأ أحدكم في المغرب بـ ‏{‏سبح اسم ربك الأعلى‏}‏ ‏{‏والشمس وضحاها‏} [الشمس: 1]‏" ‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن ماجة عن جابر أن معاذ بن جبل صلى بأصحابه العشاء فطول عليهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏اقرأ ‏(‏بالشمس وضحاها‏)‏ و ‏{‏سبح اسم ربك الأعلى‏}‏ ‏{‏والليل إذا يغشى‏} ‏[الليل: 1‏]‏ و ‏{‏اقرأ باسم ربك الأعلى‏}‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال‏:‏ ‏"‏قلنا يا رسول الله كيف نقول في سجودنا‏؟‏ فأنزل الله ‏ {‏سبح اسم ربك الأعلى‏}‏ فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقول في سجودنا سبحان ربي الأعلى‏"‏‏.‏ وأخرج ابن سعد عن الكلبي قال‏:‏ ‏"‏حديث : وفد حضرمي بن عامر على النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ أتقرأ شيئاً من القرآن‏؟ فقرأ (‏سبح اسم ربك لأعلى، الذي خلق فسوّى، والذي قدر فهدى، والذي أمتن على الحبلى، فأخرج منها نسمة تسعى بين شغاف وحشا)‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ "لا تزيدنّ فيها فإنها شافية كافية‏" ‏‏.‏ تفسير : أخرج أحمد وأبو داود وابن ماجة وابن المنذر وابن مردويه عن عقبة بن عامر الجهني قال‏:‏ حديث : لما أنزلت ‏{‏فسبح باسم ربك العظيم‏} [الواقعة: 74‏]‏ قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ "‏اجعلوها في ركوعكم" فلما نزلت ‏{‏سبح اسم ربك الأعلى‏}‏ قال‏: "‏اجعلوها في سجودكم‏" ‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد وأبو داود وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عباسحديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ ‏ {‏سبح اسم ربك الأعلى‏}‏ قال‏:‏ سبحان ربي الأعلى‏ ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير عن ابن عباس أنه كان إذا قرأ ‏ {‏سبح اسم ربك الأعلى‏} ‏ قال‏:‏ سبحان ربي الأعلى. وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس قال‏:‏ إذا قرأت ‏ {‏سبح اسم ربك الأعلى‏}‏ فقل‏:‏ سبحان ربي الأعلى‏.‏ وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن الأنباري في المصاحف عن علي بن أبي طالب أنه قرأ ‏{‏سبح اسم ربك الأعلى‏} ‏ فقال‏:‏ سبحان ربي الأعلى، وهو في الصلاة فقيل له‏:‏ أتزيد في القرآن قال‏:‏ لا إنما أمرنا بشيء فقلته‏.‏ وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن أبي موسى الأشعري أنه قرأ في الجمعة ‏ {‏سبح اسم ربك الأعلى‏} ‏ فقال‏:‏ سبحان ربي الأعلى‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه عن سعيد بن جبير قال‏:‏ سمعت ابن عمر يقرأ ‏ {‏سبحان اسم ربك الأعلى‏} ‏ فقال‏:‏ سبحان ربي الأعلى‏.‏ قال‏:‏ كذلك هي قراءة أبيّ بن كعب‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن عبدالله بن الزبير أنه قرأ ‏{‏سبح ربك الأعلى‏} ‏ فقال‏:‏ سبحان ربي الأعلى، وهو في الصلاة‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك أنه كان يقرؤها كذلك ويقول‏:‏ من قرأها فليقل سبحان ربي الأعلى‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال‏:‏ ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأها قال‏:‏ سبحان ربي الأعلى‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن عمر أنه كان إذا قرأ ‏{‏سبح اسم ربك الأعلى‏} ‏ قال‏:‏ سبحان ربي الأعلى أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏ {‏والذي قدر فهدى‏}‏ قال‏:‏ هدى الإِنسان للشقوة والسعادة، وهدى الأنعام لمراتعها‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن إبراهيم ‏ {‏والذي أخرج المرعى‏}‏ قال‏:‏ النبات‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏فجعله غثاء‏}‏ قال‏:‏ هشيماً ‏{‏أحوى‏}‏ قال‏:‏ متغيرا‏ً.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله‏:‏ ‏ {‏فجعله غثاء أحوى‏} ‏ قال‏:‏ الغثاء الشيء البالي ‏{‏وأحوى‏} ‏ قال‏:‏ أصفر وأخضر وأبيض ثم ييبس حتى يكون يابساً بعد خضرة‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن مجاهد ‏ {‏فجعله غثاء أحوى‏} ‏ قال‏:‏ غثاء السيل، و ‏{‏أحوى‏}‏ قال‏:‏ أسود‏.‏ قوله‏:‏ تعالى‏:‏ ‏ {‏سنقرئك فلا تنسى‏}‏ الآيات‏.‏ أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏{‏سنقرئك فلا تنسى‏} ‏ قال‏:‏ كان يتذكر القرآن في نفسه مخافة أن ينسى‏.‏ وأخرج الطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال‏:‏ ‏"‏حديث : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتاه جبريل بالوحي لم يفرغ جبريل من الوحي حتى يزمل من ثقل الوحي حتى يتكلم النبي صلى الله عليه وسلم بأوله مخافة أن يغشى قلبه فينسى، فقال له جبريل‏:‏ لم تفعل ذلك‏؟‏ قال مخافة أن أنسى‏.‏ فأنزل الله ‏ {‏سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله‏}‏ فإن النبي صلى الله عليه وسلم نسي آيات من القرآن ليس بحلال ولا حرام، ثم قال له جبريل‏:‏ إنه لم ينزل على نبي قبلك إلا نسي وإلا رفع بعضه، وذلك أن موسى أهبط الله عليه ثلاثة عشر سفراً، فلما ألقى الألواح انكسرت وكانت من زمرد فذهب أربعة أسفار وبقي تسعة‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال‏:‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم يستذكر القرآن مخافة أن ينساه فقيل له‏:‏ كفيناك ذلك ونزلت ‏ {‏سنقرئك فلا تنسى‏}‏ ‏. وأخرج الحاكم عن سعد بن أبي وقاص نحوه‏.‏ وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ‏{‏سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله‏} ‏ يقول إلا ما شئت أنا فأنسيك‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله‏:‏ ‏{‏سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله‏}‏ قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينسى شيئاً إلا ما شاء الله ‏ {‏إنه يعلم الجهر وما يخفى‏} ‏ قال‏:‏ الوسوسة‏. وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ‏{‏إنه يعلم الجهر وما يخفى‏}‏ قال‏:‏ ما أخفيت في نفسك‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏ونيسرك لليسرى‏}‏ قال‏:‏ للخير‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله‏:‏ ‏{‏سيذكر من يخشى ويتجنبها الأشقى‏} ‏ قال‏:‏ والله ما خشي الله عبد قط إلا ذكره، ولا يتنكب عبد هذا الذكر زهداً فيه وبغضاً له ولأهله إلا شقي بين الأشقياء‏.‏ قوله‏:‏ تعالى‏:‏ ‏ {‏قد أفلح من تزكى‏} ‏ الآية‏.‏ أخرج البزار وابن مردويه عن جابر بن عبدالله عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏في قوله‏:‏ ‏{‏قد أفلح من تزكى‏}‏ قال‏:‏ من شهد أن لا إله إلا الله وخلع الأنداد وشهد أني رسول الله ‏{‏وذكر اسم ربه فصلى‏}‏ قال‏:‏ هي الصلوات الخمس والمحافظة عليها والاهتمام بمواقيتها‏ ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله‏:‏ ‏{‏قد أفلح من تزكى‏}‏ قال‏:‏ من الشرك ‏ {‏وذكر اسم ربه‏} ‏ قال‏:‏ وحد الله ‏ {‏فصلى‏} ‏ قال‏:‏ "الصلوات الخمس‏".‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية عن عكرمة رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏قد أفلح من تزكى‏} ‏ قال‏:‏ من قال لا إله إلا الله‏.‏ وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات من طريق عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله‏:‏ ‏{‏قد أفلح من تزكى‏} ‏ قال‏:‏ من قال لا إله إلا الله‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عطاء رضي الله عنه قال‏:‏ ‏ {‏قد أفلح من تزكى‏} ‏ قال‏:‏ من آمن‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء رضي الله عنه قال‏:‏ ‏{‏قد أفلح من تزكى‏} ‏ قال‏:‏ من أكثر الاستغفار‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏قد أفلح من تزكى‏} ‏ قال‏:‏ بعمل صالح‏.‏ وأخرج البزار وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم في الكنى وابن مردويه والبيهقي في سننه بسند ضعيف عن كثير بن عبدالله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده حديث : عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يأمر بزكاة الفطر قبل أن يصلي صلاة العيد ويتلو هذه الآية ‏{‏قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى‏}‏ وفي لفظ قال‏:‏‏ سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن زكاة الفطر قال‏:‏ {‏قد أفلح من تزكى‏} فقال‏: "‏هي زكاة الفطر" ‏‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ حديث : ‏{‏قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى‏}‏ ثم يقسم الفطرة قبل أن يغدو إلى المصلى يوم الفطر‏ .‏ تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ‏ {‏قد أفلح من تزكى‏}‏ قال‏:‏ أعطى صدقة الفطر قبل أن يخرج إلى العيد ‏ {‏وذكر اسم ربه فصلى‏}‏ قال‏:‏ خرج إلى العيد فصلى‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏قد أفلح من تزكى‏}‏ قال‏:‏ زكاة الفطر‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه أن عبدالله بن عمر كان يقدم صدقة الفطر حين يغدو ثم يغدو وهو يتلو ‏ {‏قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى‏}‏‏ .‏ وأخرج ابن مردويه والبيهقي عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنه قال‏:‏ إنما أنزلت هذه الآية في إخراج صدقة الفطر قبل صلاة العيد ‏ {‏قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى‏}‏ ‏.‏ وأخرج الطبراني عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏قد أفلح من تزكى‏} ‏ الآية قال‏:‏ إلقاء القمح قبل الصلاة يوم الفطر في المصلى‏.‏ وأخرج عبد بن حميد والبيهقي عن أبي العالية رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى‏} ‏ قال‏:‏ نزلت في صدقة الفطر، تزكي ثم تصلي‏.‏ وأخرج ابن جرير عن أبي خلدة رضي الله عنه قال‏:‏ دخلت على أبي العالية فقال لي إذا غدوت غداً إلى العيد فمر بي‏.‏ قال‏:‏ فمررت به، فقال‏:‏ هل طعمت شيئاً‏.‏ قلت‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ فأخبرني ما فعلت زكاتك‏؟‏ قلت‏:‏ قد وجهتها‏.‏ قال‏:‏ إنما أردتك لهذا. ثم قرأ ‏ {‏قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى‏} ‏ وقال‏:‏ إن أهل المدينة لا يرون صدقة أفضل منها ومن سقاية الماء‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء رضي الله عنه ‏ {‏قد أفلح من تزكى‏}‏ قال‏:‏ أدى زكاة الفطر‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن سيرين رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏{‏قد أفلح من تزكى‏} ‏ قال‏:‏ أدى صدقة الفطر ثم خرج فصلى بعدما أدى‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم النخعي رضي الله عنه قال‏:‏ قدم الزكاة ما استطعت يوم الفطر ثم قرأ ‏ {‏قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى‏}‏‏ .‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء رضي الله عنه قال‏:‏ قلت لابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ أرأيت قوله‏:‏ ‏ {‏قد أفلح من تزكى‏}‏ للفطر‏!‏ قال‏:‏ لم أسمع بذلك، ولكن الزكاة كلها، ثم عاودته فيها فقال لي‏:‏ والصدقات كلها‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه ‏ {‏قد أفلح من تزكى‏} ‏ يعني من ماله‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه ‏ {‏قد أفلح من تزكى‏} ‏ قال‏: من أرضى خالقه من ماله. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه ‏ {‏قد أفلح من تزكى‏} ‏ قال‏:‏ تزكى رجل من ماله، وتزكى رجل من خلقه‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير عن أبي الأحوص رضي الله عنه قال‏:‏ رحم الله امرأ تصدق ثم صلى ثم قرأ ‏ {‏قد أفلح من تزكى‏} ‏ الآية ولفظ ابن أبي شيبة من استطاع أن يقدم بين يدي صلاته صدقة فليفعل‏.‏ فإن الله يقول، وذكر الآية‏.‏ ‏وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي الأحوص رضي الله عنه قال‏:‏ لو أن الذي تصدق بالصدقة صلى ركعتين ثم قرأ ‏ {‏قد أفلح من تزكى‏} ‏ الآية‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق أبي الأحوص عن ابن مسعود رضي الله عنه قال‏:‏ إذا خرج أحدكم يريد الصلاة فلا عليه أن يتصدق بشيء لأن الله يقول‏:‏ ‏ {‏قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى‏}‏‏ .‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي الأحوص رضي الله عنه ‏{‏قد أفلح من تزكى‏} ‏ قال‏:‏ من رضخ‏.‏ أخرج عبد بن حميد عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه كان يقرأ ‏ {‏بل تؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة‏}‏ ‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر والطبراني والبيهقي في شعب الإِيمان عن عرفجة الثقفي قال‏:‏ استقرأت ابن مسعود ‏{‏سبح اسم ربك الأعلى‏} ‏ فلما بلغ ‏ {‏بل تؤثرون الحياة الدنيا‏}‏ ترك القراءة وأقبل على أصحابه، فقال‏:‏ آثرنا الدنيا على الآخرة فسكت القوم‏.‏ فقال‏:‏ آثرنا الدنيا لأنا رأينا زينتها ونساءها وطعامها وشرابها، وزويت عنا الآخرة فاخترنا هذا العاجل وتركنا الآجل وقال‏:‏ ‏"‏بل يؤثرون‏"‏ بالياء‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة ‏ {‏بل تؤثرون الحياة الدنيا‏} ‏ قال‏:‏ اختار الناس العاجلة إلا من عصم الله ‏ {‏والآخرة خير‏}‏ في الخير ‏{‏وأبقى‏}‏ في البقاء‏. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة ‏{‏بل تؤثرون الحياة الدنيا‏}‏ قال‏:‏ يعني هذه الأمة، وإنكم ستؤثرون الحياة الدنيا‏. وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن أنس رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏لا إله إلا الله تمنع العباد من سخط الله ما لم يؤثروا صفقة دنياهم على دينهم، فإذا آثروا صفقة دنياهم، ثم قالوا‏:‏ لا إله إلا الله ردت عليها وقال الله كذبتم‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي عن ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏لا يلقى الله أحد بشهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلا دخل الجنة ما لم يخلط معها غيرها، رددها ثلاثاً قال‏‏ قائل من قاصية الناس‏:‏ بأبي أنت وأمي يا رسول الله‏:‏ وما يخلط معها غيرها‏؟‏ قال‏: حب الدنيا وأثره لها وجمعا لها ورضا بها وعمل الجبارين ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏من أحب دنياه أضر بآخرته، ومن أحب آخرته أضر بدنياه، فآثروا ما يبقى على ما يفنى‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد عن عائشة رضي الله عنها قالت‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن موسى بن يسار رضي الله عنه أنه بلغه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏حديث : إن الله جل ثناؤه لم يخلق خلقاً أبغض إليه من الدنيا، وإنه منذ خلقها لم ينظر إليها‏ ". تفسير : وأخرج البيهقي عن الحسن رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏حب الدنيا رأس كل خطيئة ‏"‏‏.‏ تفسير : أخرج البزار وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ لما نزلت ‏ {‏إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى‏} ‏ قال‏:‏ رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : هي كلها في صحف إبراهيم وموسى‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله‏:‏ ‏ {‏إن هذا لفي الصحف الأولى‏} ‏ قال‏:‏ نسخت هذه السورة من صحف إبراهيم وموسى، ولفظ سعيد‏:‏ هذه السورة في صحف إبراهيم وموسى، ولفظ ابن مردويه‏:‏ وهذه السورة وقوله‏:‏ {أية : ‏وإبراهيم الذي وفى‏}‏تفسير : ‏[النجم: 37‏]‏ إلى آخر السورة من صحف إبراهيم وموسى‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي أن هذه السورة في صحف إبراهيم وموسى مثل ما نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية رضي الله عنه {‏إن هذا لفي الصحف الأولى‏} ‏ يقول‏:‏ قصة هذه السورة في الصحف الأولى‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه ‏ {‏إن هذا لفي الصحف الأولى‏}‏ قال‏:‏ تتابعت كتب الله كما تسمعون إن الآخرة خير وأبقى‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه ‏ {‏إن هذا لفي الصحف الأولى‏} ‏ الآية قال‏:‏ في الصحف الأولى إن الآخرة خير من الدنيا‏.‏ وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن عكرمة رضي الله عنه ‏ {‏إن هذا لفي الصحف الأولى‏} ‏ قال‏:‏ هو الآيات‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه ‏{‏إن هذا لفي الصحف الأولى‏} ‏ قال‏:‏ في كتب الله كلها‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه وابن عساكر عن أبي ذر رضي الله عنه قال‏:‏ ‏"‏حديث : قلت يا رسول الله كم أنزل الله من كتاب‏؟‏ قال مائة كتاب وأربعة كتب، أنزل على شيث خمسين صحيفة، وعلى ادريس ثلاثين صحيفة، وعلى إبراهيم عشر صحائف، وعلى موسى قبل التوراة عشر صحائف، وأنزل التوراة والإِنجيل والزبور والفرقان‏. قلت يا رسول الله‏:‏ فما كانت صحف إبراهيم‏؟‏ قال‏:‏ أمثال كلها أيها الملك المتسلط المبتلي المغرور لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض، ولكن بعثتك لترد عني دعوة المظلوم، فإني لا أردها ولو كانت من كافر، وعلى العاقل ما لم يكن مغلوباً على عقله أن يكون له ثلاث ساعات ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه ويتفكر فيما صنع، وساعة يخلو فيها لحاجته من الحلال، فإن في هذه الساعة عوناً لتلك الساعات واستجماعاً للقلوب وتفريغاً لها، وعلى العاقل أن يكون بصيراً بزمانه مقبلاً على شأنه حافظاً للسانه، فإن من حسب كلامه من عمله أقل الكلام إلا فيما يعنيه، وعلى العاقل أن يكون طالباً لثلاث مرمة لمعاش، أو تزوّد لمعاد، أو تلذذ في غير محرم‏.‏ قلت يا رسول الله‏:‏ فما كانت صحف موسى‏؟‏ قال‏:‏ كانت عبراً كلها عجبت لمن أيقن بالموت كيف يفرح، ولمن أيقن بالموت ثم يضحك، ولمن يرى الدنيا وتقلبها بأهلها ثم يطمئن إليها، ولمن أيقن بالقدر ثم ينصب، ولمن أيقن بالحساب ثم لا يعمل‏. قلت يا رسول الله‏:‏ هل أنزل عليك شيء مما كان في صحف إبراهيم وموسى‏؟‏ قال‏:‏ يا أبا ذر نعم ‏{‏قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى‏} ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج البغوي في معجمه حديث : عن عبد الرحمن بن أبي شبرة رضي الله عنه أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم مع أبيه فسأله عن أشياء فقال‏:‏ يا رسول الله كم توتر‏؟‏ قال‏:‏ بثلاث ركعات تقرأ فيها بـ ‏{‏سبح اسم ربك الأعلى‏}‏ و ‏{‏قل يا أيها الكافرون‏}‏ [الكافرون: 1‏] و ‏{‏قل هو الله أحد‏}‏ ‏[الاخلاص: 1‏] ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج الطبراني عن عبدالله بن الحارث بن عبد المطلب قال‏:‏ صلاة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا المغرب فقرأ في الركعة الأولى ‏ {‏سبح اسم ربك الأعلى‏}‏ وفي الثانية‏:‏ ب ‏{قل يا أيها الكافرون‏}‏‏.‏

ابو السعود

تفسير : مكية وآيُها تسع عشرة {سَبِّحِ ٱسْمَ رَبّكَ ٱلأَعْلَىٰ} أي نزه اسَمُه عزَّ وجلَّ عن الإلحادِ فيه بالتأويلاتِ الزائغةِ وعن إطلاقِه على غيرِه بوجهٍ يُشعرُ بتشاركِهما فيهِ وعن ذكرِه لاَ عَلى وجهِ الإعظامِ والإجلالِ. والأعلى: إمَّا صفةُ للربِّ وهو الأظهرُ أو للاسمِ. وقُرِىءَ سُبحانَ ربِّـيَ الأَعْلَى. وفي الحديثِحديث : لما نزلتْ فسبح باسمِ ربِّكَ العظيمِ، قال عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ اجعلُوها في ركوعِكم، فلمَّا نزلَ سبحِ اسمَ ربِّك الأَعْلَى، قالَ "اجعلُوها في سُجودِكم"تفسير : . وكانُوا يقولونَ في الركوعِ اللهمَّ لكَ ركعتُ، وفي السجودِ اللَّهم لكَ سجدتُ. {ٱلَّذِى خَلَقَ فَسَوَّىٰ} صفةٌ أُخرى للربِّ على الوجهِ الأولِ، ومنصوبٌ على المدحِ، على الثَّانِي لئلا يلزمَ الفصلُ بـين الموصوفِ والصفةِ بصفةِ غيرِه، أيْ خلقَ كلَّ شيءٍ فسوَّى خلقَهُ، بأنْ جعلَ له ما به يتأتَّى كمالُه ويتسنَّى معاشُه، وقولُه تعالَى: {وَٱلَّذِى قَدَّرَ} إمَّا صفةٌ أُخْرى للربِّ كالموصول الأولِ، أو معطوفٌ عليهِ وكذا حالُ ما بعدَهُ. قدَّرَ أجناسَ الأشياءِ وأنواعِها وأفرادَها ومقاديرَها وصفاتِها وأفعالَها وآجالَها {فَهَدَىٰ} أيْ فوجَّه كلَّ واحدٍ منَها إلى ما يصدرُ عنْهُ وينبغِي لهُ طبعاً أو اختياراً، ويسرهُ لما خُلقَ له بخلقِ الميولِ والإلهاماتِ ونصبُ الدلائلِ وإنزالِ الآياتِ ولو تتبعتَ أحوالَ النباتاتِ والحيواناتِ لرأيتَ في كلَ منَها ما تحارُ فيه العقولُ. يُروى أنَّ الأفعَى إذَا بلغتْ ألفَ سنةٍ عميتْ وقدْ ألهمَها الله تعالَى أنْ تمسحَ عينَها بورقِ الرازيانجِ الغضِّ، يُردُّ إليها بصرُها، فربَّما كانتْ عندَ عُروضِ العَمَى لها في بريةٍ بـينَها وبـين الريفِ مسافةٌ طويلةٌ فتطويها حتى تهجمَ في بعضِ البساتينِ على شجرة الرازيانجِ لا تُخطئها فتحكَّ عينَها بورَقِها، وترجعَ باصرةً بإذنِ الله عزَّ وجلَّ. ويُروى أنَّ التمساحَ لا يكونُ له دُبرٌ وإنَّما يخرجُ فضلاتِ ما يأكلُه من فمِه حيثُ قيَّضَ الله له طائراً قُدِّر غذاؤُه من ذلكَ، فإذَا رآهُ التمساحُ يفتحُ فمَهَ فيدخُلُه الطائرُ فيأكلُ ما فيهِ، وقد خلقَ الله تعالى له من فوقِ منقارِه ومن تحتِه قرنينِ لئلا يطبقَ عليه التمساحُ فمَهُ. هَذا وأمَّا فنونُ هداياتِه سبحانَهُ وتعالَى للإنسانِ من حيثُ الجسميةُ ومن حيثُ الحيوانيةُ لا سيِّما من حيثُ الإنسانيةُ فممَّا لا يحيطُ به فلكُ العبارةِ والتحريرُ ولا يعلمُه إلا العليمُ الخبـيرُ.

التستري

تفسير : قوله تعالى: {سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ}[1] قال: هو تنزيهه عن الأضداد والأنداد في الظاهر، وفي الباطن مشاهدته بالذكر في الصلاة دون مشاهدة غيره.

السلمي

تفسير : قال بعضهم: نزِّه اسم ربك فى تسبيحك له. وقال نزه لسانك بعد ذكرك ربك عن لغوٍ وكذب.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ}. أي سَبِّحْ ربَّك بمعرفة أسمائه، واسبح بسِرِّك في بحار علائه، واستخرِجْ من جواهر عُلوِّه وسنائه ما ترصِّعُ به عِقْدَ مَدْحِه وثنائه. {ٱلَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ}. خَلق كلَّ ذي روحٍ فسوَّى أجزاءَه، ورَكَّبَ أعضاءَه على ما خَصّه به من النظم العجيب والتركيب البديع. {وَٱلَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ}. أي قدَّر ما خَلَقَه، فجَعَلَه على مقدار ما أراده، وهدى كلَّ حيوانٍ إلى ما فيه رشده من المنافع، فيأخذ ما يُصْلِحه ويترك ما يضره - بحُكم الإلهام. ويقال: هَدَى قلوبَ الغافلين إلى طلب الدنيا فعمروها، وهدى قلوبَ العابدين إلى طلب العقبى فآثروها، وهدى قلوبَ الزاهدين إلى فناء الدنيا فرفضوها، وهدى قلوبَ العلماءِ إلى النظر في آياته والاستدلال بمصنوعاته فعرفوا تلك الآيات ولازموها. وهدى قلوبَ المريدين إلى عِزِّ وَصْفِه فآثروه، واستفرغوا جُهْدَهم فطلبوه، وهدى العارفين إلى قُدْس نعتِه فراقبوه ثم شاهدوه، وهدى الموحِّدين إلى علاء سلطانه في توحد كبريائه فتركوا ما سواه وهجروه، وخرجوا عن كلِّ مألوفٍ لهم ومعهود حتى قصدوه. فلمّا ارتقوا عن حدِّ البرهان ثم عن حدِّ البيان ثم عمَّا كالعيان عَلِموا أنَّه عزيزٌ، وأنَّه وراءَ كلِّ فَصْلٍ ووَصْلٍ، فرجعوا إلى مواطنِ العَجْزِ فتوسَّدوه. {وَٱلَّذِيۤ أَخْرَجَ ٱلْمَرْعَىٰ}. أي النبات. {فَجَعَلَهُ غُثَآءً أَحْوَىٰ}. جعله هشيماً كالغثاء، وهو الذي يقذفه السيل. و "أحوى" أسود.

البقلي

تفسير : اى نزه اسمه باسمه عن ان يكون له سميا من العرش الى الثرى حتى يكون بقدس اسمه مقدسا عن رؤية الاغيار ويصل القدس اسمه الى رؤية قدس الصفات ثم الى رؤية قدس الذات بدا بتنزيه الاسم رفقا به بان لا يضمحل الله فى سبحات الصفات وتجلى الذات قال بعضهم نزه لسانك بعد ذكرك ربك عن لغو وكذب قال الحريرى اى فرق اوهام الخلق عن كل ما يتوهمون اذا العرش حجاب.

اسماعيل حقي

تفسير : {سبح اسم ربك الأعلى} التسبيح التنزيه واسم الله لا يصح أن يطلق عليه بالنظر الى ذاته او باعتبار من صفاته السلبية كالقدوس او الثبوتية كالعليم او باعتبار فعل من أفعاله كالخالق ولكنها توقيفية عند بعض العلماء وقد سبق والأعلى صفة للرب ويجوز أن يكون صفة للاسم والاول أظهر ومعنى علوه تعالى أن يعلو عن أن يحيط به وصف الواصفين بل علم العارفين ومعنى أعلويته ان له الزيادة المطلقة فى العلو قال بعضهم ليس علوه علوجهة ولا كبره كبر جثة سبحانه عن ذلك بل علو استحقاق لنعوت الجلال والكبرياء فمن عرف علوه وكبرياءه تواضع وتذلل بين يديه عباده الصالحين والمعنى نزه اسمه عن الالحاد فيه بالتأويلات الزآئغة نحو أن يجعل الاعلى من العلو فى المكان لا من العلو فى الكمال وأن يؤخذ الاستوآء بمعنى الاستقرار لا بمعنى الاستيلاء وكذا نزهه عن اطلاقه على غيره بوجه يشعر بتشاركهما فيه كان يسمى الصنم والوثن بالرب والاله ومنه تسيمة العرب مسيلمة الكذاب برحمان اليمامة وكذا نزهه عن ذكره لاعلى وجه الاعظام والاجلال ويدخل فيه أن يذكر اسمه عند التثاؤب وحال الغائط وكذا بالغفلة وعدم الوقوف على معناه وحقيقته ومنه اكثار القسم بذكر اسمه من غير مبالاة وقال جرير فى الآية ارفع صوتك بذكره اى بذكر اسمه فان ذكر المدلول انما هو بذكر الاسم الدال عليه فظهر من هذا التقرير أن الاسم غير مقحم وقال بعضهم الاسم والمسمى هنا واحد اى نزه ذاته عما يدخل فى الوهم والخيال وفى الحديث لما نزلت فسبح باسم ربك العظيم قال عليه السلام حديث : اجعلوها فى ركوعكم فلما نزل سبح اسم ربك الأعلى قال اجعلوها فى سجودكمتفسير : وكانوا يقولون فى الركوع اللهم لك ركعت وفى السجود اللهم لك سجدت وفى الحديث دلالة على ان لفظ الاسم مقحم قاله سعدى المفتى وعلى ان الامتثال بالامر يحصل بأن يقول سبحان ربى الاعلى الذى الخ فان قوله سبح أمر بالتسبيح فلا بد وأن يذكر ذلك التسبيح وما هو الاقول سبحان ربى الأعلى ومثله سبحان ربك العزة فان معناه نزه ربك العزة فيحصل الامتثال بان يقول سبحان ربنا رب العزة على معنى تنزه ربنا رب العزة وقس على ذلك سائر المواقع المأمور بها وسر اختصاص سبحان ربى العظيم بالركوع والاعلى بالسجود ان الاول اشارة الى مرتبة الحيوان والثانى اشارة الى مرتبة النبات والجماد فلا بد من الترقى فى التنزيه وكان عليه السلام وجيوشه اذا علوا الثنايا كبروا واذا هبطوا سجدوا فوضعت الصلاة على ذلك قال حضرة الشيخ صدر الدين القنوى قدس سره فى شرح الحديث اعلم ان الرفعة والارتفاع استعلاء وانه من التكبر فان كان الاستعلاء ظاهرا فهو صورة من صور التكبر وان كان باطنا فهو معنى التكبر ولما كان الكبرياء لله وحده وكان فى الصعود على الثنايا ضرب من الاستعلاء موجود وشبيه به ايضا لذلك يوهم الاشتراك واما الامر بالتسبيح فى الهبوط فهو من أجل سر لمعية المشار اليها بقوله تعالى {أية : هو معكم أينما كنتم}تفسير : فاذا امنا انه معنا أينما كنا فحال كوننا فى هبوط يكون معنا وهو يتنزه عن التحت والهبوط لانه سبحانه فوق التحت كما الفوق انه فوق ونسبة الجهات اليه على السوآء لنزاهته عن التقيد بالجهات واحاطته بها فلهذا شرع التكبير فى الصعود والتسبيح فى الهبوط على الوجه المنبه عليه انتهى وأول من قال سبحان ربى الأعلى ميكائيل عليه السلام وذلك انه خطر بباله عظمة الرب تعالى فقال يا رب اعطنى قوة حتى انظر الى عظمتك وسلطانك فأعطاه قوة أهل السموات فطار خمسة آلاف سنة حتى احترق جناحه من نور العرش ثم سأل القوة فأعطاه قوة ضعف ذلك وجعل يطير ويرتفع عشرة آلاف سنة حتى احترق جناحه وصار فى آخره كالفرخ ورأى الحجاب والعرش على حاله فخر ساجدا وقال سبحان ربى الأعلى ثم سأل ربه أن يعيده الى مكانه والى حالته الاولى ذكره أبو الليث فى تفسيره وقال النبى عليه السلام حديث : يا جبرآئيل اخبرنى عن ثواب من قال سبحان ربى الأعلى فى صلاته او فى غير صلاته فقال يا محمد ما من مؤمن ولا مؤمنة يقولها فى سجوده او فى غير سجوده الا كانت له فى ميزانه أثقل من العرش والكرسى وجبال الدنيا ويقول الله صدق عبدى أنا الأعلى وفوق كل شئ وليس فوقى شئ اشهدوا يا ملائكتى انى قد غفرت لعبدى وأدخلته جنتى فاذا مات زاره ميكائيل كل يوم فاذا كان يوم القيامة حمله على جناحة فيوقفه بين يديى الله فيقول يا رب شفعنى فيه فيقول قد شفعتك فيه اذهب به الى الجنةتفسير : ذكره ابن الشيخ فى حواشيه وفى الحديث "حديث : سبحان الله والحمد لله يملآن ما بين السموات والارض"تفسير : اى لاشتمال هاتين الكلمتين على كمال الثناء والتعريف بالصفات الذاتية والفعلية الظاهرة الآثار فى السموات والارض وما بينهما وقال القاشانى اسمه الأعلى والاعظم هو الذات مع جميع الصفات اى نزه ذاتك بالتجرد عما سوى الحق وقطع النظر عن الغير ليظهر عليها الكمالات الحقانية باسرها وهو تسبيحه الخاص به فى مقام الفناء لان الاستعداد التام القابل لجميع الصفات الاليهة لم يكن الاله فذاته هو الاسم الاعلى عند بلوغ كماله ولكل شئ تسبيح خاص يسبح به اسما خالصا من اسماء ربه.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {سَبّح اسمَ ربك} أي: نزّه اسمه تعالى عن الإلحاد فيه، بالتأويلات الزائغة، وعن إطلاقه على غيره بوجهٍ يوجب الاشتراك في معناه، فلا يُسمى به صنم ولا وثن ولا شيء مما سواه تعالى، قال تعالى: {أية : هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً}تفسير : [مريم:65] فلا يُقال لغيره تعالى: رب وإله، وإذا كان أَمَر بتنزيه اللفظ فتنزيه الذات أحرى، أو: نزّه اسمه عن ذكره لا على وجه الإجلال والإعظام، أو: نزّه ذاته المقدَّسة عما لا يليق بها، فيكون "اسم" صلة. و "الأعلى" صفة لرب، وهو الأظهر. وعُلوه تعالى: قهريته واقتداره، أو: تعاليه عن سمة الحدوث وعن مدارك العقول، فلا يُحيط به وصف واصف أو علم عارف، لا علو مكان. أو صفة للاسم، وعلوه بعلو مسماه، وقيل: قل: سبحان ربي الأعلى. لمّا نزل: {أية : فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ (74) }تفسير : [الواقعة:74] قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : اجعلوه في ركوعكم" تفسير : فلما نزل: {سبح اسم ربك الأعلى} قال: "حديث : اجعلوه في سجودكم " تفسير : وكانوا يقولون في الركوع: لك ركعت، وفي السجود: لك سجدت، فجعلوا هذا مكانه. {الذي خلق فسَوَّى} أي: خلق كل شيء فسَوَّى خلقه، ولم يأتِ به متفاوتاً غير متلائم، ولكن على إحكام وإتقان، دلالةً على أنه صادر عن عالم حكيم، أو: سَوَّاه على ما يتأتى به كماله ويتيسّر به معاشه، {والذي قَدَّر فهدى} أي: قّدَّر الأشياء في أزله، فهدى كل واحد إلى ما سبق له من شقاوة وسعادة، ورزقٍ وأجل، أو: ما قَدَّر لكل حيوان ما يُصلحه، فهداه إليه، وعرَّفه وجه الانتفاع به، فترى الولد بمجرد خروجه من بطن أمه يلتمس غذاه، وكذا سائر الحيوانات، فسبحان المدبِّر الحكيم: {الذي أخرج المرعى} أي: أنبت ما ترعاه الدواب غضًّا طريًّا، {فجعله} بعد ذلك {غُثاءً} يابساً هشيماً {أحوى}؛ أسود، فـ"أحوى" صفة لغُثاء، وقيل: حال من المرعى، أي: أخرجه أحوى من شدة الخضرة، فمضت مدة، فجعله غثاءً يابساً. وهذه الجمل الثلاث صفة للرب. ولمّا تغايرت الصفات وتباينت أتى لكل صفة بموصول. وعطف على كل صلة ما يترتب عليها. {سنُقرئك فلا تنسى} أي: سنعلمك القرآن فلا تنساه، وهو بيان لهدايته تعالى الخاصة برسوله صلى الله عليه وسلم، إثر بيان هدايته العامة لكافة مخلوقاته، وهي هدايته صلى الله عليه وسلم لتلقي الوحي، وحفظ القرآن الذي هو أهدى للعالمين، مع ضمانه له. والسين إمّا للتأكيد، وإمّا لأنَّ المراد إقراء ما أوحي إليه حنيئذٍ وما سيوحى إليه، فهو وعد كريم باستمرار الوحي في ضمن الوعد بالإقراء، أي: سنقرئك ما نوحي إليك الآن وفيما بعد على لسان جبريل عليه السلام، أو: سنجعلك قارئاً فلا تنسى أصلاً، من قوة الحفظ والإتقان مع أنك أُمِّي لا تدري ما الكتاب وما القراءة، ليكون ذلك آية أخرى لك, مع ما في تضاعيف ما تقرأ من الآيات البينات من حيث الإعجاز، ومن حيث الإخبار بالمغيبات. وقوله تعالى: {إلاَّ ماشاء اللهُ}: استثناء مفرغ من أعم المفاعيل، أي: فلا تنسى شيئاً من الأشياء إلاَّ ما شاء الله أن تنساه؛ بأن ننسخ تلاوته، وهذا إشارة من الله لنبيه أن يحفظ عليه الوحي، فلا يتفلت منه شيءٌ، إلاَّ ما شاء الله نسخه، فيذهب به عن حفظه، ويرفع حُكمه وتلاوته. قال الكواشي: إلاَّ ما شاء اللهُ أن ننسيكه على سبيل النسخ، أو تنساه ثم تذكره بعد. رُوي أنه صلى الله عليه وسلم أسقط آية في الصلاة، فظنّ أُبي أنها نُسخت، فسأله، فقال: "حديث : نسيتها"تفسير : ، قال الشيخ السنوسي: والمحققون على منع النسيان لشيءٍ من الأقوال البلاغية قبل التبليغ، لإجماع السلف، وأما بعد التبليغ، فجائز؛ لأنه من الأعراض البشرية. هـ. وفي الحديث: "حديث : إنما أنا بشَرٌ، أنسى كما تَنْسَوْن، فإذا نسيتُ فذكِّروني" تفسير : الحديث. فالسهو في حق الأنبياء جائز، لأنه من قهرية الربوبية، لتتميز به العبودية من الربوبية، فليس بنقصٍ في حقهم، بل كما، ليحصل التشريع والاقتداء. وقيل: "لا" ناهية، وإثبات الألف للفاصلة، كقوله: {أية : ٱلسَّبِيلاْ} تفسير : [الأحزاب:67] أي: لا تغفل عن قراءته وتكراره فتنساه، إلاَّ ما شاء الله أن ينسيك برفع تلاوته، وهو ضعيف. {إِنه يعلم الجهرَ وما يخفى} أي: يعلم ما ظهر وما بطن، التي من جملتها ما أوحى إليك، فينسى ما شاء اللهُ إنساءه، ويبقى محفوظاً ما شاء إبقاءه، أو: يعلم جهرك بالقراءة مع قراءة جبريل مخافة التفلُّت، وما في نفسك مما يدعوك إلى الجهر، أو: ما تقرأ في نفسك مخافة النسيان، وما تجهر به، أو: يعلم ما أعلنتم وما أسررتم من أقوالكم وأفعالكم، وما ظهر وما بطن من أحوالكم. قال الورتجبي: السر والعلانية عنده تعالى سواء، إذا هو يبصرهما ببصره القديم، ويعلمهما بالعلم القديم، وليس في القِدم نقص، بحيث يتفاوت عنده الظاهر والباطن؛ إذ هناك الظاهر هو الباطن، والباطن هو الظاهر؛ لأنَّ الظاهر ظهر من ظاهريته، والباطن من باطنيته. هـ. {ونُيسّرك لليُسرى}، معطوف على "سنقرئك" وما بينهما اعتراض، أي: ونوفّقك للطريقة التي هي أيسر وأسهل، وهي الشريعة السمحة التي هي أسهل الشرائع، أو: نوفّقك توفيقاً مستمراً للطريقة اليسرى في كل باب من أبواب الدين، علماً وتعليماً، هداية واهتداءً، فيندرج فيه تلقي الوحي والإطاحة بما فيه من الأحكام التشريعية السمحة، والنواميس الإلهية، مما يتعلق بتكميل نفس صلى الله عليه وسلم وتكميل غيره، كما يفصح عنه قوله: {فذَكِّر..} الخ. وتخصيص التيسير به عليه السلام، مع أنه يسري إلى غيره، للإيذان بقوة تمكنه صلى الله عليه وسلم من اليسرى والتصرُّف فيها، بحيث صار ذلك ملكة راسخة له، كأنه عليه السلام جُبل عليها. قاله أبو السعود. الإشارة: نزِّه ربك أن ترى معه غيره، وقدِّسه عن الحلول والاتحاد، قال القشيري: أي: سبِّح ربك بمعرفة أسمائه, واسبَح بسرّك في بحر عطائه، واستخرج من بواهر علوه وسناه ما ترفع به عند مدحه من ثنائه. هـ. قال الورتجبي: أي: نزِّه اسمه عن أن يكون له سميًّا، من العرش إلى الثرى، حتى يكون بقدس اسمه مقدساً عن رؤية الأغيار، ويصل بقدس اسمه إلى رؤية قدس الصفات، ثم إلى رؤية قدس الذات. هـ. (الأعلى) فوق كل شيء، والقريب دون كل شيء، فهو عليٌّ في قربه، قريب في علوه، ليس فوقه شيء، وليس دونه شيء، الذي خلق؛ أظهر الأشياءَ فسوَّى صورتها، وأتقن خلقها. والذي قدّر المراتب، فهدى إلى أسباب الوصول إليها، والذي أخرج المرعى، أي: ما ترعى في بهجته وحسن طلعته الأرواح من مظاهر الذات، وأنوار الصفات، فجعله غثاءً أحوى، فتلوّن من طلعة الجمال إلى قهرية الجلال. قال القشيري: أخرج المرعى: أي: المراتع الروحانية لأرباب الأرواح والأسرار والقلوب، لِيَرْعَوا فيها أعشاب المواهب الإلهية والعطايا اللاهوتية، وأخرج المراتع الجسمانية لأصحاب النفوس الأمَّارة والهوى المتبع، ليرتعوا فيها من كلأ اللذات الحيوانية الشهوانية. هـ. سنقرك: سنلهمك من العلوم والأسرار ما تعجز عنه العقول، فلا تنسى، إلاّ ما شاء اللهُ أن تنساه، إنه يعلم الجهر، أي: ما يصلح أن تجهر به من تلك العلوم، وما يخفى وما يجب إخفاءه عن غير أهله. ونُيسرك للطريقة اليُسرى، التي تُوصل إلى الحضرة الكبرى. قال القشيري: أي: طريق السلوك إلى الله وهي الجذبة الرحمانية التي توازي عمل الثقلين. هـ. فحينئذ تصلح للدعاء إلى الله والتذكير به، كما قال تعالى: {فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ ٱلذِّكْرَىٰ}.

الطوسي

تفسير : قرأ الكسائي وحده {قدر فهدى} خفيفاً. الباقون بالتشديد وهما لغتان على ما فسرناه فيما مضى. هذا امر من الله تعالى للنبي صلى الله عليه وآله ويدخل في ذلك جميع امته يأمرهم بأن يسبحوا الله، ومعناه ان ينزهوه عن كل ما لا يليق به من الصفات المذمومة والافعال القبيحة والاخلال بالواجبات، لان التسبيح هو التنزيه لله عما لا يجوز عليه كوصفه بأنه لا إله إلا هو، فينفي ما لا يجوز في صفته من شريك في عبادته مع الاقرار بأنه لا إله إلا هو وحده. وقال ابن عباس وقتادة: معنا {سبح...} قل سبحان ربي الأعلى، وروي أنه لما نزلت هذه السورة، قال النبي صلى الله عليه وآله "حديث : ضعوا هذا في سجودكم"تفسير : وقيل: معناه أن نزه إسم ربك بأن لا تسمي به سواه. وقيل: معناه نزه ربك عما يصفه به المشركون وأراد بالاسم المسمى، وقيل معناه صل باسم ربك الأعلى. وقيل: ذكر الاسم والمراد به تعظيم المسمى، كما قال الشاعر: شعر : إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر تفسير : والاعلى معناه القادر الذي لا قادر أقدر منه. وصفة الأعلى منقولة إلى معنى الاقدر حتى لو بطل معنى علوّ المكان لم يبطل أن يفهم بحقيقتها او هي غير مضمنة بغيرها ولم ينقل إلى صفة الارفع وإنما يعرف في رفعة المكان. وقوله {الذي خلق فسوى} نعت لقوله {ربك} وموضعه الجر ومعناه الذى خلق الخلق فسوى بينهم فى باب الاحكام. وقيل: معنا فسوى أي عدل خلقهم، فالتسوية الجمع بين الشيئين بما هما فيه {والذي قدر فهدى} فالتقدير تنزيل الشيء على مقدار غيره، فالله تعالى خلق الخلق وقدرهم على ما اقتضته الحكمة {فهدى} معناه أرشدهم إلى طريق الرشد من الغي، وهدى كل حيوان إلى ما فيه منفعته ومضرته حتى انه تعالى هدى الطفل إلى ثدي أمه وميزه من غيره، واعطى الفرخ حتى طلب الرزق من أبيه وأمه. والعصفور على صغره يطلب مثل ذلك بهداية الله تعالى له إلى ذلك {والذي أخرج المرعى} معناه الذي أنبت الحشيش من الارض لمنافع جميع الحيوان {فجعله غثاء أحوى} فالغثاء ما يقذف به السيل على جانب الوادي من الحشيش والنبات. والاحوى الأسود، والحوة السوداء قال ذو الرمة: شعر : لمياء في شفتيها حوة لعس وفي اللثات وفي أنيابها شنب تفسير : وقيل: أحوى معناه يضرب إلى السواد وقال الفراء: فيه تقديم وتأخير وتقديره الذي أخرج المرعى أحوى، فجعله غثاء، وقيل: الغثاء الهشيم اليابس المتفتت اسود من احتراقه بعد خضرته ونعمته، قال ذو الرمة: شعر : فرخاء حواء أشراطية وكفت فيها الذهاب وحفتها البراعيم تفسير : وقوله {سنقرئك فلا تنسى} معناه سنأخذ عليك قراءة القرآن، فلا تنسى ذلك، فالاقراء اخذ القراءة على القاري بالاستماع لتقويم الزلل، والقراءة التلاوة والقاري التالي، والنسيان ذهاب المعنى عن النفس بعد ان كان حاضراً لها، ونقيضه الذكر، ومثله السهو، يقال: نسي ينسى نسياناً فهو ناس، والشيء منسي. والتذكير لما نسي والتنبيه لما غفل. وقيل {فلا تنسى إلا ما شاء الله} أي ما شاء نسيانه مما لا يكلفك القيام بأدائه، لان التكليف مضمن بالذكر. وقيل: إلا ما شاء الله كالاستثناء في الأيمان، وإن لم يقع مشيئة النسيان وقيل: معناه إلا ما شاء الله أن يؤخر انزاله. وقال الفراء: لم يشأ الله أن ينسى شيئاً فهو كقوله {خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك} ولا يشاء. ويقول القائل: لأعطينك كل ما سألت إلا ما شئت وإلا أن اشاء أن امنعك، والنية ألا يمنعه، ومثله الاستثناء في الأيمان. وقوله {إنه يعلم الجهر وما يخفى} معناه إن الله تعالى يعلم السرّ والعلانية، فالجهر رفع الصوت ونقيضه الهمس، وهو ضعف الصوت أي يحفظ عليك ما جهرت به وما أخفيته مما تريد أن تعيه، جهر بالقراءة يجهر جهراً. ومنه قوله {أية : ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها}. تفسير : قوله {ونيسرك لليسرى} أي نسهل لك العمل المؤدي الى الجنة فاليسرى عبارة عن الجنة هنا، واليسرى الكبرى في تسهيل الخير بها واليسرى الفعلى من اليسر، وهو سهولة عمل الخير. وقوله {فذكر} أمر للنبي صلى الله عليه وآله أن يذكر الخلق ويعظهم {إن نفعت الذكرى} وإنما قال ذلك، وهى تنفع لا محالة في عمل الايمان والامتناع من العصيان، كما يقال: سله إن نفع السؤال أي فيما يجوز عندك، وقيل: معناه ذكرهم ما بعثتك به قبلوا أو لم يقبلوا، فان إزاحة علتهم تقتضي اعلامهم وتذكيرهم وإن لم يقبلوا. وقوله {سيذكر من يخشى} معناه سيتعظ وينتفع بدعائك وذكرك من يخاف الله ويخشى عقابه: لان من لا يخافه لا ينتفع بها.

صدر المتألهين الشيرازي

تفسير : ليس المراد من صيغة الأمر في مثل "سبِّح" و "أحمد" "واشكُر" و "اذكُر" بحسب الوضع العرفي، مجرّد التلفّظ بما يدلّ على وقوع معناه الحِدثي، بل المراد إيقاع معانيها وإدخالها في الوجود بوجه يتأتى من المخاطب المأمور، وكذلك ليس المطلوب في لفظ "سبِّح" هنا مجرّد قولك "سبحان ربّي الأعلى"، ولا في آخر الواقعة مجرّد قولك "سبحان ربّي العظيم" فقط، نظراً إلى ظاهر ما روي في الحديث: انّه حديث : لمّا نزلت: {فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ} [الواقعة:74] قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إجعلوها في ركوعكم، فلمّا نزلت: {سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ} - قال: اجعلوها في سجودكمتفسير : . وكانوا يقولون في الركوع "اللهم لك ركعت" وفي السجود: "اللهمّ لك سجدت". بل المقصود الأصلي منه تحصيل العلم والمعرفة بتنزيهه تعالى عمّا لا يصحّ فيه من النقائص الإمكانيّة، وتقديسه عمّا لا يجوز له من المثالب الجسمانيّة، وكل ما يوجب ثلما لوحدانيّته الحقّة، ويلزم نقصاً على وجوب وجوده من التكثّر والتغيّر والتجسّم والتصرّم وساير مذاهب الجاهليّة في ذاته أو في صفاته، والإلحاد في عظمة اسمائه وحيثيّاته، كالجبر والتشبيه والسفه والتعطيل الناشية من قصور أو خلل أو فساد في البصيرة الباطنيّة كحَوَل الفلاسفة، وَعَوَر المعتزلة، وَعَمَه الأشاعرة، وكَمهَ الحنابلة، ونحو ذلك، مثل أن يفسّر "الأعلى" في هذه الآية بمعنى الارتفاع عن درجة الإمكان، والعلوّ عمّا تصل إليه العقول والأذهان بقوّة الدليل والبرهان، لا بمعنى العلوّ في المكان، والإستواء على العرش حقيقة. وهاهنا سرّ آخر، وهو أنّ المراد بالتسبيح في عرف المتألّهين، كون المسبّح ذاتاً مجرّدة عن الموادّ وعوارضها، والأجسام وصورَها، لأنّ مبدأ كلّ صفة على وجه الكمال، يجب أن يكون في مرتبة ذاته متحقّقاً بها على وجه آكد وأقوى. فمعنى قوله: {سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ} أي: جرِّد ذاتك عن الدنيا وغواشيها، حتّى تعرف تقدّس اسم الله عن النقائص الإمكانيّة، واجلُ مرآة قلبك عن مطالعة الكائنات، حتّى يمكنك ملاحظة ذاته وصفاته وأفعاله من غير شوب تشبيه في ذاته وتعطيل في صفاته، وتغيير وتبديل في سنن أفعاله. ويحتمل أن يكون المراد من {ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ} المعلول الأوّل، وهو المَلَك المقدّس الروحاني، فإنّ اسم الحقّ - جلّ شأنه - ليس من جنس الأصوات، وعلامة ذاته لا تكون كعلامة سائر الذوات من الهيآت والتشكيلات العارضة للهواء، الخارج من المخارج، بل علامة ذاته واسمه المقدّس ما يناسب ويليق لحقيقته الحقّة الأحديّة. والعبارة أيضاً لا تساعد على غير هذا إذ الأمر بتسبيح الاسم - بمعنى الصوت - غير مناسب، لأنّه يسبّح به، لا يسبّح له. بل المأمور به هو الاعتقاد بأنّ الفعل الربّاني والاسم الإلهي موجود روحاني مقدّس عن الأجسام والجسمانيّات، مجرّد عن الأحياز والمكانيّات. وذلك لأنّ الصادر الأوّل عن الحقّ سبحانه، يجب أن يكون أمراً واحداً بالفعل، مستقلاّ في الوجود والتأثير. وغير الجوهر العقلي لا يكون كذلك لانتفاء الوحدة من الجسم، والفعليّة من الهيولى، واستقلال الوجود عن الصورة والعرض والتأثير من النفس. ويؤيّده ما ذكرناه قوله سبحانه: {أية : تَبَارَكَ ٱسْمُ رَبِّكَ ذِي ٱلْجَلاَلِ وَٱلإِكْرَامِ} تفسير : [الرحمن:78] لأنّ وصف الشيء بذلك يدلّ على أنّه عاقل لذاته. واعلم أنّ "اليمين" و "اليَد" و "الأمْر" و "القلَم" في قوله تعالى: {أية : وَٱلسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} تفسير : [الزمر:67] وقوله: {أية : يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} تفسير : [الفتح:10] وقوله: {أية : وَٱلسَّمَآءَ بَنَيْنَاهَا بِأَييْدٍ} تفسير : [الذاريات:47] وقوله: {أية : وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِٱلْبَصَرِ} تفسير : [القمر:50] وقوله: {أية : ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلأَكْرَمُ * ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ} تفسير : [العلق:3 - 4] كلّها عبارات عن هذا المَلَك المقدّس الروحاني، الذي هو يمين الله، وواسطة فيضه، وقلم كتابته الحقائق على ألواح النفوس، وحجاب ذاته وسرادق غيبه، الذي ينتهي إليه سير السالكين إلى الله تعالى، فلهذا أمر سيّدهم وقائدهم بتسبيحه وتمجيده الدالَّين علوّ الحقّ ومجده. فمن جملة الطرق الموصلة إلى معرفة علوّه ورفعته في كونه تعالى رفيعاً في وجوده عن درجة الأجسام، الاستدلال عليه بخلق الحيوان الذي هو أشرف ما في العناصر والأركان، بنوعين من البيان، حسب تركّب حقيقته من النفس والبدن. أمّا الاستدلال على علوِّ ذاته وسموِّ صفاته عن درجة الأجرام بخلقة الحيوان، فهو الذي أشار تعالى إليه بقوله تعالى: {ٱلَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ}. وذلك: أنّ بدن كلّ مقدّر بمقدار معيّن وكميّة خاصّة تتعيّن له وتختصّ به، لأجل صدور أفعاله المختصّة، وحركاته وانفعالاته الناشية عن قوّته التحريكية والإحساسيّة، فلا جَرَمَ قدّر الباري بعنايته المحكمة لكلّ حيوان مقداراً من التجسّم الصالح لصدور أفعاله وآثاره الحيوانيّة، وهذا التقدير هو الخلق، لأنّ الخلق في اللغة هو التقدير. وأيضاً كلّ بدن حيوانيّ مركّب من عناصر وأجزاء بعضها حارّ خفيف، وبعضها بارد ثقيل، وبعضها رطب لقبول الهيئة والتشكّل، وبعضها يابس لحفظ ما أفيد من التقويم والتعديل، ويجب أن يكون لكلّ منها قدر معيّن، ليقع بينها التصالح والتقاوم حتّى يتولّد عن كيفيّاتها المتعادلة المتفاوتة، المزاج المخصوص، ولو زادت تلك الأجزاء أو نقصت، كان الحادث غير مزاجه الخاصّ به، وهذا هو التسوية. فعلم من إيجاده قدراً معيّنا من أقدار الجسم لائقاً بخلقة نوع من الحيوان، وقدراً معيّنا آخر منها لائقاً بخلْقة نوع آخر منه، تساوي نسبته إلى جميع الأجسام، وكلّ ما يكون كذلك لا يكون جسماً ولا جسمانيّا. أمّا الأوّل: فلظهور أنّه لو كان جسماً لكان فرداً خاصّا منه، له مقدار معيّن - إذ العام لا وجود له في الخارج -، وقد ثبت تساوي نسبته إلى سائر الأجسام، فيلزم الترجيح من غير مرجّح. ولأنّه لو كان جسماً، لامتنع كونه موجداً لجسم، لامتناع تقدّم بعض أفراد طبيعة واحدة على بعض، وأولويّته منه - حسبما تقرّر في مقامه -. وأمّا الثاني: فلأنه لو كان أحدهما لزم إمّا اختصاصه بفرد من الجسم، أو افتقاره إليه، وقد نفيناه عنه. وقد عُلم أيضاً من التسوية، تصرّفه في الأجسام كيف يشاء في التركيب والتفصيل، والنضج والتحليل، فلا يكون جسماً ولا جمسانيّا. وأمّا الاستدلال على ذلك بنفس الحيوان، فهو قوله: {وَٱلَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ} -، لأنّ معناه: أنّه سبحانه قدَّر لكلّ واحد من أعضاء الحيوان وأجزائه المخصوصة قوّة مختصّة بذلك العضو، مصدراً لأفاعيله، ومبدأً لآثاره ومنافعه ومصالحه، مثل القوّة الباصرة للعين، والسامعة للأذن، والهاضمة للمعدة، والنفسانيّة للدماغ، والحيوانيّة للقلب، والطبيعية للكبد، فقدَّر لكلّ مزاج حيواني نوعاً من القُوى، وجعل كلّ مركّب مزاجي آلة لقوة نفسانيّة أو طبيعيّة، وهداها إلى خصائص أفاعيلها وخصوصيّات ما ينفعل منها، وألهمها إلى ما يُنتفع منها. فانظر إلى النحل كيف أوحى الله تعالى إليه في وضع بيوتها على هيئة المسدّسات وإلى العنكبوت كيف هداها إلى وضع المشبّكات لاقتناص ما يتقوّت به من الذباب والبعوض، وممّا يحكى أنّ الأفعى إذا أتت عليها ألف سنة عُميت وقد ألهمها الله إن مسَح العين بورق الرازيانج الغضّ يُرد إليها بصرها، فربما كانت في برية بينها وبين الريف مسيرة أيّام، فتطوي تلك المسافة على طولها وعلى عماها حتّى تهجم في بعض البساتين على شجرة الرازيانج - لا تخطئها - فتحكّ بها عينيها وترجع باصرتها بإذن الله تعالى. وهدايات الحقّ وإلهاماته للحيوانات - نواطقها وعجمها وطيورها وبهائمها، وهوامها - إلى ما لا يحد من مصالحها، ولا يعدّ من حوايجها في أغذيتها وأدويتها، وفي باب أولاها وأخراها ودنياها باب واسع من معرفة الله تعالى، لا تحيط به العقول والأوهام، بل إنّ لكلّ جسم طبيعيّ أو فلكيّ مبدأً فاعليّا وجوهراً نفسانيّاً وصورة محرّكة طالبة لفعل خاصّ يكون بصدوره منها على كمالها الخاصّ بها محصّلة به، وكونها على أشرف حالها مبتدية به إلى ما يقربها إلى باريها وجاعلها، ومتشبّهة في إفاضة الخير والمنفعة على الغير بغايتها وفاعلها، - جلّت عظمته وعظمت إلهيّته -، فإيجاده بعلمه وحكمته لكلّ جسم من الأجسام أمراً ملكوتيّا وقوة باطنيّة تكون مقوّم نوعه وحافظ كماله، خدمة لبارئها وطاعة لربّها، وعبادة لمعبودها، دليل واضح على علوّ ذاته عن المُلك والملكوت، وسموّ درجته عن الخلق والأمر، وبُعد سمكه عن عالَم السموات والأرضين وارتفاع حضرته عن جملة الأجسام والجسمانيّين. فسبحان ربّي الأعلى من العلّيّين، وأعظم من عوالي القدّيسين والكرّوبين.

الجنابذي

تفسير : {سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ} الا على صفة للاسم او لربّك، والرّبّ تطلق على النّفس الانسانيّة الّتى تربّى البدن، وعلى العقل الّذى يربّى النّفس والبدن، وعلى ولىّ الامر الّذى يربّى النّاس بحسب الظّاهر او الباطن، وهو الرّبّ فى الولاية، وعلى ربّ الارباب وليس المراد باسم الرّبّ اسمه اللّفظىّ بل اسمه العينىّ واسماؤه العينيّة ذات مراتب من مراتب اللّطيفة الانسانيّة ومراتب الانبياء والاوصياء (ع)، ومن مراتب العقول والنّفوس وسائر الموجودات واعلى اسمائه الاسم الجامع الّذى يعبّر عنه بالمشيّة، واعلى اربابه المطلق هو ربّ الارباب، واعلى اربابه المضاف سائر مراتب اربابه، وقد سبق مكرّراً انّ المراد بالتّسبيح سواء كان متعلّقاً بالله او بالرّبّ او باسم الرّبّ تنزيه اللّطيفة الانسانيّة عن التّدنّس بالادناس الحيوانيّة والشّيطانيّة فانّها ربّ بوجهٍ ومظهر لله فكانت هى الله بوجهٍ واسماً لله وللرّبّ بوجهٍ.

الأعقم

تفسير : وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : من قرأ سورة الأعلى أعطاه الله من الأجر عشر حسنات بعدد كل حرف أنزله الله على إبراهيم وموسى ومحمد (عليهم السلام)"تفسير : ، وعن علي (عليه السلام): "كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يحب هذه السورة، وأول من قال: سبحان ربي الأعلى ميكائيل"، وقال رسول الله: "حديث : يا جبريل أخبرني عن ثواب من قالها في صلاته أو غير صلاته" تفسير : قال: من قالها فإنه يكون ميزانه أثقل من العرش والكرسي وجبال الدنيا ويقول الله: صدق عبدي اشهدوا يا ملائكتي إني قد غفرت له وأدخلته الجنة، وعن علي (عليه السلام): "لما نزل قوله: {أية : فسبّح باسم ربك العظيم} تفسير : [الواقعة: 74] قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): حديث : اجعلوها في ركوعكم ولما نزل قوله: {سبح اسم ربك الأعلى} قال: اجعلوها في سجودكم ". تفسير : والمعنى قل سبحان ربي الأعلى، وقيل: نزّه ربك عما يصفه به المشركون {الذي خلق فسوى} أي سوَّى خلقه وأعضاءه وحواسه {والذي قدّر الخلق} على ما خلقهم من الصور والهيئات وأجرى لهم من أسباب المعائش، وهذا يدلك على معرفة توحيده، وقيل: قدر الأرزاق والآجال وهدى إلى التوحيد {والذي أخرج المرعى} الحشيش والنبات وما هو قوت البهائم والوحوش {فجعله غثاءً} أي ضروباً وأجناساً من المرعى، وقيل: غثاءً هشيماً يابساً {أحوى} قيل: أسود من شدة خضرته {سنقرئك} قيل: سنعلمك القرآن ويقرأه عليك جبريل وكان (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا نزل عليه القرآن لم يفرغ من آخر الآية حتى يقرأ أولها مخافة أن ينساه {إلاَّ ما شاء الله} يرفع حكمه وتلاوته، وقيل: إلا ما شاء الله أن يؤخر إنزاله، وقيل: إلا ما شاء الله أن ينسى وقد شاء الاستثناء {إنَّه يعلم الجهر} من القول {وما يخفى} فأراد سائر الأشياء {ونيسّرك لليسرى} قيل: نيسر لك دخول الجنة، وقيل: نعينك على ما أمرناك حتى يسهل عليك الخطاب، وقيل: بالألطاف.

الهواري

تفسير : تفسير سورة سبح اسم ربك، وهي مكية كلها. {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله تعالى: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} أي: صل لربك الأعلى {الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى} أي: قدره في خلقه نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم عظماً، ثم لحماً، ثم شعَراً، ثم نفخ فيه الروح. قال (فَهَدَى) أي فبيّن له سبيل الهدى وسبيل الضلالة في تفسير الحسن. وبعضهم يقولُ (قَدَّرَ فَهَدَى) أي: علَّم الذكر كيف يأتي الأنثى. {وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى} أي: اكلأ {فَجَعَلَهُ غُثَآءً أَحْوَى} وفيها تقديم؛ أي جعله أحوى غثاء. والغثاء: المهشم اليابس، كقوله تعالى: (أية : فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ) تفسير : [الكهف:45] أي صار هشيماً بعد أن كان أخضر. والأحوى عند الحسن: الأسود من شدة الخضرة. قوله تعالى: {سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَى إِلاَّ مَا شَآءَ اللهُ} وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا نزل عليه القرآن يجعل يقرأه ويذيب فيه نفسه مخافة أن ينساه. وهو قوله عز وجل: (أية : لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ) تفسير : [القيامة:16-17] أي: نحن نحفظه عليك. وقوله في هذه الآية: {سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَى إِلاَّ مَا شَآءَ اللهُ} هو كقوله: (أية : مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَآ) تفسير : [البقرة:106] أي: ينسيها الله نبيَّه عليه السلام. قال تعالى: {إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ} أي العلانية {وَمَا يَخْفَى} أي: السر.

اطفيش

تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم {سَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الأَعْلَى} قال جماعة من الصحابة والتابعين قل سبحان ربي الأعلى عن ابن عباس حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم كلما قرأ {سَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الأَعْلَى} قال سبحان ربي الأعلى وكان يحبهاتفسير : وقال أول من قال سبحان ربي الأعلى ميكائيل وقيل غيره وقيل معناه نزه ربك عما يصفه الملحدون به فالإسم مضاف وغير معتبر والكوفي يقول زائد والظاهر جواز كون الاسم معتبرا أي عظم نفس اسمه ولا تذكرة إلا محترما به وعن ابن عباس صل بأمر ربك الأعلى. وعن عقبة بن عامر "حديث : لما نزلت {سَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الأَعْلَى} قال صلى الله عليه وسلم اجعلوها في سجودكم ولما نزلت قبل ذلك {فسبح باسم ربك العظيم} قال اجعلوها في ركوعكم" تفسير : وكانوا يقولون الركوع اللهم لك ركعت وفي السجود اللهم لك سجدت وقيل معنى سبح اسم ربك نزه اسمه عن تفسيره لما لا يليق وعن اطلاقه على غيره وكان المشركون يسمون غيره باسمه زاعمين أنهم فيه سواء وذكر الأعلى تعظيما وهو نعت رب أو نعت اسم وهو على الشأن منزه عن الوصف بالحلول في إلا ما كان موصوف بالقهر والقدرة وقرأ علي سبحان ربي الأعلى وكان ابن مسعود وابن عباس وعلي وابن الزبير وابن عمر إذا قرأوا سبح اسم ربك قالوا سبحان ربي الأعلى. وعن سلمة بن الأكوع ما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يستفتح دعاء إلا استفتحه بسبحان ربي الأعلى الوهاب وكان صلى الله عليه وسلم يقرأ في الوتر هذه السورة وسورة الكافرين وقل هو الله أحد فإذا سلم سبحان الملك القدوس ثلاث مرات يدها في الثالثة ويرفع وروي أنه يقول بعد الثالثة "حديث : رب الملائكة والروح" تفسير : وروى علي أنه صلى الله عليه وسلم يقول في آخر وتره "حديث : اللّهم إني أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما اثنيت على نفسك" تفسير : وفي رواية من طريق عائشة كان يقرأ في أولى الوتر سبح اسم ربك الأعلى وفي ثانيته قل يا أيها الكافرون وفي ثالثته قل هو الله أحد والمعوذتين.

اطفيش

تفسير : نزه أسماءِ ربك الأَعلى الاضافة للاستغراق نزه أسماءَه كلها التى اختص بها عن أن تسمى لها غيره كلفظ الجلالة ولفظ الرحمن وان تذكرها حين الاستنجاءِ بالحجارة أو بالماءِ أو فى الخلاءِ أو عند كشف العورة وإن تفسرها لا يجوز كتفسير الرحمن بما يتضمن رقة القلب وكثرة الحلف بها ولا يجوز أن تكتب فى شىءٍ نجس أو بشىءٍ نجس وإن تذكرها وقلبك غير حاضر قيل ولا يجوز أن تكتب بريق وكما ينزه الله تعالى ينزه أسماءه ولما نزل فسبح باسم ربِّكَ العظيم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "حديث : اجعلوها في سجودكم"تفسير : رواه أبو داود عن عقبة بن عامر وكان - صلى الله عليه وسلم - إذا قرأ قوله تعالى سبح اسمَ ربك الأَعلى قال سبحان ربى الأَعلى، وكان على بن أبى طالب إذا قرأه فى الصلاة قال: سبحان ربى الأعلى فقيل أتزيد فى الصلاة، قال: أمرت بشىءٍ ففعلته ولعل ذلك فى صلاة النفل لكن فى الفروع جواز زيادة الذكر فى النفل ومنعه قولان والثالث جوازه فى النفل والفرض وذلك على حد ما فعله - صلى الله عليه وسلم - والإمام على وفى الحديث المذكور وكلام على الأمر بأَداء ما أمر بقوله مثل أن تقول يوماً فى غير الصلاة هو الله أحد...الخ، وأعوذ برب الفلق...ألخ، وأعوذ برب الناس... الخ ونحو ذلك بما يتجه أن نقوله لا ما لا يتجه أن نقوله مثل أوحى إلى أن ستمع.. الخ وأمرنا أن ننزه أسماءَ الله تعالى لكن لا نقول سبحان اسم ربى الأَعلى ولا نقول سبحان اسم الله وما أشبه ذلك وإذا كان الإمام يطيل القيام قبل الإحرام فللمأموم إذا وجه أن يكرر سبحان الله أو سبحان ربى الأعلى أو الله أكبر فإذا كبر الإمام للإحرام كبر عقبه وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحب هذه السورة ويسميها أفضل المسبحات وعن عائشة رضى الله عنها كان النبى - صلى الله عليه وسلم - يقرأ فى الوتر فى الركعة الأُولى سبح وفى الثانية قل يا أيها الكافرون وفى الثالثة قل هو الله أحد والمعوذتين وعن النعمان بن بشير كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ فى العيدين ويوم الجمعة سبح اسم ربك الأَعلى وهل أتاك حديث الغاشية وإن وافق يوم الجمعة قرأهما جميعاً وعن عبد الله بن الحارث آخر صلاة صلاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المغرب فقرأ فى الركعة الأُولى سبح اسم ربك الأعلى وفى الثانية قل يا أيها الكافرون، والأعلى صفة لربك ولا دليل على أنه نعت لاسم ولو جاز فى الحكم وعلى كل حال المراد علو الشأْن إذا كان نعتاً لله تعالى فالمراد ذلك والقدرة والغلبة وعن ابن عباس صلى باسم ربك ومما يناسب الآية ما ذكره فى السؤالات من أنه إذا أردت ذكر الصواب وغير ما هو الصواب فاذكر ما هو صواب من نفى أو إثبات ثم اذكر غيره بنسبته إلى قائله بتعيين أو بغير تعيين مثل أن تقول لا تصح الرؤية عندنا وأثبتها الأَشعرية والقرآن مخلوق عندنا وقال الأَشعرى بقدمه وصفاته تعالى هو وقال الأَشعرى غيره ولا يقتصر على ذكر ما للأَشعرى وتنسبه إليه لأَن ذلك لا يكفى لأَنه لا حصر فى ذلك وذكر الاسم ذكر للقب ولا مفهوم للقب على الصحيح المشهور إذا قلت جاءَ زيد لم يفد أن غيره لم يجىءِ وإذا قيل لا يجالس ورع فى البلد فسالبة تصدق بنفى الموضوع بأَنه لا ورع فيه فضلاً عن أن يجالس.

الالوسي

تفسير : أي نزه أسماءه عز وجل عما لا يليق فلا تؤول مما ورد منها اسماً من غير مقتض ولا تبقه على ظاهره إذا كان ما وضع له مما لا يصح له تعالى ولا تطلقه على غيره سبحانه أصلاً إذا كان مختصاً، كالاسم الجليل أو على وجه يشعر بأنه تعالى والغير فيه سواء إذ لم يكن مختصاً فلا تقل لمن أعطاك شيئاً مثلا هذا رازقي على وجه يشعر بذلك وصنه عن الابتذال والتلفظ به في محل لا يليق به كالخلاء وحالة التغوط وذكره لا على وجه الخشوع والتعظيم. وربما يعد مما لا يليق ذكره عند من يكره سماعه من غير ضرورة إليه. وعن الإمام مالك رضي الله تعالى عنه أنه كان إذا لم يجد ما يعطي السائل يقول ما عندي ما أعطيك أو ائتني في وقت آخر أو نحو ذلك ولا يقول نحو ما يقول الناس يرزقك الله تعالى أو يبعث الله تعالى لك أو يعطيك الله تعالى أو نحوه فسئل عن ذلك فقال إن السائل أثقل شيء على سمعه وأبغضه إليه قول المسؤول ما يفيده رده وحرمانه فأنا أجل اسم الله سبحانه من أن أذكره لمن يكره سماعه ولو في ضمن جملة، وهذا منه رضي الله تعالى عنه غاية في الورع. وما ذكر من التفسير مبني على الظاهر من أن لفظ {ٱسْمَ} غير مقحم وذهب كثير إلى أنه مقحم وهو قد يقحم لضرب من التعظيم على سبيل الكناية ومنه قول لبيد: شعر : إلى الحول ثم اسم السلام عليكما تفسير : فالمعنى نزه ربك عما لا يليق به من الأوصاف. واستدل لهذا بما أخرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجة وغيرهم حديث : عن عقبة بن عامر الجهني قال لما نزلت {فَسَبّحْ بِٱسْمِ رَبّكَ ٱلْعَظِيمِ } [الواقعة: 74] قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم اجعلوها في ركوعكم فلما نزلت {سَبِّحِ ٱسْمَ رَبّكَ ٱلأَعْلَىٰ} قال اجعلوها في سجودكمتفسير : ومن المعلوم أن المجعول فيهما سبحان ربـي العظيم وسبحان ربـي الأعلى، وبما أخرج الإمام أحمد وأبو داود والطبراني والبيهقي في «سننه» حديث : عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ {سَبِّحِ ٱسْمَ رَبّكَ ٱلأَعْلَىٰ} قال سبحان ربـي الأعلىتفسير : وروى عبد بن حميد وجماعة أن علياً كرم الله تعالى وجهه قرأ ذلك فقال سبحان ربـي الأعلى وهو في الصلاة فقيل له أتزيد في القرآن قال لا إنما أمرنا بشيء ففعلته. وفي «الكشاف» ((تسبيح اسمه تعالى تنزيهه عما لا يصح فيه من المعاني التي هي إلحاد في أسمائه سبحانه كالجبر والتشبيه مثلاً وان يصان عن الابتذال والذكر لا على وجه الخشوع والتعظيم)) / فجعل المعنيين على ما قيل راجعين إلى الاسم وان كان الأول بالحقيقة راجعاً إليه عز وجل لكن كما يصح أن يقال نزه الذات عما لا يصح له من الأوصاف أن يقال أيضاً نزه أسماءه تعالى الدالة على الكمال عما لا يصح فيه من خلافه، وليس المعنى الأول مبنياً على أن لفظ (اسم) مقحم ولا على أن المراد به المسمى إطلاقاً لاسم الدال على المدلول، نعم قال به بعضهم هنا وهو إن كان للأخبار السابقة كما في دعوى الاقحام فلا بأس وإن كان لظن أن التسبيح لا يكون للألفاظ الموضوعة له تعالى فليس بشيء لفساد هذا الظن بظهور أن التسبيح يكون لها كما سمعت. وقد قال الإمام إنه كما يجب تنزيه ذاته تعالى وصفاته جل وعلا عن النقائص يجب تنزيه الألفاظ الموضوعة لذلك عن الرفث وسوء الأدب ومن هذا يعلم ما في التعبير عنه تعالى شأنه بنحو ليلى ونعم كما يدعى ذلك في قول ابن الفارض قدس سره:شعر : أبرق بدا من جانب الغور لامع أم ارتفعت عن وجه ليلى البراقع تفسير : وقوله: شعر : إذا أنعمت نعم علي بنظرة فلا أسعدت سعدى ولا أجملت جمل تفسير : إلى غير ذلك من أبياته. وقد عاب ذلك بعض الأجلة وعده من سوء الأدب ومخالفاً لقوله تعالى {أية : وَللَّهِ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا}تفسير : [الأعراف: 180] الآية وأجاب بعضهم بأن ذلك ليس من الوضع في شيء، وفهم الحضرة الإلٰهية من تلك الألفاظ إنما هو بطريق الاشارة كما قالوا في فهم النفس الأمارة من البقرة مثلا في قوله تعالى {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً}تفسير : [البقرة: 67] والمنكر لا يقنع بهذا. والأظهر أن يقال إن الكلام المورد فيه ذلك من قبيل الاستعارة التمثيلية ولا نظر فيها إلى تشبيه المفردات بالمفردات فليس فيه التعبير عنه وجل بليلى ونحوها واستعمال الاستعارة التمثيلية في شأنه تعالى مما لا بأس به حتى إنهم قالوه في البسملة كما لا يخفى على من تتبع رسائلهم فيها هذا ولعل عندهم خيراً منه. وقال جمع الاسم بمعنى التسمية والمعنى نزه تسمية ربك بأن تذكره وأنت له سبحانه معظم ولذكره جل شأنه محترم وأنت تعلم أن هذا يندرج في تسبيح الاسم كما تقدم. وعن ابن عباس أن المعنى صل باسم ربك الأعلى كما تقول ابدأ باسم الله تعالى وحذف حرف الجر حكاه في «البحر» ولا أظن صحته. وقال عصام الدين لا يبعد أن يراد الاسم الأثر أي سبح آثار ربك الأعلى عن النقصان فإن أثره تعالى دال عليه سبحانه كالاسم فيكون منعاً عن عيب المخلوقات أي من حيث إنها مخلوقة له تعالى وعلى وجه ينافي قوله تعالى {أية : مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَاوُتٍ}تفسير : [الملك: 3] ولا يخفى بعده وإن كان فيما بعد من الصفات ما يستأنس به له. وأنا أقول إن كان {سَبِّحِ} بمعنى نزه فكلا الأمرين من كون (اسم) مقحماً وكونه غير مقحم وتعلق التسبيح به على الوجه الذي سمعت محتمل غير بعيد وإذا كان معناه قل سبحان كما هو المعروف فيما بينهم فكونه مقحماً متعين إذ لم يسمع سلفاً وخلفاً من يقول سبحان اسم ربـي الأعلى أو سبحان اسم الله والأخبار ظاهرة في ذلك وحمل ما فيها على اختيار الأخصر المستلزم لغيره كما ترى، ويؤيد هذا قراءة أبـي بن كعب كما في خبر سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه عن ابن جبير (سبحان ربـي الأعلى) وأما ما قيل من أن الاسم عين المسمى واستدل عليه بهذه الآية ونحوها فهو مما لا يعول عليه أصلاً وقد تقدم الكلام أول الكتاب فارجع إليه ان أردته. والأعلى صفة للرب وأريد بالعلو العلو بالقهر والاقتدار لا بالمكان لاستحالته عليه سبحانه، والسلف وإن لم يؤولوه بذلك لكنهم أيضاً يقولون باستحالة العلو المكاني عليه عز وجل. وجوز جعله صفة لاسم، وعلوه ترفعه عن أن يشاركه اسم في حقيقة معناه. واستشكل بأن قوله تعالى: {ٱلَّذِى خَلَقَ}.

سيد قطب

تفسير : في رواية للإمام أحمد عن الإمام علي ـ كرم الله وجهه ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يحب هذه السورة: {سبح اسم ربك الأعلى}.. وفي صحيح مسلم أنه كان يقرأ في العيدين ويوم الجمعة بسبح اسم ربك الأعلى، و {هل أتاك حديث الغاشية}. وربما اجتمعا في يوم واحد فقرأهما.. وحق لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يحب هذه السورة وهي تحيل له الكون كله معبداً تتجاوب أرجاؤه بتسبيح ربه الأعلى وتمجيده، ومعرضاً يحفل بموحيات التسبيح والتحميد: {سبح اسم ربك الأعلى. الذي خلق فسوى. والذي قدر فهدى. والذي أخرج المرعى، فجعله غثاء أحوى}.. وإيقاع السورة الرخي المديد يلقي ظلال التسبيح ذي الصدى البعيد.. وحق له ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يحبها، وهي تحمل له من البشريات أمراً عظيماً. وربه يقول له، وهو يكلفه التبليغ والتذكير: {سنقرئك فلا تنسى ـ إلا ما شاء الله إنه يعلم الجهر وما يخفى ـ ونيسرك لليسرى. فذكر إن نفعت الذكرى}.. وفيها يتكفل له ربه بحفظ قلبه لهذا القرآن، ورفع هذه الكلفة من عاتقه. ويعده أن ييسره لليسرى في كل أموره وأمور هذه الدعوة. وهو أمر عظيم جداً. وحق له ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يحبها، وهي تتضمن الثابت من قواعد التصور الإيماني: من توحيد الرب الخالق وإثبات الوحي الإلهي، وتقرير الجزاء في الآخرة. وهي مقومات العقيدة الأولى. ثم تصل هذه العقيدة بأصولها البعيدة، وجذورها الضاربة في شعاب الزمان: {إن هذا لفي الصحف الأولى. صحف إبراهيم وموسى}.. فوق ما تصوره من طبيعة هذه العقيدة، وطبيعة الرسول الذي يبلغها والأمة التي تحملها.. طبيعة اليسر والسماحة.. وكل واحدة من هذه تحتها موحيات شتى؛ ووراءها مجالات بعيدة المدى.. {سبح اسم ربك الأعلى. الذي خلق فسوى. والذي قدر فهدى. والذي أخرج المرعى. فجعله غثآء أحوى}.. إن هذا الافتتاح، بهذا المطلع الرخي المديد، ليطلق في الجو ابتداء أصداء التسبيح، إلى جانب معنى التسبيح. وإن هذه الصفات التي تلي الأمر بالتسبيح: {الأعلى الذي خلق فسوى. والذي قدر فهدى. والذي أخرج المرعى. فجعله غثاء أحوى}.. لتحيل الوجود كله معبداً يتجاوب جنباته بتلك الأصداء؛ ومعرضاً تتجلى فيه آثار الصانع المبدع: {الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى}.. والتسبيح هو التمجيد والتنزيه واستحضار معاني الصفات الحسنى لله، والحياة بين إشعاعاتها وفيوضاتها وإشراقاتها ومذاقاتها الوجدانية بالقلب والشعور. وليست هي مجرد ترديد لفظ: سبحان الله!.. و {سبح اسم ربك الأعلى}.. تطلق في الوجدان معنى وحالة يصعب تحديدها باللفظ، ولكنها تتذوق بالوجدان. وتوحي بالحياة مع الإشراقات المنبثقة من استحضار معاني الصفات. والصفة الأولى القريبة في هذا النص هي صفة الرب. وصفة الأعلى.. والرب: المربي والراعي، وظلال هذه الصفة الحانية مما يتناسق مع جو السورة وبشرياتها وإيقاعاتها الرخية.. وصفة الأعلى تطلق التطلع إلى الآفاق التي لا تتناهى؛ وتطلق الروح لتسبح وتسبح إلى غير مدى.. وتتناسق مع التمجيد والتنزيه، وهو في صميمه الشعور بصفة الأعلى.. والخطاب هنا لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ابتداء. وهذا الأمر صادر إليه من ربه. بهذه الصيغة: {سبح اسم ربك الأعلى}.. وفيه من التلطف والإيناس ما يجل عن التعبير. وقد كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقرأ هذا الأمر، ثم يعقب عليه بالاستجابة المباشرة، قبل أن يمضي في آيات السورة، يقول: {سبحان ربي الأعلى}.. فهو خطاب ورده. وأمر وطاعته. وإيناس ومجاوبته.. إنه في حضرة ربه، يتلقى مباشرة ويستجيب. في أنس وفي اتصال قريب. وحينما نزلت هذه الآية قال: "حديث : اجعلوها في سجودكم"تفسير : . وحينما نزلت قبلها: {أية : فسبح باسم ربك العظيم}.. تفسير : قال: "حديث : اجعلوها في ركوعكم".. تفسير : فهذا التسبيح في الركوع والسجود كلمة حية ألحقت بالصلاة وهي دافئة بالحياة. لتكون استجابه مباشرة لأمر مباشر. أو بتعبير أدق.. لإذن مباشر.. فإذن الله لعباده بأن يحمدوه ويسبحوه إحدى نعمه عليهم وأفضاله. إنه إذن بالاتصال به ـ سبحانه ـ في صورة مقربة إلى مدارك البشر المحدودة. صورة تفضل الله عليهم بها ليعرفهم ذاته. في صفاته. في الحدود التي يملكون أن يتطلعوا إليها. وكل إذن للعباد بالاتصال بالله في أي صورة من صور الاتصال، هو مكرمة له وفضل على العباد. {سبح اسم ربك الأعلى}.. {الذي خلق فسوى. والذي قدر فهدى}.. الذي خلق كل شيء فسواه، فأكمل صنعته، وبلغ به غاية الكمال الذي يناسبه.. والذي قدر لكل مخلوق وظيفته وغايته فهداه إلى ما خلقه لأجله، وألهمه غاية وجوده؛ وقدر له ما يصلحه مدة بقائه، وهداه إليه أيضاً.. وهذه الحقيقة الكبرى ماثلة في كل شيء في هذا الوجود؛ يشهد بها كل شيء في رحاب الوجود. من الكبير إلى الصغير. ومن الجليل إلى الحقير.. كل شيء مسوى في صنعته، كامل في خلقته. معد لأداء وظيفته. مقدر له غاية وجوده، وهو ميسر لتحقيق هذه الغاية من أيسر طريق.. وجميع الأشياء مجتمعة كاملة التناسق، ميسرة لكي تؤدي في تجمعها دورها الجماعي؛ مثلما هي ميسرة فرادى لكي تؤدي دورها الفردي. الذرة بمفردها كاملة التناسق بين كهاربها وبروتوناتها وإلكتروناتها، شأنها شأن المجموعة الشمسية في تناسق شمسها وكواكبها وتوابعها.. وهي تعرف طريقها وتؤدي مثلها وظيفتها.. والخلية الحية المفردة كاملة الخلقة والاستعداد لأداء وظائفها كلها، شأنها شأن أرقى الخلائق الحية المركبة المعقدة. وبين الذرة المفردة والمجموعة الشمسية؛ كما بين الخلية الواحدة وأرقى الكائنات الحية، درجات من التنظيمات والتركيبات كلها في مثل هذا الكمال الخلقي، وفي مثل هذا التناسق الجماعي، وفي مثل هذا التدبير والتقدير الذي يحكمها ويصرفها.. والكون كله هو الشاهد الحاضر على هذه الحقيقة العميقة.. هذه الحقيقة يدركها القلب البشري جملة حين يتلقى إيقاعات هذا الوجود؛ وحين يتدبر الأشياء في رحابه بحس مفتوح. وهذا الإدراك الإلهامي لا يستعصي على أي إنسان في أية بيئة، وعلى أية درجة من درجات العلم الكسبي، متى تفتحت منافذ القلب، وتيقظت أوتاره لتلقي إيقاعات الوجود. والملاحظة بعد ذلك والعلم الكسبي يوضحان بالأمثلة الفردية ما يدركه الإلهام بالنظرة الأولى.. وهناك من رصيد الملاحظة والدراسة ما يشير إلى طرف من تلك الحقيقة الشاملة لكل ما في الوجود. يقول العالم (ا. كريسي موريسون) رئيس أكاديمية العلوم بنيورك في كتابه: "الإنسان لا يقوم وحده" "إن الطيور لها غريزة العودة إلى الموطن. فعصفور الهزاز الذي عشش ببابك يهاجر جنوباً في الخريف. ولكنه يعود إلى عشه في الربيع التالي. وفي شهر سبتمبر تطير أسراب من معظم طيورنا إلى الجنوب. وقد تقطع في الغالب نحو ألف ميل فوق أرض البحار. ولكنها لا تضل طريقها. وحمام الزاجل إذا تحير من جراء أصوات جديدة عليه في رحلة طويلة داخل قفص، يحوم برهة ثم يقصد قدماً إلى موطنه دون أن يضل.. والنحلة تجد خليتها مهما طمست الريح، في هبوبها على الأعشاب والأشجار، كل دليل يرى. وحاسة العودة إلى الوطن هذه هي ضعيفة في الإنسان، ولكنه يكمل عتاده القليل منها بأدوات الملاحة. ونحن في حاجة إلى هذه الغريزة، وعقولنا تسد هذه الحاجة. ولا بد أن للحشرات الدقيقة عيوناً ميكروسكوبية (مكبرة) لا ندري مبلغها من الإحكام؛ وأن للصقور بصراً تلسكوبياً (مكبراً مقرباً). وهنا أيضاً يتفوق الإنسان بأدواته الميكانيكية فهو بتلسكوبه يبصر سديماً بلغ من الضعف أنه يحتاج إلى مضاعفة قوة إبصاره مليوني مرة ليراه. وهو بمكروسكوبه الكهربائي يستطيع أن يرى بكتريا كانت غير مرئية (بل كذلك الحشرات الصغيرة التي تعضها!)." "وأنت إذا تركت حصانك العجوز وحده، فإنه يلزم الطريق مهما اشتدت ظلمة الليل. وهو يقدر أن يرى ولو في غير وضوح. ولكنه يلحظ اختلاف درجة الحرارة في الطريق وجانبيه، بعينين تأثرتا قليلاً بالأشعة تحت الحمراء التي للطريق. والبومة تستطيع أن تبصر الفأر الدافئ اللطيف وهو يجري على العشب البارد مهما تكن ظلمة الليل. ونحن نقلب الليل نهاراً بإحداث إشعاع في تلك المجموعة التي نسميها الضوء".. .. "إن العاملات من النحل تصنع حجرات مختلفات الأحجام في المشط الذي يستخدم في التربية. وتعد الحجرات الصغيرات للعمال، والأكبر منها لليعاسيب (ذكور النحل) وتعد غرفة خاصة للملكات الحوامل. والنحلة الملكية تضع بيضاً غير مخصب في الخلايا المخصصة للذكور، وبيضاً مخصباً في الحجرات الصحيحة المعدة للعاملات الإناث والملكات المنتظرات. والعاملات اللائي هن إناث معدلات بعد أن انتظرن طويلاً مجيء الجيل الجديد، تهيأن أيضاً لإعداد الغذاء للنحل الصغير بمضغ العسل واللقح ومقدمات هضمه. ثم ينقطعن عن عملية المضغ ومقدمات الهضم عند مرحلة معينة من تطور الذكور والإناث، ولا يغذين سوى العسل واللقح. والإناث اللاتي يعالجن على هذا الشكل يصبحن عاملات".. "أما الإناث اللاتي في حجرات الملكة، فإن التغذية بالمضغ ومقدمات الهضم تستمر بالنسبة لهن. وهؤلاء اللاتي يعاملن هذه المعاملة الخاصة يتطورن إلى ملكات نحل، وهن وحدهن اللائي ينتجن بيضاً مخصباً. وعملية تكرار الإنتاج هذه تتضمن حجرات خاصة، وبيضاً خاصاً، كما تتضمن الأثر العجيب الذي لتغيير الغذاء، وهذا يتطلب الانتظار والتمييز وتطبيق اكتشاف أثر الغذاء! وهذه التغيرات تنطبق بوجه خاص على حياة الجماعة، وتبدو ضرورية لوجودها. ولا بد أن المعرفة والمهارة اللازمتين لذلك قد تم اكتسابهما بعد ابتداء هذه الحياة الجماعة، وليستا بالضرورة ملازمتين لتكوين النحل ولا لبقائه على الحياة. وعلى ذلك فيبدو أن النحل قد فاق الإنسان في معرفة تأثير الغذاء تحت ظروف معينة!" "والكلب بما أوتي من أنف فضولي يستطيع أن يحس الحيوان الذي مر. وليس ثمة من أداة من اختراع الإنسان لتقوي حاسة الشم الضعيفة لديه. ومع هذا فإن حاسة الشم الخاصة بنا ـ على ضعفها ـ قد بلغت من الدقة أنها يمكنها أن تتبين الذرات المكروسكوبية البالغة الدقة".. "وكل الحيوانات تسمع الأصوات التي يكون كثير منها خارج دائرة الاهتزازات الخاصة بنا، وذلك بدقة تفوق كثيراً حاسة السمع المحدودة عندنا. وقد أصبح الإنسان يستطيع بفضل وسائله أن يسمع صوت ذبابة تطير على بعد أميال، كما لو كانت فوق طبلة أذنه. ويستطيع بمثل تلك الأدوات أن يسجل وقع شعاع شمسي!" "إن إحدى العناكب المائية تصنع لنفسها عشاً على شكل منطاد (بالون) من خيوط العنكبوت. وتعلقه بشيء ما تحت الماء. ثم تمسك ببراعة فقاعة هواء في شعر جسمها، وتحملها إلى الماء، ثم تطلقها تحت العش. ثم تكرر هذه العملية حتى ينتفخ العش. وعندئذ تلد صغارها وتربيها، آمنة عليها من هبوب الهواء. فها هنا نجد طريقة النسج، بما يشمله من هندسة وتركيب وملاحة جوية!" وسمك "السلمون" الصغير يمضي سنوات في البحر، ثم يعود إلى نهره الخاص به. والأكثر من ذلك أنه يصعد إلى جانب النهر الذي يصب عنده النهير الذي ولد فيه.. فما الذي يجعل السمك يرجع إلى مكان مولده بهذا التحديد؟ إن سمكة السلمون التي تصعد في النهر صعداً إذا انقلت إلى نهير آخر أدركت تواً أنه ليس جدولها. فهي لذلك تشق طريقها خلال النهر، ثم تحيد ضد التيار، قاصدة إلى مصيرها! "وهناك لغز أصعب من ذلك يتطلب الحل، وهو الخاص بثعابين الماء التي تسلك عكس هذا المسلك، فإن تلك المخلوقات العجيبة متى اكتمل نموها، هاجرت من مختلف البرك والأنهار. وإذا كانت في أوربا قطعت آلاف الأميال في المحيط قاصدة كلها إلى الأعماق السحيقة جنوبي برمودا. وهناك تبيض وتموت. أما صغارها تلك التي لا تملك وسيلة لتعرف بها أي شيء سوى أنها في مياه قفرة ـ فإنها تعود أدراجها وتجد طريقها إلى الشاطئ الذي جاءت منه أمهاتها. ومن ثم إلى كل نهر أو بحيرة أو بركة صغيرة. ولذا يظل كل جسم من الماء آهلاً بثعابين البحار. لقد قاومت التيارات القوية، وثبتت للأمداد والعواصف، وغالبت الأمواج المتلاطمة على كل شاطئ. وهي الآن يتاح لها النمو. حتى إذا اكتمل نموها دفعها قانون خفي إلى الرجوع حيث كانت بعد أن تتم الرحلة كلها. فمن أين ينشأ الحافز الذي يواجهها لذلك؟ لم يحدث قط أن صيد ثعبان ماء أمريكي في المياه الأوربية، أو صيد ثعبان ماء أوربي في المياه الأمريكية. والطبيعة تبطئ في إنماء ثعبان الماء الأوربي مدة سنة أو أكثر لتعوض من زيادة مسافة الرحلة التي يقطعها (إذ إن مسافته أطول من مسافة زميله الأمريكي) ترى هل الذرات والهباءات إذا توحدت معاً في ثعبان ماء يكون لها حاسة التوجيه وقوة الإرادة اللازمة للتنفيذ؟! .. "وإذا حمل الريح فراشة أنثى من خلال نافذة إلى علية بيتك، فإنها لا تلبث حتى ترسل إشارة خفية. وقد يكون الذكر على مسافة بعيدة. ولكنه يتلقى هذه الإشارة ويجاوبها، مهما أحدثت أنت من رائحة بعملك لتضليلهما. ترى هل لتلك المخلوقة الضئيلة محطة إذاعة. وهل لذكر الفراشة جهاز راديو عقلي، فضلاً عن السلك اللاقط للصوت (إيريال)؟ أتراها تهز الأثير فهو يتلقى الاهتزاز؟!" .. "إن التليفون والراديو هما من العجائب الآلية. وهما يتيحان لنا الاتصال السريع. ولكنا مرتبطون في شأنهما بسلك ومكان. وعلى ذلك لا تزال الفراشة متفوقة علينا من هذه الوجهة". "والنبات يتحايل على استخدام وكلاء لمواصلة وجوده دون رغبة من جانبهم! كالحشرات التي تحمل اللقح من زهرة إلى أخرى، والرياح، وكل شيء يطير أو يمشي، ليوزع بذوره. وأخيراً أوقع النبات الإنسان ذا السيادة في الفخ! فقد حسن الطبيعة وجازته بسخاء. غير أنه شديد التكاثر؛ حتى أصبح مقيداً بالمحراث، وعليه أن يبذر ويحصد ويخزن، وعليه أن يربي ويهجن، وأن يشذب ويطعم. وإذا هو أغفل هذه الأعمال كانت المجاعة نصيبه، وتدهورت المدنية، وعادت الأرض إلى حالتها الفطرية!".. "وكثير من الحيوانات هي مثل "سرطان البحر" الذي إذا فقد مخلباً عرف أن جزءاً من جسمه قد ضاع، وسارع إلى تعويضه بإعادة تنشيط الخلايا وعوامل الوراثة؛ ومتى تم ذلك كفت الخلايا عن العمل، لأنها تعرف بطريقة ما أن وقت الراحة قد حان!" "وكثير الأرجل المائي إذا انقسم إلى قسمين استطاع أن يصلح نفسه عن طريق أحد هذين النصفين. وأنت إذا قطعت رأس دودة الطعم تسارع إلى صنع رأس بدلاً منه. ونحن نستطيع أن ننشط التئام الجروح، ولكن متى يتاح للجراحين أن يعرفوا كيف يحركون الخلايا لتنتج ذراعاً جديدة، أو لحماً أو عظاماً أو أظافر أو أعصاباً؟ ـ إذا كان ذلك في حيز الإمكان؟!" "وهناك حقيقة مدهشة تلقي بعض الضوء على لغز هذا الخلق من جديد: فإن الخلايا في المراحل الأولى من تطورها، إذا تفرقت، صار لكل منها القدرة على خلق حيوان كامل. ومن ثم فإنه إذا انقسمت الخلية الأولى إلى قسمين، وتفرق هذان، تطور منهما فردان. وقد يكون في ذلك تفسير لتشابه التوأمين. ولكنه يدل على أكثر من ذلك. وهو أن كل خلية في البداية يمكن أن تكون فرداً كاملاً بالتفصيل. فليس هناك شك إذن، في أنك أنت، في كل خلية ونسيج!".. ويقول في فصل آخر: "إن جوزة البلوط تسقط على الأرض، فتحفظها قشرتها السمراء الجامدة، وتتدرج في حفرة ما من الأرض، وفي الربيع تستيقظ الجرثومة، فتنفجر القشرة، وتزدرد الطعام من اللب الشبيه بالبيضة الذي اختفت فيه "الجينات" (وحدات الوراثة) وهي تمد الجذور في الأرض، وإذا بك ترى فرخاً أو شتلة (شجيرة) وبعد سنوات شجرة! وإن الجرثومة بما فيها من جينات قد تضاعفت ملايين الملايين، فصنعت الجذع والقشرة وكل ورقة وكل ثمرة، مماثلة لتلك التي لشجرة البلوط التي تولدت عنها. وفي خلايا مئات السنين قد بقي من ثمار البلوط التي لا تحصى نفس ترتيب الذرات تماماً الذي أنتج أول شجرة بلوط منذ ملايين السنين". وفي فصل ثالث يقول: "وكل خلية تنتج في أي مخلوق حي يجب أن تكيف نفسها لتكون جزءاً من اللحم. أو أن تضحي بنفسها كجزء من الجلد الذي لا يلبث حتى يبلى. وعليها أن تصنع ميناء الأسنان، وأن تنتج السائل الشفاف في العين، أو أن تدخل في تكوين الأنف أو الأذن. ثم على كل خلية أن تكيف نفسها من حيث الشكل وكل خاصية أخرى لازمة لتأدية مهمتها. ومن العسير أن نتصور أن خلية ما هي ذات يد يمنى أو يسرى. ولكن إحدى الخلايا تصبح جزءاً من الأذن اليمنى، بينما الأخرى تصبح جزءاً من الأذن اليسرى." .. "وإن مئات الآلاف من الخلايا تبدو كأنها مدفوعة لأن تفعل الشيء الصواب في الوقت الصواب. وفي المكان الصواب"! وفي فصل رابع.. .. "في خليط الخلق قد أتيح لكثير من المخلوقات أن تبدي درجة عالية من أشكال معينة من الغريزة أو الذكاء أو ما لا ندري. فالدبور مثلاً يصيد الجندب النطاط، ويحفر حفرة في الأرض، ويخز الجندب في المكان المناسب تماماً حتى يفقد وعيه، ولكنه يعيش كنوع من اللحم المحفوظ.. وأنثى الدبور تضع بيضاً في المكان المناسب بالضبط، ولعلها لا تدري أن صغارها حين تفقس يمكنها أن تتغذى، دون أن تقتل الحشرة التي هي غذاؤها، فيكون ذلك خطراً على وجودها. ولا بد أن الدبور قد فعل ذلك من البداية وكرره دائماً، وإلا ما بقيت زنابير على وجه الأرض.. والعلم لا يجد تفسيراً لهذه الظاهرة الخفية، ولكنها مع ذلك لا يمكن أن تنسب إلى المصادفة!" "وإن أنثى الدبور تغطي حفرة في الأرض، وترحل فرحاً، ثم تموت. فلا هي ولا أسلافها قد فكرت في هذه العملية، وهي لا تعلم ماذا يحدث لصغارها، أو أن هناك شيئاً يسمى صغاراً.. بل إنها لا تدري أنها عاشت وعملت لحفظ نوعها!" .. "وفي بعض أنواع النمل يأتي العملة منه بحبوب صغيرة لإطعام غيرها من النمل في خلال فصل الشتاء. وينشئ النمل ما هو معروف "بمخزن الطحن" وفيه يقوم النمل الذي أوتي أفكاكاً كبيرة معدة للطحن، بإعداد الطعام للمستعمرة. وهذا هو شاغلها الوحيد. وحين يأتي الخريف، وتكون الحبوب كلها قد طحنت، فإن "أعظم خير لأكبر عدد" يتطلب حفظ تلك المؤونة من الطعام. وما دام الجيل الجديد سينتظم كثيراً من النمل الطحان؛ فإن جنود النمل تقتل النمل الطاحن الموجود. ولعلها ترضي ضميرها الحشري بأن ذلك النمل قد نال جزاءه الكافي، إذ كانت له الفرصة الأولى في الإفادة من الغذاء أثناء طحنه!" "وهناك أنواع من النمل تدفعها الغريزة أو التفكير (واختر منهما ما يحلو لك) إلى زرع أعشاش للطعام فيما يمكن تسميته "بحدائق الأعشاش". وتصيد أنواعاً معينة من الدود والأرق أو اليرق (وهي حشرات صغيرة تسبب آفة الندوة العسلية) فهذه المخلوقات هي بقر النمل وعنزاتها! ومنها يأخذ النمل إفرازات معينة تشبه العسل ليكون طعاماً له". "والنمل يأسر طوائف منه ويسترقها. وبعض النمل حين يصنع أعشاشه، يقطع الأوراق مطابقة للحجم المطلوب. وبينما يضع بعض عملة النمل الأطراف في مكانها، تستخدم صغارها ـ التي وهي في الدور اليرقي تقدر أن تغزل الحرير ـ لحياكتها معاً! وربما حرم طفل النمل عمل شرنقة لنفسه، ولكنه قد خدم الجماعة!" "فكيف يتاح لذرات المادة التي تتكون منها النملة، أن تقوم بهذه العمليات المعقدة؟" "لا شك أن هناك خالقاً أرشدها إلى كل ذلك".. انتهى.. أجل. لا شك أن هناك خالقاً أرشدها، وأرشد غيرها من الخلائق. كبيرها وصغيرها. إلى كل ذلك.. إنه {الأعلى الذي خلق فسوى، والذي قدر فهدى}.. وهذه النماذج التي اقتطفناها من كلام ذلك العالم ليست سوى طرف صغير من الملاحظات التي سجلها البشر في عوالم النبات والحشرات والطيور والحيوان. ووراءها حشود من مثلها كثيرة.. وهذه الحشود لا تزيد على أن تشير إلى جانب صغير من مدلول قوله تعالى: {الذي خلق فسوى. والذي قدر فهدى}.. في هذا الوجود المشهود الذي لا نعرف عنه إلا أقل من القليل. ووراءه عالم الغيب الذي ترد لنا عنه لمحات فيما يحدثنا الله عنه؛ بالقدر الذي يطيقه تكويننا البشري الضعيف! وبعد عرض هذا المدى المتطاول، من صفحة الوجود الكبيرة، وإطلاق التسبيح في جنباته، تتجاوب به أرجاؤه البعيدة، يكمل التسبيحة الكبرى بلمسة في حياة النبات لها إيحاؤها ولها مغزاها: {والذي أخرج المرعى فجعله غثاء أحوى}. والمرعى كل نبات. وما من نبات إلا وهو صالح لخلق من خلق الله. فهو هنا أشمل مما نعهده من مرعى أنعامنا. فالله خلق هذه الأرض وقدر فيها أقواتها لكل حي يدب فوق ظهرها أو يختبئ في جوفها، أو يطير في جوها. والمرعى يخرج في أول أمره خضراً، ثم يذوي فإذا هو غثاء، أميل إلى السواد فهو أحوى، وقد يصلح أن يكون طعاماً وهو أخضر، ويصلح أن يكون طعاماً وهو غثاء أحوى. وما بينهما فهو في كل حالة صالح لأمر من أمور هذه الحياة، بتقدير الذي خلق فسوى وقدر فهدى. والإشارة إلى حياة النبات هنا توحي من طرف خفي، بأن كل نبت إلى حصاد وأن كل حي إلى نهاية. وهي اللمسة التي تتفق مع الحديث عن الحياة الدنيا والحياة الأخرى.. {بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى}.. والحياة الدنيا كهذا المرعى، الذي ينتهي فيكون غثاء أحوى.. والآخرة هي التي تبقى. وبهذا المطلع الذي يكشف عن هذا المدى المتطاول من صفحة الوجود الكبيرة.. تتصل حقائق السورة الآتية في سياقها، بهذا الوجود؛ ويتصل الوجود بها، في هذا الإطار الجميل. والملحوظ أن معظم السور في هذا الجزء تتضمن مثل هذا الإطار. الإطار الذي يتناسق مع جوها وظلها وإيقاعها تناسقاً كاملاً. بعدئذ يجيء بتلك البشرى العظيمة لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأمته من ورائه: {سنقرئك فلا تنسى ـ إلا ما شآء الله إنه يعلم الجهر وما يخفى ـ ونيسرك لليسرى. فذكر إن نفعت الذكرى}.. وتبدأ البشرى برفع عناء الحفظ لهذا القرآن والكد في إمساكه عن عاتق الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ: {سنقرئك فلا تنسى}.. فعليه القراءة يتلقاها عن ربه، وربه هو المتكفل بعد ذلك بقلبه، فلا ينسى ما يقرئه ربه. وهي بشرى للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ تريحه وتطمئنه على هذا القرآن العظيم الجميل الحبيب إلى قلبه. الذي كان يندفع بعاطفة الحب له، وبشعور الحرص عليه، وبإحساس التبعة العظمى فيه.. إلى ترديده آية آية وجبريل يحمله إليه، وتحريك لسانه به خيفة أن ينسى حرفاً منه. حتى جاءته هذه البشائر المطمئنة بأن ربه سيتكفل بهذا الأمر عنه. وهي بشرى لأمته من ورائه، تطمئن بها إلى أصل هذه العقيدة. فهي من الله. والله كافلها وحافظها في قلب نبيها. وهذا من رعايته سبحانه، ومن كرامة هذا الدين عنده، وعظمة هذا الأمر في ميزانه. وفي هذا الموضع كما في كل موضع يرد فيه وعد جازم، أو ناموس دائم، يرد ما يفيد طلاقة المشيئة الإلهية من وراء ذلك، وعدم تقيدها بقيد ما ولو كان هذا القيد نابعاً من وعدها وناموسها. فهي طليقة وراء الوعد والناموس. ويحرص القرآن على تقرير هذه الحقيقة في كل موضع ـ كما سبق أن مثلنا لهذا في الظلال ـ ومن ذلك ما جاء هنا: {إلا ما شاء الله}.. فهو الاحتراس الذي يقرر طلاقة المشيئة الإلهية، بعد الوعد الصادق بأنه لا ينسى. ليظل الأمر في إطار المشيئة الكبرى، ويظل التطلع دائماً إلى هذه المشيئة حتى فيما سلف فيه وعد منها. ويظل القلب معلقاً بمشيئة الله حياً بهذا التعلق أبداً.. {إنه يعلم الجهر وما يخفى}.. وكأن هذا تعليل لما مر في هذا المقطع من الإقرار والحفظ والاستثناء.. فكلها ترجع إلى حكمة يعلمها من يعلم الجهر وما يخفى؛ ويطلع على الأمر من جوانبه جميعاً، فيقرر فيه ما تقتضيه حكمته المستندة إلى علمه بأطراف الأمر جميعاً. والبشرى الثانية الشاملة: {ونيسرك لليسرى}.. بشرى لشخص الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وبشرى لأمته من ورائه. وتقرير لطبيعة هذا الدين، وحقيقة هذه الدعوة، ودورها في حياة البشر، وموضعها في نظام الوجود.. وإن هاتين الكلمتين: {ونيسرك لليسرى}، لتشتملان على حقيقة من أضخم حقائق هذه العقيدة، وحقائق هذا الوجود أيضاً. فهي تصل طبيعة هذا الرسول بطبيعة هذه العقيدة بطعبية هذا الوجود. الوجود الخارج من يد القدرة في يسر. السائر في طريقه بيسر. المتجه إلى غايته بيسر. فهي انطلاقة من نور؛ تشير إلى أبعاد وآماد وآفاق من الحقيقة ليس لها حدود.. إن الذي ييسره الله لليسرى ليمضي في حياته كلها ميسراً. يمضي مع هذا الوجود المتناسق التركيب والحركة والاتجاه.. إلى الله.. فلا يصطدم إلا مع المنحرفين عن خط هذا الوجود الكبير ـ وهم لا وزن لهم ولا حساب حين يقاسون إلى هذا الوجود الكبير ـ يمضي في حركة يسيرة لطيفة هينة لينة مع الوجود كله ومع الأحداث والأشياء والأشخاص، ومع القدر الذي يصرف الأحداث والأشياء والأشخاص. اليسر في يده. واليسر في لسانه. واليسر في خطوه. واليسر في عمله واليسر في تصوره. واليسر في تفكيره. واليسر في أخذه للأمور. واليسر في علاجه للأمور. اليسر مع نفسه واليسر مع غيره. وهكذا كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في كل أمره.. ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما كما روت عنه عائشة ـ رضي الله عنها ـ وكما قالت عنه: "حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خلا في بيته ألين الناس، بساماً ضحاكاً" تفسير : وفي صحيح البخاري: "كانت الأمة تأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنطلق به حيث شاءت"! وفي هديه ـ صلى الله عليه وسلم ـ في اللباس والطعام والفراش وغيرها ما يعبر عن اختيار اليسر وقلة التكليف ألبتة. جاء في زاد المعاد لشمس الدين أبي عبد الله محمد بن قيم الجوزية، عن هديه ـ صلى الله عليه وسلم ـ في "ملابسه": "كانت له عمامة تسمى السحاب كساها علياً، وكان يلبسها ويلبس تحتها القلنسوة. وكان يلبس القلنسوة بغير عمامة، ويلبس العمامة بغير قلنسوة. وكان إذا اعتم أرخى عمامته بين كتفيه ـ كما رواه مسلم في صحيحه. عن عمر بن حريث قال: رأيت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على المنبر وعليه عمامة سوداء قد أرخى طرفها بين كتفيه. وفي مسلم أيضاً عن جابر ذؤابة، فدل على أن الذؤابة لم يكن يرخيها دائماً بين كتفيه. وقد يقال: إنه دخل مكة وعليه أهبة القتال والمغفر على رأسه فلبس في كل موطن ما يناسبه". وفي فصل آخر قال: "والصواب أن أفضل الطرق طريق رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ التي سنها وأمر بها ورغب فيها وداوم عليها. وهي أن هديه في اللباس أن يلبس ما تيسر من اللباس. من الصوف تارة، والقطن تارة، والكتان تارة، ولبس البرود اليمانية والبرد الأخضر. ولبس الجبة والقباء والقميص والسراويل والإزار والرداء والخف والنعل، وأرخى الذؤابة من خلفه تارة وتركها تارة.. الخ".. وقال في هديه في الطعام: "وكذلك كان هديه ـ صلى الله عليه وسلم ـ وسيرته في الطعام، لا يرد موجوداً ولا يتكلف مفقوداً. فما قرب إليه شيء من الطيبات إلا أكله ـ إلا أن تعافه نفسه فيتركه من غير تحريم ـ وما عاب طعاماً قط. إن اشتهاه أكله، وإلا تركه، كما ترك أكل الضب لما لم يعتده، ولم يحرمه على الأمة، بل أُكل على مائدته وهو ينظر. وأكل الحلوى والعسل ـ وكان يحبهما ـ وأكل الرطب والتمر، وشرب اللبن خالصاً ومشوباً والسويق والعسل بالماء، وشرب نقيع التمر، وأكل الخزبرة ـ وهي حساء يتخذ من اللبن والدقيق ـ وأكل القثاء بالرطب، وأكل الأقط، وأكل التمر بالخبز، وأكل الخبز بالخل، وأكل القديد، وأكل الدباء المطبوخة - وكان يحبها - وأكل المسلوقة، وأكل الثريد بالسمن، وأكل الجبن، وأكل الخبز بالزيت، وأكل البطيخ بالرطب. وأكل التمر بالزبد ـ وكان يحبه ـ ولم يكن يرد طيباً ولا يتكلفه، بل كان هديه أكل ما تيسر، فإن أعوزه صبر.. الخ". وقال عن هديه في نومه وانتباهه: "كان ينام على فراشه تارة وعلى النطع تارة، وعلى الحصير تارة، وعلى الأرض تارة، وعلى السرير تارة بين رماله، وتارة على كساء أسود".. وأحاديثه التي تحض على اليسر والسماحة والرفق في تناول الأمور ـ وفي أولها أمر العقيدة وتكاليفها ـ كثيرة جداً يصعب تقصيها. من هذا قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "حديث : إن هذا الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه" تفسير : (أخرجه البخاري).. "حديث : لا تشددوا على أنفسكم فيشدد عليكم فإن قوماً شددوا على أنفسهم فشدد عليهم.." تفسير : (أخرجه أبو داود).. "حديث : إن المنبتّ لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى" تفسير : (أخرجه البخاري).. "حديث : يسروا ولا تعسروا" تفسير : (أخرجه الشيخان). وفي التعامل: "حديث : رحم الله رجلاً سمحاً إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى" تفسير : (أخرجه البخاري) "حديث : المؤمن هين لين" تفسير : (أخرجه البيهقي) "حديث : المؤمن يألف ويؤلف" تفسير : (أخرجه الدارقطني). "حديث : إن أبغض الرجال إلى الله الألدّ الخصم" تفسير : (أخرجه الشيخان). ومن اللمحات العميقة الدلالة كراهيته ـ صلى الله عليه وسلم ـ للعسر والصعوبة حتى في الأسماء وسمات الوجوه، مما يوحي بحقيقة فطرته وصنع ربه بها وتيسيره لليسرى انطباعاً وتكويناً.. عن سعيد ابن المسيب عن أبيه ـ رضي الله عنه ـ أنه جاء للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: ما اسمك؟ قال: حَزْن (أي صعب وعر) قال: بل أنت سهل. قال: لا أغير اسماً سمانيه أبي! قال ابن المسيب رحمه الله: "فما زالت فينا حزونة بعد"! (أخرجه البخاري).. "وعن ابن عمر رضي الله عنهما ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ غير اسم عاصية وسماها جميلة" (أخرجه مسلم). ومن قوله: "حديث : إن من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق" تفسير : (أخرجه الترمذي).. فهو الحس المرهف الذي يلمح الوعورة والشدة حتى في الأسماء والملامح فينفر منها، ويميل بها إلى اليسر والهوادة! وسيرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كلها صفحات من السماحة واليسر والهوادة واللين والتوفيق إلى اليسر في تناول الأمور جميعاً. وهذا مثل من علاجه للنفوس، يكشف عن طريقته ـ صلى الله عليه وسلم ـ وطبيعته: "جاءه أعرابي يوماً يطلب منه شيئاً فأعطاه. قال له:حديث : أحسنت إليك؟ تفسير : قال الأعرابي: لا. ولا أجملت! فغضب المسلمون، وقاموا إليه؛ فأشار إليهم أن كفوا. ثم دخل منزله، وأرسل إلى الأعرابي، وزاده شيئاً. ثم قال: حديث : أحسنت إليك؟ تفسير : قال: نعم. فجزاك الله من أهل ومن عشيرة خيراً. فقال له النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: حديث : إنك قلت ما قلت وفي نفس أصحابي شيء من ذلك، فإذا أحببت فقل بين أيديهم ما قلت بين يدي، حتى يذهب من صدورهم ما فيها عليكتفسير : . قال: نعم. فلما كان الغداة جاء، فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: حديث : إن هذا الأعرابي قال ما قال، فزدناه، فزعم أنه رضي. أكذلك؟ تفسير : فقال الأعرابي: نعم، فجزاك الله من أهل وعشيرة خيراً. فقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ حديث : إن مثلي ومثل هذا الأعرابي كمثل رجل كانت له ناقة شردت عليه، فتبعها الناس، فلم يزيدوها إلا نفوراً، فناداهم صاحب الناقة: خلوا بيني وبين ناقتي، فإني أرفق بها وأعلم. فتوجه لها صاحب الناقة بين يديها، فأخذ لها من قمام الأرض، فردها هوناً هوناً، حتى جاءت واستناخت، وشد عليها رحلها، واستوى عليها. وإني لو تركتكم حيث قال الرجل ما قال فقتلتموه دخل النار ".. تفسير : فهكذا كان أخذه ـ صلى الله عليه وسلم ـ للنفوس الشاردة. بهذه البساطة، وبهذا اليسر، وبهذا الرفق وبهذا التوفيق.. والنماذج شتى في سيرته كلها. وهي من التيسير لليسرى كما بشره ربه ووفقه في حياته وفي دعوته وفي أموره جميعاً.. هذه الشخصية الكريمة الحبيبة الميسرة لليسرى كانت كذلك لكي تحمل إلى البشرية هذه الدعوة. فتكون طبيعتها من طبيعتها، وحقيقتها من حقيقتها، وتكون كفاء للأمانة الضخمة التي حملتها ـ بتيسير الله وتوفيقه ـ على ضخامتها.. حيث تتحول الرسالة بهذا التيسير من عبء مثقل، إلى عمل محبب، ورياضة جميلة، وفرح وانشراح.. وفي صفة محمد صلى الله عليه وسلم، وصفة وظيفته التي جاء ليؤديها ورد في القرآن الكريم: {أية : وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين}.. {أية : الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، ويحل لهم الطيبات، ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم} تفسير : فقد جاء ـ صلى الله عليه وسلم ـ رحمة للبشرية. جاء ميسراً يضع عن كواهل الناس الأثقال والأغلال التي كتبت عليهم، حينما شددوا فشدد عليهم. وفي صفة الرسالة التي حملها ورد: {أية : ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر}.. {أية : وما جعل عليكم في الدين من حرج}.. {أية : لا يكلف الله نفساً إلا وسعها}.. {أية : ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم} تفسير : فقد جاءت هذه الرسالة ميسرة في حدود الطاقة لا تكلف الناس حرجاً ولا مشقة. وسرى هذا اليسر في روحها كما سرى في تكاليفها {أية : فطرة الله التي فطر الناس عليها }. تفسير : وحيثما سار الإنسان مع هذه العقيدة وجد اليسر ومراعاة الطاقة البشرية، والحالات المختلفة للإنسان، والظروف التي يصادفها في جميع البيئات والأحوال.. العقيدة ذاتها سهلة التصور. إله واحد ليس كمثله شيء. أبدع كل شيء، وهداه إلى غاية وجوده. وأرسل رسلاً تذكر الناس بغاية وجودهم، وتردهم إلى الله الذي خلقهم. والتكاليف بعد ذلك كلها تنبثق من هذه العقيدة في تناسق مطلق لا عوج فيه ولا انحراف. وعلى الناس أن يأتوا منها بما في طوقهم بلا حرج ولا مشقة: "حديث : إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه"تفسير : .. والمنهي عنه لا حرج فيه في حالة الضرورة: {أية : إلا ما اضطررتم إليه}تفسير : وبين هذه الحدود الواسعة تنحصر جميع التكاليف.. ومن ثم التقت طبيعة الرسول بطبيعة الرسالة، والتقت حقيقة الداعي بحقيقة الدعوة. في هذه السمة الأصيلة البارزة. وكذلك كانت الأمة التي جاءها الرسول الميسر بالرسالة الميسرة. فهي الأمة الوسط، وهي الأمة المرحومة الحاملة للرحمة. الميسرة الحاملة لليسر.. تتفق فطرتها هذه مع فطرة هذا الوجود الكبير.. وهذا الوجود بتناسقه وانسياب حركته يمثل صنعة الله من اليسر والانسياب الذي لا تصادم فيه ولا احتكاك.. ملايين الملايين من الأجرام تسبح في فضاء الله وتنساب في مداراتها متناسقة متجاذبة. لا تصطدم ولا تضطرب ولا تميد.. وملايين من الخلائق الحية تجري بها الحياة إلى غاياتها القريبة والبعيدة في انتظام وفي إحكام. وكل منها ميسر لما خلق له، سائر في طريقه إلى غاية. وملايين الملايين من الحركات والأحداث والأحوال تتجمع وتتفرق وهي ماضية في طريقها كنغمات الفرقة العازفة بشتى الآلات، لتجتمع كلها في لحن واحد طويل مديد! إنه التوافق المطلق بين طبيعة الوجود، وطبيعة الرسالة، وطبيعة الرسول، وطبيعة الأمة المسلمة.. صنعة الله الواحد، وفطرة المبدع الحكيم. {فذكر إن نفعت الذكرى}.. لقد أقرأه فلا ينسى (إلا ما شاء الله) ويسره لليسرى. لينهض بالأمانة الكبرى.. ليذكر. فلهذا أعدّ، ولهذا بُشر.. فذكر حيثما وجدت فرصة للتذكير، ومنفذاً للقلوب، ووسيلة للبلاغ. ذكر {إن نفعت الذكرى}.. والذكرى تنفع دائماً، ولن تعدم من ينتفع بها كثيراً كان أو قليلاً. ولن يخلو جيل ولن تخلو أرض ممن يستمع وينتفع، مهما فسد الناس وقست القلوب وران عليها الحجاب.. وحين نتأمل هذا الترتيب في الآيات، ندرك عظمة الرسالة، وضخامة الأمانة، التي اقتضت للنهوض بها هذا التيسير لليسرى، وذلك الإقراء والحفظ وتكفل الله بهما؛ كي ينهض الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعبء التذكير، وهو مزود بهذا الزاد الكبير. فإذا نهض ـ صلى الله عليه وسلم ـ بهذا العبء فقد أدى ما عليه، والناس بعد ذلك وشأنهم؛ تختلف مسالكهم وتختلف مصائرهم، ويفعل الله بهم ما يشاء وفق ما يستجيبون لهذه الذكرى: {سيذكر من يخشى، ويتجنبها الأشقى، الذى يصلى النار الكبرى، ثم لا يموت فيها ولا يحيا. قد أفلح من تزكى، وذكر اسم ربه فصلى}.. فذكّر.. وسينتفع بالذكرى {من يخشى}.. ذلك الذي يستشعر قلبه التقوى، فيخشى غضب الله وعذابه. والقلب الحي يتوجس ويخشى، مذ يعلم أن للوجود إلهاً خلق فسوى، وقدر فهدى، فلن يترك الناس سدى، ولن يدعهم هملاً؛ وهو لا بد محاسبهم على الخير والشر، ومجازيهم بالقسط والعدل. ومن ثم فهو يخشى. فإذا ذُكر ذكر، وإذا بُصر أبصر، وإذا وعظ اعتبر. {ويتجنبها الأشقى}.. يتجنب الذكرى، فلا يسمع لها ولا يفيد منها. وهو إذن {الأشقى} الأشقى إطلاقاً وإجمالاً. الأشقى الذي تتمثل فيه غاية الشقوة ومنتهاها. الأشقى في الدنيا بروحه الخاوية الميتة الكثيفة الصفيقة، التي لا تحس حقائق الوجود، ولا تسمع شهادتها الصادقة، ولا تتأثر بموحياتها العميقة. والذي يعيش قلقاً متكالباً على ما في الأرض كادحاً لهذا الشأن الصغير! والأشقى في الآخرة بعذابها الذي لا يعرف له مدى: {الذي يصلى النار الكبرى. ثم لا يموت فيها ولا يحيا}.. والنار الكبرى هي نار جهنم. الكبرى بشدتها، والكبرى بمدتها، والكبرى بضخامتها.. حيث يمتد بقاؤه فيها ويطول. فلا هو يموت فيجد طعم الراحة؛ ولا هو يحيا في أمن وراحة. إنما هو العذاب الخالد، الذي يتطلع صاحبه إلى الموت كما يتطلع إلى الأمنية الكبرى! وفي الصفحة المقابلة نجد النجاة والفلاح مع التطهر والتذكر: {قد أفلح من تزكى. وذكر اسم ربه فصلى}.. والتزكي: التطهر من كل رجس ودنس، والله ـ سبحانه ـ يقرر أن هذا الذي تطهر وذكر اسم ربه، فاستحضر في قلبه جلاله: {فصلى}.. إما بمعنى خشع وقنت. وإما بمعنى الصلاة الاصطلاحي، فكلاهما يمكن أن ينشأ من التذكر واستحضار جلال الله في القلب، والشعور بمهابته في الضمير.. هذا الذي تطهر وذكر وصلى {قد أفلح} يقينا. أفلح في دنياه، فعاش موصولاً، حي القلب، شاعراً بحلاوة الذكر وإيناسه. وأفلح في أخراه، فنجا من النار الكبرى، وفاز بالنعيم والرضى.. فأين عاقبة من عاقبة؟ وأين مصير من مصير؟ وفي ظل هذا المشهد. مشهد النار الكبرى للأشقى. والنجاة والفلاح لمن تزكى، يعود بالمخاطبين إلى علة شقائهم، ومنشأ غفلتهم، وما يصرفهم عن التذكر والتطهر والنجاة والفلاح، ويذهب بهم إلى النار الكبرى والشقوة العظمى: {بل تؤثرون الحياة الدنيا. والآخرة خير وأبقى}.. إن إيثار الحياة الدنيا هو أساس كل بلوى. فعن هذا الإيثار ينشأ الإعراض عن الذكرى؛ لأنها تقتضيهم أن يحسبوا حساب الآخرة ويؤثروها. وهم يريدون الدنيا، ويؤثرونها.. وتسميتها {الدنيا} لا تجيء مصادفة. فهي الواطية الهابطة ـ إلى جانب أنها الدانية: العاجلة: {والآخرة خير وأبقى}.. خير في نوعها، وأبقى في أمدها. وفي ظل هذه الحقيقة يبدو إيثار الدنيا على الآخرة حماقة وسوء تقدير. لا يقدم عليهما عاقل بصير. وفي الختام تجيء الإشارة إلى قدم هذه الدعوة، وعراقة منبتها، وامتداد جذورها في شعاب الزمن، وتوحد أصولها من وراء الزمان والمكان: {إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى}.. هذا الذي ورد في هذه السورة وهو يتضمن أصول العقيدة الكبرى. هذا الحق الأصيل العريق. هو الذي في الصحف الأولى. صحف إبراهيم وموسى. ووحدة الحق، ووحدة العقيدة، هي الأمر الذي تقتضيه وحدة الجهة التي صدر عنها. ووحدة المشيئة التي اقتضت بعثة الرسل إلى البشر.. إنه حق واحد، يرجع إلى أصل واحد. تختلف جزئياته وتفصيلاته باختلاف الحاجات المتجددة، والأطوار المتعاقبة. ولكنها تلتقي عند ذلك الأصل الواحد. الصادر من مصدر واحد.. من ربك الأعلى الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى..

ابن عاشور

تفسير : الافتتاح بأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يسبح اسمَ ربه بالقول، يؤذن بأنه سيُلقي إليه عقبه بشارة وخيراً له وذلك قوله: { أية : سنقرئك فلا تنسى } تفسير : [الأعلى: 6] الآيات كما سيأتي ففيه براعة استهلال. والخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم. والتسبيح: التنزيه عن النقائص وهو من الأسماء التي لا تضاف لغير اسم الله تعالى وكذلك الأفعال المشتقة منه لا ترفع ولا تنصب على المفعولية إلا ما هو اسم لله، وكذلك أسماء المصدر منه نحو: سبحان الله، وهو من المعاني الدينية، فالأشبه أنه منقول إلى العربية من العبرانية وقد تقدم عند قوله تعالى: { أية : ونحن نسبح بحمدك } تفسير : في سورة البقرة (30). وإذْ عُدِّي فعلُ الأمر بالتسبيح هنا إلى اسْم فقد تعين أن المأمور به قول دال على تنزيه الله بطريقة إجراء الأخبار الطيبة أو التوصيف بالأوصاف المقدسة لإِثباتها إلى ما يدل على ذاته تعالى من الأسماء والمعاني، ولما كان أقوالاً كانت متعلقة باسم الله باعتبار دلالته على الذات، فالمأمور به إجراء الأخبار الشريفة والصفات الرفيعة على الأسماء الدالة على الله تعالى من أعلام وصفات ونحوها، وذلك آيل إلى تنزيه المسمَّى بتلك الأسماء. ولهذا يكثر في القرآن إناطة التسبيح بلفظ اسم الله نحو قوله: { أية : فسبح باسم ربك العظيم } تفسير : [الواقعة: 74] وقد تقدم ذلك في مبحث الكلام على البسملة في أول هذا التفسير. فتسبيح اسم الله النطقُ بتنزيهه في الخُوَيصَّة وبينَ الناس بذكر يليق بجلاله من العقائد والأعمال كالسجود والحمد. ويشمل ذلك استحضارَ الناطق بألفاظ التسبيح معانيَ تلك الألفاظ إذ المقصود من الكلام معناه. وبتظاهُرِ النطق مع استحضار المعنى يتكرر المعنى على ذهن المتكلم ويتجدد ما في نفسه من تعظيم لله تعالى. وأما تفكر العبد في عظمة الله تعالى وترديد تنزيهه في ذهنه فهو تسبيح لذات الله ومسمَّى اسمه ولا يسمى تسبيح اسمِ الله، لأن ذلك لا يجري على لفظ من أسماء الله تعالى، فهذا تسبيح ذات الله وليس تسبيحاً لاسمه. وهذا ملاك التفرقة بين تعلق لفظ التسبيح بلفظ اسم الله نحو {سبح اسم ربك}، وبين تعلقه بدون اسم نحو { أية : ومن الليل فاسجُد له وسبحه } تفسير : [الإنسان: 26] ونحو { أية : ويسبحونه وله يسجدون } تفسير : [الأعراف: 206] فإذا قلنا: { أية : اللَّه أحد } تفسير : [الإخلاص: 1] أو قلنا: { أية : هو الله الذي لا إلٰه إلا هو الملك القدوس السلام } تفسير : [الحشر: 23] إلى آخر السورة كان ذلك تسبيحاً لاسمه تعالى، وإذا نفينا الإِلاهية عن الأصنام لأنها لا تخلق كما في قوله تعالى: { أية : إن الذين تدعون من دون اللَّه لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له } تفسير : [الحج: 73] كان ذلك تسبيحاً لذات الله لا لاسمه لأن اسمه لم يجر عليه في هذا الكلام إخبار ولا توصيف. فهذا مناط الفرق بين استعمال {سبح اسم ربك} واستعمال {وسبحه} ومَآل الإطلاقين في المعنى واحد لأن كلا الإِطلاقين مراد به الإِرشاد إلى معرفة أن الله منزه عن النقائص. واعلم أن مما يدل على إرادة التسبيح بالقول وجودَ قرينة في الكلام تقتضيه مثلِ التوقيت بالوقت في قوله تعالى: { أية : وسبّحوه بكرة وأصيلاً } تفسير : [الأحزاب: 42] فإن الذي يكلف بتوقيته هو الأقوال والأفعال دون العقائد، ومثل تعدية الفعل بالباء مثل قوله تعالى: { أية : وسبَّحُوا بحمد ربهم } تفسير : [السجدة: 15] فإن الحمد قول فلا يصاحب إلا قولاً مثله. وتعريف: {اسم} بطريق الإضافة إلى {ربك} دون تعريفه بالإضافة إلى عَلَم الجلالة نحو: سبح اسمَ الله، لما يُشعر به وصف رب من أنه الخالق المدبر. وأما إضافة (رب) إلى ضمير الرسول صلى الله عليه وسلم فلتشريفه بهذه الإضافة وأن يكون له حظ زائد على التكليف بالتسبيح. ثم أجري على لفظ {ربك} صفة {الأعلى} وما بعدها من الصلات الدالة على تصرفات قدرته، فهو مستحق للتنزيه لصفات ذاته ولِصفات إنعامه على الناس بخلقهم في أحسن تقويم، وهدايتهم، ورزقهم، ورزق أنعامهم، للإِيماء إلى موجب الأمر بتسبيح اسمه بأنه حقيق بالتنزيه استحقاقاً لذاته ولوصفه بصفة أنه خالق المخلوقات خلقاً يدل على العلم والحكمة وإتقان الصنع، وبأنه أنعم بالهدى والرزق الذين بهما استقامة حال البشر في النفس والجسد وأوثرت الصفات الثلاث الأول لما لها من المناسبة لغرض السورة كما سنبينه. فلفظ {الأعلى} اسم يفيد الزيادة في صفة العلو، أي الارتفاع. والارتفاع معدود في عرف الناس من الكمال فلا ينْسب العلوّ بدون تقييد إلا إلى شيء غير مذموم في العرف، ولذلك إذا لم يذكر مع وصف الأعلى مفضل عليه أفاد التفضيل المطلق كما في وصفه تعالى هنا. ولهذا حكَى عن فرعون أنه قال: { أية : أنا ربكم الأعلى } تفسير : [النازعات: 24]. والعلوّ المشتقُّ منه وصفُه تعالى: {الأعلى} علوّ مجازي، وهو الكمال التام الدائم. ولم يعدَّ وصفه تعالى: {الأعلى} في عداد الأسماء الحسنى استغناء عن اسمه {العليُّ} لأن أسماء الله توقيفية فلا يعد من صفات الله تعالى بمنزلة الاسم إلا ما كثر إطلاقه إطلاقَ الأسماء، وهو أوغل من الصفات، قال الغزالي: والعلوّ في الرتبة العقلية مثل العلوّ في التدريجات الحسية، ومثال الدرجة العقلية، كالتفاوت بين السبب والمسبب والعلة والمعلول والفاعل والقابل والكامل والناقص اهــــ. وإيثار هذا الوصف في هذه السورة لأنها تضمنت التنويه بالقرآن والتثبيت على تلقيه وما تضمنه من التذكير وذلك لعلو شأنه فهو من متعلقات وصف العلوّ الإلٰهي إذ هو كلامه. وهذا الوصف هو ملاك القانون في تفسير صفات الله تعالى ومحاملها على ما يليق بوصف الأعلى فلذلك وجب تأويل المتشابهات من الصفات. وقد جُعل من قوله تعالى: {سبح اسم ربك الأعلى} دعاء السجود في الصلاة إذ ورد أن يقول الساجد: سبحان ربي الأعلى، ليقرن أثر التنزيه الفعلي بأثر التنزيه القولي. وجملة: {الذي خلق فسوَى} اشتملت على وصفين: وصف الخلق ووصف تسويه الخلق، وحذف مفعول {خلق} فيجوز أن يقدر عامّاً، وهو ما قدره جمهور المفسرين، وروي عن عطاء، وهو شأن حذف المفعول إذا لم يدل عليه دليل، أي خلق كل مخلوق فيكون كقوله تعالى حكاية عن قول موسى: { أية : ربُّنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى } تفسير : [طه: 50]. ويجوز أن يقدر خاصاً، أي خلق الإنسان كما قدره الزجاج، أو خلق آدم كما روي عن الضحاك، أي بقرينة قرن فعل {خلق} بفعل «سوى» قال تعالى: { أية : فإذا سويته ونَفَخْت فيه من روحي } تفسير : [الحجر: 29] الآية. وعطف جملة: {فسَوَّى} بالفاء دون الواو للإِشارة إلى أن مضمونها هو المقصود من الصلة وأن ما قبله توطئة له كما في قول ابن زيابة: شعر : يا لهفَ زيَابةً للحارث الصّــــ ــــابحِ فالغَانِم فالآيب تفسير : لأن التلهف يحق إذا صبحهم فغنم أموالَهم وآب بها ولم يستطيعوا دفاعه ولا استرجاعه. فالفاء من قوله: {فسوّى} للتفريع في الذكر باعتبار أن الخلق مقدم في اعتبار المعتبر على التسويه، وإن كان حصول التسويه مقارناً لحصول الخلق. والتسويه: تسويةُ ما خلقَه فإن حمل على العموم فالتسوية أنْ جعل كل جنس ونوع من الموجودات معادِلاً، أي مناسباً للأعمال التي في جبلته فاعوجاج زُبَانَى العقربِ من تسويه خلقها لتدفع عن نفسها بها بسهولة. ولكونه مقارناً للخلقة عطف على فعل {خلق} بالفاء المفيدة للتسبب، أي ترتَّبَ على الخَلق تسويتُه. والتقديرُ: وضْعُ المقدارِ وإيجادُه في الأشياء في ذواتها وقواها، يقال: قَدَّر بالتضعيف وقدَر بالتخفيف بمعنىً. وقرأ الجمهور بالتشديد وقرأها الكسائي وحده بالتخفيف. والمقدار: أصله كمية الشيء التي تُضبط بالذرع أو الكيل أو الوزن أو العَدّ، وأطلق هنا على تكوين المخلوقات على كيفيات منظّمة مطردة من تركيب الأجزاء الجسدية الظاهرة مثل اليدين، والباطنة مثل القلب، ومن إيداع القُوى العقلية كالحس والاستطاعة وحِيلَ الصناعة. وإعادة اسم الموصول في قوله: {والذي قدّر} وقوله: {والذي أخرج المرعَى} مع إغناء حرف العطف عن تكريره، للاهتمام بكل صلة من هذه الصلات وإثباتها لمدلول الموصول وهذا من مقتضيات الإطناب. وعطْفُ قوله: {فهدى} بالفاء مثل عطف {فسَوّى}، فإن حمل {خلق} و{قدّر} على عموم المفعول كانت الهداية عامة. والقول في وجه عطف {فهدى} بالفاء مثل القول في عطف {فسوى}. وعطف {فهدى} على {قَدّر} عطفُ المسبَّب على السبب أي فهدى كلَّ مقدر إلى ما قدر له فهداية الإنسان وأنواع جنسه من الحيوان الذي له الإِدراك والإِرادة هي هداية الإِلهام إلى كيفية استعمال ما قدَّر فيه من المقادير والقوى فيما يناسب استعماله فيه فكلما حصل شيء من آثار ذلك التقدير حصل بأثره الاهتداء إلى تنفيذه. والمعنى: قَدّر الأشياءَ كلها فهداها إلى أداء وظائفها كما قدّرها لها، فالله لما قدّر للإِنسان أن يكون قابلاً للنطق والعِلم والصناعة بما وَهَبَهُ من العقل وآلات الجسد هداهُ لاستعمال فكره لما يُحصِّل له ما خُلق له، ولمَّا قَدر البقرةَ للدَّر ألهمها الرَعْي ورِثْمَانَ ولدها لِتَدرَّ بذلك للحالب، ولمّا قدر النحل لإنتاج العسَل ألهمها أن ترعى النَّور والثمار وألهمها بناء الجِبْح وخلاياه المسدسة التي تضع فيها العسل. ومن أجلِّ مظاهر التقدير والهداية تقدير قوى التناسل للحيوان لبقاء النوع. فمفعول «هدى» محذوف لإفادة العموم وهو عام مخصوص بما فيه قابلية الهَدْي فهو مخصوص بذوات الإِدراك والإِرادة وهي أنواع الحيوان فإن الأنواع التي خلقها الله وقدَّر نظامها ولم يقدِّر لها الإِدراك مثل تقدير الإِثمار للشجر، وإنتاج الزريعة لتجدد الإِنبات، فذلك غير مراد من قوله: {فهدى} لأنها مخلوقة ومقدّرة ولكنها غير مهدية لعدم صلاحها للاهتداء، وإن جعل مفعول {خلق} خاصاً، وهو الإنسان كان مفعول {قَدّر} على وزانه، أي تقدير كمال قوى الإِنسان، وكانت الهداية هداية خاصة وهي دلالة الإِدراك والعقل. وأوثر وصفا التسوية والهداية من بين صفات الأفعال التي هي نِعم على الناس ودالة على استحقاق الله تعالى للتنزيه لأن هذين الوصفين مناسبة بما اشتملت عليه من السورة فإن الذي يسوي خَلق النبي صلى الله عليه وسلم تسوية تلائم ما خلَقه لأجله من تحمل أعباء الرسالة لا يفوته أن يهيئه لحفظ ما يوحيه إليه وتيسيره عليه وإعطائه شريعة مناسبة لذلك التيسير قال تعالى: { أية : سنقرئك فلا تنسى } تفسير : [الأعلى: 6] وقال: { أية : ونيسرك لليسرى } تفسير : [الأعلى: 8]. وقوله: {والذي أخرج المرعى} تذكير لخلق جنس النبات من شجر وغيره. واقتُصر على بعض أنواعه وهو الكلأ لأنه معاش السوائم التي ينتفع الناس بها. والمرادُ: إخراجه من الأرض وهو إنباته. والمرعى: النبت الذي ترعاه السوائم، وأصله: إما مصدر ميمي أطلق على الشيء المَرْعِيّ من إطلاق المصدر على المفعول مثل الخلق بمعنى المخلوق وإما اسم مكان الرعي أطلق على ما ينبت فيه ويُرعَى إطلاقاً مجازياً بعلاقة الحلول كما أطلق اسم الوادي على الماء الجاري فيه. والقرينة جعله مفعولاً لــــ {أخرج}، وإيثار كلمة {المرعى} دون لفظ النبات، لما يشعر به مادة الرعي من نفع الأنعام به ونفعها للناس الذين يتخذونها مع رعاية الفاصلة... والغُثاء: بضم الغين المعجمة وتخفيف المثلثة، ويقال بتشديد المثلثة هو اليابس من النبت. والأحوى: الموصوف بالحُوَّة بضم الحاء وتشديد الواو، وهي من الألوان: سُمرة تقرب من السواد. وهو صفة {غثاء} لأن الغثاء يابس فتصير خضرته حُوّة. وهذا الوصف أحوى لاستحضار تغيُّر لونه بعد أن كان أخضر يانعاً وذلك دليل على تصرفه تعالى بالإنشاء وبالإنهاء. وفي وصف إخراج الله تعالى المرعى وجعله غُثاء أحوى مع ما سبقه من الأوصاف في سياق المناسبة بينها وبين الغرض المسوق له الكلام إيماء إلى تمثيل حال القرآن وهدايته وما اشتمل عليه من الشريعة التي تنفع الناس بحال الغيث الذي يَنبت به المرعَى فتنتفع به الدواب والأنعام، وإلى أن هذه الشريعة تكمل ويبلغ ما أراد الله فيها كما يكمل المرعَى ويبلغ نُضجه حين يصير غثاء أحوى، على طريقة تمثيلية مكنية رُمز إليها بذكر لازم الغيث وهو المرعى. وقد جاء بيان هذا الإِيماء وتفصيله بقول النبي صلى الله عليه وسلم « حديث : مثل ما بَعَثني الله به من الهُدى والعِلم كمثَل الغيث الكثير أصابَ أرضاً فكان منها نَقِيُّةٌ قَبِلَتْ الماء فأنبتت الكلأ والعُشُبَ الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس فشربوا وسَقوا وزرعوا » تفسير : الحديث. ويجوز أن يكون المقصود من جملة: {فجَعله غثاء أحوى} إدماج العبرة بتصاريف ما أودع الله في المخلوقات من مختلف الأطوار من الشيء إلى ضده للتذكير بالفناء بعد الحياة كما قال تعالى: { أية : اللَّه الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفاً وشَيْبَة يَخلق ما يشاء وهو العليم القدير } تفسير : [الروم: 54] للإِشارة إلى أن مدة نضارة الحياة للأشياء تشبه المدة القصيرة، فاستعير لعطف {جعله غثاء} الحرفُ الموضوع لعطف ما يحصل فيه حكم المعطوف بعدَ زمن قريب من زمن حصول المعطوف عليه، ويكون ذلك من قبيل قوله تعالى: {أية : إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام} تفسير : [يونس: 24] إلى قوله: { أية : فجعلناها حصيداً كأن لم تغن بالأمس } تفسير : [يونس: 24].

الشنقيطي

تفسير : تقدم معنى التسبيح وهو التنزيه عن كل ما لا يليق، والأمر بالتسبيح هنا منصب على {ٱسْمَ رَبِّكَ}، وفي آيات أخر، جاء الأمر بتسبيح الله تعالى كقوله: {أية : وَمِنَ ٱللَّيْلِ فَٱسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً} تفسير : [الإنسان: 26]. ومثل: {أية : فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ} تفسير : [الروم: 17]. وتسبيح الرب سبحانه كقوله: {أية : سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ} تفسير : [الصافات: 180]، فاختلف في هذه الآية، هل المراد تسبيح الله أو المراد تسبيح اسمه تعالى، كما هو هنا؟ ثم اختلف في المراد بتسبيح اسم الله تعالى، وجاءت مسألة الاسم والمسمى. وقد تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في سورة الواقعة، عند قوله تعالى: {أية : فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ} تفسير : [الواقعة: 74]، قوله: إن الباء هناك داخلة على المفعول كدخولها عليه في قوله: {أية : وَهُزِّىۤ إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً} تفسير : [مريم: 25]، وأحال على متقدم في ذلك، وحكى كلام القرطبي أن الاسم بمعنى المسمى، واستشهد له من كلام العرب بقول لبيد: شعر : إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ومن يبك حولاً كاملاً فقد اعتذر تفسير : وقال: لا يلزم في نظري أن الاسم بمعنى المسمى هنا، لإمكان كون المراد نفس الاسم، لأن أسماء الله ألحد فيها قوم ونزَّهها آخرون، ووصفها الله بأنها بالغة غاية الحسن، لاشتمالها على صفاته الكريمة، كما في قوله: {أية : وَللَّهِ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا} تفسير : [الأعراف: 180]. وقوله تعالى: {أية : أَيّاً مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ ٱلأَسْمَآءَ ٱلْحُسْنَىٰ} تفسير : [الإسراء: 110]. ثم قال: ولسنا نريد أن نذكر كلام المتكلمين في الاسم والمسمى هل الاسم هو المسمى أو لا؟ لأن مرادنا هنا بيان معنى الآية. 1هـ. فتضمن كلامه رحمة الله تعالى علينا وعليه، احتمال كون المراد: تنزيه اسم الله عما ألحد فيه الملحدون، كاحتمال تنزيه الله تعالى عن كل ما لا يليق بجلاله، كما تضمن عدم لزوم كون الاسم هنا بمعنى المسمى، ولعلنا نورد مجمل بيان تلك النقاط إن شاء الله. أما تنزيه أسماء الله فهو على عدة معانٍ. منها: تنزيهها عن إطلاقها على الأصنام كاللات والعزى واسم الآلهة. ومنها: تنزيهها عن اللهو بها واللعب، كالتلفظ بها في حالة تنافي الخشوع والإجلال كمن يعبث بها ويلهو، ونظيره من يلهو ويسهو عن صلاته، {أية : فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * ٱلَّذِينَ هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ} تفسير : [الماعون: 4-5]، أو وضعها في غير مواضعها، كنقش الثوب أو الفراش الممتهن. ومنها: تنزيهها عن المواطن غير الطاهرة، وقد كان صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء نزع خاتمه لما في من نقش محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومنه: صيانة الأوراق المكتوبة من الابتذال صوناً لاسم الله. وعلى هذا تكون هذه الآية موضحة لآية الواقعة، وأن {ٱسْمَ رَبِّكَ} واقع موقع المفعول به، وهو المراد بالتسبيح، وعلى أن المراد تسبيح الله تعالى، فقالوا: إن الاسم هو المسمى، كما قال القرطبي وغيره، وقالوا: الاسم صلة، كما في بيت لبيد المتقدم. أما مسألة الاسم هل هو عين المسمى أم لا، فقد أشار إليها الفخر الرازي، وقال: إنه وصف ركيك. أما قول الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، ولا يلزم في نظري كون الاسم بمعنى المسمى هنا، فإنه بلازم إلى بسط قليل، ليظهر صحة ما قاله. وقد ناقشها الرازي بعد مقدمة، قال فيها: من الناس من تمسك بهذه الآية، في أَن الاسم نفس المسمى. فأقول: إن الخوض في الاستدلال لا يمكن إلا بعد تلخيص محل النزاع، فلا بد ها هنا من بيان أن الاسم ما هو والمسمى ما هو. فنقول: إن كان المراد من الاسم هو هذا اللفظ، وبالمسمى تلك الذات، فالعاقل لا يمكن أن يقول: الاسم هو المسمى، وإن كان المراد من الاسم هو تلك الذات، وبالمسمى أيضاً تلك الذات. كان قولنا الاسم نفس المسمى، هو أن تلك الذات هي تلك الذات. وهذا لا يمكن أن ينازع فيه عاقل، فعلمنا أن هذه المسألة في وصفها ركيكة، وذكر الاشتباه على المتأخرين بسبب لفظ الاسم الذي هو قسيم الفعل والحرف، إذ هو مراد المتقدمين في إطلاقه وإرادة مسماه. ومن هنا تعلم: لماذا أعرض الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه عن بيانها؟ وقد أوردنا هذا البيان المجمل، لنطلع القارئ إليه، وعلى كل تقدير عند المتقدمين أو المتأخرين فإنه إن وقع الاحتمال في الذوات الأخرى فلا يقع في ذات الله وأسمائه، لأن لأسماء الله أحكاماً لا لأسماء الآخرين، ولأسمائه سبحانه حق التسبيح والتنزيه والدعاء بها كما تقدم. وهنا وجهة نظر لم أر من صرح بها، ولكن قد تفهم من كلام بعض المفسرين وتشير إليها السنة. وهي: أن يكون التسبيح هنا بمعنى الذكر والتعبد، كالتحميد والتهليل والتكبير. وقد جاء في كلام الرازي قوله: ويكون المعنى سبح ربك بذكر أسمائه، ونحوه في بعض نُقول الطبري. أما إشارة السنة إلى ذلك، فقد روى الطبري وغيره عنه صلى الله عليه وسلم أنها لما نزلت، قال صلى الله عليه وسلم بعد أن قرأها: "حديث : سبحان ربي الأعلى ". تفسير : وكذلك ما روي حديث : أنه صلى الله عليه وسلم لما نزلت {فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ} [الواقعة: 74]، قال: "اجعلوها في ركوعكم" ولما نزلت هذه قال: "اجعلوها في سجودكم" . تفسير : وساق القرطبي أثراً طويلاً في فضلها في الصلاة وخارج الصلاة، لكنه ليس بصحيح. وجاء الحديث الصحيح "حديث : تسبحون دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، وتكبرون ثلاثاً وثلاثين، وتختمون المائة بلا إله إلا الله ". تفسير : وقد صح عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: حديث : "ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة، بعد أن نزلت عليه {إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ} [النصر: 1]، إلا يقول: "سُبحانك ربنا وبحمدِك اللَّهم اغفر لِي"تفسير : ، وقالت: يتأول القرآن. وقالت أم سلمة: "حديث : إنه كان يقولها في قيامه وقعوده، ومجيئه وذهابه، صلى الله عليه وسلم" تفسير : فيكون سبح اسم ربك: أي اذكر ربك. وهذا ما دلت عليه الآية الأخرى في هذه السورة نفسها في قوله تعالى: {أية : قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ * وَذَكَرَ ٱسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّىٰ} تفسير : [الأعلى: 14-15] فصرّح بذكر اسم ربك، كما جاء {سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ}، فوضع الذكر موضع التسبيح، وهو ما أشرنا إليه. وبالله تعالى التوفيق.

الواحدي

تفسير : {سبِّح اسم ربك الأعلى} نزِّه ذات ربِّك من السُّوء. وقيل: معناه: قل: سبحان ربِّي الأعلى. {الذي خلق فسوَّى} خلق الإنسان مُستوي الخلق. {والذي قدَّر فهدى} قدَّر الأرزاق ثمَّ هدى لطلبها. {والذي أخرج} من الأرض {المرعى} النَّبات. {فجعله غثاء} يابساً وهو ما يحمله السَّيل ممَّا يجف من النَّبات {أحوى} أسود بالياً. {سنقرئُك} سنجعلك قارئاً لما يأتيك به جبريل عليه السَّلام من الوحي {فلا تنسى} شيئاً، وهذا وعدٌ من الله سبحانه لنبيِّه عليه السَّلام أن يحفظ عليه الوحي حتى لا ينفلت منه شيءٌ.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 1- نزِّه اسم ربك الأعظم عما لا يليق به. 2- الذى خلق كل شئ فجعله مستوى الخلق فى إحكام واتساق. 3- والذى قدَّر لكل شئ ما يصلحه فهداه إليه. 4- والذى أخرج من الأرض ما ترعاه الدواب من صنوف النباتات. 5- فصيره بعد الخضرة يابسا مسودا. 6- سنجعلك - يا محمد - قارئا بإلهام منا، فلا تَنْس ما تحفظ. 7- إلا ما شاء الله أن تنساه، إنه تعالى يعلم ما يجهر به عباده وما يخفونه من الأقوال والأفعال.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: سبح اسم ربك: أي نزه اسم ربك أن يُسمى به غيره وأن يذكر بسخرية أو لعب أي لا يذكر إلا بإجلال وإكبار ونزه ربك عما لا يليق به من الشرك والصاحبة والولد والشبيه والنظير. الأعلى: أي فوق كل شيء والقاهر لكل شيء. الذي خلق فسوى: أي الإِنسان فسوى أعضاءه بأن جعلها متناسبة غير متفاوتة. والذي قدر فهدى: أي قدر ما شاء لمن شاء وهداه إلى إتيان ما قدره له وعليه. والذي أخرج المرعى: أي أنبت العشب والكلأ. فجعله غثاء أحوى: أي بعد الخضرة والنضرة هشيما يابسا أسود. سنقرئك فلا تنسى: أي القرآن فلا تنساه بإِذننا. إلا ما شاء الله: أي إلا ما شئنا أن ننسيكه فإِنك تنساه وذلك إذا أراد الله تعالى نسخ شيء من القرآن بلفظه فإِنه يُنسي فيه رسوله صلى الله عليه وسلم. ونيسرك لليسرى: أي للشريعة السهلة وهي الإِسلام. فذكر إن نفعت الذكرى: أي من تذكر أو لم تنفع ومعنى ذكر عظ بالقرآن. ويتجنبها: أي الذكرى أي يتركها جانبا فلا يلتفت إليها. الأشقى: أي الكافر الذي كتبت شقاوته أزلا. يصلى النار الكبرى: أي نار الدار الآخرة. لا يموت فيها ولا يحيا: أي لا يموت فيستريح، ولا يحيا فيهنأ. معنى الآيات: قوله تعالى {سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ} هذا أمر من الله تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم وأمته تابعة له بأن ينزه اسم ربّه عن أن يسمى به غيره، أو أن يذكر في مكان قذر، أو أن يذكر بعدم إجلال واحترام، والأعلى صفة للربّ تبارك وتعالى دالة على علوه على خلقه فالخلق كله تحته وهو قاهر له وحاكم فيه. الذي خلق فسوى اي أوجد من العدم المخلوقات وسوى خلقها كل مخلوق بحسب ذاته فعدل أجزاءه وسوى بينها فلا تفاوت فيها {وَٱلَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ} أي قدر الأشياء في كتاب المقادير من خير وغيره وهدى كل مخلوق إلى ما قدره له أو عليه فهو طالب له حتى يدركه في زمانه ومكانه وعلى الصورة التي قدر عليها {وَٱلَّذِيۤ أَخْرَجَ ٱلْمَرْعَىٰ} أي ما ترعاه البهائم من الحشيش والعشب والكلأ. {فَجَعَلَهُ غُثَآءً أَحْوَىٰ} أي فجعله بعد الخضرة والنضرة هشيما متفرقا يابسا بين سواد وبياض وهي الحوّة هذه خمس آيات الآية الأولى تضمنت الأمر بتنزيه اسم الله والأربع بعدها في التعريف به سبحانه وتعالى حتى يعظم اسمه وتعظم ذاته وتنزه عن الشريك والصاحبة والولد وقوله تعالى {سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ} هذه عِدَةٌ من الله تعالى لرسوله. لعل سببها أنه كان صلى الله عليه وسلم إذا جاءه جبريل بالآيات يخاف نسيانها فيستعجل قراءتها قبل فراغ جبريل عليه السلام من إملائها عليه فيحصل له بذلك شدة فطمأنه ربّه أنه لا ينسى ما يقرئه جبريل {إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ} أن ينسيه إياه لحكمة اقتضت ذلك فإِنه ينساه فقد كان صلى الله عليه وسلم ينسى وذلك لما أراد الله أن ينسخه من كلامه. وقوله تعالى {إِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلْجَهْرَ وَمَا يَخْفَىٰ} هذه الجملة تعليلية لقدرة الله تعالى على أن يحفظ على رسوله القرآن فلا ينساه ومعنى يعلم الجهر وما يخفى أي أن الله تعالى يعلم ما يجهر به المرء من قراءة أو حديث وما يخفيه الكل يعلمه الله بخلاف عباده فإِنهم لا يعلمون ما يخفى عليهم ويُسرُّ به وقوله تعالى {وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَىٰ} أي للطريقة السهلة الخالية من الحرج وهي الشريعة الإِسلامية التي بنيت على أساس أن لا حرج في الدين {أية : وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} تفسير : [الحج: 78] وقوله تعالى {فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ ٱلذِّكْرَىٰ} من آيسناك من إيمانهم أو لم تنفع. لأنه صلى الله عليه وسلم مأمور بالبلاغ فيبلغ الكافر والمؤمن ويذكر الكافر والمؤمن. والأمر بعد لله. وقوله تعالى {سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَىٰ} أي سيذكر ويتعظ من يخشى عقاب الله لإِيمانه به ومعرفته له {وَيَتَجَنَّبُهَا} أي الذكرى {ٱلأَشْقَى} أي أشقى الفريقين فريق من يتذكر وفريق من لا يتذكر {ٱلَّذِى يَصْلَى ٱلنَّارَ ٱلْكُبْرَىٰ} أي يدخل النار الكبرى نار يوم القيامة {ثُمَّ لاَ يَمُوتُ فِيهَا} من جراء عذابها فيستريح {وَلاَ يَحْيَا} فيهنأ ويسعد إذ الشقاء لازمه. وهذه حال أهل النار ونعوذ بالله من حال أهل النار. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- وجوب تسبيح اسم الله وتنزيهه عما لا يليق به كوجوب تنزيه ذات الله تعالى عن كل ما لا يليق بجلاله وكماله. 2- مشروعية قول سبحان ربّي الأعلى عند قراءة هذه الآية سبح اسم ربك الأعلى. 3- وجوب التسبيح بها في السجود في كل سجدة من الصلاة سبحان ربي الأعلى ثلاثا فأكثر. 4- مشروعية قراءة هذه السورة في الوتر فيقرأ في الركعة الأولى بالفاتحة والأعلى وفي الثانية بالفاتحة والكافرون، وفي ركعة الوتر بالفاتحة والصمد أو الصمد والمعوذتين. 5- أحب الرسول صلى الله عليه وسلم سورة الأعلى لأنها سورة ربّه وأن ربّه بشره فيها بشارتين عظيمتين الأولى أنه يُيسره لليسرى، ومن ثم ما خُير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين شيئين إلا اختار أيسرهما والثانية أنه حفظه من النسيان بأن جعله لا ينسى. ولذا كان يُصلي بهذه السورة الجمع والأعياد والوتر في كل ليلة فصلى الله عليه وسلم.

القطان

تفسير : التسبيح: التنزيه. فسوّى: فعدل هذا الكون وقومه. وقدّر فهدى: قدّر لكل كائن ما يصلحه فهداه اليه. المرعى: كل ما تنبته الارض لصالح الحيوان. غُثاء: يابسا مسودّا. والغثاء: ما يحمله السيل من الحشائش والاوراق التي لا قيمة لها. يقال غثا الوادي يغثو غثُوّاً كثُرَ فيه الغثاء. أحوى: ما يُحيل لونَه الى السواد. نيسّرك لليسرى: نوفقك الى طريق الخير. الذِكرى: الموعظة. الأشقى: المصرّ على العناد. يصلَى النار: يدخلها. قد أفلح: قد فاز. من تزكّى: من طهر نفسه بالايمان. تؤثرون: تفضّلون. وأبقى: أدوم. نزِّه يا محمد ربّك الأعظم عن كل ما لا يليق بجلاله. وقد وجّه الله الأمر بتسبيحِ اسمه الأعلى دون تسبيح ذاته ليرشدَنا الى أن مبلغ جهدنا هو معرفةُ صفاته. اما ذاتُه العليّة فهي أعلى وابعد من أن ندركها في هذه الحياة الدنيا. ثم ذَكَر أوصافَه الجليلة ومظاهر قدرته البالغة وكمالَه فقال: {ٱلَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ} هذا الكونَ العجيب وأتقنَ خلقه، وأبدع صنعه. {وَٱلَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ} قدّر لكل مخلوق ما يصلحه فهداه اليه، وعرّفه وجه الانتفاع به. {وَٱلَّذِيۤ أَخْرَجَ ٱلْمَرْعَىٰ} وأنبتَ النبات مختلف الأشكال لترعاه الدواب. {فَجَعَلَهُ غُثَآءً أَحْوَىٰ} أي صيَّره يابسا جافا بعد الخضرة والنضارة. وفي هذا عبرة لذوي العقول، فكما ان النبات يبدأ أخضر زاهيا ثم يَميل الى الجفاف والسواد - فكذلك الحياةُ الدنيا زائلة فانية، والآخرة هي الباقية. وبعد ان ذكر الله دلائلَ قدرته، ذكر فضلَه على رسوله الكريم مع البشرى العظيمة له ولأمته بقوله: {سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلْجَهْرَ وَمَا يَخْفَىٰ} بشرى عظيمة من الله تعالى لك يا محمد أنه سيشرح صدرَك، ويقوّي ذاكرتَك فتتلقى القرآنَ وتحفظه فلا تنساه. {إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ} أن تنساه. فانه تعالى يعلم ما يجهر به عباده وما يخفونه. ثم يزيد البشارة فيقول: {وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَىٰ} ونوفّقك للطريقة السهلة. فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب اليُسر في كل الأمور. روت عائشة رضي الله عنها أنه ما خُير بين أمرين الا اختار أيسرهما. رواه البخاري ومسلم. وكلُّ سيرته مبنيّة على اليسر، وأحاديثه تحضُّ على اليسر والسماحة والرِفق في تناول الأمور. لقد منّ الله عليه بهذه البشرى: أَقرأه فلا ينسى الا ما شاءَ الله، ويسّره لليسرى حتى ينهضَ بالأمانة الكبرى. فلهذا أُعِد ولهذا يُسّر. {فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ ٱلذِّكْرَىٰ} ذكِّر الناسَ بما أوحيناه اليك، لعلّهم يرجعون الى الله، وينتفع بتذكيرك من يخاف الله. اما المعاندون الجاحدون فلا تنفع معهم الذكرى ولا تجدي. {وَيَتَجَنَّبُهَا ٱلأَشْقَى ٱلَّذِى يَصْلَى ٱلنَّارَ ٱلْكُبْرَىٰ ثُمَّ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَا}. فالأشقى المصرّ على العناد لا يسمع لها ولا يستفيد منها. ومصيره الى النار الكبرى لا يموتُ فيها فيستريح بالموت، ولا يحيا حياةً يهنَأُ بها.. بل يبقى في العذاب خالدا. اما الذي ينتفع بالذِكرى فإنه من أهل الفوز والفلاح. {قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ وَذَكَرَ ٱسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّىٰ} لقد فاز من تطهر من الشرك والآثام، وذكر اسم خالقه بقلبه ولسانه فصلّى خاشعا يرجو رحمة ربه. ثم ردّ سبحانه على من قست قلوبهم، وتعلقوا بهذه الحياة الفانية ونسوا الآخرة فقال: {إِنَّ هَـٰذَا لَفِي ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ}. ان جميع ما أُوحي به الى النبي الكريم هو بعينه ما جاء في صحف ابراهيم وموسى، فدينُ الله واحد، وانما تختلف صورهُ وتتعدّد مظاهره.. قراءات: قرأ الكسائي: قدر بالتخفيف. والباقون: قدّر بالتشديد. وقرأ ابو عمرو وروح: يؤثرون بالياء. والباقون تؤثرون بالتاء.

د. أسعد حومد

تفسير : (1) - نَزِّهِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى العَظِيمِ عَنْ كُلِّ مَا لاَ يَلِيقُ بِجَلاَلِهِ، فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَسْمَائِهِ، فَلاَ تَذْكُرْهُ إِلاَّ عَلَى وَجْهِ التَّعْظِيمِ لَهُ.

الثعلبي

تفسير : {سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ} يعني قل: سبحان ربّي الأعلى، وإلى هذا التأويل ذهب جماعة من الصحابة والتابعين، وقال قوم معناه: نزّه ربّك الأعلى عما يقول فيه الملحدون ويصفه به المبطلون، وجعلوا الاسم صلة، ويجوز أن يكون معناه، نزّه ذات ربّك عما لا يليق به، لأن الاسم والذات والنفس عبارة عن الوجود والإثبات. وقال آخرون: نزّه تسمية ربّك وذكرك إياه إن تذكره إلاّ وأنت خاشع معظّم ولذكره محترم، وجعلوا الاسم بمعنى التسمية، وقال الفراء: سواء قلت سبح اسم ربّك أو سبح باسم ربّك إذا أردت ذكره وتسبحيه، وقال ابن عباس: صلِّ بأمر ربّك الأعلى. {ٱلَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ} فعدل الخلق {وَٱلَّذِي قَدَّرَ} خفّف عليّ والسلمي والكسائي داله، وشدَّدها الآخرون. {فَهَدَىٰ}: قال مجاهد: هدى الإنسان لسبيل الخير والشر والسعادة والشقاوة وهدى الأنعام لمراتعها، وقال مقاتل والكلبي: عرّف خلقه كيف يأتي الذكر الانثى، وعن عطاء قال: جعل لكل دابة ما يصلحها وهذا حاله، وقيل: هدى لإكتساب الأرزاق والمعاش، وقيل: خلق المنافع في الأشياء وهدى الإنسان لوجه إستخراجها منه، وقيل: هدى لدينه مَنْ يشاء من خلقه. قال السدي: قدر الولد في الرحم تسعة أشهر، أقل، أو أكثر، وهدى للخروج من الرحم. وقال الواسطي: قدّر السعادة والشقاوة عليهم ثم يسّر لكل واحد من الطالعين سلوك ما قدّر عليه، وقيل: قدّر الأرزاق فهداهم لطلبها، وقيل: قدّر الذنوب على عباده ثم هداهم الى التوبة. {وَٱلَّذِيۤ أَخْرَجَ ٱلْمَرْعَىٰ} النبات من بين أخضر وأصفر وأحمر وأبيض. {فَجَعَلَهُ غُثَآءً} هشيماً بالياً، {أَحْوَىٰ} أسود إذا هاج وعتق. {سَنُقْرِئُكَ}: سنعلمك ويقرأ عليك جبريل، {فَلاَ تَنسَىٰ * إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ} أن تنساه وهو ما ننسخه من القرآن، وهذا معنى قول قتادة، وقال مجاهد والكلبي: كان النبي (عليه السلام) إذا نزل جبريل بالقرآن لم يفرغ من آخر الآية حتى يتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأوله مخافة أن ينساها فأنزل الله تعالى: {سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ} فلم ينس بعد ذلك شيئاً، ووجه الاستثناء على هذا التأويل ما قاله الفراء: لم يشأ أن ينسى شيئاً، وهو كقوله سبحانه: {أية : خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ} تفسير : [هود: 107]، وأنت تقول في الكلام لأعطينّك كل ما سألت إلاّ ما شاء أن أمنعك والنية أن لا تمنعه، وعلى هذا مجاري الأيمان يستثنى فيها ونية الحالف النمّام. وسمعت محمد بن الحسن السلمي يقول: سمعت محمد بن الحسن البغدادي يقول: سمعت محمد بن عبد الله الفرغاني يقول: كان يغشي الجنيد في مجلسه أهل النسك من أهل العلوم وكان أحد مَنْ يغشاه ابن كيسان النحوي، وكان في وقته رجلا جليلا فقال له يوماً: يا أبا القاسم ما تقول في قوله سبحانه: {سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ} فأجابه مسرعاً كأنه تقدم له السؤال قبل ذلك بأوقات: لا تنسى العمل به، فأعجب ابن كيسان به إعجاباً شديداً وقال: لا يفضض الله فاك مثلك من يصدر عن رأيه. {إِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلْجَهْرَ} من القول والفعل {وَمَا يَخْفَىٰ}: قال محمد بن حامد: يعلم إعلان الصدقة واخفاءها. {وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَىٰ} لعمل الجنّة، وقيل: هو متصل بالكلام الأول معناه: نعلم الجهر مما تقرأه يا محمد على جبريل إذا فرغ من التلاوة عليك، وما يخفى ما تقرأه في نفسك مخافة ان تنساه. ثم وعده فقال: {وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَىٰ} أي يهون عليك الوحي حتى تحفظه وتعلمه وتعمل به، وقيل: ويوفقك للشريعة اليسرى، وهي الحنفية السمحة. {فَذَكِّرْ} عظ بالقرآن {إِن نَّفَعَتِ ٱلذِّكْرَىٰ} التذكر {سَيَذَّكَّرُ} سيتّعظ {مَن يَخْشَىٰ} الله سبحانه {وَيَتَجَنَّبُهَا ٱلأَشْقَى} يعني ويتجنب التذكرة ويتباعد عنها. {ٱلأَشْقَى} الشقي في علم الله سبحانه. {ٱلَّذِى يَصْلَى ٱلنَّارَ ٱلْكُبْرَىٰ * ثُمَّ لاَ يَمُوتُ فِيهَا} فيستريح {وَلاَ يَحْيَا} أي حياة تنفعه. وسمعت السلمي يقول: سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت أبا القاسم البزاز يقول: قال إبن عطا: لا يحيى فيستريح عن القطيعة ولا يحيا فيصل إلى روح الوصلة.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا محمد بن الفضل عن زيد العمى، عن مرة الهمذاني، عن أَبي هريرة قال: قلنا: يا رسول الله، كيف نقول في سجودنا؟ فأَنزل الله، عز وجل: {سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ} [الآية: 1]. فأَمرنا رسول الله، صلى الله عليه [وسلم]، أَن نقول في سجودنا: "سبحان ربي الأَعلى" وترا. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد قال: أَما قوله: {قَدَّرَ} [الآية: 3] فيقول: قدر للإِنسان الشقاءَ والسعادة. وأَما قوله {فَهَدَىٰ} [الآية: 3]. فيقول: هدى الأَنعام لمراتعها. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد قال: "الْغُثَاءُ" [الآية: 5] {غُثَآءً}: السيل. و"الأَحوى" [الآية: 5]: اليابس.

الصابوني

تفسير : اللغَة: {غُثَآءً} الغُثاء: ما يقذف به السيل على جانب الوادي من الحشائش والأوراق والنباتات {أَحْوَىٰ} أسود مأخوذ من الحُوة وهي السواد أو السمرة {يَصْلَى} يدخل ويقاسي حرّها يقال: أصليتُه ناراً وجعلته يذوق حرها. التفسِير: {سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ} أي نزِّه يا محمد ربك العلي الكبير عن صفات النقص، وعما يقوله الظالمون، مما لا يليق به سبحانه وتعالى من النقائص والقبائح، وفي الحديث أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ هذه الآية قال: "حديث : سبحانه ربي الأعلى"تفسير : .. ثم ذكر من أوصافه الجليلة، ومظاهر قدرته الباهرة، ودلائل وحدانيته وكماله فقال {ٱلَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ} أي خلق المخلوقات جميعها، فأتقن خلقها، وأبدع صنعها، في أجمل الأشكال، وأحسن الهيئات قال في البحر: أي خلق كل شيء فسواه، بحيث لم يأت متفاوتاً، بل متناسباً على إحكام وإتقان، للدلالة على أنه صادر من عالم حكيم {وَٱلَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ} أي قدَّر في كل شيء خواصه ومزاياه بما تجلُّ عنه العقول والأفهام، وهدى الإِنسان لوجه الانتفاع بما أودعه فيها، وهدى الإِنعام إلى مراعيها، ولو تأملت ما في النباتات من الخواص، وما في المعادن من المزايا والمنافع، واهتداء الإِنسان لاستخراج الأدوية والعقاقير النافعة من النباتات، واستخدام المعادن في صنع المدافع والطائرات، لعلمتَ حكمةَ العلي القدير، الذي لولا تقديره وهدايته لكنا نهيم في دياجير الظلام كسائر الأنعام قال المفسرون: إِنما حذف المفعول لإِفادة العموم أي قدَّر لكل مخلوق وحيوان ما يصلحه، فهداه إِليه وعَرَّفه وجه الانتفاع به {وَٱلَّذِيۤ أَخْرَجَ ٱلْمَرْعَىٰ} أي أنبت ما ترعاه الدواب، من الحشائش والأعشاب {فَجَعَلَهُ غُثَآءً أَحْوَىٰ} أي فصيَّره بعد الخضرة أسود بالياً، بعد أن كان ناضراً زاهياً، ولا يخفى ما في المرعى من المنفعة بعد صيرورته هشيماً يابساً، فإنه يكون طعاماً جيداً لكثير من الحيوانات، فسبحان من أحكم كل شيء و{أية : أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ}تفسير : [طه: 50]!! وبعد أن ذكر دلائل قدرته ووحدانيته، ذكر فضله وإنعامه على رسوله فقال {سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ} أي سنقرئك يا محمد هذا القرآن العظيم فتحفظه في صدرك ولا تنساه {إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ} أي لكن ما أراد الله نسخه فإنك تنساه.. وفي هذه الآية معجزة له عليه الصلاة والسلام، لأنه كان أمياً لا يقرأ ولا يكتب، وكان مع ذلك لا ينسى ما أقرأه جبريل عليه السلام، وكونه يحفظ هذا الكتاب العظيم من غير دراسة ولا تكرار ولا ينساه أبداً، من أعظم البراهين على صدق نبوته صلى الله عليه وسلم قال ابن كثير: هذا إخبار من الله تعالى ووعدٌ لرسوله صلى الله عليه وسلم بأنه سيقرئه قراءة لا ينساها {إِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلْجَهْرَ وَمَا يَخْفَىٰ} أي هو تعالى عالم بما يجهر به العباد وما يخفونه من الأقوال والأفعال، لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء {وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَىٰ} أي ونوفقك للشريعة السمحة البالغة اليسر، التي هي أيسر وأسهل الشرائع السماوية، وهي شريعة الإِسلام {فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ ٱلذِّكْرَىٰ} أي فذكر يا محمد بهذا القرآن حيث تنفع الموعظة والتذكرة كقوله {أية : فَذَكِّرْ بِٱلْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ}تفسير : [ق: 45] قال ابن كثير: ومن هٰهنا يؤخذ الأدب في نشر العلم، فلا يضعه عند غير أهله، كما قال علي رضي الله عنه "ما أنت بمحدّث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم، إلا فتنة لبعضهم" وقال: حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله"؟ {سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَىٰ} أي سينتفع بهذه الذكرى والموعظة من يخاف الله تعالى {وَيَتَجَنَّبُهَا ٱلأَشْقَى} أي ويرفضها ويبتعد عن قبول الموعظة الكافر المبالغ في الشقاوة {ٱلَّذِى يَصْلَى ٱلنَّارَ ٱلْكُبْرَىٰ} أي الذي يدخل نار جهنم المستعرة، العظيمة الفظيعة قال الحسن: النار الكبرى نارُ الآخرة، والصغرى نارُ الدنيا {ثُمَّ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَا} أي لا يموت فيستريح، ولا يحيا الحياة الطيبة الكريمة، بل هو دائم في العذاب والشقاء {قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ} أي قد فاز من طهَّر نفسه بالإِيمان، وأخلص عمله للرحمن {وَذَكَرَ ٱسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّىٰ} أي وذكر عظمة ربه وجلاله، فصلى خشوعاً وامتثالا لأمره {بَلْ تُؤْثِرُونَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا} أي بل تفضلون أيها الناس هذه الحياة الفانية على الآخرة الباقية، فتشتغلون لها وتنسون الآخرة {وَٱلآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ} أي والحال أن الآخرة خيرٌ من الدنيا وأبقى، لأن الدنيا فانية، والآخرة باقية، والباقي خيرٌ من الفاني، فكيف يؤثر عاقلٌ ما يفنى على ما يبقى؟ وكيف يهتم بدار الغرور، ويترك الاهتمام بدار البقاء والخلود؟ قرأ ابن مسعود هذه الآية فقال لأصحابه: أتدرون لم آثرنا الحياة الدنيا على الآخرة؟ قالوا: لا، قال: لأن الدنيا أحضرت وعجلت لنا بطعامها، وشرابها، ونسائها، ولذاتها، وبهجتها، وإن الآخرة غُيبتْ وزُويت عنا، فأحببنا العاجل، وتركنا الآجل {إِنَّ هَـٰذَا لَفِي ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ} أي إن هذه المواعظ المذكورة في هذه السورة، مثبتة في الصحف القديمة المنزلة على إِبراهيم وموسى عليهما السلام، فهي مما توافقت فيه الشرائع، وسطرته الكتب السماوية، كما سطره هذا الكتاب المجيد. البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- الطباق {لاَ يَمُوتُ .. وَلاَ يَحْيَا} وكذلك {ٱلْجَهْرَ .. وَمَا يَخْفَىٰ}. 2- جناس الاشتقاق {نُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَىٰ} و{ذَكِّرْ .. و ٱلذِّكْرَىٰ}. 3- المقابلة بين {سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَىٰ} وبين {وَيَتَجَنَّبُهَا ٱلأَشْقَى}. 4- حذف المفعول ليفيد العموم في قوله {خَلَقَ فَسَوَّىٰ} وفي {قَدَّرَ فَهَدَىٰ} لأن المراد خلق كل شيء فسواه، وقدر كل شيء فهداه. 5- السجع غير المتكلف وهو كثير في القرآن مثل {أَخْرَجَ ٱلْمَرْعَىٰ * فَجَعَلَهُ غُثَآءً أَحْوَىٰ * سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ} وهو من المحسنات البديعية. تنبيه: صحف موسى غير التوراة، وقد ورد أنه أعطي عشر صحف وكانت كلها عبراً، قال أبو ذر: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صحف موسى ما كانت؟ قال: كانت عبراً كلها (عجبتُ لمن أيقن بالموت كيف يفرح! عجبت لمن أيقن بالنار كيف يضحك! عجبتُ لمن رأى الدنيا وتقلُّبها بأهلها كيف يطمئن إليها! عجبت لمن أيقن بالقَدَر ثم ينصب! عجبت لمن أيقن بالحساب ثم لا يعمل!!).

الأندلسي

تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ} هذه السورة مكية ولما ذكر فيما قبلها فلينظر الإِنسان مم خلق كان قائلاً قال من خلقه على هذا المثال فقال: {سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ}. وأيضاً لما قال: {ٱلأَعْلَىٰ} إنه لقول فصل قيل سنقرئك أي ذلك القول الفصل وسبح نزه عن النقائص اسم ربك الظاهر أن التنزيه يقع على الإِسم أي نزهه عن أن يسمى به صنم أو وثن فيقال له: رب أو إلٰه وإذا كان قد أمر بتنزيه اللفظ ان يطلق على غيره فهو أبلغ وتنزيه الذات أحرى وقيل الإِسم هنا بمعنى المسمى قيل حديث : لما نزل سبح إسم ربك الأعلى قال صلى الله عليه وسلم اجعلوها في سجودكم تفسير : وكانوا يقولون في الركوع اللهم لك ركعت وفي السجود اللهم لك سجدت والأظهران الأعلى صفة لربك. {ٱلَّذِي} صفة أيضاً. {خَلَقَ} أي كل شىء. {فَسَوَّىٰ} أي لم يأت متفاوتاً بل متناسباً على إحكام وإتقان دلالة على أنه صادر عن عالم حكيم وهذا عام لجميع الهدايات والمرعى النبات الذي يرعى والغثاء ما يقذف به السيل على جانب الوادي من الحشيش والنبات وغير ذلك، والأحوى السواد المائل إلى الخضرة ولما تغايرت الصفات وتباينت أتى لكل صلة بموصول وعطف على كل صلة ما يترتب عليها فجاء الموصول الأول الذي خلق فسوى والثاني: الذي قدر فهدى والثالث: الذي أخرج المرعى فجعله غثاء فأحوى حال من المدعي وآخر لكونه فاصلة. {سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ} هذا في معنى لا تحرك به لسانك وعده الله أن يقرئه وأخبره أنه لا ينسى نسياناً لا يكون بعده ذكر إن كان يحرك شفتيه مبادرة خوفاً من أن ينسى وهذه آية للرسول صلى الله عليه وسلم في أنه أمي وحفظ الله عليه الوحي وأمنه من نسيانه. {إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ} الظاهر أنه استثناء مقصود معناه مما قضى الله تعالى بنسخه وأن ترتفع تلاوته وحكمه. و{إِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلْجَهْرَ} أي جهرك بالقرآن. {وَمَا يَخْفَىٰ} أي في نفسك من خوف التفلت وقد كفاك ذلك بكونه تكفل بإِقرائك إياه وإخباره أنك لا تنسى إلا ما استثناه وتضمن ذلك إحاطة علمه تعالى باشياء. {وَنُيَسِّرُكَ} معطوف على سنقرئك وما بينهما من الجملة المؤكدة اعتراض أي نوفقك للطريقة التي هي أيسر وأسهل يعني في حفظ الوحي ولما أخبر أنه يقرئه وييسر أمره بالتذكير إذ ثمرة الاقراء هي انتفاعه في ذاته وانتفاع من أرسل إليهم والظاهر أن الأمر بالتذكير مشروط بنفع الذكرى وهذا الشرط إنما جيء به توبيخاً لقريش أي إن نفعت الذكرى في هؤلاء الطغاة العتاة ومعناه استبعاد انتفاعهم بالذكرى. {سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَىٰ} أي يتذكر بذاكر من يخاف فإِن الخوف حامل على النظر في الذي ينجيه مما يخافه. {وَيَتَجَنَّبُهَا} أي الذكرى. {ٱلأَشْقَى} أي البالغ في الشقاوة لأن الكافر بالرسول عليه السلام هو أشقى الكفار كما أن المؤمن به وبما جاء به هو أفضل ممن آمن برسول قبله ثم وصف بما يؤول إليه حاله في الآخرة وهو صلى النار ووصفها بالكبرى وهي نار الآخرة والصغرى نار الدنيا. {ثُمَّ لاَ يَمُوتُ فِيهَا} فيستريح. {وَلاَ يَحْيَا} حياة هنيئة وجيء بثم المقتضية للتراخي إيذاناً بتفاوت مراتب الشدّة لأن التردد بين الحياة والموت أشد وأفظع من الصلي. {قَدْ أَفْلَحَ} أي فاز وظفر بالبغية. {مَن تَزَكَّىٰ} من تطهر من الشرك وقال لا إله إلا الله قاله ابن عباس. {وَذَكَرَ ٱسْمَ رَبِّهِ} أي وحده لم يقرنه بشىء من الأنداد. {فَصَلَّىٰ} أي الصلاة المفروضة وما أمكنه من النوافل والمعنى أنه لما تذكر من آمن بالله ثم أخبر تعالى عنه أنه أفلح أي من أتى بهاتين العبادتين الصلاة والزكاة وقرىء: يؤثرون بياء الغيبة وبالتاء خطاباً للكفار. {وَٱلآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ} لفي الصحف الأولى لم ينسخ إفلاح من تزكى والآخرة خير وأبقى في شرع من الشرائع فهو في الأولى وفي آخر الشرائع وتقدم الكلام على صحف إبراهيم وموسى في سورة النجم.

الجيلاني

تفسير : {سَبِّحِ} يا من غرق في تيار بحث زخَّار الوجود، وتلاشى في لمعات شمس الشهود {ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ} [الأعلى: 1] وإن لم يبق لك التوسل بمطلق الأسماء، بعدما فنيت في المسمى. ثمَّ تذكر حصة عبوديتك نعمه الواصلة إليك بعدما فزت بخلع البقاء، وتذكيراً استحضاراً لمَّا جرى عليك من الشئون والأطوار في نشأة ناسوتك؛ إذ هو سبحانه القادر {ٱلَّذِي خَلَقَ} وأوجد عموم ما خلق وأظهر {فَسَوَّىٰ} [الأعلى: 2] خلق الكل بحوله وقوته، مع ما يتعلق به، ويترتب عليه في معاشه ومعاده. {وَ} هو {ٱلَّذِي قَدَّرَ} المقادير ودبر التدابير وأحسن التصاوير وأودع فيها ما أودع من الاستعدادات والقابليات الجالبة لأنواع الكمالات، وبعدما عدلها وهيأها {فَهَدَىٰ} [الأعلى: 3] أي: هدى الكل إلى ما جبلوا لأجله بوضع التكاليف المشتملة على الأوامر والنواهي، والأحكام الواجبة والمندوبة، والأخلاق المرضية والآداب السنية؛ ليتمرنوا على الأمور المذكورة ويترسخوا فيها بالعزيمة الخالصة حتى يفيض عليهم طلائع سلطان الوحدة الذاتية المنقذة لهم عن ورطة الناسوت، الموصلة إلى فضاء اللاهوت. {وَ} هو سبحانه {ٱلَّذِيۤ أَخْرَجَ} بكمال قدرته {ٱلْمَرْعَىٰ} [الأعلى: 4] أي: أنبت وأظهر المرعى الحاصل في مرتع الدنيا بأجناسها وأنواعها وأصنافها؛ تتميماً لتربية دواب الطبائع وحوامل الأركان القابلة لتأثيرات عالم الأسماء والصفات؛ ليتقوموا بها ويستعدوا لفيضان المعارف والحقائق، وأنواع الكمالات اللائقة التي هم جُبلوا لأجلها. وبعدما حصل لهم ما حصل من الكمالات المنتظرة في نشأة الناسوت {فَجَعَلَهُ} سبحانه مرعى العالم مع كمال نضارتها وبهائها في نظر شهود أولي الألباب، الناظرين ينور الله من وراء سدل الأسماء والصفات {غُثَآءً} يابساً، بل سراباً باطلاً بعدما تحققوا بمقر التوحيد، ورفعوا وسائل الأوصاف والأسماء عن البين، فصار الكل حينئذٍ هباء {أَحْوَىٰ} [الأعلى: 5] عدماً لا يبقى، أسود موحشاً مظلمّاً، بعدما كان أخضر مفرحاً. ثمَّ التفت سبحانه نحو حبيبه صلى الله عليه وسلم على سبيل التفضل والامتنال فقال على وجه الوصاية والتذكير: {سَنُقْرِئُكَ} ونجعلك قارئاً مراقباً على وجوه الوحي والإلهام النازل من لدنا عليك، مع أنك أمي لم يعهد منك أمثالها {فَلاَ تَنسَىٰ} [الأعلى: 6] يعني: عليك أن تضبط هذه النعمة وتحفظها على وجهها، وتواظب على أداء شكرها بلا فوت شيء منها وزيادة عليها وتحريف فيها. {إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ} العليم الحكيم نسيانه منك بأن نسخ تلاوته أو حكمه أو كلاهما على مقتضى حكمته المتقنة المستحكمة ومصلحته، وبعدما سمعت يا أكمل الرسل ما سمعت فدم عليها، ولا تغفل سراً وجهراً، وحالاً ومقالاً عنها {إِنَّهُ} سبحانه {يَعْلَمُ} منك {ٱلْجَهْرَ وَمَا يَخْفَىٰ} [الأعلى: 7] أي: ظاهرك وباطنك؛ يعني: ما امتثلت بظاهرك من مقتضيات الوحي الإلهام، وبباطنك من الإخلاص في النيات والحالات والخلوص في العزائم والمقامات. {وَ} اعلم يا أكمل الرسل أنَّا بمقتضى عظيم جودنا معك {نُيَسِّرُكَ} ونوفقك على التدين والتحفظ بمقتضيات الوحي {لِلْيُسْرَىٰ} [الأعلى: 8] أي: للطريقة السلهة السمحة البيضاء. وبعدما يسرنا لك وسلهنا عليك طريق الهداية والإرشاد {فَذَكِّرْ} يعني: عظ بالقرآن وبين الأحكام الموردة فيه للناس {إِن نَّفَعَتِ ٱلذِّكْرَىٰ} [الأعلى: 9] أي: سواء نفعت عظتك وتذكيرك إياهم أو لم تنفع؛ إذ ما عليك إلاَّ البلاغ، وعلينا الحساب.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : يا مسبح سبح أولاً لجاري اسمه ربك اشتغل بذكر الله حتى يطهر لسانك عن الغيبة والكذب والفحش والنميمة وما شاكلها، يستحق أن يكون مسبحاً لله ولا يمكن حصول تطهير اللسان إلا باسم الرب فلأجل هذا قال في كتابه: {سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ} [الأعلى: 1] [من أن] يجري على لسان ملوث، والاسم الأعلى هو الله، والذكر الأفضل لا إله إلا الله ولأجل هذا السر اختار المشايخ الذين عرفوا الطريق على وجه التحقيق وهم طبقة أستاذ الطريقة الجنيد البغدادي - قدس سره - للسالكين الذين دخلوا في الطريقة، وجاهدوا في تطهير القلب؛ لينزل سلطان ذكر الرب فيه لا إله إلا الله، وإذا طهرت صورة الذكر صورة لسانك، وطهرت معاني الذكر حقيقة جنانك عرفت الرب وسبحته حق التسبيح، وعلمت أنه خلقك من العناصر الأربعة فسواك في أعدك الأمزجة ليصلح أن يكون مركباً للروح الإضافي، وقدر أقوات القوى الروحانية من نفحات ألطاف الرب، وأقوات القوى الجسمانية من التدبيرات السماوية النازلة إلى أرض القالب، وهدى كل قوة إلى قوتها المقدرة كما قال في كتابه: {ٱلَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ * وَٱلَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ * وَٱلَّذِيۤ أَخْرَجَ ٱلْمَرْعَىٰ} [الأعلى: 2-4]؛ يعني: أخرج مرعى الروح من ثدي الخفي كما أخرج مرعى الجسم من ثدي البطن {فَجَعَلَهُ غُثَآءً} [الأعلى: 5]؛ أي: هشيما مذللاً للأطفال، ونور البصيرة في سواد الخفي، ولين المعرفة والتربية الجسمانية والروحانية {أَحْوَىٰ} [الأعلى: 5]؛ يعني: بحكمته جعل رأس الثديين أسود لأنه أودع نور البصر في سواد العين، ونور البصيرة في سواد الخفي، ولين المعرفة والتربية في الثديين المصبوغين بصبغ السواد الذي ليس بعده لون في تحقيق هذا السرع قرع باب حد القرآن. {سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ} [الأعلى: 6] يقول الله تعالى للطيفة الخفية: سنقرئك من بيان الحدود فلا تنسى حقيقة أبد الدهر {إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ} [الأعلى: 7]؛ لأنه حكيم رحيم يعلم أن الأسرار التي هي مدرجة في الحدود لو تكشف على أحد يحترق العقل ويبطل نظام العالم السفلي، {إِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلْجَهْرَ وَمَا يَخْفَىٰ} [الأعلى: 7] إنه يعلم ظاهر القرآن وباطنه، ويعلم قوة ظاهرك وباطنك ومقدراً تحمله معاني الظهر والبطن، فعلى قدر ما تكون قوتك نقرأه عليك ويثبت في قلبك بحور ما لك طاقة في حملها. {وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَىٰ} [الأعلى: 8]؛ أي: نهون عليك حمل ما أثبت في لوحك وقرأته والعمل به، {فَذَكِّرْ} [الأعلى: 9] القوى القالبية والنفسية، والسرية والقلبية، والروحية والخفية، {إِن نَّفَعَتِ ٱلذِّكْرَىٰ} [الأعلى: 9]؛ يعني: إن كنت تذكر ما قرأت على لوحك فما عليك أن ينفع لهم الذكر أو لا ينفع وعليك الوعظ والإبلاغ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يأمر تعالى بتسبيحه المتضمن لذكره وعبادته، والخضوع لجلاله، والاستكانة لعظمته، وأن يكون تسبيحا، يليق بعظمة الله تعالى، بأن تذكر أسماؤه الحسنى العالية على كل اسم بمعناها الحسن العظيم، وتذكر أفعاله التي منها أنه خلق المخلوقات فسواها، أي: أتقنها وأحسن خلقها، { وَالَّذِي قَدَّرَ } تقديرًا، تتبعه جميع المقدرات { فَهَدَى } إلى ذلك جميع المخلوقات. وهذه الهداية العامة، التي مضمونها أنه هدى كل مخلوق لمصلحته، وتذكر فيها نعمه الدنيوية، ولهذا قال فيها: { وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى } أي: أنزل من السماء ماء فأنبت به أنواع النبات والعشب الكثير، فرتع فيها الناس والبهائم وكل حيوان، ثم بعد أن استكمل ما قدر له من الشباب، ألوى نباته، وصوح عشبه، { فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى } أي: أسود أي: جعله هشيمًا رميمًا، ويذكر فيها نعمه الدينية، ولهذا امتن الله بأصلها ومنشئها، وهو القرآن، فقال: { سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى } أي: سنحفظ ما أوحينا إليك من الكتاب، ونوعيه قلبك، فلا تنسى منه شيئًا، وهذه بشارة كبيرة من الله لعبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، أن الله سيعلمه علمًا لا ينساه. { إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ } مما اقتضت حكمته أن ينسيكه لمصلحة بالغة، { إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى } ومن ذلك أنه يعلم ما يصلح عباده أي: فلذلك يشرع ما أراد، ويحكم بما يريد، { وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى } وهذه أيضًا بشارة كبيرة، أن الله ييسر رسوله صلى الله عليه وسلم لليسرى في جميع أموره، ويجعل شرعه ودينه يسرا. { فَذَكِّرْ } بشرع الله وآياته { إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى } أي: ما دامت الذكرى مقبولة، والموعظة مسموعة، سواء حصل من الذكرى جميع المقصود أو بعضه. ومفهوم الآية أنه إن لم تنفع الذكرى، بأن كان التذكير يزيد في الشر، أو ينقص من الخير، لم تكن الذكرى مأمورًا بها، بل منهيًا عنها، فالذكرى ينقسم الناس فيها قسمين: منتفعون وغير منتفعين. فأما المنتفعون، فقد ذكرهم بقوله: { سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى } الله تعالى، فإن خشية الله تعالى، وعلمه بأن سيجازيه على أعماله، توجب للعبد الانكفاف عن المعاصي والسعي في الخيرات. وأما غير المنتفعين، فذكرهم بقوله: { وَيَتَجَنَّبُهَا الأشْقَى الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى } وهي النار الموقدة، التي تطلع على الأفئدة. { ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا } أي: يعذب عذابًا أليمًا، من غير راحة ولا استراحة، حتى إنهم يتمنون الموت فلا يحصل لهم، كما قال تعالى: {أية : لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا }. تفسير : { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى } أي: قد فاز وربح من طهر نفسه ونقاها من الشرك والظلم ومساوئ الأخلاق، { وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى } أي: اتصف بذكر الله، وانصبغ به قلبه، فأوجب له ذلك العمل بما يرضي الله، خصوصًا الصلاة، التي هي ميزان الإيمان، فهذا معنى الآية الكريمة، وأما من فسر قوله { تزكى } بمعني أخرج زكاة الفطر، وذكر اسم ربه فصلى، أنه صلاة العيد، فإنه وإن كان داخلا في اللفظ وبعض جزئياته، فليس هو المعنى وحده. { بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا } أي: تقدمونها على الآخرة، وتختارون نعيمها المنغص المكدر الزائل على الآخرة. { وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى } وللآخرة خير من الدنيا في كل وصف مطلوب، وأبقى لكونها دار خلد وبقاء وصفاء، والدنيا دار فناء، فالمؤمن العاقل لا يختار الأردأ على الأجود، ولا يبيع لذة ساعة، بترحة الأبد، فحب الدنيا وإيثارها على الآخرة رأس كل خطيئة. { إِنَّ هَذَا } المذكور لكم في هذه السورة المباركة، من الأوامر الحسنة، والأخبار المستحسنة { لَفِي الصُّحُفِ الأولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى } اللذين هما أشرف المرسلين، سوى النبي محمد صلى الله وسلم عليه وسلم. فهذه أوامر في كل شريعة، لكونها عائدة إلى مصالح الدارين، وهي مصالح في كل زمان ومكان. تم تفسير سورة سبح، ولله الحمد

النسائي

تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم {سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ} 685 - أنا قُتيبة بن سعيدٍ، نا أبو عوانةَ، عن إبراهيمَ بن محمدِ بن المنتشرِ عن أبيه، عن حبيب بن سالمٍ، عن النُّعْمَانِ بن بشيرٍ، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم: كان يقرأُ في العيدينِ ويوم الجُمُعةِ: {سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ} و {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْغَاشِيَةِ} [الغاشية: 1] ورُبَّمَا اجتمعا في يومٍ واحدٍ فقرأهُمَا ". تفسير : 686 - أنا إسماعيل بنُ مسعودٍ، نا خالدٌ، نا شُعْبَةُ قال: أنا أبُو إسحاق قال: سمعتُ البراءَ قال: كان أوَّل من قدم علينا من أصحابِ رسول الله صلى الله عليه وسلم مُصعبُ بن عُميرٍ، وابنُ أُمِّ مكتومٍ، ثمَّ قدِمَ علينا عمَّارٌ، وسعدٌ وبلالٌ، ثم قدم عُثمانُ في عِشرين، ثم قدم رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فما رأينا أهل المدينة، فرحوا بشيءٍ فرحَهُم برسول اللهِ صلى الله عليه وسلم فما قدمِ حتَّى نزلت {سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ} وسورةٌ من المُفصَّل. - قال أبُو عبد الرحمنِ: الصَّوابُ عُمَرُ، ليسَ هو عُثمانُ. 687 - أنا قُتيبةُ بنُ سعيدٍ، نا اللَّيثُ، عن أبي الزُبيرِ، عن جابرٍ قال: "حديث : صلَّى مُعاذُ بنُ جبلٍ الأنصاريُّ لأصحابهِ العِشاءَ فَطَوَّلَ/ عليهم فانصرف رجلٌ مِنَّا فصلَّى فأُخبر مُعاذٌ عنهُ. قال: إنَّهُ مُنافِقٌ فلمَّا بلغ ذلك الرَّجُلَ دَخَلَ على رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم فأخبرهُ ما قال مُعاذٌ، فقال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم "أتريدُ أن تكونَ فَتَّاناً؟ يا معاذُ إذا أمَمْتَ بالنَّاسِ فاقرأْ بالشمسِ وضُحَاهَا، وَسَبِّحِ اسمَ رَبِّكَ الأعلى، واقرأ باسم ربِّكَ، والليل إذا يغشى " تفسير : 688 - أنا زكريا بنُ يحيى، أنا نصرُ بن عليٍّ، أنا المُعتَمِرُ بن سُليمانَ، عن أبيه، عن عطاءِ بن السَّايبِ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ قال: لمَّا نَزَلَتْ {سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ} قال: كُلُّهَا في صُحُفِ إبراهيم وموسى، فلما نزلتْ {أية : وَإِبْرَاهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰ}تفسير : [النجم: 37] قال: {أية : وَفَّىٰ * أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ}تفسير : [النجم: 37-38].

همام الصنعاني

تفسير : 3582- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، قال: كان ابن عباس إذا قرأ: {سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ}: [الآية: 1]، قال: سبحان ربِّي الأعلى.