Verse. 5954 (AR)

٨٧ - ٱلْأَعْلَىٰ

87 - Al-A'la (AR)

سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسٰۗى۝۶ۙ
Sanuqrioka fala tansa

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«سنقرئك» القرآن «فلا تنسى» ما تقرؤه.

6

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما أمر محمداً بالتسبيح فقال: {أية : سَبِّحِ ٱسْمَ رَبّكَ ٱلأَعْلَىٰ }تفسير : [الأعلى: 1] وعلم محمداً عليه السلام أن ذلك التسبيح لا يتم ولا يكمل إلا بقراءة ما أنزله الله تعالى عليه من القرآن، لما بينا أن التسبيح الذي يليق به هو الذي يرتضيه لنفسه، فلا جرم كان يتذكر القرآن في نفسه مخافة أن ينسى فأزال الله تعالى ذلك الخوف عن قلبه بقوله: {سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال الواحدي: {سَنُقْرِئُكَ } أي سنجعلك قارئاً بأن نلهمك القراءة فلا تنسى ما تقرؤه، والمعنى نجعلك قارئاً للقرآن تقرؤه فلا تنساه، قال مجاهد ومقاتل والكلبي: كان عليه السلام إذا نزل عليه القرآن أكثر تحريك لسانه مخافة أن ينسى، وكان جبريل لا يفرغ من آخر الوحي حتى يتكلم هو بأوله مخافة النسيان، فقال تعالى: {سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ } أي سنعلمك هذا القرآن حتى تحفظه، ونظيره قوله: {أية : وَلاَ تَعْجَلْ بِٱلْقُرْءانِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ } تفسير : [طه: 114] وقوله: {أية : لاَ تُحَرّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ } تفسير : [القيامة: 16] ثم ذكروا في كيفية ذلك الاستقراء والتعليم وجوهاً أحدها: أن جبريل عليه السلام سيقرأ عليك القرآن مرات حتى تحفظه حفظاً لا تنساه وثانيها: أنا نشرح صدرك ونقوي خاطرك حتى تحفظ بالمرة الواحدة حفظاً لا تنساه وثالثها: أنه تعالى لما أمره في أول السورة بالتسبيح فكأنه تعالى قال: واظب على ذلك ودم عليه فإنا سنقرئك القرآن الجامع لعلوم الأولين والآخرين ويكون فيه ذكرك وذكر قومك ونجمعه في قلبك، ونيسرك لليسرى وهو العمل به. المسألة الثانية: هذه الآية تدل على المعجزة من وجهين الأول: أنه كان رجلاً أمياً فحفظه لهذا الكتاب المطول من غير دراسة ولا تكرار ولا كتبة، خارق للعادة فيكون معجزاً الثاني: أن هذه السورة من أوائل ما نزل بمكة، فهذا إخبار عن أمر عجيب غريب مخالف للعادة سيقع في المستقبل وقد وقع فكان هذا إخباراً عن الغيب فيكون معجزاً، أما قوله: {فَلاَ تَنسَىٰ } فقال بعضهم: {فَلاَ تَنسَىٰ } معناه النهي، والألف مزيدة للفاصلة، كقوله: {أية : ٱلسَّبِيلاْ }تفسير : [الأحزاب: 67] يعني فلا تغفل قراءته وتكريره فتنساه إلا ما شاء الله أن ينسيكه، والقول المشهور أن هذا خبر والمعنى سنقرئك إلى أن تصير بحيث لا تنسى وتأمن النسيان، كقولك سأكسوك فلا تعرى أي فتأمن العرى، واحتج أصحاب هذا القول على ضعف القول الأول بأن ذلك القول لا يتم إلا عند التزام مجازات في هذه الآية منها أن النسيان لا يقدر عليه إلا الله تعالى، فلا يصح ورود الأمر والنهي به، فلا بد وأن يحمل ذلك على المواظبة على الأشياء التي تنافي النسيان مثل الدراسة وكثرة التذكر. وكل ذلك عدول عن ظاهر اللفظ. ومنها أن تجعل الألف مزيدة للفاصلة وهو أيضاً خلاف الأصل ومنها أنا إذا جعلناه خبراً كان معنى الآية بشارة الله إياه بأني أجعلك بحيث لا تنساه، وإذا جعلناه نهياً كان معناه أن الله أمره بأن يواظب على الأسباب المانعة من النسيان وهي الدراسة والقراءة، وهذا ليس في البشارة وتعظيم حاله مثل الأول، ولأنه على خلاف قوله: {أية : لاَ تُحَرّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ }تفسير : [القيامة: 16]. أما قوله: {إِلاَّ مَا شَاء ٱللَّهُ } ففيه احتمالان أحدهما: أن يقال: هذا الاستثناء غير حاصل في الحقيقة وأنه عليه السلام لم ينس بعد ذلك شيئاً، قال الكلبي: إنه عليه السلام لم ينس بعد نزول هذه الآية شيئاً، وعلى هذا التقدير يكون الغرض من قوله: {إِلاَّ مَا شَاء ٱللَّهُ } أحد أمور أحدها: التبرك بذكر هذه الكلمة على ما قال تعالى: {أية : وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَىْء إِنّى فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً * إِلاَّ أَن يَشَاء ٱللَّهُ } تفسير : [الكهف: 24,23] وكأنه تعالى يقول: أنا مع أني عالم بجميع المعلومات وعالم بعواقب الأمور على التفصيل لا أخبر عن وقوع شيء في المستقبل إلا مع هذه الكلمة فأنت وأمتك يا محمد أولى بها وثانيها: قال الفراء: إنه تعالى ما شاء أن ينسى محمد عليه السلام شيئاً، إلا أن المقصود من ذكر هذا الاستثناء بيان أنه تعالى لو أراد أن يصير ناسياً لذلك لقدر عليه، كما قال: {أية : وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِٱلَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ }تفسير : [الإسراء: 86] ثم إنا نقطع بأنه تعالى ما شاء ذلك وقال لمحمد عليه السلام: {أية : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ } تفسير : [الزمر: 65] مع أنه عليه الصلاة والسلام ما أشرك ألبتة، وبالجملة ففائدة هذا الاستثناء أن الله تعالى يعرفه قدرة ربه حتى يعلم أن عدم النسيان من فضل الله وإحسانه لا من قوته وثالثها: أنه تعالى لما ذكر هذا الاستثناء جوز رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل ما ينزل عليه من الوحي قليلاً كان أو كثيراً أن يكون ذلك هو المستثنى، فلا جرم كان يبالغ في التثبت والتحفظ والتيقظ في جميع المواضع، فكان المقصود من ذكر هذا الاستثناء بقاءه عليه السلام على التيقظ، في جميع الأحوال ورابعها: أن يكون الغرض من قوله: {إِلاَّ مَا شَاء ٱللَّهُ } نفي النسيان رأساً، كما يقول الرجل لصاحبه: أنت سهيمي فيما أملك إلا فيما شاء (الله)، ولا يقصد استثناء شيء. القول الثاني: أن قوله: {إِلاَّ مَا شَاء ٱللَّهُ } استثناء في الحقيقة، وعلى هذا التقدير تحتمل الآية وجوهاً أحدها: قال الزجاج: إلا ما شاء الله أن ينسى، فإنه ينسى ثم يتذكر بعد ذلك، فإذاً قد ينسى ولكنه يتذكر فلا ينسى نسياناً كلياً دائماً، روى أنه أسقط آية في قراءته في الصلاة، فحسب أبي أنها نسخت، فسأله فقال: نسيتها. وثانيها: قال مقاتل: إلا ما شاء الله أن ينسيه، ويكون المراد من الإنساء ههنا نَسْخُةُ، كما قال: {أية : مَا نَنسَخْ مِنْ ءايَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مّنْهَا } تفسير : [البقرة: 106] فيكون المعنى إلا ما شاء الله أن تنساه على الأوقات كلها، فيأمرك أن لا تقرأه ولا تصلي به، فيصير ذلك سبباً لنسيانه، وزواله عن الصدور. وثالثها: أن يكون معنى قوله: {إِلاَّ مَا شَاء ٱللَّهُ } القلة والندرة، ويشترط أن لا يكون ذلك القليل من واجبات الشرع، بل من الآداب والسنن، فإنه لو نسي شيئاً من الواجبات ولم يتذكره أدى ذلك إلى الخلل في الشرع، وإنه غير جائز. أما قوله تعالى: {إِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلْجَهْرَ وَمَا يَخْفَىٰ } ففيه وجهان أحدهما: أن المعنى أنه سبحانه عالم بجهرك في القراءة مع قراءة جبريل عليه السلام، وعالم بالسر الذي في قلبك وهو أنك تخاف النسيان، فلا تخف فأنا أكفيك ما تخافه والثاني: أن يكون المعنى: فلا تنسى إلا ما شاء الله أن ينسخ، فإنه أعلم بمصالح العبيد، فينسخ حيث يعلم أن المصلحة في النسخ.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {سَنُقْرِئُكَ} أي القرآن يا محمد فنعلمكه {فَلاَ تَنسَىٰ} أي فتحفظ؛ رواه ابن وهب عن مالك. وهذه بُشْرَى من الله تعالى؛ بشره بأن أعطاه آية بينة، وهي أن يقرأ عليه جبريل ما يقرأ عليه من الوحي، وهو أُمي لا يكتب ولا يقرأ، فيحفظه ولا ينساه. وعن ابن أبي نَجِيح عن مجاهد، قال: كان يتذكر مخافة أن ينسى، فقيل: كَفَيتُكَه. قال مجاهد والكلبي: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه جبريل بالوحي، لم يفرغ جبريل من آخر الآية، حتى يتكلم النبيّ صلى الله عليه وسلم بأوّلِها، مخافة أن يَنْساها؛ فنزلت: {سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ } بعد ذلك شيئاً، فقد كَفَيتُكَه. ووجه الاستثناء على هذا، ما قاله الفراء: إلا ما شاء الله، وهو لم يشأ أَن تنسى شيئاً؛ كقوله تعالى: { أية : خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ } تفسير : [هود: 107] ولا يشاء. ويقال في الكلام: لأعطينك كل ما سألت إلا ما شئتُ، وإلا أن أشاء أن أمنعك، والنية على ألاَّ يمنعه شيئاً. فعلى هذا مجارِي الأَيمان؛ يُسْتثَنى فيها ونية الحالف التمام. وفي رواية أبي صالح عن ابن عباس: فلم ينس بعد نزول هذه الآية حتى مات، «إلا ما شاء الله». وعن سعيد عن قتادة، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينسَى شيئاً؛ «إلا ما شاء الله». وعلى هذه الأقوال قيل: إلا ما شاء الله أن يَنْسَى، ولكنه لم ينسَ شيئاً منه بعد نزول هذه الآية. وقيل: إلا ما شاء الله أن ينسى، ثم يذكر بعد ذلك؛ فإذاً قد نسي، ولكنه يتذكر ولا ينسى نسياناً كُلّياً. وقد رُوِي « حديث : أنه أسقط آية في قراءته في الصلاة، فحسِب أُبَيّ أنها نسِخت، فسأله فقال: «إني نسيتها» » تفسير : . وقيل: هو من النسيان؛ أي إلا ما شاء الله أن ينسيك. ثم قيل: هذا بمعنى النسخ؛ أي إلا ما شاء الله أن ينسخه. والاستثناء نوع من النسخ. وقيل: النسيان بمعنى الترك؛ أي يعصِمك من أن تترك العمل به؛ إلا ما شاء الله أن تتركه لنسخه إياه. فهذا في نسخ العمل، والأوّل في نسخ القراءة. قال الفَرْغاني: كان يغشى مجلس الجنيد أهلُ البَسْط من العلوم، وكان يغشاه ابن كَيْسانَ النحويّ، وكان رجلاً جليلاً؛ فقال يوماً: ما تقول يا أبا القاسم في قول الله تعالى: {سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ }؟ فأجابه مسرعاً ـ كأنه تقدّم له السؤال قبل ذلك بأوقات: لا تَنْسَى العملَ به. فقال ابن كيسان: لا يَفْضُضِ الله فاك! مثلُك من يُصْدَر عن رأيه. وقوله: «فلا»: للنفي لا للنهي. وقيل: للنهي؛ وإنما أثبتت الياء لأن رؤوس الآي على ذلك. والمعنى: لا تغفل عن قراءته وتكراره فتنساه؛ إلا ما شاء الله أن ينسِيكه برفع تلاوته للمصلحة. والأوّل هو المختار؛ لأن الاستثناء من النهي لا يكاد يكون إلا مؤقتاً معلوماً. وأيضاً فإن الياء مثبتة في جميع المصاحف، وعليها القراء. وقيل: معناه إلا ما شاء الله أن يؤخر إنزاله. وقيل: المعنى فجعله غثاء أحوى إلا ما شاء الله أن يناله بنو آدم والبهائم، فإنه لا يصير كذلك. قوله تعالى: {إِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلْجَهْرَ} أي الإعلان من القول والعمل. {وَمَا يَخْفَىٰ} من السر. وعن ابن عباس: ما في قلبك ونفسك. وقال محمد بن حاتم: يعلم إعلان الصدقة وإخفاءها. وقيل: الجهر ما حفظته من القرآن في صدرك. «وما يخفى» هو ما نسخ من صدرك. {وَنُيَسِّرُكَ}: معطوف على {سَنُقْرِئُكَ} وقوله: {إِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلْجَهْرَ وَمَا يَخْفَىٰ} اعتراش. ومعنى {لِلْيُسْرَىٰ} أي للطريقة اليسرى؛ وهي عمل الخير. قال ابن عباس: نيسرك لأن تعمل خيراً. ابن مسعود: «لِليسرى» أي للجنة. وقيل: نوفقك للشريعة اليسرى؛ وهي الحنيفية السمحة السهلة؛ قال معناه الضحاك. وقيل: أي نهوّن عليك الوحي حتى تحفظه وتعمل به.

المحلي و السيوطي

تفسير : {سَنُقْرِئُكَ } القرآن {فَلاَ تَنسَىٰ } ما تقرؤه.

ابن عبد السلام

تفسير : {فَلا تَنسَى} لا تترك العمل.

الثعالبي

تفسير : وقولُهُ تعالى: {سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ} قال الحسنُ وقتادة ومالك بن أنس: هذه الآيةُ في معنى قوله تعالى: {أية : لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ }تفسير : [القيامة:16] الآية، وَعَدَهُ اللَّه أنْ يُقْرِئَه وأخبرَه أنه لاَ يَنْسى نِسْياناً لا يكونُ بعدَه ذِكر، وقيل: بلِ المعنى: أنه أمره تعالى بأنْ لا يَنْسَى على معنى التَّثْبِيتِ والتأكيدِ، وقال الجنيد: معنى {لا تُنْسَىٰ} لاَ تَتْرُكِ العمَلَ بما تَضَمَّنَ مِنْ أمْرٍ ونهي. وقوله تعالى: {إِلاَّ مَا شَاءَ ٱللَّهُ} قال الحسنُ وغيرهُ: معناه: مما قَضَى اللَّهُ بِنَسْخِه ورَفْعِ تلاوتِه وحُكْمه، وقال ابن عباس: {إِلاَّ مَا شَاءَ ٱللَّهُ}: أنْ يُنْسِيَكَهُ؛ لِيُسَنَّ بهِ؛ عَلىٰ نَحْوِ قولِه ـــ عليه الصَّلاةُ والسلام ـــ: «حديث : إنِّي لأَنْسَىٰ أوْ أُنَسَّىٰ لأَسُنَّ»تفسير : . قَالَ * ع *: ونسيانُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ممتنعٌ فيما أُمِرَ بتبليغهِ؛ إذ هُو معصومٌ فإذا بَلغَهُ وَوَعَى عنه؛ فالنسيانُ جائِزٌ على أن يَتَذَكَّرَ بعدَ ذلك، أو على أنْ يَسُنَّ، أو عَلى النسخِ.

ابن عادل

تفسير : قوله" {سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ}، قال الواحدي: "سَنُقْرِئُكَ": أي: سنجعلك قارئاً، أي: نؤهلك للقراءة فلا تنسى ما تقرأه، أي: نجعلك قارئاً للقرآن فتحفظه، فهو نفي، أخبر الله - تعالى - أن نبيه صلى الله عليه وسلم لا ينسى. وقيل: نهي والألف للإشباع [وقد تقدم نحو من هذا في سورة يوسف وطه]. ومنع مكيٌّ أن يكون نهياً؛ لأنه لا ينهى عما ليس باختياره، وهذا غير لازم، إذ المعنى: النهي عن تعاطي أسباب النسيان، وهو الشائع: وقيل: هذا بشري من الله تعالى، بشره تعالى بأن جبريل - عليه الصلاة والسلام - لا يفرغ من آخر الوحي، حين يتكلم هو بأوله لمخافة النسيان، فنزلت هذه الآية؛ فلا تنسى بعد ذلك شيئاً. قوله: {إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّه} فيه أوجه: أحدها: أنه مفرَّغ، أي: إلا ما شاء الله أن ينسيكه، فإنك تنساه، والمراد رفع تلاوته، وفي الحديث: "حديث : أنَّهُ كَانَ يُصبحُ فِيَنْسَى الآيَاتِ"تفسير : ، لقوله تعالى: {أية : مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا} تفسير : [البقرة: 106]. وقيل: إن المعنى بذلك النُّدْرة والقلَّة. قال ابن الخطيب: يشترط أن لا يكون ذلك القليل من الواجبات بل من الآداب والسنن، فإنَّه لو نسي من الواجبات، فلم يتذكره أدى ذلك إلى الخلل في الشرع، وهو غير جائز، كما ورد أنه صلى الله عليه وسلم أسقط آية في صلاته، فحسب أبيٌّ أنها نُسختْ، فسأله، فقال صلى الله عليه وسلم: نَسِيتُها. وقال الزمخشريُّ: والغرض نفي النسيان رأساً، كما يقول الرجل لصاحبه: أنت سهيمي فيما أملك إلا ما شاء الله، ولم يقصد أستثني شيئاً، وهواستعمال القلة في معنى النفي" انتهى. وهذا القول سبقه إليه الفراء ومكي. قال الفراء، وجماعة معه: هذا الاستثناء صلة في الكلام على سنة الله تعالى، وليس شيى أبيح استثناؤه. قال أبو حيان: "وهذا لا ينبغي أن يكون في كلام الله تعالى، ولا في كلام فصيح، وكذلك القول بأن "لا" للنفي، والألف فاصلة" انتهى. وهذا الذي قاله أبو حيان: لم يقصده القائل بكونه زائداً محضاً، بل المعنى الذي ذكره، وهو المبالغة في نفي النسيان، أو النهي عنه. وقال مكيٌّ: "وقيل: معنى ذلك إلا ما شاء الله، وليس يشاء الله أن تنسى منه شيئاً، فهو بمنزلة قوله تعالى، في سورة "هود" في الموضعين: {أية : خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ} تفسير : [هود: 107، 108] وليس يشاء جلَّ ذكره ترك شيء من الخلود، لتقدم مشيئته لهم بالخلود". وروي عن ابن عبَّاس - رضي الله عنهما - فلم ينس بعد نزول هذه الآية حتى مات صلى الله عليه وسلم. وقيل: هو استثناء من قوله تعالى: {أية : فَجَعَلَهُ غُثَآءً أَحْوَىٰ} تفسير : [الأعلى: 5]. نقله مكي. والمعنى: ما شاء الله أن يناله بنو آدم، والبهائم، فإنه لا يضير ذلك. قال شهابُ الدين: وهذا ينبغي ألاَّ يجوز ألبتَّة. قال القرطبيُّ: "قيل: إلا ما شاء الله أن ينسى، ثم يذكر بعد ذلك، فإذا قد ينسى، ولكنه يتذكر ولا ينسى نسياناً كلياً". [وقيل هذا النسيان بمعنى النسخ إلا ما شاء الله ينسخه، والاستثناء نوع من النسخ. وقيل: النسيان بمعنى الترك أي: يعصمك من أن تترك العمل إلا ما شاء الله أن تتركه لنسخه إياه، فهذا في نسخ العمل، والأول في نسخ القراءة، ولا للنفي لا للنهي وقيل للنهي، وإنما أثبتت الياء لرؤوس الآي، والمعنى: لا تغفل قراءته وتكراره فتنساه إلا ما شاء الله أن ينسيكه برفع تلاوته للمصلحة، والأوَّل هوالمختار؛ لأن الاستثناء من النهي لا يكاد يكون إلا مؤقتاً معلوماً. وأيضاً فإن الياء مثبتة في جميع المصاحف وعليها القراءات. وقيل: معناه: إلا ما شاء الله أن يؤخر إنزاله]. فصل في كيفية تعليم القرآن ذكر في كيفية هذا التعليم والإقراء وجوهاً: الأول: أن جبريل - عليه الصلاة والسلام - سيقرأ عليك القرآن مراتٍ، حتى تحفظه حفظاً لا تنساه. وثانيها: أنَّا نشرحُ صدرك ونقوي خاطرك حتى تحفظه بالمرة الواحدة حفظاً لا تنساه. وثالثها: أنه تعالى لما أمره صلى الله عليه وسلم في أول السورة بالتسبيح، فكأنه تعالى قال: واظب على ذلك، ودُمْ عليه، فإنَّا سنقرئك القرآن الجامع لعلوم الأوَّلين، والآخرين، ويكون فيه ذكرك، وذكر قومك، وتجمعه في قلبك. {وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَىٰ} وهوالعمل به. فصل في الدلالة على المعجزة هذه الآية تدل على المعجزة من وجهين: الأول: أنه صلى الله عليه وسلم كان رَجُلاً أميًّا، فحفظه هذا الكتاب المطول من غير دراسة، ولا تكرار، ولا كتابة، خارقة للعادة. والثاني: أنه إخبار عن الوقوع في المستقبل، وقد وقع، فكان هذا إخباراً عن الغيب فيكون معجزاً. فصل في المراد بالآية قال بعضهم: المراد بقوله تعالى: {إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ} أمور: أولها: التبرك بهذه الكلمة لقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ} تفسير : [الكهف: 23، 24]، فكأنه تعالى يقول: إني عالم بجميع المعلومات، ثم بعواقب الأمور على التفصيل، ومع ذلك لا أخبر عن وقوع شيء في المستقبل إلا مع هذه الكلمة، فأنت وأمتك يا محمد أولى بها، وهذا بناء على أن الاستثناء غير حاصل في الحقيقة، وأنه صلى الله عليه وسلم لم ينس ذلك شيئاً، كما قاله ابن عبَّاس والكلبي وغيرهما. وثانيها: قال الفراء: إنه تعالى ما شاء أن ينسى محمداً صلى الله عليه وسلم شيئاً إلا أنَّ المقصود من ذكر هذا الاستثناء بيان أنه تعالى لو أراد أن يصير ناسياً كذلك لقدر عليه، كقوله تعالى: {أية : وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِٱلَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} تفسير : [الإسراء: 86]، ثم إنا نقطع أنه تعالى ما شاء ذلك، ونظيره قوله تعالى: {أية : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} تفسير : [الزمر: 6] مع أنه صلى الله عليه وسلم ما أشرك ألبتَّة ففائدة هذا الاستثناء أن الله تعالى، بعرفه قدرته، حتى يعلم أنَّ عدم النِّسيان من فضل الله، وإحسانه، لا من قوته. وثالثها: أن الله تعالى لما ذكر هذا الاستثناء جوَّز رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل ما ينزل عليه من الوحي، أن يكون ذلك هو المستثنى، فلا جرم كان يبالغ في التثبُّت، والتحفُّظ في جميع المواضع، وكان المقصود من ذكر هذا الاستثناء بقاءه صلى الله عليه وسلم عى التيقُّظ في جميع الأحوال. قوله: {إِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلْجَهْرَ وَمَا يَخْفَىٰ} الجَهْرُ: هو الإعلان من القول والعمل، "وَمَا يَخْفَى" من السرّ. عن ابن عباس - رضي الله عنهما - ما في قلبك ونفسك. وقال محمد بن حاتمٍ: يعلم إعلان الصدقة وإخفاءها. وقيل: الجهر ما حفظته من القرآن في صدرك، "ومَا يَخْفَى" هو ما نسخ في صدرك. فصل في الكلام على "ما" "ما" اسمية، ولا يجوز أن تكون مصدرية، لئلا يلزم خلو الفعل من فاعل، ولولا ذلك لكان المصدرية أحسن ليعطف مصدر مؤول على مصدر صريح. قوله: {وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَىٰ}: عطف على "سنُقْرِئُكَ فلا تَنْسَى"، فهو داخل في حيز التنفيس، وما بينهما من الجملة اعتراض. واليسرى: هي الطَّريقة اليسرى، وهي أعمال الخير، والتقدير: سنقرئك فلا تنسى، ونوفقك للطريقة التي هي أسهل وأيسر، يعني في حفظ القرآن. [قال ابن مسعود: اليسرى الجنة أي نيسرك للعمل المؤدي إلى الجنة وقيل نهوّن عليك الوحي حتى تحفظه وتعمل به وقيل نوفقك للشريعة لليسرى وهي الحنيفية السهلة السمحة، قال الضحاك:] فإن قيل: المعهود في الكلام أن يقال: يسر الأمر لفلان، ولا يقال: يسر فلان للأمر. فالجواب أن هذه العبارة كأنها اختيار القرآن هنا وفي سورة "والليل"، فكذا هي اختيار الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله: "حديث : اعمَلُوا فكُلٌّ ميسَّرٌ لمَا خُلقَ لهُ"تفسير : ، وفيه لطيفة: وهي أن الفاعل لا يترجح عند الفعل عن الترك، ولا عكسه، وإلاَّ لمرجح، وعند ذلك المرجح يجب الفعل، فالفاعل إذن ميسر للفعل، إلاَّ أن الفعل ميسر للفاعل، فذلك الرجحان هو المسمى بـ "التيسير".

السلمي

تفسير : سمعت محمد بن الحسن البغدادى يقول: سمعت محمد بن عبد الله العزقانى يقول: كان يغشى الجنيد فى مجلسه أهل النسك من أهل العلوم وكان أحد من يغشاه ابن كيسان النحوى وكان فى وقته رجلاً جليلاً فقال له يوماً: يا أبا القاسم ما تقول فى قوله عز وجل: {سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ} وأجابه مسرعاً كأنه تقدم السؤال قبل ذلك بأوقات. قال الجنيد رحمه الله: لا تنسى العمل به فأعجب ابن كيسان إعجاباً شديداً فقال: لا يُفْضض الله فاك، مثلك من تصدر.

القشيري

تفسير : {سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ}. سنجمع القرآن في قلبك - يا محمد - حِفْظاً حتى لا تنسى لأنا نحفظه عليك. {إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلْجَهْرَ وَمَا يَخْفَىٰ}. مما لا يدخل تحت التكليف فتنساه قبل التبليغ ولم يجب عليه أداؤه. وهو - سبحانه - يعلم السِّرَّ والعَلَن.

البقلي

تفسير : اى فلا تنسالى بقراءتك فان العبودية والاشتغال بها حجاب عن شهود العين قيل كان يغشى الجنيد فى مجلس اهل النسك من اهل العلوم وكان احد من يغشا ابن كيسان النحو وكان فى وقته رجل جليل فقال يوما يا ابا القاسم ما تقول فى قوله عز وجل سنقرئك فلا تنسى فاجابه مسرعا كانه تقدم السوال قبل ذلك باوقات قال الجنيد لا ينسى العمل به فاعجب ابن كيسان عجبا شديدا فقال الا تفضض الله فاك منك من تصدر.

اسماعيل حقي

تفسير : {سنقرئك فلا تنسى} بيان لهدايته تعالى الخاصة برسول الله صلى الله عليه وسلم أثر بيان هدايته العامة لكافة مخلوقاته وهى هدايته عليه السلام لتلقى الوحى وحفظ القرءآن الذى هو هدى للعالمين وتوفيقه عليه السلام لهداية الناس أجميعن قال الراغب فى المفردات اخبار وضمان من الله تعالى أن يجعله بحيث لا ينسى ما يسمعه من الحق انتهى والسين اما للتأكيد واما لان المراد اقرآء ما أوحى اليه حينئذ وما سيوحى اليه بعد ذلك فهو وعد كريم باستمرار الوحى فى ضمن الوعد بالاقرآء يقال قرأ القرءآن فهو قارئ وأقرأه غيره فهو مقرئ اى علمه اياه فهو معلم وفى تاج المصادر الاقرآء قرآن كوش فرا داشتن وخواننده كردن. ومنه سنقرئك انتهى والمعنى سنقرئك ما نوحى اليك الآن وفيما بعد على لسان جبرآئيل فلا تنسى اصلا من قوة الحفظ والاتقان وفى كشف الاسرار سنجمع حفظ القرءآن فى قلبك وقراءته فى لسانك حتى لا تنسى كقوله أية : {ان علينا جمعه وقرءآنه}.

صدر المتألهين الشيرازي

تفسير : إعلم أنّ هذا المطلوب يتوقّف على معرفة مقاصد ثلاثة: الأوّل: صفة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في ذاته وصفاته وجوهره. والثاني: كيفيّة تكميل الناقصين منه. والثالث: اختلاف الناس في قبول هذا الكمال منه. أمّا الأول: فاعلم أنّ النبي - من حيث هو نبيّ - إنّما تتحقّق نبوّته بكمال وشرف يتعلّق بنفسه وروحه، لا بقوّة وحشمة تتعلّق ببدنه وجسمه، وكمال النفس يكون بوجهين: أحدهما: توجّهه إلى الحقّ وهو الذي يعبّر عنه بالقوّة النظريّة، وهو ما يكون كمالاً لها بحسب هويّتها وذاتها، وعند رجوعها إلى باريها وعودها إلى عالمها ونشأتها. والثاني: توجّهه إلى الخلق الذي يعبّر عنه بالقوّة العمليّة، وهو ما يكون كمالاً لها بحسب نسبتها إلى أمور خارجة عنها، بتأثيرها فيها وعدم انفعالها عمّا دونها، وبتكميلها وإمداداها ونفعها فيما سواها، وعدم قبول النقص والآفة والشرّ من أضدادها وأعدائها، فنفس النبيّ - لكونه متوسّطا بين الحقّ والخلق - لا بدّ وأن تكون كاملة في هاتين القوّتين جميعاً، وإن كان الكمال الحقيقي والقرب من الحقّ يمكن أن يتحقّق بمجرّد استكمال القوّة العقليّة مع التوسّط في العمليّة كبعض أولياء الله المقرّبين. وأمّا الكاملين في العمل - دون العلم -، فهم ليسوا من الكاملين في الحقيقة، بل لهم نوع نجاة وصلاح حال في الآخرة، وليس لهم رتبة النبوّة والخلافة عندنا - خلافاً لجماعة من المتكلّمين - حيث لم يشترطوا إلاّ العلم بما يتعلّق بالأحكام والسياسة الجمعيّة، والحكومات الفصليّة في الخصومات، وسائر ما يتعلّق بحفظ الحياة الدنيويّة، وذلك لذهولهم عن أنّ الغرض الأصلي من بعثة الأنبياء، وإنزال الكتب السماويّة والصحف الملكوتيّة، سياقة الخلق إلى جوار رحمة الله وجوده، بتعليمهم طريق المعرفة لتتنوّر ذواتهم، وتصير مناسبة للعالَم الآخر، والغرض من تعيّش الإنسان مدّة أمهله الله تعالى فيها، هو تحصيله زاداً للآخرة بالعلم بحقائق الأمور، بشرط قطع علائقه وعوائقه عن عالَم الغرور بالتقوى. فالبتقوى يحصل الخلاص والنجاة، وبالعلم يحصل القرب والمنزلة عند الله، والمتوسّط بينه وبيننا لا بدّ وأن يكون كاملاً في العلوم الحقيقيّة، بإلهام الحقّ تعالى بوساطة بعض الملائكة العقليّة لا بالتعلّم، وإلاّ لم يكن متوسّطا بين الحقّ والخلق، بل بين الخلق والخلق، فلم يكن ما فرضناه نبيّاً نبيّاً - هذا خلف -. ولا بدّ أن يكون كاملاً فيما يتعلّق بالأحكام والسياسات الدينيّة مؤيّداً بالمعجزات الظاهرة لتكون دعوته للخلق مسموعة لهم خوفاً من سطوته وسياسته، وإلاّ فالجحود والإنكار والاستنكار عن سماع الحقّ، والاشتغال بطلب الشهوات غالب على أكثر الخلق، فلا يمكن إيصال المعاني اللطيفة إلى قلوبهم إلاّ بعد أن تلين قلوبهم ويسكن انكارهم ويزول استكبارهم. فثبت أنّ النبي لا بدّ وأن يكون كاملاً في القوّتين: العقل والعمل، قويّاً في النشأتين: الأخذ من الحقّ والتبليغ إلى الخلق. ولمّا ثبت بالبرهان أنّ القوّة العاقلة وكمالها أشرف من القوّة العاملة وكمالها، لا جرم وجب تقديم العاقلة من جهة شرفها في الذكر على العاملة، وإليه وقعت الإشارة بقوله: {سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ} - والمعنى أنّه سبحانه بشّره بإعطاء قوّة ملكوتيّة ونور عقلانيّ يتقوّى بهما جوهر روحه ويكمل بحيث يصير نفسا قدسيّة ونوراً شعشعانيّا مشرِقا بالعلوم الحقيقيّة والمعارف الإلهيّة، ويصير بحيث إذا عرف شيئا لا ينساه، ويكاد زيت نفسه الناطقة يضيء بنور عقله المستفاد من الجوهر المفارق العقلاني الذي هو نار معنويّة من نور الله، ولو لم تمسسه نار التعليم البشري. وهذا هو الذي فهمناه من قوله تعالى: {سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ} - لما روي أنِّ (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يعجِّل بالقراءة إذا لقنه جبرئيل (ع)، فقيل له: لا تعجل، فإنّ جبرئيل مأمور بأن يقرأ عليك قراءة مكرّرة، إلى أن تحفظه ثمّ لا تنساه. وقوله تعالى: {إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ} - قيل: الغرض منه نفي النسيان رأساً كما يقول الرجل لصاحبه: أنت سهمي فيما أملك إلاّ فيما شاء الله، ولا يقصد استثناء شيء. وهو من استعمال القلّة مكان النفي. وقيل: قوله: فَلاَ تَنْسَى - على النهي، والألف مزيدة للفاصلة، يعني فلا تغفل قراءته وتكريره فتنساه إلاّ ما شاء الله أن ينسيكه بنسخه، من رفع حكمه وتلاوته. وعلى هذا فالإنْساء نوع من النسخ. وقيل: إنّ جوهر النفس الإنسانيّة ما دامت في هذه النشأة الظلمانيّة الهيولانيّة لا تصير عقلاً صرفاً لا يكون فيه ما بالقوّة، فلا جرم قد يلحقها فتور في قدرتها وضعف في حفظها وإمساكها للمعقولات. وأقول: يمكن أن يقال: إنّ المعقولات التي هي بمنزلة الدعائم والأصول في المعارف الإلهيّة، كانت بحيث لا يتطرّق إليها الغفلة والنسيان عنها في نفس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهي التي لم يجز النسخ في حكمها، ولا الخلاف بين ملل الأنبياء (ع) بحسبها، وأمّا ما لم تكن بهذه المثابة، فهي المعقولات التي بمنزلة الفروع والفضول، فيجوز فيها الإهمال والنسيان والاختلاف في ثبتها ونسخها بحسب اختلاف الأزمنة وأحوال الأمم. وأمّا قوله تعالى: {إِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلْجَهْرَ وَمَا يَخْفَىٰ} فهو إشارة إلى إثبات العلم له تعالى والتخلص من ذميمة الجهل والنقص. وبيانه: أنّه لمّا وعد نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يجعل جوهر نفسه الشريف عالِماً بحقائق المعلومات، متّصفاً بالعلوم الحقّة المطابقة لما هي عليها في الواقع، محيطاً بها، وقد حقّق في الصنايع الكليّة والمقامات العقليّة، انّ المؤثّر في كلّ كمال وجمال للموجود - بما هو موجود - لا بدّ وأن يكون كماله وجماله أقوى وأجلّ ممّا في الأثر، والعلم لا شبهة في كونه كمالاً للموجود من غير أن يلزم فيه تجسّم أو تركّب، فإذا وجد وتحقّق في الخلق، فلا بدّ وأن يتحقّق في الخالق بوجه أعلى وأشرف. فلولا كون الباري سبحانه عالِماً بالمعلومات كلّها، لما قدر على جعل روح النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مُبَرّأ عن السهو والنسيان، مقدّساً عن الجهل والنقصان. وقد ثبت في العلوم الحقيقيّة، أنّ كلّ من كمل في العلم الحقيقي لا بدّ وأن يكون كاملاً في جميع الصفات الكماليّة للموجود بما هو موجود، مبّرأً عن جميع النقائص التي بأزائها، فيعلم من هذا أنّ الباري منزّه عن جميع النقائص - فسبحان من تقدّست كبرياؤه وتعظّمت الاؤه -. وفي الكشّاف: يعني أنّك تجهر بالقراءة مع قراءة جبرئيل (ع) مخافة التفلّت، والله يعلم جهرك معه، وما في نفسك ممّا يدعوك إلى الجهر، فلا تغفل فأنا أكفيك ما تخافه، أو يعلم ما أسررتم وما أعلنتم من أقوالكم وأفعالكم، وما ظهر وما بطن من أحوالكم، وما هو مصلحة لكم في دينكم ومفسدة، فينسي من الوحي ما يشاء، ويترك محفوظاً ما يشاء. وأقول: كلا الوجهين لا يخلو عن بُعد، والأوْلى المصير إلى ما ذكرناه. وأمّا الإشارة إلى تكميل نفس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في القوّة العمليّة، وبحسب نسبته إلى الخلق، فهو المراد في قوله: {وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَىٰ} - لانّ معناه ونوفّقك للطريقة التي هي أيسر وأسهل، ووجه ذلك: أنّ الناس كلّهم مشتركون في أصل القدرة على الفعل الحسَن والفعل القبيح، والعفّة والفجور، والورع والفسوق، إلاّ أنّ من الإنسان من يكون وجه تحصيل الملكات الفاضلة عليه أسهل، وطبعه عن الصفات الرذيلة أميَل، ونفسه على سلوك طريق الخير والسعادة أقدَر، والاجتناب عن طريق الشرّ والشقاوة عليه أيسر، لكونه شريف النفس نجيب الطبع. وهذه السهولة في الطبع عبارة عن الصفة المسمّاة بالخُلُق، فمن كان سعيداً لطيف الذات شريف النفس طاهراً زكيّا نقيّا، كانت نفسه سهلة القبول للسعادات، يسيرة التفهّم لوجوه الخير في الأعمال والأفعال، سريعة الانقياد لطاعة الحقّ، شديدة الانفعال عن المبدأ الفعّال، قوية الاتّصال بالواهب الفيّاض المتعال، فلا محالة يكون بما استفاض وتعلّم من الجنبة العالية من الخيرات والعلوم والكمالات، مفيضاً على بني نوعه، ومعلِّما لقومه، وهادياً ومرشداً لمَن دونه من أمّته، فقوله تعالى: {وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَىٰ} - إشارة إلى هذه الدرجة، كما أنّ قوله تعالى: {أية : وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ} تفسير : [القلم:4] إشعار باستحقاق نبيّنا بحسب خاصيّة ذاته، وقوّة نفسه، وصفاء فطرته، وتنوّر عقله، مرتبة النبوّة والرسالة. فقد وقعت الإشارة إلى اتّصاف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بمجموع الكمالين اللذين لا بدّ للنبيّ - من حيث هو نبيٌّ - أن يجتمعا فيه، وأشير أوّلاً إلى كمال القوّة النظريّة التي بحسب حاقّ جوهر نفسه، ثمّ إلى كمال القوّة العمليّة بحسب نسبته إلى غيره وتدبيره لما دونه، فقوله: {وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَىٰ} - معطوف على قوله: {سَنُقْرِئُكَ} - وقوله: {إِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلْجَهْرَ وَمَا يَخْفَىٰ} - اعتراض. وقيل: المراد من اليسرى: الشريعة السمحة التي هي أيسر الشرايع وأسهلها مأخذاً. وقيل: نوفّقك لعمل الجنّة. وهذين الوجهين مرجعهما إلى ما ذكرنا - فتأمّل فيه -. وأمّا المقصد الثاني من النبوّة، فهو الاشتغال بدعوة الخلق إلى طريق الحقّ. وسياقهم إلى جوار الله وعالَم الملكوت. وقد أشرنا إلى أن من كان كاملاً في مجموع القوّة النظريّة والقوّة العملية في الغاية، بحيث يقدر على تكميل غيره فهو النبي، وإن لم يكن كاملاً في المجموع بل في النظريّة فقط، مستغرقاً في شهود جمال الحقّ وجلاله، بحيث لا يسعه الاشتغال عنه إلى ذاته المستنيرة بنور الله - فضلاً عمّا هو خارج عنه وعن مولاه - فهو الوليّ الكامل والفاني المضمحل. ومقام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أعلى من مقام الوليّ المحض مجرّداً عن الرسالة، لأنّ الكمال الملطق إنّما يتحقّق بأن يكون الشيء تامّا وفوق التمام، وضيق الصدر عن أحد الجانبين - وهو جانب الخلق - مع سعته لجانب الحقّ، نوع قصور، والكامل المطلق من كان جالساً في الحدّ المشترك بين عالَم الأمر وعالَم الخلق، واسعاً صدره الخلق والحقّ، ويكون تارة مع الله بالعبوديّة والحب له، وتارة مع الخلق بالشفقة والرحمة عليهم، فإذا رجع من ربّه إلى الخلق صار كواحد منهم كأنّه لا يعرف الحقّ، وإذا خلا بربّه مشتغلاً بذكره وخدمته، فكأنّه لا يعرف الخلق، فهذا سبيل المرسلين والصِدّيقين. فلمّا حصل تمام نفس النبيّ بحسب كمال الجانبين وتمام القوّتين: - العمليّة والعلميّة -، وجب أن يصير فوق التمام بإفاضة الكمالات على الناقصين، وإشراق الأنوار على وجوه المستعدّين، وذلك هو دعوة العباد إلى طاعة المبدأ والمعاد، وسياقتهم إلى سبيل النجاة من آفة النقص، والوصول إلى منبع الحياة - وهي المسمّاة بالرسالة -، وملاكها التذكير والتعليم المشار إليه بقوله: "فَذَكّرْ" - وهو أمر، فالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مأمور من الله تعالى بفعل الرسالة، أي تكميل الناقصين على قدر استعدادهم، وتعليمهم على قدر قوّتهم وطاقتهم لدرك العلوم الحقيقيّة. وأكثر الخلق لا يدرك الحقائق الكليّة وأصول الموجودات إلاّ على سبيل التمثيل والتشبيه، والأنبياء مأمورون بدعوة الخلق والتكلّم معهم على مبلغ عقولهم، لقوله: "حديث : نحن معاشر الأنبياء أُمِرنا أن نُكلّم الناس على قدْر عقولهم ". تفسير : وعقول أكثر الناس بمنزلة الخيال والوهم، ولذلك كان تعليمهم الحقائق الإيمانيّة، على رتبة التمثيلات التي تناسب طبائعهم الغليظة، خصوصاً الأعراب والبدويّين -، وربما بلغ بعضهم في الغباوة والبلادة حيث لا ينجع معهم نصح ولا ينفع فيهم وعظ، وخوطب النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) لأجلهم بقوله تعالى: {أية : إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} تفسير : [القصص:56] وبقوله: {أية : إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ وَلاَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ ٱلدُّعَآءَ} تفسير : [النمل:80]. فقوله سبحانه: {إِن نَّفَعَتِ ٱلذِّكْرَىٰ} - وإن كان بحسب الظاهر شرطاً للتذكير، لكن ليس الغرض منه أنّ تذكيره (صلى الله عليه وآله وسلم) إيّاهم مشترط بالنفع، بل الرسول مأمور بالوعظ والتذكير مطلقا - سواء نفع أو لم ينفع -، كما أنّ الشمس من شأنها الإضاءة والتنوير، سواء قبلت الأجسام التي تحاذيها أم لم تقبل، فنفس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في إفاضة الأنوار العلميّة على النفوس بمنزلة الشمس في إفاضتها الأنوار الحسيّة على الأجسام المختلفة الاستعداد لقبول النور، ونفوس الناس بعضها بمنزلة القمر، وبعضها بمنزلة الأجسام المستنيرة كالمرايا الصقلية، وبعضها بمنزلة الأجسام المظلمة الكدرة، بل الغرض منه الإشعار بغباوة بعض النفوس وتعصّيهم عن إدراك الحقائق، والإخبار عن غلظة طبائعهم وجمود قرايحهم، والاستبعاد لتأثير الذكرى فيهم، والتسجيل على قلوبهم بالطبع والرَّين، كما تقول للواعظ: "عِظ فلانا إن سمع منك الوعظ وقبِل النصيحة". قاصداً بهذا الشرط مجرّد الاستبعاد لذلك، وأنّه لن يتحقّق، لا غيره. فظهر من هذه المباحث، أنّ الله تعالى، كما يعلم الكليّات والعقليّات، يعلم الجزئيّات والحسيّات، وكما يعلم الجهريّات النوريّة العقليّة، يعلم الخفيّات الظلمانيّة الحسيّة. وكما أنّه واقف بأسرار القلوب ومطّلع على ضمائر العقول، كذلك هو بصر بأعمال العباد. سميع بأقوال خلْقه في البلاد. فسبحان الذي لا يجري شيء في ملكه وملكوته إلاّ بقضائه وقدره، وسبحان من تقدَّسْت ذاته عن أن يغفل عن ما يفعل عباده من خيره وشرّه ونفعه وضرّه.

الجنابذي

تفسير : {سَنُقْرِئُكَ} يعنى بعد جفاف مرعى القوى والمدارك بالموت الاختيارى البتّة نقرئك او عن قريبٍ نقرئك آيات الاحكام القالبيّة والحكم القلبيّة {فَلاَ تَنسَىٰ} بعده لانّ الباعث للنّسيان الخروج من دار الذّكر، وسبب الخروج من دار الذّكر ليس الاّ القوى والمدارك ومشتهياتها، واذا جعلناها يابسةً حواء لم يكن باعث للخروج من دار الذّكر فلم يكن نسيان.

اطفيش

تفسير : {سَنُقْرِؤُكَ} نعلمك القرآن بواسطة جبريل فلا تحرك به لسانك لتعجل به وقيل سنجعلك قارئا بإلهام القراءة *{فَلاَ تَنْسَى} ما تقرأه وكان يخاف النسيان وذلك تبشير بإعطاء آية بينة وهي أن يقرأ عليه جبريل فيحفظ فيكون قارئا مع أنه أمي لا يكتب، وفي الإخبار قبل الوقوع آية أخرى وقيل كان يعجل فقيل له لا تعجل فإن جبريل يقرأه عليك ويكرره حتى تحفظه ولا تنساه وقيل لا ناهية وألف تنسى زائدة للفاصلة وكتبت ياء للمناسبة للألفات والمعنى النهي عن النسيان وقال الجنيد النهي عن ترك العمل بما فيه.

الالوسي

تفسير : بيان لهدايته تعالى شأنه الخاصة برسوله صلى الله عليه وسلم أثر بيان هدايته عز وجل العامة لكافة مخلوقاته سبحانه وهي هدايته عليه الصلاة والسلام لتلقي الوحي وحفظ القرآن الذي هو هدى للعالمين وتوفيقه صلى الله عليه وسلم لهداية الناس أجمعين. والسين إما للتأكيد وإما لأن المراد إقراء ما أوحى إليه صلى الله عليه وسلم حينئذ وما سيوحي إليه عليه الصلاة والسلام بعد فهو وعد كريم باستمرار الوحي في ضمن الوعد بالإقراء. وإسناد الإقراء إليه تعالى مجازي أي سنقرئك ما نوحي إليك الآن وفيما بعد على لسان جبريل عليه السلام فإنه عليه السلام الواسطة في الوحي على سائر كيفياته فلا تنسى أصلاً من قوة الحفظ والإتقان مع أنك أمي لم تكن تدري ما الكتاب وما القراءة ليكون ذلك لك آية مع ما في تضاعيف ما تقرؤه من الآيات البينات من حيث الإعجاز ومن حيث الإخبار بالمغيبات. وجوز أن يكون المعنى سنجعلك قارئاً بإلهام القراءة أي في الكتاب من دون تعليم أحد كما هو العادة فقد روي عن جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه أنه عليه الصلاة والسلام كان يقرأ الكتابة ولا يكتب ويكون المراد بقوله تعالى {فَلاَ تَنسَىٰ} نفي النسيان مطلقاً عنه عليه الصلاة والسلام امتناناً عليه صلى الله عليه وسلم بأنه أوتي قوة الحفظ، وفيه أنه مع كونه خلاف المأثور عن السلف في الآية تأباه فاء التفريع. وجوز أيضاً أن يكون المراد نفي نسيان المضمون أي سنقرئك القرآن فلا تغفل عنه فتخالفه في أعمالك ففيه وعد بتوفيقه عليه الصلاة والسلام لالتزام ما فيه من الأحكام وهو كما ترى. وقيل {فَلاَ تَنسَىٰ} نهى والألف لمراعاة الفاصلة كما في قوله تعالى {أية : فَأَضَلُّونَا ٱلسَّبِيلاْ}تفسير : [الأحزاب: 67] وفيه أن النسيان ليس بالاختيار فلا ينهى عنه إلا أن يراد مجازاً ترك أسبابه الاختيارية أو ترك العمل بما تضمنه المقرأ وفيه ارتكاب تكلف من غير داع وأيضاً رسمه بالياء يقتضي أنها من البنية لا للإطلاق وكون رسم المصحف مخالفاً [للقياس] تكلف أيضاً. نعم قيل رسمت ألف الإطلاق ياء لموافقة غيرها من الفواصل وموافقة أصلها مع أن الإمام المرزوقي صرح بأنه عند الاطلاق ترد المحذوفة وقيل هو نهي لكن لم تحذف الألف فيه إذ قد لا يحذف الجازم حرف العلة وحسن ذلك هنا مراعاة الفاصلة وفيه أيضاً ما فيه والأهون للطالب معنى النهي أن يقول هو خبر أريد به النهي على أحد التأويلين السابقين آنفاً.

ابن عاشور

تفسير : قد عرفت أن الأمر بالتسبيح في قوله: { أية : سبح اسم ربك الأعلى } تفسير : [الأعلى: 1] بشارة إجمالية للنبيء صلى الله عليه وسلم بخير يحصل له، فهذا موقعُ البيان الصريح بوعده بأنه سيعصمه من نسيان ما يُقرئه فيبلِّغُه كما أوحي إليه ويحفظه من التفلت عليه، ولهذا تكون هذه الجملة استئنافاً بيانياً لأن البشارة تنشىء في نفس النبي صلى الله عليه وسلم ترقباً لوعد بخير يأتيه فبشره بأنه سيزيده من الوحي، مع ما فرَّع على قوله: {سنقرئك} من قوله: {فلا تنسى}. وإذ قد كانت هذه السورة من أوائل السور نزولاً. وقد ثبت في الصحيح عن ابن عباس: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعالج من التنزيل شِدة إذا نزل جبريل، وكان ممَّا يحرك شفتيْه ولسانَه، يريد أن يحفظه ويخشى أن يتفلت عليه فقيل له: { أية : لا تحرّك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه } تفسير : [القيامة: 16، 17]، إنّ علينا أن نجمعه في صدرك وقرآنه أن تقرأه: { أية : فإذا قرأناه فاتبع قرآنه } تفسير : [القيامة: 18]. يقول: إذا أُنزل عليك فاستمع، قال: فكان إذا أتاه جبريل أطرق فإذا ذهب قرأه كما قرأ جبريل كما وعده الله» وسورة القيامة التي منها { أية : لا تحرك به لسانك } تفسير : نزلت بعد سورة الأعلى فقد تعين أن قوله: {سنقرئك فلا تنسى} وعد من الله بعَونه على حفظ جميع ما يُوحى إليه. وإنما ابتدىء بقوله: {سنقرئك} تمهيداً للمقصود الذي هو: {فلا تنسى} وإدماجاً للإِعلام بأن القرآن في تزايد مستمر، فإذا كان قد خاف من نسيان بعض ما أُوحي إليه على حين قِلَّتِه فإنه سيتتابع ويتكاثر فلا يخش نسيانه فقد تكفل له عدم نسيانه مع تزايده. والسين علامة على استقبال مدخولها، وهي تفيد تأكيد حصول الفعل وخاصةً إذا اقترنت بفعل حاصل في وقت التكلم فإنها تقتضي أنه يستمر ويتجدد وذلك تأكيد لحصوله وإذ قد كان قوله: {سنقرئك فلا تنسى} إقراءً، فالسين دالة على أن الإِقراء يستمر ويتجدد. والالتفات بضمير المتكلم المعظَّم لأن التكلّم أنسب بالإِقبال على المبشَّر. وإسناد الإقراء إلى الله مجاز عقلي لأنه جاعل الكلام المقروء وآمر بإقرائه. فقوله: {فلا تنسى} خبر مراد به الوعد والتكفل له بذلك. والنسيان: عدم خطور المعلوم السابق في حافظة الإنسان برهة أو زماناً طويلاً. والاستثناء في قوله: {إلا ما شاء اللَّه} مفرّع من فعل {تنسى}، و(ما) موصولة هي المستثنى. والتقدير: إلا الذي شاء الله أن تنساه، فحذف مفعول فعل المشيئة جرياً على غالب استعماله في كلام العرب، وانظر ما تقدم في قوله: { أية : ولو شاء اللَّه لذهب بسمعهم وأبصارهم } تفسير : في سورة البقرة (20). والمقصود بهذا أن بعض القرآن ينساه النبي إذا شاء الله أن ينساه. وذلك نوعان: أحدهما: وهو أظهرهما أن الله إذا شاء نسخ تلاوة بعض ما أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم أمره بأن يترك قراءَته فأمر النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين بأن لا يقرأوه حتى ينساه النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون. وهذا مثل ما روي عن عمر أنه قال: «كان فيما أنزل الشيخُ والشيخه إذا زنيا فارجموهما» قال عمر: لقد قرأنَاها، وأنه كان فيما أنزل: «لا تَرغبوا عن ءابائكم فإنَّ كفراً بكم أن ترغبوا عن ءابائكم». وهذا ما أشير إليه بقوله تعالى: {أو ننسها} في قراءة من قرأ: { أية : نُنْسِها } تفسير : في سورة البقرة (106). النوع الثاني: ما يعرض نسيانه للنبيء صلى الله عليه وسلم نسياناً موقتاً كشأن عوارض الحافظة البشرية ثم يقيض الله له ما يذكره به. ففي «صحيح البخاري» عن عائشة قالت: «سمع النبيءُ صلى الله عليه وسلم رجلاً يقرأ من الليل بالمسجد فقال: يرحمه الله لقد أذكَرَنِي كذا وكذا آيةً أسقطتهن أو كنت أنسيتُها من سورة كذا وكذا، وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسقط آية في قراءته في الصلاة فسأله أبَيّ بن كعب أُنسِخَتْ؟ فقال: «نسيتُها». وليس قوله: {فلا تنسى} من الخبر المستعمل في النهي عن النسيان لأن النسيان لا يدخل تحت التكليف، أمَّا إنه ليست (لا) فيه ناهية فظاهر ومن زعمه تعسف لتعليل كتابة الألف في آخره. وجملة: {إنه يعلم الجهر وما يخفى} معترضة وهي تعليل لجملة: {فلا تنسى} {إلا ما شاء الله} فإن مضمون تلك الجملة ضمان الله لرسوله صلى الله عليه وسلم حفظ القرآن من النقص العارض. ومناسبة الجهر وما يخفى أن ما يقرؤه الرسول صلى الله عليه وسلم من القرآن هو من قبيل الجهر فالله يعلمه، وما ينساه فيسقطه من القرآن هو من قبيل الخفيّ فيعلم الله أنه اختفى في حافظته حين القراءة فلم يبرز إلى النطق به.

الشنقيطي

تفسير : تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه معنى {نقرِئكَ} في سورة طه في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَعْجَلْ بِٱلْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ} تفسير : [طه: 114]، وبينه بآية القيامة {أية : لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} تفسير : [القيامة: 16-17]. وقوله: فلا تنسى: بحثه رحمة الله تعالى علينا وعليه في دفع إيهام الاضطراب مع ما ينسخ من الآيات فينساه، وسيطبع إن شاء الله تعالى مع هذه التتمة، تتمة للفائدة.

د. أسعد حومد

تفسير : (6) - سَنُنَزِّلُ عَلَيْكَ قُرْآناً تَقْرَؤُهُ وَلاَ تَنْسَى مِنْهُ شَيْئاً. (وَهَذَا وَعْدٌ مِنَ اللهِ تَعَالَى لِرَسُولِهِ بِأَنَّهُ لَنْ يَنْسَى مِنَ القُرْآنِ شَيْئاً).

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَخبرنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد قال: كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يتذكر القرآن في نفسه، مخافة أَن ينسى فقال الله، عز وجل: {سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ} [الآية: 6]. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن عطاءِ بن السائب، عن عكرمة، عن ابن عباس: {إِنَّ هَـٰذَا لَفِي ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ} [الآية: 18]. يقول: إِن هذه {أية : سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ}تفسير : [الآية: 1]. وقوله: {أية : وَإِبْرَاهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰ}تفسير : [النجم: 37] إِلى آخره من: {صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ} [الآية: 19].

همام الصنعاني

تفسير : 3581- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ}: [الآية: 6]، قال: كان الله يُنْسِي نَبِيَّهُ ما شَاءَ.