٨٧ - ٱلْأَعْلَىٰ
87 - Al-A'la (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
16
Tafseer
الرازي
تفسير : وفيه قراءتان: قراءة العامة بالتاء ويؤكده حرف أبي، أي بل أنتم تؤثرون عمل الدنيا على عمل الآخرة. قال ابن مسعود: إن الدنيا أحضرت، وعجل لنا طعامها وشرابها ونساؤها ولذاتها وبهجتها، وإن الآخرة لغيب لنا وزويت عنا، فأخذنا بالعاجل وتركنا الآجل. وقرأ أبو عمرو: يؤثرون بالياء يعني الأشقى. ثم قال تعالى:
القرطبي
تفسير : قراءة العامة «بل تؤثِرون» بالتاء؛ تصديقه قراءة أبيّ «بل أنتم تؤثرون». وقرأ أبو عمرو ونصر بن عاصم «بل يؤثِرون» بالياء على الغيبة؛ تقديره: بل يؤثِرُون الأَشْقون الحياة الدنيا. وعلى الأوّل فيكون تأويلها بل تؤثرون أيُّها المسلمون الاستكثار من الدنيا، للاستكثار من الثواب. وعن ابن مسعود أنه قرأ هذه الآية، فقال: أتدرون لم آثرنا الحياة الدنيا على الآخرة؟ لأن الدنيا حَضَرتْ وعجِلَت لنا طيباتها، وطعامها وشرابها، ولذاتها وبهجتها، والآخرة غُيبت عنا، فأخذنا العاجل، وتركنا الآجل. وروى ثابت عن أنس قال: كُنَّا مع أبي موسى في مسِير، والناس يتكلمون ويذكرون الدنيا. قال أبو موسى: يا أنس، إن هؤلاء يكاد أحدهم يَفْرِي الأديم بلسانه فرياً، فتعال فلنذكر ربنا ساعة. ثم قال: يا أنس، ما ثَبَر الناس! ما بَطَّأَ بهم؟ قلت: الدُّنيا والشيطان والشهوات. قال: لا، ولكن عُجِّلتِ الدنيا، وغُيبت الآخرة، أما والله لو عاينوها ما عَدَلوا ولا مَيَّلوا.
المحلي و السيوطي
تفسير : {بَلْ تُؤْثِرُونَ} بالفوقانية والتحتانية { ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا } على الآخرة.
ابن عبد السلام
تفسير : {تُؤْثِرُونَ} أيها الكفار الحياة الدنيا على الآخرة أو أيها المؤمنون تكثرون من الدنيا ولا تكثرون من الثواب.
ابن عادل
تفسير : قوله: {بَلْ تُؤْثِرُونَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا}، قرأ أبو عمرو: بالغيبة. والباقون: بالخطاب ويؤيده قراءة أبيٍّ: "أنْتُمْ تُؤْثِرُون". وعلى الأول معناه: بل تؤثرون أيها المسلمون الاستكثار من الدنيا على الاستكثار من الثواب. وعن ابن مسعود - رضي الله عنه -: أنَّه قرأ هذه الآية، فقال: أتدرون لم آثرنا الحياة الدنيا على الآخرة؟ قال: لأن الدنيا حضرت وعجلت لنا طيباتها وطعامها وشرابها ولذاتها وبهجتها، والأخرى: غيبت عنا فأخذنا العاجل، وتركنا الآجل. قوله: {وَٱلآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ}، أي: والدَّار الآخرة خير، أي: أفضل وأبقى أي: أدوم. قوله: {إِنَّ هَـٰذَا لَفِي ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ}. قرأ أبو عمر، في رواية الأعمش وهارون: بسكون الحاء في الحرفين، واختلفوا في المشار إليه بهذا. فقيل: جميع السورة، وهو رواية عكرمة عن ابن عباس. وقال الضحاكُ: إن هذا القرآن "لفي الصحف الأولى" أي: الكتب الأولى. {صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ} يعني: الكتب المنزلة عليهما، ولم يرد أن هذه الألفاظ بعينها في تلك الصحف، وإنما معناه: أن معنى هذا الكلام في تلك الصحف. وقال قتادة وابن زيد: المشار إليه هو قوله تعالى: {وَٱلآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ} وقال: تتابعت كتب الله تعالى - كما تسمعون - أن الآخرة خير وأبقى وقال الحسن: إن هذا لفي الصحف الأولى يعني من قوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ} إلى آخر السورة؛ لماروى أبو ذر - رضي الله عنه - قال: حديث : قلت: يا رسول الله هل في أيدينا شيء مما كان في صحف إبراهيم وموسى؟ قال صلى الله عليه وسلم: "نعم""تفسير : ، ثم قرأ أبو ذر: {قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ} إلى آخر السورة. وروى أبو ذرٍّ - رضي الله عنه - حديث : أنَّه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم كم أنزل من كتاب؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مائة وأربعُ كتبٍ: على آدم عشرةُ صحفٍ، وعلى شيثٍ خمسُونَ صحيفةً، وعَلى إدْريسَ ثلاثُونَ صَحيفَةً، وعلى إبْراهِيمَ عشرةُ صَحائفَ، والتَّوراة والإنجيلُ والزَّبورُ والفُرقانُ" ". تفسير : قوله: "إبراهيم" قرأ العامة بالألف بعد الراء، وبالياء بعد الهاء. وأبو رجاء: بحذفهما والهاء مفتوحة، أو مكسورة، فعنه قراءتان. وأبو موسى وابن الزبير: "إبراهام" - بألفين - وكذا في كل القرآن. ومالك بن دينار: بألف بعد الراء فقط، والهاء مفتوحة. وعبد الرحمن بن أبي بكرة: "إبْرَهِمَ" بحذف الألف وكسر الهاء وقد تقدم الكلام على هذا الاسم ولغاته مستوفى في سورة "البقرة" ولله الحمد على كل حال. وقال ابن خالويه: وقد جاء "إبْراهُم" يعني بألف وضم الهاء. وروى الثعلبي عن أبيّ - رضي الله عنه -: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَنْ قَرَأ سُورةَ الأعْلَى أعطاهُ اللهُ تعالَى من الأجْرِ عَشْرَ حسناتٍ، عدد كُلِّ حرفٍ أنزله اللهُ على إبْراهيمَ ومُوسَى ومحمدٍ، صلواتُ الله عليْهِم أجْمعِينَ".
التستري
تفسير : قوله تعالى: {بَلْ تُؤْثِرُونَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا}[16] قال: ما ينبغي للمؤمن أن يكون في الدنيا إلا كمثل رجل ركب خشبة في البحر، وهو يقول: يا رب يا رب، لعل أن ينجيه منها، وما من عبد مؤمن زهد في الدنيا إلا وكّل الله به ملكاً حكيماً يغرس في قلبه أنواع الحكم، كما يغرس أهل الدنيا في بساتينهم من طرف الأشجار، والله سبحانه وتعالى أعلم.
السلمي
تفسير : قال أبو العباس الدينورى: من خسأ طبعه وحقرت همته آثر الدنيا بخستها وحقارتها، ومن علت همتهُ وعظم قدره آثر الآخرة، ومن شرفت حاله وصحت حقائقه آثر ربه على الدارين وما فيها.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {بَلْ تُؤْثِرُونَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا} اقبل الخسيس على الخسيس والشريف على الشريف والرفيع من اقبل على الله ويتبرك ما سواه فهذا وصية الله فى كتبه لانبيائه بقوله {إِنَّ هَـٰذَا لَفِي ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ} فى صحف ابراهيم الخروج مما سوى الله بنعت التجريد كما قال انى برئ مما تشركون اى الاقبال على الله بقوله انى وجهت وجهى وفى صحف موسى سرعة الشوق الى جماله والندم على الوقوف فى المقامات عند تعريف الصفات بقوله انى تبت اليك وانا اول المؤمنين.
اسماعيل حقي
تفسير : {وذكر اسم ربه} بقلبه ولسانه {فصلى} اقام الصلوات الخمس كقوله {أية : اقم الصلاة لذكرى}تفسير : اى كبر تكبيرة الافتتاح فصلى فالمراد بالذكر تكبيرة الافتتاح لكن لا يختص الذكر عند الحنفية بأن يقول الله اكبر لعموم الذكر ودل العطف بالفاء التعقيبية على عدم دخول التكبير فى الاركان لان العطف يقتضى المغايرة بين المعطوفين قال الامام مراتب اعمال المكلف ثلاث فاولاها ازالة العقائد الفاسدة عن القلب وهى المراد بالتزكى والثانية استحضار معرفة الله بذاته وصفاته واسمائه وهى المراد بالذكر لان الذكر بالقلب ليس الا المعرفة والثالثة الاشتغال بالخدمة والطاعة وهى المرادة بالصلاة فانها عبارة عن التواضع والخشوع فمن استنار قلبه بمعرفة جلال الله لا بد وان يظهر فى جوارحه واعضائه اثر الخضوع والخشوع قال بعضهم خلق الله وجها يصلح للسجدة وعينا تصلح للعبرة وبدنا يصلح للخدمة وقلبا يصلح للمعرفة وسرا يصلح للمحبة فاذكروا نعمة الله عليكم حيث زين ألسنتكم بالشهادة وقلوبكم بالمعرفة وابدانكم بالعبادة (روى) عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الله تعالى قال الله سبحانه حديث : ان لى مع المصلين ثلاث شرائط احداها تنزل الرحمة من عنان السماء الى مفرق رأسه ما دام فى صلاته والثانية حفته الملائكة بأجنحتها والثالثة أناجى معه كلما قال يا رب اقول لبيكتفسير : ثم قال عليه السلام حديث : لو علم المصلى من يناجى ما التفتتفسير : (وروى) عن ابن عمر رضى الله عنه ان المراد بالتزكى اخراج صدقة الفطر قبل المضى الى المصلى وبالذكران يكبر فى الطريق حين خروجه الى المصلى وبالصلاة ان يصلى صلاة العيد بعد ذلك مع الامام وهذه السورة وان كانت مكية بالاجماع ولم يكن بمكة عيد ولا صدقة فطر الا انه لما كان فى علمه ان ذلك سيكون اثنى الله على من فعل ذلك فانه تعالى قد يخبر عما سيكون وفى الآية اشارة الى تطهير النفس عن المخالفات الشرعية وتطهير القلب عن المحبة الدنيوية بل عن ملاحظة الغير والتوجه الى الله تعالى بقدر الاستعداد اذ لا يكلف الله نفسا الا وسعها. {بل تؤثرون الحياة الدنيا} اضراب عن مقدر ينساق اليه الكلام كأنه قيل اثر بيان ما يؤدى الى الفلاح لا تفعلون ذلك بل تختارون اللذات العاجلة الفانية فتسعون لتحصيلها والخطاب اما للكفرة فالمراد بايثار الحياة الدنيا هو الرضى والاطمئنان بها والاعراض عن الآخرة بالكلية كما فى قوله تعالى وان الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها الآية او للكل فالمراد بايثارها ما هو أعم مما ذكر وما لا يخلو عنه اناس غالبا من ترجيح جانب الدنيا على الآخرة فى السعى وترتيب المبادى والالتفات على الاول لتشديد التوبيخ وعلى الثانى كذلك فى حق الكفرة ولتشديد العتاب فى حق المسلمين وفى فتح الرحمن فالكافر يؤثرها ايثار كفر يرى ان لاآخرة والمؤمن يؤثرها ايثار معصية وغلبة نفس الا من عصم الله وفى عين المعانى خطاب للامة اذ كل يميل الى الدنيا اما رغبة فيها اوادخار الثواب الآخرة (وفى كشف الاسرار) مصطفى عليه السلام اول قلم فتوى. در حق دنيا اين راندكه حلالها حساب وحرامها عذاب آنكه برو لعنت كردكه. الدنيا ملعونة ملعون ما فيها الا ذكر الله. شعر : اكردينت همى بايد زدننا دار بى بكسل ورت دنيا همى بايدبده دين وببر دنيا ورازدوزخ همى ترسى بمالى بس مشوغره كه اينجاصورتش مالست وآنجاشكلش ازدرها جه مانى بهر مردارى جوزاغان اندرين بستى قفص بشكن جو طاوسان يكى بربربزين بالا
الجنابذي
تفسير : {بَلْ تُؤْثِرُونَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا} يعنى لكنّكم لا تفعلون ذلك بل تؤثرون الحياة الدّنيا وتدعون الفلاح والصّلاة.
اطفيش
تفسير : {بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَيَٰوةَ الدُّنْيَا} تختارونها وهي فانية خسيسة منغصة عن الآخرة وهي رفيعة باقية فلا تفعلون ما يسعدكم في الآخرة والخطاب للأشقيين المعبر عنهم بالأشقى على طريق الإلتفات من الغيبة الى الخطاب أو على إضمار قل أو للكل والحكم على المجموع لا الجميع وذلك أن السعي للدنيا أكثر في الجملة. وقرأ ابن مسعود بل أنتم تؤثرون وقرأ أبو عمرو بل يؤثرون بالمثناة التحتانية قال عرفجة الأشمع كنا عند ابن مسعود فقرأ هذه الآية فقال أتدرون لم آثرنا الحياة الدنيا على الآخرة قلنا لا قال لأن الدنيا حضرت وعجل لنا طعامها وشرابها ونساؤها ولذاتها وبهجتها وأن الآخرة تغيبت وزويت عنا فأصبنا العاجل وتركنا الآجل، وقد يقال الخطاب للجميع والحكم على الجميع فإن من في الدنيا لا يخلو من ميل الى الدنيا وكان الإنسان مطبوع على حبها، وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال "حديث : استحيوا من الله حق الحياء قال ابن مسعود فقلنا يا رسول الله إنا نستحي والحمد لله قال ليس ذلك ولكن الإستحياء من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس وما وعي وتحفظ البطن وما حواى وتذكر الموت والبلاء ومن أراد الآخرة ترك الدنيا ومن فعل ذلك فقد استحى من الله حق الحياء"تفسير : قال الغزالي وإيثار الحياة الدنيا طبع غالب على الإنسان ولذلك قال {بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا}.
اطفيش
تفسير : الخطاب للمشركين تشديد عليهم بعد الغيبة فى قوله تعالى {أية : ويتجنبها الأَشقى} تفسير : [الأعلى: 11] والإضراب على محذوف أى أنتم لا تفعلون ما ذكر من التزكى وذكر الله تعالى والصلاة بل تختارون الحياة الدنيا وتطمئنون إليها بالكلية {أية : إن الذين لا يرجون لقاءَنا ورضوا بالحياة الدنيا..} تفسير : [يونس: 7] الآية أو هو إضراب عن قد أفلح..الخ أى لا تفلحون بل تؤثرون أو التقدير هذا البيان لا ينفعكم بل تؤثرون وقيل الخطاب للمشركين والمؤمنين لأَن المؤمنين لا يخلون عن إيثار الدنيا فى أحوالهم إلا أنهم لا يخلون بالفرائض وإن أخلوا منها تابوا وتداركوا وإلاَّ هلكوا.
الالوسي
تفسير : إضراب عن مقدر ينساق إليه الكلام كأنه قيل إثر بيان ما يؤدي إلى الفلاح: لا تفعلون ذلك بل تؤثرون الخ ولعله مراد من قال إنه إضراب عن {أية : قَدْ أَفْلَحَ }تفسير : [الأعلى: 14] الخ وقيل إضراب عن بيان حال المتذكر والمتجنب إلى بيان أنه لا ينفع هذا البيان وأضعافه المتمردين على وجه يتضمن بيان سبب عدم النفع وهو إيثار الحياة الدنيا. والخطاب على هذا للكفرة الأشقين من أهل مكة وعلى الأول يحتمل أن يكون لهم فالمراد بإيثار الحياة الدنيا هو الرضاء والاطمئنان بها والإعراض عن الآخرة بالكلية كما في قوله تعالى: {أية : إَنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُواْ بِٱلْحَيٰوةِ ٱلدُّنْيَا وَٱطْمَأَنُّواْ بِهَا }تفسير : [يونس: 7] الآية ويحتمل أن يكون لجميع الناس على سبيل التغليب فالمراد بإيثارها ما هو أعم مما ذكر وما لا يخلو عنه الناس غالباً من ترجيح جانب الدنيا على الآخرة في السعي وترتيب المبادىء، وعن ابن مسعود ما يقتضيه والالتفات على الأول لتشديد التوبيخ وعلى الثاني كذلك في حق الكفرة ولتشديد العتاب في / حق المسلمين وقيل لا التفات لأنه بتقدير قل. وقرأ عبد الله وأبو رجاء والحسن والجحدري وأبو حيوة وابن أبـي عبلة وأبو عمرو والزعفراني وابن مقسم (يؤثرون) بياء الغيبة. وقوله تعالى: {وَٱلأَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ}.
ابن عاشور
تفسير : قرأ الجمهور {تؤثرون} بمثناة فوقية بصيغة الخطاب، والخطاب موجه للمشركين بقرينة السياق وهو التفات، وقرأه أبو عمرو وحدَه بالمثناة التحتية على طريقة الغيبة عائداً إلى { أية : الأشقى الذي يصلى النار الكبرى } تفسير : [الأعلى: 11، 12]. وحرف {بَل} معناه الجامع هو الإضراب، أي انصراف القول أو الحكم إلى ما يأتي بعد {بل}؛ فهو إذا عَطَف المفردات كان الإضراب إبطالاً للمعطوف عليه: لغلط في ذكر المعطوف أو للاحتراز عنه فذلك انصراف عن الحكم. وإذا عطفَ الجمل فعطفه عطف كلام على كلام وهو عطف لفظي مجرد عن التشريك في الحكم ويقع على وجهين، فتارة يقصد إبطال معنى الكلام نحو قوله تعالى: { أية : أم يقولون به جنة بل جاءهم بالحق } تفسير : [المؤمنون: 70] فهو انصراف في الحُكم، وتارة يقصد مجرد التنقل من خبر إلى آخر مع عدم إبطال الأول نحو قوله تعالى: { أية : ولدينا كتاب ينطق بالحق وهم لا يظلمون بل قلوبهم في غمرة من هذا } تفسير : [المؤمنون: 62، 63]. فتكون {بل} بمنزلة قولهم «دع هذا» فهذا انصراف قولي. ويعرف أحد الإضرابين بالقرائن والسياق. و{بل} هنا عاطفة جملة عطفاً صُورياً فيجوز أن تكون لمجرد الانتقال من ذكر المنتفعين بالذكرى والمتجنبين لها، إلى ذكر سبب إعراض المتجنبين وهم الأشْقَون بأنَّ السبب إيثارهم الحياة الدنيا، وذلك على قراءة أبي عمرو ظاهر، وأما على قراءة الجمهور فهو إضراب عن حكاية أحوال الفريقين بالانتقال إلى توبيخ أحد الفريقين وهو الفريق الأشقى فالخطاب موجه إليهم على طريقة الالتفات لتجديد نشاط السامع لكي لا تنقضي السورة كلها في الإخبار عنهم بطريق الغيبة. ويجوز أن يكون الإضراب إبطالاً لما تضمنه قوله: { أية : قد أفلح من تزكى } تفسير : [الأعلى: 14] من التعريض للذين شَقُوا بتحريضهم على طلب الفلاح لأنفسهم ليلتحقوا بالذين يخشون ويتزكّون ليبطل أن يكونوا مظنة تحصيل الفلاح. والمعنى: أنهم بُعداء عن أن يظنّ بهم التنافس في طلب الفلاح لأنهم يؤثرون الحياة الدنيا، فالمعنى: بل أنتم تؤثرون منافع الدنيا على حظوظ الآخرة، وهذا كما يقول الناصح شخصاً يظن أنه لا ينتصح «لقد نصحتك وما أظنك تفعل». ويجيء فيه الوجهان المتقدمان من الخطاب والغيبة على القراءتين. والإِيثار: اختيار شيء من بين متعدد. والمعنى: تؤثرون الحياة الدنيا بعنايتكم واهتمامكم. ولم يُذكر المؤثَر عليه لأن الحياة الدنيا تدل عليه، أي لا تتأملون فيما عدَا حياتكم هذه ولا تتأمّلون في حياة ثانية، فالمشركون لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذُكِّروا بالحياة الآخرة وأخبروا بها لم يُعيروا سمعهم ذلك وجعلوا ذلك من الكلام الباطل وهذا مورد التوبيخ. واعلم أنّ للمؤمنين حظاً من هذه الموعظة على طول الدهر، وذلك حظ مناسب لمقدار ما يفرِّط فيه أحدهم مما ينجيه في الآخرة إيثاراً لما يجتنيه من منافع الدنيا التي تجر إليه تَبِعةً في الآخرة على حسب ما جاءت به الشريعة، فأما الاستكثار من منافع الدنيا مع عدم إهمال أسباب النجاة في الآخرة فذلك مَيدانٌ للهمم وليس ذلك بمحل ذم قال تعالى: { أية : وابتغ فيما آتاك اللَّه الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا } تفسير : [القصص: 77]. وجملة: {والآخرة خير وأبقى} عطف على جملة التوبيخ عطفَ الخبر على الإنشاء لأن هذا الخبر يزيد إنشاءَ التوبيخ توجيهاً وتأييداً بأنهم في إعراضهم عن النظر في دلائل حياة آخرة قد أعرضوا عما هو خير وأبقَى. و{أبقى}: اسم تفضيل، أي أطول بقاءً، وفي حديث النهي عن جَرِّ الإزار « حديث : وليكن إلى الكعبين فإنه أتقَى وأبْقَى ».
الشنقيطي
تفسير : قرئ: تؤثرون بالتاء وبالياء راجعاً إلى أية : {ٱلأَشْقَى * ٱلَّذِى يَصْلَى ٱلنَّارَ ٱلْكُبْرَىٰ} تفسير : [الأعلى: 11-12]، وعلى أنها بالتاء للخطاب أعم، وحيث إن هذا الأمر عام في الأمم الماضية، ويذكر في الصحف الأولى كلها عامة، وفي صحف إبراهيم وموسى، مما يدل على خطورته، وأنه أمر غالب على الناس. وقد جاءت آيات دالة على أسباب ذلك منها الجهل وعدم العلم بالحقائق، كما في قوله تعالى: {أية : وَمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} تفسير : [العنكبوت: 64]، أي الحياة الدائمة. وقد روى القرطبي عن مالك بن دينار قوله: لو كانت الدنيا من ذهب يفنى، والآخرة من خزف يبقى، لكان الواجب أن يؤثر خزف يبقى على ذهب يفنى، فكيف والآخرة من ذهب يبقى والدنيا من خزف يفنى؟ ومن أسباب ذلك أن الدنيا زينت للناس وعجلت لهم كما في قوله: {أية : زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَاتِ مِنَ ٱلنِّسَاءِ وَٱلْبَنِينَ وَٱلْقَنَاطِيرِ ٱلْمُقَنْطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ وَٱلأَنْعَامِ وَٱلْحَرْثِ} تفسير : [آل عمران: 14]. ثم قال: {أية : ذٰلِكَ مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَٱللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ ٱلْمَآبِ} تفسير : [آل عمران: 14]. وبين تعالى هذا المآب الحسن وهو في وصفه يقابل {وَٱلآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ}، فقال: {أية : قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِّن ذٰلِكُمْ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ} تفسير : [آل عمران: 15]. تأمل هذا البديل، ففي الدنيا ذهب وخيل ونساء والأنعام والحرث، وقد قابل ذلك كله بالجنة فعمت وشملت، ولكن نص على أزواج مطهرة ليعرف الفرق بين نساء الدنيا ونساء الآخرة، كما تقدم في {أية : أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ} تفسير : [محمد: 15]، {أية : لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلاَ يُنزِفُونَ} تفسير : [الواقعة: 19]، وغير ذلك مما ينص على الخيرية في الآخرة. ولا شك أن من آثر الآخرة غالب على من آثر الدنيا، وظاهر عليه، كما صرَّح تعالى بذلك في قوله: {أية : زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} تفسير : [البقرة: 212]. فمن هذا يظهر أن أسباب إيثار الناس للحياة الدنيا هو تزيينها وزخرفتها في أعينهم بالمال والبنين والخيل والأنعام {أية : ٱلْمَالُ وَٱلْبَنُونَ زِينَةُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَٱلْبَاقِيَاتُ ٱلصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً} تفسير : [الكهف: 46]. وقد سيق هذا، لا على سبيل الإخبار بالواقع فحسب، بل إن من ورائه ما يسمى لازم الفائدة، وهو ذم من كان هذا حاله، فوجب البحث عن العلاج لهذه الحالة. وإذا ذهبنا نتطلب العلاج فإننا في الواقع نواجه أخطر موضوع على الإنسان، لأنه يشمل حياته الدنيا ومآله في الآخرة، ويتحكم في سعادته وفوزه أو شقاوته وحرمانه، وإن قرب مأخذ لنا لهو هذا الموطن بالذات من هذه السورة، وهو بضميمة ما قبلها إليها من قوله تعالى: {أية : سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَىٰ * وَيَتَجَنَّبُهَا ٱلأَشْقَى * ٱلَّذِى يَصْلَى ٱلنَّارَ ٱلْكُبْرَىٰ} تفسير : [الأعلى: 10-12]، وبعدها {أية : قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ * وَذَكَرَ ٱسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّىٰ} تفسير : [الأعلى: 14-15]، فقد قسمت هذه الآيات الأمة كلها أمة الدعوة إلى قسمين. أما التذكير والإنذار، إذ قال تعالى: {أية : فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ ٱلذِّكْرَىٰ}، تفسير : [الأعلى: 9] فهذا موقف النَّبي صلى الله عليه وسلم، وجاء تقسيم الأمة إلى القسمين الآيتين: {أية : سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَىٰ} تفسير : [الأعلى: 10] فينتفع بالذكرى وتنفعه، {أية : وَيَتَجَنَّبُهَا ٱلأَشْقَى} تفسير : [الأعلى: 11] فلا تنفعه ولا ينتفع بها، ثم جاء الحكم بالفلاح: {أية : قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ} تفسير : [الأعلى: 14] أي من يخشى {أية : وَذَكَرَ ٱسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّىٰ} تفسير : [الأعلى: 15] ولم يغفل عن ذكر الله تعالى، وهذا الموقف بنفسه هو المفصل في سورة الحديد، وفي معرض التوجيه لنا والتوبيخ للأمم الماضية أيضاً {أية : أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلْحَقِّ وَلاَ يَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ ٱلأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ} تفسير : [الحديد: 16]. فقسوة القلب وطول الأمد والتسويف: هي العوامل الأساسية للغفلة وإيثار الدنيا. والخشية والذكر: هي العوامل الأساسية لإيثار الآخرة ثم عرض الدنيا في حقيقتها بقوله: {أية : ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي ٱلأَمْوَالِ وَٱلأَوْلاَدِ كَمَثَلِ غَيْثٍ} تفسير : [الحديد: 20] - إلى قوله - {أية : وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ} تفسير : [الحديد: 21]. فوصف الداء والدواء معاً في هذا السياق. فالداء: هو الغرور، والدواء: هو المسابقة إلى مغفرة من الله ورضوانه. وقوله: {إِنَّ هَـٰذَا لَفِي ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ}، قيل: اسم الإشارة راجع إلى السورة، كلها لتضمنها معنى التوحيد والمعاد والذكر والعبادات، والصحف الأولى: هي صحف إبراهيم وموسى، على أنها بدل من الأولى. وجاء عند القرطبي: أن صحف إبراهيم كانت أمثالاً، وصحف موسى كانت مواعظ، وذكر نماذج لها. وعند الفخر الرازي من رواية حديث : أبي ذر رضي الله عنه، أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم "كم أنزل الله من كتاب؟ فقال: مائة وأربعة كتب على آدم عشر صحف، وعلى شئث خمسين صحيفة: وعلى إدريس ثلاثين صحيفة، وعلى إبراهيم عشر صحائف والتوراة والإنجيل والزبور والفرقان" . تفسير : وفي هذا نص على أن في القرآن مما في الصحف الأولى، وقد جاء ما يدل أن معان أخرى كذلك في صحف إبراهيم وموسى كما في سورة النجم في قوله: {أية : أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَىٰ * وَإِبْرَاهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰ * أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ * وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ} تفسير : [النجم: 36-40]. وهذا يؤيد أنها أكثرها أمثالاً ومواعظ، كما يؤكد ترابط الكتب السماوية.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْحَيَاةَ} (16) - إِنَّ النَّاسَ يُؤْثِرُونَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ، وَالعَقْلُ يُرْشِدُهُمْ إِلَى أَنَّ الآخِرَةَ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا، لأَِنَّ الآخِرَةَ دَائِمَةٌ بَاقِيَةٌ، وَالدُّنْيَا زَائِلَةٌ فَانِيَةٌ، وَالعَاقِلُ لاَ يُؤْثِرُ الفَانِي عَلَى البَاقِي.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):