Verse. 5966 (AR)

٨٧ - ٱلْأَعْلَىٰ

87 - Al-A'la (AR)

اِنَّ ہٰذَا لَفِي الصُّحُفِ الْاُوْلٰى۝۱۸ۙ
Inna hatha lafee alssuhufi aloola

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إن هذا» إفلاحُ من تزكى وكون الآخرة خيرا «لفي الصحف الأولى» أي المنزلة قبل القرآن.

18

Tafseer

الرازي

تفسير : واختلفوا في المشار إليه بلفظ (هذا) منهم من قال: جميع السورة، وذلك لأن السورة مشتملة على التوحيد والنبوة والوعيد على الكفر بالله، والوعد على طاعة الله تعالى. ومنهم من قال: بل المشار إليه بهذه الإشارة هو من قوله: {قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ } [الأعلى: 14] إشارة إلى تطهير النفس عن كل ما لا ينبغي. أما القوة النظرية فعن جميع العقائد الفاسدة، وأما في القوة العملية فعن جميع الأخلاق الذمية. وأما قوله: {أية : وَذَكَرَ ٱسْمَ رَبّهِ }تفسير : [الأعلى: 15] فهو إشارة إلى تكميل الروح بمعرفة الله تعالى، وأما قوله: {أية : فَصَلَّىٰ }تفسير : [الأعلى: 15] فهو إشارة إلى تكميل الجوارح وتزيينها بطاعة الله تعالى. وأما قوله: {أية : بَلْ تُؤْثِرُونَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا } تفسير : [الأعلى: 16] فهو إشارة إلى الزجر عن الالتفات إلى الدنيا. وأما قوله: {أية : وَٱلآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ }تفسير : [الأعلى: 17] فهو إشارة إلى الترغيب في الآخرة وفي ثواب الله تعالى، وهذه أمور لا يجوز أن تختلف باختلاف الشرائع، فلهذا السبب قال: {إِنَّ هَـٰذَا لَفِى ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ } وهذا الوجه كما تأكد بالعقل فالخبر يدل عليه، روى عن أبي ذر أنه قال: قلت هل في الدنيا مما في صحف إبراهيم وموسى؟ فقال: اقرأ يا أبا ذر {أية : قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ }تفسير : [الأعلى: 14] وقال آخرون: إن قوله (هذا) إشارة إلى قوله: {وَٱلآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ } وذلك لأن الإشارة راجعة إلى أقرب المذكورات وذلك هو هذه الآية، وأما قوله: {لَفِى ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ } فهو نظير لقوله: {أية : وَإِنَّهُ لَفِى زُبُرِ ٱلأَوَّلِينَ }تفسير : [الشعراء:196] وقوله: {أية : شَرَعَ لَكُم مّنَ ٱلِدِينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً }تفسير : [الشورى: 13].

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ هَـٰذَا لَفِي ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ } قال قتادة وابن زيد: يريد قوله: {وَٱلآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ}. وقالا: تتابعت كتب الله جل ثناؤه ـ كما تسمعون ـ أن الآخرة خير وأبقى من الدنيا. وقال الحسن: «إِنّ هذا لفي الصحف الأُولى» قال: كُتُبِ الله جل ثناؤه كلها. الكلبِيّ: {إِنَّ هَـٰذَا لَفِي ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ } من قوله: «قد أفلح» إلى آخر السورة؛ لحديث أبي ذرّ على ما يأتي. وروى عِكرمة عن ابن عباس: «إِنّ هذا لفي الصحف الأولى» قال: هذه السورة. وقال والضحاك: إن هذا القرآن لفي الصحف الأولى؛ أي الكتب الأولى. {صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ } يعني الكتب المنزلة عليهما. ولم يرد أن هذه الألفاظ بعينها في تلك الصحف، وإنما هو على المعنى؛ أي إن معنى هذا الكلام وارد في تلك الصحف. وروى الآجُرّي « حديث : من حديث أبي ذرّ قال: قلت يا رسول الله، فما كانت صحف إبراهيم؟ قال: «كانت أمثالاً كلُّها: أيها الملك المتسلِّط المُبتلَى المغرور، إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض، ولكن بعثتك لتردّ عني دعوة المظلوم، فإني لا أردّها ولو كانت من فم كافر. وكان فيها أمثال: وعلى العاقل أن يكون له ثلاث ساعات: ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، يفكر فيها في صنع الله عز وجل إليه، وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب. وعلى العاقل ألا يكون ظاعناً إلا في ثلاث: تزوّد لمعاد، ومَرمَّة لمعاشٍ، ولذة في غير محرم. وعلى العاقل أن يكون بصيراً بزمانه، مقبلاً على شانه، حافظاً للسانه. ومن عدّ كلامه من عمله قلَّ كلامُه إلاَّ فيما يعينه». قال: قلت يا رسول الله، فما كانت صحف موسى؟ قال: «كانت عِبراً كلُّها: عجِبت لمن أيقن بالموت كيف يفرح! وعجبت لمن أيقن بالقَدَر كيف ينْصَب. وعجبت لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها! وعجبت لمن أيقن بالحساب غدا ثم هو لا يعمل» قال: قلت يا رسول الله، فهل في أيدينا شيء مما كان في يدي إبراهيم وموسى، مما أنزل الله عليك؟ قال: «نعم اقرأ يا أبا ذرّ {قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ * وَذَكَرَ ٱسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّىٰ * بَلْ تُؤْثِرُونَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا * وَٱلآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ * إِنَّ هَـٰذَا لَفِي ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ }»تفسير : . وذكر الحديث.

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِنَّ هَـٰذَا } أي إفلاحُ من تزكى وكون الآخرة خيراً {لَفِى ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ } أي المنزلة قبل القرآن.

ابن عبد السلام

تفسير : {إِنَّ هَذَا} القرآن لفي الصحف "ح" أو ما قصه في هذه السورة أو أنّ الآخرة خير وأبقى.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّ هَـٰذَا} قال ابن زيد: الإشارَة بـ«هَذَا» إلى هذينِ الخبرينِ: إفْلاحِ مَنْ تَزكّى، وإيثارِ الناسِ للدنيا مَعَ فَضْلِ الآخرة عليها، وهذا هو الأرجَحُ لقرب المشارِ إليه، وعن أُبيِّ بن كعب قال: حديث : كانَ رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم يقرأُ في الْوِتْرِ بـ«سبح اسم ربك الأعلى» و«قل يٰأَيها الكافرون» و«قل هو اللَّه أحد»؛ فإذا سَلَّمَ قال: سُبْحَانَ المَلِكِ القُدُّوسِ؛ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ يَمُدُّ صَوْتَهُ في الثَّالِثَةِ، ويَرْفَعُتفسير : ، رواه أبو داود والنسائي؛ وهذا لفظه، ورَواهُ الدارقطني في سُنَنِهِ، ولفْظُه: «حديث : فَإذَا سَلَّمَ قَالَ: سُبْحَانَ المَلِكِ الْقُدُّوسِ، ثَلاَثَ مَرَّاتٍ يَمُدُّ بِهَا صَوْتَهُ في الأخِيرَةِ، وَيَقُولُ: رَبِّ المَلاَئِكَةِ وَالرُّوحِ»تفسير : ، انتهى من «السلاح»، قالَ النووي ورُوِّينَا في «سُنَنِ أبي داودَ» «والترمذي» «والنسائي » عن علي ـــ رضي اللَّه عنه ـــ أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في آخر وِتْرِهِ: «حديث : اللهمَّ إني أعوذُ برضاكَ من سَخَطِكَ، وأعوذ بِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوْبَتِكَ، وأعوذ بك منكَ، لا أحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أنْتَ كَما أثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ»تفسير : قال الترمذيُّ: حديث حسن، انتهى.

ابو السعود

تفسير : {إِنَّ هَذَا} إشارةٌ إلى ما ذُكِرَ من قولِه تعالى: {أية : قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ } تفسير : [سورة الأعلى، الآية 14] وقيلَ: إلى ما في السورةِ جميعاً {لَفِى ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ} أي ثابتٌ فيها معناهُ {صُحُفِ إِبْرٰهِيمَ وَمُوسَىٰ} بدلٌ من الصحفِ الأُولى وفي إبهامِها ووصفِها بالقدمِ ثم بـيانِها وتفسيرِها من تفخيمِ شأنِها ما لا يَخْفى. رُويَ أن جميعَ ما أنزلَ الله عزَّ وجلَّ من كتابٍ مائةٌ وأربعةُ كتبٍ، أنزلَ على آدمَ عليهِ السَّلامُ عشرَ صحفٍ وعلى شيثٍ خمسينَ صحيفةً وعلى إدريسَ ثلاثينَ صحيفةً وعلى إبراهيمَ عشرَ صحائفَ عليهم السَّلامُ والتوراةَ والإنجيلُ والزبورُ والفرقانَ. عن النبـيِّ صلى الله عليه وسلم: " حديث : من قرأَ سورةَ الأَعْلى أعطاهُ الله عشرَ حسناتٍ بعددِ كلِّ حرفٍ أنزلَهُ الله تعالَى على إبراهيمَ ومُوسى ومحمدٍ عليهم السَّلامُ".

اسماعيل حقي

تفسير : {ان هذا} اشارة الى ما ذكر من قوله تعالى قد افلح من تزكى {لفى الصحف الاولى} جميع صحيفة وهى الكتاب قال الراغب الصحيفة المبسوط من كل شئ كصحيفة الوجه والصحيفة التى كان يكتب فيها والمصحف ما جعل جامعا للصحف المكتوبة والمعنى الثابت فيها يعنى ان تطهير النفس عما لا ينبغى وتكميل الروح بالمعارف وتكميل الجوارح بالطاعة والزجر عن الالتفات الى الدنيا والترغيب فى الآخرة وفى ثواب الله فى دار كرامته لا يجوزان يختلف باختلاف الشرآئع.

صدر المتألهين الشيرازي

تفسير : يعني أنّ هذه المعارف المسطورة في هذه السورة والمشار إليها في طيّ هذه الآية الكريمة الإلهيّة، واردة من الله في الصحف الأولى للأنبياء، فائضة على صفحات ضمائر الأولياء، لأنّ سعادة الإنسان وكرامة نفسه لا تحصل إلاّ بالاشتغال بهذه المطالب، وخلاصه عن شقاوة الجهل منوط بالإعراض عن الدنيا وساير الرغائب. وروى صاحب الكشّاف مرفوعاً حديث : عن أبي ذر - رضي الله عنه -: أنّه سأل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "كمْ أنزل الله من كتاب"؟ فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): مائة وأربعة كتب. منها على آدم عشر صحف، وعلى شيث خمسون صحيفة، وعلى أخنوخ - وهو إدريس - ثلاثون صحيفة، وعلى إبراهيم عشر صحائف، والتوارة، والزبور، والإنجيل، والفرقان . تفسير : وجميعها مشتركة في طريق واحد ومسلك جامع، هو العلم بالله وأسمائه وأفعاله وكتبه ورسله واليوم الآخر، مع الخلوص عن غشاوة الدنيا بإصلاح الجزء العلمي من النفس، وهذه سبيل الموحّدين جميعا من الأنبياء والأولياء والعرفاء. وقال الله تعالى: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِيۤ إِلَيْهِ أَنَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ فَٱعْبُدُونِ} تفسير : [الأنبياء:25]. وقال تعالى: {أية : قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِيۤ أَدْعُو إِلَىٰ ٱللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِي} تفسير : [يوسف:108]. وسلّم هذه المعارف هو علم حقيقة النفس، وكيفيّة استكمالاتها وتطوراتها من لدن حدوثها وكونها عقلا هيولانيّا، إلى غاية تمامها وكمالها عقلا فعّالا متّصلا بعالم القدس والحضرة الإلهيّة، والغرض الأصلي من بعثة جميع الأنبياء والمرسلين يرجع ألى أمرين: التجرّد عن العلائق، والاستكمال بالحقائق. قال بعض العرفاء: وكما أنّ الاسم الإلهي جامع لجميع الأسماء مشتمل عليها مع أحديّته، كذلك طريق عرفانه ودعوته، جامع طرق جميع الأسماء كلّها ودعوتها، وإن كان كلّ من تلك الطرق مختصّا بالاسم الذي يريد صاحبه ومظهره، ويعبده للظهور من ذلك الوجه، ويسلك سبيله المستقيم الخاصّ بذلك الاسم. وليس الجامع لها إلاّ ما سلك عليها المظهر المحمّدي (ص) والنشأة الجامعة الأحمديّة - صلوات الله وسلامه عليه وآله وأتباعه إلى يوم القيامة - وهو طريق التوحيد الذي عليه جميع الأنبياء والأولياء، ومنها تتفرّق الطرق وتتشعّب. روي أنّ رسول الله (ص) لمّا أراد أن يبيّن ذلك للناس، خطَّ خطّاً مستقيما، ثمّ خطَّ عن جانبيه خطوطاً خارجة من ذلك الخطّ، وجعل الأصل، الصراط المستقيم الجامع، والخطوط الخارجة منها سُبل الشيطان. كما قال: {أية : وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ} تفسير : [الأنعام:153]. واعلم أنّ الحقائق والمعارف التي بها يستكمل الإنسان، ليس عند جمهور الناس شيء منها إلاّ الخيالات والأشباح، ولذلك لا يحصل لهم منها بعد تقليدهم من الأنبياء واعترافهم بها تسليماً وانقياداً إلاّ شبح الكمال ومثاله، دون حقيقته، لأنّها علوم وأسرار لطيفة لا تنكشف لأحد إلاّ بعد تلطّف نفسه، وتنّور روحه، وتقدّس جوهره، وصفاء ذهنه، إمّا بحسب الفطرة كما للأنبياء والأولياء، أو بحسب الرياضة كما للحكماء والعلماء. ولهذا قال بعض الحكماء: من أراد الحكمة الإلهيّة فليستحدث لنفسه فطرة أخرى. فالأنبياء، لغاية نقاء أذهانهم، وفرط ذكاء عقولهم، أخذوا هذا العلم عن الملائكة الفعّالة وحياً وإلهاماً بتأييد الله - عزّ وجلّ -، وأمّا الجمهور من الناس، فليس لهم طريق إلى هذه المعرفة إلاّ إيماناً وتسليماً وتصديقاً بما جاء به المخبرون الصادقون عن الله تعالى. وأمّا الذين لا يرضون أن يأخذوا هذا العلم تسليماً وتصديقاً، بل يريدون طريق الكشف والبرهان، والوصول إلى الحقائق واستيضاحها بالبصائر العقليّة التي نسبتها إلى العقليّات الحقيقيّة المنوّرة بنور الحقّ، نسبة البصر إلى الحسيّات المادّية المستنيرة بنور الشمس، فهم يحتاجون إلى أن تكون لهم نفوس زكيّة، وقلوب صافية، وأذان واعية، وأخلاق ظاهرة، وأن يكونوا غير متعصّبين لمذهب دون مذهب في هذه الآراء التي لا تختلف باختلاف الأديان والملل، كما نبَّه عليه قوله تعالى: {أية : آمَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَٱلْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِٱللَّهِ وَمَلاۤئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ * لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ} تفسير : [البقرة:285 - 286]. فهذه الآية إشارة إلى هذه المراتب الثلاثة للإنسان في الاعتقاد بالمعارف الإلهيّة. فقوله: {أية : آمَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ} تفسير : [البقرة:285] -، إشارة إلى مرتبة الأنبياء، وهي الدرجة العليا في الإيمان والمعرفة، لأنّها حاصلة من جهة نزول المعارف الإلهيّة، وفيضان الحقائق الربّانيّة على عقولهم الزكيّة النوريّة، التي يكاد يضيء زيت نفوسهم الناطقة لفرط استعدادها نوراً عقلانيّا ولو لم تمسسه نار التعليم البشري، كالكبريت الذي ربما يشتعل بنفسه بأدنى وصول حرارة إليه، ناراً محرقاً تمامه من غير تخلّف مادة رماديّة، لا يقبل الناريّة والنور، كذلك حكم نفوس الأنبياء، حيث إنّ أبدانهم المكتسبة، لها خاصيّة الروح من جهة الإدراك والصعود إلى عالم الأفلاك، والولوج في عالم الجنان، ودار الحيوان مع الأبدان. وقوله: {أية : وَٱلْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِٱللَّهِ} تفسير : [البقرة:285] الى قوله: - {أية : وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ} تفسير : [البقرة:285] - إشارة إلى مرتبة الحكماء والعرفاء والعلماء الربّانيّين، حيث بلغوا إلى مراتب العلم والعرفان، ووصلوا إلى حقائق الإيمان من العلم بأحوال المبدأ وكيفيّة الصنع والابداع وكيفيّة خلقة الملائكة الروحانيّين وإفاضة العلوم والمعارف الحقّة على الألواح العقليّة المحفوظة عن الفساد، ثمّ على الكتب السماويّة المحروسة عن النسخ والآفات، ثمّ على قلوب أنبيائه الصالحين المعصومين عن الخطأ بحسب مصالح العباد على وجه كلّي يؤدّي إلى سعادتهم في المعاد، من غير اختلاف لأحد من الرسل وأصحاب الأديان في وصول الحقائق الحاصلة لهم من الله سبحانه بقوّة ملكوتيّة، ولخواصّ أمّتهم بقوّة الذكاء والوجدان وتصفية الباطن بالرياضات العملية والعبادات القلبيّة، واتّباعهم للأنبياء - صلوات الله عليهم أجمعين - في طريق السلوك إليه تعالى، بتكميل ذواتهم بصفة الكمال الذي ينحصر في المعرفة بالله وصفاته وأفعاله، بعد إصلاح الجزء العلمي من نفوسهم بسماع الآيات والذكر الحكيم وطاعة الملكوت في تسخير القوى الشهويّة والغضبيّة والوهميّة واستخدامها في أوامر الله ونواهيه بحسب ما تقتضيه الشريعة الحقّة ابتغاء لغفران الله ورضوانه عند المصير اليه والانقطاع عنها وعمّا تعلّقت بها. وقوله: {أية : لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} تفسير : [البقرة:286] إشارة إلى النفوس الساذجة التي ليس فيها ما يوجب التمرّد والاستكبار عن قبول الحقّ من دواعي الشرّ والفساد، وطلب الرياسة والعناد واللداد كعوامّ أهل الإسلام، حيث أجابوا دعوة الحقّ انقياداً وتسليماً، وقبلوا النصائح والمواعظ في فعل الطاعات البدنيّة والعبادات الجسمانيّة وترك المعاصي والإفراط في اللذّات والشهوات لئلاّ يكونوا هائمين غافلين بالكليّة عن الله واليوم الآخر، غير مقرّبين بالثواب والعقاب والجزاء في الأعمال والأفعال يوم الحساب. فلا محالة لهم نصيب من الرحمة الإلهيّة التي وسعت كلّ شيء، فإنّ الاستحقاق للرحمة المبذولة، إنّما يتحقّق بمجرّد عدم المضادّة للرحمة المنافي للمغفرة - أي الهيآت الرديّة والأخلاق الظلمانيّة الحاصلة للنفوس بسبب تكرّر الأعمال القبيحة، والتمرّد عن طاعة الحقّ، والاستكبار عن سماع الآيات والإعراض عن تكلّم الكلمات -. والداءُ العضال الذي لا نجاة معه يوم الآخرة، حبُّ الرياسة وطلب الدنيا الذي هو رأس كلّ خطيئة، فبقدر قوّة ذلك، يكون الإنسان بعيداً عن درك الحقّ ونيل السعادة الأخرويّة. أعاذنا الله تعالى - من الإنكباب إلى عالم الغرور والزور، ونجّانا عن صحبة المؤذيات والظلمات في معدن الآفات والشرور، وَصَعَد بنا - بمساعدة العلم والتقوى - إلى منبع النور ودار الرحمة والسرور - إنّه وليّ الجود وغاية الوجود.

اطفيش

تفسير : {إِنَّ هَذَا} المذكور من إفلاح المتزكي الذاكر المصلي وأيثار الدنيا على الآخرة في الطباع وكون الآخرة خيرا وأتقى وهذا المذكور من إفلاح من ذكر وكون الآخرة خيرا وأبقى وهذا المذكور في السورة كله *{لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى} المنزلة قبل القرآن أي مذكور فيها.

اطفيش

تفسير : {إنَّ هَذَا} ما ذكر من كون الآخرة وأبقى أو إلى قوله قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى، قال أبو ذر قلت حديث : يا رسول الله هل أنزل عليك شيءٍ مما كان في صحف إبراهيم وموسى قال يا أبا ذر نعم قد أفلح من تزكى وقرأ إلى وأبقىتفسير : ، وعن الضحاك الإشارة إلى القرآن كقوله تعالى {أية : وإنه لفي زبر الأَولين} تفسير : [الشعراء: 196]، وعن ابن عباس إلى ما فى السورة جميعاً ولا يتبادر. {لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى صُحُفِ إبِرَاهِيمَ} له منها عشر كلها أمثال أيها الملك المسلط لم أبعثك لتجمع بعض الدنيا إلى بعض بل لترد دعوة المظلوم فإنى لا أردها ولو كانت من كافر وعلى الإنسان ما دام عاقلاً ساعة يناجى فيها ربه وساعة يحاسب فيها نفسه وساعة لمباحة يستعين به على الطاعة وأن يكون بصيراً بزمانه مقبلاً على شأنه حافظاً للسانه ومن حسب كلامه من عمله أقله إلاَّ فيما يعنيه {وَمُوسَى} له من الصحف عشر نزلت قبل التوراة كانت عبراً كلها عجباً لمن أيقن بالموت ثم يفرح ولمن أيقن بالنار ثم يضحك ولمن يرى الدنيا وتقلبها بأَهلها ثم يطمئن إليها ولمن أيقن بالقدر ثم يغضب ويروى ثم ينصب ويروى ثم يحزن ولمن أيقن بالحساب ثم لا يعمل ويروى فى ذلك كله كيف بدل ثم ومعنى عجباً تعجبوا أيها المكلفون، ويروى عجبت ومعناه استعظمت لأَن الله لا يتعجب ويروى عجباً لمن أيقن بالحساب كيف يغفل، ويروى يذكر عجباً فى كل، وأنزل على شيت خمسين صحيفة وعلى إدريس ثلاثين وذلك مع التوراة والزبور والإنجيل والقرآن مائة كتاب وأربعة كتب أسأل الله الرحمن الرحيم بها أن يقضى حوائجنا.. وصلى الله عليه سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

الالوسي

تفسير : {إِنَّ هَذَا } إشارة على ما أخرج ابن جرير وابن أبـي حاتم عن ابن زيد إلى قوله تعالى: {أية : وَٱلآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ }تفسير : [الأعلى: 17] وروي ذلك عن قتادة وقال غير واحد إشارة إلى ما ذكر من قوله سبحانه {أية : قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ}تفسير : [الأعلى: 14] الخ وسيأتي إن شاء الله تعالى في الحديث ما يشهد له، وقال الضحاك إشارة إلى القرآن فالآية كقوله تعالى: {أية : وَإِنَّهُ لَفِى زُبُرِ ٱلاْوَّلِينَ}تفسير : [الشعراء: 196] وعن ابن عباس وعكرمة والسدي إشارة إلى ما تضمنته السور جميعاً وفيه بعد. {لَفِى ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ } أي ثابت فيها معناه. وقرأ الأعمش وهٰرون وعصمة كلاهما عن أبـي عمرو بسكون الحاء وكذا فيما بعد وهي لغة تميم على ما في «اللوامح».

ابن عاشور

تفسير : تذييل للكلام وتنويه به بأنه من الكلام النافع الثابت في كتب إبراهيم وموسى عليهما السلام، قصد به الإِبلاغ للمشركين الذين كانوا يعرفون رسالة إبراهيم ورسالة موسى، ولذلك أكّد هذا الخبر بــــ {إنَّ} ولام الابتداء لأنه مسوق إلى المنكرين. والإِشارة بكلمة {هذا} إلى مجموع قوله { أية : قد أفلح من تزكى} تفسير : [الأعلى: 14] إلى قوله {أية : وأبقى } تفسير : [الأعلى: 17] فإن ما قَبْل ذلك من أول السورة إلى قوله: { أية : قد أفلح من تزكى } تفسير : [الأعلى: 14]، ليس مما ثَبت معناه في صحف إبراهيم وموسى عليهما السلام. روى ابن مردويه والآجُري عن أبي ذر قال: «قلت يا رسول الله هل أُنزل عليك شيء مما كان في صحف إبراهيم وموسى؟ قال: نعم { أية : قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى بل تؤثرون الحياة الدنيا والأخرة خير وأبقى } تفسير : [الأعلى: 14 ـــ 17]. ولم أقف على مرتبة هذا الحديث. ومعنى الظرفية من قوله: {لفي الصحف} أن مماثله في المعنى مكتوب في الصحف الأولى، فأطلقت الصحف على ما هو مكتوب فيها على وجه المجاز المرسل كما في قوله تعالى: { أية : وقالوا ربنا عجل لنا قِطَّنا } تفسير : [ص: 16]، أي ما في قِطِّنا وهو صك الأعمال. و{الصحف}: جمع صحيفة على غير قياس لأن قياس جمعه صحائف، ولكنه مع كونه غير مقيس هو الأفصح كما قالوا: سُفُن في جمع سفينة، ووجه جمع الصحف أن إبراهيم كانت له صحف وأن موسى كانت له صحف كثيرة وهي مجموع صحف أسفار التوراة. وجاء نظم الكلام على أسلوب الإِجمال والتفصيل ليكون لهذا الخبر مزيد تقرير في أذهان الناس فقوله: {صحف إبراهيم وموسى} بدل من {الصحف الأولى}. و{الأولى}: وصف لصُحف الذي هو جمع تكسير فله حكم التأنيث. و{الأولى} صيغة تفضيل. واختلف في الحروف الأصلية للفظ أوّل فقيل: حروفه الأصول همزة فواو (مكررة) فلام ذكره في «اللسان» فيكون وزن أول: أَأَوَل، فقلبت الهمزة الثانية واواً وأدغمت في الواو. وقيل: أُصوله: وَاوَان ولام وأن الهمزة التي في أوله مزيدة فوزن أول: أفعل وإدغام إحدى الواوين ظاهر. وقيل: حروفه الأصلية واو وهمزة ولام فأصل أول أوْ ألْ بوزن أفعل قلبت الهمزة التي بعد الواو واواً وأدغما. و{الأولى}: مؤنث أفعل من هذه المادة فإما أن نقول: أصلها أُوْلى سكنت الواو سكوناً ميتاً لوقوعها إثر ضمة، أو أصلها: وُوْلَى بواو مضمومة في أوله وسكنت الواو الثانية أيضاً، أو أصلها: وُألَى بواو مضمومة ثم همزة ساكنة فوقع فيه قلب، فقيل: أولى فوزنها على هذا عُفْلَى. والمراد بالأولية في وصف الصحف سبق الزمان بالنسبة إلى القرآن لا التي لم يسبقها غيرها لأنه قد روي أن بعض الرسل قبل إبراهيم أنزلت عليه صحف فهو كوصف {عاد} بـ {الأولى} في قوله: { أية : وأنه أهلك عاداً الأولى } تفسير : [النجم: 50] وقوله تعالى: { أية : هذا نذير من النذر الأولى } تفسير : [النجم: 56] وفي حديث البخاري: « حديث : إنَّ مما أدرك الناسُ من كلام النبوءة الأولى إذَا لم تستح فاصنع ما شئت » تفسير : . وأخرج عبدُ بن حميد وابن مردويه وابن عساكر وأبو بكر الآجُري عن أبي ذرّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن صحف إبراهيم كانت عشر صحائف.

د. أسعد حومد

تفسير : (18) - إِنَّ دِينَ اللهِ وَاحِدٌ، وَهَذَا الذِي أَنْزَلَهُ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم مِنْ أَوَامِرَ وَنَوَاهٍ وَوَعْدٍ وَوَعِيدٍ، وَشَرْعٍ.. هُوَ بِعَيْنِهِ مَا أَنْزَلَهُ عَلَى الأَنْبِيَاءِ السَّابِقِينَ، وَوَرَدَ فِي كُتُبِهِمْ.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّ هَـٰذَا لَفِي ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ} معناه في كُتبِ الله تعالى.

همام الصنعاني

تفسير : 3586- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {إِنَّ هَـٰذَا لَفِي ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ}: [الآية: 18]، قال: إن ما قص الله في هذه السورة {لَفِي ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ}: [الآية: 18-19].