Verse. 5968 (AR)

٨٨ - ٱلْغَاشِيَة

88 - Al-Ghashiya (AR)

ہَلْ اَتٰىكَ حَدِيْثُ الْغَاشِـيَۃِ۝۱ۭ
Hal ataka hadeethu alghashiyati

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«هل» قد «أتاك حديث الغاشية» القيامة لأنها تغشى الخلائق بأهوالها.

1

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن في قوله: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْغَـٰشِيَةِ } مسألتين: المسألة الأولى: ذكروا في الغاشية وجوهاً أحدها: أنها القيامة من قوله: {أية : يَوْمَ يَغْشَـٰهُمُ ٱلْعَذَابُ}تفسير : [العنكبوت: 55] إنما سميت القيامة بهذا الاسم، لأن ما أحاط بالشيء من جميع جهاته فهو غاش له، والقيامة كذلك من وجوه الأول: أنها ترد على الخلق بغتة وهو كقوله تعالى: {أية : أَفَأَمِنُواْ أَن تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مّنْ عَذَابِ ٱللَّهِ } تفسير : [يوسف: 107]، والثاني: أنها تغشى الناس جميعاً من الأولين والآخرين. والثالث: أنها تغشى الناس بالأهوال والشدائد القول الثاني: الغاشية هي النار أي تغشى وجوه الكفرة وأهل النار قال تعالى: {أية : وَتَغْشَىٰ وُجُوهَهُمْ ٱلنَّارُ } تفسير : [إبراهيم: 50] {أية : ومن فوقهم غواش} تفسير : [الأعراف: 41] وهو قول سعيد بن جبير ومقاتل القول الثالث: الغاشية أهل النار يغشونها ويقعون فيها والأول أقرب، لأن على هذا التقدير يصير المعنى أن يوم القيامة يكون بعض الناس في الشقاوة، وبعضهم في السعادة. المسألة الثانية: إنما قال: {هَلُ أَتَاكَ } وذلك لأنه تعالى عرف رسول الله من حالها، وحال الناس فيها ما لم يكن هو ولا قومه عارفاً به على التفصيل، لأن العقل إن دل فإنه لا يدل إلا على أن حال العصاة مخالفة لحال المطيعين. فأما كيفية تلك التفاصيل فلا سبيل للعقل إليها، فلما عرفه الله تفصيل تلك الأحوال، لا جرم قال: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْغَـٰشِيَةِ }. أما قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَـٰشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ } فاعلم أنه وصف لأهل الشقاوة، وفيه مسألتان: المسألة الأولى: المراد بالوجوه أصحاب الوجوه وهم الكفار، بدليل أنه تعالى وصف الوجوه بأنها خاشعة عاملة ناصبة، وذلك من صفات المكلف، لكن الخشوع يظهر في الوجه فعلقه بالوجه لذلك، وهو كقوله: {أية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ }تفسير : [القيامة: 22] وقوله: {خَـٰشِعَةٌ } أي ذليلة قد عراهم الخزي والهوان، كما قال: {أية : وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ رُؤُوسَهُمْ } تفسير : [السجدة: 12] وقال: {أية : وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَـٰشِعِينَ مِنَ ٱلذُّلّ يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيّ } تفسير : [الشورى: 45] وإنما يظهر الذل في الوجه، لأنه ضد الكبر الذي محله الرأس والدماغ. وأما العاملة فهي التي تعمل الأعمال، ومعنى النصب الدؤوب في العمل مع التعب. المسألة الثانية: الوجوه الممكنة في هذه الصفات الثلاثة لا تزيد على ثلاثة، لأنه إما أن يقال: هذه الصفات بأسرها حاصلة في الآخرة، أو هي بأسرها حاصلة في الدنيا، أو بعضها في الآخرة وبعضها في الدنيا أما الوجه الأول: وهو أنها بأسرها حاصلة في الآخرة فهو أن الكفار يكونون يوم القيامة خاشعين أي ذليلين، وذلك لأنها في الدنيا تكبرت عن عبادة الله، وعاملين لأنها تعمل في النار عملاً تتعب فيه وهو جرها السلاسل والأغلال الثقيلة، على ما قال: {أية : فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً }تفسير : [الحاقة: 32] وخوضها في النار كما تخوض الإبل في الوحل بحيث ترتقي عنه تارة وتغوص فيه أخرى والتقحم في حر جهنم والوقوف عراة حفاة جياعاً عطاشاً في العرصات قبل دخول النار في يوم كان مقداره ألف سنة، وناصبين لأنهم دائماً يكونون في ذلك العمل قال الحسن: هذه الصفات كان يجب أن تكون حاصلة في الدنيا لأجل الله تعالى، فلما لم تكن كذلك سلطها الله عليهم يوم القيامة على سبيل العقاب وأما الوجه الثاني: وهو أنها بأسرها حاصلة في الدنيا، فقيل: هم أصحاب الصوامع من اليهود والنصارى وعبدة الأوثان والمجوس، والمعنى أنها خشعت لله وعملت ونصبت في أعمالها من الصوم الدائب والتهجد الواصب، وذلك لأنهم لما اعتقدوا في الله ما لا يليق به، فكأنهم أطاعوا ذاتاً موصوفة بالصفات التي تخيلوها فهم في الحقيقة ما عبدوا الله وإنما عبدوا ذلك المتخيل الذي لا وجود له، فلا جرم لا تنفعهم تلك العبادة أصلاً وأما الوجه الثالث: وهو أن بعض تلك الصفات حاصل في الآخرة وبعضها في الدنيا ففيه وجوه أحدها: أنها خاشعة في الآخرة، مع أنها كانت في الدنيا عاملة ناصبة، والمعنى أنها لم تنتفع بعملها ونصبها في الدنيا، ولا يمتنع وصفهم ببعض أوصاف الآخرة، ثم يذكر بعض أوصاف الدنيا ثم يعاد ذكر الآخرة، إذا كان المعنى في ذلك مفهوماً فكأنه تعالى قال: وجوه يوم القيامة خاشعة، لأنها كانت في الدنيا عاملة ناصبة في غير طاعة الله، فهي إذن تصلى ناراً حامية في الآخرة ثانيها: أنها خاشعة عاملة في الدنيا، ولكنها ناصبة في الآخرة، فخشوعها في الدنيا خوفها الداعي لها إلى الإعراض عن لذائذ الدنيا وطيباتها، وعملها هو صلاتها وصومها ونصبها في الآخرة هو مقاساة العذاب على ما قال تعالى: {أية : وَبَدَا لَهُمْ مّنَ ٱللَّهِ ما لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ }تفسير : [الزمر: 47] وقرىء عاملة ناصبة على الشتم، واعلم أنه تعالى بعد أن وصفهم بهذه الصفات الثلاثة شرح بعد ذلك كيفية مكانهم ومشربهم ومطعمهم نعوذ بالله منها. أما مكانهم فقوله تعالى:

القرطبي

تفسير : «هل» بمعنى قد؛ كقوله: { أية : هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلإِنسَانِ } تفسير : [الإنسان: 1]؛ قال قُطْرب. أي قد جاءك يا محمد حديث الغاشية؛ أي القيامة التي تغشى الخلائق بأهوالها وأفزاعها؛ قاله أكثر المفسرين. وقال سعيد بن جُبير ومحمد بن كعب: «الغاشية»: النار تَغْشَى وجوه الكفار؛ ورواه أبو صالح عن ابن عباس؛ ودليله قوله تعالى: { أية : وَتَغْشَىٰ وُجُوهَهُمْ ٱلنَّارُ } تفسير : [إبراهيم: 50]. وقيل: تَغشَى الخلق. وقيل: المراد النفخة الثانية للبعث؛ لأنها تَغشَى الخلائق. وقيل: «الغاشية» أهلُ النار يَغْشَونها، ويقتحمون فيها. وقيل: معنى «هل أتاك» أي هذا لم يكن من علمك، ولا من علم قومك. قال ابن عباس: لم يكن أتاه قبل ذلك على هذا التفصيل المذكور هاهنا. وقيل: إنها خرجت مخرج الاستفهام لرسوله؛ ومعناه إن لم يكن أتاك حديث الغاشية فقد أتاك؛ وهو معنى قول الكلبيّ.

البيضاوي

تفسير : مكية وهي ست وعشرون آية بسم الله الرحمن الرحيم {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْغَـٰشِيَةِ } الداهية التي تغشى الناس بشدائدها يعني يوم القيامة، أو النار من قوله تعالى {أية : وَتَغْشَىٰ وُجُوهَهُمْ ٱلنَّارُ }تفسير : [إبراهيم: 50] {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَـٰشِعَةٌ } ذليلة. {عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ } تعمل ما تتعب فيه كجر السلاسل وخوضها في النار خوض الإبل في الوحل، والصعود والهبوط في تلالها ووهادها ما عملت، ونصبت في أعمال لا تنفعها يومئذ. {تَصْلَىٰ نَاراً } تدخلها وقرأ أبو عمرو ويعقوب وأبو بكر «تُصْلَىٰ» من أصلاه الله، وقرىء «تُصَّلِّ» بالتشديد للمبالغة. {حَامِيَةً } متناهية في الحر. {تُسْقَىٰ مِنْ عَيْنٍ ءانِيَةٍ} بلغت أناها في الحر. {لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ } يبيس الشبرق وهو شوك ترعاه الإِبل ما دام رطباً، وقيل شجرة نارية تشبه الضريع، ولعله طعام هؤلاء والزقوم والغسلين طعام غيرهم، أو المراد طعامهم ما تتحاماه الإِبل وتعافه لضره وعدم نفعه كما قال تعالى: {لاَّ يُسْمِنُ وَلاَ يُغْنِى مِن جُوعٍ } والمقصود من الطعام أحد الأمرين. {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ} ذات بهجة أو متنعمة. {لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ} رضيت بعملها لما رأت ثوابه. {فِى جَنَّةٍ عَالِيَةٍ} علية المحل أو القدر. {لاَ تُسْمِعُ} يا مخاطب أو الوجوه، وقرأ على بناء المفعول بالياء ابن كثير وأبو عمرو ورويس وبالتاء نافع. {فِيهَا لَـٰغِيَةً } لغواً أو كلمة ذات لغو أو نفساً تلغو، فإن كلام أهل الجنة الذكر والحِكَم. {فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ } يجري ماؤها ولا ينقطع والتنكير للتعظيم.

ابن كثير

تفسير : الغاشية: من أسماء يوم القيامة. قاله ابن عباس وقتادة وابن زيد؛ لأنها تغشى الناس وتعمهم. وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا أبو بكر بن عياش عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم على امرأة تقرأ: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْغَـٰشِيَةِ}، فقام يستمع ويقول: «حديث : نعم قد جاءني» تفسير : وقوله تعالى: { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَـٰشِعَةٌ} أي: ذليلة، قاله قتادة، وقال ابن عباس: تخشع، ولا ينفعها عملها. وقوله تعالى: { عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ} أي: قد عملت عملاً كثيراً، ونصبت فيه، وصليت يوم القيامة ناراً حامية. قال الحافظ أبو بكر البرقاني: حدثنا إبراهيم بن محمد المزكّي، حدثنا محمد بن إسحاق السراج، حدثنا هارون بن عبد الله، حدثنا سيار، حدثنا جعفر قال: سمعت أبا عمران الجوني يقول: مر عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه بدير راهب، قال: فناداه: يا راهب فأشرف، قال: فجعل عمر ينظر إليه ويبكي، فقيل له: يا أمير المؤمنين ما يبكيك من هذا؟ قال: ذكرت قول الله عز وجل في كتابه: {عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ تَصْلَىٰ نَاراً حَامِيَةً } فذاك الذي أبكاني. وقال البخاري: قال ابن عباس: { عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ}: النصارى، وعن عكرمة والسدي عاملة في الدنيا بالمعاصي، وناصبة في النار بالعذاب والإهلاك، قال ابن عباس والحسن وقتادة: { تَصْلَىٰ نَاراً حَامِيَةً} أي: حارة شديدة الحر، { تُسْقَىٰ مِنْ عَيْنٍ ءَانِيَةٍ} أي: قد انتهى حرها وغليانها، قاله ابن عباس ومجاهد والحسن والسدي. وقوله تعالى: { لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: شجر من النار، وقال سعيد بن جبير: هو الزقوم، وعنه: أنها الحجارة، وقال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وأبو الجوزاء وقتادة: هو الشبرق، قال قتادة: قريش تسميه في الربيع الشبرق، وفي الصيف الضريع، قال عكرمة: وهو شجرة ذات شوك لاطئة بالأرض. وقال البخاري: قال مجاهد: الضريع: نبت يقال له: الشبرق، يسميه أهل الحجاز الضريع إذا يبس، وهو سم، وقال معمر عن قتادة: { لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ} هو الشبرق، إذا يبس سمي الضريع، وقال سعيد عن قتادة: { لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ} من شر الطعام وأبشعه وأخبثه، وقوله تعالى: { لاَّ يُسْمِنُ وَلاَ يُغْنِى مِن جُوعٍ} يعني: لا يحصل به مقصود، ولا يندفع به محذور.

المحلي و السيوطي

تفسير : {هَلْ } قد {أَتَٰكَ حَدِيثُ ٱلْغَٰشِيَةِ } القيامة لأنها تغشى الخلائق بأهوالها.

الشوكاني

تفسير : قوله: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْغَـٰشِيَةِ } قال جماعة من المفسرين: هل هنا بمعنى قد، وبه قال قطرب، أي: قد جاءك يا محمد حديث الغاشية، وهي القيامة؛ لأنها تغشى الخلائق بأهوالها. وقيل: إن بقاء هل هنا على معناها الاستفهامي المتضمن للتعجيب بما في خبره، والتشويق إلى استماعه أولى. وقد ذهب إلى أن المراد بالغاشية هنا القيامة أكثر المفسرين. وقال سعيد بن جبير، ومحمد بن كعب: الغاشية النار تغشى وجوه الكفار كما في قوله: {أية : وَتَغْشَىٰ وُجُوهَهُمْ ٱلنَّارُ } تفسير : [إبراهيم: 50] وقيل: الغاشية أهل النار؛ لأنهم يغشونها ويقتحمونها. والأوّل أولى. قال الكلبي: المعنى إن لم يكن أتاك حديث الغاشية، فقد أتاك. {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَـٰشِعَةٌ } الجملة مستأنفة جواب سؤال مقدّر كأنه قيل ما هو؟ أو مستأنفة استئنافاً نحوّياً لبيان ما تضمنته من كون، ثم وجوه في ذلك اليوم متصفة بهذه الصفة المذكورة. ووجوه مرتفع على الابتداء، وإن كانت نكرة لوقوعه في مقام التفصيل. وقد تقدّم مثل هذا في سورة القيامة، وفي سورة النازعات. والتنوين في يومئذ عوض عن المضاف إليه، أي: يوم غشيان الغاشية. والخاشعة: الذليلة الخاضعة. وكل متضائل ساكن يقال له خاشع، يقال خشع الصوت: إذا خفي، وخشع في صلاته: إذا تذلل ونكس رأسه. والمراد بالوجوه هنا أصحابها. قال مقاتل: يعني الكفار؛ لأنهم تكبروا عن عبادة الله. قال قتادة، وابن زيد: خاشعة في النار. وقيل: أراد وجوه اليهود والنصارى على الخصوص، والأوّل أولى. قوله: {عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ } معنى {عاملة} أنها تعمل عملاً شاقاً. قال أهل اللغة: يقال للرجل إذا دأب في سيره: عمل يعمل عملاً، ويقال للسحاب إذا دام برقه: قد عمل يعمل عملاً. قيل: وهذا العمل هو جرّ السلاسل والأغلال، والخوض في النار. {نَّاصِبَةٌ } أي: تعبة. يقال نصب بالكسر ينصب نصباً: إذا تعب، والمعنى: أنها في الآخرة تعبة لما تلاقيه من عذاب الله. وقيل: إن قوله: {عَامِلَةٌ } في الدنيا إذ لا عمل في الآخرة، أي: تعمل في الدنيا بالكفر والمعاصي، وتنصب في ذلك. وقيل: إنها عاملة في الدنيا ناصبة في الآخرة، والأوّل أولى. قال قتادة {عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ }: تكبرت في الدنيا عن طاعة الله، فأعملها الله، وأنصبها في النار بجرّ السلاسل الثقال، وحمل الأغلال، والوقوف حفاة عراة في العرصات {أية : فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ } تفسير : [المعارج: 4] قال الحسن، وسعيد بن جبير: لم تعمل لله في الدنيا، ولم تنصب فأعملها، وأنصبها في جهنم. قال الكلبي: يجرّون على وجوههم في النار. وقال أيضاً: يكلفون ارتقاء جبل من حديد في جهنم، فينصبون فيها أشد ما يكون من النصب بمعالجة السلاسل، والأغلال، والخوض في النار كما تخوض الإبل في الوحل. قرأ الجمهور: {عاملة ناصبة} بالرفع فيهما على أنهما خبران آخران للمبتدأ، أو على تقدير مبتدأ، وهما خبران له، وقرأ ابن محيصن، وعيسى، وحميد، وابن كثير في رواية عنه بنصبهما على الحال، أو على الذم. وقوله: {تَصْلَىٰ نَاراً حَامِيَةً } خبر آخر للمبتدأ، أي: تدخل ناراً متناهية في الحرّ، يقال: حمي النهار، وحمي التنور، أي: اشتدّ حرّهما. قال الكسائي: يقال: اشتدّ حمى النهار، وحموه بمعنى. قرأ الجمهور: "تصلى" بفتح التاء مبنياً للفاعل. وقرأ أبو عمرو، ويعقوب، وأبو بكر بضمها مبنياً للمفعول. وقرأ أبو رجاء بضم التاء، وفتح الصاد، وتشديد اللام، والضمير راجع إلى الوجوه على جميع هذه القراءات. والمراد أصحابها، كما تقدّم. وهكذا الضمير {تُسْقَىٰ مِنْ عَيْنٍ ءانِيَةٍ } والمراد بالعين الآنية: المتناهية في الحرّ. والآني: الذي قد انتهى حره، من الإيناء بمعنى التأخر، يقال آناه يؤنيه إيناء، أي: أخرّه وحبسه، كما في قوله: {أية : يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ ءانٍ } تفسير : [الرحمٰن: 44] قال الواحدي: قال المفسرون: لو وقعت منها نطفة على جبال الدنيا لذابت. ولما ذكر سبحانه شرابهم عقبه بذكر طعامهم فقال: {لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ }، هو: نوع من الشوك يقال له الشبرق في لسان قريش إذا كان رطباً، فإذا يبس فهو الضريع. كذا قال مجاهد، وقتادة، وغيرهما من المفسرين. قيل: وهو سمّ قاتل، وإذا يبس لا تقربه دابة ولا ترعاه. وقيل: هو شيء يرمي به البحر يسمى الضريع من أقوات الأنعام، لا من أقوات الناس، فإذا رعت منه الإبل لم تشبع، وهلكت هزالاً. قال الخليل: الضريع نبات أخضر منتن الريح يرمي به البحر. وجمهور أهل اللغة والتفسير قالوا بالأوّل، ومنه قول أبي ذؤيب:شعر : رعى الشبرق الرّيان حتى إذا ذوى وعاد ضريعاً بان عنه التحايص تفسير : وقال الهذلي يذكر إبلاً، وسوء مرعاها:شعر : وحبسن في هرم الضريع وكلها قرناء دامية اليدين جرود تفسير : وقال سعيد بن جبير: الضريع الحجارة. وقيل: هو شجرة في نار جهنم. وقال الحسن: هو بعض ما أخفاه الله من العذاب. وقال ابن كيسان: هو طعام يضرعون عنده ويذلون، ويتضرّعون إلى الله بالخلاص منه، فسمي بذلك؛ لأن آكله يتضرّع إلى الله في أن يغض عنه لكراهته وخشونته. قال النحاس: قد يكون مشتقاً من الضارع وهو الذليل، أي: من شربه يلحقه ضراعة وذلة. وقال الحسن أيضاً: هو الزقوم. وقيل: هو واد في جهنم، وقد تقدّم في سورة الحاقة: {أية : فَلَيْسَ لَهُ ٱلْيَوْمَ هَـٰهُنَا حَمِيمٌ * وَلاَ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ } تفسير : [الحاقة: 35، 36]: والغسلين غير الضريع، كما تقدّم. وجمع بين الآيتين بأن النار دركات، فمنهم من طعامه الضريع، ومنهم من طعامه الغسلين. ثم وصف سبحانه الضريع فقال: {لاَّ يُسْمِنُ وَلاَ يُغْنِى مِن جُوعٍ } أي: لا يسمن الضريع آكله، ولا يدفع عنه ما به من الجوع. قال المفسرون: لما نزلت هذه الآية. قال المشركون: إن إبلنا تسمن من الضريع، فنزلت: {لاَّ يُسْمِنُ وَلاَ يُغْنِى مِن جُوعٍ } وكذبوا في قولهم هذا، فإن الإبل لا تأكل الضريع ولا تقربه. وقيل: اشتبه عليهم أمره، فظنوه كغيره من النبات النافع. ثم شرع سبحانه في بيان حال أهل الجنة بعد الفراغ من بيان حال أهل النار فقال: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ } أي: ذات نعمة وبهجة، وهي وجوه المؤمنين صارت وجوههم ناعمة لما شاهدوا من عاقبة أمرهم، وما أعدّه الله لهم من الخير الذي يفوق الوصف، ومثله قوله: {أية : تَعْرِفُ فِى وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ ٱلنَّعِيمِ } تفسير : [المطففين: 24] ثم قال: {لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ } أي: لعملها الذي عملته في الدنيا راضية، لأنها قد أعطيت من الأجر ما أرضاها، وقرّت به عيونها، والمراد بالوجوه هنا أصحابها، كما تقدّم. {فِى جَنَّةٍ عَالِيَةٍ } أي: عالية المكان مرتفعة على غيرها من الأمكنة، أو عالية القدر؛ لأن فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذّ الأعين. {لاَّ تَسْمَعُ فِيهَا لَـٰغِيَةً } قرأ الجمهور: {لا تسمع} بفتح الفوقية، ونصب لاغية أي: لا تسمع أنت أيها المخاطب، أو لا تسمع تلك الوجوه. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو بالتحتية مضمومة مبنياً للمفعول، ورفع {لاغية}. وقرأ نافع بالفوقية مضمومة مبنياً للمفعول، ورفع {لاغية}. وقرأ الفضل، والجحدري بفتح التحتية مبنياً للفاعل ونصب {لاغية}، واللغو الكلام الساقط. قال الفرّاء، والأخفش، أي: لا تسمع فيها كلمة لغو. قيل: المراد بذلك الكذب والبهتان، والكفر قاله قتادة، وقال مجاهد: أي: الشتم. وقال الفرّاء: لا تسمع فيها حالفاً يحلف بكذب. وقال الكلبي: لا تسمع في الجنة حالفاً بيمين برّة ولا فاجرة. وقال الفرّاء أيضاً: لا تسمع في كلام أهل الجنة كلمة تلغى؛ لأنهم لا يتكلمون إلا بالحكمة وحمد الله تعالى على ما رزقهم من النعيم الدائم، وهذا أرجح الأقوال؛ لأن النكرة في سياق النفي من صيغ العموم، ولا وجه لتخصيص هذا بنوع من اللغو خاص إلا بمخصص يصلح للتخصيص. و{لاغية} إما صفة موصوف محذوف، أي: كلمة لاغية، أو نفس لاغية، أو مصدر، أي: لا تسمع فيها لغواً. {فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ } قد تقدّم في سورة الإنسان أن فيها عيوناً، والعين هنا بمعنى العيون، كما في قوله: {أية : عَلِمَتْ نَفْسٌ } تفسير : [التكوير: 14] ومعنى {جارية} أنها تجري مياهها، وتتدفق بأنواع الأشربة المستلذة. قال الكلبي: لا أدري بماء أو بغيره. {فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ } أي: عالية مرتفعة السمك، أو عالية القدر. {وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ } قد تقدّم أن الأكواب جمع كوب، وأنه القدح الذي لا عروة له. ومعنى {موضوعة}: أنها موضوعة بين أيديهم يشربون منها. {وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ } النمارق: الوسائد. قال الواحدي: في قول الجميع، واحدتها نُمرقة بضم النون. وزاد الفرّاء سماعاً عن العرب: نِمرقة بكسرها. قال الكلبي: وسائد مصفوفة بعضها إلى بعض، ومنه قول الشاعر:شعر : وإنا لنجري الكأس بين شروبنا وبين أبي قابوس فوق النمارق تفسير : وقال الآخر:شعر : كهول وشبان حسان وجوههم على سرر مصفوفة ونمارق تفسير : قال في الصحاح: النمرق، والنمرقة وسادة صغيرة، وكذلك النمرقة بالكسر لغة حكاها يعقوب. {وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ } يعني: البسط، واحدها زربي وزربية. قال أبو عبيدة، والفرّاء: الزرابيّ الطنافس التي لها خمل رقيق، واحدها زربية، والمبثوثة المبسوطة قاله قتادة. وقال عكرمة: بعضها فوق بعض. قال الواحدي: ويجوز أن يكون المعنى: أنها مفرّقة في المجالس. وبه قال القتيبي. وقال الفرّاء: معنى مبثوثة كثيرة، والظاهر أن معنى البث: التفرّق مع كثرة، ومنه: {أية : وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلّ دَابَّةٍ } تفسير : [البقرة: 164]. {أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى ٱلإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ } الاستفهام للتقريع والتوبيخ، والفاء للعطف على مقدّر، كما في نظائره مما مرّ غير مرّة، والجملة مسوقة لتقرير أمر البعث والاستدلال عليه، وكذا ما بعدها، وكيف منصوبة بما بعدها، والجملة في محل جر على أنها بدل اشتمال من الإبل، والمعنى: أينكرون أمر البعث، ويستبعدون وقوعه، أفلا ينظرون إلى الإبل التي هي غالب مواشيهم، وأكبر ما يشاهدونه من المخلوقات {كَيْفَ خُلِقَتْ } على ما هي عليه من الخلق البديع من عظم جثتها، ومزيد قوّتها، وبديع أوصافها. قال أبو عمرو بن العلاء: إنما خصّ الإبل؛ لأنها من ذوات الأربع، تبرك فتحمل عليها الحمولة، وغيرها من ذوات الأربع لا يحمل عليه إلاَّ وهو قائم، قال الزجاج: نبههم على عظيم من خلقه قد ذلـله للصغير يقوده، وينيخه، وينهضه، ويحمل عليه الثقيل من الحمل وهو بارك، فينهض بثقل حمله، وليس ذلك في شيء من الحوامل غيره، فأراهم عظيماً من خلقه ليدلّ بذلك على توحيده. وسئل الحسن عن هذه الآية، وقيل له: الفيل أعظم في الأعجوبة، فقال: أما الفيل فالعرب بعيدة العهد به، ثم هو خنزير لا يركب ظهره، ولا يؤكل لحمه، ولا يحلب درّه. والإبل من أعزّ مال العرب وأنفسه، تأكل النوى والقت، وتخرج اللبن. ويأخذ الصبيّ بزمامها، فيذهب بها حيث شاء مع عظمها في نفسها. وقال المبرد: الإبل هنا هي القطع العظيمة من السحاب، وهو خلاف ما ذكره أهل التفسير واللغة. وروي عن الأصمعي أنه قال: من قرأ {خلقت} بالتخفيف عنى به البعير، ومن قرأ بالتشديد عنى به السحاب. {وَإِلَى ٱلسَّمَاء كَيْفَ رُفِعَتْ } أي: رفعت فوق الأرض بلا عمد على وجه لا يناله الفهم ولا يدركه العقل. وقيل: رفعت فلا ينالها شيء. {وَإِلَى ٱلْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ } على الأرض مرساة راسخة لا تميد ولا تميل، ولا تزول. {وَإِلَى ٱلأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ } أي: بسطت. والسطح: بسط الشيء، يقال لظهر البيت إذا كان مستوياً: سطح. قرأ الجمهور: {سطحت} مبنياً للمفعول مخففاً. وقرأ الحسن: بالتشديد. وقرأ عليّ بن أبي طالب، وابن السميفع، وأبو العالية: "خلقت"، "ورفعت"، "ونصبت"، وسطحت على البناء للفاعل، وضم التاء فيها كلها. ثم أمر سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم بالتذكير فقال: {فَذَكّرْ } والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، أي: فعظهم يا محمد، وخوّفهم ثم علل الأمر بالتذكير فقال: {إِنَّمَا أَنتَ مُذَكّرٌ } أي: ليس عليك إلا ذلك. و{لَّسْتَ عَلَيْهِم بمسيطر} المصيطر والمسيطر بالسين والصاد: المسلط على الشيء ليشرف عليه، ويتعهد أحواله كذا في الصحاح، أي: لست عليهم بمصيطر حتى تكرههم على الإيمان، وهذا منسوخ بآية السيف. قرأ الجمهور: {بمصيطر} بالصاد، وقرأ هشام، وقنبل في رواية بالسين. وقرأ خلف بإشمام الصاد زاياً. وقرأ هارون الأعور بفتح الطاء اسم مفعول {إِلاَّ مَن تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ } هذا استثناء منقطع، أي: لكن من تولى عن الوعظ والتذكير. {فَيْعَذّبُهُ ٱللَّهُ ٱلْعَذَابَ ٱلأَكْبَرَ } وهو عذاب جهنم الدائم. وقيل: هو استثناء متصل من قوله: {فَذَكّرْ } أي: فذكر كلّ أحد إلا من انقطع طمعك عن إيمانه، وتولى فاستحقّ العذاب الأكبر، والأوّل أولى. وإنما قال: {ٱلأَكْبَرَ } لأنهم قد عذبوا في الدنيا بالجوع والقحط، والقتل والأسر. وقرأ ابن مسعود: "فإنه يعذبه الله". وقرأ ابن عباس، وقتادة (إلا من تولى وكفر) على أنها "إلا" التي للتنبيه والاستفتاح {إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ } أي: رجوعهم بعد الموت. يقال: آب يئوب: إذا رجع، ومنه قول عبيد بن الأبرص:شعر : وكلّ ذي غيبة يئوب وغائب الموت لا يؤوب تفسير : قرأ الجمهور: {إيابهم} بالتخفيف. وقرأ أبو جعفر، وشيبة بالتشديد. قال أبو حاتم: لا يجوز التشديد ولو جاز لجاز مثله في الصيام والقيام. وقيل: هما لغتان بمعنى. قال الواحدي: وأما "إيابهم" بتشديد الياء، فإنه شاذ لم يجزه أحد غير الزجاج. {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ } يعني: جزاءهم بعد رجوعهم إلى الله بالبعث. و"ثم" للتراخي في الرتبة لبعد منزلة الحساب في الشدّة عن منزلة الإياب. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: الغاشية من أسماء القيامة. وأخرج ابن أبي حاتم عنه: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْغَـٰشِيَةِ } قال: الساعة {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَـٰشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ } قال: تعمل، وتنصب في النار {تُسْقَىٰ مِنْ عَيْنٍ ءانِيَةٍ } قال: هي التي قد طال أنيها. {لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ } قال: الشبرق. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَـٰشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ } قال: يعني اليهود والنصارى تخشع، ولا ينفعها عملها. {تُسْقَىٰ مِنْ عَيْنٍ ءانِيَةٍ } قال: قد أني غليانها. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله: {تَصْلَىٰ نَاراً حَامِيَةً } قال: حارّة. {تُسْقَىٰ مِنْ عَيْنٍ ءانِيَةٍ } قال: انتهى حرّها {لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ } يقول: من شجر من نار. وأخرج عبد بن حميد عنه أيضاً {إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ } قال: الشبرق اليابس. وأخرج ابن جرير عنه أيضاً {لاَّ تَسْمَعُ فِيهَا لَـٰغِيَةً } يقول: لا تسمع أذى ولا باطل، وفي قوله: {فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ } قال: بعضها فوق بعض. {وَنَمَارِقُ } قال: مجالس. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه أيضاً: {وَنَمَارِقُ } قال: المرافق. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً: {لَّسْتَ عَلَيْهِم بمصيطر} قال: جبار. {إِلاَّ مَن تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ } قال حسابه على الله. وأخرج أبو داود في ناسخه عنه أيضاً: {لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ } ثم نسخ ذلك فقال: {أية : فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ }تفسير : [التوبة: 5] وأخرج ابن المنذر عنه أيضاً: {إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ } قال: مرجعهم.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى {هلْ أتاكَ حديثُ الغاشِيةِ} فيها قولان: أحدهما أنها القيامة تغشى الناس بالأهوال، قاله ابن عباس والضحاك. الثاني: أنها النار تغشى وجوه الكفار، قاله ابن جبير. ويحتمل ثالثاً: أنها في هذا الموضع النفخة الثانية للبعث لأنها تغشى جميع الخلق. و " هل " فيها وجهان: أحدهما: أنها في موضع قد، وتقدير الكلام قد أتاك حديث الغاشية، قاله قطرب. الثاني: أنها خرجت مخرج الاستفهام لرسوله، ومعناه ألم يكن قد أتاك حديث الغاشية، فقد أتاك، وهو معنى قول الكلبي. {وُجوهٌ يومئذٍ خاشِعَةٌ} في الوجوه ها هنا قولان: أحدهما: عنى وجوه الكفار كلهم، قاله يحيى بن سلام. الثاني: أنها وجوه اليهود والنصارى، قاله ابن عباس. وفي قوله " يومئذٍ" وجهان: أحدهما: يعني يوم القيامة، قاله سعيد بن جبير. الثاني: في النار، قاله قتادة. " خاشعة" فيه وجهان: أحدهما: يعني ذليلة بمعاصيها، قاله قتادة. الثاني: أنها تخشع بعد ذل من عذاب الله فلا تتنعم، قاله سعيد بن جبير. ويحتمل وجهاً ثالثاً: أن تكون خاشعة لتظاهرها بطاعته بعد اعترافها بمعصيته. {عامِلةٌ نَّاصِبَةٌ} في " عاملة " وجهان: أحدهما: في الدنيا عاملة بالمعاصي، قاله عكرمة. الثاني: أنها تكبرت في الدنيا عن طاعة الله تعالى، فأعملها في النار بالانتقال من عذاب إلى عذاب، قاله قتادة. ويحتمل وجهاً ثالثاً: أي باذلة للعمل بطاعته إن ردّت. وفي قوله " ناصبة" وجهان: أحدهما: ناصبة في أعمال المعاصي. الثاني: ناصبة في النار، قاله قتادة. ويحتمل وجهاً ثالثاً: أي ناصبة بين يديه تعالى مستجيرة بعفوه. {تَصْلَى ناراً حاميةً} فإن قيل فما معنى صفتها بالحماء وهي لا تكون إلا حامية وهو أقل أحوالها، فما وجه المبالغة بهذه الصفة الناقصة؟ قيل قد اختلف في المراد بالحامية ها هنا على أربعة أوجه: أحدها: أن المراد بذلك أنها دائمة الحمى وليست كنار الدنيا التي ينقطع حميها بانطفائها. الثاني: أن المراد بالحامية أنها حمى يمنع من ارتكاب المحظورات وانتهاك المحارم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : وإن لكل ملك حمى، وإن حمى الله محارمه، ومن يرتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه ". تفسير : الثالث: معناه أنها تحمي نفسها عن أن تطاق ملامستها أو ترام مماستها كما يحي الأسد عرينه، ومثله قول النابغة: شعر : تعدو الذئاب على من لا كلاب له وتتقي صولة المستأسد الحامي. تفسير : الرابع: أنها حامية مما غيظ وغضب، مبالغة في شدة الانتقام، وقد بيّن الله ذلك بقوله {تكاد تميّز من الغيظ}. {تُسْقَى مِن عَيْنٍ آنِيةٍ} فيه أربعة أوجه: أحدها: قاله ابن زيد. الثاني: حاضرة. الثالث: قد بلغت إناها وحان شربها، قاله مجاهد. الرابع: يعني قد أنى حرها فانتهى واشتد، قاله ابن عباس. {ليس لَهُمْ طعامٌ إلاّ مِن ضَريعٍ} فيه ستة أقاويل: أحدها: أنها شجرة تسميها قريش الشبرق، كثيرة الشوك، قاله ابن عباس، قال قتادة وإذا يبس في الصيف فهو ضريع، قال الشاعر: شعر : رعى الشبرق الريان حتى إذا ذوى وعاد ضريعاً نازعته النحائص تفسير : الثاني: السّلم، قال أبو الجوزاء: كيف يسمن من يأكل الشوك. الثالث: أنها الحجارة، قاله ابن جبير. الرابع: أنه النوى المحرق، حكاه يوسف بن يعقوب عن بعض الأعراب. الخامس: أنه شجر من نار، قاله ابن زيد. السادس: أن الضريع بمعنى المضروع، أي الذي يضرعون عنده طلباً للخلاص منه، قاله ابن بحر.

ابن عطية

تفسير : قال بعض المفسرين: {هل} بمعنى قد، وقال الحذاق: هي على بابها توقيف، فائدته تحريك نفس السامع إلى تلقي الخبر، وقيل المعنى هل كان هذا من علمك لولا ما علمناك، ففي هذا التأويل تعديد النعمة. و {الغاشية} القيامة لأنها تغشى العالم كله بهولها وتغييرها لبنيته، قاله سفيان وجمهور من المتأولين، وقال ابن جبير ومحمد بن كعب: {الغاشية} النار، وقد قال تعالى {أية : وتغشى وجوههم النار} تفسير : [إبراهيم: 50]، وقال: {أية : ومن فوقهم غواش} تفسير : [الأعراف: 41] فهي تغشى سكانها والقول الأول يؤيده قوله تعالى: {وجوه يومئذ} ، والوجوه الخاشعة، وجوه الكفار وخشوعها ذلها وتغيرها بالعذاب، واختلف الناس في قوله تعالى: {عاملة ناصبة} فيها والنصب، التعب، لأنها تكبرت عن العمل لله في الدنيا فأعملها في الآخرة في ناره، وقال عكرمة والسدي: المعنى: {عاملة} في الدنيا {ناصبة} يوم القيامة، فالعمل على هذا هو مساعي الدنيا، وقال ابن عباس وزيد بن أسلم وابن جبير: المعنى: هي {عاملة} في الدنيا {ناصبة} فيها لأنها على غير هدى، فلا ثمرة لعملها إلا النصب وخاتمته النار. قالوا: والآية في القسيسين وعبدة الأوثان وكل مجتهد في كفر، وقد ذهب هذا المذهب عمر بن الخطاب رضي الله عنه في تأويل الآية، وبكى رحمة لراهب نصراني رآه مجتهداً، وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر القدرية فبكى، وقال إن فيهم المجتهد، وقرأ ابن كثير في رواية شبل وابن محيصن: "عاملةً ناصبةً" بالنصب على الذم، والناصب فعل مضمر تقديره أذم أو أغني ونحو هذا، وقرأ الستة وحفص عن عاصم والأعرج وطلحة وأبو جعفر والحسن: "تَصْلى" بفتح التاء وسكون الصاد على بناء الفعل للفاعل، أي الوجوه، وقرأ أبو بكر عن عاصم وأبو عمرو بخلاف عنه وأبو رجاء وأبو عبد الرحمن وابن محيصن، واختلف عن نافع وعن الأعرج "تُصْلى" بضم التاء وسكون الصاد، وذلك يحتمل أن يكون من صليته النار على معنى أصليته، فيكون كتضرب، ويحتمل أن يكون من أصليت، فتكون كتكرم، وقرأ بعض الناس: " تُصَلّى " بضم التاء وفتح الصاد وشد اللام على التعدية بالتضعيف، حكاها أبو عمرو بن العلاء، و" الحامية "، المتوقدة المتوهجة، و "الآنية": التي قد انتهى حرها كما قال تعالى {أية : وبين حميم آن} تفسير : [الرحمن: 44]، قاله ابن عباس والحسن ومجاهد، وقال ابن زيد: معنى {آنية} : حاضرة لهم من قولك آن الشيء إذا حضر، واختلف الناس في " الضريع"، فقال الحسن وجماعة من المفسرين: هو الزقوم، لأن الله تعالى قد أخبر في هذه الآية أن الكفار لا طعام لهم {إلا من ضريع} ، وقد أخبر أن الزقوم طعام الأثيم، فذلك يقتضي أن الضريع الزقوم، وقاله سعيد بن جبير " الضريع": الحجارة، وقال مجاهد وابن عباس وقتادة وعكرمة: " الضريع" شبرق النار، وقال أبو حنيفة: " الضريع " الشبرق وهو مرعى سوء لا تعقد السائمة عليه شحماً ولا لحماً، ومنه قول أبي عيزارة الهذلي: [الطويل] شعر : وحبسْنَ في هزم الضريع فكلها جرباء دامية اليدين حرود تفسير : وقال أبو ذؤيب: شعر : رعى الشبرق الريان حتى إذا ذوى وعاد ضريعاً بان منه الخائض تفسير : وقيل "الضريع": العشرق، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: حديث : الضريع": شوك في النارتفسير : ، وقال بعض اللغويين: "الضريع" يبيس العرفج إذا تحطم، وقال آخرون: هو رطب العرفج، وقال الزجاج: هو نبت كالعوسج، وقال بعض المفسرين: " الضريع " نبت في البحر أخضر منتن مجوف مستطيل له بورقية كثيرة، وقال ابن عباس: "الضريع": شجر من نار، وكل من ذكر شيئاً مما ذكرناه فإنما يعني أن ذلك من نار ولا بد، وكل ما في النار فهو نار. وقال قوم: {ضريع} واد في جهنم، وقال جماعة من المتأولين: " الضريع" طعام أهل النار ولم يرد أن يخصص شيئاً مما ذكرنا، وقال بعض اللغويين: وهذا لا تعرفه العرب، وقيل: "الضريع": الجلدة التي على العظم تحت اللحم، ولا أعرف من تأول الآية بهذا، وأهل هذه الأقاويل يقولون الزقوم لطائفة، والضريع لطائفة والغسلين لطائفة، واختلف في المعنى الذي سمي ضريعاً فقيل هو ضريع بمعنى مضرع أي مضعف للبدن مهزل، ومنهحديث : قول النبي صلى الله عليه وسلم في ولد جعفر بن أبي طالب: "ما لي أراهما ضارعين"تفسير : ؟ يريد هزيلين، ومن فعيل بمعنى مفعل قول عمرو بن معد يكرب: [الوافر] شعر : أمن ريحانة الداعي السميع يؤرقني وأصحابي هجوع تفسير : يريد السمع، وقيل {ضريع} فعيل من المضارعة، أي الاشتباه لأنه يشبه المرعى الجيد ويضارعه في الظاهر وليس به. ولما ذكر تعالى وجوه أهل النار، عقب ذلك بذكره وجوه أهل الجنة ليبين الفرق، وقوله تعالى: {لسعيها} يريد لعملها في الدنيا وطاعتها، والمعنى لثواب سعيها والتنعيم عليه، ووصف الجنة بالعلو وذلك يصح من جهة المسافة والمكان ومن جهة المكانة والمنزلة أيضاً، وقرأ نافع وحده وابن كثير وأبو عمرو بخلاف عنهما والأعرج وأهل مكة والمدينة "لا تسمع فيها لاغية" أي ذات لغو، فهي على النسب، وفسره بعضهم على معنى لا تسمع فيها فئة أو جماعة لاغية ناطقة بسوء. قال أبو عبيدة: {لاغية} ؛ مصدر كالعاقبة والخائنة، وقرأ الجحدري "لا تُسمع" بضم التاء، "لاغيةً" بالنصب، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: "لا يُسمع" بالياء من تحت مضمومة "لاغيةٌ " بالرفع، وهي قراءة ابن محيصن وعيسى والجحدري أيضاً. إلا أنه قرأ "لاغيةً" بالنصب على معنى لا يسمع أحد كلمة لاغية من قولك أسمعت زيداً. وقرأ الباقون ونافع في رواية خارجة والحسن وأبو رجاء وأبو جعفر وقتادة وابن سيرين وأبو عمرو بخلاف عنه " لا تَسمع" بفتح التاء ونصب "لاغيةً" والمعنى إما على الكلمة وإما على الفئة، والفاعل بـ "تسمع" إما الوجوه وإما محمد صلى الله عليه وسلم قاله الحسن وإنما أنت أيها المخاطب عموماً، واللغو سقط القول، فذلك يجمع الفحش وسائر الكلام السفساف الناقص وليس في الجنة نقصان ولا عيب في فعل ولا قول, والحمد لله ولي النعمة.

ابن عبد السلام

تفسير : {هَلْ} قد أو بمعنى الاستفهام معناه إن لم يكن أتاك فقد أتاك {الْغَاشِيَةِ} القيامة تغشى الناس بالأهوال "ع" أو النار تغشى وجوه الكفار.

النسفي

تفسير : مكية وهي ست وعشرون آية بسم الله الرحمٰن الرحيم {هَلُ } بمعنى «قد» {أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْغَـٰشِيَةِ } الداهية التي تغشى الناس بشدائدها وتلبسهم أهوالها يعني القيامة. وقيل: النار من قوله: {أية : وَتَغْشَىٰ وُجُوهَهُمْ ٱلنَّارُ }تفسير : [إبراهيم: 50] {وُجُوهٌ} أي وجوه الكفار، وإنما خص الوجه لأن الحزن والسرور إذا استحكما في المرء أثراً في وجهه {يَوْمَئِذٍ } يوم إذ غشيت {خَـٰشِعَةٌ } ذليلة لما اعترى أصحابها من الخزي والهوان {عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ } تعمل في النار عملاً تتعب فيه وهو جرها السلاسل والأغلال وخوضها في النار كما تخوض الإبل في الوحل، وارتقاؤها دائبة في صعود من نار وهبوطها في حدور منها. وقيل: عملت في الدنيا أعمال السوء والتذت بها وتنعمت فهي في نصب منها في الآخرة. وقيل: هم أصحاب الصوامع ومعناه أنها خشعت الله وعملت ونصبت في أعمالها من الصوم الدائب والتهجد الواصب {تَصْلَىٰ نَاراً حَامِيَةً } تدخل ناراً قد أحميت مدداً طويلة فلا حر يعدل حرها {تَصْلَىٰ } أبو عمرو وأبو بكر {تُسْقَىٰ مِنْ عَيْنٍ ءَانِيَةٍ } من عين ماء قد انتهى حرها، والتأنيث في هذه الصفات والأفعال راجعة إلى الوجوه والمراد أصحابها بدليل قوله {لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ } وهو نبت يقال له الشِّبرِق فإذا يبس فهو ضريع وهو سم قاتل، والعذاب ألوان والمعذبون طبقات، فمنهم أكلة الزقوم، ومنهم أكلة الغسلين، ومنهم أكلة الضريع، فلا تناقض بين هذه الآية وبين قوله {أية : وَلاَ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ }تفسير : [الحاقة: 36] {لاَّ يُسْمِنُ } مجرور المحل لأنه وصف {ضَرِيعٍ } {وَلاَ يُغْنِى مِن جُوعٍ } أي منفعتا الغذاء منتفيتان عنه وهما إماطة الجوع وإفادة السمن في البدن. {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ } ثم وصف وجوه المؤمنين ولم يقل ووجوه لأن الكلام الأول قد طال وانقطع {نَّاعِمَةٌ } متنعمة في لين العيش {لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ } رضيت بعملها وطاعتها لما رأت ما أداهم إليه من الكرامة والثواب {فِى جَنَّةٍ عَالِيَةٍ } من علو المكان أو المقدار {لاَ تَسْمَعُ } يا مخاطب أو الوجوه {فِيهَا لَـٰغِيَةً } أي لغواً أو كلمة ذات لغو أو نفساً تلغو، لا يتكلم أهل الجنة إلا بالحكمة وحمد الله على ما رزقهم من النعيم الدائم. {لاَ يَسْمَعُ فِيهَا لَـٰغِيَةً }: مكي وأبو عمرو: {لاَّ تُسْمَعُ فِيهَا لَـٰغِيَةً } نافع {فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ } أي عيون كثيرة كقوله: {أية : عَلِمَتْ نَفْسٌ }تفسير : [الانفطار: 5] {فِيهَا سُرُرٌ } جمع سرير {مَّرْفُوعَةٍ } من رفعة المقدار أو السمك ليرى المؤمن بجلوسه عليه جميع ما خوله ربه من الملك والنعيم. {وَأَكْوابٌ} جمع كوب وهو القدح. وقيل: آنية لا عروة لها {مَّوْضُوعَةٌ } بين أيديهم ليتلذذوا بها بالنظر إليها أو موضوعة على حافات العيون معدة للشرب {وَنَمَارِقُ } وسائد {مَصْفُوفَةٌ } بعضها إلى جنب بعض مساند ومطارح أينما أراد أن يجلس جلس على مسودة واستند إلى الأخرى {وَزَرَابِيُّ } وبسط عراض فاخرة جمع زربية {مَبْثُوثَةٌ } مبسوطة أو مفرقة في المجالس. ولما أنزل الله تعالى هذه الآيات في صفة الجنة، وفسر النبي عليه السلام بأن ارتفاع السرير يكون مائة فرسخ، والأكواب الموضوعة لا تدخل في حساب الخلق لكثرتها، وطول النمارق كذا وعرض الزرابي كذا، أنكر الكفار وقالوا: كيف يصعد على هذا السرير، وكيف تكثر الأكواب هذه الكثرة، وتطول النمارق هذا الطول، وبسط الزرابي هذا الانبساط ولم نشاهد ذلك في الدنيا؟ فقال الله تعالى {أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى ٱلإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ } طويلة ثم تبرك حتى تركب أو يحمل عليها ثم تقوم فكذا السرير يطأطىء للمؤمن كما يطأطىء الإبل {وَإِلَى ٱلسَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ } رفعاً بعيد المدى بلا إمساك وعمد، ثم نجومها تكثر هذه الكثرة فلا تدخل في حساب الخلق فكذا الأكواب {وَإِلَى ٱلْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ } نصباً ثابتاً فهي راسخة لا تميل مع طولها فكذا النمارق {وَإِلَى ٱلأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ } سطحاً بتمهيد وتوطئة فهي كلها بساط واحد تنبسط من الأفق إلى الأفق فكذا الزرابي؛ ويجوز أن يكون المعنى أفلا ينظرون إلى هذه المخلوقات الشاهدة على قدرة الخالق حتى لا ينكروا اقتداره على البعث فيسمعوا إنذار الرسول ويؤمنوا به ويستعدوا للقائه، وتخصيص هذه الأربعة باعتبار أن هذا خطاب للعرب وحث لهم على الاستدلال، والمرء إنما يستدل بما تكثر مشاهدته له، والعرب تكون في البوادي ونظرهم فيها إلى السماء والأرض والجبال والإبل فهي أعز أموالهم وهم لها أكثر استعمالاً منهم لسائر الحيوانات، ولأنها تجمع جميع المآرب المطلوبة من الحيوان وهي النسل والدر والحمل والركوب والأكل بخلاف غيرها، ولأن خلقها أعجب من غيرها فإنه سخرها منقادة لكل من اقتادها بأزمتها لا تعاز ضعيفاً ولا تمانع صغيراً، وبرأها طوال الأعناق لتنوء بالأوقار، وجعلها بحيث تبرك حتى تحمل عن قرب ويسر، ثم تنهض بما حملت وتجرها إلى البلاد الشاحطة، وصبرها على احتمال العطش حتى إن ظمأها لترتفع إلى العشر فصاعداً، وجعلها ترعى كل نابت في البراري مما لا يرعاه سائر البهائم. {فَذَكِّرْ } فذكرهم بالأدلة ليتفكروا فيها {إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ } ليس عليك إلا التبليغ {لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ } بمسلط كقوله {أية : وَمَا أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ }تفسير : [ق: 45]، {بمصيطر}: مدني وبصري وعلي وعاصم {إِلاَّ مَن تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ * فَيْعَذِّبُهُ ٱللَّهُ ٱلْعَذَابَ ٱلأَكْبَرَ } الاستثناء منقطع أي لست بمسؤول عليهم ولكن من تولى منهم وكفر بالله فإن لله الولاية عليه والقهر فهو يعذبه العذاب الأكبر وهو عذاب جهنم. وقيل: هو استثناء من قوله {فَذَكِّرْ} أي فذكر إلا من انقطع طمعك من إيمانه وتولى فاستحق العذاب الأكبر وما بينهما اعتراض {إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ } رجوعهم، وفائدة تقديم الظرف التشديد في الوعيد وإن إيابهم ليس إلا إلى الجبار المقتدر على الانتقام {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ } فنحاسبهم على أعمالهم ونجازيهم بها جزاء أمثالهم و «على» لتأكيد الوعيد لا للوجوب إذ لا يجب على الله شيء.

الخازن

تفسير : قوله عزّ وجلّ: {هل أتاك} أي قد أتاك {حديث الغاشية} يعني القيامة، سمِّيت غاشية لأنها تغشى كل شيء بأهوالها، وقيل الغاشية النار، سُمِّيت بذلك لأنها تغشى وجوه الكفار {وجوه يومئذ} يعني يوم القيامة {خاشعة} يعني ذليلة، والمراد بالوجوه أصحابها فعبر بالجزء عن الكل، ولأن الوجه أشرف أعضاء الإنسان، فعبر به عنه. {عاملة ناصبة} قال ابن عباس: يعني الذين عملوا ونصبوا في الدنيا على غير دين الإسلام من عبدة الأوثان وكفار أهل الكتاب، مثل الرهبان وأصحاب الصوامع، لا يقبل الله منهم اجتهاداً في ضلال بل يدخلون النار يوم القيامة. ومعنى النصب الدؤوب في العمل بالتعب. (ق) عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد"تفسير : ، وفي رواية "حديث : من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد"تفسير : ، أما الرواية فإنها تختص بمن أحدث في دين الإسلام شيئاً ابتدعه من عنده فهو مردود عليه لا يقبل منه. وأما الرواية الثانية فإنها تشتمل على كل عامل في دين الإسلام، أو غير دين الإسلام فإنه مردود عليه إذا لم يكن تابعاً لنبينا صلى الله عليه وسلم. وقيل في معنى الآية عاملة في الدنيا بالمعاصي ناصبة في الآخرة في النار. وقيل عاملة ناصبة في النار، لأنها لم تعمل لله في الدنيا فأعملها وأنصبها في النار بمعالجة السلاسل والأغلال، وهي رواية عن ابن عباس قال ابن مسعود: تخوض في النار كما تخوض الإبل في الوحل، وقيل يجرون على وجوههم في النار، وقيل يكلفون ارتقاء جبل من حديد في النار وهو قوله تعالى: {تصلى ناراً حامية} قال ابن عباس: قد حميت فهي تتلظى على أعداء الله عزّ وجلّ: {تسقى من عين آنية} أي متناهية في الحرارة قد أوقدت عليها جهنم مذ خلقت لو وقعت منها قطرة على جبال الدنيا لذابت فيدفعون إليها وروداً عطاشاً، فهذا شرابهم، ثم ذكر طعامهم فقال تعالى: {ليس لهم طعام إلا من ضريع} قيل هو نبت ذو شوك لاطئ بالأرض تسميه قريش الشبرق فإذا هاج سموه الضريع، وهو أخبث طعام وأبشعه، وهي رواية عن ابن عباس، فإذا يبس لا تقربه دابة، وقيل الضريع في الدنيا هو الشوك اليابس الذي له ورق، وهو في الآخرة شوك من نار، وجاء في الحديث عن ابن عباس يرفعه الضريع شيء في النار يشبه الشوك، أمر من الصبر، وأنتن من الجيفة، وأشد حراً من النار، قال أبو الدرداء: إن الله تعالى يرسل على أهل النار الجوع حتى يعدل عندهم ما هم فيه من العذاب فيستغيثون فيغاثون بطعام ذي غصة فيذكرون أنهم كانوا يجيزون الغصص في الدنيا بالماء فيستسقون فيعطشهم ألف سنة ثم يسقون من عين آنية شربة لا هنيئة، ولا مريئة، فإذا أدنوه من وجوههم سلخ جلدة وجوههم، وشواها، فإذا وصل إلى بطونهم قطعها فذلك قوله تعالى: {أية : وسقوا ماء حميماً فقطع أمعاءهم} تفسير : [محمد: 15] قال المفسرون فلما نزلت هذه الآية قال المشركون إن إبلنا لتسمن على الضريع وكذبوا في ذلك، فإن الإبل إنما ترعاه رطباً فإذا يبس لا تأكله فأنزل الله تعالى {لا يسمن ولا يغني من جوع...}.

القمي النيسابوري

تفسير : القراآت: {تصلى} بضم التاء من الإصلاء: أبو عمرو ويعقوب وأبو بكر وحماد. الباقون: بالفتح {لا يسمع} بضم الياء التحتانية {لاغية} بالرفع: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب. وقرأ نافع بتاء التأنيث والرفع. الآخرون: بفتح تاء التأنيث أو الخطاب لكل سامع {لاغية} بانصب. {بمصيطر} بالصاد: أبو جعفر ونافع وعاصم وعلي وخلف. وقرأ حمزة في رواية بإشمام الزاي. الباقون: بالسين. {إيابهم} بالتشديد: يزيد. الوقوف: {الغاشية} ه ط {خاشعة} ه {ناصبة} ه ك {حامية} ه ك {آنية} ه ط لتمام الأوصاف {ضريع} ه ط {جوع} ه ج للابتداء بعده {ناعمة} ه لا {راضية} ه لا {عالية} ه ج {لاغية} ه ط {جارية} ه م لئلا يتوهم أن ما بعدها صفة لعين فيكون في الحارية سرور ليس كذلك {مرفوعة} ه لا {موضوعة} ه لا {مصفوفة} ه لا {مبثوثة} ه ط {خلقت} ه {رفعت} ه ك {نصبت} ه ط {سطحت} ه وقد يوقف على الآيات الأربع لأجل مهلة النظر وإلا فلكل متسقة {مذكر} ه ط {بمصيطر} ه لا {وكفر} ه ك {الأكبر} ه ط {إيابهم} ه لا {حسابهم} ه. التفسير: لما انجر الكلام في السورة المتقدّمة إلى ذكر الآخرة، شرح في هذه السورة بعض أحوال المكلفين فيها. والغاشية القيامة لأنها تغشى الناس بشدائدها، وكل ما أحاط بالشيء من جميع الجهات فهو غاشٍ له قال الله تعالى {أية : يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم}تفسير : [العنكبوت: 55] وقال {أية : وتغشى وجوههم النار} تفسير : [إبراهيم: 50] أي لم يأتك حديث هذه الداهية وقد أتاك الآن فاستمع. وقدّم وصف الأشقياء لأن مبنى السورة على التخويف كما ينبىء عنه لفظ الغاشية. والمراد بالوجه الذات ووجه حسن هذا المجاز أن الخشوع والانكسار والذل وأضدادها يتبين أكثرها في الوجه كقوله {أية : وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفيّ}تفسير : [الشورى: 45] والعمل والنصب أي التعب. قيل: كلاهما في الآخرة وهو والأظهر لقوله {يومئذ} أي تعمل في النار عملاً تتعب فيه وهو جرها السلاسل والأغلال وخوضعها في النار خوض الدابة في الوحل وتردّدها في صعود من نار وحدور منها. قال الحسن: كان يجب عليها أن تعمل لله في الدنيا خاشعة ناصبة فلام قصر في ذلك وقع في مثله بعد المفارقة إلى أن يشاء الله ليكون معارضاً بنقيض مقصوده. وقيل: كلاهما في الدنيا وهم أصحاب الصوامع خشعت وجوههم لله وعملت ونصبت في أعمالها من غير نفع لهم في الآخرة، لأن أعمالهم مبنية على غير أساس من الدين الحنيفي. وقيل: عملت في الدنيا أعمال السوء فهي في نصب منها في الآخرة. ثم شرح مكانهم وهو النار الشديدة الحر، ومشروبهم وهو من عين آنية أي متناهية في الحرارة، ومطعومهم وهو الضريع. وإنما قدّم المشروب على الضريع المطعوم لأن الماء يناسب النار مناسبة الضدين أو الشبيهين من حيث بساطتهما، أو لأنهم إذا أثر فيهم حر النار غلب عليهم العطش وكان الماء عندهم أهم، ثم إذا أثرت فيهم الحرارتان أرادوا أن يدفعوا ألم الإحساس بها بما يزيد العذاب على البدن، هذا مع أن الواو ليست للترتيب. قال الحسن: لا أدري ما الضريع ولم أسمع فيه من الصحابة شيئا وقد يروى عنه أيضاً أنه " فعيل " بمعنى " مفعل " كالأليم بمعنى المؤلم. والبديع بمعنى المبدع ومعناه إلا من طعام يحملهم على الضراعة والذل عند تناوله لما فيه من الخشونة والمرارة والحرارة. وعن سعيد بن جبير أنه شجرة ذات شوك. قال أبو الجوزاء: كيف يسمن من يأكل الشوك. وفي الخبر "حديث : الضريع شيء يكون في النار يشبه الشوك أمرّ من الصبر وأنتن من الجيفة وأشدّ حراً من النار" تفسير : قال العلماء: إن للنار دركات وأهلها على طبقات: فمنهم من طعامه الزقوم، ومنهم من طعامه غسلين، ومنهم من طعامه ضريع، ومنهم من شرابه الحميم، ومنهم من شرابه الصديد {أية : لكل باب منهم جزء مقسوم} تفسير : [الحجر: 44] ووجود النبت في النار ليس ببدع من قدرة الله كوجود بدن الإنسان والعقارب والحيات فيها. قوله {لا يسمن ولا يغني من جوع} صفة للطعام أو للضريع، وفيه أن طعامهم ليس من جنس طعام الإنس لكن من جنس الشوك الذي ترعاه الإبل ما دام رطباً فإذا يبس نفرت عنه لأنه سم قاتل. ويحتمل أن يراد لا طعام لهم أصلاً لأن الضريع يبيس هذا الشوك والإبل تنفر عنه كما قلنا فهو كقوله " ليس لفلان ظل إلا الشمس " يريد نفي الظل على التوكيد. وروي أن كفار قريش قالوا على سبيل التعنت حين سمعوا الآية: إن الضريع لتسمن عليه إبلنا فنزلت {لا يسمن ولا يغني من جوع} أي ليس فيه منفعة الغذاء ولا الاسمان ودفع الجوع كذبهم الله في قولهم يسمن الضريع، أو نبههم الله بعد تسليم أن ضريعهم مسمن على أن ضريع النار ليس كذلك أي كل ما في النار يجب أن يكون خالياً عن النفع. ثم أخذ في وصف السعداء فقال {وجوه} وإنما فقد العاطف خلاف ما في سورة القيامة لأنه أراد ههنا تفصيل ما أجمل في قوله {هل أتاك حديث الغاشية} ومعنى ناعمة ذات نعومة أو تنعم. وقوله {لسعيها راضية} أي رضيت بما عملت في الدنيا وأثنت عليه نحو قولها " ما أحسن ما عملت " وذلك إذا رأت محلها ومنزلتها في الكرامة والثواب أو رضيت لجزاء سعيها حين رأت ما لا مزيد عليه. واللاغية اللغو مصدر كالعافية والباقية، ويجوز أن تكون صفة لمحذوف أي كلمة ذات لغو. قوله {عين جارية} قال جار الله: يريد عيوناً في غاية الكثرة كقوله {أية : علمت نفس}تفسير : [الانفطار: 5] قال الكلبي: لا أدري جرت بماء أو غيره. قال القفال: عين شراب جارية على وجه الأرض في غير أخدود وتجري لهم كما أرادوا. {مرفوعة} في الرتبة أو مرتفعة عن الأرض ليرى المؤمن بجلوسه عليها جميع ما آتاه الله من الخدم والملك، فإذا جاء وليّ الله ليجلس عليها تطأطأت له، فإذا استوى عليها ارتفعت إلى حيث أراد الله. وقد وصفها ابن عباس بأن ألواحها من ذهب مكللة بالزبرجد والدر والياقوت. وقيل: مرفوعة أي مخبوءة لهم من رفع الشيء إذا خبأه. والأكواب الكيزان التي لا عرى لها كلما أرادوها وجدوها موضوعة بين أيديهم حاضرة أو موضوعة على حافات العيون ليشرب بها. وجوّز في الكشاف أن يراد موضوعة من حدّ الكبر إلى التوسط والاعتدال. والنمارق الوسائد واحدها نمرقة بضم النون. وروى الفراء بكسرها أيضاً {مصفوفة} بعضها بجنب بعض أينما أراد أن يجلس جلس على واحدة وأسند إلى أخرى. والزرابيّ البسط العراض الفاخرة واحدها زربية بكسر الزاي، وقيل: هي الطنافس التي لها خمل رقيق. و {مبثوثة} أي مبسوطة أو مفرقة في المجلس. وحين ذكر أحوال المعاد عاد إلى الاستدلال على المبدأ فإن من عادة كتاب الله الكريم أنه يرجع إلى تذكير الأصول عوداً إلى بداية. وللمحققين في نسق الآية وفي تناسب هذه الأمور وجوه منها: قول أكثر أهل المعاني إن القرآن إنما نزل بلغة العرب فيجب أن يخاطبوا بحسب ما هو مركوز في خزانة خيالهم، ولا ريب أن جل هممهم مصروفة بشأن الإبل فمنها يأكلون ويشربون، ومن أصوافها وأوبارها ينتفعون، وعليها في متاجرهم ومسافراتهم يحملون، فحيث أراد الله سبحانه أن ينصب لهم دليلاً من مصنوعاته يمكنهم أن يستدلوا به على كمال حكمة الصانع ونهاية قدرته لم يكن شيء أحضر صورة في متخيلهم من الإبل فنصبها لهم. ولا ريب أنها من أعاجيب مصنوعات الله تعالى صورة وسيرة لما ركب فيها من التحمل على دوام السير مع كثرة الأثقال، ومن البروك حتى تحمل، ثم النهوض بما حملت، ومن الصبر على العطش، وعلى العلف القليل أياماً، ثم شرب الماء الكثير إذا وجدت، ومن تذللها لصبي أو ضعيف. قال الإمام فخر الدين الرازي: كنت مع جماعة في مفازةٍ فضللنا الطريق فقدّموا جملاً وتبعوه وكان ذلك الجمل يمشي ينعطف من تل إلى تل ومن جانب إلى جانب حتى وصل الطريق فتعجبنا من قوّة تخيله. وعن بعض أهل الفراسة أنه حدّث عن البعير وبديع خلقه في بروكه ثم نهوضه مثقلاً وقد نشأ في بلاد لا ابل بها ففكر ثم قال: يوشك أن تكون طوال الأعناق، وذلك أن طول العنق يسهل عليه النهوض. ثم إن أصحاب المواشي لاحتياجهم الشديد إلى الماء المستعقب للكلأ صار جل نظرهم إلى السماء التي منها ينزل المطر، ثم إلى الجبال التي هي أقرب إلى السماء وأسرع لوقوع المطر عليها وحفظ الثلج الذي منه مادة العيون والآبار عند إقلاع الأمطار على أنها مأمنهم ومسكنهم في الأغلب. شعر : لنا جبل يحتله من نجيره منيع يرد الطرف وهو كليل تفسير : ثم إلى الأرض التي فيها ينبت العشب وعليها متقلبهم ومرعاهم، فثبت أن الآية كيف وردت منظمة حسب ما انتظم في خزانة خيال العرب بحسب الأغلب. ومنها أن جميع المخلوقات متساوية في دلالة التوحيد وذكر جميعها غير ممكن فكل طائفة منها تخص بالذكر. ورد هذا السؤال فوجب الحكم بسقوطه، ولعل في ذكر هذه الأشياء التي لا تناسب في الظاهر تنبيهاً على أن هذا الوجه من الاستدلال غير مختص بنوع دون نوع بل هو عام في الكل. ومنها أن المراد بالإبل السحاب على طريق التشبيه والمجازفان العرب كثيراً تشبه السحاب بالإبل في أشعارهم. ومنها أن تخصيص الإنسان بالاستدلال منه على التوحيد يستتبع القوع في الشهوة والفتنة، وكذا الفكر في البساتين النزهة والصور الحسنة فخص الإبل بالذكر لأن التفكير فيها متمحض لداعية الحكمة وليس للشهوة فيها نصيب، على أن إلف العرب بها أكثر كما مر، وكذا السماء والأرض والجبال دلائل الحدوث فيها ظاهرة وليس فيها نصيب للشهوة. والمراد بالنظر إلى هذه الأشياء هو النظر المؤدّي إلى الاستدلال بدليل قوله {كيف خلقت} {كيف رفعت} {كيف نصبت} {كيف سطحت} وليس في السطح دلالة على عدم كرية الأرض لأنها في النظر مسطحة وقد تكون في الحقيقة كرة إلا أنها لعظمها لا تدرك كريتها. ثم أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بتذكير الأمة بهذه الأدلة وأمثالها لأن أمره مقصور على كونه مذكراً لا منحطاً إلى كونه مسيطراً أي مسلطاً عليهم فإن أراد بالتسليط القهر أو بالإكراه بمعنى خلق الهداية فيهم فالآية ثابتة لأن ذلك لا يقدر عليه إلا الله سبحانه وتعالى، وعلى هذا يكون الاستثناء منقطعاً. وإن أراد القتال معهم إن لم يؤمنوا فالآية منسوخة وهذا قول كثير من المفسرين، وعلى هذا فالأظهر أن يكون الاستثناء في قوله {إلا من تولى وكفر} متصلاً لا باعتبار الحال فإن السورة مكية ولكن بالنظر إلى الاستقبال أي إلا المصرين على الإعراض والكفر فإنك تصير مأموراً بقتالهم مستولياً عليهم بالغلبة والقهر. وقيل: هو استثناء منقطع أي لست بمستول عليهم ولكن من تولى وكفر فإن لله لولاية والقهر فهو يعذبه العذاب الأكبر الذي هو القتل والسبي أو عذاب الدرك الأسفل. وقيل: هو استثناء من قوله {فذكر} أي فذكر إلا من انقطع طمعك من إيمانه وتولى فاستحق العذاب الأكبر وما بينهما اعتراض. ويرد أنه صلى الله عليه وسلم لا ينقطع طمعه من إيمان الكفرة ما داموا أحياء إلا أن يعلمه الله بذلك، وعلى تقدير الإعلام أيضاً لا يجوز أن يقطع التذكير لأن الدعوة عامة في الأصل ولو جعلت خاصة لم تبق مضبوطة كرخصة المسافر مثلاً. ثم ختم السورة بما يصلح للوعد والوعيد والترغيب والترهيب. ومن قرأ {إيابهم} بالتشديد فإما أن يكون " فيعالاً " مصدر " فيعل " من الإياب، وأما أن يكون أصله " أوّاباً " فعالاً من " أوّب " ثم قلبت إحدى الواوين ياء كما في " ديوان " ثم الأخرى كما في " سيد ". قال جار الله: فائدة تقديم الظرف في الموضعين الحصر أي ليس ينبغي أن يكون مرجعهم إلا إلى الجبار المقتدر على توفية جزاء كل طائفة ولا أن يكون حسابهم واجباً إلا على حكمة من هو أحكم الحاكمين ورب العالمين.

الثعالبي

تفسير : قال بعض المفسرين: {هَلْ} بمعنى «قَدْ» وقال الحُذَّاق: هي على بابها توقيفٌ فائِدتُه تَحْرِيكُ نَفْسِ السامعِ إلى تَلَقِّي الخَبَرِ، و{ٱلْغَـٰشِيَةِ} القيامة، لأنها تَغْشَى العالَم كلَّه بهَوْلِها، والوجوهُ الخاشعةُ هي وجوهُ الكُفَّارِ وخشوعُها ذلُّها وتغييرُهَا بالعذابِ.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْغَاشِيَةِ}. "هل" بمعنى: "قد"، كقوله تعالى: {أية : هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلإِنسَانِ} تفسير : [الإنسان: 1] قاله قطرب، أي: قد جاءك يا محمد حديث الغاشية، وهي القيامة؛ لأنها تغشى الخلائق بأهوالها. وقيل: هو استفهام على بابه، ويسميه أهل البيان: التسويف، والمعنى: إن لم يكن أتاك حديث الغاشية فقد أتاك، وهو معنى قول الكلبيِّ. وقال سعيدُ بن جبيرٍ، ومحمد بن كعبٍ: الغاشية: النار تغشى وجوه الكفار، ورواه أبو صالح عن ابن عباس لقوله تعالى: {أية : وَتَغْشَىٰ وُجُوهَهُمْ ٱلنَّارُ} تفسير : [إبراهيم: 50]. وقيل: المراد النفخة الثانية للبعث؛ لأنها تغشى الخلق. وقيل: الغاشية أهل النار يغشونها، ويقحمون فيها. وقيل: معنى "هَل أتاكَ" أي: هذا لم يكن في علمك، ولا في علم قومك، قاله ابن عباس أي: لم يكن أتاه قبل ذلك على التفصيل المذكور. قوله: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ}. قد تقدَّم نظيره في سورة "القيامةِ"، وفي "النازعات"، والتنوين في "يومئذ"؛ عوض من جملة، مدلول عليها باسم الفاعل من "الغاشية"، تقديره: يومئذ غشيت الناس؛ إذ لا تتقدم جملة مصرح بها، و "خاشعة" وما بعدها صفة. فصل في تفسير الآية قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: لم يكن أتاه حديثهم، فأخبره عنهم، فقال تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ} أي: يوم القيامة، {خَاشِعَةٌ}. قال سفيان: أي: ذليلةٌ بالعذاب، وكل متضائل ساكن خاشع. يقال: خشع في صلاته إذا تذلل ونكس رأسه، وخشع الصوت: إذا خفي، قال تعالى: {أية : وَخَشَعَتِ ٱلأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَـٰنِ} تفسير : [طه: 108]. [والمراد بالوجوه أصحاب الوجوه. قال قتادة وابن زيد: خاشعة أي في النار، والمراد بالوجوه وجوه الكفار كلهم قاله يحيى بن سلام. وقال ابن عباس: أراد وجوه اليهود والنصارى]. قوله تعالى: {عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ} هذا في الدنيا؛ لأن الآخرة ليست دار عمل، فالمعنى: وجوه عاملة ناصبة في الدنيا خاشعة في الآخرة. قال أهل اللغة: يقال للرجل إذا دأب في سيره: قد عمل يعمل عملاً، ويقال للسحاب إذا دام برقُه: قد عمل يعمل عملاً. وقوله: "ناصبةٌ" أي: تعبةٌ، يقال: نَصِبَ - بالكسر - ينصبُ نصَباً: إذا تعب ونَصْباً أيضاً، وأنصبه غيره. قال ابنُ عباسٍ: هم الذين أنصبوا أنفسهم في الدنيا على معصية الله تعالى، وعلى الكفر مثل عبدة الأوثان، والرهبان، وغيرهم، ولا يقبل الله - تعالى - منهم إلاَّ ما كان خالصاً له. وعن علي - رضي الله عنه - أنهم الخوارج الذين ذكرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "حديث : تُحقِّرُونَ صَلاتكُمْ مَعَ صَلاتهِمْ، وصِيامَكُمْ مَعَ صِيَامهِمْ، وأعْمالَكُمْ مَعَ أعْمَالهِمْ، يَمرقُونَ من الدِّينِ كما يَمْرقُ السَّهْمُ من الرميّّة" تفسير : الحديث. وروى سعيد عن قتادة: "عاملةٌ ناصبةٌ" قال: تكبرت في الدنيا عن طاعة الله - عز وجل -، فأعملها الله وأنصبها في النار، بجر السلاسل الثِّقال، وحمل الأغلال، والوقوف حفاة عراة في العرصات في يوم كان مقداره خمسين ألف سنةٍ. قال الحسن وسعيد بن جبير: لم تعمل لله في الدنيا ولم تنصب له، فأعملها وأنصبها في جهنم. وقرأ ابن كثير في رواية، وابن محيصن وعيسى وحميد: "نَاصِبةٌ" بالنصب على الحال. وقيل: على الذَّم. والباقون: بالرفع، على الصفة، أو إضمار مبتدأ فيوقف على "خاشعة". ومن جعل المعنى: في الآخرة جاز أن يكون خبراً بعد خبر عن "وجوه"، فلا يوقف على "خاشعة" [وقيل: عاملة ناصبة أي: عاملة في الدنيا ناصبة في الآخرة، وعلى هذا يحمل وجوه يومئذ عاملة في الدنيا ناصبة في الآخرة خاشعة]. وروى الحسن، قال: لما قدم عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - "الشام"، أتاه راهب، شيخ كبير عليه سواد، فلما رآه عمر - رضي الله عنه بكى, فقيل: يا أمير المؤمنين, ما يبكيك؟ قال: هذا المسكين, طلب أمراً فلم يصبه, ورجا رجاءً فأخطأه, وقرأ قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ}. قوله: {تَصْلَىٰ نَاراً حَامِيَةً}: هذا هو الخبر. قرأ أبو عمرو وأبو بكر ويعقوب - رضي الله عنهم - بضم التاء على ما يسم فاعله. والباقون: بالفتح، على تسمية الفاعل، [والضمير على] كلتا القراءتين للوجوه. وقرأ أبو رجاء: بضم التاء، وفتح الصَّاد، وتشديد اللام، وقد تقدم معنى ذلك كله في سورتي: "الانشقاق والنساء". فصل في معنى الآية والمعنى: يصيبها صلاؤها وحرُّها, "حامية" أي شديدة الحرِّ، أي قد أوقدت وأُحميت مدةً طويلة، ومنه: حَمِيَ النهار - بالكسر - وحَمِيَ التنور حمياً فيهما، أي: اشتد حره، وحكى الكسائي: اشتد حمى الشمس وحموها بمعنى. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنَّ اللهَ أوْقدهَا الفَ سنةٍ حتَّى احمرَّت، ثُمَّ أوْقدَ عليْهَا ألفَ سنةٍ حتَّى ابْيَضَّتْ، ثُمَّ أوقدَ عَليْهَا حتَّى اسْودَّتْ، فهي سَوداءُ مُظْلِمَةٌ ". تفسير : قال الماوردي: فإن قيل: فما معنى وصفها بالحَمْي، وهي لا تكون إلا حامية، وهو أقل أحوالها، فما وجه المبالغة بهذه الصفة الناقصة؟. قيل: قد اختلف في المراد بالحامية هاهنا. قيل: المراد: أنها دائمة [الحمي]، وليست كنارِ الدنيا التي ينقطع حميها بانطفائها. الثاني: أن المراد بالحامية أنَّها حمى من ارتكاب المحظورات، وانتهاك المحارم، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنَّ لكُلِّ مَلكٍ حِمىً، وإنَّ حِمَى اللهِ في أرْضهِ محارمهُ، ومن يرتع حولَ الحِمَى يُوشِك أن يقعَ فِيهِ ". تفسير : الثالث: أنها تحمي نفسها عن أن تطاق ملامستها، وترام مماستها، كما يحمي الأسد عرينه؛ كقول الشاعر: [البسيط] شعر : 5181- تَعْدُو الذِّئَابُ على مَنْ لا كِلاب لَهُ وتتَّقِي صَوْلةَ المُستأسدِ الحَامِي تفسير : الرابع: وقيل: المراد أنَّها حامية حمي غيظ وغضب مبالغة في شد الانتقام، كقوله تعالى {أية : تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ} تفسير : [الملك: 8]. قوله: {تُسْقَىٰ مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ}. أي: حارة التي انتهى حرُّها، كقوله تعالى: {أية : بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ} تفسير : [الرحمن: 44]، و "آنِيَة": صفة لـ "عين"، وأمالها هشام، لأن الألف غير منقلبة من غيرها، بل هي أصل بنفسها، وهذا بخلاف "آنِيَة" في سورة "الإنسان"، فإن الألف هناك بدل من همزة، إذ هو جمع: "إناء" فوزنها: "فَاعِلة"، وهناك "أفعلة"، فاتحد اللفظ واختلف التصريف، وهذا من محاسن علم التصريف. قال القرطبيُّ: "الآني: الذي قد انتهى حرُّه، من الإيناء بمعنى: "التأخير"، يقال: أنَّاه يؤنيه إيناءً، أي: أخره وحبسه وأبطأه، نظيره قوله تعالى: {أية : يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ} تفسير : [الرحمن: 44]، رُوِيَ أنه لو وقعت [نقطة] منها على جبال الدنيا لذابت". قوله: { لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ}. لمَّا ذكر شرابهم ذكر طعامهم. والضَّريعُ: شجر في النار، ذو شوك لاصق بالأرض، تسميه قريش: الشِّبرق إذا كان رطباً، وإذا يبسَ فهو الضريع، لا تقربه دابة، ولا بهيمة، ولا ترعاه، وهو سم قاتل. قاله عكرمة، ومجاهد وأكثر المفسرين. وروى الضحاكُ عن ابن عباسٍ - رضي الله عنهم - قال: شيء يرمي به البحر يسمى الضريع من أقوات الأنعام لا الناس، وإذا وقعت فيه الإبل لم تشبع، وهلكت هزلاً. والصحيح الأول؛ قال أبو ذؤيبٍ: [الطويل] شعر : 5182- رَعَى الشِّبرقَ الرَّيانَ حتَّى إذا ذَوَى رَعَا ضَرِيعاً بَانَ مِنْهُ النَّحَائِصُ تفسير : وقال الهذلي يذكر إبلاً وسوء مرعاها: [الكامل] شعر : 5183- وَحُبِسْنَ في هَزْمِ الضَّريعِ فكُلُّهَا حَدْباءُ دَاميةُ اليديْنِ حرُودُ تفسير : وقال الخليل: الضريع: نبات منتن الريح، يرمي به البحر. وقال أيضاً: ويقال للجلدة التي على العظم تحت اللحم، هي الضريع، فكأنه تعالى وصف بالقلة، فلا جرم لا يسمن ولا يغني من جوع. وقيل: هو الزقوم. وقيل: يابس العرفج إذا تحطم. وقيل: نبت يشبه العوسج. وعن ابن عباس - رضي الله عنه -: هو شجر من نارٍ، ولو كانت الدنيا لأحرقت الأرض، وما عليها. وقال سعيدُ بن جبيرٍ، وعكرمةُ: هي حجارة من نار. وقال القرطبيُّ: والأظهر أنه شجر ذو شوك حسب ما هو في الدنيا. وعن ابن عباسٍ - رضي الله عنهما - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : الضريع شيء يكون في النَّار: يشبهُ الشّوْك، أشدُّ مرارة من الصَّبْرِ، وأنْتَنُ من الجِيفةِ، وأحرُّ منَ النَّارِ سماهُ اللهُ ضَريْعاً . تفسير : قال القتيبيُّ: ويجوز أن يكون الضريع، وشجرة الزقوم: نبتين من النار، أو من جوهر لا تأكله النَّار، وكذلك سلاسل النار، وأغلالها, وحياتها, وعقاربها, ولو كانت على ما نعلم لما بقيت على النار, وإنما دلَّنا الله على الغائب عند الحاضر عندنا، فالأسماء متفقة الدلالة والمعاني مختلفة، وكذلك ما في الجنة من شجرها وفرشها. وزعم بعضهم: أنَّ الضريع: ليس بنبت في النار، ولا أنهم يأكلونه؛ لأن الضريع من أقوات الأنعام، لا من أقوات الناس، وإذا وقعت الإبل فيه لم تشبع، وهلكوا هزلاً، فأراد أن هؤلاء يقتاتون بما لا يشبعهم، وضرب الضريع له مثلاً. والمعنى أنهم يعذبون بالجوع كما يعذب من قوته الضريع. وقال الحكيمُ الترمذي: وهذا نظر سقيم من أهله، يدل على أنهم تحيَّروا في قدرة الله تعالى، وأن الذي أنبت في هذا التراب الضريع قادر على أن ينبته في حريق النار، كما جعل - سبحانه وتعالى - في الدنيا من الشجر الأخضر ناراً فإذا أنتم منه توقدون، فلا النار تحرق الشجر، ولا رطوبة الماء في الشجر تُطفئُ النار، قال تعالى: {أية : ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلشَّجَرِ ٱلأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَآ أَنتُم مِّنْه تُوقِدُونَ} تفسير : [يس: 80]، وكما قيل: حين نزلت: {أية : وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ} تفسير : [الإسراء: 97]، قالوا: حديث : يا رسُولَ اللهِ، كيف يمْشُونَ على وُجوهِهمْ؟ فقال - عليه الصلاة والسلام -: "الَّذي أمشَاهُمْ عَلَى أرْجُلهِمْ قادرٌ على أنْ يُمشِيهمْ على وُجوهِهِمْ"تفسير : ، فلا يتحيَّر في مثل هذا إلا ضعيف العقل، أو ليس قد أخبرنا أنه: {أية : كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا} تفسير : [النساء: 56]، وقال تعالى: {أية : سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ} تفسير : [إبراهيم: 50]. وعن الحسن: لا أدري ما الضريع، ولم أسمع فيه من الصحابة شيئاً. قال ابنُ كيسان: وهو طعام يضرعونه عنده، ويذلون، ويتضرعونه منه إلى الله تعالى، طلباً للخلاص منه، فسمي بذلك؛ لأن آكله يتضرع في أن يعفى منه, للكراهة وخشونته. قال أبو جعفر النحاس: قد يكون مشتقاً من الضارع، وهو الذليل، أي: ذو ضراعة، أي: من شربه ذليل تلحقه ضراعة. فإن قيل: قد قال تعالى في موضع آخر: {أية : فَلَيْسَ لَهُ ٱلْيَوْمَ هَا هُنَا حَمِيمٌ وَلاَ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ} تفسير : [الحاقة: 35، 36]. وقال تعالى - هاهنا -: {إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ} وهو غير الغسلين، فما وجه الجمع؟. والجواب: أن النار دركات، فمنهم من طعامه الزقوم ومنهم من طعامه الغسلين، ومنهم من طعامه الضريع، ومنهم من شرابه الحميم، ومنهم من شرابه الصديد. قال الكلبيُّ: الضريع في درجة ليس فيها غيره، والزقوم في درجة أخرى. قوله: {لاَّ يُسْمِنُ}. قال الزمخشريُّ: مرفوع المحل، أو مجرور على وصف طعام، أو ضريع". قال أبو حيان: "أما وصفه بـ "ضريع" فيصح؛ لأنه نبت نفي عنه السمن، والإغناء من الجوع, وأمَّا رفعه على وصفه الطعام، فلا يصح؛ لأن الطعام منفي، والسمن منفي، فلا يصح تركيبه؛ لأنه يصير التقدير: ليس لهم طعام لا يسمن، ولا يغني من جوع إلا من ضريع، فيصير المعنى: أن لهم طعاماً يسمن ويغني من جوع من غير الضريع، كما تقول: ليس لزيد مال لا ينتفع به إلا من مال عمرو، فمعناه: أن له مالاً لا ينتفع به من غير مال عمرو". قال شهاب الدين: وهذا لا يرد؛ لأنه على تقدير تسليم القول بالمفهوم، وقد منع منه مانع، كالسياق في الآية الكريمة. ثم قال أبو حيَّان: ولو قيل: الجملة في موضع رفع صفة للمحذوف المقدر في: "إلاَّ من ضريع"، كان صحيحاً؛ لأنه في موضع رفع، على أنه بدل من اسم ليس، أي: ليس لهم طعام إلاَّ كائن من ضريع؛ إذ لا طعام من ضريع غير مسمنٍ، ولا مغنٍ من جوع، وهذا تركيب صحيح، ومعنى واضح. وقال الزمخشريُّ أيضاً: "أو أريد لا طعام لهم أصلاً؛ لأن الضريع ليس بطعام للبهائم فضلاً عن الإنس؛ لأن الطعام ما أشبع، أو أسمن، وهو عنهما بمعزل، كما تقول: ليس لفلان إلا ظلّ إلا الشمس، تريد نفي الظل على التوكيد". قال أبو حيَّان: فعلى هذا يكون استثناء منقطعاً؛ لأنه لم يندرج الكائن من الضريع تحت لفظ طعام، إذ ليس بطعام، والظاهر: الاتصال فيه، وفي قوله تعالى: {أية : وَلاَ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ} تفسير : [الحاقة: 36]. قال شهابُ الدين: وعلى قول الزمخشري المتقدم لا يلزم أن يكون منقطعاً، إذ المراد نفي الشيء بدليله أي: إن كان لهم طعام، فليس إلا هذا الذي لا يعده أحد طعاماً، ومثله: ليس له ظل إلا الشمس وقد مضى تحقيق هذا عند قوله تعالى: {أية : لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا ٱلْمَوْتَ إِلاَّ ٱلْمَوْتَةَ ٱلأُولَىٰ} تفسير : [الدخان: 56] وقوله: [الطويل] شعر : 5184- ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهُمْ ..................................... تفسير : ومثله كثير. فصل في المراد بالآية المعنى: أن طعامهم ليس من جنس طعام الإنس؛ لأنه نوع من أنواع الشوك، والشوك مما ترعاه الإبلُ، وهذا النوع مما تنفر عنه الإبل، فإذن منفعة الغذاء منتفية عنه، وهما: إماطة الجوع، وإفادة القوة والسمن في البدن أو يكون المعنى: ليس لهم طعام أصلاً؛ لأن الضريع ليس بطعام للبهائم فضلاً عن الإنسان، لأن الطعام ما أشبع أو أسمن. قال المفسرون: لما نزلت هذه الآية، قال المشركون: إن إبلنا لتسمن بالضريع، فنزلت: {لاَّ يُسْمِنُ وَلاَ يُغْنِي مِن جُوعٍ} وكذا فإن الإبل ترعاه رطباً، فإذا يبس لم تأكله. وقيل: اشتبه عليهم أمره، فظنوه كغيره من النَّبتِ النافع؛ لأن المضارعة المشابهة، فوجدوه لا يسمن ولا يغني من جوع، فيكون المعنى: أن طعامهم من ضريعٍ لا يسمن من جنس ضريعكم، إنما هو من ضريع غير مسمن، ولا مغن من جوع.

البقاعي

تفسير : لما ختمت "سبح" بالحث على تطهير النفوس عن وضر الدنيا، ورغب في ذلك بخيرية الآخرة تارة والاقتداء بأولي العزم من الأنبياء أخرى، رهب أول هذه من الإعراض عن ذلك مرة، ومن التزكي بغير منهاج الرسل أخرى، فقال تعالى مذكراً بالآخرة التي حث عليها آخر تلك مقرراً لأشرف خلقه صلى الله عليه وسلم لأن ذلك أعظم في تقدير اتباعه وأقعد في تحريك النفوس إلى تلقي الخبر بالقبول: {هل أتاك} أي جاءك وكان لك وواجهك على وجه الوضوح يا أعظم خلقنا {حديث الغاشية *} أي القيامة التي تغشي الناس بدواهيها وشدائدها العظمى وزواجرها ونواهيها، فإن الغشي لا يكون إلا فيما يكره. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما تقدم تنزيهه سبحانه عما توهم الظالمون، واستمرت آي السورة على ما يوضح تقدس الخالق جل جلاله عن عظيم مقالهم، أتبع ذلك بذكر الغاشية بعد افتتاح السورة بصورة الاستفهام تعظيماً لأمرها، فقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: "هل أتاك" يا محمد "حديث الغاشية" وهي القيامة، فكأنه سبحانه وتعالى يقول: في ذلك اليوم يشاهدون جزاءهم ويشتد تحسرهم حين لا يغني عنهم، ثم عرف بعظيم امتحانهم في قوله: {ليس لهم طعام إلا من ضريع} مع ما بعد ذلك وما قبله، ثم عرف بذكر حال من كان في نقيض حالهم إذ ذلك أزيد في الفرح وأدهى، ثم أردف بذكر ما نصب من الدلائل وكيف لم يغن فقال: {أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت} - الآيات، أي أفلا يعتبرون بكل ذلك ويستدلون بالصنعة على الصانع ثم أمره بالتذكار - انتهى. ولما هول أمرها بانبهامها وعمومها، زاد في التهويل بما ذكر من أحوالها في تفصيل الناس إلى شقي وسعيد، وبدأ بالشقي لأن المقام لإنذار المؤثرين للحياة الدنيا، وسوّغ الابتداء بالنكرة التفصيل فقال: {وجوه} أي كثيرة جداً كائنة {يومئذ} أي إذ تغشى الناس {خاشعة *} أي ذليلة مخبتة من الخجل والفضيحة والخوف والحسرة التي لا تنفع في مثل هذا الوقت {عاملة} أي مجتهدة في الأعمال التي تبتغي بها النجاة حيث لا نجاة بفوات دار العمل فتراها جاهدة فيما كلفتها به الزبانية من جر السلاسل والأغلال وخوض الغمرات من النيران ونحو ذلك كأن يقال له: أدّ الأمانة ثم تمثل له أمانته في قعر جهنم، فتكلف النزول إليها ثم يحملها على عنقه ويصعد في جبال النيران حنى إذا كاد أن يصل إلى أعلاها سقطت منه فيتكلف النزول إليها وهكذا، وهذا بما كان يهمل العمل في الدنيا {ناصبة *} أي هي في ذلك في غاية التعب والدؤوب في العمل والاجتهاد - هذه رواية العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما، وذلك لأنهم لم يخشوا الله في الدنيا فلم يعملوا له فلم ينصبوا في طاعته أجسادهم فاضطرهم في ذلك اليوم إلى أعظم مما أبوه في الدنيا مع المضرة دون المنفعة، ويجوز أن يراد بها الذين تعبوا ونصبوا في الدنيا أجسامهم وهم على غير دين الإسلام كالرهبان من النصارى بعد النسخ وزنادقة المتصوفة من الفلاسفة وأتباعهم، بأن يكون (وجوه) مبتدأ و (يومئذ) خبره أي كائنة يومئذ، ثم يقدر ما بعده في جواب سؤال سائل يقول: ما شأنها؟ فأجيب بقوله خاشعة، أي في الدنيا - إلى آخره، وهذا قول ابن عباس رضي الله عنهما في رواية عطاء عنه. ولما كان العذاب لا يكون إلا على ما يكرهه المعذب، دل على ذلك وعلى أنه على أنهى ما يكون ببناء الفعل للمفعول في قراءة أبي عمرو ويعقوب وأبي بكر عن عاصم فقال: {تصلى} أي يصليها مصل على أيسر وجه وأسهله بأمر من له الأمر بأن يغمسها قهراً على وجه الإحاطة بها، والمعنى على قراءة الجماعة بالبناء للفاعل: تدخل وتباشر بأن يدسها فيها أصحابها فيحيط بها من كل جانب وهو يدل على غاية الذل لأن من فعل بنفسه هذا لا يكون إلا كذلك {ناراً حامية *} متناهية في الحر لأنها عملت بالجهل على خلاف ما حده لها نبيها فأخلت بركن للعمل أو شرط لما استولى عليها من الغفلة التي أحاطت بها، فلم تدع لها موضعاً يصلح لدخول الرحمة منه. ولما كان من في الحر أحوج شيء إلى ما يبرد باطنه، قال بانياً عند الكل للمفعول جرياً على قراءة أبي عمرو في الذي قبله: {تسقى} أي يسقى كل من أذن له الملك في ذلك على أهون وجه وأيسره {من عين آنية *} أي بلغت غايتها في الحر فنضجت غاية النضج فصارت إذا قربوها منهم سقط لحم وجوههم، وإذا شربوا قطعت أمعاءهم مما شربوا في الدنيا من كاسات الهوى التي قطعوا باستلذاذهم لها قلوب الأولياء. ولما ذكر ما يسقونه على وجه علم منه أنه لا يلذذ ولا يروي من عطش، أتبعه ما يطعمونه فقال حاصراً له: {ليس لهم} أي هؤلاء الذين أذابوا أنفسهم في عبادة لم يأذن الله فيها {طعام} أصلاً {إلا من ضريع *} أي يبيس الشبرق، وهو شوك ترعاه الإبل ما دام رطباً، فإذا يبس تحامته، وهو سم، وقال في القاموس: والضريع كأمير: الشبرق أو يبيسه أو نبات رطبه يسمى شبرقاً، ويابسه يسمى ضريعاً، لا تقربه دابة لخبثه، أو شيء في جهنم أمرّ من الصبر وأنتن من الجيفة وأحرّ من النار، ونبات منتن يرمى به البحر، وقال الهروي في الغريبين وعبد الحق في الواعي: الضريع: الشبرق، وهو نبات معروف بالحجاز ذو شوك، ويقال شبرق ما دام رطباً، فإذا جف فهو ضريع، وقال القزاز في ديوانه: الضريع: يبيس من يبيس الشجر، وقيل: هو يبيس الشبرق خاصة، وقيل: هو نبات أخضر يرمى به البحر وهو منتن. أبو حنيفة رحمه الله تعالى: وهو مرعى لا تعقد عليه السائمة شحماً ولا لحماً وإن لم تفارقه إلى غيره ساءت حالها. وقال ابن الأثير في النهاية: الضريع هو نبت بالحجاز له شوك كبار، وقال: الشبرق نبات حجازي يؤكل وله شوك، وإذا يبس سمي الضريع. وهذا ثوب مشبرق وهو الذي أفسد، وفي نسجه سخافة، وشبرقت الثوب أيضاً: حرقته، وقال في القاموس: الشبرق كزبرج: رطب الضريع واحده بهاء، قال البغوي رحمه الله تعالى: قال مجاهد وقتادة وعكرمة: هو نبت ذو شوك لاطىء بالأرض، تسميه قريش الشبرق، فإذا هاج سموه الضريع، وهو أخبث طعام وأبشعه، وهو رواية العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما. ولا يمتنع في قدرة الله سبحانه وتعالى أن يكون الغسلين إذا انفصل عن أبدان أهل النار صار على هيئة الشبرق المسمى ضريعاً، فيكون طعامهم الغسلين الذي هو الضريع، ويمكن أن يكون ذلك كناية عن أقبح العيش ولا يراد به شيء بعينه - والله تعالى أعلم، قال الملوي: وسمي ضريعاً لأن الإنسان يتضرع عند أكله من خشونته ومرارته ونتنه.

السيوطي

تفسير : وأخرج مالك ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن النعمان بن بشير أنه سئل بم كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الجمعة مع سورة الجمعة‏؟‏ قال‏:‏ ‏{‏هل أتاك حديث الغاشية‏}‏ ‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ الغاشية القيامة‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في ‏ {‏هل أتاك حديث الغاشية‏}‏ قال‏:‏ الساعة ‏{‏وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة‏}‏ قال‏:‏ تعمل وتنصب في النار ‏ {‏تسقى من عين آنية‏}‏ قال‏:‏ هي التي قد طال أنيها ‏ {‏ليس لهم طعام إلا من ضريع‏} ‏ قال‏:‏ الشبرق‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة ‏ {‏هل أتاك حديث الغاشية‏}‏ قال‏:‏ حديث الساعة ‏{‏وجوه يومئذ خاشعة‏}‏ قال‏:‏ ذليلة في النار ‏ {‏عاملة ناصبة‏} ‏ قال‏:‏ تكبرت في الدنيا عن طاعة الله فأعملها وأنصبها في النار ‏ {‏تسقى من عين آنية‏} ‏ قال‏:‏ إناء طبخها منذ خلق الله السموات الأرض ‏ {‏ليس لهم طعام إلا من ضريع‏} ‏ قال‏:‏ الشبرق شر الطعام وأبشعه وأخبثه‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ‏ {‏وجوه يومئذ‏} ‏ قال‏:‏ يعني في الآخرة. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ‏{‏وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة‏}‏ قال‏:‏ يعني اليهود والنصارى تخشع ولا ينفعها عملها ‏{‏تسقى من عين آنية‏}‏ قال‏:‏ تدانى غليانه‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر والحاكم عن أبي عمران الجوني قال‏:‏ مر عمر بن الخطاب رضي الله عنه براهب، فوقف، ونودي الراهب فقيل له‏:‏ هذا أمير المؤمنين فاطلع فإذا إنسان به من الضر والاجتهاد وترك الدنيا فلما رآه عمر بكى، فقيل له‏:‏ إنه نصراني، فقال‏:‏ قد علمت، ولكني رحمته، ذكرت قول الله ‏ {‏عاملة ناصبة تصلى ناراً حامية‏} ‏ فرحمت نصبه واجتهاده وهو في النار‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏عاملة ناصبة‏}‏ قال‏:‏ عاملة في الدنيا بالمعاصي تنصب في النار يوم القيامة ‏ {‏إلا من ضريع‏} ‏ قال‏:‏ الشبرق‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏تصلى ناراً حامية‏}‏ قال‏:‏ حارة ‏ {‏تسقى من عين آنية‏} ‏ قال‏:‏ انتهى حرها ‏{‏ليس لهم طعام إلا من ضريع‏}‏ يقول‏:‏ من شجر من نار‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه ‏{‏من عين آنية‏}‏ قال‏:‏ قد أنى طبخها منذ خلق الله السموات والأرض‏.‏ وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏من عين آنية‏} ‏ قال‏:‏ قد بلغت إناها وحان شربها، وفي قوله‏:‏ ‏{‏إلا من ضريع‏}‏ قال‏:‏ الشبرق اليابس‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي ‏{‏من عين آنية‏} ‏ قال‏:‏ انتهى حرها فليس فوقه حر‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله‏:‏ ‏ {‏آنية‏}‏ قال‏:‏ حاضرة‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس ‏ {‏ليس لهم طعام إلا من ضريع‏}‏ قال‏:‏ الشبرق اليابس‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه قال‏:‏ الضريع بلغة قريش في الربيع الشبرق وفي الصيف الضريع‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه قال‏:‏ الضريع الشبرق شجرة ذات شوك لاطئة بالأرض‏.‏ وأخرج ابن شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي الجوزاء قال‏:‏ الضريع السلم، وهو الشوك وكيف يسمن من كان طعامه الشوك‏؟‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ‏ {‏إلا من ضريع‏} ‏ قال‏:‏ من حجارة‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ‏{‏إلا من ضريع‏} ‏ قال‏:‏ الزقوم‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن أبي الدرداء قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏يلقى على أهل النار الجوع حتى يعدل ما هم فيه من العذاب، فيستغيثون بالطعام، فيغاثون بطعام ‏{‏من ضريع لا يسمن ولا يغني من جوع‏}‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن مردويه بسند واه عن ابن عباس ‏{‏ليس لهم طعام إلا من ضريع‏} ‏ قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏شيء يكون في النار شبه الشوك أمر من الصبر، وأنتن من الجيفة، وأشد حراً من النار، سماه الله الضريع إذا طعمه صاحبه لا يدخل البطن ولا يرتفع إلى الفم فيبقى بين ذلك ولا يغني من جوع ‏"‏‏.‏ تفسير : أخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير أنه قرأ في سورة الغاشية ‏ {‏متكئين فيها‏}‏ ناعمين فيها‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان في قوله‏:‏ ‏ {‏لسعيها راضية‏}‏ قال‏:‏ رضيت عملها‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ‏{‏لا تسمع فيها‏} ‏ بالتاء ونصب التاء لاغية منصوبة منونة‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏لا يسمع فيها لاغية‏} ‏ يقول‏:‏ لا تسمع أذى ولا باطلاً وفي قوله‏:‏ ‏ {‏فيها سرر مرفوعة‏} ‏ قال‏:‏ بعضها فوق بعض ‏ {‏ونمارق‏} ‏ قال‏:‏ مجالس‏.‏ وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد ‏ {‏لا تسمع فيها لاغية‏} ‏ قال‏:‏ شتما‏ً.‏ وأخرج عبد بن حميد عن الأعمش ‏ {‏لا تسمع فيها لاغية‏}‏ قال‏:‏ مؤذية‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه ‏{‏لا تسمع فيها لاغية‏}‏ قال‏:‏ لا تسمع فيها باطلاً ولا مأثماً وفي قوله‏:‏ ‏{‏ونمارق‏} ‏ قال‏:‏ الوسائد وفي قوله‏:‏ ‏ {‏مبثوثة‏} ‏ قال‏:‏ مبسوطة‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج ‏{‏فيها سرر مرفوعة‏} ‏ قال‏:‏ مرتفعة‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏ونمارق‏} ‏ قال‏:‏ الوسائد ‏ {‏وزرابي‏} ‏ قال‏:‏ البسط‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏{‏ونمارق‏}‏ قال‏:‏ المرافق‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه ‏{‏وزرابي‏}‏ قال‏:‏ البسط‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه ‏{‏وزرابيّ مبثوثة‏}‏ قال‏:‏ بعضها على بعض‏.‏ وأخرج ابن الأنباري في المصاحف عن عمار بن محمد قال‏:‏ صليت خلف منصور بن المعتمر فقرأ ‏{‏هل أتاك حديث الغاشية‏} ‏ فقرأ فيها ‏ {‏وزرابيّ مبثوثة‏}‏ متكئين فيها ناعمين‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن عبدالله بن أبي الهذيل أن موسى أو غيره من الأنبياء قال‏:‏ يا رب كيف يكون هذا منك‏؟‏ أولياؤك في الأرض خائفون يقتلون، ويطلبون فلا يعطون، وأعداؤك يأكلون ما شاؤوا، ويشربون ما شاؤوا ونحو هذا‏.‏ فقال‏:‏ انطلقوا بعبدي إلى الجنة فينظر ما لم ير مثله قط، إلى أكواب موضوعة ونمارق مصفوفة وزرابيّ مبثوثة، وإلى الحور العين، وإلى الثمار، وإلى الخدم كأنهم لؤلؤ مكنون‏.‏ فقال‏:‏ ما ضر أوليائي ما أصابهم في الدنيا إذا كان مصيرهم إلى هذا‏؟‏ ثم قال‏:‏ انطلقوا بعبدي هذا فانطلق به إلى النار، فخرج منها عنق فصعق العبد ثم أفاق فقال‏:‏ ما نفع أعدائي ما أعطيتهم في الدنيا إذا كان مصيرهم إلى هذا‏؟‏ قال‏:‏ لا شيء‏. وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس رضي الله عنه قال‏:‏ قال نبي من الأنبياء‏:‏ اللهم العبد من عبيدك يعبدك ويطيعك ويجتنب سخطك تزوي عنه الدنيا، وتعرض له البلاء‏.‏ والعبد يعبد غيرك، ويعمل بمعاصيك، فتعرض له الدنيا وتزوي عنه البلاء‏.‏ قال‏:‏ فأوحى الله إليه أن العباد والبلاد لي، كل يسبح بحمدي فأما عبدي المؤمن فتكون له سيئات فإنما أعرض له البلاء وأزوي عنه الدنيا فتكون كفارة لسيئاته، وأجزيه إذا لقيني وأما عبدي الكافر فتكون له الحسنات فأزوي عنه البلاء، وأعرض له الدنيا فيكون جزاء لحسناته وأجزيه بسيئاته حين يلقاني‏.‏ والله أعلم‏.‏ أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة قال‏:‏ لما نعت الله ما في الجنة عجب من ذلك أهل الضلالة، فأنزل الله ‏ {‏أفلا ينظرون إلى الإِبل كيف خلقت‏} ‏ وكانت الإِبل عيشاً من عيش العرب وخولاً من خولهم ‏ {‏وإلى السماء كيف رفعت، وإلى الجبال كيف نصبت‏} ‏ قال‏:‏ تصعد إلى الجبل الصخور عامة يومك، فإذا أفضت إلى أعلاه أفضت إلى عيون منفجرة وأثمار متهدلة لم تغرسه الأيدي ولم تعمله الناس نعمة من الله إلى أجل ‏ {‏وإلى الأرض كيف سطحت‏}‏ أي بسطت يقول‏:‏ إن الذي خلق هذا قادر على أن يخلق في الجنة ما أراد‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن شريح أنه كان يقول لأصحابه‏:‏ أخرجوا بنا إلى السوق فننظر ‏{‏إلى الإِبل كيف خلقت‏}‏‏ .‏ أخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن جرير والحاكم وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن جابر قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله، ثم قرأ ‏ {‏فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر‏} ‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الحاكم وصححه عن جابر قال‏:‏ قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏لست عليهم بمصيطر‏"‏ بالصاد‏.‏ وِأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏لست عليهم بمسيطر‏} ‏ يقول‏:‏ بجبار فاعف عنهم وأصفح‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة ‏ {‏لست عليهم بمسيطر‏} ‏ قال‏:‏ بقاهر‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ‏ {‏لست عليهم بمسيطر‏}‏ قال‏:‏ كل عبادي إلي‏ّ.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه ‏ {‏بمسيطر‏} ‏ قال‏:‏ بمسلط‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد ‏ {‏لست عليهم بمسيطر‏} ‏ قال‏:‏ جبار ‏{‏إلا من تولى وكفر‏} ‏ قال‏:‏ حسابه على الله‏.‏ وأخرج أبو داود في ناسخه عن ابن عباس ‏ {‏لست عليهم بمسيطر‏}‏ نسخ ذلك فقال‏:‏ {أية : ‏فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} تفسير : ‏[التوبة: 5‏].‏ وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏إن إلينا إيابهم‏} ‏ قال‏:‏ مرجعهم‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء مثله‏.‏ وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له‏:‏ أخبرني عن قوله‏:‏ عز وجل ‏ {‏إن إلينا إيابهم‏} ‏ قال‏:‏ الإِياب المرجع‏.‏ قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم أما سمعت عبيد بن الأبرص يقول‏:‏ شعر : وكل ذي غيبة يؤوب وغائب الموت لا يؤوب تفسير : وقال الآخر‏:‏ شعر : فألقت عصاها واستقر بها النوى كما قر عيناً بالإِياب المسافر تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي ‏{‏إن إلينا إيابهم‏}‏ قال‏:‏ منقلبهم‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ‏{‏إن إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم‏} ‏ قال‏:‏ إلى الله الإِياب، وعلى الله الحساب‏.‏

ابو السعود

تفسير : مكية وآيُها ست وعشرون {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْغَـٰشِيَةِ} قيلَ: هِلْ بمَعْنى قَدْ كمَا في قولِه تعالَى: { أية : هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلإِنسَـٰنِ} تفسير : [سورة الإنسان، الآية 1] الآيةَ، قالَ قُطْربٌ: أيْ قد جاءكَ يا محمدُ حديثُ الغاشيةِ. وليسَ بذاكَ بلْ هو استفهامٌ أُريدَ به التعجيبُ ممَّا في حيزِه والتشويقُ إلى استماعِه والإشعارُ بأنَّه من الأحاديثِ البديعةِ التي حقُّها أنْ يتناقلَها الرواةُ ويتنافسُ عليها الوعاةُ مِنْ كلِّ حاضرٍ وبادٍ. والغاشيةُ الداهيةُ الشديدةُ التي تغشَى الناسَ بشدائدِها وتكتنفُهم بأهوالِها وهيَ القيامةُ من قولِه تعالى: { أية : يَوْمَ يَغْشَـٰهُمُ ٱلْعَذَابُ} تفسير : [سورة العنكبوت، الآية 55] الخ، وقيلَ: هيَ النارُ من قولِه تعالى: { أية : وَتَغْشَىٰ وُجُوهَهُمْ ٱلنَّارُ} تفسير : [سورة إبراهيم، الآية 50] وقولِه تعالى: { أية : وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ} تفسير : [سورة الأعراف، الآية 41] والأولُ هو الحقُّ فإنَّ ما سيُروى من حديثِها ليسَ مختصاً بالنَّارِ وأهلِها بلْ ناطقٌ بأحوال أهلِ الجنةِ أيضاً. وقولُه تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَـٰشِعَةٌ} إلى قولِه تعالى: {مَبْثُوثَةٌ} استئنافٌ وقعَ جواباً عن سؤالٍ من الاستفهام التشويقيِّ كأنَّه قيلَ من جهتِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: « حديث : ما أتانِي حديثُها، فما هو؟ » تفسير : فقيلَ: وجوهٌ يومئذٍ، أيْ يومَ إذْ غشيتْ ذليلةٌ، قالَ ابنُ عباسٍ رضيَ الله عنهُمَا: لم يكنْ أتاهُ عليه الصَّلاة والسَّلامُ حديثُها فأخبرَهُ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عنهَا فقالَ: وجوهٌ الخ، فوجوهٌ مبتدأٌ ولا بأسَ بتنكيرِها لأنَّها في موقعِ التنويعِ، وخاشعةٌ خبرُهُ. وقولُه تعالى: {عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ} خبرانِ آخرانِ لوجوهٌ إذِ المرادُ بهَا أصحابُها أي تعملُ أعمالاً شاقةً تتعبُ فيها وهيَ جرُّ السلاسلِ والأغلالِ والخوضُ في النَّارِ خوضَ الإبلِ في الوحلِ والصعودُ والهبوطُ في تلالِ النارِ ووهادِها، وقيلَ: عملتْ في الدُّنيا أعمالَ السوءِ والتذتْ بها فهيَ يومئذٍ في نصبٍ منها، وقيلَ: عملتْ ونصبتْ في أعمالِ لا تُجدي عليهَا في الآخرةِ. وقولُه تعالَى: {تَصْلَىٰ} أي تدخلُ {نَاراً حَامِيَةً} أي متناهيةً في الحرِّ، خبرٌ آخرُ لوجوهٌ، وقيلَ: هو الخبرُ وما قبلَهُ صفاتٌ لوجوهٌ، وقد مرَّ غيرَ مرةٍ أن الصفةَ حقَّها أن تكونَ معلومة الانتسابِ إلى الموصوفِ عندَ السامعِ قبلَ جعلِها صفةً له ولا ريبَ في أنَّ صليَ النارِ وما قبلَهُ من الخشوعِ والعملِ والنَّصَبِ أمورٌ متساويةٌ في الانتسابِ إلى الوجوهِ معرفةً وجهالةً فجعلُ بعضِها عُنواناً للموضوعِ قيداً مفروغاً عنه غيرَ مقصودِ الإفادةِ وبعضِها مناطاً للإفادةِ تحكُّمٌ بحتٌ ويجوزُ أنْ يكونَ هذا وما بعدَهُ من الجملتينِ استئنافاً مبـيناً لتفاصيلِ أحوالِها.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْغَاشِيَةِ}. "الغاشية" المُجَلَّلَةُ، يريد بها القيامة تَغْشَى الخَلْقَ، تَغْشَى وجوهَ الكفَّار. {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ تَصْلَىٰ نَاراً حَامِيَةً}. وجوهٌ - إذا جاءت القيامة - خاشعة أي ذليلة. عاملة ناصبة: النَّصَب التعب. جاء في التفسير: أنهم يُجَرُّون على وجوههم. {تَصْلَىٰ نَاراً حَامِيَةً} تلزم ناراً شديدة الحرِّ. ويقال: "عاملة" في الدنيا بالمعاصي، "ناصبة" في الآخرة بالعذاب. ويقال: "ناصبة" في الدنيا "عاملة" لكن من غير إخلاص كعمل الرهبان، وفي معناه عملُ أهل النفاق. {تُسْقَىٰ مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ}. تناهى حَرُّها. {لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ لاَّ يُسْمِنُ وَلاَ يُغْنِي مِن جُوعٍ}. نَبْتٌ ينمو بالحجاز له شَوْكٌ، وهو سمٌّ لا تأكله الدواب، فإذا أكلوا ذلك في النار يُغَصُّون، فَيُسْقَوْنَ الزقُّوم. وإن اتصافَ الأبدانِ - اليومَ - بصورة الطاعات مع فَقْدِ الأرواح وجدانَ المكاشفات (وفقدِ) الأسرارِ أنوارَ المشاهدات، (وفقدِ) القلبِ الإخلاصَ والصدق في الاعتقادات لا يجدي خيراً، ولا ينفع شيئاً - وإنما هي كما قال: {عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ}.

البقلي

تفسير : {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْغَاشِيَةِ} وصف الله افعاله العظام يوم يبرز انوار عظمته ويبدو سطوات عزته فتغشى القلوب والابصار وذلك تحت انوار كبريائه وقهر جباريته قال تعالى وعنت الوجوه للحى القيوم ثم وصف وجوه المتكبرين الذين اتقوا من عبادة الله بالاخلاص ومن حبة اوليائه وتقشفوا على ظاهر العبادة بالرياء والسمعة بالذلة والخسارة بقوله {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ} قال بعضهم خشوع الظاهر نصب الابدان لا يقربان الى الله بل يقطعان عند الا تراه يقول وجوه يومئذ خاشعة وانما يقرب منه سعادة الازل وخشوع السر من هيبة الله وهو الذى يمنع صاحبه من جميع المخالفات ثم وصف وجوه اوليائه بالنعومة والنضارة بما نالت من مشاهدة ربها بقوله {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ} نعومتها بما نورها الحق من ظهور انوار جماله لها راضية لما سعت من بذل وجودها لربها حيث صارت مقبولة برضى الازل مقرونة بسعادة الازل والابد قال الحسين اى شاهدت بمشاهدته حقيقة عين الحق قال الجنيد جعل الله الطاعة والخدمة على الاشباح وخص المعرفة بالارواح.

اسماعيل حقي

تفسير : {هل اتاك حديث الغاشية} قال قطرب من ائمة النحو أى قد جاءك يا محمد حديث الغاشية قال المولى أبو السعود رحمه الله فى الارشاد وليس بذاك بل هو استفهام اريد به التعجيب مما فى حيزه والتشويق الى استماعه والاشعار بانه من الاحاديث البديعة التى حقها ان يتناقلها الرواة ويتنافس فى تلقيها الوعاة من كل حاضر وباد والغاشية الداهية الشديدة التى تغشى الناس بشدآئدها وتكتنفهم بأهوالها وهى القيامة كما قال تعالى {أية : يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت ارجلهم}تفسير : وقال {أية : يوما كان شره مستطيرا}تفسير : يقال غشيه يغشاه اى غطاه وكل ما احاط بالشئ من جميع جهاته فهو غاش له.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {هل أتاك حديثُ الغاشيةِ} أي: قد أتاك، والأحسن: أنه استفهام أُريد به التعجُّب مما في حيّزه، والتشويق إلى استماعه، وأنه من الأحاديث البديعة التي من حقها أن تتناولها الرواية، ويتنافس في تلقيها الوعاة من كل حاضر وباد. والغاشية: الداهية الشديدة التي تغشى الناس بشدائدها وتكتنفهم بأهوالها، من قوله تعالى: {أية : يَغْشَاهُمُ ٱلْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ } تفسير : [العنكبوت:55] الخ. ثم فصّل أحوالَ الناس فيها، فقال: {وجوه يومئذٍ خاشعةٌ}، فهو استئناف بياني نشأ عن سؤال من جهته صلى الله عليه وسلم، كأنه قيل: ما أتاني حديثها فما هو؟ فقال: {وجوه يومئذ} أي: يوم إذ غشيت {خاشعة}؛ ذليلة، لما اعترى أصحابها من الخزي والهوان، و {وجوه} متبدأ، سوّغه التنويع، و(خاشعة) خبر، و {عاملة ناصبة}: خبران آخران، أي: تعمل أعمالاً شاقة في النار، تتعب فيها مِن جرّ السلاسل والأغلال، والخوض في النار خوض الإبل في الوحل، والصعود والهبوط من تلال النار ووهادها، وقيل: عملت في الدنيا أعمال السوء، والتذّت بها، فهي يومئذ ناصبة منها، {تَصلى} أي: تدخل {ناراً حامية}؛ متناهية في الحر مُدداً طويلة، {تُسْقَى من عينٍ آنيةٍ} أي: من عين ماء متناهية في الحرّ، والتأنيث في هذه الصفات والأفعال راجع إلى الوجوه، والمراد أصحابها، بدليل قوله: {ليس لهم طعامٌ إِلاّ من ضريع}، وهو نبت يقال لِرَطْبِه: الشَّبرِق على وزن زِبْرج، تأكله الإبل رطباً فإذا يبس عافته، وهو الضريع، وهم سمٌّ قاتل، وفي الحديث: "حديث : الضريع شيء في النار، أمرُّ من الصبر، وأنتن من الجيفة، وأشد حَرًّا من النار" تفسير : ، وقال ابن كيسان: هو طعام يضرعون منه ويذلّون، ويتضرعون إلى الله تعالى طلباً للخلاص منه. وقال أبو الدرداء والحسن: يقبح اللهُ وجوهَ أهل النار يوم القيامة، تشبيهاً بأعمالهم الخسيسة في الدنيا، وإنَّ الله تعالى يُرسل على أهل النار الجوع, حتى يعدل عندهم ما هم فيه من العذاب، فيستغيثون، فيُغاثون بالضريع، ثم يَستغيثون فيُغاثون بطعام ذي غُصّة، فيذكرون أنهم كانوا يحيزون الغصص في الدنيا بالماء، فيستسقون، فيعطشهم ألف سنة، ثم يسقون من غين آنية شديدة الحر، لا هنيئة ولا مريئة، فكلما أدنوه من وجوههم سلخ جلودَ وجوههم وشواها، فإذا وصل إلى بطونهم قطعها، قال تعالى: {أية : فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ} تفسير : [محمد:15] هـ. والعذاب ألوان، والمعذّبون طبقات؛ فمنهم أكلة الزقوم، ومنهم أكلة الغسلين، ومنهم آكلة الضريع.. فلا تناقض. ولمَّا نزلت هذه الآية؛ قال المشركون: إنَّ إبلنا لتسمن من الضريع، فنزلت: {لا يُسمن ولا يُغني من جوع} أي: ليس مِن شأنه الإسمان والإشباع، كما هو شأن طعام أهل الدنيا، وأنما هو شيء يضطرون إلى أكله دفعاً لضرورتهم، والعياذ بالله من سخطه. الإشارة: الغاشية هي الدنيا، غشيت القلوب بظلمات محبتها، ومودتها بحظوظها وشهواتها، وجوه فيها يومئذ خاشعة، بذُلّ طلبها، عاملة بالليل والنهار في تحصيلها، ناصبة في تدبير شؤونها، لا راحة لطالبها أبداً حتى يأخذ الموت بعُنقه، تصلى نار القطيعة والبُعد تُسقى من عين حر التدبير والاختيار، ليس لطُلابها طعام لقلوبهم وأرواحهم إلاّ من ضريع شبهاتها أو حُرماتها، لا يُسمن القلب عن هزال طلبها، بل كلما زاد منها شيئاً، زاد جوعه إليها، ولا يغني الروح من جوع منها. ثم ثنَّى بأضدادهم، فقال: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ}.

الطوسي

تفسير : قرأ اهل البصرة وأبو بكر عن عاصم {تصلى} بضم التاء على ما لم يسم فاعله يعني تصلى الوجوه {ناراً حامية} الباقون بفتح التاء على أن تكون الوجوه هي الفاعلة هذا خطاب من الله تعالى للنبي صلى الله عليه وآله يقول له هل أتاك يا محمد ومعناه قد أتاك {حديث الغاشية} قال ابن عباس والحسن وقتادة: الغاشية يوم القيامة تغشى الناس بالاهوال. وقال سعيد بن جبير: الغاشية النار تغشى وجوه الكفار بالعذاب والشواظ. والغاشية المجللة لجميع الجملة، غشيت تغشى غشياناً فهي غاشية، وأغشاها غيرها إغشاء إذا جعلها تغشى. وغشاها تغشية، وتغشى بها تغشياً. وقوله {وجوه يومئذ خاشعة} معناه إن وجوه العصاة والكفار في ذلك ذليلة خاضعة من ذل المعاصي التي فعلتها في دار الدنيا. والمراد بالوجوه أصحاب الوجوه وإنما ذكر الوجوه، لأن الذل والخضوع يظهر فيها. وقوله {عاملة ناصبة} قال الحسن وقتادة: معناه لم تعمل لله في الدنيا، فاعمالها في النار. وقال قوم: معناه عاملة ناصبة في دار الدنيا بما يؤديها إلى النار، وهو مما اتصلت صفتهم في الدنيا بصفتهم في الآخرة. ومعنى الناصبة والنصبة التعبة وهي التي اضعفها الانتصاب للعمل يقال: نصب الرجل ينصب نصباً إذا تعب في العمل ثم بين تعالى ما يعمل بمن وصفه من ذوي الوجوه، فقال {تصلى ناراً حامية}. أي تلزم الاحراق بالنار الحامية التي في غاية الحرارة و {تسقى} أيضاً {من عين آنية} قال ابن عباس وقتادة: آنية بالغة النهاية في شدة الحر. وقوله {ليس لهم طعام إلا من ضريع} فالضريع نبات تأكله الابل يضر ولا ينفع كما وصفه الله {لا يسمن ولا يغني من جوع} وإنما يشتبه الامر عليهم فيتوهموا انه كغيره من النبت الذى ينفع، لان المضارعة المشابهة، ومنه أخذ الضرع وقيل: الضريع الشرق. وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة: هو سم. وقال الحسن: لا أدري ما الضريع لم أسمع من اصحاب محمد صلى الله عليه وآله فيه شيئاً. وقال قوم: ضريع بمعنى مضرع أي يضرعهم يذلهم. وقيل: من ضريع يضرع آكله في الاعفاء منه لخشونته وشدة كراهته. ثم بين وجوه المطيعين المؤمنين الذين عملوا الطاعات فقال {وجوه يومئذ ناعمة} أي منعمة في أنواع اللذات {لسعيها راضية} بما أداها اليه من الثواب والجزاء والكرامة جزاء لطاعاته التى عملها في الدنيا. وقوله {في جنة عالية} أي في بستان أجنه الشجر على الشرف والجلالة وعلو المكان والمنزلة، بمعنى أنها مشرفة على غيرها من البساتين وهي انزه ما يكون.

الجنابذي

تفسير : {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْغَاشِيَةِ} الاستفهام للتّقرير والخطاب له (ص) والمقصود تذكير غيره والغاشية الدّاهيّة الّتى تعمّ افراد النّاس، او تعمّ جميع اعضاء الانسان واجزائه، والمراد بها شدائد القيامة او نفس يوم القيامة او شدائد جهنّم.

الأعقم

تفسير : {هل أتاك} يعني قد أتاك {حديث الغاشية} وهي القيامة تغشى الناس بالأهوال، وقيل: الغاشية النار تغشى وجوه الكفار {وجوه} قيل: أراد أرباب وجوه كقوله: جاء في وجوه أي ساداتهم، وقيل: أراد الجارحة بعينها {يومئذ} يعني يوم القيامة، وقيل: أراد في النار {خاشعة} ذليلة خاضعة {عاملة} قيل: عاملة في النار {ناصبة} فيها لم تعمل لله في الدنيا ونصبهم في النار بمعاجلة السلاسل والأغلال عن الحسن وقتادة وسعيد بن جبير، وروي نحوه عن ابن عباس، وقيل: يجرون على وجوههم في النار، وقيل: خاشعة عاملة ناصبة في الدنيا يعملون وينصبون ويتعبون رجاء أن ينالوا خيراً فلما كان تعبهم في غير ما أمر الله كانوا من أهل العذاب في النار فاتصل نصبهم في الدنيا بنصبهم في الآخرة، وعن أبي علي: وقيل: هم الرهبان وأصحاب الصوامع وأهل البدع {تصلى ناراً حامية} قيل: يلزمون النار {تسقى من عين آنية} بلغت الغاية في شدة الحر قيل: لما نزل قوله: {ليس لهم طعام إلاَّ من ضريع} قالت قريش: إن إبلنا تسمن من الضريع فنزل: {لا يسمن ولا يغني من جوع} والضريع نبت تأكله الإِبل يضر ولا ينفع وإنما تشتبه عليها مرة فتظنها كغيره من النبت وأصله من المضارعة والمشابهة، وقيل: الضريع السبرق وهو سم، وقيل: هو شجر من نار، وقيل: في الدنيا الشوك اليابس وفي الآخرة شوك من نار {لا يسمن ولا يغني من جوع} أي لا يدفع جوعاً ولا يسمن أحداً، ثم وصف أهل الجنة فقال: {وجوه يومئذ ناعمة} أي يظهر عليها أثر النعمة والسرور {لسعيها راضية} أي رضيت بما عملت في الدنيا من الطاعات {لا يُسمع فيها} بياء مضمومة {لاغية} رفع ابن كثير وأبو عمرو وتُسمع بتاء مضمومة أيضاً نافع، وقرأ حمزة والكسائي تَسمع بتاء مفتوحة لاغيةً بالنصب، ومعنى لاغية كلاماً لا فائدة فيه، وقيل: كلاماً يؤذيهم، ثم وصف حال الجنة فقال سبحانه: {فيها عين جارية}، قيل: تجري كما يريد صاحبها، وقيل: جارية من كل الشراب {فيها سرر مرفوعة} أي رفيع القدر لأهلها حتى لا يحتاج إلى الصعود {وأكواب موضوعة} قيل: على حافات الأعين الجارية كلما أرادوا شربها وجدوها مملوءة، والأكواب جمع كوب وهي الأباريق ليس لها خرطوم وهي آنية فاخرة حسنة الصور ولا خراطيم لها {ونمارق} قيل: وسائد {مصفوفة} بعضها إلى بعض {وزرابي مبثوثة} قيل: البسط الفاخرة، وقيل: الطنافس، وقوله: {مبثوثة} مبسوطة، وقيل: مفروقة في المجالس.

الهواري

تفسير : تفسير سورة الغاشية وهي مكية كلها. {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله تعالى: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ} تفسير الحسن: الغاشية: القيامة تغشى الناس بعذابها وعقابها. وتفسير الكلبي: الغاشية غاشية النار. قال تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ} أي: ذليلة، يعني وجوه أهل النار. {تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً} أي: حارة. كقوله عز وجل: (أية : يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ ءَانٍ) تفسير : [الرحمن:44]؛ فهم في عناء وفي معالجة السلاسل والأغلال. وكان ابن عباس يقرأ هذه الآية في حم (أية : إِذِ الأَغْلاَلُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاَسِلُ يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمِ)تفسير : [غافر:71] وكان يقول: إذا سحبوها فهو أشد عليهم. قال تعالى: {تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ} قال الحسن: أنى حرها فاجتمع. قد أوقد عليها منذ خلق الله السماوات والأرض. وقال بعضهم: الآنى الذي قد انتهى حره. وقال مجاهد: بلغ أناها وحان شربها. وقال تعالى: {لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ}. تفسير مجاهد: الضريع: اليابس. وقال الكلبي: هو الشبرق الذي ينبت في الربيع تأكله الإِبل أخضر؛ فإذا كان في الصيف يبس فلم تذقه، يدعى بلسان قريش الضريع؛ فإذا كان عليه ورقه فهو الشبرق، وإذا تساقط عليه ورقه فهو الضريع.

اطفيش

تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم {هَلْ} قال بعض المفسرين بمعنى قد والتحقيق أنها للتقرير والتوقيف تحريكا لنفس السامع الى تلقي الخبر *{أَتَاكَ حَدِيثُ الغَاشِيَةِ} القيامة لأنها تغشى الناس بأهوالها أي تعلوهم وتغطيهم أو النار كما قال وتغشى وجوههم النار ومن فوقهم غواش وعلى الأول الحسن وعلى الثاني الكلبي.

اطفيش

تفسير : {هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ الغَاشِيَةِ} أى قصتها وهل للاستفهام التعجيبى التشويقى إلى جوابه كما إذا أردت إخبار أحد بأَمر عجيب فقلت هل علمت ما وقع ليقول لا فتخبره به ومر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على امرأة تقرأ هل أتاك حديث الغاشية فأَقام يستمع لها ويقول نعم قد جاءَنى وذلك أنه استمع لها بعد نزول ما بعد هذا وفى قوله نعم إخبار بأن هل استفهام لا بمعنى قد كما قال قطرب وذلك كما يقول الرجل هل قام زيد فتقول نعم قام وفى الحديث جواز استماع كلام المرأة الأجنبية إذا لم تكن الريبة، والغاشية القيامة تغشى الناس بأَهوالها كثوب غطى أحداً لا النار كما قال محمد بن كعب، وقوله عز وجل ومن فوقهم غواش وإنما قلت ذلك لاشتمال جواب هذا الاستفهام على أحوال أهل الجنة أيضاً اللهم إلا أن يقال هذا من الأَجوبة المشتملة على الزيادة على السؤال كقوله تعالى {أية : هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها..} تفسير : [طه: 18] الخ إلاَّ أن الأصل عدم الزيادة وكأنه - صلى الله عليه وسلم - قال لم يأتنى كما قال ابن عباس أو اعتبر أنه سكت فأَخبره الله تعالى بحديثها فى قوله: {وُجُوهٌ} الخ وقدم ذكر أهل النار لأَنه أدخل فى تهويل الغاشية ولأَن ذكر حسن أهل الجنة بعد سواد أهل النار يزيد حسناً وبهجة ويقدر مضاف أى أصحاب وجوه لأَن العامل الناصب هو الكافر لا خصوص وجهه أو سمى الكل باسم الجزءِ أو ترد الضمائر كلها للوجوه ومثل هذا الاستفهام التعجبى وجوابه يقع ولو مع علم المسؤل إلهابا له على التعجب وليسمع ما لم يعلم وهو مبتدأ للتنويع وخاشعة وعاملة وناصبة أخبار ثلاثة أو خاشعة نعت وما بعده خبران أو خاشعة عاملة نعتان وناصبة خبر أو كلها نعوت وتصلى ناراً خبر {يَوْمَئِذٍ} يوم إذ غشيت متعلق بقوله {خَاشِعَةٌ} لا نعت لأَنه لا يخبر عن الذات ولا توصف بالزمان إلاَّ إن أفاد وكذا الحال به والخشوع ذل القلب لكن وصفت به الوجوه لظهور أثره عليها وكذا وصف الإنسان به كما قيل التقدير أصحاب وجوه قال الله تعالى {أية : خاشعين من الذل} تفسير : [الشورى: 45]، وقيل وصف الإنسان بالذل حقيقة وفى التعبير بالخشوع والعمل والنصب تلويح بأَنها لم تخشع لله تعالى فى الدنيا ولم تعمل له ولم تتعب وقت ينفع الخشوع والعمل والنصب {عَامِلَةٌ} تجر السلاسل والأَغلال وتصعد فى جبالها من حديد وتهبط جزاء على التكبر فى الدنيا عن عمل الطاعة لله عز وجل {نَّاصِبَةٌ} تعبة بتلك الأعمال عقاباً على عملها ونصبها فى الدنيا لما هو معصية وذلك كعبادة الأَصنام وعبادة أهل الكتاب رهبانهم واشتغالهم عن الفرض وصدهم عن الدين، وعن زيد بن أسلم الخشوع يوم القيامة والعمل والنصب فى الدنيا أى عملت ونصبت فى الدنيا بما لا ينفعها فى الآخرة بل بما يهلكها، وهو رواية عن ابن عباس وكأَنه قيل خاشعة يوم القيامة عاملة فى الدنيا ناصبة فيها وهو بعيد وأبعد منه قول عكرمة خاشعة يوم القيامة عاملة فى الدنيا ناصبة يوم القيامة لجعل دنيوى بين أخرويين، والصواب جعل الكل فى الآخر كما قال يومئذ فيومئذ منسحب على الثلاثة كأنه قيل خاشعة يومئذ عاملة يومئذ ناصبة يومئذ فحذف لدليل، وقيل الثلاثة فى الدنيا على معنى ظهر لهم يوم القيامة خشوعهم فى الدنيا وعملهم فيها ونصبهم فيها على وجه غير نافع بل ضار وقد كانوا يحسبون أنهم يحسنون صنعاً وهذا أبعد من القولين قبله وهؤلاء عباد اليهود والنصارى والعباد من أهل الضلال المماثلون لهم وفى الحديث حديث : من أحدث فى أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردتفسير : ، ويروى حديث : من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد .

الالوسي

تفسير : قيل {هَلْ} بمعنى قد وهو ظاهر كلام قطرب حيث قال: أي قد جاءك يا محمد حديث الغاشية والمختار أنه للاستفهام وهو استفهام أريد به التعجيب مما في حيزه والتشويق إلى استماعه والإشعار بأنه من الأحاديث البديعة التي حقها أن تتناقلها الرواة ويتنافس في تلقنها الوعاة وأخرج ابن أبـي حاتم عن عمرو بن ميمون قال حديث : مر النبـي صلى الله عليه وسلم على امرأة تقرأ {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْغَـٰشِيَةِ } فقام عليه الصلاة والسلام يستمع ويقول نعم قد جاءنيتفسير : . والغاشية القيامة كما قال سفيان والجمهور وأطلق عليها ذلك لأنها تغشى الناس بشدائدها وتكتنفهم بأهوالها. وقال محمد بن كعب وابن جبير هي النار من قوله تعالى: {أية : وَتَغْشَىٰ وُجُوهَهُمْ ٱلنَّارُ}تفسير : [إبراهيم: 50] وقوله سبحانه: {أية : وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ}تفسير : [الأعراف: 41] وليس بذاك فإن ما سيروى من حديثها ليس مختصاً بالنار وأهلها بل ناطق بأحوال أهل الجنة أيضاً.

سيد قطب

تفسير : هذه السورة واحدة من الإيقاعات العميقة الهادئة. الباعثة إلى التأمل والتدبر، وإلى الرجاء والتطلع، وإلى المخافة والتوجس، وإلى عمل الحساب ليوم الحساب! وهي تطوّف بالقلب البشري في مجالين هائلين: مجال الآخرة وعالمها الواسع، ومشاهدها المؤثرة. ومجال الوجود العريض المكشوف للنظر، وآيات الله المبثوثة في خلائقه المعروضة للجميع. ثم تذكرهم بعد هاتين الجولتين بحساب الآخرة، وسيطرة الله، وحتمية الرجوع إليه في نهاية المطاف.. كل ذلك في أسلوب عميق الإيقاع، هادئ، ولكنه نافذ. رصين ولكنه رهيب! {هل أتاك حديث الغاشية؟}.. بهذا المطلع تبدأ السورة التي تريد لترد القلوب إلى الله، ولتذكرهم بآياته في الوجود، وحسابه في الآخرة وجزائه الأكيد. وبهذا الاستفهام الموحي بالعظمة الدال على التقرير؛ الذي يشير في الوقت ذاته إلى أن أمر الآخرة مما سبق به التقرير والتذكير. وتسمى القيامة هذا الاسم الجديد: {الغاشية}.. أي الداهية التي تغشى الناس وتغمرهم بأهوالها. وهو من الأسماء الجديدة الموحية التي وردت في هذا الجزء.. الطامة.. الصاخة.. الغاشية.. القارعة.. مما يناسب طبيعة هذا الجزء المعهودة. وهذا الخطاب: {هل أتاك..؟} كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يحس وقع توجيهه إلى شخصه، حيثما سمع هذه السورة، وكأنما يتلقاه أول مرة مباشرة من ربه، لشدة حساسية قلبه بخطاب الله ـ سبحانه ـ واستحضاره لحقيقة الخطاب، وشعوره بأنه صادر إليه بلا وسيط حيثما سمعته أذناه.. قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا أبو بكر بن عباس، عن أبي إسحاق، عن عمر ابن ميمون، قال: مر النبي ـ صلى الله عليه وسلم على امرأة تقرأ: {هل أتاك حديث الغاشية؟} فقام يستمع ويقول: "حديث : نعم قد جاءني ".. تفسير : والخطاب ـ مع ذلك ـ عام لكل من يسمع هذا القرآن. فحديث الغاشية هو حديث هذا القرآن المتكرر. يذكر به وينذر ويبشر؛ ويستجيش به في الضمائر الحساسية والخشية والتقوى والتوجس؛ كما يثير به الرجاء والارتقاب والتطلع. ومن ثم يستحيي هذه الضمائر فلا تموت ولا تغفل. {هل أتاك حديث الغاشية؟}.. ثم يعرض شيئاً من حديث الغاشية: {وجوه يومئذ خاشعة. عاملة ناصبة. تصلى ناراً حامية. تسقى من عين آنية. ليس لهم طعام إلا من ضريع. لا يسمن ولا يغني من جوع}.. إنه يعجل بمشهد العذاب قبل مشهد النعيم؛ فهو أقرب إلى جو {الغاشية} وظلها.. فهناك: يومئذ وجوه خاشعة ذليلة متعبة مرهقة؛ عملت ونصبت فلم تحمد العمل ولم ترض العاقبة، ولم تجد إلا الوبال والخسارة، فزادت مضضاً وإرهاقاً وتعباً، فهي: {عاملة ناصبة}.. عملت لغير الله، ونصبت في غير سبيله. عملت لنفسها ولأولادها. وتعبت لدنياها ولأطماعها. ثم وجدت عاقبة العمل والكد. وجدته في الدنيا شقوة لغير زاد. ووجدته في الآخرة سواداً يؤدي إلى العذاب. وهي تواجه النهاية مواجهة الذليل المرهق المتعوس الخائب الرجاء! ومع هذا الذل والرهق العذاب والألم: {تصلى ناراً حامية} وتذوقها وتعانيها. {تسقى من عين آنية}.. حارة بالغة الحرارة.. {ليس لهم طعام إلا من ضريع لا يسمن ولا يغني من جوع}.. والضريع قيل: شجر من نار في جهنم. استناداً إلى ما ورد عن شجرة الزقوم التي تنبت في أصل الجحيم. وقيل: نوع من الشوك اللاطئ بالأرض، ترعاه الإبل وهو أخضر، ويسمى "الشبرق" فإذا جني صار اسمه "الضريع" ولم تستطع الإبل مذاقه فهو عندئذ سام! فهذا أو ذاك هو لون من ألوان الطعام مع الغسلين والغساق وباقي هذه الألوان التي لا تسمن ولا تغني من جوع! وواضح أننا لا نملك في الدنيا أن ندرك طبيعة هذا العذاب في الآخرة. إنما تجيء هذه الأوصاف لتلمس في حسنا البشري أقصى ما يملك تصوره من الألم، الذي يتجمع من الذل والوهن والخيبة ومن لسع النار الحامية، ومن التبرد والارتواء بالماء الشديد الحرارة! والتغذي بالطعام الذي لا تقوى الإبل على تذوقه، وهو شوك لا نفع فيه ولا غناء.. من مجموعة هذه التصورات يتجمع في حسنا إدراك لأقصى درجات الألم. وعذاب الآخرة بعد ذلك أشد,. وطبيعته لا يتذوقها إلا من يذوقها والعياذ بالله! وعلى الجانب الآخر: {وجوه يومئذ ناعمة. لسعيها راضية: في جنة عالية. لا تسمع فيها لاغية. فيها عين جارية. فيها سرر مرفوعة. وأكواب موضوعة. ونمارق مصفوفة. وزرابي مبثوثة}.. فهنا وجوه يبدو فيها النعيم. ويفيض منها الرضى. وجوه تنعم بما تجد، وتحمد ما عملت. فوجدت عقباه خيراً، وتستمتع بهذا الشعور الروحي الرفيع. شعور الرضى عن عملها حين ترى رضى الله عنها. وليس أروح للقلب من أن يطمئن إلى الخير ويرضى عاقبته، ثم يراها ممثلة في رضى الله الكريم. وفي النعيم. ومن ثم يقدم القرآن هذا اللون من السعادة على ما في الجنة من رخاء ومتاع، ثم يصف الجنة ومناعمها المتاحة لهؤلاء السعداء: {في جنة عالية}.. عالية في ذاتها رفيعة مجيدة. ثم هي عالية الدرجات. وعالية المقامات. وللعلو في الحس إيقاع خاص. {لا تسمع فيها لاغية}.. ويطلق هذا التعبير جواً من السكون والهدوء والسلام والاطمئنان والود والرضى والنجاء والسمر بين الأحباء والأوداء، والتنزه والارتفاع عن كل كلمة لاغية، لا خير فيها ولا عافية.. وهذه وحدها نعيم. وهذه وحدها سعادة. سعادة تتبين حين يستحضر الحس هذه الحياة الدنيا، وما فيها من لغو وجدل وصراع وزحام ولجاج وخصام وقرقعة وفرقعة. وضجة وصخب، وهرج ومرج. ثم يستسلم بعد ذلك لتصور الهدوء والأمن والسلام الساكن والود الرضي والظل الندي في العبارة الموحية: {لا تسمع فيها لاغية} وألفاظها ذاتها تنسم الروح والندى وتنزلق في نعومة ويسر، وفي إيقاع موسيقي ندي رخي! وتوحي هذه اللمسة بأن حياة المؤمنين في الأرض وهم ينأون عن الجدل واللغو، هي طرف من حياة الجنة، يتهيأون بها لذلك النعيم الكريم. وهكذا يقدم الله من صفة الجنة هذا المعنى الرفيع الكريم الوضيء. ثم تجيء المناعم التي تشبع الحس والحواس. تجيء في الصورة التي يملك البشر تصورها. وهي في الجنة مكيفة وفق ما ترتقي إليه نفوس أهل الجنة. مما لا يعرفه إلا من يذوقه! {فيها عين جارية}.. والعين الجارية: الينبوع المتدفق. وهو يجمع إلى الري الجمال. جمال الحركة والتدفق والجريان. والماء الجاري يجاوب الحس بالحيوية وبالروح التي تنتفض وتنبض! وهو متعة للنظر والنفس من هذا الجانب الخفي، الذي يتسرب إلى أعماق الحس. {فيها سرر مرفوعة}.. والارتفاع يوحي بالنظافة كما يوحي بالطهارة.. {وأكواب موضوعة}.. مصفوفة مهيأة للشراب لا تحتاج إلى طلب ولا إعداد‍ {ونمارق مصفوفة}.. والنمارق الوسائد والحشايا للاتكاء في ارتياح! {وزرابي مبثوثة}.. والزرابي البسط ذات الخمل "السجاجيد" مبثوثة هنا وهناك للزينة وللراحة سواء‍‍! وكلها مناعم مما يشهد الناس له أشباها في الأرض. وتذكر هذه الأشياء لتقريبها إلى مدارك أهل الأرض. أما طبيعتها وطبيعة المتاع بها فهي موكولة إلى المذاق هناك. للسعداء الذين يقسم الله لهم هذا المذاق! ومن اللغو الدخول في موازنات أو تحقيقات حول طبيعة النعيم ـ أو طبيعة العذاب ـ في الآخرة. فإدراك طبيعة شيء ما متوقف على نوع هذا الإدراك. وأهل الأرض يدركون بحس مقيد بظروف هذه الأرض وطبيعة الحياة فيها. فإذا كانوا هناك رفعت الحجب وأزيلت الحواجز وانطلقت الأرواح والمدارك، وتغيرت مدلولات الألفاظ ذاتها بحكم تغير مذاقها، وكان ما سيكون، مما لا نملك أن ندرك الآن كيف يكون! إنما نفيد من هذه الأوصاف أن يستحضر أقصى ما يطيقه من صور اللذاذة والحلاوة والمتاع. وهو ما نملك تذوقه ما دمنا هنا. حتى نعرف حقيقته هناك. حين يكرمنا الله بفضله ورضاه. وتنتهي هذه الجولة في العالم الآخر، فيؤوب منها إلى هذا الوجود الظاهر. الحاضر. الموحي بقدرة القادر وتدبير المدبر، وتميز الصنعة، وتفرد الطابع. الدال على أن وراء التدبير والتقدير أمراً بعد هذه الحياة، وشأناً غير شأن الأرض. وخاتمة غير خاتمة الموت: {أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت، وإلى السماء كيف رفعت، وإلى الجبال كيف نصبت، وإلى الأرض كيف سطحت؟}.. وتجمع هذه الآيات الأربعة القصار، أطراف بيئة العربي المخاطب بهذا القرآن أول مرة. كما تضم أطراف الخلائق البارزة في الكون كله. حين تتضمن السماء والأرض والجبال والجمال (ممثلة لسائر الحيوان) على مزية خاصة بالإبل في خلقها بصفة عامة وفي قيمتها للعربي بصفة خاصة. إن هذه المشاهد معروضة لنظر الإنسان حيثما كان.. السماء والأرض والجبال والحيوان.. وأياً كان حظ الإنسان من العلم والحضارة فهذه المشاهد داخلة في عالمه وإدراكه. موحية له بما وراءها حين يوجه نظره وقلبه إلى دلالتها. والمعجزة كامنة في كل منها. وصنعة الخالق فيها معلمة لا نظير لها. وهي وحدها كافية لأن توحي بحقيقة العقيدة الأولى. ومن ثم يوجه القرآن الناس كافة إليها: {أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت؟}.. والإبل حيوان العربي الأول. عليها يسافر ويحمل. ومنها يشرب ويأكل. ومن أوبارها وجلودها يلبس وينزل. فهي مورده الأول للحياة. ثم إن لها خصائص تفردها من بين الحيوان. فهي على قوتها وضخامتها وضلاعة تكوينها ذلول يقودها الصغير فتنقاد، وهي على عظم نفعها وخدمتها قليلة التكاليف. مرعاها ميسر، وكلفتها ضئيلة، وهي أصبر الحيوان المستأنس على الجوع والعطش والكدح وسوء الأحوال.. ثم إن لهيئتها مزية في تناسق المشهد الطبيعي المعروض كما سيجيء.. لهذا كله يوجه القرآن أنظار المخاطبين إلى تدبر خلق الإبل؛ وهي بين أيديهم، لا تحتاج منهم إلى نقلة ولا علم جديد.. {أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت؟}.. أفلا ينظرون إلى خلقتها وتكوينها؟ ثم يتدبرون: كيف خلقت على هذا النحو المناسب لوظيفتها، المحقق لغاية خلقها، المتناسق مع بيئتها ووظيفتها جميعاً! إنهم لم يخلقوها. وهي لم تخلق نفسها، فلا يبقى إلا أن تكون من إبداع المبدع المتفرد بصنعته، التي تدل عليه، وتقطع بوجوده؛ كما تشي بتدبيره وتقديره. {وإلى السماء كيف رفعت؟}.. وتوجيه القلب إلى السماء يتكرر في القرآن. وأولى الناس بأن يتوجهوا إلى السماء هم سكان الصحراء. حيث للسماء طعم ومذاق، وإيقاع وإيحاء، كأنما ليست السماء إلا هناك في الصحراء! السماء بنهارها الواضح الباهر الجاهر. والسماء بأصيلها الفاتن الرائق الساحر. والسماء بغروبها البديع الفريد الموحي. والسماء بليلها المترامي ونجومها المتلألئة وحديثها الفاتر. والسماء بشروقها الجميل الحي السافر. هذه السماء. في الصحراء.. أفلا ينظرون إليها؟ أفلا ينظرون إليها كيف رفعت؟ من ذا رفعها بلا عمد؟ ونثر فيها النجوم بلا عدد؟ وجعل فيها هذه البهجة وهذا الجمال وهذا الإيحاء؟ إنهم لم يرفعوها وهي لم ترفع نفسها. فلا بد لها من رافع ولا بد لها من مبدع. لا يحتاج الأمر إلى علم ولا إلى كد ذهن. فالنظرة الواعية وحدها تكفي.. {وإلى الجبال كيف نصبت؟}.. والجبال عند العربي ـ بصفة خاصة ـ ملجأ وملاذ، وأنيس وصاحب، ومشهدها يوحي إلى النفس الإنسانية ـ بصفة عامة ـ جلالاً واستهوالاً. حيث يتضاءل الإنسان إلى جوارها ويستكين، ويخشع للجلال السامق الرزين. والنفس في أحضان الجبل تتجه بطبيعتها إلى الله؛ وتشعر أنها إليه أقرب، وتبعد عن واغش الأرض وضجيجها وحقاراتها الصغيرة. ولم يكن عبثاً ولا مصادفة أن يتحنث محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ في غار حراء في جبل ثور. وأن يتجه إلى الجبل من يريدون النجوة بأرواحهم فترات من الزمان! والجبال هنا {كيف نصبت} لأن هذه اللمحة تتفق من الناحية التصويرية مع طبيعة المشهد كما سيجيء. {وإلى الأرض كيف سطحت؟}.. والأرض مسطوحة أمام النظر، ممهدة للحياة والسير والعمل، والناس لم يسطحوها كذلك. فقد سحطت قبل أن يكونوا هم.. أفلا ينظرون إليها ويتدبرون ما وراءها، ويسألون: من سطحها ومهدها هكذا للحياة تمهيداً؟ إن هذه المشاهد لتوحي إلى القلب شيئاً. بمجرد النظر الواعي والتأمل الصاحي. وهذا القدر يكفي لاستجاشة الوجدان واستحياء القلب. وتحرك الروح نحو الخالق المبدع لهذه الخلائق. ونقف وقفة قصيرة أمام جمال التناسق التصويري لمجموعة المشهد الكوني لنرى كيف يخاطب القرآن الوجدان الديني بلغة الجمال الفني، وكيف يعتنقان في حس المؤمن الشاعر بجمال الوجود.. إن المشهد الكلي يضم مشهد السماء المرفوعة والأرض المبسوطة. وفي هذا المدى المتطاول تبرز الجبال {منصوبة} السنان لا راسية ولا ملقاة، وتبرز الجمال منصوبة السنام.. خطان أفقيان وخطان رأسيان في المشهد الهائل في المساحة الشاسعة. ولكنها لوحة متناسقة الأبعاد والاتجاهات! على طريقة القرآن في عرض المشاهد، وفي التعبير بالتصوير على وجه الإجمال. والآن بعد الجولة الأولى في عالم الآخرة، والجولة الثانية في مشاهد الكون المعروضة، يلتفت إلى الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يوجهه إلى حدود واجبه وطبيعة وظيفته، ويلمس قلوبهم اللمسة الأخيرة الموقظة: {فذكر إنما أنت مذكر. لست عليهم بمسيطر. إلا من تولى وكفر. فيعذبه الله العذاب الأكبر. إن إلينا إيابهم. ثم إن علينا حسابهم}.. فذكر بهذا وذاك. ذكرهم بالآخرة وما فيها. وذكرهم بالكون وما فيه. إنما أنت مذكر. هذه وظيفتك على وجه التحديد. وهذا دورك في هذه الدعوة، ليس لك ولا عليك شيء وراءه. عليك أن تذكر. فإنك ميسر لهذا ومكلف إياه. {لست عليهم بمسيطر}.. فأنت لا تملك من أمر قلوبهم شيئاً. حتى تقهرها وتقسرها على الإيمان. فالقلوب بين أصابع الرحمن، لا يقدر عليها إنسان. فأما الجهاد الذي كتب بعد ذلك فلم يكن لحمل الناس على الإيمان. إنما كان لإزالة العقبات من وجه الدعوة لتبلغ إلى الناس. فلا يمنعوا من سماعها. ولا يفتنوا عن دينهم إذا سمعوها. كان لإزالة العقبات من طريق التذكير. الدور الوحيد الذي يملكه الرسول. وهذا الإيحاء بأن ليس للرسول من أمر هذه الدعوة شيء إلا التذكير والبلاغ يتكرر في القرآن لأسباب شتى. في أولها إعفاء أعصاب الرسول من حمل هم الدعوة بعد البلاغ، وتركها لقدر الله يفعل بها ما يشاء. فإلحاح الرغبة البشرية بانتصار دعوة الخير وتناول الناس لهذا الخير، إلحاح عنيف جداً يحتاج إلى هذا الإيحاء المتكرر بإخراج الداعية لنفسه ولرغائبه هذه من مجال الدعوة، كي ينطلق إلى أدائها كائنة ما كانت الاستجابة، وكائنة ما كانت العاقبة. فلا يعني نفسه بهمّ من آمن وهمّ من كفر. ولا يشغل باله بهذا الهم الثقيل حين تسوء الأحوال من حول الدعوة، وتقل الاستجابة، ويكثر المعرضون والمخاصمون. ومما يدل على إلحاح الرغبة البشرية في انتصار دعوة الله وتذوق الناس لما فيها من خير ورحمة، هذه التوجيهات المتكررة للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو من هو تأدباً بأدب الله ومعرفة لحدوده ولقدر الله.. ومن ثم اقتضى إلحاح هذه الرغبة هذا العلاج الطويل المتكرر في شتى الأحيان.. ولكن إذا كان هذا هو حد الرسول، فإن الأمر لا ينتهي عند هذا الحد. ولا يذهب المكذبون ناجين، ولا يتولون سالمين. إن هنالك الله وإليه تصير الأمور: {إلا من تولى وكفر. فيعذبه الله العذاب الأكبر}.. وهم راجعون إلى الله وحده قطعاً، وهو مجازيهم وحده حتماً. وهذا هو الإيقاع الختامي في السورة في صيغة الجزم والتوكيد. {إن إلينا إيابهم. ثم إن علينا حسابهم}.. بهذا يتحدد دور الرسول في هذه الدعوة. ودور كل داعية إليها بعده.. إنما أنت مذكر وحسابهم بعد ذلك على الله. ولا مفر لهم من العودة إليه، ولا محيد لهم من حسابه وجزائه. غير أنه ينبغي أن نفهم أن من التذكير إزالة العقبات من وجه الدعوة لتبلغ إلى الناس وليتم التذكير. فهذه وظيفة الجهاد كما تفهم من القرآن ومن سيرة الرسول سواء، بلا تقصير فيها ولا اعتداء..

ابن عاشور

تفسير : الافتتاح بالاستفهام عن بلوغ خبر الغاشية مستعمل في التشويق إلى معرفة هذا الخبر لما يترتب عليه من الموعظة. وكونُ الاستفهام بــــ {هل} المفيدة معنى (قد)، فيه مزيد تشويق فهو استفهام صوري يكنى به عن أهمية الخبر بحيث شأنه أن يكون بلَغ السامع، وقد تقدم نظيره في قوله تعالى: { أية : وهل أتاك نبؤا الخصم } تفسير : في سورة ص (21). وقوله: { أية : هل أتاك حديث موسى } تفسير : في سورة النازعات (15). وتقدم هنالك إطلاق فعل الإِتيان على فشو الحديث. وتعريف ما أضيف إليه حديث} بوصفه {الغاشية} الذي يقتضي موصوفاً لم يذكر هو إبهام لزيادة التشويق إلى بيانه الآتي ليتمكن الخبر في الذهن كمال تمكُّن. والحديث: الخبر المتحدَّث به وهو فعيل بمعنى مفعول، أو الخبر الحاصل بحدثان أي ما حدث من أحوال. وتقدم في سورة النازعات. و{الغاشية}: مشتقة من الغشيان وهو تغطية متمكنة وهي صفة أريد بها حادثة القيامة سميت غاشية على وجه الاستعارة لأنها إذا حصلت لم يجد الناس مَفراً من أهوالها فكأنها غاشٍ يغشى على عقولهم. ويطلق الغشيان على غيبوبة العقل فيجوز أن يَكون وصف الغاشية مشتقاً منه. ففهم من هذا أن الغاشية صفة لمحذوف يدل عليه السياق وتأنيث الغاشية لتأويلها بالحادثة ولم يستعملوها إلا مؤنثة اللفظ والتأنيث كثير في نقل الأوصاف إلى الإسمية مثل الداهية والطامة والصاخة والقارعة والآزفة. و{الغاشية} هنا: علم بالغلبة على ساعة القيامة كما يؤذن بذلك قوله عقبه { أية : وجوه يومئذ } تفسير : [الغاشية: 2] أي يوم الغاشية.

الشنقيطي

تفسير : الكلام في {هَلْ} هنا، كالكلام في {هَلْ} التي في أول سورة الإنسان، أنها استفهامية أو أنها بمعنى قد؟ ورجّح أبو السعود وغيره أنها استفهامية للفت النظر وشدة التعجب والتنويه، بشأن هذا الحديث، وهو مروي عن ابن عباس قال: رضي الله عنه: "حديث : لم يكن أتاه فأخبره به" تفسير : وحديث الغاشية هو خبرها الذي يتحدث عنها. والغاشية قال أبو حيان: أصلها في اللغة: الداهية تغشى الناس، واختلف في المراد بها هنا، فقيل: يوم القيامة. وقيل: النار. واستدل كل قائل بنصوص. فمن الأول قوله: {أية : يَوْمَ يَغْشَاهُمُ ٱلْعَذَابُ} تفسير : [العنكبوت: 55]. قال الفخر الرازي. وإنما سميت القيامة بها الاسم، لأن ما أحاط بالشيء من جميع جهاته فهو غاش له، والقيامة كذلك من وجوه. الأول، أنها ترد على الخلق بغتة، وهو كقوله: {أية : أَفَأَمِنُوۤاْ أَن تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِّنْ عَذَابِ ٱللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةً} تفسير : [يوسف: 107]. والثاني: أنها تغشى الناس جميعاً من الأولين والآخرين. والثالث: أنها تغشى الناس بالأهوال والشدائد. ومن استدلالهم على أنها النار، قوله تعالى: {أية : وَتَغْشَىٰ وُجُوهَهُمْ ٱلنَّارُ} تفسير : [إبراهيم: 50]. وقيل الغاشية: أهل النار يغشونها أي يدخلونها، فالغاشية كالدافة في حديث الأضاحي. وقال الطبري: والراجح عندي أن الله تعالى أطلق ليعم، فيجب أن تطلق ليعم أيضاً. والذي يظهر رجحانه والله تعالى أعلم: أنها في عموم القيامة وليس في خصوص النار، فالنار من أهوال ودواهي القيامة، وهو ما يشهد له القرآن في هذا السياق من عدة وجوه، ومنها: أنه جاء بعدها قوله: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ} [الغاشية: 2]، ويوم أنسب للقيامة منه للنار. ومنها: التصريح بعد ذلك، بأن من كانت تلك صفاتهم تصلى ناراً حامية، مما يدل على أن الغاشية شيء آخر سوى النار الحامية. ومنها: أن التعميم ليوم القيامة يشمل جميع الخلائق، وهو الأنسب بالموقف، ثم ينجي الله الذين اتقوا. وقد بين الله تعالى قسيم هذا الصنف، منا يدل على أن الحديث المراد إلغاؤه، إنما هو عن حالة عموم الموقف. قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ * تَصْلَىٰ نَاراً حَامِيَةً} الآيات. اتفقوا على أن يومئذٍ، يعنى يوم القيامة. وقال ابن حيان: والتنوين فيه تنوين فيه تنوين عوض. وهو تنوين عوض عن جملة، ولم تتقدم جملة تصلح أن يكون التنوين عوضاً عنها، ولكن لما تقدم لفظ الغاشية. وأل موصولة باسم الفاعل، فتنحل للتي غشيت أي للداهية التي غشيت، فالتنوين عوض من هذه الجملة التي انحل لفظ الغاشية إليها، وإلى الموصول الذي هو التي، وهذا مما يرجح ويؤيد ما قدمناه، من أن الغاشية هي القيامة. وجوه يومئذٍ خاشعة، بمعنى ذليلة. قال أبو السعود: وهذا وما بعده وقع جواباً عن سؤال، نشا من الاستفهام التشويقي المتقدم، كأنه قيل من جانبه صلى الله عليه وسلم "حديث : ما أتاني حديثها، فأخبره الله تعالى. فقال: وجوه" تفسير : إلخ. قال: ولا بأس بتنكيرها لأنها في موقع التنويع، اي سوغ الابتداء بالنكرة كونها في موقع التنويع: وجوه كذا، ووجوه كذا. وخاشعة: خبر المبتدأ، أي وما بعده من صفاتهم. وقوله: {عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ} العمل معروف، والنصب: التعب، وقد اختلف في زمن العمل والنصب هذين، هل هو كان منها في الدنيا أم هو واقع منهم فعلاً في الآخرة، وما هو على كلا التقديرين: فالذين قالوا: هو كان منهم في الدنيا، منهم من قال: عمل ونصب في العبادات الفاسدة كعمل الرهبان والقسيسين والمبتدعة الضالين، فلم ينفعهم يوم القيامة، أي كما في قوله: {أية : وَقَدِمْنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً} تفسير : [الفرقان: 23]. ومنهم من قال: عمل ونصب والتذ، فيما لا يرضى الله، فعامله الله بنقيض قصده في الآخرة، ولكن هذا الوجه ضعفه ظاهر، لأن من هذه حالهم لا يعدون في عمل ونصب بل في متعة ولذة. والذين قالوا: سيقع منهم بالفعل يوم القيامة، اتفقوا على أنه عمل ونصب في النار من جر السلاسل، عياذاً بالله. وصعودهم وهبوطهم الوهاد والوديان، أي كما في قوله: {أية : سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً} تفسير : [المدثر: 17]، وقوله: {أية : وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً} تفسير : [الجن: 17]. وقد ذكر الفخر الرازي تقسيماً ثلاثياً، فقال: إما أن يكون ذلك كله في الدنيا أو كله في الآخرة، أو بعضه في الدنيا وبعضه في الآخرة، ولم يرجح قسماً منها إلا أن وجه القول بأنها في الدنيا وهي في القسيسين، ونحوهم. فقال: لما نصبوا في عبادة إله وصفوه بما ليس متصفاً به، وإنما تخيلوه تخيلاً أي بقولهم {أية : ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ} تفسير : [المائدة: 73] وقولهم: {أية : عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ} تفسير : [التوبة: 30]، فكانت عبادتهم لتلك الذات المتخيلة لا لحقيقة الإله سبحانه. ولا يبعد أن يقال على هذا الوجه: إن من كان ممن لا ينطق بالشهادتين ويعمل على جهالة فيما لا يعذر بجهله أن يخشى عليه من هذه الآية، كما يخشى على من يعمل على علم، ولكن في بدعة وضلالة. ومما يشهد للأول حديث المسيء صلاته. ولأثر حذيفة "رأى رجلاً يصلي فطفق فقال له: منذ كم تصلي هذه الصلاة؟ قال منذ أربعين سنة. قال له: ما صليت منذ أربعين سنة ولو مت على ذلك، مت على غير فطرة محمد صلى الله عليه وسلم". والأحاديث الواردة في ذلك على سبيل العمومات مثل قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من عمل عملاً ليس عليه أمري فهو رد" تفسير : أي مردود. وحديث الحوض "حديث : فيذاد أقوام عن حوضي، فأقول: أمتي، أمتي، فيقال: إنك لا تدري ماذا أحدثوا بعدك إنهم غيَّروا وبدَّلوا ". تفسير : ونحو ذلك مما يوجب الانتباه إلى صحة العمل وموافقته لما جاء به النَّبي صلى الله عليه وسلم. وكذلك القسم الثاني كما في قوله: {أية : قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِٱلأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ} تفسير : [الكهف: 103-104] الآية. أما الراجح من القولين في زمن {عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ} أهو في الدنيا أم في الآخرة؟ فإنه القول بيوم القيامة، وهو مروي عن ابن عباس وجماعة، والأدلة على ذلك من نفس السياق. ولشيخ الإسلام ابن تيمية كلام جيد جداً في هذا الترجيح، ولم أقف على قول لغيره أقوى منه، نسوق مجمله للفائدة: قال في المجموع في تفسير هذه السورة بعد حكاية القولين: الحق هو الثاني لوجوه، وساق سبعة وجوه: الأول: أنه على القول الثاني يتعلق الظرف بما يليه، أي وجوه يوم الغاشية، خاشعة عاملة ناصبة صالية. أما على القول الأول فلا يتعلق إلاَّ بقوله: تصلى. ويكون قوله: خاشعة صفة للوجوه، قد فصل بينها وبين الموصوف بأجنبي متعلق بصفة أخرى. والتقدير: وجوه خاشعة عاملة ناصبة يومئذٍ تصلى ناراً حامية، والتقديم والتأخير على خلاف الأصل، فالأصل إقرار الكلام على نظمه وترتيبه لا تغيير ترتيبه، والتقديم والتأخير، إنما يكون مع قرينة. والثاني: أن الله ذكر وجوه الأشقياء ووجوه السعداء في السورة بعد ذلك {أية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ * لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ} تفسير : [الغاشية: 8-10]، أي في ذلك اليوم، وهو يوم الآخرة: فالواجب تناظر القسمين أي في الظرف. الثالث: أن نظير هذين القسمين ما ذكر في موضع آخر في قوله: {أية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ * تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ} تفسير : [القيامة: 22-25]، وفي موضع آخر في قوله: {أية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ * أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَفَرَةُ ٱلْفَجَرَةُ} تفسير : [عبس: 38-42]، وهذا كله وصف للوجوه في الآخرة. الرابع: أن المراد بالوجوه أصحابها لأن الغالب في القرآن وصف الوجوه بالعلامة كقوله: {أية : سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ} تفسير : [الفتح: 29]، وقوله {أية : فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ} تفسير : [محمد: 30]، وهذا الوجه لم تتضح دلالته على المقصود. الخامس: أن قوله: خاشعة عاملة ناصبة، لو جعل صفة لهم في الدنيا لم يكن في هذا اللفظ ذم، فإن هذا إلى المدح أقرب، وغايته أنه وصف مشترك بين عباده المؤمنين وعباده الكافرين، والذم لا يكون بالوصف المشترك ولو أريد المختص، لقيل: خاشعة للأوثان مثلاً، عاملة لغير الله، ناصبة في طاعة الشيطان، وليس في القرآن ذم لهذا الوصف مطلقاً ولا وعيد عليه، فحمله على هذا المعنى خروج عن الخطاب المعروف في القرآن، وهذا الوجه من أقواها في المعنى وأوضحها دلالة. وقد يشهد له أن هؤلاء قد يكون منهم العوام المغرورون بغيرهم، ويندمون غاية الندم يوم القيامة على اتباعهم إياهم، كما في قوله تعالى: {أية : وَقَال الَّذِينَ كَفَرُواْ رَبَّنَآ أَرِنَا ٱلَّذَيْنِ أَضَلاَّنَا مِنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ ٱلأَسْفَلِينَ} تفسير : [فصلت: 29]. السادس: وهو مهم أيضاً، أنه لو جعل لهم في الدنيا لكان خاصاً ببعض الكفار دون بعض، وكان مختصاً بالعباد منهم، مع أن غير العباد منهم يكونون أسوأ عملاً ويستوجبون أشد عقوبة. السابع: أن هذا الخطاب لو جعل لهم في الدنيا لكان مثله ينفر من أصل العبادة والتنسك ابتداء، أي وقد جاءت السنة بترك أصحاب الصوامع والمتنسكين دون التعرض لهم بقتل ولا قتال، كما أنها أقرت أصحاب الديانات على دياناتهم، مما يشعر باحترام أصل التعبد لعموم الجنس، كما أشار رحمة الله تعالى عليه. وقد أوردنا مجمل كلامه رحمه الله، لئلا تتخذ الآية على غير ما هو الراجح فيها، أو يحمل السياق على غير ما سيق له، وقد ختم كلامه بتوجيه لطيف بقوله: ثم إذا قيد ذلك بعبادة الكفار والمبتدعة، وليس في الخطاب تقييد، كان هذا سعياً في إصلاح الخطاب بما لم يذكر فيه 1هـ. ومن الذي يعطي نفسه حق إصلاح الخطاب في كلام رب العالمين، إنها لفتة إلى ضرورة ومدى أهمية تفسير القرآن بالقرآن، الذي نهجه الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في أضواء البيان في تفسير القرآن بالقرآن. وقد بدا لي وجه آخر، وهذا لو جعل هذا العمل الكفار والمبتدعة، لكان منطوقه أن العذاب وقع عليهم مجازاة على عملهم ونصبهم في عبادتهم تلك، والحال أن عذاب الكفار عموماً إنما هو على ترك العمل لله وحده، وعقاب المبتدعة فيما ابتدعوه من ضلال، فإذا كان ما ابتدعوه لا علاقة له بأركان الإسلام ولا بالعقيدة، وإنما هو في فروع من العبادات ابتدعوها لم تكن في السنة، فإنهم وإن عملوا ونصبوا فلا أجر لهم فيها، ولا يقال: إنهم يعذبون عليها بطل ذلك المذكور مع سلامة العقيدة في التوحيد، والقيام بالواجب في أركان الإسلام، إذ العذاب المذكور ليس مقابلاً بالعمل والنصب المذكور، والله تعالى أعلم. قوله تعالى {تُسْقَىٰ مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ}. قيل: حاضرة، ويل: شديدة الحرارة، وهذا الأخير هو ما يشهد له القرآن في قوله تعالى: {أية : يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ} تفسير : [الرحمن: 44]، ومعلوم أن الحميم شديد الحرارة، كما أن حملها على معنى حاضرة لم يكن فيه بيان معنى ما في تلك العين من أنواع الشراب المعد والمحضر لهم، وفي المعجم حميم آن: قد انتهى حره، والفعل: أنى الماء المسخن يأني بكسر النون. قال عباس: شعر : علانية والخيل يغشى متونها حميم وآن من دم الجوف ناقع تفسير : قوله تعالى {لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ}؟ تكلم الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب في الجمع بينه وبين قوله تعالى: {أية : فَلَيْسَ لَهُ ٱلْيَوْمَ هَا هُنَا حَمِيمٌ * وَلاَ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ} تفسير : [الحاقة: 35-36]، وبين الصحيح من معنى الضريع ما هو، وأنه نبت معروف للعرب، وهو على الحقيقة لا المجاز. وقد أورد الفخر الرازي سؤالاً والجواب عليه، وهو كيف ينبت الضريع في النار؟ فأجاب بالإحالة على تصور كيف يبقى جسم الكفار حياً في النار، وكذلك الحيات والعقارب في النار. وهذا وإن كان وجيهاً من حيث منطق القدرة، ولكن القرآن قد صرح بأن النار فيها شجرة الزقوم، وأنها فتنة للظالمين في قوله: {أية : أَذَلِكَ خَيْرٌ نُّزُلاً أَمْ شَجَرَةُ ٱلزَّقُّومِ * إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ * إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِيۤ أَصْلِ ٱلْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ ٱلشَّيَاطِينِ * فَإِنَّهُمْ لآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا ٱلْبُطُونَ} تفسير : [الصافات: 62-66]، فأثبت شجرة تخرج في أصل الجحيم، وأثبت لها لازمها وهو طلعها في تلك الصورة البشعة، وأثبت لازم اللازم وهو أكلهم منها حتى ملء البطون. والحق أن هذا السؤال وجوابه قد أثار المبطلون، ولكن غاية ما في الأمر سلب خاصية الإحراق في النار عن النبات، وليس هذا ببعيد على قدرة من خلق النار وجعل لها الخاصية. وقد وجد نظيره في الدنيا فتلك نار النمروذ، كانت تحرق الطير في الجو إذا اقترب منها، وعجزوا عن الدنو إليها ليلقوا فيها إبراهيم ووضعوه في المنجنيق ورموه من بعيد، ومع ذلك حفظه الله منها بقوله تعالى لها: {أية : كُونِي بَرْداً وَسَلاَمَا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ} تفسير : [الأنبياء: 69]، فسبحان من بيده ملكوت كل شيء.

الواحدي

تفسير : {هل أتاك حديث الغاشية} يعني: القيامة؛ لأنَّها تغشى الخلق، ومعنى: {هل أتاك} أَيْ: إنَّ هذا لم يكن من علمك، ولا من علم قومك. {وجوه يومئذٍ خاشعة} ذليلةٌ. {عاملة} في النار تعالج حرَّها وعذابها {ناصبة} ذات نصبٍ وتعبٍ. {تصلى ناراً} تقاسي حرَّها {حامية} حارَّةً. {تسقى من عين آنية} متناهيةٍ في الحرارة. {ليس لهم} في جهنم {طعام إلاَّ من ضريع} وهو يبيس الشِّبْرِقِ، وهو نوعٌ من الشَّوك لا تقربه دابَّةٌ ولا ترعاه، وصفته ما ذكر الله: {لا يسمن ولا يغني من جوع}.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 1- هل أتاك - يا محمد - حديث القيامة التى تغشى الناس بأهوالها؟. 2، 3- وجوه يوم القيامة ذليلة، دائبة العمل فيما يتعبها ويشقيها فى النار. 4- تدخل ناراً شديدة الحرارة.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: هل أتاك: أي قد جاءك. الغاشية: أي القيامة وسميت الغاشية لأنها تغشى الناس بأهوالها. وجوه يومئذ: أي يوم إذ تقوم الساعة. خاشعة: أي ذليلة أطلق الوجوه وأراد اصحابها. عاملة ناصبة: أي ذات نصب وتعب بالسلاسل والأغلال وتكليف شاق الأعمال. تصلى نارا حامية: ترد هذه الوجوه ناراً حامية قد اشتدت حرارتها. تسقى من عين آنية: أي بلغت أناها من الحرارة يقال أني الحميم إذا بلغ منتهاه. إلا من ضريع: أي أخبث طعام وأنتنه، وضريع الدنيا نبت يقال له الشبرق لا ترعاه الدواب لخبثه. وجوه يومئذ ناعمة: أي حسنة نضرة. لسعيها راضية: أي لعملها الصالحات في الدنيا راضية في الآخرة لما رأت من ثوابها. لاغية: أي كلمة لاغية من اللغو والباطل. وأكواب: أقداح لا عُرا لها موضوعة على حافة العين للشرب. ونمارق مصفوفة: أي ومساند جمع نمرقة مصفوفة الواحدة إلى جنب الأخرى للاستناد إليها. وزرابي مبثوثة: أي بسط وطنافس لها خمل ومالا خمل لها يسمى سجاده ومعنى مبثوثة مفروشة هنا وهناك مبسوطة. معنى الآيات: قوله تعالى {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْغَاشِيَةِ} هذا خطاب من الله تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم يقول له فيه هل أتاك نبأ الغاشية وخبرها العظيم وحديثها المهيل المخيف إن لم يكن أتاك فقد أتاك الآن إنه حديث القيامة التي تغشي الناس بأهوالها وصعوبة مواقفها واشتداد أحوالها وإليك عرضاً سريعاً لبعض ما يجري فيها: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ} تغشاهم الغاشية {خَاشِعَةٌ} ذليلة {نَّاصِبَةٌ} أي ذات نصب وتعب من جرّ السلاسل والأغلال، وتكليف أشق الأعمال {تَصْلَىٰ نَاراً حَامِيَةً} أي ترد ناراً {تُسْقَىٰ} أي فيها {مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ} قد بلغت أناها وانتهت إلى غايتها في حرارتها هذا هو الشراب أما الطعام فإِنه ليس لهم طعام إلا من ضريع قبيح اللون خبيث الطعم منتن الريح، {لاَّ يُسْمِنُ} آكله ولا يغنيه من جوع. هذه حال من كفر وفجر كفر بالله وبآياته ولقائه ورسوله، أو فجر عن طاعة الله ورسوله فترك الفرائض وغشي المحارم هذه وجوه ووجوه يومئذ ناعمة أي نضرة حسنة فإِنها لسعيها راضية أي لسعيها في الدنيا وهو إيمانها وصبرها إيمانها وجهادها إيمانها وتقواها إيمانها وعملها الصالح أصحاب هذه الوجوه راضون بأعمالهم لما رأوا من ثوابها والجزاء عليها. إنهم أدخلوا في جنة عالية لا يقادر علاها، لا تسمع فيها لاغية أي كلمة باطلة تنغص سعادتهم ولا كلمة نابية تقلق راحتهم. فيها عين جارية من غير أخدود حفر لها، فيها سرر مرفوعة قدراً وحالاً ومكاناً، وأكواب أقداح لا عرا لها من ذهب وفضة موضوعة لشربهم إن شاءوا شربوا بأيديهم أو ناولتهم غلمانهم، ذاك لون من الشراب أما الفراش فإِنها سرر مرفوعة، ونمارق مصفوفة وزرابي مبثوثة، وسائد قد صفت للراحة والاتكاء الواحدة إلى جنب الأخرى طنافس ذات خمائل مبثوثة مفروشة هنا وهناك مبسوطة. هذه لمحة خاطفة عن الدار الآخرة تعتبر ذكرى للذاكرين وعظة للمتقين. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تقرير عقيدة البعث والجزاء بذكر عرض سريع لها. 2- من أسماء القيامة الغاشية لأنها تغشى الناس بأهوالها. 3- بيان أن في النار نصباً وتعباً. على عكس الجنة فإِنها لا نصب فيها ولا تعب. 4- من مؤلمات النفس البشرية لغو الكلام وكذبه باطله وهو ما ينزه عنه المؤمنون أنفسهم.

القطان

تفسير : الغاشية: القيامة. خاشعة: ذليلة. عاملة، تعمل في الدنيا لنفسها واولادها واطماعها. ناصبة: تعبة. والفعل نصِب ينصَب نصبا: تعب. من عينِ آنية: من نبع ماؤه شديد الحرارة. أنى يأنى سخن وبلغ الشِّدةَ في الحرارة. الضريع: نوع من النبات له شوك تأكله الإبل عندما يكون رطبا، فاذا يبس لا يستساغ. ناعمة: مرفهة نضرة. لسعيها راضية: جزاءً لعملها الذي عملته في الدنيا راضية مطمئنة. عالية: مرتفعة مكاناً وقدرا. لا تسمع فيها لاغية: لا تسمع فيها كلاما فاحشا يؤذي السامع. فيها عين جارية: ماء متدفق يسر الناظرين. سرر مرفوعة: جمع سرير واذا كان مرفوعا فانه يكون نظيفا مريحا. واكواب موضوعة: معدَّة ومهيأة للشراب. ونمارق مصفوفة: وسائد صُف بعضها الى جانب بعض، المفرد نمرقة. وزرابي مبثوثة: وبسُط وفرش مفروشة هنا وهناك للزينة والراحة. الإبل: جمع لا واحد له من لفظه مفردها: بعير. سُطحت: مدت ومهدت للحياة والسير والعمل للناس. لستَ عليهم بمسيطر: انما انت واعظٌ ومنذر لا متسلط تجبرهم على ما تريد. إيابهم: رجوعهم. {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْغَاشِيَةِ} هل جاءكَ يا محمد خبر نبأ يوم القيامة التي تغشى الناسَ وتغمرهم بأهوالها؟ والخطابُ وان كان لرسول الله فهو عام لكل من يسمع.... بعد هذا الاستفهام فصَّلَ شأنَ اهل الموقف في ذلك اليوم. وبيَّن أنهم فريقان: فريق الكفرة الفجرة، وفريق المؤمنين البررة فقال: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ} في ذلك اليوم تظهر وجوه ذليلة خاضعة مهينة، عملَ أصحابها في الدنيا كثيرا وتعبوا كثيرا، ولكنْ لغير الله، فما نفعتهم اعمالهم ولا أموالهم. {تَصْلَىٰ نَاراً حَامِيَةً تُسْقَىٰ مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ لاَّ يُسْمِنُ وَلاَ يُغْنِي مِن جُوعٍ} مع هذا الذل والهوان يدخلُ أصحابُ هذه الوجوه النارَ الحامية في جهنم. واذا عطِشوا يَسقونهم ماءً حارا من عين حرارتُها بالغة الشدّة، واذا طلبوا الطعامَ يقدَّم لهم طعام خبيث رديء، اسمه الضَريع، ليس فيه فائدةُ الطعام المعروف، لأنه {لاَّ يُسْمِنُ وَلاَ يُغْنِي مِن جُوعٍ}. فهذه الصورةُ البشعة من العذاب تصوّر في اذهاننا هولَ ذلك اليوم حتى نرعويَ ونبتعدَ عن كل ما يُغضب الله من أعمال واقوال، ونسلكَ الطريق المستقيم. وبعد ان بين حالَ المجرمين وما يلاقون من ذلّ وهَوان وعذاب، وصف المؤمنين الصادقين بأحسن الأوصاف فقال: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ....} أما وجوه المؤمنين الصادقين يومئذ فتكون نضرة مبتهجة كما جاء في قوله تعالى: {أية : تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ ٱلنَّعِيمِ}تفسير : [المطففين: 24] {أية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ} تفسير : [القيامة: 22]. وقد فرحتْ هذه الوجوه بما لاقت من جزاء عملها في الدنيا، فهي لسعْيِها راضية، في جنةٍ مرتفعة مكاناً وقدرا. وهي بعيدة عن اللغو، فهي في منازِل أهل الشرف في سعادة وكرامة في ضيافة رب العالمين. في هذه الجنة ماء جارٍ من نبع صافٍ يسر الناظرين، وفيها السرر المهيّأة لهم مرفوعة نظيفة، واكوابٌ مجهزة مهيّأة لهم كلما أرادوا الشربَ وجدوها في متناول ايديهم. {وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ} وأنواعُ البسُط والطنافس والسجاجيد مبسوطة في كل مكان. كل هذا النعيم أُعدّ لمن عمل صالحاً من المؤمنين، فاعتبِروا يا أولي الألباب. فهل آن لهؤلاء الذين يزعمون انهم يؤمنون بالله أن يعتبروا بهذا الترتيب الإلهي، وان يقدّموا الاحسان في العمل حتى يبلغوا فيه غايةً مرضيّة، وان يبتعدوا عن اللهو والترف ويتحلّوا بالفضائل، ويتدبروا كتابَهم ويرجعوا الى سيرة الرسول الكريم وصحبه الطاهرين فينهضوا الى طلبِ ما أَعدّ الله لهم، ويشاركوا في بناء هذا المجتمع ويستردّوا ما اغتُصِب من أراضيهم!! وبعد أن بين الله تعالى احوال الآخرة وما فيها من نعيمٍ للمؤمنين وشقاءٍ للجاحدين يذكّر الناسَ هنا لينظروا في هذا الوجود الظاهر، ويعتبروا بقدرة القادر وتدبير المدبّر فقال: {أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى ٱلإِبْلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى ٱلسَّمَآءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلَىٰ ٱلْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى ٱلأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ}. ان هذه المشاهد معروضة لنظر الانسان حيثما كان: الحيوان والسماء والأرض والجبال. وأيّاً ما كان حظ الانسان من العلم والحضارة فهذه مشاهد داخلة في عالَمه وإدراكه. ويذكّرنا الله تعالى بأن ننظر ونعتبرَ بهذه القدرة الخارقة والتدبير المحكَم. فالجمل حيوانٌ عجيب ونفعه كبير جدا، عليه يسافر الانسان ويحمل أثقاله. ومن لبنِ الناقة يشرب، ويأكل من لحومها، ومن أوبار الإبل وجلودها يلبس ويتّخذ المأوى. فقد كانت الجِمالُ ولا تزال في كثيرٍ من بقاع الأرض موردَ الحياة الأول للانسان ومن احسن المواصلات، حتى سُميت سفنَ الصحراء. وهي قليلة التكاليف وعلى قوّتها وضخامتها يقودُها الصغير فتنقاد. ولهيئتها مزية وفي تكوينها عَجَب. فعينا الجمل ترتفعان فوق رأسه، وترتدّان الى الخلف. ولهما طبقتان من الأهداب تقيانهما الرمالَ والقذَى. وكذلك المِنخَران والأُذنان يكتنفها الشعر للغرضِ نفسِه. فاذا ما هبّت العواصف الرملية، انقفل المِنخران وانثنت الأُذنان نحو الجسم. والإِبلُ أصبرُ الحيوان على الجوع والعطش والكدح، ومزاياها كثيرة لا يتسع المقام لبسْطِها. وما زال العلماء يجدون في الجمل كلّما بحثوا مصداقاً لِحَضِّ الله تعالى لهم على النظر في خَلْقه المعجز. {وَإِلَى ٱلسَّمَآءِ كَيْفَ رُفِعَتْ} وتوجيه القلب الى السماء يتكرر في القرآن لما فيها من بهجةٍ وجَمال بهذه الملايين من النجوم المنثورة فيها، وما في خَلْقها من عظمة تدل على عظمة الخالق وجلاله. {وَإِلَىٰ ٱلْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ} ألا يشاهدون هذه الجبال الشامخة كيف نُصبت على الأرض لحفظِ توازنها فلا تميلُ ولا تميدُ، فهي عَلَمٌ للسائر، وملجأ من الجائر، ونزهة للناظر. {وَإِلَى ٱلأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ} ألا ينظرون الى الأرض التي يتقلبون عليها كيف مهّدها الله لهم، فأينَ ما سافر الانسانُ يجدها مبسوطة سهلة مع أنها كروية الشكل. والله تعالى يوجه انظارنا الى ما حولنا من مخلوقات وما نرى في هذه الطبيعة الجميلة حتى نتّعظ ونؤمنَ بقدرة مَن خلق هذا الكون العجيب، وما فيه من الكائنات، وقُدرته على حِفظها وإحكام صنعها، كي ندرك انه قادر على ان يُرجِع الخلق الى يومٍ يوفَّى فيه كل عامل جزاء عمله. بعد أن بين الله للناس أمر الآخرة وما فيها من نعيم وشقاء، ونبّه الى مشاهد الكون المعروضة أمام الأنظار - وجّه الخطابَ الى الرسول عليه الصلاة والسلام ليقومَ بواجبه وطبيعةِ رسالته، بقوله الكريم: {فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ إِلاَّ مَن تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ فَيُعَذِّبُهُ ٱللَّهُ ٱلْعَذَابَ ٱلأَكْبَرَ}. ذكّر الناسَ أيها الرسول بالآخرة وما فيها، وبالكون المعروض أمامهم وما فيه من عجائب، فإن مهمّتك التبليغُ ودعوةُ الناس الى ما فيه خيرهم ولستَ عليهم بمتسلّط. وحسابُهم على الله، لكنّ من أعرضَ منهم وكفر فأنت لا تملك من أمر قلوبهم شيئا، وأمرُهم الى الله يعذّبهم العذابَ الذي لا عذاب فوقه. ثم ختم هذه السورةَ الكريمة بآيتين قصيرتين جليلتين أكد فيهما رجوعَ الناس إليه وحسابَهم الدقيق في ذلك اليوم فقال: {إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ} إنهم راجعون الينا، وسنحاسبُهم على ما كَسَبتْ أيديهم في سجلٍّ لا يغادِر صغيرةً ولا كبيرة الا أحصاها. قراءات: قرأ أهل البصرة غير سهل: تُصلى بضم التاء. و الباقون تَصلى بفتحها. وقرأ أهل البصرة غير سهل: لا يُسمع فيها لاغية بضم الياء ورفع لاغية. والباقون: لا تسمع بفتح التاء ونصب لاغية. وقرأ نافع: لا تسمع فيها لاغية بالتاء المضمومة ورفع لاغية.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْغَاشِيَةِ} {أَتَاكَ} (1) - يَقُولُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ الكَرِيمِ صلى الله عليه وسلم: هَلْ بَلَغَكَ نَبَأُ يَوْمِ القِيَامَةِ؟ الغَاشِيَةُ - اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ القِيَامَةِ لأَِنَّهَا تَغْشَى النَّاسَ بِأَهْوَالِهَا وَتَعمُّهُمْ.

الثعلبي

تفسير : {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْغَاشِيَةِ} يعني القيامة يغشي كلّ شيء إلاّ هو، هذا قول أكثر المفسّرين. وقال سعيد بن جبير ومحمّد بن كعب: الغاشية النار. دليله قوله سبحانه: {أية : وَتَغْشَىٰ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ} تفسير : [إبراهيم: 50]. {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ} يعني يوم القيامة، وقيل: في النار {خَاشِعَةٌ} ذليلة {عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ} قال بعضهم: يعني عاملة في النار ناصبة فيها، قال الحسن وسعيد بن جبير: لم تعمل لله سبحانه وتعالى في الدنيا، فأعملها وأنصبها في النار لمعالجة السلاسل والأغلال، وهي رواية العوفي عن ابن عبّاس قال قتادة: نكرت في الدنيا من طاعة فأعملها وأنصبها في النار. وقال الكلبي: يُجرّون على وجوههم في النار. الضحّاك: يكلّفون ارتقاء جبل من حديد في النار، والنصّب الدؤوب في العمل. وقال عكرمة والسدّي: عاملة في الدنيا بالمعاصي، ناصبة في النار يوم القيامة، وقال سعيد ابن جبير وزيد بن أسلم: هم الرهبان وأصحاب الصوامع، وهي رواية أبي الضحى عن ابن عبّاس. {تَصْلَىٰ نَاراً حَامِيَةً} قال ابن مسعود: تخوض في النار كما تخوض الإبل في الوحل. قراءة العامّة بفتح التاء، وقرأ أبو عمرو ويعقوب وأبو بكر بضمّها اعتباراً بقوله: {تُسْقَىٰ مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ} حارّة. قال قتادة: قد أتى طبخها منذ خلق الله السماوات والأرض. {لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ} قال محمد وعكرمة وقتادة: وهو نبت ذو شوك لاطي بالأرض تسمّيه فرش الشرق، فإذا هاج سمّوه الضريع، وهو أخبث طعام وأبشعه، وهي رواية العوفي عن ابن عبّاس، الوالي عنه: هو شجر من نار، وقال ابن زيد: أمّا في الدنيا فإنّ الضريع الشوك اليابس الذي ليس له ورق، تدعوه العرب الضريع، وهو في الآخرة شوك من نار. وقال الكلبي: لا تقربه دابّة إذا يبس، ولا يرعاه شيء، وقال سعيد بن جبير هو الحجارة، عطاء عن ابن عبّاس: هو شيء يطرحه البحر المالح، يسمّيه أهل اليمن الضريع، وقد روي عن ابن عبّاس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّه قال: "حديث : الضريع شيء يكون في النار شبه الشوك، أمرّ من الصبر وأنتن من الجيفة وأشدّ حرّاً من النار" تفسير : سمّاه النبيّ ضريعاً، وقال عمرو بن عبيد: لم يقل الحسن في الضريع شيئاً، إلاّ أنّه قال: هو بعض ما أخفى الله من العذاب، وقال ابن كيسان: هو طعام يضّرعون منه ويذلّون ويتضرّعون إلى الله سبحانه، وعلى هذا التأويل يكون المعنى المضرّع. وقال أبو الدرداء والحسن: يُقبّح الله سبحانه وجوه أهل النار يوم القيامة يشبهها بعملهم القبيح في الدنيا، ويُحسن وجوه أهل الجنّة يشبّهها بأعمالهم الحسنة في الدنيا، وأنّ الله سبحانه يرسل على أهل النار الجوع حتّى يعدل عندهم ما هم فيه من العذاب، فيستغيثون فيُغاثون بالضريع ويستغيثون فيُغاثون بطعام ذي غصّة، فيذكرون أنّهم كانوا يخبزون الغصص في الدنيا بالماء فيستسقون بعطشهم ألف سنة، ثمّ يُسقون من عين آنية لا هنيّة ولا مريّة، فكلّما أدنوه من وجوههم سلخ جلودَ وجوههم وشواها، فإذا وصل إلى بطونهم قطّعها، فذلك قوله سبحانه: {أية : وَسُقُواْ مَآءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ} تفسير : [محمد: 15]. قال المفسِّرون: فلمّا نزلت هذه الآية قال المشركون: إنّ إبلنا لتسمن على الضريع، فأنزل الله سبحانه: {لاَّ يُسْمِنُ وَلاَ يُغْنِي مِن جُوعٍ} ويقول: فإنّ الإبل ترعاهُ ما دام رطباً، فإذا يبسَ فلا يأكلهُ شيء ورطبه يسمّى شبرقاً لا ضريعاً. {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ * لِّسَعْيِهَا} في الدنيا {رَاضِيَةٌ} في الآخرة حين أُعطيت الجنّة بعملها ومجازات لثواب سعيها في الآخرة راضية {فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * لاَّ تَسْمَعُ فِيهَا لاَغِيَةً} لغو وباطل، وقيل: حلف كاذب. {فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ * فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ * وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ * وَنَمَارِقُ} ووسائد ومرافق {مَصْفُوفَةٌ} بعضها بجنب بعض، واحدتها نمرقة. قال الشاعر: شعر : كهول وشبّان حسان وجوههم على سرر مصفوفة ونمارق تفسير : {وَزَرَابِيُّ} يعني البسط العريضة. قال ابن عبّاس: هي الطنافس التي لها خمل رقيق، واحدتها زريبة. {مَبْثُوثَةٌ} مبسوطة وقيل: متفرّقة في المجالس. {أَفَلاَ يَنظُرُونَ} الآية، قال المفسِّرون لمّا نعت الله ما في الجنّة في هذه السورة عجب من ذلك أهل الكفر والضلالة وكذبوا بها، فذكرهم الله سبحانه صنعهُ فقال عزَّ من قائل: {أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى ٱلإِبْلِ كَيْفَ خُلِقَتْ}. وكانت الإبل من عيش العرب ومن حولهم، وتكلّمت الحكماء في وجه تخصيص الله سبحانه الإبل من بين سائر الحيوانات، فقال مقاتل: لأنّهم لم يروا قط بهيمةً أعظم منها، ولم يشاهدوا الفيل إلاّ الشاذّ منهم، وقال الكلبي: لأنّها تنهض بحملها وهي باركة؛ لأنّه وليس شيء من الحيوانات سابقها ولا سائقها غيرها، وقال قتادة: ذكر الله سبحانه ارتفاع سرر الجنّة وفرشها فقالوا: كيف نصعد؟ فأنزل الله سبحانه هذه الآية. وسُئل الحسن عن هذه الآية وقيل له: الفيل أعظم في الاعجوبة؟ فقال: أمّا الفيل فالعرب بعيدو العهد بها، ثمّ هو خنزير لا يركب ظهرها ولا يأكل لحمها ولا يُحلب درها، والإبل من أعزّ مال العرب وأنفسه. وقال الحسن: إنّما يأكلون النوى والقت ويخرج اللبن، وقيل: لأنّها في عظمة تلين للحمل الثقيل وتنقاد للقائد الضعيف حتّى أنّ الصبي الصغير يأخذ بزمامها فيذهب بها حيث يشاء. وحكى الأُستاذ أبو القاسم بن حبيب أنّه رأى في بعض التفاسير أنّ فأرة أخذت بزمام ناقة، فجعلت تجرّ بها والناقة تتبعها، حتّى دخلت الجحر فجرّت الزمام فتحرّكت فجرّته فقربت فمها من جحر الفأر. فسبحان الذي قدّرها وسخّرها. أخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله قال: حدّثنا محمد بن العلاء قال: حدّثنا وكيع عن يونس بن أبي إسحاق عن أبيه عن شريح أنّه كان يقول: اخرجوا بنا إلى الكناسة حتّى ننظر إلى الإبل كيف خُلقت. وقيل: الإبل هاهنا السحاب، ولم أجد لذلك أصلاً في كتب الأئمّة {وَإِلَى ٱلسَّمَآءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَىٰ ٱلْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى ٱلأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ} بسطت، وقال أنس بن مالك: صلّيت خلف علي بن أبي طالب فقرأ "أَفَلاَ تَنظُرُونَ إِلَى الإِبْلِ كَيْفَ خُلِقَتْ" وكذلك رُفعت ونُصبت وسطّحت برفع التاء، وقرأ الحسن سطّحت بالتشديد.

الصابوني

تفسير : اللغَة: {ٱلْغَاشِيَةِ} القيامة تغشى الناس بأهوالها {خَاشِعَةٌ} ذليلة خاضعة {نَّاصِبَةٌ} من النصب وهو التعب {ضَرِيعٍ} شيء في النار كالشوك مرٌّ منتنٌ {نَّاعِمَةٌ} ذات حسن وبهجة ونضارة {نَمَارِقُ} وسائد ومرافق يُتكأ عليها جمع نمرقة قال زهير: شعر : كهولاً وشباناً حساناً وجوهُهم على سُرر مصفوفةٍ ونمارق تفسير : {زَرَابِيُّ} بسط فاخرة جمع زريبة وقال الفراء: هي الطنافس التي لها خملٌ رقيق، {مَبْثُوثَةٌ} مفرَّقة في المجالس {إِيَابَهُمْ} رجوعهم. التفسِير: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْغَاشِيَةِ} الاستفهام للتشويق الى استماع الخبر، وللتنبيه والتفخيم لشأنها أي هل جاءك يا محمد خبرُ الداهية العظيمة التي تغشى الناس وتعمُّهم بشدائدها وأهوالها، وهي القيامة؟ قال المفسرون: سميت غاشية لأنها تغشى الخلائق بأهوالها وشدائدها، وتعمُّهم بما فيها من المكاره والكوارث العظيمة {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ} أي وجوهٌ في ذلك اليوم ذليلة خاضعةٌ مهينة {عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ} أي دائبة العمل فيما يُتعبها ويشقيها في النار قال المفسرون: هذه الآية في الكفار، يتعبون ويشقون بسبب جر السلاسل والأغلال، وخوضهم في النار خوض الإِبل في الوحل، والصعود والهبوط في تلالها ودركاتها كما قال تعالى {أية : إِذِ ٱلأَغْلاَلُ فِيۤ أَعْنَاقِهِمْ وٱلسَّلاَسِلُ يُسْحَبُونَ * فِي ٱلْحَمِيمِ ثُمَّ فِي ٱلنَّارِ يُسْجَرُونَ}تفسير : [غافر: 71-72] وهذا جزاء تكبرهم في الدنيا عن عبادة الله، وانهماكهم في اللذات والشهوات {تَصْلَىٰ نَاراً حَامِيَةً} أي تدخل ناراً مسعَّرة شديدة الحر قال ابن عباس: قد حميت فهي تتلظى على أعداء الله {تُسْقَىٰ مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ} أي تسقى من عين متناهية الحرارة، وصل حرها وغليانها درجة النهاية {لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ} أي ليس لأهل النار طعام إلا الضريع وهو نبتٌ ذو شوك تسميه قريش "الشبرق" وهو أخبث طعامٍ وأبشعه وهو سم قاتل قال قتادة: هو شر الطعام وأبشعه وأخبثه.. ذكر تعالى هنا أن طعامهم الضريع {لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ} وقال في الحاقَّة {أية : وَلاَ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ}تفسير : [الحاقة: 36] ولا تنافي بينهما، لأن العقاب ألوان، والمعذبون أنواع، فمنهم من يكون طعامه الزقوم، ومنهم من يكون طعامه الضريع، ومنهم من يكون طعامه الغسلين، وهكذا يتنوع العذاب {لاَّ يُسْمِنُ وَلاَ يُغْنِي مِن جُوعٍ} أي لا يفيد القوة والسمن في البدن، ولا يدفع الجوع عن آكله قال أبو السعود: أي ليس من شأنه الإِسمانُ والإِشباع، كما هو شأن طعام الدنيا، وقد روي أنه يُسلَّط عليهم الجوع بحيث يضطرهم إلى أكل الضريع، فإِذا أكلوه يُسلط عليهم العطش فيضطرهم إلى شرب الحميم، فيشوي وجوههم ويقطع أمعاءهم {أية : وَسُقُواْ مَآءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ}تفسير : [محمد: 15] .. ولما ذكر حال الأشقياء أهل النار، أتبعه بذكر حال السعداء أهل الجنة فقال {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ} أي وجوه المؤمنين يوم القيامة ناعمة ذات بهجةٍ وحسن، وإشراق ونضارة كقوله تعالى {أية : تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ ٱلنَّعِيمِ}تفسير : [المطفيين: 24] {لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ} أي لعملها الذي عملته في الدنيا وطاعتها لله راضية مطمئنة، لأن هذا العمل أورثها الفردوس دار المتقين {فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ} أي في حدائق وبساتين مرتفعة مكاناً وقدراً، وهم في الغرفات آمنون {لاَّ تَسْمَعُ فِيهَا لاَغِيَةً} أي لا تسمع في الجنة شتماً، أو سباً، أو فحشاً قال ابن عباس: لا تسمع أذى ولا باطلاً {فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ} أي فيها عيونٌ تجري بالماء السلسبيل لا تنقطع أبداً قال الزمخشري: التنوين في {عَيْنٌ} للتكثير أي عيونٌ كثيرة تجري مياهها {فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ} أي في الجنة أسرة مرتفعة، مكللة بالزبرجد والياقوت، عليها الحور العين، فإِذا أراد وليُّ الله أن يجلس على تلك السرر العالية تواضعت له {وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ} أي وأقداح موضوعة على حافات العيون، معدة لشرابهم لا تحتاج إلى من يملأها {وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ} أي ووسائد - مخدَّات - قد صُفَّ بعضها إلى جانب بعض ليستندوا عليها {وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ} أي وفيها طنافس فاخرة لها خمل رقيق مبسوطة في أنحاء الجنة.. ثم ذكر تعالى الدلائل والبراهين الدالة على قدرته ووحدانيته فقال {أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى ٱلإِبْلِ كَيْفَ خُلِقَتْ} أي أفلا ينظر هؤلاء الناس نظر تكفر واعتبار، إِلى الإِبل - الجمال - كيف خلقها الله خلقاً عجيباً بديعاً يدل على قدرة خالقها؟! قال في التسهيل: في الآية حضٌ على النظر في خلقتها، لما فيها من العجائب في قوتها، وانقيادها مع ذلك لكل ضعيف، وصبرها على العطش، وكثرة المنافع التي فيها، من الركوب والحمل عليها، وأكل لحومها، وشرب ألبانها وغير ذلك {وَإِلَى ٱلسَّمَآءِ كَيْفَ رُفِعَتْ} أي وإلى السماء البديعة المحكمة، كيف رفع الله بناءها، وأعلى سمكها بلا عمد ولا دعائم؟ {وَإِلَىٰ ٱلْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ} أي إلى الجبال الشاهقة كيف نصبت على الأرض نصباً ثابتاً راسخاً لا يتزلزل؟! {وَإِلَى ٱلأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ} أي وإلى الأرض التي يعيشون عليها، كيف بسطت ومُهدت حتى صارت شاسعة واسعة يستقرون عليها، ويزرعون فيها أنواع المزروعات؟! قال الألوسي: ولا ينافي هذا، القول بأنها كرة أو قريبة من الكرة لمكان عظمها والحكمةُ في تخصيص هذه الأشياء بالذكر، أن القرآن نزل على العرب وكانوا يسافرون كثيراً في الأودية والبراري منفردين عن الناس، والإِنسان إِذا ابتعد عن المدينة أقبل على التفكر، فأول ما يقع بصره على البعير الذي يركبه فيرى منظراً عجيباً، وإن نظر فوق لم ير غير السماء، وإِن نظر يميناً وشمالاً لم ير غير الجبال، وإِن نظر تحت لم ير غير الأرض، فلذلك ذكر هذه الأشياء قال ابن كثير: نبه تعالى البدوي على الاستدلال بما يشاهده من بعيره الذي هو راكبٌ عليه، والسماء التي فوق رأسه، والجبل الذي تجاهه، والأرض التي تحته، على قدرة خالق ذلك وصانعه، وأنه الرب العظيم، الخالق المالك المتصرف، الذي لا يستحق العبادة سواه.. ولما ذكر تعالى دلائل التوحيد ولم يعتبر بذلك الكفار، أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بوعظهم وتذكيرهم فقال {فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ} أي فعظهم يا محمد وخوفهم، ولا يهمنَّك أنهم لا ينظرون ولا يتفكرون، فإنما أنت واعظ ومرشد {لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ} أي لست بمتسلط عليهم ولا قاهر لهم حتى تجبرهم على الإِيمان {إِلاَّ مَن تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ} أي لكن من أعرض عن الوعظ والتذكير، وكفر بالله العلي القدير {فَيُعَذِّبُهُ ٱللَّهُ ٱلْعَذَابَ ٱلأَكْبَرَ} أي فيعذبه الله بنار جهنم الدائم عذابها قال القرطبي: وإِنما قال {ٱلأَكْبَرَ} لأنهم عُذبوا في الدنيا بالجوع والقحط والقتل والأسر {إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ} أي إِلينا وحدنا رجوعهم بعد الموت {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ} أي ثم إن علينا وحدنا حسابهم وجزاءهم. البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- أسلوب التشويق {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْغَاشِيَةِ}؟ 2- المجار المرسل بإِطلاق الجزء وإرادة الكل {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ} المراد أصحابها. 3- الطباق في الحرف بين {إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ .. و عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ}. 4- جناس الاشتقاق {فَذَكِّرْ .. مُذَكِّرٌ} وبين {يُعَذِّبُهُ .. وٱلْعَذَابَ}. 5- المقابلة بين وجوه الأبرار ووجوه الفجار {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ * لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ} قابل بينها وبين سابقتها {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ}. 6- السجع الرصين غير المتكلف مثل {لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * لاَّ تَسْمَعُ فِيهَا لاَغِيَةً}.. الخ. تنبيه: روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما قدم الشام، أتاه راهب شيخ كبير عليه سواد، فلما رآه عمر بكى، فقيل له: ما يبكيك يا أمير المؤمنين إنه نصراني؟ فقال: ذكرتُ قول الله عز وجل {عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ * تَصْلَىٰ نَاراً حَامِيَةً} فبكيتُ رحمةً عليه.

الأندلسي

تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْغَاشِيَةِ} هذه السورة مكية ولما ذكر فيما قبلها فذكر وذكر النار والآخرة قال: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْغَاشِيَةِ} والغاشية الداهية التي تغشى الناس بشدائدها يعني القيامة وهذا استفهام رقيق فائدته تحريك نفس السامع إلى تلقي الخبر. {خَاشِعَةٌ} ذليلة. {عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ} عاملة في النار ناصبة تعبة فيها لأنها تكبرت عن العمل في الدنيا وعملها في النار جرها السلاسل والأغلال وخوضها في النار كما تخوض الإِبل في الوحل. {حَامِيَةً} مستعرة. {آنِيَةٍ} قد انتهى حرها كقوله: {حَمِيمٌ} آن والضريع في اللغة يبيس العرفج إذا تحطم. قال ابن عباس: شجر من النار، وقال الزمخشري: {لاَّ يُسْمِنُ} مرفوع المحل أو مجروره على وصف طعام أو ضريع يعني أن طعامهم من شىء ليس من طعام الإِنس إنما هو شوك والشوك مما ترعاه الإِبل وتتولع به وهذا النوع منه تنفر عنه ولا تقربه به ومنفعتا الغذاء منتفيتان عنه وهما إماطة الجوع وإفادة القوة والسمن في البدن "انتهى". فقوله: مرفوع المحل أو مجروره على وصف طعام أو ضريع أما جره على وصفه لضريع فيصح لأنه مثبت منفي عنه السمن والإِغناء من الجوع وأما رفعه على وصفه لطعام فلا يصح لأن الطعام منفي ولا يسمن منفي فلا يصح تركيبه إذ يصير التقدير ليس لهم طعام لا يسمن ولا يغني من جوع إلا من ضريع فيصير المعنى أن لهم طعاماً يسمن ويغني من جوع من غير الضريع كما تقول ليس لزيد مال لا ينتفع به إلا من مال عمرو فمعناه أن له مالاً ينتفع به من غير مال عمرو. {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ} صح الابتداء في هذا وفي قوله: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ} بالنكرة لوجود مسوغ ذلك وهو التفصيل ناعمة لحسنها ونظارتها أو متنعمة. {لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ} أي لعملها في الدنيا بالطاعة راضية إذ كان ذلك العمل جزاؤه الجنة. {فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ} أي مكاناً ومكانة وقرىء. {لاَّ تَسْمَعُ} بتاء التأنيث مبنياً للمفعول. {لاَغِيَةً} رفع أي كلمة لاغية وقرىء لا تسمع بتاء الخطاب عموماً لاغية بالنصب. {فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ} عين اسم جنس أي عيون أو مخصوصة ذكرت تشريفاً لها. {فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ} من رفعة المنزلة أو رفعة المكان ليرى ما حوله ربه في الملك والنعيم. {وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ} أي باشربتها معدة لا تحتاج إلى مالىء. {وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ} أي وسائد صف بعضها إلى جنب بعض للاستناد إليها والإِتكاء عليها. {وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ} أي متفرقة هنا وهنا في المجالس والزرابي بسط عراض فاخرة ولما ذكر تعالى أمر القيامة وانقسام أهلها إلى أشقياء وسعداء وعلم أنه لا سبيل إلى إثبات ذلك إلا بواسطة الصانع الحكيم أتبع ذلك بذكره هذه الدلائل وذكر ما العرب مشاهدوه وملابسوه دائماً فقال: {أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى ٱلإِبْلِ} وهي الجمال فإِنه اجتمع فيها ما تفرق من المنافع في غيرها من أكل لحمها وشرب لبنها والحمل عليها والتنقل عليها إلى البلاد الشاسعة وعيشها بأي نبات أكلته وصبرها على العطش حتى أن فيها ما يرد الماء لعشر وطواعيتها لمن يقود ونهضتها وهي باركة بالأحمال الثقال وكثرة حنينها وتأثرها بالصوت الحسن على غلظ أكبادها ولا شىء من الحيوان جمع هذه الخصال غيرها ولكونها أفضل ما عند العرب حتى جعلوها دية القتل وناسب التنبيه بالنظر إليها إلى ما حوت من عجائب الصفات ما ذكراها معها من السماء والجبال والأرض لانتظام هذه الأسماء في نظر العرب في أوديتهم وبواديهم وليدل على أن الاستدلال على إثبات الصانع ليس مختصاً بنوع دون نوع بل هو عام في كل موجوداته كما قيل: شعر : وفي كل شىء له آية تدل على أنه واحد تفسير : وكيف خلقت جملة استفهامية في موضع البدل وينظرون تعدّى إلى الإِبل بواسطة إلى أي إلى كيف خلقت على سبيل التعليق وقد تبدل الجملة وفيها الاستفهام من الاسم الذي قبلها كقولهم عرفت زيداً أبو من هو على الأصح الأقوال على أن العرب قد أدخلت إلى على كيف فحكي أنهم قالوا: أنظر إلى كيف يصنع وكيف سؤال عن حال والعامل فيها خلقت وإذا علق الفعل عن ما فيه الاستفهام لم يبق الاستفهام على حقيقته. {سُطِحَتْ} أي صارت كالمهاد للمتقلب عليها ولما حضهم على النظر أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بتذكيرهم فقال: {فَذَكِّرْ} ولا يهمنك كونهم لا ينظرون. {إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ} كقوله إن عليك إلا البلاغ. {لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ} أي بمسلط كقوله: {أية : وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ}تفسير : [ق: 45]. {إِلاَّ مَن تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ} إلا حرف استثناء فقيل متصل أي فأنت مسيطر عليه وقيل منقطع من فذكر أي فذكر إلا من انقطع طعمك من إيمانه وتولى فاستحق العذاب الأكبر وما بينهما اعتراض وقرأ ابن عباس: إلا حرف تنبيه واستفتاح ومن مبتدأ والعذاب الأكبر هو عذاب جهنم. {إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ} أي إلى جزائنا رجوعهم وأتى بلفظ علينا دليلاً على تحتم الحساب منه تعالى عليهم.

الجيلاني

تفسير : {هَلْ أَتَاكَ} أي: قد أتاك ووصل إليك يا أكمل الرسل {حَدِيثُ ٱلْغَاشِيَةِ} [الغاشية: 1] أي: الداهية العظيمة التي تغشى الناس وتحيط بهم يوم القيامة بشدائدها حين وقفوا بين يدي الله للعرض والجزاء، وهم حنيئذٍ من شدة الهول والفزع حيارى، سكارى تائهون، هائمون، مرعوبون عما يفعل بهم، وكيف يحكم عليهم. وبعدما أُخذوا للحساب وحوسبوا: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ} [الغاشية: 2] ذليلة شاخصة منكوسة. {عَامِلَةٌ} يومئذ بأعمال لا تنفعها، كالتوبة والتوجه وطلب العفو والمغفرة بعد مضي أوانها {نَّاصِبَةٌ} [الغاشية: 3] مبالغة في التعب والمشقة، رجاء أن يُعفا عنها ويغفر لها، فلا تنفعها حينئذٍ علمها، وإن أتعبت نفسها لانقضاء نشأة الاختبار المأمورة فيها الأعمال. {تَصْلَىٰ} وتطرح حينئذٍ {نَاراً حَامِيَةً} [الغاشية: 4] في نهاية الحر والحرقة؛ تأكيداً وتشديداً لعذابها. {تُسْقَىٰ} عند إشرافها على الهلاك من شدة العطش {مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ} [الغاشية: 5] متناهية في الحرارة، وكيف لا، قد أوقدت حولها نار جهنم منذ خلقت، هذا شرابهم. {لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ} [الغاشية: 6] شبرق يابس، أمرُّ من الصبر وأبشع من جميع الأشياء البشعة، ومع نهاية بشاعته ومرارته وشدة حرارته {لاَّ يُسْمِنُ} حتى يزيد في قوتهم {وَلاَ يُغْنِي} ولا يدفع {مِن جُوعٍ} [الغاشية: 7] وبالجملة: لا يفيد البدن أصلاً.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : يا طالب معرفة القيامة المائية القالبية، اسمع ما يقول تعالى في كتابه الكريم حيث يقول: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْغَاشِيَةِ} [الغاشية: 1] والغاشية ما يغشى صاحبه عليه من هواها، وهي حاصلة من الماء الذي ركب القالب عنه، وأحمى بالنيران المشعلة بالريح الهوائية، وجمع في باطنه بحيث صار متقناً وغلب عليه عند خراب القالب. {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ} [الغاشية: 2]؛ أي: ذليله ليس لهم وجاهة، {عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ} [الغاشية: 3] عملوا بالهوى ما عملوا في عمران قالبه، ونصبوا على وفق متابعة هواهم ما نصبوا؛ يعني: ما وفقوا لاتباع اللطيفة الخفية؛ بل عملوا ونصبوا بالابتداع من هوى أنفسهم. {تَصْلَىٰ نَاراً حَامِيَةً} [الغاشية: 4] بالحطب الذي جمعوا من الأخلاق الذميمة والأوصاف الكريهة، {تُسْقَىٰ مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ} [الغاشية: 5]؛ أي: متناهية في الحرارة التي حصلت من النار الحامية بحطب الأخلاق الردية ونيران الشهوة والغضب، {لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ} [الغاشية: 6]؛ لأنهم ما أطعموا القوى القالبية والسرية والروحية من شراب الذكر وطعامه، فلا يكون لهم يومئذ {طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ} [الغاشية: 6] وهو شوك الخواطر القالبية الردية لصاحبها باتباع هواها، {لاَّ يُسْمِنُ وَلاَ يُغْنِي مِن جُوعٍ} [الغاشية: 7]؛ لأنهم كلما أكلوا منها زاد جوعهم وعطشهم بعدها، ولهم {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ * لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ} [الغاشية: 8-9] والوجوه التي توجهت إلى قبلة وجه الله، ونعمت القوى القلبية والسرية والروحية بنعمة الذكر، وسعت في طاعته طلباً لمرضاته يكن ناعمات لسعيها راضيات في جنات عاليات عامرات في بواطنهم كما يقول الله تعالى: {فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * لاَّ تَسْمَعُ فِيهَا لاَغِيَةً} [الغاشية: 10-11]؛ لأنهم اشتغلوا في حبس القالب بذكر الله وما اشتغلوا باللغو واللهو، فلا جرم كانت جنة قالبهم عالية طاهرة من لاغية. {فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ} [الغاشية: 12] من المعرفة {فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ} [الغاشية: 13] من الأسرار الرفيعة التي لا يصل إليها المقربون من عباده الخواص.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يذكر تعالى أحوال يوم القيامة وما فيها من الأهوال الطامة، وأنها تغشى الخلائق بشدائدها، فيجازون بأعمالهم، ويتميزون [إلى] فريقين: فريقًا في الجنة، وفريقًا في السعير. فأخبر عن وصف كلا الفريقين، فقال في [وصف] أهل النار: { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ } أي: يوم القيامة { خَاشِعَة } من الذل، والفضيحة والخزي. { عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ } أي: تاعبة في العذاب، تجر على وجوهها، وتغشى وجوههم النار. ويحتمل أن المراد [بقوله:] { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ } في الدنيا لكونهم في الدنيا أهل عبادات وعمل، ولكنه لما عدم شرطه وهو الإيمان، صار يوم القيامة هباء منثورا، وهذا الاحتمال وإن كان صحيحًا من حيث المعنى، فلا يدل عليه سياق الكلام، بل الصواب المقطوع به هو الاحتمال الأول، لأنه قيده بالظرف، وهو يوم القيامة، ولأن المقصود هنا بيان وصف أهل النار عمومًا، وذلك الاحتمال جزء قليل من أهل النار بالنسبة إلى أهلها؛ ولأن الكلام في بيان حال الناس عند غشيان الغاشية، فليس فيه تعرض لأحوالهم في الدنيا. وقوله: { تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً } أي: شديدًا حرها، تحيط بهم من كل مكان، { تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ } أي: حارة شديدة الحرارة {أية : وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ } تفسير : فهذا شرابهم. وأما طعامهم فـ { لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلا مِنْ ضَرِيعٍ لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ } وذلك أن المقصود من الطعام أحد أمرين: إما أن يسد جوع صاحبه ويزيل عنه ألمه، وإما أن يسمن بدنه من الهزال، وهذا الطعام ليس فيه شيء من هذين الأمرين، بل هو طعام في غاية المرارة والنتن والخسة نسأل الله العافية. وأما أهل الخير، فوجوههم يوم القيامة { نَاعِمَةٌ } أي: قد جرت عليهم نضرة النعيم، فنضرت أبدانهم، واستنارت وجوههم، وسروا غاية السرور. { لِسَعْيِهَا } الذي قدمته في الدنيا من الأعمال الصالحة، والإحسان إلى عباد الله، { رَاضِيَةٌ } إذ وجدت ثوابه مدخرًا مضاعفًا، فحمدت عقباه، وحصل لها كل ما تتمناه، وذلك أنها { فِي جَنَّةٍ } جامعة لأنواع النعيم كلها، { عَالِيَةٍ } في محلها ومنازلها، فمحلها في أعلى عليين، ومنازلها مساكن عالية، لها غرف ومن فوق الغرف غرف مبنية يشرفون منها على ما أعد الله لهم من الكرامة. { قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ } أي: كثيرة الفواكه اللذيذة، المثمرة بالثمار الحسنة، السهلة التناول، بحيث ينالونها على أي: حال كانوا، لا يحتاجون أن يصعدوا شجرة، أو يستعصي عليهم منها ثمرة. { لا تَسْمَعُ فِيهَا } أي: الجنة { لاغِيَةً } أي: كلمة لغو وباطل، فضلا عن الكلام المحرم، بل كلامهم كلام حسن [نافع] مشتمل على ذكر الله تعالى، وذكر نعمه المتواترة عليهم، و[على] الآداب المستحسنة بين المتعاشرين، الذي يسر القلوب، ويشرح الصدور. { فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ } وهذا اسم جنس أي: فيها العيون الجارية التي يفجرونها ويصرفونها كيف شاءوا، وأنى أرادوا. { فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ } و " السرر " جمع " سرير " وهي المجالس المرتفعة في ذاتها، وبما عليها من الفرش اللينة الوطيئة. { وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ } أي: أوان ممتلئة من أنواع الأشربة اللذيذة، قد وضعت بين أيديهم، وأعدت لهم، وصارت تحت طلبهم واختيارهم، يطوف بها عليهم الولدان المخلدون. { وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ } أي: وسائد من الحرير والاستبرق وغيرهما مما لا يعلمه إلا الله، قد صفت للجلوس والاتكاء عليها، وقد أريحوا عن أن يضعوها، و يصفوها بأنفسهم. { وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ } والزرابي [هي:] البسط الحسان، مبثوثة أي: مملوءة بها مجالسهم من كل جانب.

النسائي

تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْغَاشِيَةِ} 689 - أنا قُتيبةُ بنُ سعيدٍ، عن مالكٍ، عن ضمرة بن سعيدٍ، عن عُبيد اللهِ بن عبد الله، أنَّ الضَّحَّاك بن قيسٍ سأل النُّعمان بن بشيرٍ: ما كان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قرأ به في الجُمُعةِ على أثرِ سُورةِ الجُمُعَةِ؟ قال كان يقرأ {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْغَاشِيَةِ} 690 - أنا عمرو بن منصورٍ، نا أبُو نُعيمٍ، نا سُفيانُ، عن أبي الزُبيرِ، عن جابرٍ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أُمرتُ أن أُقاتلَ الناس حتى يقولوا لا إله إلا اللهُ، فإذا قالوا لا إله إلا الله عُصموا مِنِّي دِمائهم وأموالهم إلا بحقها وحِسابُهُم على اللهِ" ثمَّ تلا صلى الله عليه وسلم {فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ} [21-22] .