Verse. 5988 (AR)

٨٨ - ٱلْغَاشِيَة

88 - Al-Ghashiya (AR)

فَذَكِّرْ۝۰ۣۭ اِنَّمَاۗ اَنْتَ مُذَكِّرٌ۝۲۱ۭ
Fathakkir innama anta muthakkirun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فذكر» ـهم نعم الله ودلائل توحيده «إنما أنت مذكر».

21

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما بين الدلائل على صحة التوحيد والمعاد، قال لرسوله صلى الله عليه وسلم: {فَذَكّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكّرٌ } وتذكير الرسول إنما يكون بذكر هذه الأدلة وأمثالها والبعث على النظر فيها والتحذير من ترك تلك، وذلك بعث منه تعالى للرسول على التذكير والصبر على كل عارض معه، وبيان أنه إنما بعث لذلك دون غيره، فلهذا قال: {إِنَّمَا أَنتَ مُذَكّرٌ }.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {فَذَكِّرْ} أي فعِظهم يا محمد وخوّفهم. {إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ} أي واعظ. {لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ} أي بمسَلَّط عليهم فتقتلَهم. ثم نسختها آية السيف. وقرأ هارون الأعور «بِمُسَيْطَرٍ» (بفتح الطاء)، و«الْمُسيْطَرُون». وهي لغة تميم. وفي الصحاح: «المسيطِر والمصيطِر: المسلّط على الشيء، ليشرِف عليه، ويتعهد أحواله، ويكتب عمله، وأصله من السطر، لأن من معنى السطر ألا يتجاوز، فالكتاب مسطر، والذي يفعله مسطر ومسيطِر؛ يقال: سيطرت علينا، وقال تعالى: {لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ }. وسَطَرَه أي صَرَعَه». {إِلاَّ مَن تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ } استثناء منقطع، أي لكن من تولى عن الوعظ والتذكير. {فَيْعَذِّبُهُ ٱللَّهُ ٱلْعَذَابَ ٱلأَكْبَرَ } وهي جهنم الدائم عذابها. وإنما قال «الأكبر» لأنهم عذبوا في الدنيا بالجوع والقَحْط والأسر والقتل. ودليل هذا التأويل قراءة ابن مسعود: «إِلا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَر. فإنه يعذبه الله». وقيل: هو استثناء متصل. والمعنى: لست بمسلّط إلا على من تولى وكفر، فأنت مُسَلَّط عليه بالجهاد، والله يعذبه بعد ذلك العذاب الأكبر، فلا نسخ في الآية على هذا التقدير. ورُوِي أن علياً أتِي برجل ارتد، فاستتابه ثلاثة أيام، فلم يعاود الإسلام، فضرب عنقه، وقرأ {إِلاَّ مَن تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ }. وقرأ ابن عباس وقتادة «أَلاَ» على الاستفتاح والتنبيه، كقول امرىء القيس: شعر : أَلاَ رُبَّ يومٍ لَكَ مِنْهُنَّ صَالِحٍ تفسير : و«مَنْ» على هذا: للشرط. والجواب {فَيْعَذِّبُهُ ٱللَّهُ} والمبتدأ بعد الفاء مضمر، والتقدير: فهو يعذبه الله، لأنه لو أريد الجواب بالفعل الذي بعد الفاء لكان: إلا من تولى وكفر يعذبه الله. {إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ } أي رُجوعهم بعد الموت. يقال: آب يؤوب؛ أي رجع. قال عَبيد: شعر : وكُلّ ذي غَيْبَةٍ يؤوب وغائب الموتِ لا يؤوب تفسير : وقرأ أبو جعفر «إِيَّابَهُمْ» بالتشديد. قال أبو حاتم: لا يجوز التشديد، ولو جاز لجاز مثله في الصيام والقيام. وقيل: هما لغتان بمعنى. الزمخشري: وقرأ أبو جعفر المدنيّ «إِيابهم» بالتشديد؛ ووجهه أن يكون فِيْعالا: مصدر أيب، قيل من الإياب. أو أن يكون أصله إوّاباً فِعّالا من أوّب، ثم قيل: إيواباً كدِيوان في دِوّان. ثم فعل ما فعل بأصل سيد ونحوه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَذَكِّرْ } هم نعم الله ودلائل توحيده {إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ }.

ابن عبد السلام

تفسير : {فَذَكِّرْ} بالنعم أو عِظْ.

ابن عادل

تفسير : قوله: {فَذَكِّرْ} أي: عظهم يا محمد وخوفهم. {إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ}: واعظ. {لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ} أي بمسلّط فتقتلهم، ثم نسختها آية السيف. وقرأ العامة: "بمصيطر" بالصَّاد. وهشام: بالسِّين. وخلف: بإشمام الصاد زاياً بلا خلاف. وعن خلاَّد: وجهان. وقرأ هارون الأعور: "بمصيطر" - بفتح الطاء - اسم مفعول، لأن "سيطر" عندهم متعدٍّ. [ويدل على ذلك فعل المطاوعة، وهو تسيطر، ولم يجيء اسم على مفعل إلا مسيطر، ومبيقر، ومهيمن، ومبيطر؛ من سيطر، وهيمن، وبيطر، وقد جاء مجيمر اسم وادٍ، ومديبر، ويمكن أن يكون أصلهما مجمر ومدبر، فصغراً. قال شهاب الدين: قد تقدم أن بعضهم جعل مهيمناً مصغراً، وتقدم أنه خطأ عظيم، وذلك في سورة المائدة]. قال القرطبيُّ: "وفي الصحاح: المسيطر والمصيطر: المسلط على الشيء، ليشرف عليه ويتعهَّد أحواله، ويكتب عمله، وأصله من السطر؛ لأن معنى السطر ألاَّ يتجاوز، فالكتاب مسطر، والذي يفعله مسطر ومسيطر، يقال: سيطرت علينا، وقال تعالى: {لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ}، وسطره أي: صرعه". قوله {إِلاَّ مَن تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ} استثناء منقطع، أي: لكن من تولّى عن الوعظ والتذكر، فيعذبه الله العذاب الأكبر، وهو جهنم الدائم عذابها، وإنما قال: "الأكبر"؛ لأنهم عذّبوا في الدنيا بالجوع، والقَحْط، والأسْر، والقَتْل، ويؤيد هذا التأويل: قراءة ابن مسعود: "إلا مَنْ تَوَلَّى وكَفَر فإنَّه يُعَذِّبُهُ الله". وقيل: هو استثناء متصل، والمعنى: لست مسلَّطاً إلى على من تولى وكفر، فأنت مسلَّط عيله بالجهاد، والله - تعالى - يعذبه ذلك العذاب الأكبر، فلا نسخ في الآية على هذا التقدير. وقرأ ابنُ عبَّاسٍ وزيد بن عليٍّ، وزَيْدُ بنُ أسلمَ، وقتادةُ: "ألا" حرف استفتاح وتنبيه؛ كقول امرئ القيس: [الطويل] شعر : 5187- الاَ رُبَّ يَوْمٍ لَكَ مِنْهُنَّ صَالِحٍ ................................. تفسير : و "مَنْ" على هذا شرط، فالجملة مقدرة شرطية، والجواب: "فيعذبه الله"، والمبتدأ بعد الفاء مضمر، والتقدير: فهو يعذبه الله؛ لأنه لو أريد الجواب بالفعل الذي بعد الفاء لكان: "إلا من تولى وكفر يعذبه الله". [قال شهال الدين: أو موصول مضمن معناه].

السلمي

تفسير : سمعت أبا بكر الرازى يقول: سمعت أبا العباس بن عطاء يقول: الموعظة للعوام، والنصيحة للإخوان، والتذكرة للخواص فرض افترضه الله على عقلاء المؤمنين، ولولا ذلك لبطلت السنة، وتعطلت الفرائض. قال الجنيد رحمه الله: الواعظ على الحقيقة من تكون موعظته على حد الإشراق يعط كلاً على مقداره وهو النبى صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى: {فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ} عظ فإن الواعظ على الحقيقة من يعظ بإذن، ثم تكون موعظته نصيحة.

القشيري

تفسير : {فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ}. لستَ عليهم بمُسَلَّطٍ؛ فذَكِّر - يا محمد - بما أمرناك به، فبذلك أمرناك. {إِلاَّ مَن تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ فَيُعَذِّبُهُ ٱللَّهُ ٱلْعَذَابَ ٱلأَكْبَرَ}. إلا مَنْ تَولَّى عن الإيمان وكفر فيعذبه اللَّهُ بالخلودِ في النار. {إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ}. إن إلينا رجوعَهم، ثم نجازيهم على الخير والشرِّ.

اسماعيل حقي

تفسير : {فذكر} الفاء لترتيب الامر بالتذكير على ما ينبئ عنه الانكار السابق من عدم النظر اى فاقتصر على التذكير ولا تلح عليهم ولا يهمنك انهم لا ينظرون ولا يتذكرون.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {فَذَكِّر} الناس بالأدلة العقلية والنقلية، {إنما أنت مُذكِّّر} ليس عليك إلاَّ التبليغ {لستَ عليهم بمصيطرٍ}؛ بمسلط، كقوله: {أية : وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ} تفسير : [قَ:45]، وفيه لغات: السين، وهي الأصل، والصاد، والإشمام. {إِلاَّ مَن تولَّى وكَفَرَ فيعذبه اللهُ العذابَ الأكبر}، الاستثناء منقطع، أي: لست بمُسلط عليهم، تقهرهم على الإيمان، لكن مَن تولى وكفر، فإنَّ لله الولاية والقهر، فهو يعذبه العذاب الأكبر، وهو عذاب جهنم، وقيل: متصل من قوله: (فذكر) أي: فذَكِّر إلاَّ مَن انقطع طمعك من إيمانه وتولَّى، فاستحق العذاب الأكبر، وما بينها اعتراض. {إِنَّ إِلينا إِيابهم}؛ رجوعهم، وفائدة تقديم الظرف: التشديد في الوعيد، وأنَّ إيابهم ليس إلاَّ للجبّار المقتدر على الانتقام، {ثم إِنَّ علينا حسابهم} فنُحاسبهم على أعمالهم، ونجازيهم جزاء أمثالهم، و"على" لتأكيد الوعيد لا للوجوب، إذ لا يجب على الله شيء. وجمع الضمير في إيابهم وحسابهم، باعتبار معنى "من"، وإفراده فيما قبله باعتبار لفظها، و"ثم" للتراخي في الرتبة لا في الزمان، فإنَّ الترتيب الزماني إنما هو بين إيابهم وحسابهم لا بين كون إيابهم إليه تعالى وحسابهم. انظر أبا السعود. الإشارة: ما قيل للرسول يُقال لخلفائه من أهل التذكير، ومَن تولَّى منهم يُعذَّب بعذاب الفرق والحجاب وسوء الحساب. وبالله التوفيق، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله.

الطوسي

تفسير : قرأ ابو عمرو والكسائي بمسيطر بالسين باختلاف عنهما. الباقون بالصاد إلا حمزة، فانه اشم الصاد زاياً. لما بين الله تعالى الدلالة على وحدانيته ونبه على الاستدلال بها، قال لنبيه محمد صلى الله عليه واله {فذكر} يا محمد {إنما أنت مذكر} فالتذكير التعريف للذكر بالبيان الذي يقع به الفهم، والنفع بالتذكير عظيم، لأنه طريق للعلم بالامور التي نحتاج اليها وملين القلب للعمل بها، ومذكر يعني بنعم الله تعالى عندهم وما يجب عليهم فى مقابلتها من الشكر والعبادة فقد أوضح الله تعالى طريق الحجج فى الدين وأكده غاية التأكيد بما لا يسع فيه التقليد بقوله {إنما أنت مذكر} وقوله {أية : وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين}تفسير : وقوله {أية : إن في ذلك لآية لقوم يعقلون}تفسير : و {أية : لآية لقوم يتفكرون}تفسير : و {أية : لآية لقوم يذكرون}تفسير : و {أية : لآيات لأولي الألباب}تفسير : وقوله {أية : قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين}تفسير : وقوله {أية : وجادلهم بالتي هي أحسن} تفسير : ومحاجة إبراهيم عليه السلام للكافر بربه وقوله {أية : فاعتبروا يا أولى الأبصار} تفسير : وقوله {أية : أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها}. تفسير : وقوله {لست عليهم بمسيطر} فالمسيطر المسلط على غيره بالقهر له يقال تسيطر فلان على فلان، وسيطر إذا تسلط، وعلى وزن مسيطر مبيطر. وقال ابو عبيدة: لا ثالث لهما من كلام العرب، وقيل: كان هذا قبل فرض الجهاد، ثم نسخ، ويجوز أن يكون غير منسوخ، لان الجهاد ليس باكراه القلوب. وقوله {إلا من تولى وكفر} قيل فى هذا الاستثناء قولان: احدهما - انه منقطع وتقديره، لكن من تولى وكفر فيعذبه الله العذاب الاكبر الثاني - إلا من تولى فانك مسلط عليه بالجهاد، فالله يعذبه العذاب الاكبر. وقال الحسن المعنى: إلامن تولى وكفر، فكله إلى الله. وقيل معناه إلا من تولى وكفر فلست له بمذكر، لأنه لا يقبل منك، فكذلك لست تذكره. وقوله {إن إلينا إيابهم} فالاياب الرجوع، آب يؤب أوباً وإياباً وتأوّب تأوباً وأوّب يؤوّب تأويباً، ويقال: أيب إياباً على (فيعل، فيعالا) من الأوب وعلى هذا قرئ في الشواذ {أيّابهم} بالتشديد، قال عبيد: شعر : وكل ذي غيبة يؤوب وغائب الموت لا يؤوب تفسير : والمعنى ان مرجع الخلق يوم القيامة إلى الله فيحاسبهم ويجازي كل واحد منهم على قدر عمله، فحساب الكفار مقدار ما لهم وعليهم من استحقاق العقاب، وحساب المؤمن بيان ما له وعليه حتى يظهر استحقاق الثواب.

الجنابذي

تفسير : {فَذَكِّرْ} يعنى اذا كان حال الكفّار كذا وحال المؤمنين كذا والادلّة على ذلك كثيرة فذكّر المؤمنين ترغيباً فيما اعدّ لهم والكافرين تحذيراً ممّا يبتلون به بسوء اعمالهم {إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ} يعنى شأنك بحسب رسالتك التّذكير سمعوا ام لم يسمعوا.

اطفيش

تفسير : {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَّكِّرْ} إلى آخر السورة ذكره بعد ما تقدم لأن المراد بما تقدم أن يتحققوا كمال القدرة وعقب به أمر المعاتب وختم أيضا بأمره بقوله ما عليك إلا التذكير اعتبروا وتذكروا أولا.

اطفيش

تفسير : {فَذَكِّرْ} من أمكنك تذكيره أى اقتصر على التذكير بسبب أنهم لا ينظرون فى ذلك نظر تدبر ولا يهمنك أمرهم فتلح عليهم {إنَّمَا أنتَ مُذَكِّرٌ} لأَنك ما أنتَ إلاَّ مذكر ما أرسلت إلاَّ بمجرد التذكير.

الالوسي

تفسير : الفاء في قوله تعالى {فَذَكّرْ } لترتيب الأمر بالتذكير على ما ينبـىء عنه الإنكار السابق من عدم النظر أي فاقتصر على التذكير ولا تلح عليهم ولا يهمنك أنهم لا ينظرون ولا يتذكرون وقوله تعالى: {إِنَّمَا أَنتَ مُذَكّرٌ} تعليل للأمر وقوله سبحانه: {لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ}.

ابن عاشور

تفسير : الفاء فصيحةُ تفريع على محصَّل ما سبق من أول السورة الذي هو التذكير بالغاشية وما اتصل به من ذكر إعراضهم وإنذارهم، رتب على ذلك أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بالدوام على تذكيرهم وأنه لا يؤيسه إصرارهم على الإعراض وعدم ادكارهم بما ألقى إليهم من المواعظ، وتثبيته بأنه لا تبعة عليه من عدم إصغائهم إذ لم يُبعث مُلجئاً لهم على الإِيمان. فالأمر مستعمل في طلب الاستمرارِ والدوام. ومفعول «ذَكِّرْ» محذوف هو ضمير يدل عليه قوله بعده {لست عليهم بمصيطر}. وجملة {إنما أنت مذكر} تعليل للأمر بالدوام على التذكير مع عدم إصغائهم لأن {إنما} مركبة من (أنَّ) و(ما) وشأنُ (إنَّ) إذا وردت بعد جملة أن تفيد التعليل وتغني غَناء فاء التسبب، واتصال (ما) الكافة بها لا يخرجها عن مهيعها. والقصر المستفاد بــــ {إنما} قصر إضافي، أي أنت مذكر لست وكيلاً على تحصيل تذكرهم فلا تتحرج من عدم تذكرهم فأنت غير مقصر في تذكيرهم وهذا تطمين لنفسه الزكية. وجملة {لست عليهم بمصيطر} بدل اشتمال من جملة القصر باعتبار جانب النفي الذي يفيده القصر. والمصيطر: المُجْبِر المُكْرِه. يقال: صيطر بصاد في أوله، ويقال: سيطر بسين في أوله والأشهر بالصاد. وتقدم في سورة الطور (37): { أية : أم هم المصيطرون } تفسير : وقرأ بها الجمهور وقرأ هشام عن ابن عامر بالسين وقرأه حمزة بإشمام الصاد صوت الزاي. ونفي كونه مصيطراً عليهم خبر مستعمل في غير الإِخبار لأن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أنه لم يكلف بإكراههم على الإِيمان، فالخبر بهذا النفي مستعمل كناية عن التطمين برفع التبعة عنه من جراء استمرار أكثرهم على الكفر، فلا نسخ لحكم هذه الآية بآيات الأمر بقتالهم. ثم جاء وجوب القتال بتسلسل حوادث كان المشركون هم البادئين فيها بالعدوان على المسلمين إذ أخرجوهم من ديارهم، فشرع قتال المشركين لخضد شوكتهم وتأمين المسلمين من طغيانهم. ومن الجهلة من يضع قوله: {لست عليهم بمصيطر} في غير موضعه ويحيد به عن مهيعه فيريد أن يتخذه حجة على حرية التدين بين جماعات المسلمين. وشتان بين أحوال أهل الشرك وأحوال جامعة المسلمين. فمن يلحد في الإسلام بعد الدخول فيه يستتاب ثلاثاً فإن لم يتب قتل، وإن لم يُقدَر عليه فَعَلَى المسلمين أن ينبذوه من جامعتهم ويعاملوه معاملة المحارب. وكذلك من جاء بقول أو عمل يقتضي نبذ الإسلام أو إنكار ما هو من أصول الدين بالضرورة بعد أن يوقف على مآل قوله أو عمله فيلتزمه ولا يتأوله بتأويل مقبول ويأبى الانكفاف. وتقديم {عليهم} على متعلقه وهو «مسيطر» للرعاية على الفاصلة. وقوله: {إلا من تولى وكفر فيعذبه الله العذاب الأكبر} معترض بين جملة {لست عليهم بِمُصَيْطِر} وجملة: { أية : إن إلينا إيابهم } تفسير : [الغاشية: 25] والمقصود من هذا الاعتراض الاحتراس من توهمهم أنهم أصبحوا آمنين من المؤاخذة على عدم التذكر. فحرف {إلا} للاستثناء المنقطع وهو بمعنى الاستدراك. والمعنى: لكن من تولى عن التذكر ودام على كفره يعذبه الله العذاب الشديد. ودخلت الفاء في الخبر وهو {فيعذبه اللَّه} إذ كان الكلام استدراكاً وكان المبتدأ موصولاً فأشبه بموقعه وبعمومه الشروط فأدخلت الفاء في جوابه ومثله كثير كقوله تعالى: { أية : والذين قاتلوا في سبيل اللَّه فلن يضل أعمالهم } تفسير : [محمد: 4]. و{الأكبر}: مستعار للقوى المتجاوز حدّ أنواعه.

د. أسعد حومد

تفسير : (21) - ثُمَّ يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ الكَرِيمَ صلى الله عليه وسلم بِـأَنْ يُذَكِّرَ النَّاسَ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ، وَبِأَنْ يَعِظَهُمْ بِحُجَجِهِ وَبَرَاهِينِهِ، وَيُبلِّغَهُمْ رِسَالَتَهُ، وَيَقُولَ لَهُمْ إِنَّهُ إِنَّمَا بُعِثَ رَسُولاً مُبَلِّغَاً وَمُذَكِّراً.

الثعلبي

تفسير : {فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ} بمسلّط جبّار يكرههم على الإيمان، ثمّ نسخ ذلك بآية القتال وقرأها هارون بمسيطَر (بفتح الطاء) وهي لغة تميم. {إِلاَّ مَن تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ} اختلفوا في وجه هذا الاستثناء، فقال بعضهم: هو راجع إلى قوله: {فَذَكِّرْ} ومجاز الآية: فذكّر قومك إلاّ من تولّى وكفر منهم، فإنّه لا ينفعه التذكير، وقيل معناه لست عليهم بمسيطر إلاّ على من تولّى وكفر، فانّك تقاتله حتّى يسلم، وقيل: هو راجع إلى ما بعده، وتقديره: لكن من تولّى وكفر. {فَيُعَذِّبُهُ ٱللَّهُ ٱلْعَذَابَ ٱلأَكْبَرَ} وهو النار، وانّما قال: {ٱلأَكْبَرَ} لأنّهم عذّبوا في الدنيا بالجوع، والقحط، والقتل، والأسر، ودليل هذا التأويل قراءة ابن مسعود (إلاّ من تولّى وكفر فإنّه يعذّبه الله العذاب الأكبر). {إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ} رجوعهم ومعادهم، وقرأ أبو جعفر بتشديد الياء، قال أبو حاتم: لا يجوز ذلك ولو جاز فيه لجاز في الصيام والقيام. {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ}.