٩٠ - ٱلْبَلَد
90 - Al-Balad (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
11
Tafseer
الرازي
تفسير : وفيه مسائل: المسألة الأولى: الاقتحام الدخول في الأمر الشديد يقال: قحم يقحم قحوماً، واقتحم اقتحاماً وتقحم تقحماً إذا ركب القحم، وهي المهالك والأمور العظام والعقبة طريق في الجبل، وَعْرٌ، الجمع العقب والعقاب، ثم ذكر المفسرون في العقبة ههنا وجهين الأول: أنها في الآخرة وقال عطاء: يريد عقبة جهنم، وقال الكلبي: هي عقبة بين الجنة والنار، وقال ابن عمرهي: جبل زلال في جهنم وقال مجاهد والضحاك: هي الصراط يضرب على جهنم، وهو معنى قول الكلبي: إنها عقبة الجنة والنار، قال الواحدي: وهذا تفسير فيه نظر لأن من المعلوم أن (بني) هذا الإنسان وغيره لم يقتحموا عقبة جهنم ولا جاوزوها فحمل الآية عليه يكون إيضاحاً للواضحات، ويدل عليه أنه لما قال: {أية : وَمَا أَدْرَاكَ مَا ٱلْعَقَبَةُ }تفسير : [البلد: 12] فسره بفك الرقبة وبالإطعام الوجه الثاني: في تفسير العقبة هو أن ذكر العقبة ههنا مثل ضربه الله لمجاهدة النفس والشيطان في أعمال البر، وهو قول الحسن ومقاتل: قال الحسن عقبة الله شديدة وهي مجاهدة الإنسان نفسه وهواه وعدوه من شياطين الإنس والجن، وأقول هذا التفسير هو الحق لأن الإنسان يريد أن يترقى من عالم الحس والخيال إلى يفاع عالم الأنوار الإلهية ولا شك أن بينه وبينها عقبات سامية دونها صواعق حامية، ومجاوزتها صعبة والترقي إليها شديد. المسألة الثانية: أن في الآية إشكالاً وهو أنه قلما توجد لا الداخلة على المضي إلا مكررة، تقول: لا جنبني ولا بعدني قال تعالى: {أية : فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صَلَّىٰ } تفسير : [القيامة: 31] وفي هذه الآية ما جاء التكرير فما السبب فيه؟ أجيب عنه من وجوه الأول: قال الزجاج: إنها متكررة في المعنى لأن معنى {فَلاَ ٱقتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ } فلا فك رقبة ولا أطعم مسكيناً، ألا ترى أنه فسر اقتحام العقبة بذلك، وقوله: {أية : ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } تفسير : [البلد: 17] يدل أيضاً على معنى {فَلاَ ٱقتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ } ولا آمن الثاني: قال أبو علي الفارسي: معنى {فَلاَ ٱقتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ } لم يقتحمها، وإذا كانت لا بمعنى لم كان التكرير غير واجب كما لا يجب التكرير مع لم، فإن تكررت في موضع نحو {فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صَلَّىٰ } فهو كتكرر ولم: نحو {أية : لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ }تفسير : [الفرقان: 67]. المسألة الثالثة: قال القفال: قوله: {فَلاَ ٱقتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ } أي هلا أنفق ماله فيما فيه اقتحام العقبة؟ وأما الباقون فإنهم أجروا اللفظ على ظاهره وهو الإخبار بأنه ما اقتحم العقبة. ثم قال تعالى:
القرطبي
تفسير : أي فهلا أنفق ماله الذي أنفقه في عداوة محمد، هلا أنفقه لاقتحام العَقَبة فيأمن! والاقتحام: الرّمْيُ بالنفس في شيء من غير رَوِية؛ يقال منه: قَحَم في الأَمْر قُحوماً: أي رمى بنفسه فيه من غير روِية. وقَحَّم الفَرَس فارسَه تقحيماً على وجهه: إذا رماه. وتقحيم النفسِ في الشيء: إدخالها فيه من غير روِية. والقُحْمة (بالضم) المَهْلَكة، والسنة الشديدة. يقال: أصابت الأعراب القُحْمة: إذا أصابهم قحط، فدخلوا الريف. والقُحَم: صِعاب الطريق. وقال الفرّاء والزجاج: وذكر «لا» مرة واحدة، والعرب لا تكاد تفرد «لا» مع الفعل الماضي في مثل هذا الموضع، حتى يُعيدوها في كلام آخر؛ كقوله تعالى: { أية : فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صَلَّىٰ}تفسير : [القيامة: 31]{أية : ولا خَوْفٌ عليهم ولا هم يحزنون ». تفسير : [البقرة: 62] وإنما أفردوها لدلالة آخر الكلام على معناه؛ فيجوز أن يكون قوله: «ثم كان من الذِين آمنوا» قائماً مقام التكرير؛ كأنه قال: فلا اقتحم العقبة ولا آمن. وقيل: هو جارٍ مجرى الدعاء؛ كقوله: لا نجا ولا سلِم. {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْعَقَبَةُ }؟ قال سفيان بن عُيينة: كل شيء قال فيه «وما أدراك»؟ فإنه أَخْبَر به، وكل شيء قال فيه «وما يدريك»؟ فإنه لم يخبر به. وقال: معنى {فَلاَ ٱقتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ } أي فلم يقتحم العقبة؛ كقول زُهَير: شعر : وكانَ طَوَى كَشْحاً على مُسْتكِنَّةٍ فلا هُوَ أَبداها ولم يَتَقدّمِ تفسير : أي فلم يبدها ولم يتقدّم. وكذا قال المبرّد وأبو عليّ «لا»: بمعنى لم. وذكره البخارِيّ عن مجاهد. أي فلم يقتحم العقبة في الدنيا، فلا يحتاج إلى التكرير. ثم فَسَّر العقبة وركوبها فقال: {فَكُّ رَقَبَةٍ } وكذا وكذا؛ فبين وجوهاً من القُرَب المالية. وقال ابن زيد وجماعة من المفسرين: معنى الكلام الاستفهام الذي معناه الإنكار؛ تقديره: أفلا اقتحم العقبة، أو هلا اقتحم العقبة. يقول: هلا أنفق ماله في فكّ الرقاب، وإطعام السَّغْبان، ليجاوز به العقبة؛ فيكون خيراً له من إنفاقه في عداوة محمد صلى الله عليه وسلم. ثم قيل: اقتحام العقبة هاهنا ضرب مَثَل، أي هل تَحَمَّل عِظام الأمور في إنفاق ماله في طاعة ربه، والإيمان به. وهذا إنما يليق بقول من حمل {فَلاَ ٱقتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ } على الدعاء؛ أي فلا نجا ولا سلم من لم ينفق ماله في كذا وكذا. وقيل: شبه عِظم الذنوب وثِقلها وشدّتها بعقبة، فإذا أعتق رقبة وعمِل صالحاً، كان مثله كمثل من اقتحم العقبة، وهي الذنوب التي تضره وتؤذيه وتثقله. قال ابن عمر: هذه العقبة جبل في جهنم. وعن أبي رجاء قال: بلغنا أن العقبة مَصْعَدُها سبعة آلاف سنة، ومهبِطها سبعة آلاف سنة وقال الحسن وقتادة: هي عقبة شديدة في النار دون الجِسر، فاقتحِمُوها بطاعة الله. وقال مجاهد والضحاك والكلبِي: هي الصراط يُضْرب على جهنم كحدّ السيف، مسيرة ثلاثة آلاف سنة، سهلاً وصُعوداً وهُبوطاً. واقتحامه على المؤمن كما بين صلاة العصر إلى العشاء. وقيل: اقتحامه عليه قدرُ ما يصلي صلاة المكتوبة. وروي عن أبي الدرداء أنه قال: إن وراءنا عقبة، أَنْجَى الناسِ منها أخفهم حِمْلاً. وقيل: النار نفسها هي العقبة. فروى أبو رجاء عن الحسن قال: بلغنا أنه ما من مسلم يُعْتق رقبة إلا كانت فداءه من النار. وعن عبد الله بن عمر قال: من أعتق رقبة أعتق الله عز وجل بكل عضو منها عضواً منه. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: « حديث : من أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو منها عضواً من أعضائه من النار، حتى فرجَه بفرجه » تفسير : . وفي الترمذي عن أبي أُمامة وغيره من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : أيُّما امرىءٍ مُسْلِمٍ أعتقَ امْرأً مُسْلِماً، كان فَكَاكَهُ من النار، يَجْزِي كل عضو منه عضواً منه، وأيُّما امرأة مسلمة أعتقتْ امرأة مُسلمة، كانت فَكاكَها من النار، يجزي كل عضو منها عضواً منها » تفسير : . قال: هذا حديث حسن صحيح غريب. وقيل: العقبة خلاصه من هول العَرْض. وقال قتادة وكعب: هي نار دون الجسر. وقال الحسن: هي والله عقبة شديدة: مجاهدة الإنسان نفسه وهواه وعدوّه الشيطان. وأنشد بعضهم: شعر : إني بُلِيتُ بأربعٍ يَرْميننَي بالنَّبْل قد نَصَبوا عليّ شِراكا إبليسُ والدنيا ونفسي والهوَى من أين أرجو بينهن فَكاكا يا ربِّ ساعدني بعفوٍ إنني أصبحت لا أرجو لهن سِواكا
ابن كثير
تفسير : قال ابن جرير: حدثني عمر بن إسماعيل بن مجالد، حدثنا عبد الله بن إدريس عن أبيه عن أبي عطية عن ابن عمر في قوله تعالى: {فَلاَ ٱقتَحَمَ} أي: دخل {ٱلْعَقَبَةَ} قال: جبل في جهنم. وقال كعب الأحبار: { فَلاَ ٱقتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ} هو سبعون درجة في جهنم. وقال الحسن البصري: { فَلاَ ٱقتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ} قال: عقبة في جهنم، وقال قتادة: إنها عقبة قحمة شديدة، فاقتحموها بطاعة الله تعالى. وقال قتادة: {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْعَقَبَةُ}؟ ثم أخبر تعالى عن اقتحامها فقال: { فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَامٌ} وقال ابن زيد: { فَلاَ ٱقتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ} أي: أفلا سلك الطريق التي فيها النجاة والخير، ثم بينها فقال تعالى: {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَامٌ} قرىء: (فك رقبة) بالإضافة، وقرىء على أنه فعل، وفيه ضمير الفاعل، والرقبة مفعوله، وكلتا القراءتين معناهما متقارب. قال الإمام أحمد: حدثنا علي بن إبراهيم، حدثنا عبد الله ــــ يعني: ابن سعيد بن أبي هند ــــ عن إسماعيل بن أبي حكيم مولى آل الزبير، عن سعيد بن مرجانة: أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : من أَعتق رقبة مؤمنة، أعتق الله بكل إرب ــــ أي، عضو ــــ منها إرباً منه من النار، حتى إنه ليعتق باليد اليد، وبالرجل الرجل، وبالفرج الفرج» تفسير : فقال علي بن الحسين: أنت سمعت هذا من أبي هريرة؟ فقال سعيد: نعم فقال علي بن الحسين لغلام له أفره غلمانه: ادع مطرفاً، فلما قام بين يديه قال: اذهب فأنت حر لوجه الله، وقد رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي من طرق عن سعيد بن مرجانة به وعند مسلم أن هذا الغلام الذي أعتقه علي بن الحسين زين العابدين كان قد أعطي فيه عشرة آلاف درهم وقال قتادة عن سالم بن أبي الجعد عن معدان بن أبي طلحة عن أبي نجيح قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : أيما مسلم أعتق رجلاً مسلماً، فإن الله جاعل وفاء كل عظم من عظامه عظماً من عظام محرره من النار، وأيما امرأة أعتقت امرأة مسلمة، فإن الله جاعل وفاء كل عظم من عظامها عظماً من عظامها من النار» تفسير : رواه ابن جرير هكذا، وأبو نجيح هذا هو عمرو بن عبسة السلمي رضي الله عنه. قال الإمام أحمد: حدثنا حيوة بن شريح، حدثنا بقية، حدثني بجير بن سعد عن خالد بن معدان عن كثير بن مرة عن عمرو بن عبسة: أنه حدثهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من بنى مسجداً ليذكر الله فيه، بنى الله له بيتاً في الجنة، ومن أعتق نفساً مسلمة، كانت فديته من جهنم، ومن شاب شيبة في الإسلام، كانت له نوراً يوم القيامة» تفسير : (طريق أخرى) قال أحمد: حدثنا الحكم بن نافع، حدثنا حريز عن سليم بن عامر: أن شرحبيل بن السمط قال لعمرو بن عبسة: حدثنا حديثاً ليس فيه تزيد ولا نسيان قال عمرو: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : من أعتق رقبة مسلمة، كانت فكاكه من النار عضواً بعضو، ومن شاب شيبة في سبيل الله،كانت له نوراً يوم القيامة، ومن رمى بسهم فبلغ فأصاب أو أخطأ كان كمعتق رقبة من بني إسماعيل» تفسير : وروى أبو داود والنسائي بعضه (طريق أخرى) قال أحمد: حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا الفرج، حدثنا لقمان عن أبي أمامة عن عمرو بن عبسة، قال السلمي: قلت له: حدثنا حديثاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس فيه انتقاص ولا وهم، قال: سمعته يقول: «حديث : من ولد له ثلاثة أولاد في الإسلام، فماتوا قبل أن يبلغوا الحنث أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم، ومن شاب شيبة في سبيل الله، كانت له نوراً يوم القيامة، ومن رمى بسهم في سبيل الله بلغ به العدو، أصاب أو أخطأ، كان له عتق رقبة، ومن أعتق رقبة مؤمنة، أعتق الله بكل عضو منه عضواً منه من النار، ومن أنفق زوجين في سبيل الله، فإن للجنة ثماية أبواب، يدخله الله من أي باب شاء منها» تفسير : وهذه أسانيد جيدة قوية، ولله الحمد. (حديث آخر) قال أبو داود: حدثنا عيسى بن محمد الرملي، حدثنا ضمرة عن ابن أبي عبلة عن الغريف بن عياش الديلمي قال: أتينا واثلة بن الأسقع، فقلنا له: حدثنا حديثاً ليس فيه زيادة ولا نقصان، فغضب وقال: إن أحدكم ليقرأ، ومصحفه معلق في بيته، فيزيد وينقص قلنا: إنما أردنا حديثاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في صاحب لنا قد أوجب ــــ يعني: النار بالقتل ــــ فقال: «حديث : أعتقوا عنه يعتق الله بكل عضو منه عضواً من النار» تفسير : وكذا رواه النسائي من حديث إبراهيم بن أبي عبلة عن الغريف بن عياش الديلمي عن واثلة به. (حديث آخر) قال أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا هشام عن قتادة عن قيس الجذامي عن عقبة بن عامر الجهني: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من أعتق رقبة مسلمة، فهو فداؤه من النار» تفسير : وحدثنا عبد الوهاب الخفاف عن سعيد عن قتادة قال: ذكر لنا أن قيساً الجذامي حدث عن عقبة بن عامر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من أعتق رقبة مؤمنة، فهي فكاكه من النار» تفسير : تفرد به أحمد من هذا الوجه. (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن آدم وأبو أحمد قالا: حدثنا عيسى بن عبد الرحمن البجلي من بني بجيلة من بني سليم عن طلحة بن مصرف عن عبد الرحمن بن عوسجة عن البراء بن عازب قال: جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله علمني عملاً يدخلني الجنة، فقال: «حديث : لئن كنت أقصرت الخطبة، لقد أعرضت المسألة، أعتق النسمة، وفكّ الرقبة» تفسير : فقال: يا رسول الله أوليستا بواحدة؟ قال: «حديث : لا، إن عتق النسمة أن تنفرد بعتقها، وفك الرقبة أن تعين في عتقها، والمنحة الوكوف والفيء على ذي الرحم الظالم، فإن لم تطق ذلك، فأطعم الجائع، واسق الظمآن، وامر بالمعروف، وانه عن المنكر، فإن لم تطق ذلك، فكف لسانك إلا من الخير» تفسير : وقوله تعالى: { أَوْ إِطْعَامٌ فِى يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ} قال ابن عباس: ذي مجاعة، وكذا قال عكرمة ومجاهد والضحاك وقتادة وغير واحد، والسغب هو الجوع، وقال إبراهيم النخعي: في يوم الطعام فيه عزيز، وقال قتادة: في يوم مشتهى فيه الطعام. وقوله تعالى: {يَتِيماً} أي: أطعم في مثل هذا اليوم يتيماً {ذَا مَقْرَبَةٍ} أي: ذا قرابة منه، قاله ابن عباس وعكرمة والحسن والضحاك والسدي، كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا يزيد، أخبرنا هشام عن حفصة بنت سيرين عن سلمان بن عامر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم اثنتان: صدقة، وصلة» تفسير : وقد رواه الترمذي والنسائي، وهذا إسناد صحيح، وقوله تعالى: { أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ} أي: فقيراً مدقعاً لاصقاً بالتراب، وهو الدقعاء أيضاً. قال ابن عباس: ذا متربة: هو المطروح في الطريق، الذي لا بيت له، ولا شيء يقيه من التراب، وفي رواية: هو الذي لصق بالدقعاء؛ من الفقر والحاجة، ليس له شيء، وفي رواية عنه: هو البعيد التربة، قال ابن أبي حاتم: يعني: الغريب عن وطنه، وقال عكرمة: هو الفقير المديون المحتاج، وقال سعيد بن جبير، هو الذي لا أحد له، وقال ابن عباس وسعيد وقتادة ومقاتل بن حيان: هو ذو العيال، وكل هذه قريبة المعنى. وقوله تعالى: {ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ} أي: ثم هو مع هذه الأوصاف الجميلة الطاهرة مؤمن بقلبه، محتسب ثواب ذلك عند الله عز وجل؛ كما قال تعالى: {أية : وَمَنْ أَرَادَ ٱلأَخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَـٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا} تفسير : [الإسراء: 19] وقال تعالى: {أية : مَنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ} تفسير : الآية [النحل: 97]. وقوله تعالى: {وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْمَرْحَمَةِ} أي: كان من المؤمنين العاملين صالحاً، المتواصين بالصبر على أذى الناس، وعلى الرحمة بهم؛ كما جاء في الحديث الشريف: «حديث : الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض، يرحمكم من في السماء» تفسير : وفي الحديث الآخر «حديث : لا يرحم الله من لا يرحم الناس»تفسير : . وقال أبو داود: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا سفيان عن ابن أبي نجيح عن ابن عامر عن عبد الله بن عمرو يرويه قال: «حديث : من لم يرحم صغيرنا، ويعرف حق كبيرنا، فليس منا.»تفسير : وقوله تعالى { أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْمَيْمَنَةِ} أي: المتصفون بهذه الصفات من أصحاب اليمين. ثم قال: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـآيَـٰتِنَا هُمْ أَصْحَـٰبُ ٱلْمَشْـئَمَةِ} أي: أصحاب الشمال { عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَةٌ} أي: مطبقة عليهم، فلا محيد لهم عنها، ولا خروج لهم منها. قال أبو هريرة وابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير ومجاهد ومحمد بن كعب القرظي وعطية العوفي والحسن وقتادة والسدي: {مُّؤْصَدَةٌ} أي: مطبقة، قال ابن عباس: مغلقة الأبواب، وقال مجاهد: أصد الباب بلغة قريش أي: أغلقه، وسيأتي في ذلك حديث في سورة: {أية : وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ} تفسير : [الهمزة: 1] وقال الضحاك: {مُّؤْصَدَةٌ} حيط لا باب له، وقال قتادة {مُّؤْصَدَةٌ} مطبقة، فلا ضوء فيها، ولا فرج، ولا خروج منها آخر الأبد، وقال أبو عمران الجوني: إذا كان يوم القيامة، أمر الله بكل جبار وكل شيطان وكل من كان يخاف الناس في الدنيا شره، فأوثقوا بالحديد، ثم أمر بهم إلى جهنم، ثم أوصدوها عليهم، أي: أطبقوها، قال: فلا والله لا تستقر أقدامهم على قرار أبداً، ولا والله لا ينظرون فيها إلى أديم سماء أبداً، ولا والله لا تلتقي جفون أعينهم على غمض نوم أبداً، ولا والله لا يذوقون فيها بارد شراب أبداً، رواه ابن أبي حاتم. آخر تفسير سورة البلد، ولله الحمد والمنة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَلا } فهلا {ٱقتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ } جاوزها؟.
الماوردي
تفسير : {فلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ} فيها خمسة أقاويل: أحدها: أنها طريق النجاة، قاله ابن زيد. الثاني: أنها جبل في جهنم، قاله ابن عمر. الثالث: أنها نار دون الحشر، قاله قتادة. الرابع: أنها الصراط يضرب على جهنم كحد السيف، قاله الضحاك، قال الكلبي: صعوداً وهبوطاً. الخامس: أن يحاسب نفسه وهواه وعدوّه الشيطان، قاله الحسن. قال الحسن: عقبة والله شديدة. ويحتمل سادساً: اقتحام العقبة خالصة من الغرض. وفي معنى الكلام وجهان: أحدهما: اقتحام العقبة فك رقبة، قاله الزجاج. الثاني: معناه فلم يقتحم العقبة إلا مَنْ فكَّ رقبة أو أطعم، قاله الأخفش. ثم قال: {وما أدْراكَ ما العَقَبَةُ} وهذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ليعلمه اقتحام العقبة. ثم بين تعالى ما تقتحم به العقبة. فقال: {فَكُّ رَقَبَةٍ} فيه وجهان: أحدهما: إخلاصها من الأسر. الثاني: عتقها من الرق، وسمي المرقوق رقبة لأنه بالرق كالأسير المربوط من رقبته، وسمي عتقاً فكها لأنه كفك الأسير من الأسر، قال حسان بن ثابت: شعر : كم مِن أسيرٍ فككناه بلا ثَمنٍ وجَزّ ناصية كُنّأ مَواليها تفسير : وروى عقبة بن عامر الجهني أن النبي عليه السلام قال: من أعتق مؤمنة فهي فداؤه من النار. ويحتمل ثالثاً: أنه أرد فك رقبته وخلاص نفسه باجتناب المعاصي وفعل الطاعات، لا يمنع الخبر من هذا التأويل، وهو أشبه الصواب. ثم قال تعالى: {أو إطعامٌ في يومٍ ذي مَسْغَبَةٍ} أي مجاعة، لقحط أو غلاء. {يتيماً ذا مَقْرَبةٍ} ويحتمل أن يريد ذا جوار. {أو مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ} فيه سبعة أوجه: أحدها: أن ذا المتربة هو المطروح على الطريق لا بيت له، قاله ابن عباس، الثاني: هو الذي لا يقيه من التراب لباس ولا غيره، قاله مجاهد. الثالث: أنه ذو العيال، قاله قتادة. الرابع: أنه المديون، قاله عكرمة. الخامس: أنه ذو زمانة، قاله ابو سنان. السادس: أنه الذي ليس له أحد، قاله ابن جبير. السابع: أن ذا المتربة: البعيد التربة، يعني الغريب البعيد عن وطنه، رواه عكرمة عن ابن عباس. {ثُمَّ كانَ مِنَ الذين آمَنوا وَتَوَاصَوْا بالصَّبْر} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: بالصبر على طاعة الله، قاله الحسن. الثاني: بالصبر على ما افترض الله عليه، قاله هشام بن حسان. الثالث: بالصبر على ما أصابهم، قاله سفيان. ويحتمل رابعاً: بالصبر على الدنيا وعن شهواتها. {وتَواصَوْا بالمَرْحَمَةِ} أي بالتراحم فيما بينهم، فرحموا الناس كلهم ويحتمل ثانياً: وتواصوا بالآخرة لأنها دار الرحمة، فيتواصوا بترك الدنيا وطلب الآخرة. {أولئك أصحابُ المَيْمَنَةِ} يعني الجنة، وفي تسميتهم أصحاب الميمنة أربعة أوجه: أحدها: لأنهم أُخذوا من شق آدم الأيمن، قاله زيد بن أسلم. الثاني: لأنهم أوتوا كتابهم بأيمانهم، قاله محمد بن كعب. الثالث: لأنهم ميامين على أنفسهم، قاله يحيى بن سلام. الرابع: لأنه منزلهم على اليمين، قاله ميمون. {والّذِين كَفَروا بآياتِنا} فيه وجهان: أحدهما: بالقرآن، قاله ابن جبير. الثاني: هي جميع دلائل الله وحُججه، قاله ابن كامل. {هُمْ أصحابُ المشْأَمةٍ} يعني جهنم، وفي تسميتهم بذلك أربعة أوجه: أحدها: لأنهم أُخذوا من شق آدم الأيسر، قاله زيد بن أسلم. الثاني: لأنهم أُوتوا كتابهم بشمالهم، قاله محمد بن كعب. الثالث: لأنهم مشائيم على أنفسهم، قاله يحيى بن سلام. الرابع: لأن منزلهم عن اليسار، وهو مقتضى قول ميمون. {عليهم نارٌ مُّؤصَدَةٌ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: المؤصدة المطبقة، قاله ابن عباس وأبو هريرة وقتادة. الثاني: مسدودة، قاله مجاهد. الثالث: لها حائط لا باب له، قاله الضحاك.
ابن عطية
تفسير : في هذه الآية على عرف كلام العرب، استعارة لهذا العمل الشاق على النفس من حيث هو بذل مال تشبيه بعقبة الجبل، وهي ما صعب منه وكان صعوداً، و {اقتحم} معناه: دخلها وجاوزها بسرعة وضغط وشدة، وأما المفسرون فرأوا أن {العقبة} يراد بها جبل في جهنم، لا ينجي منه إلا هذه الأعمال ونحوها، قاله ابن عباس وقتادة، وقال الحسن: {العقبة} جهنم، قال هو وقتادة فاقتحموها بطاعة الله، وفي الحديث: "حديث : إن اقتحامها للمؤمن كما بين صلاة العصر إلى العشاء"، تفسير : واختلف الناس في قوله {فلا} فقال جمهور المتأولين: هو تحضيض بمعنى "فألا"، وقال آخرون وهو دعاء بمعنى أنه ممن يستحق أن يدعى عليه بأن لا يفعل خيراً، وقيل هي نفي، أي " فما اقتحم"، وقال أبو عبيدة والزجاج وهذا نحو قوله تعالى: {أية : فلا صدق ولا صلى} تفسير : [القيامة: 31] فهو نفي محض كأنه قال: وهبنا له الجوارح ودللناه على السبيل فما فعل خيراً، ثم عظم الله تعالى أمر العقبة في النفوس بقوله: {وما أدراك ما العقبة} ؟ ثم فسر اقتحام العقبة بقوله {فك رقبة} وذلك أن التقدير وما أدراك ما اقتحام العقبة؟ هذا على قراءة من قرأ "فكُّ رقبة" بالرفع على المصدر، وأما من قرأ "فكّ" على الفعل الماضي ونصب الرقبة، فليس يحتاج أن يقدر {وما أدراك} ما اقتحام، بل يكون التعظيم للعقبة نفسها، ويجيء "فكّ" بدلاً من {اقتحم} ومبيناً. وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة "فك رقبة أو إطعام" وقرأ أبو عمرو "فك رقبةً" بالنصب "أو أطعم"، وقرأ بعض التابعين "فكِّ رقبة" بالخفض، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو أيضاً والكسائي "فكَّّ رقبة" بالنصب "أو إطعام". وترتيب هذه القراءات ووجوهها بينة، وفك الرقبة معناه: بالعتق من ربقة الأسر أو الرق، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أعتق نسمة مؤمنة أعتق الله بكل عضو منها عضواً منه من النار." حديث : وقال أعرابي للنبي صلى الله عليه وسلم: دلني على عمل أنجو به، فقال:"لئن قصرت القول لقد عرضت المسألة فك رقبة، وأعتق النسمة"، فقال الأعرابي: أليس هما واحداً؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا عتق النسمة أن تنفرد بعتقها، وفك الرقبة أن تعين في ثمنها" . تفسير : قال القاضي أبو محمد: وكذلك فك الأسير إن شاء الله، وفداؤه أن ينفرد الفادي به، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم للأعرابي: "حديث : وأبق على ذي الرحم الظالم، فإن لم تطق هذا كله، فكف لسانك إلا من خير" تفسير : و"المسغبة": المجاعة. والساغب: الجائع. وقرأ جمهور الناس "ذي مسغبة" على نعت {يوم}، وقرأ علي بن أبي طالب والحسن وأبو رجاء "ذا مسغبة" على أن يعمل فيها " أطعم" أو "إطعام" على القراءتين المذكورتين، وفي هذا حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه، لأن التقدير إنساناً ذا مسغبة ووصفت الصفة لما قامت مقام موصوفها المحذوف، وأشبهت الأسماء، و"المسغبة": الجوع العام، وقد يقال في الخاص: سغب الرجل إذا جاع. وقوله تعالى: {ذا مقربة} معناه: ذا مقربة لتجتمع الصدقة والصلة، وهذا نحو ماحديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزينب امرأة عبد الله بن مسعود: "تصدقي على زوجك فهي صدقة لك وصلة"تفسير : ، و {أو} في قوله {أو مسكيناً ذا متربة} فيها معنى الإباحة ومعنى التخيير، لأن الكلام يتضمن معنى الحض والأمر فيها أيضاً معنى التفضيل المجرد، لأن الكلام يجري مجرى الخبر الذي لا تكون {أو} فيه إلا منفصلة، وأما معنى الشك أو الإبهام فلا مدخل لها في هذه الآية، والإبهام نحو قوله تعالى: {أية : وإنا أو إياكم} تفسير : [سبأ: 24]، وقول أبي الأسود: [الوافر] شعر : أحب محمداً حباً شديداً وعباساً وحمزة أو عليا تفسير : و {ذا متربة} معناه: مذقعاً قد لصق بالتراب وهذا مما ينحو إلى أن المسكين أشد فاقة من الفقير، قال سفيان: هم المطروحون على ظهر الطريق قعوداً على التراب لا بيوت لهم. وقال ابن عباس هو الذي يخرج من بيته ثم يقلب وجهه إلى بيته مستيقناً أنه ليس فيه إلا التراب، وقوله تعالى: {ثم كان} معطوف على قوله {اقتحم} وتوجه فيه معاني، {فلا اقتحم} المذكورة من النفي والتحضيض والدعاء، ورجح أبو عمرو بن العلاء قراءته {فك} بقوله {ثم كان}, ومعنى قوله {ثم كان} أي كان وقت اقتحامه العقبة {من الذين آمنوا} وليس المعنى أنه يقتحم، ثم يكون بعد ذلك لأن الاقتحام كان يقع من غير مؤمن وذلك غير نافع. وقوله تعالى: {وتواصوا بالصبر} معناه: على طاعة الله وبلائه وقضائه وعن الشهوات والمعاصي. و {بالرحمة} ، قال ابن عباس: كل ما يؤدي إلى رحمة الله تعالى. وقال آخرون: هو التراحم وعطف بعض من الناس على بعض، وفي ذلك قوام الناس ولو لم يتراحموا جملة هلكوا، و {الميمنة} مفعلة، وهي فيما روي عن يمين العرش، وهو موضع الجنة ومكان المرحومين من الناس، و{المشأمة} الجانب الأشأم وهو الأيسر، وفيه جهنم، وهو طريق المعذبين يؤخذ بهم ذات الشمال، وهذا مأخوذ من اليمن والشام للواقف بباب الكعبة متوجهاً إلى مطلع الشمس، واليد الشؤمى هي اليسرى، وذهب الزجاج وقوم إلى ذلك من اليمن والشؤم, وقرأ ابن كثير وابن عامر ونافع والكسائي وأبو بكر عن عاصم "موصدة" على وزن موعدة وكذلك في سورة الهمزة، وقرأ أبو عمرو وحمزة وحفص عن عاصم "مؤصدة" بهمز الواو في السورتين، ومعناهما جميعاً، مطبقة معلقة، يقال: أوصدت وآصدت، بمعنى أطبقت وأغلقت، فهي "موصدة" دون همز من أوصدت، وقد يحتمل أن يهمز من يراها من أوصدت من حيث قبل الواو حرف مضموم على لغة من قرأ بالسوق، ومنه قول الشاعر [جرير]: شعر : أحب المؤقدان إليَّ مؤسى تفسير : بالهمز فيهما، و "مؤصدة" من آصدت، ويحتمل أن تسهل الهمزة فتجيء "موصدة" من أصدت ومن اللفظة الوصيد، وقال الشاعر [الأعشى]: [الكامل] شعر : قوماً يعالج قملا أبناؤهم وسلاسلاً حلقاً وباباً موصدا
ابن عبد السلام
تفسير : {الْعَقَبَةَ} طريق النجاة أو جبل في جهنم أو نار دون الجسر "ح" أو الصراط يضرب على جهنم صعوداً وهبوطاً أو أن يحاسب نفسه وهواه وعدوه الشيطان.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {فَلاَ ٱقتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ} الآية، قولهُ «فَلاَ» هو عند الجمهورِ تحضيضٌ بمعنى: ألا ٱقتحم، والعقبةُ في هذه الآيةِ عَلى عُرْفِ كلامِ العَرَبِ استعارةٌ لهذا العمل الشاقِّ على النفسِ، من حيثُ هو بِذَلُ مالٍ، تشبيهٌ بعقبةِ الجبَلِ، و{ٱقتَحَمَ}: معناه: دَخَلَهَا وجَاوَزَها بسرعةٍ وضَغْط وشدة، ثم عَظَّم تعالى أمر العقبةِ في النفوس بقولهِ: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا ٱلْعَقَبَةُ} ثمَّ فَسَر اقتحَامَ العقبةِ بقوله: {فَكُّ رَقَبَةٍ} الآية، وهذا على قراءةِ مَنْ قرأ: {فَكُّ رَقَبَةٍ} بالرفعِ على المَصْدَرِ وأما من قرأ: «فَكَّ رَقَبَةً أوْ أطْعَمَ» عَلَى الفعلِ، ونَصَبَ الرقبةَ، وهي قراءةُ أبي عمرِو، فليسَ يحتاجُ أن يُقَدَّرَ: وما أدرَاكَ ما اقتحامٌ بلْ يكونُ التعظيمُ للعقَبةِ نَفْسِها ويجيءُ {فَكُّ} بَدَلاً من {ٱقتَحَمَ} ومبيَّناً لَه، وفَكُّ الرقَبةِ هو عَتْقُها من رِبْقَةِ الأسرِ أو الرِّقِّ، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : مَنْ أعْتَقَ نَسَمَةً مؤمِنَةً أعْتَقَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهَا عُضْواً مِنْهُ مِنَ النَّارِ»تفسير : ، والمسْغَبَةُ: المجاعَةُ، والساغِبُ: الجائعُ و{ذَا مَقْرَبَةٍ}: معناه: ذَا قَرَابَةٍ؛ لتجتمعَ الصدقةُ والصلة، و{ذَا مَتْرَبَةٍ}: معناه: مُدْقَعاً قَدْ لَصِقَ بالترابِ وهذا ينْحو إلى أنّ المسكينَ أشَدَّ فاقةً مِنَ الفقيرِ، قال سفيانُ: هم المَطْرُوحُونَ على ظهرِ الطريقِ قُعُوداً على الترابِ لا بُيُوتَ لهم، وقال ابن عباس: هو الذي يَخْرُجُ من بيته ثم يَقْلِبُ وجهَه إلى بيته مستيقناً أنه ليسَ فيه إلا التراب.
ابن عادل
تفسير : قوله: {فَلاَ ٱقتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ}. قال الفراءُ والزجاجُ: ذكر "لا" مرة واحدة، والعرب لا تكاد تفرد: "لا" مع الفعل الماضي، حتى تعيد "لا"، كقوله تعالى: {أية : فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صَلَّىٰ} تفسير : [القيامة: 31] وإنَّما أفردها لدلالة آخر الكلام على معناه، فيجوز أن يكون قوله تعالى: {ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} قائماً مقام التكرير، فكأنه قال: فلا اقتحم العقبة ولا آمن. وقال الزمخشريُّ: هي متكررة في المعنى؛ لأن معنى: "فلا اقتحم العقبة: فلا فكَّ رقبة، ولا أطعم مسكيناً". ألا ترى أنه فسر اقتحام العقبة بذلك؟. قال أبو حيَّان: ولا يتم له هذا إلا على قراءة: "فكّ" فعلاً ماضياً. وقال الزجاج والمبردُ وأبو عليٍّ، وذكره البخاري عن مجاهد: أن قوله تعالى: {ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} يدل على أن "لا" بمعنى: "لم"، ولا يلزم التكرير مع "لم"، فإن كررت "لا" كقوله: {أية : فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صَلَّىٰ} تفسير : [القيامة: 31]، فهو كقوله تعالى: {أية : لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ} تفسير : [الفرقان: 67]. فصل في معنى الآية المعنى: فهلاَّ أنفق ماله في اقتحام العقبة، الذي يزعم أنه أنفقه في عداوة محمد صلى الله عليه وسلم هلا أنفقه في اقتحام العقبة، فيأمن، والاقتحامُ: الرمي بالنفس في شيء من غير روية، يقال منه: قحم في الأمر قُحُوماً، أي: رمى بنفسه فيه من غير روية، وقَحَّم الفرس فارسه تقحيماً على وجهه: إذا رماه وتقحيم النفس في الشيء: إدخالها فيه من غير روية، والقُحْمَةُ - بالضم - المهلكة والسَّنة الشديدة، يقال: أصاب العرب القُحْمَةُ: إذا أصابهم قحط [فدخلوا الريف] والقُحَمُ: صعاب الطريق. وقال عطاء: يريد عقبة جهنم. وقال مجاهدٌ والضحاك: هي الصراطُ. قال الواحدي: وهذا فيه نظر؛ لأن من المعلوم أن هذا الإنسان وغيره، لم يقتحموا عقبة جهنم, ولا جاوزوها. وقال ابن العربي: قال مجاهد: اقتحام العقبة في الدنيا؛ لأنه فسره بعد ذلك، بقوله: "فكُّ رقَبةٍ" أو أطعم في يومٍ يتيماً، أو مسكيناً، وهذه الأعمال إنما تكون في الدنيا. وقال الحسنُ ومقاتلٌ: هذا مثلٌ ضربه الله تعالى، لمجاهدة النفس، والشيطان في أعمال البر. قال القفال: قوله تعالى: {فَلاَ ٱقتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ}، معناه: فلا أنفق ماله فيما فيه اقتحام العقبة. وقيل: معنى قوله تعالى: {فَلاَ ٱقتَحَمَ} دعاء، أي: فلا نجا ولا سلم، من لم ينفق ماله في كذا وكذا. وقيل: شبه عظيم الذنوب، وثقلها بعقبةٍ، فإذا أعتق رقبة، أو عمل صالحاً، كان مثله مثل من اقتحم العقبة، وهي الذنوب تضره، وتؤذيه وتثقله. ثم قال تعالى: {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْعَقَبَةُ}. قال سفيان بن عيينة: كل شيء قال فيه: "وَمَا أدْرَاكَ"، فقد أخبر به، وكل شيء قال فيه: "ومَا يُدرِيكَ"، فإنه لم يخبره به، وما أدراك ما اقتحام العقبة، وهذا تعظيم لإلزام أمر الدين، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ليعلمه اقتحام العقبة، ثم إنه تعالى فسر العقبة بقوله: {فَكُّ رَقَبَةٍ}. قوله: {فَكُّ رَقَبَةٍ}. قرأ أبو عمرو وابن كثيرٍ والكسائي: "فكَّ": فعلاً ماضياً، و "رَقَبةٌ": نصباً، "أو أطْعَمَ": فعلاً ماضياً. والباقون: "فكُّ": يرفع الكاف اسماً، "رقَبَةٍ": خفض بالإضافة، "أوْ إطْعَامٌ": اسم مرفوع أيضاً. فالقراءة الأولى: الفعل فيها، بدل من قوله: "اقتحم"، فهو بيان له، فكأنه قيل: فلا فك رقبة ولا أطعم. والثانية: مرتفع فيها: "فكُّ"، على إضمار مبتدأ، أي: هو فك رقبة، "أو إطعام" على معنى الإباحة، وفي الكلام حذف مضاف، دل عليه "فلا اقتحم"، تقديره: وما أدراك ما اقتحام العقبة، فالتقدير: اقتحام العقبة فك رقبة، أو إطعام، وإنما احتيج إلى تقدير هذا المضاف ليطابق المفسر والمفسر؛ ألا ترى أن المفسِّر - بكسر السين - مصدر، والمفسَّر - بفتح السين - وهو العقبة غير مصدر، فلو لم يقدر مضافاً، لكان المصدر، وهو "فك" مفسراً للعين، وهي العقبة. وقرأ أميرُ المؤمنين وأبو رجاء: "فكَّ، أو أطعمَ" فعلين - كما تقدم - إلا أنهما نصبا: "ذا" الألف. وقرأ الحسنُ: "إطعام"، و "ذا" بالألف أيضاً، وهو على هاتين القراءتين: مفعول: "أطعم"، أو "إطعام"، و "يتيماً" حينئذ بدل منه أو نعت له، وهو في قراءة العامة: "ذي" بالياء: نعت لـ "يوم"، على سبيل المجاز، وصف اليوم بالجوع مبالغة، كقولهم: ليلك قائم، ونهارك صائم، والفاعل لـ "إطعام": محذوف، وهذا أحد المواضع التي يطرد فيها حذف الفاعل وحده عند البصريين. فصل في الاستفهام في الآية قال ابنُ زيدٍ، وجماعة من المفسرين: معنى الكلام الاستفهام على معنى الإنكار، تقديره: هلاَّ أقتحم العقبة، تقول: هلا أنفق ماله في فك الرقاب، وإطعام السغبان، فيكون خيراً له من إنفاقه في عداوة محمد عليه الصلاة والسلام. فصل في الفرق بين الفك والرق الفكّ: التفريق، ومنه فكُّ القيد, وفكُّ الرقبة، فرق بينها وبين صفة الرق بإيجاد الحرفة، وإبطال العبودية، ومنه فكُّ الرهن، وهو إزالته عن المرتهن، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أيُّمَا امرئٍ مُسْلمٍ أعتقَ امْرءاً مُسْلِمَاً كَانَ فِكاكَه مِنَ النَّارِ يَجرِي على كُلِّ عَضوٍ مِنهُ عُضواً مِنهُ" تفسير : الحديث. وسمي المرقوق رقبة؛ لأنه بالرق كالأسير المربوط في رقبته، وسمي عتقها فكَّا كفك الأسير من الأسْر؛ قال: [البسيط] شعر : 5214- كَــمْ مِـنْ أسِيـرٍ فَكَكنَـاهُ بِـــلاَ ثَمَــنٍ وجَـرِّ نَاصِيـةٍ كُنَّــا مَواليهَــا تفسير : قال الماورديُّ: ويحتمل ثانياً: إنه أراد فك رقبته، وخلاص نفسه، باجتناب المعاصي، وفعل الطاعات، ولا يمتنع الخبر من هذا التأويل، وهو أشبه بالصواب. فص في أن العتق أفضل من الصدقة قال أبو حنيفة - رضي الله عنه -: العِتْقُ أفضل من الصدقة، وعند صاحبيه الصدقة أفضل، والآية أدلّ على قول أبي حنيفة، لتقديم العتق على الصدقة. قوله: {أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ}، أي: مجاعة، والسَّغبُ: الجوع، والسَّاغبُ: الجائع. قال شهابُ الدِّين: والمسغبةُ: الجوع مع التعب، وربما قيل في العطش مع التعب. قال الراغب: يقال سغَبَ الرجل يسغبُ سغباً وسغوباً فهو ساغبٌ، وسغبان، والمسغبةُ: مفعل منه. وأنشد أبو عبيدة: [الطويل] شعر : 5215- فَلَوْ كُنْت جاراً يَا بْنَ قَيْسٍ بن عاصمٍ لمَا بتَّ شَبْعَاناً وجاركَ سَاغِبا تفسير : فصل إطعام الطعام فضيلة، وهو مع السغب الذي هو الجوع أفضل. وقال النخعي في قوله تعالى: {أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ}، قال: في يوم عزيز فيه الطَّعام. قوله: {يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ}، أي: قرابة. قال الزمخشريُّ: "والمَسْغبَةُ، والمَقربةُ، والمَتربةُ: مفعلات، من سغبَ إذا جاع، وقرب في النسب، قال: فلان ذو قرابتي وذو مقربتي، وترب إذا افتقر". وهذه الآية تدل على أن الصدقة على الأقارب، أفضل منها على الأجانب. واليتيم: قال بعض العلماء: اليتيمُ في الناس من قبل الأب، وفي البهائمِ من قبلِ الأمَّهاتِ. وقال بعضهم: اليتيمُ: "الذي يموت أبواه". قال قيس بن الملوح: [الطويل] شعر : 5216- إلى اللهِ أشْكُو فَقْدَ لَيْلَى كَما شَكَا إلى الله فَقْدَ الوَالِدَيْنِ يَتِيمُ تفسير : ويقال: يتم الرجل يتماً: إذا ضعف. قوله: {أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ}، أي: لا شيء له، حتى كأنه قد لصق بالتراب من الفقر يقال: ترب أي افتقر حتى لصق جلده بالتراب، فأما أترب بالألف فمعناه استغنى نحو: أثرى أي صار مالكه كالتراب وكالثرى. قال المفسرون: هو الذي ليس له مأوى إلا التراب. وقال ابن عباس: هو المطروح على الطريق الذي لا بيت له. وقال مجاهد: الذي لا يقيه من التراب لباس ولا غيره. وقال قتادة: إنه ذو العيال. وقال عكرمة عن ابن عباس: ذو المتربة هو البعيد عن وطنه، ليس له مأوى إلاَّ التراب. فصل في أن المسكين قد يملك شيئاً احتجوا بهذه الآية على أن المسكين قد يملك شيئاً؛ لأنه لو كان المسكين هو الذي لا يملك شيئاً - ألبتة - لكان تقييده بقوله: "ذا مَتْربة" تكرير. قوله: {ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ}. التراخي في الإيمان، وتباعده في المرتبة والفضيلة عن العتق والصدقة، لا في الوقت؛ لأن الإيمان هو السابق، ولا يثبت عمل إلاَّ به. قاله الزمخشري وقيل: المعنى: ثُمَّ كان في عاقبة أمره من الذين وافوا الموت على الإيمان؛ لأنَّ الموافاة عليه شرط في الانتفاع بالطَّاعات. وقيل: التراخي في الذكر. قال المفسرون: معناه أنه لا يقتحم العقبة من فك رقبته، أو أطعم في يوم ذي مسغبة، حتى يكون من الذين آمنوا، أي: صدقوا، فإنّ شرط قبول الطاعات الإيمان بالله تعالى، فالإيمان بعد الإنفاق لا ينفع، قال تعالى في المنافقين: {أية : وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ} تفسير : [التوبة: 54]. وقيل: {ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} أي: فعل هذه الأشياء وهو مؤمن ثم بقي على إيمانه حتى الوفاة [فيكون المعنى: ثم كان مع تلك الطاعات من الذين آمنوا]، نظيره قوله تعالى: {أية : وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحَاً ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ} تفسير : [طه: 82]. وقيل: المعنى: ثم كان من الذين يؤمنون بأن هذا نافع لهم عند الله تعالى. وقيل: أتى بهذه القرب لوجه الله - تعالى - ثم آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: إن "ثُمَّ" بمعنى: الواو، أي: وكان هذا المعتق للرقبة، والمطعم في المسغبةِ، من الذين آمنوا. قوله: {وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ}، أي: أوصى بعضهم بعضاً على طاعة الله، وعن معاصيه، وعلى ما أصابهم من البلاء والمصائب، {وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْمَرْحَمَةِ}، أي: بالرحمة على الخلق فإنَّهم إذا فعلوا ذلك، رحموا اليتيم والمسكين، ثم إنه تعالى بينهم، فقال تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ}، أي: الذين يؤتون كتبهم بأيمانهم، قاله محمد بن كعب القرظي. [وقال يحيى بن سلام: لأنهم ميامين على أنفسهم. وقال ابن زيد: لأنهم أخذوا من شق آدم الأيمن. وقال ميمون بن مهران لأن منزلتهم عن اليمين]. قوله: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا}، أي: القرآن، {هُمْ أَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ} أي: يأخذون كتبهم بشمائلهم قاله محمد بن كعب، وقال يحيى بن سلام: لأنهم مشائيم على أنفسهم. وقال ابن زيد: لأنهم أخذوا من شق آدم الأيسر. وقال ميمون: لأن منزلتهم على اليسار. قال القرطبي: ويجمع هذه الأقوال أن يقال: إن أصحاب الميمنة أصحاب الجنة، وأصحاب المشئمة أصحاب النار. قوله: {عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَةٌ}، قرأ أبو عمروٍ وحمزةُ وحفصٌ: بالهمزة. والباقون: بلا همز. فالقراءة الأولى: من "آصَدتُ الباب" أي: أغلقته، أوصده، فهو مؤصد، قيل: ويحتمل أن يكون من "أوْصدْتُ"، ولكنه همز الواو السَّاكنة لضمة ما قبلها، كما همز {أية : بِٱلسُّوقِ وَٱلأَعْنَاقِ} تفسير : [ص: 33]. والقراءة الثانية - أيضاً - تحتمل المادتين، ويكون قد خفف الهمزة، لسكونها بعد ضمة. وقد نقل الفرَّاء عن السوسي الذي قاعدته إبدال مثل هذه الهمزة، أنه لا يبدل هذه، وعللوا ذلك بالإلباس وأيقن أنه قرأ: "مؤصدة" بالواو من قاعدته تخفيف الهمزة. والظاهر أن القراءتين من مادتين: الأولى من "آصَدَ, يُوصِدُ" كـ "أكرم يكرم"، والثانية من "أوْصَدَ، يُوصِدُ" مثل "أوصل يوصل". وقال الشاعر: [الطويل] شعر : 5217- تَحِنُّ إلى أجْبَالِ مكَّةَ نَاقتِي ومِنْ دُونهَا أبْوابُ صَنعاءُ مُؤصَدَهْ تفسير : أي: مغلقة؛ وقال آخر: [الكامل] شعر : 5218- قَوْمٌ يُعَالِـجُ قُمَّـلاً أبْناؤُهُـمْ وسَــلاسِــلاً حِـلقـاً وبَـابـاً مُؤصــدا تفسير : وكان أبو بكر راوي عاصم يكره الهمز في هذا الحرف، وقال: لنا إمام يهمز: "مؤصدة"، فأشتهي أن أسد أذني إذا سمعته. قال شهابُ الدِّين: وكأنه لم يحفظ عن شيخه إلا ترك الهمزة مع حفظ حفص إياه عنه، وهو أضبط لحرفه من أبي بكر، على ما نقله الفراء، وإن كان أبو بكر أكبر وأتقن، وأوثق عند أهل الحديث. وقال القرطبيُّ: وأهل اللغة يقولون: أوصدت الباب وآصدته، أي: أغلقته، فمن قال: أوصدت، فالاسم: الوصاد. ومن قال: آصدته، فالاسم: الإصاد. قال الفراء: ويقال من هذا "الأصيد"، وهو الباب المطبق، ومعنى "مؤصدة" أي: مغلقة. قوله تعالى: {عَلَيْهِمْ نَارٌ}، يجوز أن تكون جملة مستأنفة، وأن تكون خبراً ثانياً، وأن يكون الخبر وحده: "عَلَيْهِمْ"، و "نارٌ": فاصل به، وهو الأحسن. وقيل: معنى "عليهم نار"، أي: أحاطت النَّار بهم، كقوله تعالى: {أية : أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا} تفسير : [الكهف: 29]. والله أعلم. روى الثَّعلبيُّ عن أبيٍّ - رضي الله عنه - قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَنْ قَرَأَ {لاَ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ} أعْطَاهُ اللهُ الأمْنَ مِنْ غَضبهِ يَوْمَ القِيامَةِ".
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عمر رضي الله عنه {فلا اقتحم العقبة} قال: جبل في جهنم. وأخرج ابن جرير عن الحسن رضي الله عنه مثله. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: العقبة النار. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه قال: للناس عقبة دون الجنة واقتحامها فك رقبة الآية. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي رجاء رضي الله عنه قال: بلغني أن العقبة التي ذكر الله في كتابه مطلعها سبعة آلاف سنة ومهبطها سبعة آلاف سنة. وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس رضي الله عنهما {فلا اقتحم العقبة} قال: عقبة بين الجنة والنار. وأخرج ابن المنذر عن أبي صالح رضي الله عنه {فلا اقتحم العقبة} قال: عقبة بين الجنة والنار. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن كعب الأحبار قال: العقبة سبعون درجة في جهنم. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد {فلا اقتحم العقبة} قال: ألا أسلك الطريق التي فيها النجاة والخير. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الحسن {فلا اقتحم العقبة} قال: جهنم وما أدراك ما العقبة؟ قال: ذكر لنا أنه ليس من رجل مسلم يعتق رقبة مسلمة إلا كانت فداءه من النار. وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه: وما أدراك ما العقبة؟ ثم أخبر عن اقتحامها فقال: فك رقبة حديث : ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الرقاب أيها أعظم أجراً؟ قال: أكثر ثمناً ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن أبي الدرداء رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إن أمامكم عقبة كؤداً لا يجوزها المثقلون فأنا أريد أن أتخفف لتلك العقبة ". تفسير : وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في سننه عن عائشة رضي الله عنها قالت: حديث : لما نزلت {فلا اقتحم العقبة} قيل يا رسول الله: ما عند أحدنا ما يعتق إلا عند أحدنا الجارية السوداء تخدمه وتنوء عليه، فلو أمرناهن بالزنا فزنين، فجئن بالأولاد فاعتقناهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لأن أمتع بسوط في سبيل الله أحب إلي من أن آمر بالزنا، ثم أعتق الولد ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها أنه بلغها قول أبي هريرة رضي الله عنه: "حديث : علاقة سوط في سبيل الله أعظم أجراً من عتق ولد زنية، فقالت عائشة رضي الله عنها: يرحم الله أبا هريرة إنما كان هذا أن الله لما أنزل {فلا اقتحم العقبة وما أدراك ما العقبة فك رقبة} قال: بعض المسلمين، يا رسول الله: إنه ليس لنا رقبة نعتقها فإنما يكون لبعضنا الخويدم التي لا بد منها فنأمرهن يبغين، فإذا بغين فولدن، أعتقنا أولادهن. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تأمروهن بالبغاء لعلاقة سوط في سبيل الله أعظم أجراً من هذا" . تفسير : وأخرج ابن مردويه عن أبي نجيح السلمي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أعتق رقبة مؤمنة فإنه يجزى مكان كل عظم من عظامها عظم من عظامه من النار ". تفسير : وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة عن عليّ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أعتق نسمة مسلمة أو مؤمنة وقى الله بكل عضو منها عضواً منه من النار " تفسير : وأخرج أحمد عن أبي أمامة قال: قلت يا نبي الله: أي الرقاب أفضل؟ قال: أغلاها ثمناً وأنفسها عند أهلها. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم وابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:حديث : من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل عضو منها عضواً منه من النار، حتى الفرج بالفرج ". تفسير : وأخرج أحمد وابن حبان وابن مردويه والبيهقي عن البراء حديث : أن أعرابياً قال لرسول الله علمني عملاً يدخلني الجنة؟ قال: أعتق النسمة وفك الرقبة. قال: أوليستا بواحدة؟ قال: لا إن عتق الرقبة أن تفرد بعتقها، وفك الرقبة أن تعين في عتقها، والمنحة الركوب والفيء على ذي الرحم، فإن لم تطق ذلك فاطعم الجائع واسق الظمآن وأمر بالمعروف وانه عن المنكر، فإن لم تطق ذلك فكف لسانك إلا من خير ". تفسير : وأخرج الفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {يوم ذي مسغبة} قال: مجاعة. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {في يوم ذي مسغبة} قال: مجاعة. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه {في يوم ذي مسغبة} قال: جوع. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن إبراهيم رضي الله عنه {في يوم ذي مسغبة} قال: يوم فيه الطعام عزيز. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن وأبي رجاء العطاردي رضي الله عنه أنهما قرآ: "أو أطعم في يوم ذا مسغبة". وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي عن جابر رضي الله عنه مرفوعاً: "من موجبات المغفرة إطعام المسلم السغبان". وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {ذا مقربة} أي ذا قرابة، وفي قوله: {ذا متربة} يعني بعيد التربة أي غريباً من وطنه. وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {أو مسكيناً ذا متربة} قال: هو المطروح الذي ليس له بيت، وفي لفظ الحاكم: هو الترب الذي لا يقيه من التراب شيء، وفي لفظ: هو اللازق بالتراب من شدة الفقر. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه مثله. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما {أو مسكيناً ذا متربة} يقول: شديد الحاجة. وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما {أو مسكيناً ذا متربة} يقول: مسكين ذو بنين وعيال ليس بينك وبينه قرابة. وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: {ذا متربة} قال: ذا جهد وحاجة. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت قول الشاعر: شعر : تربت يداك ثم قل نوالها وترفعت عنك السماء سحابها تفسير : وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر حديث : عن النبي صلى الله عليه وسلم {مسكيناً ذا متربة} قال: "الذي مأواه المزابل" . تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه {ذا متربة} قال: كنا نحدث أن المترب ذو العيال الذي لا شيء له. وأخرج ابن أبي شيبة عن الضحاك رضي الله عنه: ما عمل الناس بعد الفريضة أحب إلى الله من إطعام مسكين. وأخرج ابن أبي حاتم عن هشام بن حسان رضي الله عنه في قوله: {وتواصوا بالصبر} قال: على ما افترض الله. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما {وتواصوا بالمرحمة} يعني بذلك رحمة الناس كلهم. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس في قوله: {مؤصدة} قال: مغلقة الأبواب. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي هريرة {مؤصدة} قال: مطبقة. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير من طرق عن ابن عباس مثله. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد وعكرمة وعطية والضحاك وسعيد بن جبير والحسن وقتادة مثله. وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله {مؤصدة} قال: مطبقة. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت قول الشاعر: شعر : تحن إلى أجبال مكة ناقتي ومن دوننا أبواب صنعا مؤصدة تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد {مؤصدة} قال: هي بلغة قريش أوصد الباب أغلقه.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {فَلاَ ٱقتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ}[11] قال: أي فهلا جاوز الصراط والعقبة دونها، وفي الباطن عقبتان، إحداهما: الذنوب التي اجترحها، يعني بين يديه كالجبل يجاوزها بعتق رقبة، أو إطعام في يوم ذي مجاعة وشدة مسكيناً قد لزق بالتراب من الجهد والفاقة، ويتيماً بينه وبينه قرابة، والعقبة الأخرى: المعرفة لا يقدر العارف عليها إلا بحول الله وقوته على عتق رقبة نفسه عن الهوى.
السلمي
تفسير : قال القاسم: العقبة: نفسك، ألا ترى إلى قوله: {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ} وهو أن يعتق نفسك من رق الخلق، وشغلها بعبودية ربك. قال الحارث المحاسبى: تلك عقبة لا يجاوزها إلاَّ من خمص بطنه عن الحرام، والشبهات، وتناول من الحلال مقدار إبقاء المهجة. قال بعضهم: تلك العقبة هى مجانبة الرضا، والاختبار بتصاريف الأقدار.
البقلي
تفسير : العقبة مقام المجاهدة ومحاربة النفس الامارة التى تحارب صاحبها بألة قهر الحق واقتحامها لا يكون الا بفك الرقبة وفك الرقبة عن المنة والازية واطعام الطعام فى تجوع النفس والحاجة اليه ايثار الله قال القاسم العقبة نفسك لا يرى الى قوله وما ادراك ما العقبة فك رقبة وهو ان تعتق نفسك عن رق الخلق ويشغلها بعبودية ربك قال بعضهم تلك العقبة هى مجانبة الاختيار والرضا بتصاريف الاقدار قال الواسطى فك الرقاب من اربعة اشياء من نفوسهم وافعالهم ورؤية الفضل وطلب القربة.
اسماعيل حقي
تفسير : {فلا اقتحم العقبة} الاقتحام الدخول فى امر شديد ومجاوزته بصعوبة وفى القاموس قحم فى الامر كنصر قحوما رمى بنفسه فيه فجأة بلا روية والعقبة الطريق الوعر فى الجبل فلم يشكر تلك النعم الجليلة بالاعمال الصالحة وعبر عنها بالعقبة لصعوبة سلوكها.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {فلا اقتحم العقبةَ}، الاقتحام: الدخول بشدة ومشقة, والعقبة: كل ما يشق على النفس من الأعمال الصالحات، و"لا" هنا إمّا تحضيضية، أي: هلاَّ اقتحم العقبة، وإمّا نافية، أي: فلم يشكر تلك الأيادي والنِعم، من البصر وما بعده، بالأعمال الصالحة من فك الرقاب وما سيذكره، فإن قلت: "لا" النافية إذا دخلت على الماضي ولم تكن دعائية وجب تكرارها؟ فأجاب الزمخشري: بأنها مكررة في المعنى، أي: فلا اقتحم ولا فك رقبة ولا أطعم مسكيناً..الخ. ثم عظَّم تلك العقبة بقوله: {وما أدراك ما العقبةُ} أي: أيّ شيء أعلمك ما هي العقبة التي أُمر الإنسان باقتحامها، أو نفي عنه اقتحامها؟ ثم فسّرها بقوله: {فَكُ رقبةٍ} أي: هي إعتاق رقبة, أو إعانة في أداء كتابتها. قال ابن جُزي: وفك الأسارى من الكفار أعظم أجراً من العتق؛ لأنه واجب ولو استغرقت فيه أموال المسلمين، ولكنه لا يجزي في الكفارات. هـ. {أو إِطعامٌ في يومٍ ذي مَسْغَبةٍ} أي: مجاعة {يتيماً ذا مقربةٍ} أي: قرابة، {أو مسكيناً ذا متربةٍ}؛ ذا فقر، يقال: ترِب فلان: إذا افتقر والتصق بالتراب، ومَن قرأ "فكَ" و"أطعمَ" بصيغة الماضي فبدل من "اقتحم"، {ثم كان من الذين آمنوا} اي: دام على إيمانه، أو: ثُم كان حين فعل ما تقدّم من المؤمنين فيحنئذ ينفعه ذلك، وإنما جاء بـ"ثم" لتراخي الإيمان وتباعده في الرتبة والفضيلة عن العتق والصدقة, لا في الوقت، إذ الإيمان هو السابق على غيره، إذ لا يقبل عمل صالح إلاّ به، {وتَوَاصَوا بالصبرِ} عن المعاصي وعلى الطاعات، أو: المحن التي يُبتلى بهما المؤمن، {وتَوَاصَوا بالمرحمةِ}؛ بالتراحم فيما بينهم. {أولئك أصحابُ الميمنةِ} أي: الموصوفون بهذه الصفات هم أصحاب اليمين واليمْن، {والذين كفروا بآياتنا}؛ بما نصبناه دليلاً على الحق من كتاب وحجة، أو بالقرآن {هم أصحابُ المشئمةِ} أي: الشمال أو الشؤم، {عليهم نار موصدة}؛ مُطْبَقة، من أوصدت الباب وآصدته: إذا أغلقته. الإشارة: هلاَّ اقتحم مريد الوصول العقبةَ، وهي سلوك الطريق، بخرق عوائد النفس وترك هواها, وجَرِّها إلى مكروهها، وعن الحسن رضي الله عنه: عقبة ـ والله ـ شديدة، يُجاهد الإنسانُ نفسَه وهواه، وعدوه الشيطان. هـ. ثم فسَّرها بفك الرقبة، أي: رقبة نفسه يفكها من أن يملكه السِّوى، أو: يفكها من الذنوب والعيوب، أو فكها من رِقّ الطمع في الخلق، فإنه بذر شجرة الذل، أو: فكها من سجن الأكوان إلى فضاء شهود المكوِّن، أو: فك رقبة الغافل الجاهل من رِقّ نفسه بتذكيره ووعظه أو تربيته، أو إطعام روح جائعة من اليقين، إمّا يتيماً لا أب له روحاني، أي لا شيخ له، فتذكِّره بما يتقوّى به إيقانه، أو فقيراً من أسرار التوحيد ترابيًّا أرضيًّا، فترقّيه إلى سماء الأسرار، ثم كان ممن آمن بطريق الخصوص، وتواصَى بالصبر على مشاق السير، والتراحم والتوادد والتواصل، كما هو شأن أهل النسبة، فهؤلاء هم أهل اليُمْن والبركة، وضدهم ممن جحدوا أهل الخصوصية هم أهل الشؤم. وبالله التوفيق، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله.
الطوسي
تفسير : قرأ ابن كثير وابو عمرو والكسائي {فك رقبة أو إطعم في يوم ذي مسغبة} بغير الف على انه فعل ماض. الباقون {فك رقبة} على الاضافة ويكون الاضافة إلى مفعول {أو إطعام} فوجه الأول قوله {فلا اقتحم العقبة فك رقبة} الثاني أنه على جواب و {ما أدراك ما العقبة} فيكون الجواب بالاسم وتلخيصه هلا اقتحم العقبة ولا يجوز الصراط إلا من كان بهذه الصفة يفك رقبة او يطعم يتيماً فى يوم ذي مسغبة مجاعة، فلا اقتحم بمعنى لم، كما قال {أية : فلا صدق ولا صلى}تفسير : ومعناه لم يصدق ولم يصل، وإنما لم يكرر (لا) لان معنا {ثم كان من الذين آمنوا} يدل على انه لم يقتحم ولم يؤمن، وقرأ ابو عمرو وحمزة وحفص وخلف {مؤصدة} بالهمز. الباقون بغير همز وهما لغتان، يقال: أصدت الباب اوصده إيصاداً فهو مؤصد بالهمز، وأوصدته فهو موصد بغير همز. والوصيد الباب من أوصدت. لما نبه الله تعالى الانسان على وحدانيته وإخلاص عبادته بقوله {ألم نجعل له عينين ولساناً وشفتين} وما فيهما من الدلالة على قدرته وعلمه وانه هدى الانسان طريق الخير والشر ورغبه فى اتباع الخير وزجره عن إتباع الشر، قال حاثاً له على فعل الخير بقوله {فلا اقتحم العقبة} قال الحسن: عقبة - والله شديدة - مجاهدة الانسان نفسه وهواه وعدوه والشيطان، ولم يكرر (لا) في اللفظ، وهي بمنزلة المكرر في المعنى كأنه قال: أفلا اقتحم العقبة وحذف الاستفهام، والمراد به التنبيه، والاقتحام الدخول على الشدة يقال اقتحم اقتحاماً، واقحم إقحاماً وتقحم تقحماً وقحم تقحيماً ونظيره الادخال والايلاج. والمعنى هلا دخل في البر على صعوبة كصعوبة اقتحام العقبة، والعقبة الطريقة التى ترتقى على صعوبة ويحتاج فيها إلى معاقبة الشدة بالتضييق والمخاطرة، وقيل: العقبة النتئة الضيقة في رأس الجبل يتعاقبها الناس، فشبهت بها العقبة في وجوه البر التى ذكرها الله تعالى. وعاقب الرجل صاحبه إذا صار في موضعه بدلا منه. وقال قتادة: فلا اقتحم العقبة إنها قحمة شديدة، فاقتحموها بطاعة الله. وقال أبو عبيدة: معناه فلم يقتحم في الدنيا. ثم فسر العقبة فقال {وما أدراك ما العقبة فك رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة} وتقديره إقتحام العقبة فك رقبة، لان العقبة جثة والفك حدث، فلا يكون خبراً عن جثة. قال ابو علي و (لا) إذا كانت بمعنى (لم) لم يلزم تكرارها. ثم بين تعالى ما به يكون اقتحام العقبة فقال {فك رقبة} فالفك فرق يزيل المنع، ويمكن معه أمر لم يكن ممكناً قبل، كفك القيد والغل، لانه يزول به المنع، ويمكن به تصرف في الارض لم يكن قبل، ففك الرقبة فرق بينها وبين حال الرق بايجاب الحرية وإبطال العبودية. وقوله {أو إطعام في يوم ذي مسغبة} فالمسغبة المجاعة سغب يسغب سغباً إذا جاع، فهو ساغب قال جرير: شعر : تعلل وهي ساغبة بنيها بأنفاس من الشبم القراح تفسير : وقوله {يتيماً} نصب بـ {إطعام} في قراءة من نون نصبه بالمصدر. ومن قرأ على الفعل الماضي نصبه به، فهو مفعول به في الحالين، واليتيم الصبي الذي قد مات ابوه وأمه، والاغلب في اليتيم من الأب في الناس. وقوله {ذا مقربة} معناه ذا قرابة، ولا يقال: فلان قرابتي وإنما يقال ذو قرابتي، لانه مصدر، كما قال الشاعر: شعر : يبكى الغريب عليه حين يعرفه وذو قرابته في الناس مسرور تفسير : وقوله {أو مسكيناً} عطف على يتيماً. و {ذا متربة} معناه ذا حاجة شديدة من قولهم: ترب الرجل إذا افتقر - في قول ابن عباس - أيضاً ومجاهد، يقال: أترب الرجل إذا استغنى، وترب إذا افتقر. وقوله {ثم كان من الذين آمنوا} معناه كان الانسان من جملة المؤمنين إذا فعل ذلك وعقد الايمان، ثم أقام على إيمانه {وتواصوا} أي وصى بعضهم بعضاً {بالصبر} على الشدائد والمحن والمصائب {وتواصوا} أيضاً {بالمرحمة} أي وصى بعضهم بعضاً بأن يرحموا الفقراء وذوي المسكنة. وقوله {أولئك أصحاب الميمنة} معناه إنهم متى فعلوا ذلك كانوا أصحاب الميمنة الذين يعطون كتابهم بأيمانهم أو يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة، والميمنة اليمن والبركة، والمرحمة حال الرحمة. وقوله {والذين كفروا بآياتنا} معناه إن الذين يجحدون نعم الله ويكذبون أنبياءه {هم أصحاب المشأمة} أي ذات الشمال فيؤخذ بهم الى النار، ويعطون كتابهم بشمالهم، واشتقاقه من الشؤم خلاف البركة {عليهم نار مؤصدة} قال ابن عباس ومجاهد والضحاك: معناه عليهم نار مطبقة.
الجنابذي
تفسير : {فَلاَ ٱقتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ} قحّمته فى الامر تقحيماً رميته فيه فجأة بلا رويّةٍ فانقحم واقتحم، وقحم فى الامر قحوماً رمى بنفسه فيه فجأة بلا رويّةٍ، واقتحم بالغ فيه والعقبة المرقى الصّعب من الجبال، والمراد بها عقبات النّفس الّتى هى الرّذائل الّتى لا مرقى اصعب منها فانّ العبور عنها وتخلية النّفس منها والتّرقّى منها الى الخصائل اصعب كلّ شيءٍ ولذلك اتى بالاستفهام التّعجيبىّ لتفخيمها وفسّرها بالعبور عن الرّذائل والدّخول فى الخصائل بالاشارة الى امّهاتها فقال: {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ}.
فرات الكوفي
تفسير : قال: حدثنا عبد الرحمان بن محمد بن عبد الرحمان الحسني [قال: حدثنا] [فرات بن إبراهيم قال: حدثني عبيد بن كثير قال: حدثنا إبراهيم بن إسحاق قال: حدثنا محمد بن فضيل عن أبان بن تغلب. ش]: عن أبي جعفر عليه السلام [سئل. ش] عن قول الله تعالى: {فلا اقتحم العقبة} قال: فضرب بيده إلى صدره فقال: نحن العقبة التي من اقتحمها نجا. فرات قال: حدثني جعفر بن محمد الفزاري معنعناً: عن يوسف بن بصير! قال: سأل أبان أبا عبد الله عليه السلام عن هذه الآية: {فلا اقتحم العقبة} قال: يا أبان بلغك عن أحدٍ فيها شيءٌ؟ فقلت: لا. فقال: يا أبان نحن العقبة ولا يصعد إلينا إلا من كان منّا، ثم قال: ألا أزيدك حرفاً هو خير لك من الدنيا وما فيها؟ قلت: بلى جعلت فداك. قال: الناس مماليك النار غيرك وغير أصحابك فككتم منها. قلت: بماذا [جعلت فداك. أ، ب] فككنا منها. قال: بولايتكم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام. فرات قال: حدثني جعفر بن محمد [الفزاري قال: حدثنا محمد بن خالد البرقي عن محمد بن فضيل. ش]. عن أبان بن تغلب قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن قول الله تعالى: {فلا اقتحم العقبة} وضرب بيده إلى [ب: على] صدره فقال: نحن العقبة التي من اقتحمها نجا، ثم سكت فقال لي: أفلا أفيدك كلمة هي خير من الدنيا وما فيها؟ قلت: بلى. قال: {فك رقبة}: الناس كلهم عبيد النار ما خلا نحن وشيعتنا فبنا فك الله رقابكم من النار. فرات قال: حدثنا محمد بن القاسم بن عبيد معنعناً: عن أبان بن تغلب عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: جعلت فداك: ما فكّ رقبة؟ قال: الناس كلهم عبيد النار غيرك وغير أصحابك فإنّ الله فكّ رقابكم من النار بولايتنا [أ: بولايتكم] أهل البيت.
اطفيش
تفسير : {فَلاَ إقْتَحَمَ} لا جاوز *{العَقَبَةَ} فسرها الله بعد وأصلها الطريق في الجبل واستعيرت لما هو أمر شديد وهو عصيان النفس المانعة من الفك وما بعده والشيطان والهوى والمراد أنه لم يشكر تلك النعم باقتحام العقبة فإن الإنفاق فيها هو الوجه المرضي دون الإنفاق رياء وسمعة أو إضرارا للمسلمين وعن ابن عمر أن العقبة جبل في جهنم وقيل عقبة شديدة فيها فاقتحموها بالطاعة وجهاد النفس وقيل الصراط يضرب على متن جهنم كحد السيف مسيرته ثلاثة آلاف سنة صعودا وهبوطا وشدد بعض الصحابة، فقال إن من قال هذا كافر وهو باطل والحق جوازه فإنه لا مانع من كون الصراط ذلك الجسر كما يطلق على دين الله وفي جنب ذلك الصراط كلاليب وخطاطيف كأنها أشواك السعدان فناج مسلم وناج مخدوش ومكردس في النار منكوس فمنهم المار كالبرق والمار كالريح العاصف والمار كالفارس والمار ساعيا والمار ماشيا والزاحف والزال والمكردس والإقتحام المجاوزة والدخول بشدة وإنما دخلت لا على ماض غير دعاء لأنها مكررة في المعنى لأن المعنى لا فك رقبة ولا أطعم مسكينا كما فسره عز وجل، وقال الزجاج حذفت لا أي فلا أقتحم العقبة ولا من يدل عليه ثم كان من الذين آمنوا لأن هذا العطف داخل في حيز النفي قال قال ابن هشام ولو صح لجاز لا أكل زيد وشرب وقال بعضهم لا دعائية دعا عليه أن لا يفعل خيرا وقال آخر تحضيض والأصل فألا ثم حذفت الهمزة وهو ضعيف انتهى. ووجه الضعف أن الحذف تصريف في الحرب ويجوز أن يقال دخلت بلا تكرار لأنه بمعنى المضارع الإستمراري أي فلا يقتحم العقبة.
اطفيش
تفسير : بينا له فلم يهتد، والاهتداء هو اقتحام العقبة والفاء تفيد أن من شأنه إذ بين له النجدين أن تتصل سرعته إلى الاهتداءِ بسبب البيان ولا يخفى أن دين الإسلام مرتفع الشأن كما ارتفعت العقبة حساً وفيه صعوبة للنفع لأَن فيه مخالفة الهوى فالاقتحام الدخول بشدة وسرعة والعقبة الطريق الصعب فى الجبل استعير للدين والنجدين ترشيح ولا استعارة فى اقتحم لأَن الاقتحام حقيقة فى الأمر لا مجاز ولم تكرر لا مع أنها دخلت على الماضى غير الدعاءِ لأَن العقبة فك الرقبة والاطعام فكأَنه قيل وهديناه النجدين فلا فك رقبة ولا أطعم مسكيناً وهذا تكرير أو لأَن اقتحم للاستقبال عبر الماضى لتحقق الوقوع. وقد يقال تكريرها غالب لا لازم لكن لا يتم هذا بمجرد وجود عدم التكرير فى الشعر كقوله: شعر : إن تغفر اللهم تغفر جماً وأى عبد لك لا ألما تفسير : وقوله: شعر : وكان فى جاراته لا عهد له فأَى أمر سىء لا فعله تفسير : وقيل لا هنا على طريق الدعاءِ، وقيل الأصل أفلا اقتحم فحذف الهمز أو فألا أقتحم بألا التحضيضية حذفت همزتها أى هلا سلك طريق النجاة ويردهما أن حذف الاستفهام وهمز ألاَّ لا يحسن.
الالوسي
تفسير : الاقتحام الدخول بسرعة وضغط وشدة ويقال قحم في الأمر قحوماً رمى نفسه فيه من غير روية. والعقبة الطريق الوعر في الجبل وفي «البحر» هي ما صعب منه وكان صعوداً والجمع عقب وعقاب وهي هنا استعارة لما فسرت به من الأعمال الشاقة المرتفعة القدر عند الله تعالى والقرينة ظاهرة وإثبات الاقتحام المراد به الفعل والكسب ترشيح ويجوز أن يكون قد جعل فعل ما ذكر اقتحاماً وصعوداً شاقاً وذكره بعد النجدين جعل الاستعارة في الذروة العليا من البلاغة والمراد ذم المحدث عنه بأنه مقصر مع ما أنعم الله تعالى به عليه من النعم العظام والأيادي الجليلة الجسام كأنه قيل فقصر ولم يشكر تلك النعم العظيمة والأيادي الجسيمة بفعل الأعمال الصالحة بل غمط النعمة وكفر بالمنعم واتبع هوى نفسه. وقوله تعالى: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا ٱلْعَقَبَةُ}.
ابن عاشور
تفسير : يجوز أن يكون {فلا اقتحم العقبة} تفريع إدماج بمناسبة قوله: { أية : وهديناه النجدين } تفسير : [البلد: 10] أي هديناه الطريقين فلمْ يسلك النجْد الموصِّل إلى الخير. ويجوز أن يكون تفريعاً على جملة { أية : يقول أهلكت مالاً لُبَداً } تفسير : [البلد: 6] وما بينهما اعتراضاً، وتكون «لا اقتحم العقبة» استفهاماً حذف منه أداته. وهو استفهام إنكار، والمعنى: أنه يدعي إهلاك مَال كثيرٍ في الفساد من ميسر وخمر ونحو ذلك أفَلا أهلكه في القُرَب والفضائل بفكّ الرقاب وإطعام المساكين في زمن المجاعة فإن الإِنفاق في ذلك لا يخفى على الناس خلافاً لما يدعيه من إنفاقٍ. وعلى هذا الوجه لا يعرِض الإِشكال بعدم تكرُّر (لا) فإن شأن (لا) النافية إذا دخلت على فعل المضي ولم تتكرر أن تكون للدّعاء إلاّ إذا تكررت معها مثلُها معطوفةٌ عليها نحو قوله: { أية : فلاَ صَدَّق ولا صلَّى } تفسير : [القيامة: 31] أو كانت (لا) معطوفة على نفي نحو: ما خرجتُ ولا ركبتُ. فهو في حكم تكرير (لا). وقد جاءت هنا نافية في غير دعاء، ولم تتكرر استغناء عن تكريرها بكون ما بعدها وهو {اقتَحَم العقبة} يتضمن شيئين جاء بيانهما في قوله: {فكُّ رقبة أو إطعام} فكأنه قال: فلا فَكَّ رقبةً ولا أطعم يتيماً أو مسكيناً. ويجوز أن يكون عدم تكرير (لا) هنا استغناء بقوله: {ثم كان من الذين آمنوا} فكأنه قيل: فلا اقتحم العقبة ولا آمن. ويظهر أن كل ما يصرف عن التباس الكلام كافٍ عن تكرير (لا) كالاستثناء في قول الحريري في «المقامة الثلاثين»: «لا عقد هذا العقد المبجل في هذا اليوم الأغر المحجّل إلا الذي جال وجاب» الخ وأُطلق {العقبةُ} على العمل الموصل للخير لأن عقبة النجد أعلى موضع فيه. ولكل نجد عقبة ينتهي بها. وفي العقبات تظهر مقدرة السابرة. والاقتحام: الدخول العسير في مكان أو جماعة كثيرين يقال: اقتحم الصَفَّ، وهو افتعال للدلالة على التكلف مثل اكتسب، فشبه تكلف الأعمال الصالحة باقتحام العقبة في شدته على النفس ومشقته قال تعالى: { أية : وما يُلَقَّاها إلا الذين صبروا } تفسير : [فصلت: 35]. والاقتحام: ترشيح لاستعارة العقبة لِطريق الخير، وهو مع ذلك استعارة لأن تزاحم الناس إنما يكون في طلب المنافع كما قال: شعر : والمورد العذب كثير الزحام تفسير : وأفاد نفي الاقتحام أنه عدل على الاهتداء إيثاراً للعاجل على الآجل ولو عزم وصَبر لاقْتحم العقبة. وقد تتابعت الاستعارات الثلاث: النجدين، والعقبة، والاقتحام، وبُني بعضها على بعض وذلك من أحسن الاستعارة وهي مبنية على تشبيه المعقول بالمحسوس. والكلام مسوق مساق التوبيخ على عدم اهتداء هؤلاء للأعمال الصالحة مع قيام أسباب الاهتداء من الإِدراك والنطق. وقوله: {وما أدراك ما العقبة} حال من العقبة في قوله: {فلا اقتحم العقبة} للتنويه بها وأنها لأهميتها يَسأل عنها المخاطب هل أعلَمَهُ مُعْلِم ما هي، أي لم يقتحم العقبة في حال جَدارتها بأن تُقتحم. وهذا التنويه يفيد التشويق إلى معرفة المراد من العقبة. و{ما} الأولى استفهام. و{ما} الثانية مثلها. والتقدير: أيُّ شيء أعلمك ما هي العقبة، أي أعْلَمك جواب هذا الاستفهام، كناية عن كونه أمراً عزيزاً يحتاج إلى من يُعلمك به. والخطاب في {ما أدراك} لغير معين لأن هذا بمنزلة المثل. وفِعل {أدراك} معلق عن العمل في المفعولين لوقوع الاستفهام بعده وقد تقدم نظيره في سورة الحاقة. وقرأ نافع وابنُ عامر وعاصم وحمزة وأبو جعفر ويعقوب وخَلف، {فك رقبة} برفع {فكُّ} وإضافتِه إلى {رقبة} ورفعِ {إطعام} عطفاً على {فكّ}. وجملة: {فك رقبة} بيان للعقبة والتقدير: هي فكّ رقبة، فحذف المسند إليه حذفاً لمتابعة الاستعمال. وتبيين العقبة بأنها: {فك رقبة أو إطعام} مبني على استعارة العقبة للأعمال الصالحة الشاقة على النفس. وقد علمت أن ذلك من تشبيه المعقول بالمحسوس، فلا وجه لتقدير من قدَّر مضافاً فقال: أي وما أدراك ما اقتحام العقبة. وقرأه ابن كثير وأبو عَمرو والكسائي {فَكَّ} بفتح الكاف على صيغة فعل المضي، وبنصب {رقبةً} على المفعول لــــ {فكَّ} أو «أطعم» بدون ألف بعد عين {إطعام} على أنه فعل مضي عطفاً على {فَكَّ}، فتكون جملة: {فكَّ رقبةً} بياناً لجملة {فلا اقتحم العقبة} وما بينهما اعتراضاً، أو تكون بدلاً من جملة {اقتحم العقبة} أي فلا اقتحم العقبة ولا فكَّ رقبةً أو أطعم. وما بينهما اعتراض كما تقرر آنفاً. والفك: أخذ الشيء من يد من احتاز به. والرقبة مراد بها الإنسان، من إطلاق اسم الجزء على كله مثل إطلاق رأس وعينٍ ووجهٍ، وإيثار لفظ الرقبة هنا لأن المراد ذات الأسير أو العبد وأول ما يخطر بذهن الناظر لواحد من هؤلاء. هو رقبته لأنه في الغالب يوثَق من رقبته. وأطلق الفك على تخليص المأخوذ في أسْرٍ أو مِلْك، لمشابهة تخليص الأمر العسير بالنزع من يد القابض الممتنع. وهذه الآية أصل من أصول التشريع الإِسلامي وهو تشوُّف الشارع إلى الحرية وقد بسطنا القول في ذلك في كتاب «أصول النظام الاجتماعي في الإسلام». والمسغبة: الجوع وهي مصدر على وزن المَفْعَلَة مثل المَحْمَدة والمَرْحَمَة مِن سَغِبَ كفَرِح سَغَباً إذا جاع. والمراد بــــ {يوم ذي مسغبة} زمانٌ لا النهار المعروف. وإضافة {ذي} إلى {مسغبة} تفيد اختصاص ذلك اليوم بالمسغبة، أي يوم مجاعة، وذلك زمن البَرد وزمنُ القَحط. ووجه تخصيص اليوم ذي المسغبة بالإِطعام فيه أن الناس في زمن المجاعة يشتد شحهم بالمال خشية امتدادِ زمن المجاعة والاحتياج إلى الأقوات. فالإِطعام في ذلك الزمن أفضل، وهو العقبة ودون العقبة مصاعد متفاوتة. وانتصب {يتيماً} على المفعول به لــــ {إطعام} الذي هو مصدر عامل عمل فعله وإعمالُ المصدر غيرِ المضاف ولا المعرّفِ باللام أقيس وإن كان إعمال المضاف أكثرَ، ومنع الكوفيون إعمالَ المصدر غير المضاف. ومَا ورد بعدَه مرفوع أو منصوب حملوه على إضمار فعل من لفظ المصدر، فيقدر في مثل هذه الآية عندهم «يطعم يتيماً». واليتيم: الشخص الذي ليس له أب، وهو دون البلوغ. ووجه تخصيصه بالإِطعام أنه مظنة قلة الشبع لصغر سنه وضعف عمله وفقد من يعوله ولحيائه من التعرض لطلب ما يحتاجه. فلذلك رغب في إطعامه وإن لم يصل حد المسكنة والفقر ووصف بكونه {ذا مقربة} أي مقربة من المطعِم لأن هذا الوصف يؤكد إطعامه لأن في كونه يتيماً إغاثة له بالإِطعام، وفي كونه ذَا مقربة صلة للرحم. والمَقْرَبة: قرابة النسب وهو مصدر بوزن مَفْعَلة مثل ما تقدم في {مسغبة}. والمسكين: الفقير، وتقدم في سورة البقرة (184) عند قوله تعالى: { أية : وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مساكين } تفسير : {وذا متربة} صفة لمسكين جعلت المتربة علامة على الاحتياج بحسب العرف. والمَتربة مصدر بوزن مفْعَلة أيضاً وفعِله تَرِب يقال: ترب، إذا نام على التراب أي لم يكن له ما يفترشه على الأرض، وهو في الأصل كناية عن العُروِّ من الثياب التي تحول بين الجسد والأرض عند الجلوس والاضطجاع وقريب منه قولهم في الدعاء: تَرِبت يمينك: وتربَت يداك. و{أو} للتقسيم وهو معنى من معاني (أو) جاء من إفادة التخيير. واعلم أنه إن كان المراد بالإنسان الجنس المخصوص، أي المشركين كان نفي فكّ الرقاب والإِطعام كنايةً عن انتفاء تحلّيهم بشرائع الإِسلام لأن فكّ الرقاب وإطعام الجياع من القُربات التي جاء بها الإِسلام من إطعام الجياع والمحاويج وفيه تعريض بتعيير المشركين بأنهم إنما يحبون التفاخر والسمعة وإرضاء أنفسهم بذلك، أو لمؤانسة الأخلاّء وذلك غالب أحوالهم، أي لم يطعموا يتيماً ولا مسكيناً في يوم مسغبة، أي هو الطعام الذي يرضاه الله لأن فيه نفع المحتاجين من عباده. وليس مثل إطعامكم في المآدب والولائم والمنادمة التي لا تعود بالنفع على المطعَمين لأن تلك المطاعم كانوا يدْعُون لها أمثالهم من أهل الجِدّة دون حاجة إلى الطعام وإنما يريدون المؤانسة أو المفاخرة. وفي حديث مسلم « حديث : شر الطعام طعامُ الوليمة يُمْنَعْها من يأتيها ويُدعى إليها من يأباها » تفسير : وروى الطبراني: « حديث : شرّ الطعام طعام الوليمة يُدعى إليه الشَّبْعان ويُحبس عنه الجائع » تفسير : . وإن كان المراد من الإِنسان واحداً معيناً جاز أن يكون المعنى على نحو ما تقدم، وجاز أن يكون ذَمّاً له باللّؤْم والتفاخرِ الكاذب، وفضحاً له بأنه لم يسبق منه عمل نافع لقومه قبل الإِسلام فلم يغرم غرامة في فَكاك أسير أو مأخوذٍ بدم أو مَنّ بحُرية على عبدٍ. وأيَّاَ مَّا كان فليس في الآية دلالة على أن الله كلف المشركين بهذه القرب ولا أنه عاقبهم على تركهم هذه القربات، حتى تفرض فيه مسألة خطاب الكفار بفروع الشريعة وهي مسألة قليلة الجدوى وفرضها هنا أقل إجداء. وجملة: {ثم كان من الذين آمنوا} عطف على جملة {فلا اقتحم العقبة}. و{ثم} للتراخي الرتبي فتدل على أن مضمون الجملة المعطوفة بها أرقى رتبة في الغرض المسوق له الكلام من مضمون الكلام المعطوفة عليه، فيصير تقدير الكلام: فلا اقتحم العقبة بفكّ رقبة أو إطعامٍ بعد كونه مؤمناً. وفي فعل {كان} إشعار بأن إيمانه سابق على اقتحام العقبة المطلوبة فيه بطريقة التوبيخ على انتفائها عنه. فعطفُ {ثم كان من الذين آمنوا} على الجمل المسوقة للتوبيخ والذم يفيد أن هذا الصنف من الناس أو هذا الإِنسان المعين لم يكن من المؤمنين، وأنه ملوم على ما فَرَّط فيه لانتفاء إيمانه، وأنه لو فعل شيئاً من هذه الأعمال الحسنة ولم يكن من الذين آمنوا ما نفعه عملُه شيئاً لأنه قد انتفى عنه الحظ الأعظم من الصالحات كما دلت عليه {ثم} من التراخي الرتبي فهو مؤذن بأنه شرط في الاعتداد بالأعمال. وعن عائشة: أنها قالت: «يا رسول الله إن ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم ويطعم الطعام ويفك العاني ويعتق الرقاب ويحمل على إبله لله (أي يريد التقرب) فهل ينفعه ذلك شيئاً قال: « حديث : لا إنه لم يقل يوماً رب اغفر لي خطيئتي يوم الدِّين »تفسير : . ويفهم من الآية بمفهوم صفة الذين آمنوا أنه لو عمل هذه القرب في الجاهلية وآمن بالله حين جاء الإسلام لكان عمله ذلك محموداً. ومن يجعل {ثُم} مفيدة للتراخي في الزمان يجعل المعنى: لا اقتحم العقبة واتبعها بالإِيمان. أي اقتحم العقبة في الجاهلية وأسلمَ لمّا جاء الاسلام. وقد جاء ذلك صريحاً في حديث حكيم بن حزام في الصحيح: «قال: قلت: يا رسول الله أرأيتَ أشياء كنتُ أتحنث بها في الجاهلية من صدقة أو عتاقة وصلة رحم فهل فيها من أجر فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم « حديث : أسلمت على ما سلف من خير » تفسير : والتحنّث: التعبد يعني أن دخوله في الإِسلام أفاده إعطاء ثواب على أعماله كأنه عملها في الإِسلام. وقال: {من الذين آمنوا} دون أن يقول: ثم كان مؤمناً، لأن كونه من الذين آمنوا أدل على ثبوت الإِيمان من الوصف بمؤمن لأن صفة الجماعة أقوى من أجل كثرة الموصوفين بها فإن كثرة الخير خير، كما تقدم في قوله تعالى: { أية : قال أعوذ باللَّه أن أكون من الجاهلين } تفسير : في سورة البقرة (67)، ثم في هذه الآية تقوية أخرى للوصف، وهو جعله بالموصول المشعرِ بأنهم عُرفوا بالإِيمان بَيْن الفرق. وحُذِف متعلّق {آمنوا} للعلم به أي آمنوا بالله وحده وبرسوله محمد صلى الله عليه وسلم ودين الإِسلام. فجُعل الفعل كالمستغني عن المتعلق. وأيضاً ليتأتى من ذكر الذين آمنوا تخلص إلى الثناء عليهم بقوله: {وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة} ولبشارتهم بأنهم أصحاب الميمنة. وخص بالذكر من أوصاف المؤمنين تواصيهم بالصبر وتواصيهم بالمرحمة لأن ذلك أشرف صفاتهم بعد الإِيمان، فإن الصبر ملاك الأعمال الصالحة كلها لأنها لا تخلو من كبح الشّهوة النفسانية وذلك من الصبر. والمرحمة ملاك صلاح الجامعة الإسلامية قال تعالى: { أية : رحماء بينهم } تفسير : [الفتح: 29]. والتواصي بالرحمة فضيلة عظيمة، وهو أيضاً كناية عن اتصافهم بالمرحمة لأن من يوصي بالمرحمة هو الذي عَرَف قدرَها وفضلها، فهو يفعلها قبل أن يُوصي بها، كما تقدم في قوله تعالى: { أية : ولا تّحضّون على طعام المسكين } تفسير : [الفجر: 18]. وفيه تعريض بأن أهل الشرك ليسوا من أهل الصبر ولا من أهل المرحمة، وقد صُرح بذلك في قوله تعالى: {أية : ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى اللَّه وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين} تفسير : [فصلت: 33] إلى قوله: { أية : وما يلقاها إلا الذين صبروا } تفسير : [فصلت: 35] وقوله: { أية : بل لا تكرمون اليتيم ولا تحضُّون على طعام المسكين } تفسير : [الفجر: 17، 18].
الشنقيطي
تفسير : وقد بين المراد بالعقبة فيما بعد بقوله: {أية : وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْعَقَبَةُ} تفسير : [البلد: 12]، ثم ذكر تفصيلها. وقد ذكر أن كل ما جاء بصيغة وما أدراك، فقد جاء تفصيله بعد كقوله تعالى: {أية : ٱلْقَارِعَةُ * مَا ٱلْقَارِعَةُ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْقَارِعَةُ * يَوْمَ يَكُونُ ٱلنَّاسُ كَٱلْفَرَاشِ ٱلْمَبْثُوثِ} تفسير : [القارعة: 1-4]، وما بعدها. وتقدم عند قوله تعالى: {أية : ٱلْحَاقَّةُ * مَا ٱلْحَآقَّةُ} تفسير : [الحاقة: 1-2]. وفي تفسير العقبة بالمذكورات، فك الرقبة، وإطعام اليتيم والمسكين توجيه إلى ضرورة الإنفاق حقاً ما لا يدعيه الإنسان بدون حقيقة في قوله: {أية : يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُّبَداً} تفسير : [البلد: 6]. أما فك الرقبة: فإنك الإسهام في عتق الرقيق والاستقلال في عتقها يعبر عنه بفك النسمة. وهذا العنصر من العمل بالغ الأهمية، حيث قدم في سلم الاقتحام لتلك العقبة. وقد جاءت السنة ببيان فضل هذا العمل حتى أصبح عتق الرقيق أو فك النسمة، يعادل به عتق المعتق من النار كل عضو بعضو، وفيه نصوص عديدة ساقها ابن كثير، وفي هذا إشعار بحقيقة موقف الإسلام من الرق، ومدى حرصه وتطلعه إلى تحرير الرقاب. فها هو هنا يجعل عتق الرقبة، سلم اقتحام العقبة، وجعله عتقاً للمعتق من النار كل عضو بعضو. ومعلوم أن كل مسلم يسعى لذلك وجعله كفارة لكل يمين وللظهار بين الزوجين، وكفارة القتل الخطأ، كل ذلك نوافذ إطلاق الأسارى وفك الرقاب في الوقت الذي لم يفتح للاسترقاق إلى باب واحد، هو الأسر في القتال مع المشركين لا غير، وهما مما سبق تنبيهاً عليه رداً على المستشرقين ومن تأثر بهم. في ادعائهم على الإسلام أنه متعطش لاسترقاق الأحرار. وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه الكلام على قوله تعالى: {أية : إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} تفسير : [الإسراء: 9] في سورة الإسراء.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: فلا اقتحم: أي فهلا تجاوز. العقبة: أي الطريق الصعب في الجبل، والمراد به النجاة من النار. فك رقبة: أي أعتق رقبة في سبيل الله تعالى. في يوم ذي مسغبة: أي في يوم ذي مجاعة وشدة مؤونة. يتيما ذا مقربة: أي أطعم يتيما من ذوي قرابته. مسكينا ذا متربة: أي أطعم فقيراً لاصقا بالتراب ليس له شيء. وتواصوا بالصبر: أي أوصى بعضهم بعضا بالصبر على طاعة الله. وتواصوا بالمرحمة: أي أوصى بعضهم بعضا برحمة الفقراء والمساكين. أصحاب الميمنة: أي أصحاب اليمين وهم المؤمنون المتقون. أصحاب المشأمة: أي أصحاب الشمال وهم الكفار الفجار. مؤصدة: أي مطبقة لا نافذة لها ولا كوة فلا يدخلها هواء. معنى الآيات: قوله تعالى {فَلاَ ٱقتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ} فهلا أنفق أبو الأشدين ما أنفقه في عداوة محمد صلى الله عليه وسلم هلا أنفقه في سبيل الله فاقتحم بها العقبة فتجاوزها، وقوله تعالى {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْعَقَبَةُ} هذا تفخيم لشأنها وتعظيم له وقوله {فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْمَرْحَمَةِ} بهذه الأمور الأربعة تقتحم العقبة وتجتاز فينجو صاحبها من النار والأمور الأربعة هي: 1- فك رقبة وقد ورد من أعتق رقبة مؤمنة فداؤه من النار. 2- إطعام في يوم ذي مسغبة أي مجاعة يتيما ذا مقربة أي قرابة أو مسكينا ذا متربة أي ذا لصوق بالأرض لحاجته وشدة فقره. 3- إيمان صادق بالله ورسوله وآيات الله ولقائه يحيا به قلبه. 4- تواصى بالصبر أي مع المؤمنين المستضعفين بالثبات على الحق ولزوم طريقه وتواصي بالمرحمة مع أهل المال أن يرحموا الفقراء والمساكين فيسدوا خلتهم ويقضوا حاجتهم. بهذه الأربعة تجتاز العقبة وينجو المرء من عذاب الله، وفي مثل هذا تنفق الأموال لا أن تنفق في الدسائس والمكر بالصالحين وخداع المؤمنين. وقوله تعالى {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا} لما ذكر الإِيمان والعمل الصالح وهما المنجيان من عذاب الله تعالى ذكر ضدهما وهما الكفر والمعاصي وهما المهلكان الشرك والمعاصي لأن الكفر بآيات الله لازمه البقاء على الشرك المنافي للتوحيد، والعصيان المنافي للطاعة وقوله تعالى {هُمْ أَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ} أي الشمال {عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَةٌ} مغلقة الأبواب مطبقة هي جزاؤهم لأنهم كفروا بآيات الله وعصوا رسوله. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- التنديد بمن ينفق ماله في معصية الله ورسوله، والنصح له بالإِنفاق في الخير فإِنه أجدى له، وأنجى من عذاب الله. 2- بيان أن عقبة عذاب الله يوم القيامة تقتحم وتجتاز بالإِنفاق في سبيل الله وبالإِيمان والعمل الصالح والتواصي به. 3- التنديد بالكفر والوعيد الشديد لأهله.
د. أسعد حومد
تفسير : (11) - فَلاَ جَاهَدَ النَّفْسَ وَالشَّيْطَانَ لِلوُصُولِ إِلَى غَايَتِهِ فِي فِعْلِ الخَيْرَاتِ. وَقَدْ شَبَّهَ اللهُ تَعَالَى هَذَا الجِهَادَ بِاقْتِحَامِ العَقَبَةِ. العَقَبَةَ - الطَّرِيقَ الوَعْرَةَ فِي الجَبَلِ.
الثعلبي
تفسير : {فَلاَ ٱقتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ} يعني فلم يجاوز بهذا الإنسان العقبة فيأمر. قال الفراء أفرد قوله: {فَلاَ ٱقتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ} بذكر لا مرّة واحدة، والعرب لا تكاد تفرد لا مع الفعل الماضي، وفي مثل هذا الموضع حتّى يعيدوها عليه في كلام آخر، كما قال: {أية : فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صَلَّىٰ} تفسير : [القيامة: 31] {أية : فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} تفسير : [البقرة: 38]، وانّما فعل ذلك كذلك في هذا الموضع استغناء بدلالة آخر الكلام على معناه من إعادتها مرّة واحدة، وذلك أنّه فسّر اقتحام العقبة بأشياء فقال: {فَكُّ رَقَبَةٍ} الآية، فكأنه قال في أوّل الكلام فلا فعل ذا ولا ذا ولا ذا. وقال بعضهم: معنى الكلام الاستفهام، تقديره أفلا اقتحم العقبة، وإليه ذهب ابن زيد وجماعة من المفسِّرين، يقول: فهلاّ أنفق ماله في فك الرقاب وإطعام السغبان ليتجاوز بها العقبة ويكون خيراً له من إنفاقه على عداوة محمّد، ويقال: إنّه شبّه عظم الذنب وثقلها على مرتكبها بعقبة، فإذا أعتق رقبة وعمل صالحاً كان مثله مثل من اقتحم تلك العقبة، وهي الذنوب حتّى تذهب وتذوب، كمن يقتحم عقبة فيستوي عليها ونحوها. وذكر عن ابن عمران: أنّ هذه العقبة جبل في جهنّم، وقال كعب: هي سبعون دركة في جهنّم، وقال الحسن وقتادة: هي عقبة شديدة في النار دون الجسر فاقتحموها بطاعة الله سبحانه، وقال مجاهد والضحّاك والكلبي: هي الصراط يضرب على جهنّم كحدّ السيف مسيرة ثلاثة آلاف سهلاً وصعوداً وهبوطاً، وأنّ لجنبتيه كلاليب وخطاطيف كأنّها شوك السعدان، فناج مسلم وناج مخدوس ومكردس في النار منكوس، فمن الناس من يمرّ عليه كالبرق الخاطف، ومنهم من يمرّ عليه كالريح العاصف، ومنهم من يمرّ عليه كالفارس، ومنهم من يمرّ عليه كالرجل يسير، ومنهم من يزحف زحفاً، ومنهم الزالّون والزالاّت، ومنهم من يكردس في النار، واقتحامه على المؤمن كما بين صلاة العصر إلى العشاء. وقال قتادة: هذا مثلٌ ضربه الله سبحانه يقول: إنّ المعتق والمطعم تقاحم نفسه وشيطانه مثل من يتلكّف صعود العقبة، وقال ابن زيد يقول: فهلاّ سلك الطريق التي فيها النجاة والخير ثمّ بيّن ما هي فقال: {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْعَقَبَةُ} قال سفيان بن عينية: كلّ شيء قال: {وَمَآ أَدْرَاكَ} فإنّه أخبره به، وما قال: (وما يدريك) فإنّه لم يخبر به. {فَكُّ رَقَبَةٍ} فمن أعتق رقبة كان فداه من النار، قرأ أبو رجاء والحسن وابن كثير وأبو عمرو والكسائي بنصب الكاف والميم على الفعل كقوله: ثمّ كان، وقرأ غيرهم بالإضافة على الاسم واختاره أبو عبيدة وأبو حاتم لأنّه تفسير لقوله (وما أدراك)، ثم أخبر ما هي فقال: {فَكُّ رَقَبَةٍ}. {أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ} مجاعة. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا عبيد الله بن أبي سمرة قال: حدّثنا محمّد بن عبد الله المستعيني قال: حدّثنا علي بن الحسين البصري قال: حدّثنا حجّاج قال: حدّثنا جرير بن حازم قال: سمعت الحسن وأبا رجاء يقرآن: {فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ} قد لصق بالتراب من الفقر فليس له مأوى إلاّ التراب. وسمعت أبا القاسم الحلبي يقول: سمعت أبا حامد الخازرجي يقول: المتربة هاهنا من التربة وهي شدّة الحال، وأنشد الهذلي: شعر : وكنّا إذا ما الضيف حلّ بأرضنا سفكنا دماء البدْن في تربة المال تفسير : أخبرني الحسن قال: حدّثنا عمر بن أحمد بن القاسم النهاوندي قال: حدّثنا موسى بن إسحاق الأنصاري قال: حدّثنا عبد الحميد بن صالح قال: حدّثنا عيسى بن عبد الرحمن عن طلحة بن مصرف عن عبد الرحمن بن عوسجة عن البراء بن عازب قال: حديث : جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله علّمني عملاً يدخلني الجنّة فقال: "لئن اقصرت الخطبة لقد أعرضت المسألة اعتق النسمة وفكّ الرقبة"، قال: أوليسا واحداً؟ قال: "لا، عتق النسمة أن تفرد بعتقها، وفكّ الرقبة أن تعين في ثمنها، والمنحة الوكوف والفيء على ذي الرحم الظالم، فإن لم تطق ذاك فاطعم الجائع واسق الظمآن، وأمر بالمعروف وانه عن المنكر، فإن لم تطق ذاك فكفّ لسانك إلاّ من خير ". تفسير : {ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} قيل: ثمّ بمعنى الواو {وَتَوَاصَوْاْ} أوصى بعضهم بعضاً {بِٱلصَّبْرِ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْمَرْحَمَةِ} برحمة الناس. {أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ * وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ * عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَةٌ} قرأ أبو عمرو وعيسى وحمزة ويعقوب بالهمزة ههنا، وفي سورة الهُمزة وغيرهم بلا همزة، وهما لغتان. المطبقة، قال الفراء وأبو عبيدة يقال: أصدت وأوصدت إذا أطبقت وقيل: معنى الهمزة المطبقة وغير الهمزة المغلقة، ومنه قيل للباب: وصيد.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {فَلاَ ٱقتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ} فالاقتحامُ في الشَّيءِ: الدُّخولُ فيهِ. والعَقبةُ: جَبلٌ وراء جهَنمَ.
الجيلاني
تفسير : وبعدما أعطيناه وهديناه {فَلاَ ٱقتَحَمَ} وما دخل الإنسان {ٱلْعَقَبَةَ} [البلد: 11] أي: الكؤودة الوعرة على نفسه الشاقة لها، حتى يؤدي شكر ما أعطيناه. ثمَّ أبهمها سبحانه تعظيماً وتفخيماً فقال: {وَمَآ أَدْرَاكَ} أيها المغرور بالحياة المستعار ولوازمها {مَا ٱلْعَقَبَةُ} [البلد: 12] الكؤودة في طريق أهل الإيمان والعرفان. ثمَّ بيَّنها بقوله: {فَكُّ رَقَبَةٍ} [البلد: 13] أي: العقبة الكؤودة فك الرقبة عن رقية الآماني والآمل. {أَوْ} العقبة {إِطْعَامٌ} على فقراء الله وعجزه عباده {فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ} [البلد: 14] أي: حاجة شديدة وجوع مفرط. يعني: {يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ} [البلد: 15] أي: له قرابة إلى المطعم. {أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ} [البلد: 16] أسكنه الفقر وإغبره في تراب المذلة والصغار. {ثُمَّ} بعدما أقدم على اقتحام العقبة {كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بالله، وأيقنوا أن ما في يدهم لله، وهم منفقون بإقدار الله في سبيل الله {وَ} مع إيمانهم بالله واتصافهم بالأعمال الصالحة المؤكدة لإيمانهم {تَوَاصَوْاْ} بينهم؛ أي: أوصى بعضهم بعضاً {بِٱلصَّبْرِ} على مشاق التكاليف الإلهية ومتاعب الطاعات المأمورة لهم {وَ} كذلك {تَوَاصَوْاْ} بينهم {بِٱلْمَرْحَمَةِ} [البلد: 17] والشفقة على عباد الله وتعظيمهم، والتحنن نحوهم، والإحسان معهم ولو بكلمة طيبة. {أُوْلَـٰئِكَ} السعداء، الموصوفون بلذة الكرامة العظمة {أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ} [البلد: 18] عند الله؛ أي: ذوي اليُمن والكرامة وأنواع اللطف، وأعلى الدرجة والمقامة. ثمَّ قال سبحانه على مقتضى سنته المستمرة في كتابه: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} وكذَّبوا {بِآيَاتِنَا} الدالة على عظمة ذاتنا، وكمالات أسمائنا وصفاتنا {هُمْ أَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ} [البلد: 19] أي: ذوو الملامة والندامة، المأخوذون بشؤم كفرهم ومعاصيهم، المجزيّون بفواسد ما اقترفوا من الجرائم والآثام. لذلك {عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَةٌ} [البلد: 20] مبطقة، مغلقة، مكتوبة بحيث لا يمكنهم من لوازمها التنفس فيها أصلاً؛ لكونهم منهمكين في النشأة الأولى في لوازم الإمكان بحيث لا يمكنهم في لوازمها ومقتضياتها. نعوذ بك من النار، وما قرب إليها غفَّار. خاتمة السورة عليك أيها المترقب للكرامة الإلهية والسعادة الأبدية - يسَّر الله لك طرؤق الوصول إليك - أن تشتغل بصوالح الأعمال، وتجتنب عن فواسدها وتكتسب الأخلاق المرضية المقربة إلى الله، والمبعدة عن شآمة أصحاب الزيغ والضلال، المنهمكين في بحر الغفلة بأنواع الشهوات واللذات البهيمية والوهمية الفانية، العائقة من الوصول إلى اللذات الروحانية الباقية. وإياك إياك الاختلاط مع أصحاب الثروة المفتخرين بالمال والجاه، المتصفين بالنخوة الحاصلة منها، فإن صحبتك معهم تزل قدمك عن منهج التوكل، وتميل قلبك عن الرضا والتسليم. ثبت أقدامنا على جادة توحيدك يا ذا القوة المتين.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {فَلاَ ٱقتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ} [البلد: 11] لم ينفق قواه فيما يسهل عليه جواز العقبة الكؤود والنفسانية وقت خروجه عن قبر القالب، {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْعَقَبَةُ} [البلد: 12]؛ يعني: ما تدري بأي شيء يسهل عليه جواز العقبة، {فَكُّ رَقَبَةٍ} [البلد: 13]؛ يعني: فك رقبة نفسه عن أمر هواه، {أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ} [البلد: 14-16]؛ يعني: يطعم الخاطر القلبي الذي كان يتيماً في عالم النفس، أو خاطر السكينة الذي هو محتاج إلى الذكر من طعام ذكر الله، {ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} [البلد: 17]؛ أي: هذا المطعم ينبغي أن يكون مؤمناً بأن الله أرسل بخاطر القلب وخاطر السكينة إليه، {وَتَوَاصَوْاْ} [البلد: 17]؛ يعني: قواها النفسية والقالبية، {بِٱلصَّبْرِ} [البلد: 17] على مراده خلاف الهوى، {وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْمَرْحَمَةِ} [البلد: 17]؛ أي: بالمرحمة على الخواطر الغريبة التائبية في عالمه. {أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ} [البلد: 18]؛ يعني: هذه القوى النفسانية المؤمنة المطعمة تكون من أصحاب الميمنة غداً، {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا} [البلد: 19]؛ يعني: كفروا بالآيات الأنفسية التي خلقناها وأظهرناها في باطن السالك وكشفناها عليه، {هُمْ أَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ} [البلد: 19]؛ يعني: تلك القوى الكافرة التي كانت في نفس السالك هم أصحاب المشأمة غداً، {عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَةٌ} [البلد: 20]؛ يعني: عليهم نار مطبقة عليهم الأبواب لا يدخل عليهم روح من عالم الروح، ولا يخرج من داخلهم كرب وغم بأنهم كسبوا هذه النار المؤصدة بكفرانهم وطغيانهم اللطيفة في عالم الكسب. اللهم اجعلنا مؤمنين لك وسهِّل الجواز على العقبة بحق محمد صلى الله عليه وسلم وعلى أله وصحبه أجمعين.
همام الصنعاني
تفسير : 3626- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {فَلاَ ٱقتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ}: [الآية: 11] قال: النار عقبة دون الجنة، قال: {فَلاَ ٱقتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْعَقَبَةُ}: [الآية: 11-12].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):