Verse. 6044 (AR)

٩١ - ٱلشَّمْس

91 - Ash-Shams (AR)

وَالشَّمْسِ وَضُحٰىہَا۝۱۠ۙ
Waalshshamsi waduhaha

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«والشمس وضحاها» ضوؤها.

1

Tafseer

الرازي

تفسير : قبل الخوض في التفسير لا بد من مسائل: المسألة الأولى: المقصود من هذه السورة الترغيب في الطاعات والتحذير من المعاصي. واعلم أنه تعالى ينبه عباده دائماً بأن يذكر في القسم أنواع مخلوقاته المتضمنة للمنافع العظيمة حتى يتأمل المكلف فيها ويشكر عليها، لأن الذي يقسم الله تعالى به يحصل له وقع في القلب، فتكون الدواعي إلى تأمله أقوى. المسألة الثانية: قد عرفت أن جماعة من أهل الأصول قالوا: التقدير ورب الشمس ورب سائر ما ذكره إلى تمام القسم، واحتج قوم على بطلان هذا المذهب، فقالوا: إن في جملة هذا القسم قوله: {أية : وَٱلسَّمَاء وَمَا بَنَـٰهَا } تفسير : [الشمس: 5] وذلك هو الله تعالى فيلزم أن يكون المراد، ورب السماء وربها وذلك كالمتناقض، أجاب القاضي عنه بأن قوله: {وَمَا بَنَـٰهَا } لا يجوز أن يكون المراد منه هو الله تعالى، لأن (ما) لا تستعمل في خالق السماء إلا على ضرب من المجاز، ولأنه لا يجوز منه تعالى أن يقدم قسمه بغيره على قسمه بنفسه، ولأنه تعالى لا يكاد يذكر مع غيره على هذا الوجه، فإذاً لا بد من التأويل وهو أن {مَا } مع ما بعده في حكم المصدر فيكون التقدير: والسماء وبنائها، اعترض صاحب «الكشاف» عليه فقال: لو كان الأمر على هذا الوجه لزم من عطف قوله: {أية : فَأَلْهَمَهَا } تفسير : [الشمس: 8] عليه فساد النظم. المسألة الثالثة: القراء مختلفون في فواصل هذه السورة وما أشبهها نحو: {وَٱلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ }، {وَٱلضُّحَىٰ وَٱلَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ } فقرءوها تارة بالإمالة وتارة بالتفخيم وتارة بعضها بالإمالة وبعضها بالتفخيم، قال الفراء: بكسر ضحاها، والآيات التي بعدها وإن كان أصل بعضها الواو نحو: تلاها، وطحاها ودحاها، فكذلك أيضاً. فإنه لماابتدئت السورة بحرف الياء أتبعها بما هو من الواو لأن الألف المنقلبة عن الواو قد توافق المنقلبة عن الياء، ألا ترى أن تلوت وطحوت ونحوهما قد يجوز في أفعالها أن تنقلب إلى الياء نحو: تلى ودحى، فلما حصلت هذه الموافقة استجازوا إمالته كما استجازوا إمالة ما كان من الياء، وأما وجه من ترك الإمالة مطلقاً فهو أن كثيراً من العرب لا يميلون هذه الألفات ولا ينحون فيها نحو الياء، ويقوى ترك الإمالة للألف أن الواو في موسر منقلبة عن الياء، والياء في ميقات وميزان منقلبة عن الواو ولم يلزم من ذلك أن يحصل فيه ما يدل على ذلك الانقلاب، فكذا ههنا ينبغي أن تترك الألف غير ممالة ولا ينحى بها نحو الياء، وأما إمالة البعض وترك إمال البعض، كما فعله حمزة فحسن أيضاً، وذلك لأن الألف إنما تمال نحو الياء لتدل على الياء إذا كان انقلابها عن الياء ولم يكن في تلاها وطحاها ودحاها ألف منقلبة عن الياء إنما هي منقلبة عن الواو بدلالة تلوت ودحوت. المسألة الرابعة: أن الله تعالى قد أقسم بسبعة أشياء إلى قوله: {أية : قَدْ أَفْلَحَ } تفسير : [الشمس: 9] وهو جواب القسم، قال الزجاج: المعنى لقد أفلح، لكن اللام حذفت لأن الكلام طال فصار طوله عوضاً منها. قوله تعالى: {وَٱلشَّمْسِ وَضُحَـٰهَا } ذكر المفسرون في ضحاها ثلاثة أقوال قال مجاهد والكلبي: ضوؤها، وقال قتادة: هو النهار كله، وهو اختيار الفراء وابن قتيبة، وقال مقاتل: هو حر الشمس، وتقرير ذلك بحسب اللغة أن نقول: قال الليث: الضحو ارتفاع النهار، والضحى فويق ذلك، والضحاء ممدوداً امتد النهار، وقرب أن ينتصف. وقال أبو الهيثم: الضح نقيض الظل وهو نور الشمس على وجه الأرض وأصله الضحى، فاستثقلوا الياء مع سكون الحاء فقلبوها وقال: ضح، فالضحى هو ضوء الشمس ونورها ثم سمى به الوقت الذي تشرق فيه الشمس على ما في قوله تعالى: {أية : إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَـٰهَا }تفسير : [النازعات: 46] فمن قال من المفسرين: في ضحاها ضوؤها فهو على الأصل، وكذا من قال: هو النهار كله، لأن جميع النهار هو من نور الشمس، ومن قال: في الضحى إنه حر الشمس فلأن حرها ونورها متلازمان، فمتى اشتد حرها فقد اشتد ضؤوها وبالعكس، وهذا أضعف الأقوال، واعلم أنه تعالى إنما أقسم بالشمس وضحاها لكثرة ما تعلق بها من المصالح، فإن أهل العالم كانوا كالأموات في الليل، فلما ظهر أثر الصبح في المشرق صار ذلك كالصور الذي ينفخ قوة الحياة، فصارت الأموات أحياء، ولا تزال تلك الحياة في الازدياد والقوة والتكامل، ويكون غاية كمالها وقت الضحوة، فهذه الحالة تشبه أحوال القيامة، ووقت الضحى يشبه استقرار أهل الجنة فيها، وقوله: {وَٱلْقَمَرِ إِذَا تَلـٰهَا } قال الليل: تلا يتلو إذا تبع شيئاً وفي كون القمر تالياً وجوه أحدها: بقاء القمر طالعاً عند غروب الشمس، وذلك إنما يكون في النصف الأول من الشهر إذا غربت الشمس، فإذا القمر يتبعها في الإضاءة، وهو قول عطاء عن ابن عباس وثانيها: أن الشمس إذا غربت فالقمر يتبعها ليلة الهلال في الغروب، وهو قول قتادة والكلبي وثالثها: قال الفراء: المراد من هذا التلو هو أن القمر يأخذ الضوء من الشمس يقال: فلان يتبع فلاناً في كذا أي يأخذ منه ورابعها: قال الزجاج: تلاها حين استدار وكمل، فكأنه يتلو الشمس في الضياء والنور يعني إذا كمل ضوؤه فصار كالقائم مقام الشمس في الإنارة، وذلك في الليالي البيض وخامسها: أنه يتلوها في كبر الجرم بحسب الحس، وفي ارتباط مصالح هذا العالم بحركته، ولقد ظهر في علم النجوم أن بينهما من المناسبة ما ليس بين الشمس وبين غيرها.

القرطبي

تفسير : قال مجاهد: {وَضُحَاهَا } أي ضوؤها وإشراقها. وهو قَسَم ثان. وأضاف الضحى إلى الشمس، لأنه إنما يكون بارتفاع الشمس. وقال قتادة: بهاؤها. السُّدّي: حرّها. وروى الضحاك عن ابن عباس: «وضحاها» قال: جعل فيها الضوء وجعلها حارة. وقال اليزيديّ: هو انبساطها. وقيل: ما ظهر بها من كل مخلوق؛ فيكون القسم بها وبمخلوقات الأرض كلها. حكاه الماوردِيّ. والضُّحَا: مؤنثة. يقال: ارتفعت الضُّحا، (وهي) فوق الضَّحْو. وقد تُذَكَّر. فمن أنّث ذهب إلى أنها جمع ضَحْوَة. ومن ذكّر ذهب إلى أنه اسم على فُعَل، نحو صُرَدٍ ونُغَرٍ. وهو ظرف غير متمكن مثل سَحَر. تقول: لقِيتُه ضُحاً وضُحَا؛ إذا أردت به ضُحا يومِك لم تنوّنه. وقال الفرّاء: الضُّحا هو النهار؛ كقول قتادة. والمعروف عند العرب أن الضحا: إذا طلعت الشمس وبُعَيْد ذلك قليلاً، فإذا زاد فهو الضَّحاء بالمد. ومن قال: الضُّحا: النهار كله، فذلك لدوام نور الشمس. ومن قال: إنه نور الشمس أو حرها، فنور الشمس لا يكون إلا مع حر الشمس. وقد استدل من قال: إن الضحى حر الشمس بقوله تعالى: «ولا تَضْحَى» أي لا يؤذيك الحرّ. وقال المبرد: أصل الضُّحَا من الضُّحّ، وهو نور الشمس، والألف مقلوبة من الحاء الثانية. تقول: ضَحْوَة وضَحَوَات، وضَحَوَاتٌ وضُحَا، فالواو من (ضَحْوَة) مقلوبة عن الحاء الثانية، والألف في (ضُحَا) مقلوبة عن الواو. وقال أبو الهيثم: الضِّح: نقيض الظّل، وهو نور الشمس على وجه الأرض، وأصله الضُّحَا، فاستثقلوا الياء مع سكون الحاء، فقلبوها ألفا.

البيضاوي

تفسير : مكية وآيها خمس عشرة آية بسم الله الرحمن الرحيم {وَٱلشَّمْسِ وَضُحَـٰهَا } وضوئها إذا أشرقت، وقيل الضحوة ارتفاع النهار والضحى فوق ذلك، والضحاء بالفتح والمد إذا امتد النهار وكاد ينتصف. {وَٱلْقَمَرِ إِذَا تَلـٰهَا } تلا طلوعه طلوع الشمس أول الشهر أو غروبها ليلة البدر، أو في الاستدارة وكمال النور. {وَٱلنَّهَارِ إِذَا جَلَّـٰهَا } جلى الشمس فإنها تتجلى إذا انبسط النهار أو الظلمة، أو الدنيا أو الأرض وإن لم يجر ذكرها للعلم بها. {وَٱلَّيْلِ إِذَا يَغْشَـٰهَا } يغشى الشمس فيغطي ضوءها أو الآفاق، أو الأرض. ولما كانت واوات العطف نوائب للواو الأولى القسيمة الجارة بنفسها النائبة مناب فعل القسم من حيث استلزمت طرحه معها، ربطن المجرورات والظرف بالمجرور والظرف المتقدمين ربط الواو لما بعدها في قولك: ضرب زيد عمراً وبكر خالداً على الفاعل والمفعول من غير عطف على عاملين مختلفين. {وَٱلسَّمَاء وَمَا بَنَـٰهَا } ومن بناها وإنما أوثرت على من لإرادة معنى الوصفية كأنه قيل: والشيء القادر الذي بناها ودل على وجوده وكمال قدرته بناؤها، ولذلك أفرد ذكره وكذا الكلام في قوله: {وَٱلأَرْضِ وَمَا طَحَـٰهَا وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا } وجعل الماءات مصدرية يجرد الفعل عن الفاعل ويخل بنظم قوله: {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا } بقوله {وَمَا سَوَّاهَا } إلا أن يضمر فيه اسم الله للعلم به وتنكير {نَفْسٌ } للتكثير كما في قوله تعالى: {أية : عَلِمَتْ نَفْسٌ }تفسير : [التكوير: 14] أو للتعظيم والمراد نفس آدم وإلهام الفجور والتقوى إفهامهما وتعريف حالهما أو التمكين من الإِتيان بهما.

ابن كثير

تفسير : قال مجاهد: { وَٱلشَّمْسِ وَضُحَـٰهَا} أي: وضوئها. وقال قتادة: {وَضُحَـٰهَا}: النهار كله. قال ابن جرير: والصواب أن يقال: أقسم الله بالشمس ونهارها؛ لأن ضوء الشمس الظاهر هو النهار { وَٱلْقَمَرِ إِذَا تَلـٰهَا} قال مجاهد: تبعها، وقال العوفي عن ابن عباس: { وَٱلْقَمَرِ إِذَا تَلـٰهَا} قال: يتلو النهار، وقال قتادة: إذا تلاها ليلة الهلال، إذا سقطت الشمس، رؤي الهلال، وقال ابن زيد: هو يتلوها في النصف الأول من الشهر، ثم هي تتلوه، وهو يتقدمها في النصف الأخير من الشهر، وقال مالك عن زيد بن أسلم: إذا تلاها ليلة القدر. وقوله تعالى: { وَٱلنَّهَارِ إِذَا جَلَّـٰهَا} قال مجاهد: أضاء. وقال قتادة: { وَٱلنَّهَارِ إِذَا جَلَّـٰهَا}: إذا غشيها النهار، وقال ابن جرير: وكان بعض أهل العربية يتأول ذلك بمعنى: والنهار إذا جلا الظلمة؛ لدلالة الكلام عليها. (قلت): ولو أن هذا القائل تأول ذلك بمعنى: { وَٱلنَّهَارِ إِذَا جَلَّـٰهَا} أي: البسيطة، لكان أولى، ولصح تأويله في قوله تعالى: {وَٱلَّيْلِ إِذَا يَغْشَـٰهَا} فكان أجود وأقوى، والله أعلم. ولهذا قال مجاهد: { وَٱلنَّهَارِ إِذَا جَلَّـٰهَا} إنه كقوله تعالى: { أية : وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ} تفسير : [الليل: 2] وأما ابن جرير فاختار عود الضمير في ذلك كله على الشمس؛ لجريان ذكرها، وقالوا في قوله تعالى: { وَٱلَّيْلِ إِذَا يَغْشَـٰهَا} يعني: إذا يغشى الشمس حين تغيب، فتظلم الآفاق. وقال بقية بن الوليد عن صفوان: حدثني يزيد بن ذي حمامة قال: إذا جاء الليل، قال الرب جل جلاله: غشى عبادي خلقي العظيم، فالليل يهابه، والذي خلقه أحق أن يهاب. رواه ابن أبي حاتم، وقوله تعالى: {وَٱلسَّمَآءِ وَمَا بَنَـٰهَا} يحتمل أن تكون (ما) ههنا مصدرية بمعنى: والسماء وبنائها، وهو قول قتادة، ويحتمل أن تكون بمعنى (من) يعني: والسماء وبانيها، وهو قول مجاهد، وكلاهما متلازم، والبناء هو الرفع؛ كقوله تعالى: {أية : وَٱلسَّمَآءَ بَنَيْنَـٰهَا بِأَيْدٍ} تفسير : ــــ أي: بقوة ــــ {أية : وَٱلسَّمَآءَ بَنَيْنَاهَا بِأَييْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ}تفسير : [الذاريات: 47 ــــ 48] وهكذا قوله تعالى: {وَٱلأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا} قال مجاهد: طحاها: دحاها، وقال العوفي عن ابن عباس: {وَمَا طَحَـٰهَا} أي: خلق فيها. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: {طَحَاهَا}: قسمها. وقال مجاهد وقتادة والضحاك والسدي والثوري وأبو صالح وابن زيد: {طَحَـٰهَا}: بسطها، وهذا أشهر الأقوال، وعليه الأكثر من المفسرين، وهو المعروف عند أهل اللغة، قال الجوهري: طحوته: مثل دحوته، أي: بسطته. وقوله تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا} أي: خلقها سوية مستقيمة على الفطرة القويمة؛ كما قال تعالى: {أية : فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِى فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ} تفسير : [الروم: 30] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تولد البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟» تفسير : أخرجاه من رواية أبي هريرة، وفي صحيح مسلم من رواية عياض بن حمار المجاشعي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يقول الله عز وجل: إني خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم»تفسير : ، وقوله تعالى: { فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} أي: فأرشدها إلى فجورها وتقواها، أي: بين ذلك لها وهداها إلى ما قدر لها. قال ابن عباس: { فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا}: بين لها الخير والشر، وكذا قال مجاهد وقتادة والضحاك والثوري، وقال سعيد بن جبير: ألهمها الخير والشر، وقال ابن زيد: جعل فيها فجورها وتقواها، وقال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا صفوان بن عيسى وأبو عاصم النبيل قالا: حدثنا عزرة بن ثابت، حدثني يحيى بن عقيل عن يحيى بن يعمر عن أبي الأسود الديلي قال: قال لي عمران بن حصين: أرأيت ما يعمل الناس فيه، ويتكادحون فيه، أشيء قضي عليهم، ومضى عليهم من قدر قد سبق، أو فيما يستقبلون مما أتاهم به نبيهم صلى الله عليه وسلم، وأكدت عليهم الحجة؟ قلت: بل شيء قضي عليهم، قال: فهل يكون ذلك ظلماً؟ قال: ففزعت منه فزعاً شديداً، قال: قلت له: ليس شيء إلا وهو خلقه وملك يده، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، قال: سددك الله، إنما سألتك لأخبر عقلك، إن رجلاً من مزينة أو جهينة أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أرأيت ما يعمل الناس فيه ويتكادحون، أشيء قضي عليهم ومضى عليهم من قدر قد سبق، أم شيء مما يستقبلون مما أتاهم به نبيهم صلى الله عليه وسلم، وأكدت به عليهم الحجة؟ قال: «حديث : بل شيء قد قضي عليهم» تفسير : قال: ففيم نعمل؟ قال: «حديث : من كان الله خلقه لإحدى المنزلتين، يهيئه لها، وتصديق ذلك في كتاب الله تعالى: { وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا }» تفسير : رواه أحمد ومسلم من حديث عزرة بن ثابت به. وقوله تعالى: { قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّـٰهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّـٰهَا } يحتمل أن يكون المعنى: قد أفلح من زكى نفسه، أي: بطاعة الله، كما قال قتادة: وطهرها من الأخلاق الدنيئة والرذائل، ويروى نحوه عن مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير، وكقوله تعالى: {أية : قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ وَذَكَرَ ٱسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّىٰ } تفسير : [الأعلى: 14 ــــ 15] { وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّـٰهَا} أي: دسسها، أي: أخملها، ووضع منها؛ بخذلانه إياها عن الهدى حتى ركب المعاصي، وترك طاعة الله عز وجل، وقد يحتمل أن يكون المعنى: قد أفلح من زكى الله نفسه، وقد خاب من دسى الله نفسه؛ كما قال العوفي وعلي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي وأبو زرعة قالا: حدثنا سهل بن عثمان، حدثنا أبو مالك، يعني: عمرو بن الحارث عن عمرو ابن هشام عن جويبر، عن الضحاك عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في قول الله عز وجل: { قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّـٰهَا} قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : أفلحت نفس زكاها الله عز وجل» تفسير : ورواه ابن أبي حاتم من حديث أبي مالك به، وجويبر هذا هو ابن سعيد، متروك الحديث، والضحاك لم يلق ابن عباس، وقال الطبراني: حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح، حدثنا أبي، حدثنا ابن لهيعة عن عمرو بن دينار عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مر بهذه الآية: { وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا } وقف ثم قال: «حديث : اللهم آت نفسي تقواها، أنت وليها ومولاها، وخير من زكاها.»تفسير : (حديث آخر) قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا يعقوب بن حميد المدني، حدثنا عبد الله بن عبدالله الأموي، حدثنا معن بن محمد الغفاري عن حنظلة بن علي الأسلمي عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ { فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا}، قال: «حديث : اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها» تفسير : لم يخرجوه من هذا الوجه، وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع عن نافع عن ابن عمر عن صالح بن سعيد عن عائشة: أنها فقدت النبي صلى الله عليه وسلم من مضجعه، فلمسته بيدها، فوقعت عليه وهو ساجد وهو يقول: «حديث : رب أعط نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها» تفسير : تفرد به. (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا عاصم الأحول عن عبد الله بن الحارث عن زيد بن أرقم، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، والهرم والجبن والبخل وعذاب القبر. اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها. اللهم إني أعوذ بك من قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، وعلم لا ينفع، ودعوة لا يستجاب لها» تفسير : قال زيد: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمناهن ونحن نعلمكموهن، رواه مسلم من حديث أبي معاوية عن عاصم الأحول، عن عبد الله بن الحارث وأبي عثمان النهدي عن زيد بن أرقم به.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَٱلشَّمْسِ وَضُحَٰهَا } ضوئها.

الشوكاني

تفسير : أقسم سبحانه بهذه الأمور، وله أن يقسم بما شاء من مخلوقاته. وقال قوم: إن القسم بهذه الأمور، ونحوها مما تقدّم، ومما سيأتي هو على حذف مضاف أي: ٱلشَّمْسَ وربّ القمر، وهكذا سائرها، ولا ملجىء إلى هذا، ولا موجب له. وقوله: {وَضُحَـٰهَا } هو: قسم ثان قال مجاهد: وضحاها، أي: ضوئها وإشراقها. وأضاف الضحى إلى الشمس؛ لأنه إنما يكون عند ارتفاعها، وكذا قال الكلبي. وقال قتادة: {ضحاها} نهارها كله. قال الفراء: الضحى هو النهار. وقال المبرد: أصل الضحى الصبح، وهو نور الشمس. قال أبو الهيثم: الضحى نقيض الظلّ، وهو نور الشمس على وجه الأرض، وأصله الضحى، فاستثقلوا الياء، فقلبوها ألفاً. قيل: والمعروف عند العرب أن الضحى إذا طلعت الشمس وبعيد ذلك قليلاً، فإذا زاد فهو الضحاء بالمدّ. قال المبرد: الضحى، والضحوة مشتقان من الضحّ، وهو النور، فأبدلت الألف، والواو من الحاء. واختلف في جواب القسم ماذا هو؟ فقيل: هو قوله: {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّـٰهَا }. قاله الزجاج وغيره. قال الزجاج وحذفت اللام؛ لأن الكلام قد طال، فصار طوله عوضاً منها. وقيل: الجواب محذوف، أي: والشمس، وكذا لتبعثنّ. وقيل تقديره: ليدمدمنّ الله على أهل مكة لتكذيبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما دمدم على ثمود؛ لأنهم كذبوا صالحاً، وأما: {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّـٰهَا } فكلام تابع لقوله: {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا } على سبيل الاستطراد، وليس من جواب القسم في شيء. وقيل: هو على التقديم والتأخير بغير حذف، والمعنى: قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها، والشمس وضحاها. والأوّل أولى. {وَٱلْقَمَرِ إِذَا تَلـٰهَا } أي: تبعها، وذلك بأن طلع بعد غروبها، يقال تلا يتلو تلواً: إذا تبع. قال المفسرون: وذلك في النصف الأوّل من الشهر إذا غربت الشمس تلاها القمر في الإضاءة، وخلفها في النور. قال الزجاج: تلاها حين استدار، فكان يتلو الشمس في الضياء والنور، يعني: إذا كمل ضوءه، فصار تابعاً للشمس في الإنارة، يعني: كان مثلها في الإضاءة، وذلك في الليالي البيض. وقيل: إذا تلا طلوعه طلوعها. قال قتادة: إن ذلك ليلة الهلال إذا سقطت رؤي الهلال. قال ابن زيد: إذا غربت الشمس في النصف الأوّل من الشهر تلاها القمر بالطلوع، وفي آخرها يتلوها بالغروب، وقال الفراء تلاها أخذ منها يعني: أن القمر يأخذ من ضوء الشمس. {وَٱلنَّهَارِ إِذَا جَلَّـٰهَا } أي: جلى الشمس، وذلك أن الشمس عند انبساط النهار تنجلي تمام الانجلاء، فكأنه جلاها مع أنها الذي تبسطه. وقيل: الضمير عائد إلى الظلمة، أي: جلى الظلمة، وإن لم يجر للظلمة ذكر؛ لأن المعنى معروف. قال الفراء: كما تقول أصبحت باردة أي: أصبحت غداتنا باردة، والأوّل أولى. ومنه قول قيس بن الحطيم:شعر : تجلت لنا كالشمس تحت غمامة بدا حاجب منها وضنت بحاجب تفسير : وقيل المعنى: جلى ما في الأرض من الحيوانات، وغيرها بعد أن كانت مستترة في الليل. وقيل: جلى الدنيا. وقيل: جلى الأرض. {وَٱلَّيْلِ إِذَا يَغْشَـٰهَا } أي: يغشي الشمس، فيذهب بضوئها، فتغيب، وتظلم الآفاق، وقيل: يغشى الآفاق. وقيل: الأرض، وإن لم يجر لهما ذكر؛ لأن ذلك معروف. والأوّل أولى. {وَٱلسَّمَاء وَمَا بَنَـٰهَا } يجوز أن تكون ما مصدرية، أي: والسماء وبنيانها، ويجوز أن تكون موصولة، أي: والذي بناها، وإيثار «ما» على من لإرادة الوصفية لقصد التفخيم كأنه قال: والقادر العظيم الشأن الذي بناها. ورجح الأوّل الفراء، والزجاج، ولا وجه لقول من قال: إن جعلها مصدرية مخلّ بالنظم. ورجح الثاني ابن جرير. {وَٱلأَرْضِ وَمَا طَحَـٰهَا } الكلام في «ما» هذه كالكلام في التي قبلها، ومعنى طحاها بسطها. كذا قال عامة المفسرين، كما في قوله: {دَحَـٰهَا } قالوا: طحاها ودحاها واحد، أي: بسطها من كل جانب، والطحو: البسط. وقيل: معنى {طحاها} قسمها. وقيل: خلقها، ومنه قول الشاعر:شعر : وما يدري جذيمة من طحاها ولا من ساكن العرش الرفيع تفسير : والأوّل أولى. والطحو أيضاً: الذهاب. قال أبو عمرو بن العلاء: طحا الرجل: إذا ذهب في الأرض. يقال: ما أدري أين طحا؟ ويقال: طحا به قلبه: إذا ذهب به، ومنه قول الشاعر:شعر : طحا بك قلب في الحسان طروب بعيد الشباب عصر حان مشيب تفسير : {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا } الكلام في «ما» هذه، كما تقدّم، ومعنى {سوّاها} خلقها وأنشأها، وسوّى أعضاءها. قال عطاء: يريد جميع ما خلق من الجنّ والإنس، والتنكير للتفخيم. وقيل: المراد نفس آدم. {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا } أي: عرّفها وأفهمها حالهما، وما فيهما من الحسن والقبح. قال مجاهد: عرّفها طريق الفجور، والتقوى، والطاعة، والمعصية. قال الفراء: فألهمها عرّفها طريق الخير، وطريق الشرّ، كما قال: {أية : وَهَدَيْنَـٰهُ ٱلنَّجْدَينِ } تفسير : [البلد: 10]. قال محمد بن كعب: إذا أراد الله بعبده خيراً ألهمه الخير فعمل به، وإذا أراد به الشرّ ألهمه الشرّ فعمل به. قال ابن زيد: جعل فيها ذلك بتوفيقه إياها للتقوى، وخذلانه إياها للفجور، واختار هذا الزجاج، وحمل الإلهام على التوفيق والخذلان. قال الواحدي: وهذا هو الوجه لتفسير الإلهام، فإن التبيين والتعليم، والتعريف دون الإلهام، والإلهام أن يوقع في قلبه، ويجعل فيه، وإذا أوقع الله في قلب عبده شيئًا ألزمه ذلك الشيء. قال: وهذا صريح في أن الله خلق في المؤمن تقواه، وفي الكافر فجوره. {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّـٰهَا } أي: قد فاز من زكى نفسه وأنماها، وأعلاها بالتقوى بكلّ مطلوب، وظفر بكلّ محبوب، وقد قدّمنا أن هذا جواب القسم على الراجح، وأصل الزكاة: النموّ والزيادة، ومنه زكا الزرع: إذا كثر. {وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّـٰهَا } أي: خسر من أضلها وأغواها. قال أهل اللغة: دساها أصله دسسها، من التدسيس، وهو إخفاء الشيء في الشيء، فمعنى دساها في الآية: أخفاها وأخملها، ولم يشهرها بالطاعة والعمل الصالح، وكانت أجواد العرب تنزل الأمكنة المرتفعة ليشتهر مكانها، فيقصدها الضيوف، وكانت لئام العرب تنزل الهضاب، والأمكنة المنخفضة؛ ليخفى مكانها عن الوافدين. وقيل: معنى {دساها} أغواها، ومنه قول الشاعر:شعر : وأنت الذي دسيت عمرا فأصبحت حلائله منه أرامل ضيعا تفسير : وقال ابن الأعرابي: {وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّـٰهَا } أي: دسّ نفسه في جملة الصالحين، وليس منهم: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا } الطغوى: اسم من الطغيان كالدعوى من الدعاء. قال الواحدي: قال المفسرون: كذبت ثمود بطغيانها، أي: الطغيان حملتهم على التكذيب، والطغيان مجاوزة الحدّ في المعاصي، والباء للسببية. وقيل: كذبت ثمود بطغواها، أي: بعذابها الذي وعدت به، وسمي العذاب طغوى لأنه طغى عليهم، فتكون الباء على هذا للتعدية. وقال محمد بن كعب: بطغواها، أي: بأجمعها. قرأ الجمهور: {بطغواها} بفتح الطاء. وقرأ الحسن، والجحدري، ومحمد بن كعب، وحماد بن سلمة بضم الطاء؛ فعلى القراءة الأولى هو مصدر بمعنى الطغيان، وإنما قلبت الياء والواو للفرق بين الاسم والصفة؛ لأنهم يقلبون الياء في الأسماء كثيراً نحو تقوى، وسروى، وعلى القراءة الثانية هو مصدر كالرجعى والحسنى، ونحوهما، وقيل: هما لغتان. {إِذِ ٱنبَعَثَ أَشْقَـٰهَا } العامل في الظرف {كذبت}، أو {بطغواها}، أي: حين قام أشقى ثمود، وهو قدار بن سالف، فعقر الناقة، ومعنى انبعث: انتدب لذلك وقام به، يقال بعثته على الأمر، فانبعث له، وقد تقدّم بيان هذا في الأعراف. {فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ } يعني: صالحاً {نَاقَةُ ٱللَّهِ }. قال الزجاج: {ناقة الله} منصوبة على معنى: ذروا ناقة الله. قال الفراء: حذرهم إياها، وكل تحذير فهو نصب {وَسُقْيَـٰهَا } معطوف على ناقة، وهو شربها من الماء. قال الكلبي، ومقاتل: قال لهم صالح: ذروا ناقة الله، فلا تعقروها، وذروا سقياها، وهو شربها من النهر، فلا تعرّضوا له يوم شربها، فكذبوا بتحذيره إياهم. {فَعَقَرُوهَا } أي: عقرها الأشقى، وإنما أسند العقر إلى الجميع؛ لأنهم رضوا بما فعله. قال قتادة: إنه لم يعقرها حتى تابعه صغيرهم وكبيرهم، وذكرهم وأنثاهم. قال الفراء: عقرها اثنان، والعرب تقول: هذان أفضل الناس، وهذان خير الناس، فلهذا لم يقل أشقياها. {فَدَمْدمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا } أي: أهلكهم، وأطبق عليهم العذاب، وحقيقة الدمدمة: تضعيف العذاب، وترديده، يقال دمدمت على الشيء، أي: أطبقت عليه، ودمدم عليه القبر، أي: أطبقه، وناقة مدمومة: إذا لبسها الشحم، والدمدمة: إهلاك باستئصال، كذا قال المؤرج. قال في الصحاح: دمدمت الشيء: إذا ألزقته بالأرض، وطحطحته، ودمدم الله عليهم، أي: أهلكهم. وقال ابن الأعرابي: دمدم إذا عذّب عذاباً تاماً. والضمير في {فسوّاها} يعود إلى الدمدمة، أي: فسوّى الدمدمة عليهم، وعمهم بها، فاستوت على صغيرهم وكبيرهم. وقيل: يعود إلى الأرض، أي: فسوّى الأرض عليهم، فجعلهم تحت التراب. وقيل: يعود إلى الأمة، أي: ثمود. قال الفراء: سوّى الأمة أنزل العذاب بصغيرها وكبيرها بمعنى سوّى بينهم. قرأ الجمهور: (فدمدم) بميم بين الدالين، وقرأ ابن الزبير: (فدهدم) بهاء بين الدالين. قال القرطبي: وهما لغتان، كما يقال: امتقع لونه، واهتقع لونه. {فَلاَ يَخَافُ عُقْبَـٰهَا } أي: فعل الله ذلك بهم غير خائف من عاقبة، ولا تبعة. والضمير في {عقباها} يرجع إلى الفعلة، أو إلى الدمدمة المدلول عليها بدمدم. وقال السديّ، والضحاك، والكلبي: إن الكلام يرجع إلى العاقر لا إلى الله سبحانه، أي: لم يخف الذي عقرها عقبى ما صنع. وقيل: لا يخاف رسول الله صلى الله عليه وسلم عاقبة إهلاك قومه، ولا يخشى ضرراً يعود عليه من عذابهم؛ لأنه قد أنذرهم، والأوّل أولى. قرأ الجمهور: {ولا يخاف} بالواو، وقرأ نافع، وابن عامر بالفاء. وقد أخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس {وَضُحَـٰهَا } قال: ضوئها {وَٱلْقَمَرِ إِذَا تَلـٰهَا } قال: تبعها. {وَٱلنَّهَارِ إِذَا جَلَّـٰهَا } قال: أضاءها. {وَٱلسَّمَاء وَمَا بَنَـٰهَا } قال: الله بنى السماء {وَٱلأَرْضِ وَمَا طَحَـٰهَا } قال: دحاها. {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا } قال: علمها الطاعة، والمعصية. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه {وَٱلأَرْضِ وَمَا طَحَـٰهَا } يقول: قسمها. {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا } قال: من الخير والشرّ. وأخرج الحاكم وصححه عنه أيضاً: {فَأَلْهَمَهَا } قال: ألزمها فجورها وتقواها. وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، ومسلم، وابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه عن عمران بن حصين؛ أن رجلاً قال: يا رسول الله أرأيت ما يعمل الناس اليوم، ويكدحون فيه، شيء قد قضي عليهم، ومضى في قدر قد سبق، أو فيما يستقبلون مما أتاهم نبيهم، واتخذت عليهم به الحجة، قال:«حديث : بل شيء قد قضي عليهم»تفسير : قال: فلم يعملون إذن؟ قال: حديث : من كان الله خلقه لواحدة من المنزلتين يهيئه لعملها، وتصديق ذلك في كتاب الله: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا } »تفسير : وسيأتي في السورة التي بعد هذه نحو هذا الحديث. وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، والنسائي عن زيد بن أرقم قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : اللَّهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها»تفسير : . وأخرجه ابن المنذر، والطبراني، وابن مردويه من حديث ابن عباس، وزاد: «كان إذا تلا هذه الآية: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا } قال: فذكره. وزاد أيضاً: «وهو في الصلاة». وأخرج حديث زيد بن أرقم مسلم أيضاً. وأخرج نحوه أحمد من حديث عائشة. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّـٰهَا } يقول: قد أفلح من زكى الله نفسه: {وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّـٰهَا } يقول: قد خاب من دسّ الله نفسه فأضله. {وَلاَ يَخَافُ عُقْبَـٰهَا } قال: لا يخاف من أحد تبعة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه: {وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّـٰهَا } يعني: مكر بها. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والديلمي من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في قوله: {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّـٰهَا } الآية«حديث : أفلحت نفس زكاها الله، وخابت نفس خيبها الله من كل خير»تفسير : وجويبر ضعيف. وأخرج ابن جرير عنه أيضاً: {بِطَغْوَاهَا } قال: اسم العذاب الذي جاءها الطغوى، فقال: كذبت ثمود بعذابها. وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن عبد الله بن زمعة قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الناقة، وذكر الذي عقرها، فقال: {إِذِ ٱنبَعَثَ أَشْقَـٰهَا } قال: «حديث : انبعث لها رجل عارم عزيز منيع في رهطه مثل أبي زمعة»تفسير : وأخرج أحمد، وابن أبي حاتم، والبغوي، والطبراني، وابن مردويه، والحاكم، وأبو نعيم في الدلائل عن عمار بن ياسر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي: «حديث : ألا أحدّثك بأشقى الناس؟تفسير : قال: بلى. قالحديث : رجلان: أحيمر ثمود الذي عقر الناقة، والذي يضربك على هذا -«يعني قرنه»- حتى تبتل منه هذه - يعني: لحيته».

الماوردي

تفسير : مكية عند جميعهم قوله تعالى {والشّمْسِ وضُحاها} هذان قسمان: قَسَمٌ بالشمس، وقَسَم بضحاها، وفي ضحاها أربعة أوجه: أحدها: هو إشراقها، قاله مجاهد. الثاني: هو إنبساطها، قاله اليزيدي. الثالث: حرها، قاله السدي. الرابع: هذا النهار، قاله قتادة. ويحتمل خامساً: أنه ما ظهر بها من كل مخلوق، فيكون القسم بها وبالمخلوقات كلها. {والقَمَرِ إذا تَلاها} ففيه وجهان: أحدهما: إذا ساواها، قاله مجاهد. الثاني: إذا تبعها، قاله ابن عباس. وفي اتباعه لها ثلاثة أوجه: أحدها: أول ليلة من الشهر إذا سقطت الشمس يرى القمر عند سقوطها، قاله قتادة. الثاني: الخامس عشر من الشهر يطلع القمر مع غروب الشمس، قاله الطبري. الثالث: في الشهر كله فهو في النصف الأول يتلوها، وتكون أمامه وهو وراءها، وإذا كان في النصف الأخير كان هو أمامها وهي وراءه، قاله ابن زيد. ويحتمل رابعاً: أنه خلفها في الليل، فكان له مثل ما لها في النهار لأن تأثير كل واحد منهما في زمانه، فللشمس النهار. وللقمر الليل. {والنّهارِ إذا جَلاَها} فيه وجهان: أحدهما: أضاءها، يعني الشمس لأن ضوءها بالنهار يجلي ظلمة الليل، قاله مجاهد. الثاني: أظهرها، لأن ظهور الشمس بالنهار، ومنه قول قيس بن الخطيم: شعر : تجلب لنا كالشمس بين غمامةٍ بدا حاجبٌ منها وضنّتْ بحاجب تفسير : ويحتمل ثالثاً: أن النهار جلّى ما في الأرض من حيوانها حتى ظهر لاستتاره ليلاً وانتشاره نهاراً. {والليل إذا يَغْشاها} فيه وجهان: أحدهما: أظلمها، يعني الشمس، وهو مقتضى قول مجاهد. الثاني: يسترها، ومنه قول الخنساء: شعر : أرْعَى النجومَ وما كُلِّفْتُ رِعْيَتَها وتارةً أتغشى فَضْلَ أطْماري تفسير : {والسّماءِ وما بَناها} فيه وجهان: أحدهما: والسماء وبنائها، قاله قتادة. الثاني: معناه ومن بناها وهو الله تعالى، قاله مجاهد والحسن. ويحتمل ثالثاً: والسماء وما في بنائها، يعني من الملائكة والنجوم، فيكون هذا قسَماً بما في السماءِ، ويكون ما تقدمه قسَماً بما في الأرض. {والأرْضِ وما طَحَاهَا} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: معناه بَسطها، قاله سفيان وأبو صالح. الثاني: معناه قسَمها، قاله ابن عباس. الثالث: يعني ما خلق فيها، قاله عطية العوفي، ويكون طحاها بمعنى خلقها، قال الشاعر: شعر : وما تَدري جذيمةُ مَنْ طحاها ولا من ساكنُ العَرْشِ الرّفيع تفسير : ويحتمل رابعاً: أنه ما خرج منها من نبات وعيون وكنوز، لأنه حياة لما خلق عليها. {ونَفْسٍ وما سَوَّاها} في النفس قولان: أحدهما: آدم، ومن سواها: الله تعالى، قاله الحسن. الثاني: أنها كل نفس. وفي معنى سواها على هذا القول وجهان: أحدهما: سوى بينهم في الصحة، وسوى بينهم في العذاب جميعاً، قاله ابن جريج. الثاني: سوى خلقها وعدل خلقها، قاله مجاهد. ويحتمل ثالثاً: سوّاها بالعقل الذي فضّلها به على جميع الحيوانات. {فأَلْهَمَهَا فجُورَها وتَقْواها} في " ألهمها" تأويلان: أحدهما: أعلمها، قاله مجاهد. الثاني: ألزمها، قاله ابن جبير. وفي " فجورها وتقواها" ثلاثة تأويلات: أحدها: الشقاء والسعادة، قاله مجاهد. الثاني: الشر والخير، قاله ابن عباس. الثالث: الطاعة والمعصية، قاله الضحاك. ويحتمل رابعاً: الرهبة والرغبة لأنهما داعيا الفجور والتقوى. وروى جوبير عن الضحاك عن ابن عباس أن النبي عليه السلام كان إذا قرأ هذه الآية " فألهمها فجورها وتقواها" رفع صوته: اللهم آتِ نفسي تقواها، أنت وليها ومولاها، وأنت خير من زكّاها. {قد أفْلَحَ مَن زكّاها} على هذا وقع القسم، قال ابن عباس: فيها أحد عشر قسماً. وفيه وجهان: أحدهما: قد افلح من زكى الله نفسه بطاعة الله وصالح الأعمال. الثاني: قد أفلح من زكى نفسه بطاعة الله وصالح الأعمال. وفي زكاها وجهان: أحدهما: طهّرها، وهو قول مجاهد. الثاني: أصلحها، وهو قول سعيد بن جبير. {وقد خابَ من دَسّاها} فيه وجهان: أحدهما: على ما قضى وقد خاب من دسّى الله نفسه. الثاني: من دسّى نفسه. وفي " دسّاها" سبعة تأويلات: أحدها: أغواها وأضلها، قاله مجاهد وسعيد بن جبير، لأنه دسّى نفسه في المعاصي، ومنه قول الشاعر: شعر : وأنت الذي دَسْيت عَمْراً فأصْبَحَتْ حلائلهم فيهم أراملَ ضُيّعاً تفسير : الثاني: إثمنها وفجورها، قاله قتادة. الثالث: خسرها، قاله عكرمة. الرابع: كذبها، قاله ابن عباس. الخامس: أشقاها، قاله ابن سلام. السادس: جنبها في الخير، وهذا قول الضحاك. السابع: أخفاها وأخملها بالبخل، حكاه ابن عيسى.

ابن عطية

تفسير : أقسم الله تعالى بـ {الشمس} إما على التنبيه منها وإما على تقدير ورب الشمس، و " الضُّحى " بضم الضاد والقصر: ارتفاع الضوء وكماله، وبهذا فسر مجاهد. وقال قتادة: هو النهار كله، وقال مقاتل: {ضحاها} حرها كقوله تعالى في سورة (طه) {أية : ولا تضحى} تفسير : [طه: 119]، و"الضَّحاء" بفتح الضاد والمد ما فوق ذلك إلى الزوال، {والقمر} يتلو الشمس من أول الشهر إلى نصفه في الغروب تغرب هي ثم يغرب هو ويتلوها في النصف الآخر بنحو وآخر, وهي أن تغرب هي فيطلع هو، وقال الحسن بن أبي الحسن: {تلاها} معناه: تبعها دأباً في كل وقت لأنه يستضيء منها فهو يتلوها لذلك. قال القاضي أبو محمد: فهذا اتباع لا يختص بنصف أول من الشهر ولا بآخره، وقاله الفراء أيضاً، وقال الزجاج وغيره: {تلاها} : معناه امتلأ واستدار، فكان لها تابعاً في المنزلة والضياء والقدر، لأنه ليس في الكواكب شيء يتلو الشمس في هذا المعنى غير القمر، قال قتادة: وإنما ذلك ليلة البدر تغيب هي فيطلع هو. {والنهار} ظاهر هذه السورة والتي بعدها أنه من طلوع الشمس، وكذلك قال الزجاج في كتاب "الأنواء" وغيره: واليوم من طلوع الفجر، ولا يختلف أن نهايتهما مغيب الشمس، والضمير في {جلاها} يحتمل أن يعود على {الشمس} ويحتمل أن يعود على الأرض أو على الظلمة وإن كان لم يجر له ذكر فالمعنى يقتضيه، قاله الزجاج. و "جلى" معناه كشف وضوى، والفاعل بجلَّى على هذا التأويلات {النهار}، ويحتمل أن يكون الفاعل الله تعالى كأنه قال: والنهار إذا جلى الله الشمس، فأقسم بالنهار في أكمل حالاته، ويغشى معناه: يغطي: والضمير للشمس على تجوز في المعنى أو للأرض، وقوله تعالى: {وما بناها} وكل ما بعده من نظائره في السورة، يحتمل أن يكون ما فيه بمعنى الذي قال أبو عبيدة: أي ومن بناها, وهو قول الحسن ومجاهد, لأن {ما}, تقع عامة لمن يعقل ولما لا يعقل فيجيء القسم بنفسه تعالى، ويحتمل أن تكون {ما} في جميع ذلك مصدرية، قال قتادة والمبرد والزجاج كأنه قال والسماء وبنيانها، و"طحا" بمعنى "دحا" و "طحا" أيضاً في اللغة بمعنى ذهب كل مذهب، ومنه قول علقمة بن عبدة: [الطويل] شعر : طحا بك قلب في الحسان وطروب بعيد الشباب عمر حان مشيب تفسير : والنفس التي أقسم بها، اسم الجنس، وتسويتها إكمال عقلها ونظرها، ولذلك ربط الكلام بقوله تعالى: {فألهمها} الآية، فالفاء تعطي أن التسوية هي هذا الإلهام، ومعنى قوله تعالى: {فجورها وتقواها} أي عرفها طرق ذلك وجعل لها قوة يصح معها اكتساب الفجور أو اكتساب التقوى، وجواب القسم في قوله {قد أفلح}، التقدير: لقد أفلح، والفاعل بـ "زكى" يحتمل أن يكون الله تعالى، وقاله ابن عباس وغيره كأنه قال: قد أفلحت الفرقة أو الطائفة التي زكاها الله تعالى، و {من}: تقع على جمع وإفراد، ويحتمل أن يكون الفاعل بـ"زكى" الإنسان، وعليه تقع {من} وقاله الحسن وغيره، كأنه قال: {قد أفلح} من زكى نفسه أي اكتسب الزكاء الذي قد خلقه الله، و {زكاها} معناه: طهرها ونماها بالخيرات، و {دساها} معناه: أخفاها وحقرها أي وصغر قدرها بالمعاصي والبخل بما يجب، يقال دسا يدسو ودسّى بشد السين يدسي وأصله دسس، ومنه قول الشاعر: [الطويل] شعر : ودسست عمراً في التراب فأصبحت حلائله يبكين للفقد ضعفا تفسير : ويروى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ هذه الآية قال: "حديث : اللهم آت نفسي تقواها وزكّها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها" تفسير : هذا الحديث يقوي أن المزكي هو الله تعالى، وقال ثعلب معنى الآية {وقد خاب من دساها} في أهل الخير بالرياء وليس منهم في حقيقته، ولما ذكر تعالى خيبة من دسى نفسه، ذكر فرقة فعلت ذلك يعتبر بهم وينتهى عن مثل فعلهم، و"الطغوى" مصدر، وقرأ الحسن وحماد بن سليمان " بطُغواها" بضم الطاء مصدر كالعقبى والرجعى، وقال ابن عباس: "الطغوى" هنا العذاب كذبوا به حتى نزل بهم، ويؤيد هذا التأويل قوله تعالى: {أية : فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية} تفسير : [الحاقة: 5]، وقال جمهور المتأولين الباء سببية، والمعنى كذبت ثمود بنبيها بسبب طغيانها وكفرها، و {انبعث} عبارة عن خروجه إلى عقر الناقة بنشاط وحرص و {أشقاها} هو قد أربى سالف وهو أحد التسعة الرهط المفسدين، ويحتمل أن يقع {أشقاها} على جماعة حاولت العقر، ويروى أنه لم يفعل فعله بالناقة حتى مالأه عليه جميع الحي، فلذلك قال تعالى: {فعقروها} لكونهم متفقين على ذلك ورسول الله صالح عليه السلام، وقوله تعالى: {ناقة الله وسقياها} نصب بفعل مضمر تقديره احفظوا أو ذروا أو احذروا على معنى: احذروا الإخلال بحق ذلك، وقد تقدم أمر الناقة والسقيا في غير هذه السورة بما أغنى عن إعادتها، وقدم تعالى التكذيب على العقر لأنه كان سبب العقر، ويروى أنهم كانوا قد أسلموا قبل ذلك وتابعوا صالحاً مدة ثم كذبوا وعثروا، والجمهور من المفسرين على أنهم كانوا على كفرهم، {دمدم} معناه: أنزل العقاب مقلقاً لهم مكرراً ذلك وهي الدمدمة، وفي بعض المصاحف "فدهدم" وهي قراءة ابن الزبير بالهاء بين الدالين، وفي بعضهم "فدمر"، وفي مصحف ابن مسعود " فدماها عليهم" وقوله تعالى: {بذنبهم} أي بسبب ذنبهم، وقوله تعالى: {فسواها}، معناه: فسوى القبيلة في الهلاك لم ينج منهم أحد، وقرأ نافع وابن عامر والأعرج وأهل الحجاز وأبي بن كعب: "فلا يخاف" بالفاء وكذلك في مصاحف أهل المدينة والشام، وقرأ الباقون "ولا" بالواو وكذلك في مصاحفهم، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه " ولم يخف عقباها"، والفاعل بـ {يخاف} على قراءة من قرأ بالفاء يحتمل أن يكون الله تعالى، والمعنى فلا درك على الله في فعله بهم لا يسأل عما يفعل، وهذا قول ابن عباس والحسن، وفي هذا المعنى احتقار للقوم وتعفية لأثرهم، ويحتمل أن يكون صالحاً عليه السلام، أي لا يخاف عقبى هذه الفعلة بهم إذا كان قد أنذرهم وحذرهم، ومن قرأ " ولا يخاف" بالواو فيحتمل الوجهين اللذين ذكرنا، ويحتمل أن يكون الفاعل بـ {يخاف} {أشقاها} المنبعث، قاله الزجاج وأبو علي، وهو قول السدي والضحاك ومقاتل، وتكون الواو واو الحال كأنه قال انبعث لعقرها وهو لا يخاف عقبى فعله لكفره وطغيانه، والعقبى: جزاء المسيء وخاتمته وما يجيء من الأمور بعقبه، واختلف القراء في ألفات هذه السورة والتي بعدها ففتحها ابن كثير وعاصم وابن عامر، وقرأ الكسائي ذلك كله بالإضجاع، وقرأ نافع ذلك كله بين الفتح والإمالة، وقرأ حمزة " ضحاها" مكسورة و " تليها وضحاها " مفتوحتين وكسر سائر ذلك، واختلف عن أبي عمرو فمرة كسر الجميع ومرة كقراءة نافع، قال الزجاج سمى الناس الإمالة كسراً وليس بكسر صحيح، والخليل وأبو عمرو يقولان إمالة. (انتهى). نجز تفسيرها والحمد لله كثيراً.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَضُحَاهَا} إشراقها أو انبساطها أو حرها أو النهار.

النسفي

تفسير : {وَٱلشَّمْسِ وَضُحَـٰهَا } وضوئها إذا أشرقت وقام سلطانها {وَٱلْقَمَرِ إِذَا تَلـٰهَا } تبعها في الضياء والنور وذلك في النصف الأول من الشهر يخلف القمر الشمس في النور {وَٱلنَّهَارِ إِذَا جَلَّـٰهَا } جلى الشمس وأظهرها للرائين وذلك عند انتفاخ النهار وانبساطه، لأن الشمس تنجلي في ذلك الوقت تمام الانجلاء. وقيل: الضمير للظلمة أو للدنيا أو للأرض وإن لم يجر لها ذكر كقوله: {أية : مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ }تفسير : [فاطر: 45] {وَٱلَّيْلِ إِذَا يَغْشَـٰهَا } يستر الشمس فتظلم الآفاق. والواو الأولى في نحو هذا للقسم بالاتفاق، وكذا الثانية عند البعض. وعند الخليل: الثانية للعطف لأن إدخال القسم على القسم قبل تمام الأول لا يجوز، ألا ترى أنك لو جعلت موضعها كلمة الفاء أو «ثم» لكان المعنى على حاله؟ وهما حرفاً عطف فكذا الواو. ومن قال: إنها للقسم احتج بأنها لو كانت للعطف لكان عطفاً على عاملين، لأن قوله {وَٱلَّيْلِ } مثلاً مجرور بواو القسم و {إِذَا يَغْشَىٰ } منصوب بالفعل المقدر الذي هو أقسم فلو جعلت الواو في {وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ } للعطف لكان النهار معطوفاً على الليل جراً، و {إِذَا تَجَلَّىٰ } معطوفاً على {إِذَا يَغْشَىٰ } نصباً فصار كقولك: إن في الدار زيداً أو في الحجرة عمراً. وأجيب بأن واو القسم تنزل منزلة الباء والفعل حتى لم يجز إبراز الفعل معها فصارت كأنها العاملة نصباً وجراً، وصارت كعامل واحد له عملان، وكل عامل له عملان يجوز أن يعطف على معموليه بعاطف واحد بالاتفاق نحو: ضرب زيد عمراً وبكر خالداً، فترفع بالواو وتنصب لقيامها مقام ضرب الذي هو عاملهما، فكذا هنا. و «ما» مصدرية في {وَٱلسَّمَاءِ وَمَا بَنَـٰهَا * وَٱلأَرْضِ وَمَا طَحَـٰهَا * وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا } أي وبنائها وطحوها أي بسطها وتسوية خلقها في أحسن صورة عند البعض وليس بالوجه لقوله {فَأَلْهَمَهَا } لما فيه من فساد النظم، والوجه أن تكون موصولة وإنما أوثرت على «من» لإرادة معنى الوصفية كأنه قيل: والسماء، والقادر العظيم الذي بناها، ونفس والحكيم الباهر الحكمة الذي سواها. وإنما نكرت النفس لأنه أراد نفساً خاصة من بين النفوس وهي نفس آدم كأنه قال: وواحدة من النفوس، أو أراد كل نفس، والتنكير للتكثير كما في {أية : عَلِمَتْ نَفْسٌ } تفسير : [الانفطار: 5] {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا } فأعلمها طاعتها ومعصيتها أفهمها أن أحدهما حسن والآخر قبيح {قَدْ أَفْلَحَ } جواب القسم والتقدير: لقد أفلح، قال الزجاج: صار طول الكلام عوضاً عن اللام. وقيل: الجواب محذوف وهو الأظهر تقديره ليدمدمن الله عليهم أي على أهل مكة لتكذيبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما دمدم على ثمود لأنهم كذبوا صالحاً، وأما {قَدْ أَفْلَحَ } فكلام تابع لقوله {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا } على سبيل الاستطراد وليس من جواب القسم في شيء {مَن زَكَّـٰهَا } طهرها الله وأصلحها وجعلها زاكية {وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّـٰهَا } أغواها الله، قال عكرمة: أفلحت نفس زكاها الله وخابت نفس أغواها الله. ويجوز أن تكون التدسية والتطهير فعل العبد، والتدسية: النقص والإخفاء بالفجور وأصل دسّى دسس، والياء بدل من السين المكررة. {كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا } بطغيانها إذ الحامل لهم على التكذيب طغيانهم {إِذِ ٱنبَعَثَ } حين قام بعقر الناقة {أَشْقَـٰهَا } أشقى ثمود قدار بن سالف وكان أشقر أزرق قصيراً. و «إذ» منصوب بـ {كَذَّبَتْ } أو بالطغوى {فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ } صالح عليه السلام {نَاقَةُ ٱللَّهِ } نصب على التحذير أي احذروا عقرها {وَسُقْيَـٰهَا } كقولك: الأسد الأسد {فَكَذَّبُوهُ } فيما حذرهم منه من نزول العذاب إن فعلوا {فَعَقَرُوهَا } أي الناقة أسند الفعل إليهم وإن كان العاقر واحداً لقوله: {أية : فَنَادَوْاْ صَـٰحِبَهُمْ فَتَعَاطَىٰ فَعَقَرَ }تفسير : [القمر: 29]. لرضاهم به {فَدَمْدمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ } أهلكهم هلاك استئصال {بِذَنبِهِمْ } بسبب ذنبهم وهو تكذيبهم الرسول وعقرهم الناقة {فَسَوَّاهَا } فسوى الدمدمة عليهم لم يفلت منها صغيرهم ولا كبيرهم {وَلاَ يَخَافُ عُقْبَـٰهَا } ولا يخاف الله عاقبة هذه الفعلة أي فعل ذلك غير خائف أن تلحقه تبعة من أحد كما يخاف من يعاقب من الملوك، لأنه فعل في ملكه وملكه {أية : لاَّ يُسْـئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْـئَلُونَ }تفسير : [الأنبياء: 23]، {فَلاَ يَخَافُ } مدني وشامي.

الخازن

تفسير : قوله عزّ وجلّ: {والشّمس وضحاها} أي إذا بدا ضوءها والضّحى حين ترتفع الشّمس، ويصفو ضوءها، وقيل الضّحى النهار كله لأن الضحى هو نور الشمس، وهو حاصل في النهار كله، وقيل الضحى هو حر الشمس لأن حرها ونورها متلازمان، فإذا اشتد نورها قوى حرها وهذا أضعف الأقوال. {والقمر إذا تلاها} أي تبعها وذلك في النصف الأول من الشهر إذا غربت الشمس تلاها القمر في الإضاءة وخلفها في النور، وقيل تلاها في الاستدارة وذلك حين يكمل ضوءه، ويستدير وذلك في اللّيالي البيض، وقيل تلاها تبعها في الطلوع، وذلك في أول ليلة من الشّهر إذا غربت الشمس ظهر الهلال فكأنه تبعها. {والنهار إذا جلاها} يعني جلا ظلمة الليل بضيائه وكشفها بنوره، وهو كناية عن غير مذكور لكونه معروفاً {والليل إذا يغشاها} أي يغشى الشمس حين تغيب فتظلم الآفاق وحاصل هذه الأقسام الأربعة ترجع إلى الشمس في الحقيقة. لأن بوجودها يكون النهار ويشتد الضحى، وبغروبها يكون الليل ويتبعها القمر.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {تلاها} و {طحاها} مثل {دحاها} مثل {أية : دحاها}تفسير : [الآية: 30] في " النازعات " {فلا يخاف} بالفاء وضم الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير بناء على أن {قد أفلح} جواب القسم واللام محذوف أي لقد أفلح. الوقوف: {وضحاها} ه لا {تلاها} ه ك {جلاها} ه ك {يغشاها} ه ك {بناها} ه ك {طحاها} ه ك {سوّاها} ه لا ص {وتقواها} ه لا {زكاها} ه ك {دساها} ه ط {بطغواها} ه ط لأن الظرف يتعلق بـ {كذب} أو بالطغوى {أشقاها} ه {وسقياها} ه {فعقروها} م ط {فسوّاها} ه ط {عقباها} ه. التفسير: قال النحويون: إن في ناصب {إذا تلاها} وما بعده إشكالاً لأن " ما " سوى الواو الأولى إن كن للقسم لزم اجتماع أقسام كثيرة على مقسم به واحد وهو مستنكر عند الخليل وسيبويه، لأن استئناف قسم آخر دليل على أن القسم الأول قد استوفى حقه من الجواب فيلزم التغليظ، وإن كن عاطفة لزم العطف على عاملين بحرف واحد وذلك أن حرف العطف ناب عن واو القسم المقتضي للجر وعن الفعل الذي يقتضي انتصاب الظرف. والجواب أنا نختار الثاني ولزوم العطف على عاملين ممنوع لأن حرف العطف ناب عن واو القسم النائب عن الفعل المتعدّي بالباء، وكما أن واو القسم تعمل الجر في القسم والنصب في الظرف إذا قلت مثلاً ابتداء {أية : والليل إذا يغشى}تفسير : [الليل: 1] لقيامه مقام قولك " اقسم بالليل إذا يغشى" فكذا حرف العطف النائب منابه نظيره قولك " ضرب زيد عمراً وبكر خالداً " فترفع بالواو وتنصب لقيامه مقام ضرب. قال بعض المتكلمين: المضاف في هذه الأقسام محذوف تقديره ورب الشمس إلى آخرها. وزيف بلزوم التكرار في قوله {وما بناها} وما بعده. وأجيب بأن " ما " في {وما بناها} وما بعده مصدرية. واعترض عليه في الكشاف بأنه يلزم من عطف قوله {فألهمهما} على قوله {وما سوّاها} فساد النظم فالوجه أن تكون " ما " موصولة. وإنما أوثرت على " من " لإرادة معنى الوصفية كأنه قيل: والسماء والقادر العظيم الذي بناها، ونفس والحكيم الذي سوّاها، على أنه قد جاء " ما " مستعملاً في " من " كقولهم " سبحان ما سخركن لنا ". أما الذين لم يقدروا المضاف فأورد عليهم أنه يلزم تأخير القسم برب السماء وبانيها عن القسم بالسماء. والجواب أن الله عز قائلاً أراد أن نتدرج من المحسوسات إلى المعقولات ومن المصنوعات إلى الصانع، ولا يخفى أن المحسوسات أظهرها هو الشمس فذكرها سبحانه مع أوصافها الأربعة الدالة على عظمتها. فأول أعظم الأوصاف الضوء الحاصل منها عند ارتفاع النهار، وثانيها تلو القمر لها غاية في منتصف الشهر أو تلوه لها في أخذ الضور عنها أو في غروبه ليلة الهلال بعدها قاله قتادة والكلبي. وقيل: في كبر الجرم بحسب الحس وفي ارتباط مصالح هذا العالم بحركته. والثالث والرابع بروزها لمجيء النهار واختفاؤها لمجيء الليل. ثم ذكر ذاته المقدسة وعقبه بأنواع تدابيره في السماء والأرض وفي البسائط وما يتركب منها وأشرفها النفس. ولنشتغل بتفسير بعض الألفاظ. قال الليث: الضحو ارتفاع النهار والضحى فوق ذلك. والضحاء بالمد إذا امتد النهار وقرب أن ينتصف. وتلاها تبعها بإحدى المعانى المذكورة، والتجلية الكشف والعيان. والضمير في {جلاها} للشمس في الظاهر على ما قال الزجاج وغيره، لأن النهار كلما كان أصدق نوراً كانت الشمس أجلى ظهوراً فإن الكشف والعيان يدل على قوة المؤثر وكماله لا قوة الأثر وكماله، فكان النهار يبرز الشمس ويظهرها. وذهب جم غفير إلى أن الضمير يعود إلى الظلمة أو الدنيا أو الأرض بدلالة قرائن الأحوال وسياق الكلام، ولعل الوجه الأول أولى لأن عود الضمير إلى المذكور أقرب منه إلى المقدر، ولأنه يلزم تفريق الضمائر في {يغشاها} للشمس بالاتفاق وكذا في {ضحاها} و {تلاها} ولأن غشيان الليل الشمس عبارة عن ذهاب الضوء وحصول الظلمة بسبب غيبة الشمس في الأفق، فكذا تجلية النهار إياها يجب أن تكون إشارة إلى كمال الضوء وظهوره للحس بواسطة ظهور الشمس فوق الأفق. والحاصل أن الذهن كما ينتقل من عدم الأثر إلى عدم المؤثر فجعل كأن لعدم الأثر تأثيراً في عدم المؤثر، فكذلك ينتقل من وجود الأثر إلى وجود المؤثر فيصح أن يقال: إن وجود الأثر علة لوجود المؤثر وهذا معنى كون النهار مجلياً للشمس. والطحو مثل الدحو وقد مر في " النازعات " أي بسطها على الماء. وتنكير النفس إما للتنويع أي نفس خاصة من بين النفوس وهي النفس القدسية النبوية التي تصلح لرياسة ما سواها من النفوس، وإما للتكثير على الوجه المذكور في قوله {أية : علمت نفس ما أحضرت} تفسير : [التكوير: 14] وتسويتها إعطاء قواها بحسب حاجتها إلى تدبير البدن وهي الحواس الظاهرة والباطنة والقوى الطبيعية المخدومة والخادمة وغيرها {فألهمها فجورها وتقواها} قالت المعتزلة: هو كقول {أية : وهديناه النجدين} تفسير : [البلد: 10] أي علمناه وعرفناه سلوك طريقي الخير والشر ويعضده ما بعده {قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها} والتدسية ضد التزكية. وأصل دسي دسس قلب أحد حرفي التضعيف ياء كما في " قضيت ". والتدسيس مبالغة الدس وهو الإخفاء في التراب قال عز من قائل {أية : أم يدسه في التراب} تفسير : [النحل: 59] والضمير في " زكى " و " دس " ل " من " وقال أهل السنة: الضمير أن لله تعالى و" من " عبارة عن النفس والمعنى: قد سعدت نفس زكاها الله تعال وخلقها طاهرة، وخابت نفس دساها الله وخلقها كافرة فاجرة. وقد يروى هذا الوجه عن سعيد بن جبير وعطاء وعكرمة ومقاتل والكلبي قالوا: أصل الإلهام من قولهم " لهم الشيء والتهمة " إذا ابتلعه و" ألهمته إياه " أي أبلعته ذلك. فالإلهام الإبلاع أي وضع الإيمان في قلب المؤمن والكفر في قلب الكافر. ثم وعظهم بقصة ثمود لقربها من ديارهم. ولأهل التأويل أن يقولوا: إنما خص هذه القصة لأن ناقة الله هي البدن وعبر بصالح عن الروح، ولما كانت قصة ثمود مناسبة لأحوال النفس الإنسانية كما مرت في التأويلات، وكانت هذه السورة مسوقة لبيان مراتب النفس في السعادة والشقاوة،وخصت القصة بالذكر لذلك، وعلى هذا التأويل قد يراد بالشمس تجلي النفس الناطقة على البدن بالتدبير الكامل، وبالقمر الروح الحيواني. أو شمس المعرفة، وقمر المكاشفة، ونهار وليل المحو، وسماء الروح وأرض القلب كما مر مراراً. والطغوى اسم من الطغيان كالتقوى من الوقاية قلبت ياؤه واواً فرقاً بين ما هي اسم وبين ما هي صفة كقولهم " امرأة خزياً وصدياً " والباء للآلة أي فعلت التكذيب بواسطة طغيانها. وقيل: المضاف محذوف والمجموع صفة للعذاب والباء للإلصاق أي كذبت ثمود بما أوعدت من العذاب ذي الطغوى كقوله {أية : فأهلكوا بالطاغية}تفسير : [الحاقة: 5] والأول أوضح لئلا يكون قوله {فكذبوه} تكراراً. ومعنى {انبعث} تحركت داعيته وقوي عزمه على العقر. {وأشقاها} عاقر الناقة قدار بن سالف، أو هو مع من ساعده على ذلك فإن أفعل التفضيل يجوز أن لا يفرق فيه بين الواحد. والجمع وعلى هذا يجوز أن يكون الضمير في {لهم} عائداً إلى الجماعة الأشقياء، وعلى الأول يكون عائداً إلى قوم صالح. و{ناقة الله} نصب على التحذير أي احذروا عقرها {وسقياها} فلا تعتدوا بها فإن لها شرباً ولكم شرب يوم {فكذبوه} فيام أوعدهم به من نزول العذاب إن فعلوا فعقروا الناقة {فدمدم} أي فأطبق {عليهم} العذاب. قالوا: هو مضعف من قولهم " ناقة مدمدمة " إذا ألبست الشحم. والباء في {بذنبهم} للسببية فسوى الدمدمة بينهم بحيث لم يهرب منها أحد {ولا يخاف عقباها} كما يخاف ملوك الدنيا فينزجر عن استيفاء العقوبة. وجوز أن يكون الضمير لثمود أي فسوّاها بالأرض، أو في الهلاك ولا يخاف تبعه بهلاكها وهو تعالى أعلم.

الثعالبي

تفسير : أقْسَمَ اللَّهُ تعالى بالشمسِ: إما على التنبيهِ منها على الاعتبارِ المؤَدِّي إلى معرفةِ اللَّهِ تعالى، وإما على تقديرِ ورَبِّ الشمسِ، والضُّحَى ـــ بالضم والقصرِ ـــ: ارتفاعُ ضوء الشمسِ وإشراقُه، قاله مجاهد وقال مقاتل: {ضُحَـٰهَا} حَرُّها كقوله في طه: {أية : وَلاَ تَضْحَىٰ } تفسير : ،[طه:119] والضَّحَاءُ ـــ بفتح الضادِ والمَدِّ ـــ: ما فَوْقَ ذلك إلى الزَّوالِ، والقَمَرُ يَتلو الشمسَ من أول الشّهرِ إلى نصفِه في الغروبِ تغربُ هي ثم يغربُ هو، ويتلُوها في النصفِ الآخر بنحو آخرَ وهو أن تغربَ هي فيطلعُ هو، وقَال الحسنُ: {تَلـٰهَا} معناه تَبَعها دَأْباً في كل وقت لأَنّه يستضيءُ منها فهو يتلوها لذلك، وقال الزجاج وغيره: تلاها في المنزلةِ من الضياءِ والقَدْرِ: لأَنَّه ليس في الكواكبِ شيءٌ يتلو الشمسَ في هذا المعنى غيرُ القمرِ.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَٱلشَّمْسِ وَضُحَاهَا}، وقد تقدَّم أنَّ جماعة من أهل الأصول؛ قالوا: التقدير: ورب الشمس، ورب سائر ما ذكر إلى تمام القسم. واحتج قوم على بطلان هذا القول، بأن في جملة هذا القسم: {وَٱلسَّمَآءِ وَمَا بَنَاهَا}، وذلك هو الله تعالى، لا يجوز أن يكون المراد منه تعالى أن يقدم قسمه بغيره على قسمه بنفسه، فإذن لا بد من تأويل، وهو أن "ما" مع ما بعده في حكم المصدر، فيكون التقدير: والسَّماءِ وبنائها. واعترض الزمخشريُّ عليه، فقال: لو كان الأمر على هذا الوجه، لزم من عطف قوله: "فألهمها" عليه فساد النظم. قوله: {وَضُحَاهَا}. قال المبرِّدُ: إن الضُّحى، والضَّحوة، مشتقان من الضحّ، وهو النور فأبدلت الألف، والواو من الحاء، تقول: ضَحْوة، وضَحَوات، وضُحى فالواو من "ضَحْوة" مقلوبة عن الحاء الثانية، والألف في "ضُحَى" مقلوبة عن الواو. وقال أبو الهيثم: الضحُّ نقيض الظل، وهو نور الشمس على ظهر وجه الأرض وأصله: الضحى، فاستثقلوا الياء مع سكون الواو فقلبوها ألفاً. والضُّحَى: مؤنثة، يقال: ارتفعت الضُّحى فوق الصخور، وقد تذكر، فمن أنَّث ذهب إلى أنها جمع ضحوة، ومن ذكَّر ذهب إلى أنَّه اسم على "فُعَل" نحو "صُرَد، ونُغَر" وهو ظرف غير متمكن مثل: سحر، تقول: لقيته ضحًى، وضُحَى, إذا أردت به ضحى يومك لم تنونه. وقال الفراء: الضُّحَى، هو النهار، كقول قتادة، والمعروف عند العرب أنَّ الضحى إذا طلعت الشمس، وبُعَيْدَ ذلك قليلاً، فإذا زاد فهو الضّحاء بالمد. ومن قال: الضحى، النهار كله، فذلك لدوام نور الشمس، ومن قال: إنه نور الشَّمس أو حرها، فنور الشمس لا يكون إلاَّ مع حرِّ الشمس، وقد استدل من قال: إن الضحى حر الشمس بقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَضْحَىٰ} تفسير : [طه: 119] أي: لا يؤذيك الحر. فصل في تفسير الآية قال مجاهد: "وضُحَاهَا" أي: ضوؤها وإشراقها، وأضاف الضحى إلى الشمس؛ لأنه إنما يكون بارتفاع الشمس. وقال قتادةُ: بهاؤها. وقال السدي: حرها. وقال اليزيدي: انبساطها. وقيل: ما ظهر بها من كل مخلوق، فيكون القسم بها، وبمخلوقات الأرض كلها. حكاه الماوردي. قال ابن الخطيب: إنَّما أقسم بالشمس، وضحاها، لكثرة ما يتعلق به من المصالح، فإنَّ أهل العالم كانوا كالأموات في الليل، فلما ظهر الصبحُ في المشرق، صار ذلك الضوء، كالروح الذي تنفخ فيه الحياة، فصارت الأموات أحياء، ولا تزال تلك الحياة في القوة، والزيادة إلى غاية كمالها وقت الضحى، وذلك شبيه استقرار أهل الجنة. قوله: {وَٱلْقَمَرِ إِذَا تَلاَهَا}، أي: تبعها، وذلك إذا سقطت رؤيا الهلال. [قال الليث: تلوت فلاناً إذا تبعته. وقال ابن زيد: إذا غربت الشمس في النصف الأول من الشهر، تلاها القمر بالطلوع، وفي آخر الشهر، يتلوها بالغروب]. قال الفراء: "تَلاَهَا": أخذ منها، يذهب إلى أن القمر يأخذ من ضوء الشمس. وقال الزجاجُ: "إذا تَلاهَا" أي: حين استوى، واستدار، فكان مثلها في الضياء والنور. وقال قتادةُ والكلبيُّ: معناه: أن الشمس، إذا قربت، فالقمر يتبعها ليلة الهلال في الغروب. وقيل: يتلوها في كبر الجرم، بحسب الحسّ في ارتباط مصالح هذا العالم بحركته. قوله: {وَٱلنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا}، الفاعل: ضمير النهار. وقيل: عائد على الله تعالى، والضمير المنصوب، إمَّا للشمس، وإما للظُّلمة، وإما للأرض. ومعنى "جلاها" أي: كشفها، فمن قال: هي "الشمس"، فالمعنى: أنه يبين بضوئه جرمها، ومن قال: هي "الظلمة"، فهي ون لم يجر لها ذكر، كقولك: أضحتْ باردةً، تريد: أضحت غداتنا باردة، وهو قول الفراء والكلبي وغيرهما. ومن قال: هي الدنيا والأرض، وإن لم يجر لهما ذكر، كقوله: {أية : حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ} تفسير : [ص: 32]. قوله: "إذَا تَلاهَا"، وما بعده فيه إشكال؛ لأنه إن جعل شرطاً اقتضى جواباً، ولا جواب لفظاً، وتقديره غير صالح، وإن جُعِلَ محضاً استدعى عاملاً وليس هنا عامل إلا فعل القسم حال؛ لأنه إنشاء، و "إذا" ظرف مستقبل، والحال لا يعمل في المستقبل. ويخص "إذا" وما بعدها إشكال آخر ذكره الزمخشري، قال: فإن قلت: الأمر في نصب "إذَا" معضل، لأنك لا تخلو إمَّا أن تجعل الواو عاطفة، فتنصب بها وتجر، فتقع في العطف على عاملين في نحو قولك: "مررت أمس بزيد واليوم عمرو"، وإمَّا أن تجعلهن للقسم، فتقع فيما اتفق الخليل وسيبويه على استكراهه. قلت: الجواب فيه: أن واو القسم مطرح معها إبراز الفعل إطراحاً كلياً، فكان لها شأن خلاف شأن الباء، حيث أبرز معها الفعل وأضمر، فكانت الواو قائمة مقام الفعل، والباء سادة مسدهما معاً، والواوات العواطف نوائب عن هذه الواو، فحقهن أن يكنّ عوامل على الفعل، والجار جميعاً، كما تقول: "ضَرب زيد بكراً وعمرو خالداً"، فترفع بالواو وتنصب لقيامها مقام "ضرب" الذي هو عاملهما انتهى. وقال أبُو حيَّان: أما قوله في واوات العطف: "فتنصب وتجر"، فليس هذا بالمختار على أن يكون حرف العطف عاملاً لقيامه مقام العامل، بل المختار أن العمل إنما هو للعامل في المعطوف عليه، ثم إن الإنشاء حجة في ذلك. وقوله: "فتقع في العطف على عاملين"، ليس ما في الآية من العطف عاملين، وإنما هو من باب عطف اسمين مجرور ومنصوب، على اسمين مجرور ومنصوب، فصرف العطف لم ينب مناب عاملين، وذلك نحو قولك: مررت بزيد قائماً وعمرو جالساً؛ وأنشد سيبويه في كتابه: [الطويل] شعر : 5219- فَلَيْـسَ بِمعـروفٍ لَنـا أنْ نَـرُدَّهَـا صِحَاحـاً ولا مُسْتنكَـرٌ أن تُعَقَّـــرَا تفسير : فهذا من عطف مجرور ومرفوع؛ والعطف على عاملين فيه أربعة مذاهب، ونسب الجواز إلى سيبويه. وقوله في نحو قولك: "مررت أمس بزيد واليوم عمرو"، هذا المثال مخالف لما في الآية، بل وزان ما في الآية: "مررت بزيد أمس وعمرو اليوم" ونحن نجيز هذا. وأمَّا قوله: "على استكراه"، فليس كما ذكر، بل كلام الخليل على المنع. قال الخليل في قوله تعالى: {أية : وَٱلْلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ} تفسير : [الليل: 1-3]: "الواوان الأخريان ليستا بمنزلة الأولى، ولكنهما الواوان اللتان تضمان الأسماء إلى الأسماء في قولك: مررت بزيد وعمرو، والأولى بمنزلة الباء والتاء". وأما قوله: "إن واو القسم ليس يطرح معها إبراز الفعل إطراحاً كلياً" فليس هذا الحكم مجمعاً عليه، بل أجاز ابن كيسان التصريح بفعل القسم مع الواو، فتقول: "أقسم، أو أحلف والله لزيد قائم". وأما قوله: "والواوات العواطف نوائب عن هذا" إلى آخره، فمبني على أن حرف العطف عامل لنيابته مناب العامل، وليس هذا بالمختار. قال: والذي يقول: إن المُعضلَ هو تقدير العامل في "إذا" بعد الإقسام، كقوله تعالى: {أية : وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ} تفسير : [النجم: 1]، {أية : وَٱللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ وَٱلصُّبْحِ إِذَآ أَسْفَرَ} تفسير : [المدثر: 33، 34]، {وَٱلْقَمَرِ إِذَا تَلاَهَا وَٱلنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا وَٱللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا} [الشمس: 2-4]، وما أشبهها فـ "إذا" ظرف مستقبل، لا جائز أن يكون العامل فيه فعل القسم المحذوف؛ لأنه فعل إنشائي، فهو في الحال ينافي أن يعمل في المستقبل لإطلاق زمان العامل زمان المعمول، ولا جائز أن يكون ثم مضاف محذوف أقيم المقسم به مقامه أي وطلوع النجم، ومجيء الليل، لأنه معمول لذلك الفعل [فالطلوع حال، ولا يعمل فيه المستقبل ضرورة أن زمان المعمول زمان العامل ولا جائز أن يعمل فيه نفس المقسم به لأنه ليس من قبيل ما يعمل، سيما إن كان جزماً]، ولا جائز أن يقدر محذوف قبل الظرف فيكون قد عمل فيه، ويكون ذلك العامل في موضع الحال، وتقديره: والنجم كائناً إذا هوى والليل كائناً إذا يغشى، لأنه لا يلزم كائناً منصوباً بالعامل، ولا يصح أن يكون معمولاً لشيء مما فرضناه أن يكون عاملاً، وأيضاً، فقد يكون المقسم به جثة، وظروف الزمان لا تكون أحوالاً عن الجثث كما لا تكون أخباراً. انتهى ما رد به أبو حيان وما استشكله من أمر العامل في "إذا". قال شهاب الدين: المختار أن حرف العطف لا يعمل لقيامه مقام العامل، فلا يلزم أبا القاسم لأنه يختار القول الآخر، وقوله "ليس ما في الآية من العطف على عاملين" ممنوع بل فيه العطف على عاملين ولكنه في غموض، وبيان أنه من العطف على عاملين، أن قوله: {وَٱلنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا} - ها هنا -, معمولان، أحدهما مجرور وهو "النهار", والآخر منصوب, وهو الظرف عطفاً على معمول عاملين, والعاملان هنا في فعل المقسم به، الناصب لـ "إذا" الأولى، وواو القسم الجارة، فقد تحقق معك عاملان، لهما معمولان، فإذا عطفت مجروراً على مجرور، وظرفاً على ظرف، معمولين لعاملين، لزم ما قاله أبو القاسم، وكيف يجهل هذا مع التأمل والتحقيق؟!. وأما قوله: "وأنشد سيبويه" إلى آخره، فهو اعتراف منه بأنه من العطف على عاملين، غاية ما في الباب أنه استند إلى حكمه لسيبويه، وأما قوله: أجاز ابن كيسان، فلا يلزم مذهبه، وأما قوله: فالمثال ليس كالآية بل وزانها، إلى آخره، فصحيح لما فيه من تقديم الظرف الثاني على المجرور والمعطوف والآية والظرف فيها متأخر، وإنما مراد الزمخشري وجود معمول عاملين، وهو موجود في المثال المذكور إلا أن في الآية إشكالاً آخر، وهو كالتكرير للمسألة، وأما قوله: بل كلام الخليل يدل على المنع، إلى آخره، فليس فيه ردٌّ عليه بالنسبة إلى قصده بل فيه تقوية لما قال، غاية ما في الباب أنه عبر بالاستكراه عن المنع، ولم يفهم المنع، وقوله: ولا جائز أن يكون ثم مضاف محذوف، إلى آخره، فأقول: بل يجوز تقديره، وهو العامل، ولا يلزم ما قاله من اختلاف الزمانين، لأنه يجوز أن يقسم [الآن بطلوع النجم في المستقبل، فالقسم في الحال والطلوع في المستقبل، ويجوز أن يقسم] بالشيء الذي سيوجد وقوله "ولا جائز أن يقدر محذوف قبل الظرف فيكون قد عمل فيه" إلى آخره، ليس بممنوع بل يجوز ذلك ويكون حالاً مقدرة، وقوله "ويلزم ألاَّ يكون له عامل" ليس كذلك بل له عامل وهو فعل القسم، ولا يضر كونه إنشائياً، لأن الحال مقدرة كما تقدم، وقوله "وقد يكون المقسم به جثة" جوايه: يقدر حينئذ حدث، يكون الظرف الزماني حالاً عنه وسئل ابن الحاجب عن هذه المسألة، فأجاب بنحو ما ذكرناه والله اعلم، ولا يخلو الكلام فيها من بحث. قوله: {وَٱللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا}. المفعول "الشمس": أي: يغشى الشمس فيذهب بضوئها عند سقوطها، قاله مجاهد. وقيل: للأرض أي: يغشى الدنيا بالظلمة، فتظلم الآفاق فالكناية ترجع إلى غير مذكور. وجيء بـ "يَغْشَاهَا" مضارعاً دون ما قبله وما بعده مراعاة للفواصل؛ إذ لو أتى به ماضياً لكان التركيب "إذ غشيها" فتفوت المناسبة اللفظية بين الفواصل والمقاطع. قوله: {وَٱلسَّمَآءِ وَمَا بَنَاهَا}. في "ما" هذه وجهان: أحدهما: أن "ما" موصولة بمعنى "الذي" وبه استشهد من يجوز وقوعها على العقلاء، ولأن المراد به الباري تعالى، وإليه ذهب الحسن ومجاهد وأبو عبيدة، واختاره ابن جرير. والثاني: مصدر، أي وبنائها، وإليه ذهب الزجاج والمبرد، وهذا منهما بناء على أنها مختصة بغير العقلاء. واعترض على هذا القول بأنه يلزم أن يكون القسم بنفس المصادر: بناء السماء وطحو الأرض، وتسوية النفس، وليس المقصود إلاَّ القسم بفاعل هذه الأشياء، وهو الرب تعالى، وأجيب عنه بوجهين: أحدهما: أن يكون على حذف مضاف، أي: ورب بناء السماء ونحوه. والثاني: أنه لا غرو لا يجوز في الإقسام بهذه الأشياء، كما أقسم سبحانه وتعالى بالصبح ونحوه. وقال الزمخشري: "جعلت "ما" مصدرية في قوله "وما بناها"، "وما طحاها"، "وما سواها"، وليس بالوجه، لقوله "فألهمها"، وما يؤدي إليه من فساد النظم، والوجه أن تكون موصولة، وإنما أوثرت على "من" لإرادة معنى الوصفية، كأنه قيل: والسماء والقادر العظيم الذي بناها، ونفسٍ والحكيم الباهر الحكمة الذي سواها، وفي كلامهم: سبحان من سخركن لنا" انتهى. [يعني أن الفاعل في "فألهمها" عائد على الله تعالى، فليكن في بنائها كذلك]. وحينئذ يلزم عوده على شيء، وليس هنا ما يمكن عوده عليه غير "ما" فتعين أن تكون موصولة. قال أبو حيان: "أما قوله "وليس بالوجه"، لقوله تعالى: {فَأَلْهَمَهَا} يعني من عود الضمير في {فَأَلْهَمَهَا} على الله تعالى، فيكون قد عاد على مذكور، وهو "ما" المراد به "الذي"، قال: ولا يلزم ذلك، لأنا إذا جعلناها مصدرية عاد الضمير على ما يفهم من سياق الكلام، في "بَنَاهَا" ضمير عائد على الله تعالى، أي: وبناها هو، أي: الله تعالى، كما إذا رأيت زيداً قد ضرب عمراً، فتقول: عجبت مما ضرب عمرو، تقديره: من ضرب عمرو هو، كان حسناً فصيحاً جائزاً، وعود الضمير على ما يفهمُ من سياق الكلام كثير. وقوله "وما يؤدي إليه من فساد النظم" ليس كذلك، ولا يؤدي جعلها مصدرية إلى ما ذكر. وقوله "وإنما أوثرت" إلى آخره، لا يراد بـ "ما" ولا "من" الموصولتين، معنى الوصلية، لأنهما لا يوصف بهما "ما" دون "من". وقوله "في كلامهم" إلى آخره، تأوله أصحابنا على أن "سبحان" علم، و "ما" مصدرية ظرفية". قال شهاب الدين: أما ما رد به عليه من كونه يعود على ما يفهم من السياق، فليس يصلح رداً؛ لأنه إذا دار الأمر بين عوده على ملفوظ وبين غير ملفوظ به، فعوده على الملفوظ به أولى؛ لأنه الأصل وأما قوله: فلا ينفرد به "ما" دون "من"، فليس مراد الزمخشري أنها توصف بها وصفاً صريحاً، بل مراده أنها تقع على نوع من يعقل وعلى صفته، ولذلك مثل النحويون بقوله تعالى: {أية : فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ} تفسير : [النساء: 3]. وقالوا: تقديره: فانكِحُوا الطَّيِّب من النِّساءِ، ولا شك أن هذا الحكم تنفرد به "ما" دون "من". قوله: {وَٱلأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا}. أي: وطحوها، وقيل: من طحاها: أي بسطها، قال عامة المفسرين: أي دحاها. قال الحسن ومجاهد وغيرهما: طحاها ودحاها: واحد، أي: بسطها من كل جانب. والطَّحْوُ: البسطُ، طحا، يطحو، طحواً، وطحى يطحى طحياً، وطحيت: اضطجعت، عن أبي عمرو، وعن ابن عباس: طحاها: أي قسمها، وقيل: خلقها؛ قال الشاعر: [الوافر] شعر : 5220- ومَـا تَـدْرِي جَذيمـةُ مَـنْ طَحـاهَـا ولا مَـنْ سَاكِـنُ العَرْشِ الرَّفيعِ تفسير : قال الماوردي: ويحتمل أنه ما خرج منها من نبات وعيون وكنوز؛ لأنه حياة لما خلق عليها. ويقال في بعض أيمان العرب: لا، والقمر الطاحي، أي: المشرق المرتفع. قال أبو عمرو: طحا الرجل إذا ذهب في الأرض، يقال: ما أدري أين طحا؟. ويقال: طحا به قلبه، إذا ذهب به كلِّ شيء؛ قال علقمة: [الطويل] شعر : 5221- طَحَا بِكَ قَلبٌ في الحِسانِ طَرُوب …................................ تفسير : قال ابن الخطيب: وإنما أخر هذا عن قوله تعالى: {وَٱلسَّمَآءِ وَمَا بَنَاهَا} لقوله: {أية : وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} تفسير : [النازعات: 30]. قوله: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا}. قيل: المعنى، وتسويتها، فـ "ما" مصدرية. وقيل: المعنى، ومن سواها، وهو الله تعالى، قيل: المراد بالنفس: آدم عليه الصلاة والسلام. وقيل: كلُّ نفس منفوسةٍ، فما التنكير إلا لتعظيمها، أي نفس عظيمة، آدم عليه الصلاة والسلام وإما للتكثير، كقوله تعالى: {أية : عَلِمَتْ نَفْسٌ} تفسير : [التكوير: 14]، و "سوَّى" بمعنى هيأ. وقال مجاهد: سوَّى خلقها وعدَّل، وهذه الأسماء كلها مجرورة على القسم، أي أقسم الله تعالى بخلقه لما فيه من عجائب الصنعة الدالة عليه - سبحانه وتعالى -. قوله: {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا} أي: عرَّفها طريقَ الفجور والتقوى، قاله ابن عباس ومجاهد. وعن مجاهد أيضاً: عرفها الطاعة والمعصية. [وعن محمد بن كعب - رضي الله عنه - إذا أراد الله تعالى لعبده خيراً ألهمه الخير فعمل به، وإذا أراد به الشر ألهمه الشرّ فعمل به. وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: ألهم المؤمن التقي تقواه وألهم الكافر فجوره، وعن قتادة: بين لها فجورها وتقواها، والفجور والتقوى مصدران في موضع المفعول]. قال الواحدي: الإلهام هو أن يوقع الله في قلب العبد شيئاً، وإذا أوقع في قلبه فقد ألزمه إياه، من قولهم: لهم الشيء وألهمه: إذا بلغه، وألهمته ذلك الشيء، أي أبلغته، هذا هو الأصل ثم استعمل ذلك فيما يقذفه الله تعالى في قلب العبد لأنه كالإبلاغ. قوله: {قَدْ أَفْلَحَ}. فيه وجهان: أحدهما: أنه جواب القسم، والأصل: لقد وإنما حذفت لطول الكلام، والثاني: أنه ليس بجواب، وإنما جيء به تابعاً لقوله تعالى: {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} على سبيل الاستطراد، وليس من جواب القسم في شيء، فالجواب محذوف، تقديره [ليدمرن] الله عليهم، أي: على أهل مكة لتكذيبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما دمدم على ثمود لتكذيبهم صالحاً - عليه الصلاة والسلام - قال معناه الزمخشري. وقدر غيره: لتبعثن. وقيل: هو على التقديم والتأخير بغير حذف، والمعنى: قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها، والشمس وضحاها. وفاعل "زكّاها" و "دسّاها"، الظاهر أنه ضمير "مَنْ". وقيل: ضمير الباري تعالى، أي: أفلح وفاز من زكاها بالطاعة، وقد خاب من دساها أي: خسرت نفسٌ دسها الله تعالى بالمعصية، وأنحى الزمخشري على صاحب هذا القول لمنافرته مذهبه. قال شهاب الدين: والحق أنه خلاف الظاهر، لا لما قال الزمخشري، بل لمنافرة نظمه للاحتياج إلى عود الضمير على النفس مقيدة بإضافتها إلى ضمير "من". وقال ابن عباس: خابت نفس أضلها الله وأغواها. وقيل: أفلح من زكى نفسه بطاعة الله، "وخاب" خسر من دس نفسه في المعاصي. قاله قتادة. وأصل الزكاة: النمو والزيادة، ومنه تزكى الزَّرع إذا كثر معه، ومنه تزكية القاضي الشاهد، لأنه يرفعه بالتعديل. وقيل: دساها: أغواها، قال: [الطويل] شعر : 5222- وأَنْتَ الَّـذِي دسَّيْـتَ عَمْــراً فأصْبَحــتَ حَلائِلهُ مِنْهُ أرَامِلَ ضُيَّعَا تفسير : قال أهل اللغة: والأصل، دسها، من التدسيس فكثرت الأمثال فأبدل من ثالثها حرف علة كما قالوا: قصيت أظفاري، وأصله قصصت، وتقضي البازي، والتدسية: الإخفاء يعني أخفاه بالفجور، وقد نطق بالأصل الشاعر المتقدم. وقال آخر: [الكامل] شعر : 5223- ودَسَسْتَ عَمْراً في التُّرَابِ فأصْبَحَتْ …..................................... تفسير : [وهو إخفاء الشيء في الشيء، فأبدلت سينه ياءً. وقال ابن الأعرابي: "وقَدْ خَابَ من دسَّاهَا" أي: دس نفسه في جملة الصالحين وليس منهم]. قال الواحدي: فكأنه - تعالى - أقسم على فلاح من طهره وخسارة من خذله لئلا يظن أن المراد بتولي ذلك من غير قضاء سابق، فقوله: "قَدْ أفلَحَ": هو جواب القسم.

البقاعي

تفسير : لما أثبت في سورة البلد أن الإنسان في كبد، وختمها بأن من حاد عن سبيله كان في أنكد النكد، وهو النار المؤصدة، أقسم أول هذه على أن الفاعل لذلك أولاً وآخراً هو الله سبحانه لأنه يحول بين المرء وقلبه وبين القلب ولبه، فقال مقسماً بما يدل على تمام علمه وشمول قدرته في الآفاق علويها وسفليها، والأنفس سعيدها وشقيها وبدأ بالعالم العلوي، فأفاد ذلك قطعاً العلم بأنه الفاعل المختار، وعلى العلم بوجوب ذاته وكمال صفاته، وذلك أقصى درجات القوى النظرية، تذكيراً بعظائم آلائه، ليحمل على الاستغراق في شكر نعمائه، الذي هو منتهى كمالات القوى العملية، مع أن أول المقسم به مذكر بما ختم به آخر تلك من النار: {والشمس} أي الجامعة بين النفع والضر بالنور والحر، كما أن العقول كذلك لا أنور منها إذا نارت، ولا أظلم منها إذا بارت {وضحاها *} أي وضوئها الناشىء عن جرمها العظيم الشأن البديع التكوين المذكر بالنيران إذا أشرقت وقام سلطانها كإشراق أنوار العقول، والضحى - بالضم والقصر: صدر النهار حين ارتفاعه، وبالفتح والمد: شدة الحر بعد امتداد النهار، وشيء ضاح - إذا ظهر للشمس والحر. ولما افتتح بذكر آية النهار، أتبعه ذكر آية الليل فقال: {والقمر} أي المكتسب من نورها كما أن أنوار النفوس من أنوار العقول {إذا تلاها *} أي تبعها في الاستدارة والنور بما دل على أن نوره من نورها من القرب الماحق لنوره والبعد المكتسب له في مقدار ما يقابلها من جرمه، ولا يزال يكثر إلى أن تتم المقابلة فيتم النور ليلة الإبدار عند تقابلهما في أفق الشرق والغرب، ومن ثم يأخذ في المقاربة فينقص بقدر ما ينحرف عن المقابلة، ونسبة التبع إليه مجازية أطلقت بالنسبة إلى ما ينظر منه كذلك. ولما ذكر الآيتين، ذكر ما هما آيتاه، وبدا بهما لأنه لا صلاح له إلا بهما كما أنه لا صلاح للبدن إلا بالنفس والعقل فقال: {والنهار} أي الذي هو محل الانتشار فيما جرت به الأقدار {إذا جلاها *} أي جلى الشمس بحلية عظيمة بعضها أعظم من بعض باعتبار الطول والقصر والصحو والغيم والضباب والصفاء والكدر كما أن الأبدان تارة تزكي القلوب والنفوس والعقول وتارة تدنسها، لأن العقل يكون في غاية الصفاء والدعاء إلى الخير في حال الصغر ثم لا يزال يزيد وينقص بحسب زكاء البدن في حسن الجبلة، أو نجاسته بسوء الجبلة، حتى يصير الشخص نوراً محضاً ملكاً ناطقاً إذا طابق البدن العقل فتعاونا على الخير، أو يصير ظلاماً بحتاً شيطاناً رجيماً إذ خالف البدن العقل بسوء الجبلة وشرارة الطبع. ولما ذكر معدن الضياء، ذكر محل الظلام فقال: {والليل} أي الذي هو ضد النهار فهو محل السكون والانقباض والكمون {إذا يغشاها *} أي يغطي الشمس فيذهب ضوءها حين تغيب فتمتد ظلال الأرض على وجهها المماس لنا، فيأخذ الأفق الشرقي في الإظلام، ويمتد ذلك الظلام بحسب طول الليل وقصره كما يغطي البدن نور العقل بواسطة طبعه بخبثه ورداءة عنصره، وذلك كله بمقادير معلومة، وموازين قسط محتومة، ليس فيها اختلال، ولا يعتريها انحلال، حتى يريد ذو الجلال، ولم يعبر بالماضي كما في النهار لأن الليل لا يذهب الضياء بمرة بل شيئاً فشيئاً، ولا ينفك عن نور بخلاف النهار، فإنه إذا أبدى الشمس ولم يكن غيم ولا كدر جلى الشمس في آن واحد، فلم يبق معه ظلام بوجه. ولما ذكر الآيتين ومحل أثرهما، ذكر محل الكل فقال تعالى: {والسماء} أي التي هي محل ذلك كله ومجلاه كما أن الأبدان محل النفوس، والنفوس مركب العقول، ولما رقى الأفكار من أعظم المحسوسات المماسة إلى ما هو دونه في الحس وفوقه في الاحتياج إلى إعمال فكر، رقي إلى الباطن الأعلى المقصود بالذات وهو المبدع لذلك كله معبراً عنه بأداة ما لا يعقل، مع الدلالة بنفس الإقسام، على أن له العلم التام، والإحاطة الكبرى بالحكمة البالغة، تنبيهاً على أنهم وصفوه بالإشراك وإنكار الحشر بتلك المنزلة السفلى والمساواة بالجمادات التي عبدوها مع ما له من صفات الكمال التي ليس لغيره ما يداني شيئاً منها، زجراً لهم بالإشارة والإيماء عن ذلك ومشيراً إلى شدة التعجيب منهم لكونها أداة التعجب فقال: {وما بناها *} أي هذا البناء المحكم الذي ركب فيه ما ذكره إشارة إلى ما وراءه مما يعجز الوصف. ولما ذكر البناء ذكر المهاد فقال: {والأرض} أي التي هي فراشكم بمنزلة محال تصرفاتكم بالعقل في المعاني المقصودة {وما طحاها *} أي بسطها على وجه هي فيه محيطة بالحيوان كله ومحاط بها في مقعر الأفلاك، وهي مع كونها ممسكة بالقدرة كأنها طائحة في تيار بحارها، وهي موضع البعد والهلاك ومحل الجمع - كل هذا بما يشير إليه التعبير بهذا اللفظ إشارة إلى ما في سعي الإنسان من أمثال هذا، قال أهل البصائر: وليس في العالم الآفاقي شيء إلا وفي العالم النفساني نظيره، وانشدوا في ذلك: شعر : دواؤك فيك وما تشعر وداؤك منك وتستنكر وتحسب أنك جزء صغير وفيك انطوى العالم الأكبر تفسير : فالسماوات سبع كطباق الرأس التي تتعلق بالقوى المعنوية والحسية كالذاكرة والحافظة والواهمة والمخيلة والمفكرة والحس المشترك وما هو لمقاسم البصر في العين، ونظير الشمس الروح في إشراقه وحسنه، ونظير الليل الطبع فإن ما به من نور فإنما هو من الروح كما أن الليل كذلك لا يكون نوره إلا من الشمس بواسطة إفادتها للقمر المنير له والكواكب، ونظير النهار - الذي هو نير في أصله ومتكدر بما يخيل له من السحب ونحوه - القلب وسحبه الشكوك والأوهام النفسية، ونظير القمر في ظلمته بأصله وإنارته بالشمس النفس، فإذا أكسبها القلب المستفيد من الروح النور أنار جميع البدن، وإذا أظلمت أظلم كله، والأعضاء الباطنة كالكواكب يقوم بها البدن فينير له الوجود بواسطة الروح والنفس، والأمطار كالدمع، والحر كالحزن، والبرد كالسرور، والرعد كالنطق، والبرق كالملح، والرياح كالنفس - إلى غير ذلك من البدائع لمن تأمل، والعالم السفلي سبع طباق أيضاً، قال الملوي: "ونظيرها طبقة الجلد" وهي ثلاث، وطبقة اللحم وطبقة الشحم وطبقة العروق وطبقة العصب، والجبال كالعظام والمعادن منها المياه وفيها العذب كالريق والملح كالدمع والمر كما في الأذن والمنتن منه كما في الأنف، ومنه ما هو جار كالبول، ومنه ما هو كالعيون وهو الدم، والسيل كالعرق، والمعادن المنطبعة كالحديد والرصاص هي وسخ الأرض وهي كالعذرة وما يخرج من الجلد من خبث، والنبات كالشعور تارة تحلق كالحصاد وتارة تقلع كالنتف، والحيوانات التي فيها كالقمل، وطيورها كالبراغيث، وعامر البدن ما أقبل منه، وخرابه ما أدبر. ولما أتم الإشارة إلى النفوس لأهل البصائر، صرح بالعبارة لمن دونهم فقال تعالى: {ونفس} أي أيّ نفس جمع فيها سبحانه العالم بأسره. ولما كانت النفوس أعجب ما في الكون وأجمع، عبر فيها بالتسوية حثاً على تدبر أمرها للاستدلال على مبدعها للسعي في إصلاح شأنها فقال تعالى: {وما سواها *} أي عدلها على هذا القانون الأحكم في أعضائها وما فيها من الجواهر والأعراض والمعاني وعجائب المزاج من الأخلاط المتنافرة التي لاءم بينها بالتسوية والتعديل فجعلها متمازجة وقد أرشد السياق والسباق واللحاق إلى أن جواب القسم مقدر تقديره: لقد طبع سبحانه وتعالى نفوسكم على طبائع متباينة هيأها بها لما يريد من القلوب من تزكية وتدسية بما جعل لكم من القدرة والاختيار، وأبلغ في التقدم إليكم في تزكية نفوسكم وتطهير قلوبكم لاعتقاد الحشر بما هو أوضح من الشمس لا شبهة فيه ولا لبس لتنجو من عذاب الدنيا والآخرة بالاتصاف بالتقوى، والانخلاع من الفجور والطغوى. وقال الأستاذ أبو جعفر بن الزبير: لما تقدم في سورة البلد تعريفه تعالى بما خلق فيه الإنسان من الكبد مع ما جعل له سبحانه من آلات النظر، وبسط له من الدلائل والعبر، وأظهر في صورة من ملك قياده، وميز رشده وعناده {أية : وهديناه النجدين}تفسير : [البلد: 10]{أية : إنا هديناه السبيل}تفسير : [الإنسان: 3] وذلك بما جعل له من القدرة الكسبية التي حقيقتها اهتمام أو لم؟ وأنى بالاستبداد والاستقلال، ثم{أية : والله خلقكم وما تعملون}تفسير : [الصافات: 96] أقسم سبحانه وتعالى في هذه السورة على فلاح من اختار رشده واستعمل جهده وأنفق وجده {قد أفلح من زكاها} وخيبة من غاب هداه فاتبع هواه {وقد خاب من دساها} فبين حال الفريقين وسلوك الطريقين - انتهى. ولما كان أعجب أمورها الفجور لما غلب سبحانه عليها من الحظوظ والشهوات، وهي تعلم بما لها من زاجر العقل بصحيح النقل أن الفجور أقبح القبيح، والتقوى لما أقام عليها من ملك العقل الملكي وغريزة العلم النوراني أحسن الحسن، وتذوق أن الفجور أشهى شهي، وأن التقوى أمرّ شيء وأصعبه، وأثقله وأتعبه، قال معلماً أن هذا لا يقدر عليه سواه لأنه أعجب من جميع ما مضى لأن البهيمة لا تقدم على ما يضرها وهي تبصر ولو قطعت، والآدمي يقدم على ما يضره وهو يعلم ويقاتل من منعه منه، فقال مسبباً عما حذف من جواب القسم: {فألهمها} أي النفس إلهام الفطرة السابقة الأولى قبل{أية : ألست بربكم}تفسير : [الأعراف: 172] {فجورها} أي انبعاثها في الميل مع دواعي الشهوات وعدم الخوف الحامل على خرق سياج الشريعة بسبب ذلك الطبع الذي عدل فيه ذاتها وصفاتها في قسر المتنافرات على التمازج غاية التعديل {وتقواها *} أي خوفها الذي أوجب سكونها وتحرزها بوقايات الشريعة، فالآية من الاحتباك: ذكر الفجور أولاً دالّ على السكون الذي هو ضده ثانياً، وذكر التقوى ثانياً دالّ على ضده، وهو عدم الخوف أولاً، وإلهامها للأمرين هو جعله لها عارفة بالخير والشر مستعدة ومتهيئة لكل منهما؛ ثم زاد ذلك بالبيان التام بحيث لم يبق لبس، فزالت الشبه عقلاً بالغريزة والإلهام ونقلاً بالرسالة والإعلام. ودل بالإضافة على أن ذلك كله منسوب إليها ومكتوب عليها وإن كان بخلقه وتقديره لأنه أودعها قوة وجعل لها اختياراً صالحاً لكل من النجدين، وأوضح أمر النجدين في الكتب وعلى ألسنة الرسل عليهم الصلاة والسلام بعد ما وهبه لها من الفطرة القويمة وأخفى عنها سر القضاء والقدرة وعلم العاقبة، فأقام بذلك عليها الحجة وأوضح المحجة.

السيوطي

تفسير : أخرج الحاكم وصححه من طريق مجاهد عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏والشمس وضحاها‏} ‏ قال‏:‏ ضوءها ‏{‏والقمر إذا تلاها‏} ‏ قال‏:‏ تبعها ‏ {‏والنهار إذا جلاها‏} ‏ قال‏:‏ أضاءها ‏{‏والسماء وما بناها‏}‏ قال‏:‏ الله بنى السماء ‏ {‏وما طحاها‏}‏ قال‏:‏ دحاها ‏{‏فألهمها فجورها وتقواها‏} ‏ قال‏:‏ عرفها شقاءها وسعادتها ‏ {‏وقد خاب من دساها‏}‏ قال‏:‏ أغواها‏. وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس ‏{‏والقمر إذا تلاها‏} ‏ قال‏:‏ يتلو النهار ‏ {‏والأرض وما طحاها‏} ‏ يقول‏:‏ ما خلق الله فيها ‏ {‏فألهمها فجورها وتقواها‏} ‏ قال‏:‏ علمها الطاعة والمعصية‏. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس {‏والقمر إذا تلاها‏} ‏ قال‏:‏ تبعها‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن يزيد بن ذي حمامة قال‏:‏ إذا جاء الليل قال الرب غشي عبادي في خلقي العظيم ولليل مهابة والذي خلقه أحق أن يهاب‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ‏ {‏والأرض وما طحاها‏} ‏ قال‏:‏ قسمها ‏ {‏فألهمها فجورها وتقواها‏}‏ قال‏:‏ بين الخير والشر‏.‏ وأخرج الحاكم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس ‏{‏فألهمها‏}‏ قال‏:‏ علمها ‏{‏فجورها وتقواها‏}‏ ‏.‏ وأخرج أحمد ومسلم وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن عمران بن حصين‏:‏ ‏"‏حديث : أن رجلاً قال يا رسول الله‏:‏ أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه شيء قد قضي عليهم ومضى عليهم في قدر قد سبق، أو فيهما يستقبلون ما أتاهم به نبيهم واتخذت عليهم به الحجة‏؟‏ قال‏: بل شيء قضي عليهم‏.‏ قال‏:‏ فلم يعملون إذا‏؟‏ قال‏:‏ من كان الله خلقه لواحدة من المنزلتين هيأه لعملها، وتصديق ذلك في كتاب الله ‏{‏ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها‏} "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الطبراني وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس قال‏:‏ ‏"‏حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تلا هذه الآية ‏ {‏ونفس وما سوّاها فألهمها فجورها وتقواها‏} ‏ وقف ثم قال‏:‏ اللهم آت نفسي تقواها أنت وليها ومولاها وخير من زكاها ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ ‏ {‏فألهمها فجورها وتقواها‏}‏ قال‏:‏ حديث : اللهم آت نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها‏.‏ قال وهو في الصلاة‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم والنسائي عن زيد بن أرقم قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"حديث : ‏اللهم آت نفسي تقواها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط عن أنس‏:‏ ‏‏"حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بهم الهاجرة فرفع صوته فقرأ ‏ {‏والشمس وضحاها‏}، {‏والليل إذا يغشى} [الليل: 1‏] فقال له أبيّ بن كعب‏:‏ يا رسول الله أمرت في هذه الصلاة بشيء قال‏:‏ لا ولكني أردت أن أوقت لكم‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ‏{‏والشمس وضحاها‏} ‏ قال‏:‏ ضوؤها ‏{‏والقمر إذا تلاها‏} ‏ قال‏:‏ تبعها ‏ {‏والنهار إذا جلاها‏}‏ قال‏:‏ أضاء ‏{‏والليل إذا يغشاها‏} ‏ قال‏:‏ يغشاها الليل ‏ {‏والسماء وما بناها‏} ‏ قال‏:‏ الله بني السماء والأرض ‏ {‏وما طحاها‏}‏ قال‏:‏ دحاها ‏{‏فألهمها فجورها وتقواها‏}‏ قال‏:‏ عرفها شقاءها ‏{‏قد أفلح من زكاها‏}‏ قال‏:‏ أصلها ‏ {‏وقد خاب من دساها‏}‏ قال‏:‏ أغواها ‏{‏كذبت ثمود بطغواها‏} ‏ قال‏:‏ بمعصيتها ‏{‏ولا يخاف عقباها‏}‏ قال‏:‏ الله لا يخاف عقباها‏. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ‏ {‏والشمس وضحاها‏} ‏ قال‏:‏ إشراقها ‏ {‏والقمر إذا تلاها‏} ‏ قال‏:‏ يتلوها ‏{‏والنهار إذا جلاها‏} ‏ قال‏:‏ حين ينجلي ‏ {‏ونفس وما سواها‏}‏ قال‏:‏ سوى خلقها ولم ينقص منه شيئا‏ً.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة ‏{‏والشمس وضحاها‏}‏ قال‏:‏ هذا النهار ‏{‏والقمر إذا تلاها‏}‏ قال‏:‏ يتلو صبيحة الهلال إذا سقطت رؤي عند سقوطها ‏ {‏والنهار إذا جلاها‏} ‏ قال‏:‏ إذا غشيها النهار ‏ {‏والليل إذا يغشاها‏} ‏ قال إذا غشيها الليل ‏{‏والسماء وما بناها‏}‏ قال وما خلقها ‏ {‏والأرض وما طحاها‏} ‏ قال‏:‏ بسطها ‏{‏فألهمها فجورها وتقواها‏} ‏ قال‏:‏ بين لها الفجور من التقوى ‏{‏قد أفلح‏}‏ قال‏:‏ وقع القسم ههنا ‏{‏من زكاها‏}‏ قال‏:‏ من عمل خيراً فزكاها بطاعة الله ‏ {‏وقد خاب من دساها‏}‏ قال‏:‏ من إثمها وفجرها ‏{‏كذبت ثمود بطغواها‏}‏ قال‏:‏ بالطغيان ‏ {‏إذ انبعث أشقاها‏}‏ قال‏:‏ أحيمر ثمود‏.‏ ‏{‏فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقياها‏}‏ قال‏:‏ يقول الله‏:‏ خلوا بينها وبين قسم الله الذي قسم لهم من هذا الماء ‏{‏فدمدم عليهم ربهم بذنبهم‏} ‏ قال‏:‏ ذكر لنا أنه أبى أن يعقرها حتى تابعه صغيرهم وكبيرهم وذكرهم وأنثاهم، فلما اشترك القوم في عقرها ‏ {‏فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها ولا يخاف عقباها‏} ‏ يقول‏:‏ لا يخاف تبعتها‏. وأخرج عبد بن حميد عن أبي العالية ‏{‏والقمر إذا تلاها‏}‏ قال‏:‏ إذا تبعها‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة ‏ {‏والقمر إذا تلاها‏} ‏ قال‏:‏ إذا تبع الشمس‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن أبي صالح ‏{‏والأرض وما طحاها‏} ‏ قال‏:‏ بسطها‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن الضحاك مثله‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس ‏{‏ونفس وما سواها‏} ‏ قال‏:‏ سوى خلقها‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ‏{‏فألهمها‏}‏ قال‏:‏ ألزمها ‏{‏فجورها وتقواها‏}‏ ‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الضحاك ‏ {‏فألهمها فجورها وتقواها‏} ‏ قال‏:‏ الطاعة والمعصية‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم ‏ {‏فألهمها فجورها وتقواها‏} ‏ قال‏:‏ الفاجرة ألهمها الفجور، والتقية ألهمها التقوى‏.‏ وأخرج ابن مردويه في قوله‏:‏ ‏{‏فألهمها فجورها وتقواها‏} ‏ يقول‏:‏ بين للعباد الرشد من الغيّ وألهم كل نفس ما خلقها له وكتب عليها‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن الكلبي ‏ {‏قد أفلح من زكاها‏} ‏ الآية، قال‏:‏ أفلح من زكاه الله وخاب من دساه الله‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن الحسن في الآية‏:‏ قد أفلح من زكى نفسه وأصلحها، وخاب من أهلكها وأضلها‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن الربيع في الآية، يقول‏:‏ أفلح من زكى نفسه بالعمل الصالح، وخاب من دس نفسه بالعمل السيء‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة من ‏ {‏دساها‏} ‏ قال‏:‏ من خسرها‏.‏ وأخرج حسين في الاستقامة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏قد أفلح من زكاها‏} ‏ يقول‏:‏ قد أفلح من زكى الله نفسه، ‏ {‏وقد خاب من دساها‏}‏ يقول‏:‏ قد خاب من دس الله نفسه فأضله ‏{‏ولا يخاف عقباها‏} ‏ قال‏:‏ لا يخاف من أحد تابعه‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ‏{‏وقد خاب من دساها‏}‏ يعني‏:‏ مكر بها‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والديلمي من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏ {‏قد أفلح من زكاها‏}‏ الآية‏، قال:‏ ‏"‏حديث : أفلحت نفس زكاها الله وخابت نفس خيبها الله من كل خير ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏كذبت ثمود بطغواها‏}‏ قال‏:‏ اسم العذاب الذي جاءها الطغوى، فقال‏:‏ كذبت ثمود بعذابها‏. وأخرج سعيد بن منصور وأحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن عبد الله بن زمعة قال‏:‏ ‏حديث : خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر الناقة، وذكر الذي عقرها، فقال‏:‏ ‏ {‏إذا انبعث أشقاها‏}‏ قال‏: "‏انبعث لها رجل عارم عزيز منيع في رهطه مثل أبي زمعة" ‏‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والبغوي وأبو نعيم في الدلائل عن عمار بن ياسر قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏حديث : "‏ألا أحدثك بأشقى الناس‏"؟‏ قال‏:‏ بلى‏.‏ قال‏:‏ "‏رجلان‏:‏ أحيمر ثمود الذي عقر الناقة والذي يضربك على هذا، يعني ترقوته حتى تبتل منه هذه، يعني لحيته‏" ‏‏.‏ تفسير : وأخرج الطبراني وابن مردويه وأبو نعيم مثله من حديث صهيب وجابر بن سمرة‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن {‏ولا يخاف عقباها‏} ‏ قال‏:‏ ذاك ربنا لا يخاف منهم تبعة بما صنع بهم‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي ‏{‏ولا يخاف عقباها‏} ‏ قال‏:‏ لم يخف الذي عقرها عاقبة ما صنع‏.‏ وأخرج ابن جرير عن الضحاك ‏{‏ولا يخاف عقباها‏} ‏ قال‏:‏ لم يخف الذي عقرها عقباها‏.‏

ابو السعود

تفسير : مكية وآيُها خمس عشرة {وَٱلشَّمْسِ وَضُحَـٰهَا} أي ضوئِها إذَا أشرقتْ وقام سلطانُها، وقيل: الضَّحوةُ ارتفاعُ النهارِ والضُّحى فوقَ ذلكَ والضحاءُ بالفتحِ والمدِّ إذا امتدَّ النهارُ وكادَ ينتصفُ {وَٱلْقَمَرِ إِذَا تَلـٰهَا} بأنْ طلعَ بعد غروبِها وقيل: إذا تلا طلوعُه طلوعَها وقيلَ: إذا تلاهَا في الاستدارةِ وكمال النُّورِ {وَٱلنَّهَارِ إِذَا جَلَّـٰهَا} أي جَلَّى الشمسَ فإنها تتجلَّى عند انبساطِ النهارِ فكأنه جلاَّها مع أنَّها التي تبسطُه أو جلَّى الظلمةَ أو الدُّنيا أو الأرضَ وإن لم يجرِ لها ذِكْرٌ للعلمِ بَها {وَٱلَّيْلِ إِذَا يَغْشَـٰهَا} أي الشمسَ فيُغطِّي ضوءَها أو الآفاقَ أو الأرضَ وحيثُ كانت الواواتُ العاطفةُ نوائبَ للواو الأُولى القسميةِ القائمةِ مقامَ الفعلِ والباءُ سادَّةً مسدَّهما معاً في قولكَ أقسمُ بالله حققْن أن يعمَلن عملَ الفعلِ والجارّ جميعاً كما تقول ضرب زيد عَمراً وبكرٌ خالداً {وَٱلسَّمَاء وَمَا بَنَـٰهَا} أيْ ومَنْ بنَاها وإيثارُ مَا على مَنْ لإرادةِ الوصفيةِ تفخيماً كأنَّه قيلَ: والقادرِ العظيمِ الشأنِ الذي بناهَا وجعلَها مصدريةً مخلٌّ بالنظمِ الكريمِ وكذا الكلامُ في قولِه تعالَى: {وَٱلأَرْضِ وَمَا طَحَـٰهَا} أي بسطَها من كلِّ جانبٍ كدحَاهَا.

القشيري

تفسير : قوله جل ذكره: {وَٱلشَّمْسِ وَضُحَاهَا}. ضُحَا الشمسِ صَدْرُ وقت طلوعها. {وَٱلْقَمَرِ إِذَا تَلاَهَا}. أي: تَبِعَها؛ وذلك في النصف الأول من الشهر. {وَٱلنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا}. إذا جلَّى الشمسَ وكَشَفَها. {وَٱللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا}. أي: يَغْشَى الشمس (فيذهب بضوئها). {وَٱلسَّمَآءِ وَمَا بَنَاهَا}. أي: وبنائها. ويقال: ومَنْ بناها. {وَٱلأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا}. أي: وطَحْوها. ويقال: ومَنْ طحاها (أي بسطها أو قسمها أو خلقها). {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا}. ومن سوَّى أجزاءها وأعضاءها. {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا}. أي: بأن خَذَلَها ووَفَّقَها. ويقال: فجورها: حركتها في طلب الرزق، وتقواها: سكونها بِحُكْمِ القدير. وقيل: طريق الخير والشر.

البقلي

تفسير : اقسم الله بشمس جلال قدمه من اذا ارتفع من مشارق قلوب العارفين ونور بسنانها اسرارهم وايضا اى وشمس عرفانهم حين اشرقت بنور الايقان واورث لهم لطائف العيان والبيان وقمر صفاته اذا تتابع انوارها عقيب كشوف انوار ذاته فى فواد المقربين وايضا اى بقهر الايمان اذا تلا شمس العرفان ونهار صباح الازل اذا تجلى الروح الموحدين والصديقين وليل تحير اهل الفناء فى ميادين وحدانيته حيث لا يدركون من فذ درك الحقائق وايضا اى بليل قهريات عظمته اذا يغشى بعين الامتحان افئدة الطالبين والمطلوبين لان الكل فى ضرب هذا البلاء حتى قال سيد الورى صلى الله عليه وسلم انه ليغان على قلبى وسماء قلوب المحبين فيها ابراج الغيوب تسرى فيها نيرات كشوفات الملكوت والجبروت ما بينهما اقسم بالفعل ثم بالصفة ثم بالذات وجميعا خبر عن عين الجمع فى الحقيقة وعين التفرقة من حيث رسم الحقيقة وارض عقول العارفين التى هى مساقط شروق انوار المشاهدة بقوله واشرقت الارض بنور ربها والذى بسطها لتزول منها والربوبية عليها بالذى باشرها بنور الفعل والصفة والذات ليجرى فيها انهار الكواشف والمعارف وينبت فيها ازهار المحبة واثمار الحكمة ورياحين الشوق والعشق وياسمين المودة والزلفة والنفس الناطقة العارفة التى صورها بصورته والبسها نعته ووصفه فى مدارج الغيوب واسكنها فى بطون القلوب ومن سواها بتسوية الصفة ورقمها بنور الازلية سبحان المقدس عن كل شوب من العرش الى الثرى ثم بين انه تعالى عرفها طرق لطفيات الذات وقهريات الصفات بنفسها بلا واسطة.

اسماعيل حقي

تفسير : {والشمس} سوكند ميخورم بآفتاب {وضحاها} اى ضوئها اذا طلعت وقام سلطانها وانبسط نورها يعنى سوكند بتايش وى جون بلند كردد وبموضع جاشت رسد. يقال وقت الضحى اى وقت اشراق الضوء فالضحى والضحوة مشتقان من الضح وهو نور الشمس المنبسط على وجه الارض المضاد للظل وفيه اشارة الى الاقسام بشمس الروح وضوئها المنتشر فى البدن الساطع على النفس.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {والشمسِ وضُحاها} أي: وَضوئها إذا أشرقت وقام سلطانها، {والقمرِ إِذا تلاها}؛ تبعها في الضياء والنور, وذلك في النصف الأول من الشهر، يخلف القمرُ الشمسَ في النور، {والنهارِ إِذا جلاَّها} أي: جلّى الشمسَ وأظهرها للرائين، وذلك عند افتتاح النهار وانبساطه؛ لأنَّ الشمس تنجلي في ذلك الوقت تمام الانجلاء، وقيل: الضمير للظلمة, أو الأرض، وإن لم يجر لها ذكر، كقوله: { أية : مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍ} تفسير : [فاطر:45]، {والليلِ إِذا يغشاها} أي: يستر الشمس ويُظْلِمُ الأفاق، والواو الأولى في هذه الأشياء للقسم باتفاق، وكذا الثانية عند البعض, وعند الخليل: الثانية للعطف؛ لأنَّ إدخال القسم على القسم قبل تمام الأول لا يجوز، ألا ترى: أنك لو جعلت مرضعها كلمة الفاء أو "ثم" لكان المعنى على حاله، وهما حرفا عطف, وكذا الواو، ومَن قال: إنها للقسَمَ احتجّ بأنها لو كانت للعطف لكان عطفاً على عاملين، لأنَّ قوله: { أية : وَٱلْلَّيْلِ} تفسير : [الليل:1] ـ مثلاً ـ مجرور بواو القسم، {إِذا يغشى} منصوب بالفعل المقدّر الذي هو أقسم، فلو جعلت الواو التي في {أية : وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ }تفسير : [الليل:2] للعطف لكان النهار معطوفاً على الليل جرًّا، و {إذا تجلى} معطوفاً على "يغشى" نصباً، وكان كقولك: إنَّ في الدار زيداً، والحُجرة عَمْراً، وأجيب بأنّ واو القسم تنزّلت منزلة الباء والفعل، حتى لم يجز إبراز الفعل معها، فصار كأنها العاملة جرًّا ونصباً، وصارت كعاملٍ واحد له معمولان، وكلُّ عامل له عملان يجوز أن يعطف على معموليه بعاطف واحدٍ بالاتفاق، نحو: ضرب زيدٌ عمراً وأبو بكر خالداً، فترفع بالواو وتنصب لقيامها مقام العامل. {والسماءِ وما بناها} أي: ومَن بناها، وإيثار "ما" على "مَنْ" لإرادة الوصفيّة تفخيماً، كأنه قيل: والقادر العظيم الذي بناها، وجعلُها مصدرية مخلّ بالنظم الكريم، وكذا في قوله: {والأرضِ وما طحاها} أي: بسطها من كل جانب، كـ"دحاها". {ونفسٍ وما سوَّاها} أي: والحكيم الباهر الحكمة الذي سوّاها وأتقن صورتها، مستعدة لكمالاتها، والتنكير للتفخيم، على أنَّ المراد نفس آدم عليه السلام أو للتكثير، وهو الأنسب للجواب، أي: ومَن سوّى كلَّ نفس، {فألْهَمَها فجورَها وتقواها} أي: ألهمها طاعتها ومعصيتها، وأفهمها قبح المعصية وحسن الطاعة, أو عَرَّفها طرق الفجور والتقوى، وجعل لها قوة يصح معها اكتساب أحد الأمرين، ويحتمل أن تكون الواو بمعنى "أو" كقوله: {أية : إِنَّا هَدَيْنَاهُ ٱلسَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً}تفسير : [الإنسان:3] أي: ألهم مَن أراد شقاوتها فجورها فسعت إليه، وألهم مَن أراد سعادتها تقواها، فسعت إليه. {قد أفلح مَن زَكَّاها} أي: فاز بكل مطلوب، ونجا مِن كل مكروه مَن طَهَّرَها وأصلحها وجعلها زكيةً بالإيمان والطاعة، {وقد خاب مَن دسَّاها}؛ أغواها، قال عكرمة: "أفلحت نفس زكّاها اللهُ، وخابت نفس أغواها الله" ويجوز أن تكون التدسية والتطهير فعل العبد. والتدسية: النفس والإخفاء، أي: خسر مَن نقصها وأخفاها بالفجور, وأصل دس‍ّى: دسّس, كتقضى وتقضض، فأبدل من الحرف الثالث ياء، قال في الكافية: شعر : وثالث الأمثال أبدلنه ياء نحو تظنا خالد تظنينا تفسير : وجواب القسم محذوف، والتقدير: ليهلكنّ الله مَن كفر من قريش ويُدمدم عليهم كما دمدم على ثمود، وقيل: "قد أفلح" وليس بشيء، وقيل: "كذبت ثمود" على إضمار "قد" والأول أحسن, والله تعالى أعلم. الإشارة: والشمس شمس العرفان، وابتداء ضُحاها في أول الفناء, والقمر قمر الإيمان, إذا تلاها بالرجوع للأثر بالتنزُّل لعالم الحكمة كمالاً وتكميلاً، والنهار نهار التمكين إذا جلاّها، أي: ظلمة حس الكائنات، وقلعها مِن أصلها بشهود المكوِّن, والليل؛ ليل القطيعة، إذا يغشاها بقهرية الحق اختباراً، هل يضطرب ويفزع فيُردّ عليه، أو يتسلّى فيُسلب, أو نهار البسط إذا جلاّها، أي: ظلمة القبض، وليل القبض إذا يغشاها، أي: شمس نهار البسط، أقسم تعالى بتعاقبهما والسماء سماء الأرواح, وما بناها؛ رفعها، والأرض أرض الأشباح، وما طحاها, أي: بسطها للعبودية, ونفسٍ وما سوّاها؛ ألقى صورتها وهيّأها للقُرب والبُعد, فألهمها فجورها وتقواها بما أعطاها من نور العقل، قال الورتجبي: سوّاها بتسوية الصِفة, ورقمها بنور الآزلية، ثم بيَّن أنه تعالى عرّفها طرق لطيفات الذات، وقهرية الصفات بنفسه بلا واسطة بقوله: {فألهمها فجورها وتقواها} عرّفها أولاَ طريق القهر حتى عرفت المهلكات, ثم عرَّفها طريق اللطف حتى عرفت معالجتها من المنجيات, والمقصود منها: عرفانها عند الحق بطريق القهر واللطف، حتى تكمل معرفةُ صانعها. هـ. قال القشيري: فألهمها فجورها وتقواها: بأن خَذَلَها ووَفَّقَها، ويقال: فجورها: حركتها في طلب الرزق، وتقواها: سكونها لحُكْم التقدير. ثم قال: ويُقال: أفلح مَن طهَّرها من الذنوب والعيوب، ثم عن الأطماع في الأَعواض، ثم العبد نفسه عن الاعتراض على الأنام، وعن ارتكاب الحرام، وقد خاب مَن خان نفسه وأهملها عن المراعاة، ودسَّها بالمخالفات، وفي نوادر الأصول ما حاصله: أنَّ دسّاها بمنزلة مَن دسّ شيئاً في كوة، يمنع من دخول الضوء، كذلك الهوى والشهوة سد‍ّ وغلّق على القلب من حصول ضوء القربة والوصلة. هـ. ثم ذكر بعض مَن دسَّى نفسه وما آل إليه أمره، فقال: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَآ}.

الطوسي

تفسير : قرأ ابن كثير وابن عامر وعاصم {وضحاها} بفتح أواخر هذه السورة. وقرأ الكسائي بامالة ذلك كله. وقرأ ابو عمرو ونافع جميع ذلك بين الكسر والفتح. وقرأ حمزة {وضحها} كسراً وفتح {تلاها} و {طحاها} فمن فتح، فلأنه الأصل، والامالة تخفيف. وبين بين تخفيف يشعر بالأصل. فأما حمزة فأمال بنات الياء. وفخم بنات الواو. هذا قسم من الله تعالى بالشمس وضحاها، وقد بينا أن له تعالى أن يقسم بما شاء من خلقه تنبيهاً على عظم شأنه وكثرة الانتفاع به، فلما كانت الشمس قد عظم الانتفاع بها وقوام العالم من الحيوان والنبات بطلوعها وغروبها، جاز القسم بها، ولما فيها من العبرة بنشىء الضوء حتى تقوى تلك القوة العظيمة باذن الله. وقوله {وضحا} يعني ضحاها الشمس، وهو صدر وقت طلوعها، وضحى النهار صدر وقت كونه، قال الشاعر: شعر : أعجلها اقدحي الضحاء ضحى وهي تناصي ذوائب السلم تفسير : وأضحى يفعل كذا إذا فعله فى وقت الضحى، ويقال: ضحّى بكبش أو غيره إذا ذبحه في وقت الضحى من ايام الاضحى. ثم كثر حتي قيل لو ذبحه آخر النهار. وقوله {والقمر إذا تلاها} قسم آخر بالقمر وتلوه الشمس ووجه الدلالة من جهة تلو القمر للشمس من جهة المعاقبة على أمور مرتبة فى النقصان والزيادة، لانه لا يزال ضوء الشمس ينقص إذا غاب جرمها، ويقوى ضوء القمر حتى يتكامل كذلك دائبين، تسخيراً من الله للعباد بما ليس فى وسعهم أن يجروه على شيء من ذلك المنهاج. وقال ابن زيد: القمر إذا اتبع الشمس فى النصف الاول من الشهر إذا غربت الشمس تلاها القمر بالطلوع، وفى آخر الشهر يتلوها فى الغروب وقال الحسن {والشمس وضحاها} أي يضيء نورها {والقمر إذا تلاها} يعني ليلة الهلال. وقيل: تلاها فى الضوء. وقوله {والنهار إذا جلاها} قسم آخر بالنهار إذا جلاها يعني الشمس بضوءها المبين بجرمها. وقيل معناه إذا جلا الظلمة، فالهاء كناية عن الظلمة، ولم يتقدم لها ذكر لانه معروف غير ملتبس {والليل إذا يغشاها} قسم آخر بالليل إذا يغشاها يعني الشمس بظلمته عند سقوط الشمس. وقوله {والسماء وما بناها} قال قتادة: معناه والسماء وبنائها جعل (ما) مع ما بعدها بمنزلة المصدر. وقال مجاهد والحسن: معنى والسماء وما بناها والسماء ومن بنى السماء وهو الله تعالى. وقوله {والأرض وما طحاها} قسم آخر بالارض ما طحاها، ويحتمل ذلك وجهين: احدهما - ان يكون المعنى والارض وطحوها. والثاني - والارض ومن طحاها، وهو الله تعالى ومعنى طحاها بسطها حتى أمكَن التصرف عليها. وقال مجاهد والحسن: طحاها ودحاها واحد، بمعنى بسطها يقال طحى يطحو طحواً ودحا يدحو دحواً وطحا بك همك. ومعناه انبسط بك إلى مذهب بعيد، فهو يطحو بك طحواً قال علقمة: شعر : طحا بك قلب فى الحسان طروب تفسير : ويقال: القوم يطحي بعضهم بعضاً عن الشيء أي يدفع دفعاً شديد الانبساط والطواحي النسور تنبسط حول القتلى، وأصل الطحو البسط الواسع. وقوله {ونفس وما سواها} قسم آخر بالنفس وما سواها، وهو محتمل ايضاً لامرين: احدهما - ونفس وتسويتها، والثاني - ونفس ومن سواها، وهو الله تعالى. وقال الحسن يعني بالنفس آدم ومن سواها الله تعالى. وقيل: ان (ما) فى هذه الآيات بمعنى (من) كما قال {أية : فانكحوا ما طاب لكم}تفسير : وإنما أراد (مَنْ) وقال ابو عمرو بن العلا: هي بمعنى الذي، وأهل مكة يقولون إذا سمعوا صوت الرعد: سبحان ما سبحت له بمعنى سبحان من سبحت له. وقوله {فألهمها فجورها وتقواها} قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك وسفيان: معناه عرفها طريق الفجور والتقوى ورغبها فى التقوى وزهدها فى الفجور. وقال قوم: خذلها حتى اختارت الفجور وألهمها تقواها بأن وفقها لها. وقوله {قد أفلح من زكاها} جواب القسم واللام مقدرة، وتقديره لقد أفلح من زكاها أي من زكى نفسه بالصدقة، وقد خاب من دساها وأخفى عن المتصدق، والمعنى قد أفلح من زكى نفسه بالعمل الصالح أو اجتناب المعصية - وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة - وقال قوم: معناه قد أفلح من زكى الله نفسه، وقد خاب من دساها نفسه وقوله {وقد خاب من دساها} معناه قد خاب أي خسر من دس نفسه فى معاصي الله منهمكاً فى القبائح التي نهاه الله عنها. وقيل: معناه دساها بالبخل، لان البخيل يخفى نفسه ومنزله لئلا يطلب نائله، ودسا نفسه نقيض زكاها بالعمل الصالح، وكذلك دساها بالعمل الفاسد حتى صيرها فى محاق وخسران. ويقال دسا فلان يدسو دسواً ودسوة فهو داس نقيض زكا يزكو زكا فهو زاك. وقيل معنى دساها أي دسها بمعنى حملها ووضع منها بمعصية. وأبدل من أحدى السينين ياء، كما قالوا تظنيت بمعنى تظننت قال الشاعر: شعر : تقضي البازي إذا الباري كسر تفسير : بمعنى تقضض.

الجنابذي

تفسير : {وَٱلشَّمْسِ وَضُحَاهَا} اقسم بالشّمس الصّوريّة، او بالشّمس الحقيقيّة، او بالرّوح الانسانيّة.

فرات الكوفي

تفسير : قال: حدثنا عبد الرحمان بن محمد العلوي [قال: حدثنا فرات بن إبراهيم] معنعناً: عن عكرمة [رضي الله عنه. ر] وسئل عن قول الله: {والشمس وضحاها والقمر إذا تلاها والنهار إذا جلاها والليل إذا يغشاها} قال: {والشمس وضحاها} [هو. ر] محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم {والقمر إذا تلاها} أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام {والنهار إذا جلاها} آل محمد [ص. أ] وهما الحسن والحسين عليهما السلام [{والليل إذا يغشاها}.أ، ر] [بنو أمية. ر]. فرات قال: حدثني زيد بن محمد بن جعفر التمار معنعناً: عن عكرمة وسئل عن قوله [ب: قول الله]: {والشمس وضحاها} قال: محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، {والقمر إذا تلاها} قال: أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، {والنهار إذا جلاها} قال: هم آل محمد [صلى الله عليه وآله وسلم وهما. ب] الحسن والحسين عليهما السلام. فرات [بن إبراهيم. ش] قال: حدثني الحسين بن سعيد [قال: حدثنا إسماعيل بن بهرام قال: حدثنا محمد بن فرات عن جعفر عن أبيه. ش]: عن ابن عباس رضي الله عنه في قول الله تعالى: {والشمس وضحاها} قال: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم {والقمر إذا تلاها} [قال. أ، ش]: أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام {والنهار إذا جلاّها} [قال. ش]: الحسن والحسين عليهما السلام {والليل إذا يغشاها} [قال. ش]: بنو أمية. فرات قال: حدثنا [ش: ثني] عبد الله بن زيدان بن بريد [قال: حدثني محمد بن الأزهر بن عثمان الخراساني! قال: حدثنا عبد الرحمان بن محمد بن داود اليماني ابن أخت عبد الرزاق قال: حدثنا بشر بن السري عن سفيان الثوري عن منصور عن مجاهد. ش]. عن ابن عباس رضي الله عنه في قول الله عز وجل: {والشمس وضحاها} قال: هو النبي صلى الله عليه وآله وسلم {والقمر إذا تلاها} قال: أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام {والنهار إذا جلاّها} [قال. ش]: الحسن والحسين عليهما السلام {والليل إذا يغشاها} [قال. ش]: بنو أمية. قال ابن عباس رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: حديث : بعثني الله نبياً فأتيت بني أمية فقلت: يا بني أمية إني رسول الله إليكم. قالوا: كذبت ما أنت برسول الله. قال: ثم ذهبت إلى بني هاشم فقلت: يا بني هاشم إني رسول الله إليكم فآمن به مؤمنهم منهم! علي بن أبي طالب عليه السلام وحماني كافرهم! أبو طالب [عليه السلام. ب]. قال ابن عباس رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم بعث الله [تعالى. أ، ب] جبرئيل بلوائه فركزها في بني هاشم وبعث إبليس بلوائه فركزها في بني أمية فلا يزالون أعدائنا وشيعتهم أعداء شيعتنا إلى يوم القيامة . تفسير : فرات قال: حدثني علي بن محمد بن عمر الزهري معنعناً: عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال الحارث [بن عبد الله] الأعور للحسين عليه السلام: يا ابن رسول الله جعلت فداك أخبرني عن قول الله في كتابه: {والشمس وضحاها} قال: ويحك يا حارث ذلك محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. قال: قلت: جعلت فداك: قوله: {والقمر إذا تلاها} قال: ذلك أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام يتلو محمداً صلى الله عليه وآله وسلم. قال: قلت: {والنهار إذا جلاّها} قال: ذلك القائم من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم يملأ الأرض عدلاً وقسطاً. فرات قال: حدثني [أ: حدثنا] أحمد بن محمد بن أحمد بن طلحة الخراساني معنعناً: عن جعفر بن محمد عليهما السلام في قول الله عز وجل: {والشمس وضحاها} يعني رسول الله صلى الله عليه وآله، {والقمر إذا تلاها} يعني أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام، {والنهار إذا جلاّها} يعني الأئمة أهل البيت يملكون الأرض في آخر الزمان فيملؤنها عدلاً وقسطاً المعين لهم كمعين موسى على فرعون والمعين عليهم كمعين فرعون على موسى. فرات قال: حدثنا محمد [بن القاسم بن عبيد] معنعناً: عن سليمان - يعني الديلمي - عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن قول الله تعالى: {والشمس وضحاها} قال: الشمس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أوضح للناس دينهم. قلت: {والقمر إذا تلاها} قال: ذلك [ب: ذاك] أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام تلا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونفثه بالعلم نفثاً. {والنهار إذا جلاّها} قال: ذلك الإمام من ذرية فاطمة عليها السلام.

الأعقم

تفسير : أقسم بالشمس لما فيها من الدلائل والنعمة، وقيل: فيه إضمار أي برب {الشمس وضحاها} قيل: ضحوها، وقيل: هو النهار {والليل إذا يغشاها} أي يغطي الشمس حين الغروب فيسترها عن أعين الناظرين وتظلم الأفاق ولا يجوز أن يرجع إلى النهار لأنه لا يؤنث {والسماء وما بناها} أي وبانيها يعني خلقها ورفعها وأمسكها، وقيل: زين بناءها {والأرض وما طحاها} أي ومن سطحها وبسطها {ونفس وما سوَّاها} تسويتها بأن عدَّل خلقها وأعضاءها، وقيل: {ونفس وما سوّاها} الله {والسماء وما بناها} الله، قيل: أقسم الله بالسماء ومن بناها والأرض ومن دحاها والنفس وما سواها {فألهمها فجورها وتقواها} أي بيَّن لها الخير والشر وعرَّفها الفجور والتقوى {قد أفلح} هذا جواب القسم وتقديره {لقد أفلح من زكَّاها} قيل: طهّرها بأعمال الطاعة وتجنب المعاصي، وقيل: زكّى نفسه بعمل صالح {وقد خاب} خسر {من دسّاها} أو دسى نفسه بالمعاصي، وقيل: قد أفلح من زكاها برفع الهمة وقد خاب من دساها بوضع الهمة، روي ذلك عن زيد بن علي (عليهما السلام) {كذّبت ثمود بطغواها} مجاوزتها للحدّ في العصيان {إذ انبعث} قام أشدها شقاوة قدار بن سالف عاقر الناقة وكان رجلاً أشعر أزرق قصيراً، ومعنى {أشقاها} أي أشقى تلك القبيلة لأنه لولا عقرها فا هلك نفسه وقبيله {فقال لهم رسول الله} صالح حين بلغه أنهم قصدوا عقرها: لا تفعلوا {ناقة الله} وإنما أضاف الناقة إلى الله لأنه خلقها من غير واسطة دلالة على توحيده ومعجزة لنبيّه {وسقياها} أي احذروا أن تمنعوا سقياها، أي نصيبها من الماء، وكان لها شرب ولهم شرب {فكذّبوه} أي كذبوا صالحاً فيما أوعدهم به {فعقروها} {فدمدم عليهم ربهم}، قيل: دمَّهم وأهلكهم وأنزل بهم العذاب، وقيل: الدمدمة هي الصيحة الشديدة، وقيل: صاح بهم جبريل {بذنبهم} أي فعل بهم ذلك لأجل ذنبهم وهو تكذيب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) {فسوَّاها} قيل: سوّى الدمدمة عليهم وعمّهم بها، فـ {لا يخاف عقباها} قيل: لا يخاف الله تبعة الدمدمة أي بما فعل بهم ذلك ولم يخف جزاء وعاقبة أو في الهلاك ولا يخاف عقبى هلاكها.

الهواري

تفسير : تفسير سورة {وَالشَّمْسِ} وهي مكية كلها. {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله عز وجل: { وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا} أي: وضوئها، وبعضهم يقول: وحرها. {وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاَهَا} أي: إذا تبعها. أي إذا تبع الشمسَ صبيحة الهلال. قال عز وجل: {وَالنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا} أي جلى ظلمة الليل فأذهبها. والليل والنهار يختلفان والنهار يذهب بظلمة تلك الليلة. وقال مجاهد: إذا جلاها أي: إذا أضاء. قال عز وجل: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا} أي: إذا غشى الشمس فأذهبها. {وَالسَّمَآءِ وَمَا بَنَاهَا} أي والذي بناها، أقسم بالسماء وبنفسه، قال: {وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا} أي بسطها: أقسم بها وبنفسه. {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا} أي والذي سواها، يعني نفسه، أقسم بالنفس التي خلقها فسواها وبنفسه. قال عز وجل: {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} أي: بيّن الله لها الفجور والتقوى، وهو سبيل الهدى وسبيل الضلالة. {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا} [أي من زكى الله نفسه فهداها] {وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} أي وقد خاب من دسى الله نفسه، أي أشقاها الله بفعلها. وهذا كله قسم من أول السورة إلى هذا الموضع.

اطفيش

تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا} ضوءها إذا أشرقت وارتفعت قاله مجاهد، وقيل الضحى النهار كله لأن الضحى هو نور الشمس وهو حاصل في النهار كله وقال مقاتل الضحى حرها لأنه ونورها متلازمان إذا اشتد نورها قوي حرها وهو ضعيف، وعن بعضهم الضحوة ارتفاع النهار والضحى فوق ذلك والضحاء في الفتح والمد إذا قرب أن ينتصف.

اطفيش

تفسير : {وَالشَّمْسِ} قال الزجاج جواب القسم قوله قد أفلح ولم يقرن باللام لأَن طول الكلام قام مقامها ولا نسلم أن الطول يقوم مقامها بل الطول يقتضى ذكرها للبيان ولعل الجواب محذوف أى ليدمدمن الله على أهل مكة كما دمدم على ثمود لكفرهم فيكون قد أفلح تابعاً لقوله فأَلهمها فجورها وتقواها استطراداً إلاَّ أن الأَصل عدم الحذف فالأُولى أن الجواب قد أفلح.. الخ لم يقرن باللام لجواز ذلك {وَضُحَاهَا} وقت طلوع الشمس مثلها وقت العصر وهو وقت صفاء ضوئها أو قبل ذلك بقليل إلى الضحى الكبير قبل قرب وقوف الشمس أضيف إليها لأنه بها وقيل ضحاها ضوؤها، وقيل حقيقة الضحى تباعد الشمس عن الأُفق الشرقى أفق البلد وبروزها للناظرين ثم صار حقيقة فى وقته ثم قيل لأَول الوقت ضحوة ولما يليه ضحى ولما يليه إلى قرب الزوال ضحاء بالفتح والمد وإذا أضيف إلى الشمس فهو مجاز عن إشراقها، وقال المبرد الضحى مشتق من الضح وهو نور الشمس والألف مقلوبة عن الحاءِ الثانية وكذا الواو مقلوبة منها، قال الإمام أبو حيان لا يصح ذلك عن المبرد بل كل من الضحى أو الضحوة غير الضح فإنه مادة مخالفة لهما وأجيب بأَن مراد المبرد الاشتقاق الكبير لا الاشتقاق الصغير قلت الحق مع أبى حيان من أن مراد العبارة الاشتقاق الصغير لأَن الكبير يقال مجازفة لا ميزان حرف بحرف مع ذكر القلب، وقيل ضحاها حرها وحرها مثلاً زمان وإذا اشتد نورها قوى حرها وهكذا الحر يتبع الضوء فى غيرها أيضاً، وعن مقاتل أن الضحى النهار كله على أن الضحى نور الشمس وهو موجود فى النهار كله ولا يصح هذا عنه لأَن النهار مذكور بعد وإن صح عنه ففى غير هذه الآية.

الالوسي

تفسير : أي ضوئها كما أخرجه الحاكم وصححه عن ابن عباس والمراد إذا أشرقت وقام سلطانها. وقال بعض المحققين ((حقيقة الضحى تباعد الشمس عن الأفق الشرقي المرئي وبروزها للناظرين ثم صار حقيقة في وقته ثم إنه قيل لأول الوقت ضحوة ولما يليه ضحى ولما بعده إلى قريب الزوال ضحاء بالفتح والمد فإذا أضيف إلى الشمس فهو مجاز عن إشراقها كما هنا)). ونقل عن المبرد أن الضحى مشتق من الضح وهو نور الشمس والألف مقلوبة من الحاء الثانية وكذلك الواو من ضحوة مقلوبة منها. وتعقبه أبو حيان بقوله ((لعله مختلق عليه لأن المبرد أجل من أن يذهب إلى هذا وهذان مادتان مختلفتان لا تشتق إحداهما من الأخرى)). وأجيب بأنه لم يرد الاشتقاق الصغير ولا يخفى حاله على الصغير والكبير. وعن مقاتل أن ضحاها حرها وهو تفسير باللازم وعن مقاتل المراد به النهار كله وفيه أنه تعالى أقسم به بعيد ذلك.

سيد قطب

تفسير : هذه السورة القصيرة ذات القافية الواحدة، والإيقاع الموسيقي الموحد، تتضمن عدة لمسات وجدانية تنبثق من مشاهد الكون وظواهره التي تبدأ بها السورة والتي تظهر كأنها إطار للحقيقة الكبيرة التي تتضمنها السورة. حقيقة النفس الإنسانية، واستعداداتها الفطرية، ودور الإنسان في شأن نفسه، وتبعته في مصيرها.. هذه الحقيقة التي يربطها سياق بحقائق الكون ومشاهده الثابتة. كذلك تتضمن قصة ثمود، وتكذيبها بإنذار رسولها، وعقرها للناقة، ومصرعها بعد ذلك وزوالها. وهي نموذج من الخيبة التي تصيب من لا يزكي نفسه، فيدعها للفجور، ولا يلزمها تقواها: كما جاء في الفقرة الأولى في السورة: {قد أفلح من زكاها. وقد خاب من دساها}.. {والشمس وضحاها. والقمر إذا تلاها. والنهار إذا جلاَّها. والليل إذا يغشاها. والسمآء وما بناها. والأرض وما طحاها. ونفس وما سواها. فألهمها فجورها وتقواها. قد أفلح من زكاها. وقد خاب من دساها}.. يقسم الله سبحانه بهذه الخلائق والمشاهد الكونية، كما يقسم بالنفس وتسويتها وإلهامها. ومن شأن هذا القسم أن يخلع على هذه الخلائق قيمة كبرى؛ وأن يوجه إليها القلوب تتملاها، وتتدبر ماذا لها من قيمة وماذا بها من دلالة، حتى استحقت أن يقسم بها الجليل العظيم. ومشاهد الكون وظواهره إطلاقاً بينها وبين القلب الإنساني لغة سرية! متعارف عليها في صميم الفطرة وأغوار المشاعر. وبينها وبين الروح الإنساني تجاوب ومناجاة بغير نبرة ولا صوت، وهي تنطق للقلب، وتوحي للروح، وتنبض بالحياة المأنوسة للكيان الإنساني الحي، حيثما التقى بها وهو مقبل عليها، متطلع عندها إلى الأنس والمناجاة والتجاوب والإيحاء. ومن ثم يكثر القرآن من توجيه القلب إلى مشاهد الكون بشتى الأساليب، في شتى المواضع. تارة بالتوجيهات المباشرة، وتارة باللمسات الجانبية كهذا القسم بتلك الخلائق والمشاهد، ووضعها إطاراً لما يليها من الحقائق. وفي هذا الجزء بالذات لاحظنا كثرة هذه التوجيهات واللمسات كثرة ظاهرة. فلا تكاد سورة واحدة تخلو من إيقاظ القلب لينطلق إلى هذا الكون، يطلب عنده التجاوب والإيحاء. ويتلقى عنه ـ بلغة السر المتبادل ـ ما ينطق به من دلائل وما يبثه من مناجاة! وهنا نجد القسم الموحي بالشمس وضحاها.. بالشمس عامة وحين تضحى وترتفع عن الأفق بصفة خاصة. وهي أروق ما تكون في هذه الفترة وأحلى. في الشتاء يكون وقت الدفء المستحب الناعش. وفي الصيف يكون وقت الإشراق الرائق قبل وقدة الظهيرة وقيظها. فالشمس في الضحى في أروق أوقاتها وأصفاها. وقد ورد أن المقصود بالضحى هو النهار كله، ولكنا لا نرى ضرورة للعدول عن المعنى القريب للضحى. وهو ذو دلالة خاصة كما رأينا. وبالقمر إذا تلاها.. إذا تلا الشمس بنوره اللطيف الشفيف الرائق الصافي.. وبين القمر والقلب البشري ود قديم موغل في السرائر والأعماق، غائر في شعاب الضمير، يترقرق ويستيقظ كلما التقى به القلب في أية حال. وللقمر همسات وإيحاءات للقلب، وسبحات وتسبيحات للخالق، يكاد يسمعها القلب الشاعر في نور القمر المنساب.. وإن القلب ليشعر أحياناً أنه يسبح في فيض النور الغامر في الليلة القمراء، ويغسل أدرانه، ويرتوي، ويعانق هذا النور الحبيب ويستروح فيه روح الله. ويقسم بالنهار إذا جلاها.. مما يوحي بأن المقصود بالضحى هو الفترة الخاصة لا كل النهار. والضمير في {جلاها}.. الظاهر أن يعود إلى الشمس المذكورة في السياق.. ولكن الإيحاء القرآني يشي بأنه ضمير هذه البسيطة. وللأسلوب القرآني إيحاءات جانبية كهذه مضمرة في السياق لأنها معهودة في الحس البشري، يستدعيها التعبير استدعاء خفياً. فالنهار يجلي البسيطة ويكشفها. وللنهار في حياة الإنسان آثاره التي يعلمها. وقد ينسى الإنسان بطول التكرار جمال النهار وأثره. فهذه اللمسة السريعة في مثل هذا السياق توقظه وتبعثه للتأمل في هذه الظاهرة الكبرى. ومثله: {والليل إذا يغشاها}.. والتغشية هي مقابل التجلية. والليل غشاء يضم كل شيء ويخفيه. وهو مشهد له في النفس وقع. وله في حياة الإنسان أثر كالنهار سواء. ثم يقسم بالسماء وبنائها: {والسماء وما بناها}.. {وما} هنا مصدرية. ولفظ السماء حين يذكر يسبق إلى الذهن هذا الذي نراه فوقنا كالقبة حيثما اتجهنا، تتناثر فيه النجوم والكواكب السابحة في أفلاكها ومداراتها. فأما حقيقة السماء فلا ندريها. وهذا الذي نراه فوقنا متماسكاً لا يختل ولا يضطرب تتحقق فيه صفة البناء بثباته وتماسكه. أما كيف هو مبني، وما الذي يمسك أجزاءه فلا تتناثر وهو سابح في الفضاء الذي لا نعرف له أولاً ولا آخراً.. فذلك ما لا ندريه. وكل ما قيل عنه مجرد نظريات قابلة للنقض والتعديل. ولا قرار لها ولا ثبات.. إنما نوقن من وراء كل شيء أن يد الله هي تمسك هذا البناء: {أية : إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا. ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده}.. تفسير : وهذا هو العلم المستيقن الوحيد! كذلك يقسم بالأرض وطحوِها: {والأرض وما طحاها}.. والطحو كالدحو: البسط والتمهيد للحياة. وهي حقيقة قائمة تتوقف على وجودها حياة الجنس البشري وسائر الأجناس الحية. وهذه الخصائص والموافقات التي جعلتها يد الله في هذه الأرض هي التي سمحت بالحياة فيها وفق تقديره وتدبيره. وحسب الظاهر لنا أنه لو اختلت إحداها ما أمكن أن تنشأ الحياة ولا أن تسير في هذا الطريق الذي سارت فيه.. وطحو الأرض أو دحوها كما قال في الآية الأخرى: {أية : والأرض بعد ذلك دحاها أخرج منها ماءها ومرعاها}. تفسير : وهو أكبر هذه الخصائص والموافقات. ويد الله وحدها هي التي تولت هذا الأمر. فحين يذكر هنا بطحو الأرض، فإنما يذكر بهذه اليد التي وراءه. ويلمس القلب البشري هذه اللمسة للتدبر والذكرى. ثم تجيء الحقيقة الكبرى عن النفس البشرية في سياق هذا القسم، مرتبطة بالكون ومشاهده وظواهره. وهي إحدى الآيات الكبرى في هذا الوجود المترابط المتناسق: {ونفس وما سواها. فألهما فجورها وتقواها. قد أفلح من زكاها. وقد خاب من دساها}.. وهذه الآيات الأربع، بالإضافة إلى آية سورة البلد السابقة: {أية : وهديناه النجدين}..تفسير : وآية سورة الإنسان: {أية : إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً}..تفسير : تمثل قاعدة النظرية النفسية للإسلام.. وهي مرتبطة ومكملة للآيات التي تشير إلى ازدواج طبيعة الإنسان، كقوله تعالى في سورة "ص": {أية : إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشراً من طين. فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين}.. تفسير : كما أنها مرتبطة ومكملة للآيات التي تقرر التعبة الفردية: كقوله تعالى في سورة المدثر: {أية : كل نفس بما كسبت رهينة}.. تفسير : والآيات التي تقرر أن الله يرتب تصرفه بالإنسان على واقع هذا الإنسان، كقوله تعالى في سورة الرعد: {أية : إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم }. تفسير : ومن خلال هذه الآيات وأمثالها تبرز لنا نظرة الإسلام إلى الإنسان بكل معالمها.. إن هذا الكائن مخلوق مزدوج الطبيعة، مزدوج الاستعداد، مزدوج الاتجاه ونعني بكلمة مزدوج على وجه التحديد أنه بطبيعة تكوينه (من طين الأرض ومن نفخة الله فيه من روحه) مزود باستعدادات متساوية للخير والشر، والهدى والضلال. فهو قادر على التمييز بين ما هو خير وما هو شر. كما أنه قادر على توجيه نفسه إلى الخير وإلى الشر سواء. وأن هذه القدرة كامنة في كيانه، يعبرعنها القرآن بالإلهام تارة: {ونفس وما سواها، فألهمها فجورها وتقواها}.. ويعبر عنها بالهداية تارة: {أية : وهديناه النجدين}.. تفسير : فهي كامنة في صميمه في صورة استعداد.. والرسالات والتوجيهات والعوامل الخارجية إنما توقظ هذه الاستعدادات وتشحذها وتوجهها هنا أو هناك. ولكنها لا تخلقها خلقاً. لأنها مخلوقة فطرة، وكائنة طبعاً، وكامنة إلهاماً. وهناك إلى جانب هذه الاستعدادات الفطرية الكامنة قوة واعية مدركة موجهة في ذات الإنسان. هي التي تناط بها التبعة. فمن استخدم هذه القوة في تزكية نفسه وتطهيرها وتنمية استعداد الخير فيها، وتغليبه على استعداد الشر.. فقد أفلح. ومن أظلم هذه القوة وخبأها وأضعفها فقد خاب: {قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها}.. وهنالك إذن تبعة مترتبة على منح الإنسان هذه القوة الواعية القادرة على الاختيار والتوجيه. توجيه الاستعدادات الفطرية القابلة للنمو في حقل الخير وفي حقل الشر سواء. فهي حرية تقابلها تبعة، وقدرة يقابلها تكليف، ومنحة يقابلها واجب.. ورحمة من الله بالإنسان لم يدعه لاستعداد فطرته الإلهامي، ولا للقوة الواعية المالكة للتصرف، فأعانه بالرسالات التي تضع له الموازين الثابتة الدقيقة، وتكشف له عن موحيات الإيمان، ودلائل الهدى في نفسه وفي الآفاق من حوله، وتجلو عنه غواشي الهوى فيبصر الحق في صورته الصحيحة.. وبذلك يتضح له الطريق وضوحاً كاشفاً لا غبش فيه ولا شبهة فتتصرف القوة الواعية حينئذ عن بصيرة وإدراك لحقيقة الاتجاه الذي تختاره وتسير فيه. وهذه في جملتها هي مشيئة الله بالإنسان. وكل ما يتم في دائرتها فهو محقق لمشيئة الله وقدره العام. هذه النظرة المجملة إلى أقصى حد تنبثق منها جملة حقائق ذات قيمة في التوجيه التربوي: فهي أولاً ترتفع بقيمة هذا الكائن الإنساني، حين تجعله أهلاً لاحتمال تبعة اتجاهه، وتمنحه حرية الاختيار (في إطار المشيئة الإلهية التي شاءت له هذه الحرية فيما يختار) فالحرية والتبعة يضعان هذا الكائن في مكان كريم، ويقرران له في هذا الوجود منزلة عالية تليق بالخليقة التي نفخ الله فيها من روحه وسواها بيده، وفضلها على كثير من العالمين. وهي ثانياً تلقي على هذا الكائن تبعة مصيره، وتجعل أمره بين يديه (في إطار المشيئة الكبرى كما أسلفنا) فتثير في حسه كل مشاعر اليقظة والتحرج والتقوى. وهو يعلم أن قدر الله فيه يتحقق من خلال تصرفه هو بنفسه: {أية : إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}.. تفسير : وهي تبعة ثقيلة لا يغفل صاحبها ولا يغفو! وهي ثالثاً تشعر هذا الإنسان بالحاجة الدائمة للرجوع إلى الموازين الإلهية الثابتة، ليظل على يقين أن هواه لم يخدعه، ولم يضلله، كي لا يقوده الهوى إلى المهلكة، ولا يحق عليه قدر الله فيمن يجعل إلهه هواه. وبذلك يظل قريباً من الله، يهتدي بهديه، ويستضيء بالنور الذي أمده به في متاهات الطريق! ومن ثم فلا نهاية لما يملك هذا الإنسان أن يصل إليه من تزكية النفس وتطهيرها، وهو يغتسل في نور الله الفائض، ويتطهر في هذا العباب الذي يتدفق حوله من ينابيع الوجود.. بعد ذلك يعرض نموذجاً من نماذج الخيبة التي ينتهي إليها من يدسي نفسه، فيحجبها عن الهدى ويدنسها. ممثلاً هذا النموذج فيما أصاب ثمود من غضب ونكال وهلاك: {كذبت ثمود بطغواها. إذ انبعث أشقاها. فقال لهم رسول الله: ناقة الله وسقياها. فكذبوه فعقروها. فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها. ولا يخاف عقباها}.. وقد وردت قصة ثمود ونبيها صالح ـ عليه السلام ـ في مواضع شتى من القرآن. وسبق الحديث عنها في كل موضع. وأقربها ما جاء في هذا الجزء في سورة "الفجر" فيرجع إلى تفصيلات القصة هناك. فأما في هذا الموضع فهو يذكر أن ثمود بسبب من طغيانها كذبت نبيها، فكان الطغيان وحده هو سبب التكذيب. وتمثل هذا الطغيان في انبعاث أشقاها. وهو الذي عقر الناقة. وهو أشدها شقاء وأكثرها تعاسة بما ارتكب من الإثم. وقد حذرهم رسول الله قبل الإقدام على الفعلة فقال لهم. احذروا أن تمسوا ناقة الله أو أن تمسوا الماء الذي جعل لها يوماً ولهم يوماً كما اشترط عليهم عند ما طلبوا منه آية فجعل الله هذه الناقة آية ـ ولا بد أنه كان لها شأن خاص لا نخوض في تفصيلاته، لأن الله لم يقل لنا عنه شيئاً ـ فكذبوا النذير فعقروا الناقة. والذي عقرها هو هذا الأشقى. ولكنهم جميعاً حملوا التبعة وعُدوا أنهم عقروها، لأنهم لم يضربوا على يده، بل استحسنوا فعلته. وهذا مبدأ من مبادئ الإسلام الرئيسية في التكافل في التبعة الاجتماعية في الحياة الدنيا. لا يتعارض مع التبعة الفردية في الجزاء الأخروي حيث لا تزر وازرة وزر أخرى. على أنه من الوزر إهمال التناصح والتكافل والحض على البر والأخذ على يد البغي والشر. عندئذ تتحرك يد القدرة لتبطش البطشة الكبرى: {فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها}.. والدمدمة الغضب وما يتبعه من تنكيل. واللفظ ذاته.. {دمدم} يوحي بما وراءه، ويصور معناه بجرسه، ويكاد يرسم مشهداً مروعاً مخيفاً! وقد سوى الله أرضهم عاليها بسافلها، وهو المشهد الذي يرتسم بعد الدمار العنيف الشديد.. {ولا يخاف عقباها}.. سبحانه وتعالى.. ومن ذا يخاف؟ وماذا يخاف؟ وأنى يخاف؟ إنما يراد من هذا التعبير لازمه المفهوم منه. فالذي لا يخاف عاقبة ما يفعل، يبلغ غاية البطش حين يبطش. وكذلك بطش الله كان: إن بطش ربك لشديد. فهو إيقاع يراد إيحاؤه وظله في النفوس.. وهكذا ترتبط حقيقة النفس البشرية بحقائق هذا الوجود الكبيرة، ومشاهدة الثابتة، كما ترتبط بهذه وتلك سنة الله في أخذ المكذبين والطغاة، في حدود التقدير الحكيم الذي يجعل لكل شيء أجلاً، ولكل حادث موعداً، ولكل أمر غاية، ولكل قدر حكمة، وهو رب النفس والكون والقدر جميعاً..

ابن عاشور

تفسير : القسم لتأكيد الخبر، والمقصود بالتأكيد هو ما في سَوق الخبر من التعريض بالتهديد والوعيد بالاستئصال. والواوات الواقعة بعد الفواصل واوات قَسَم. وكل من الشمس، والقمر والسماء والأرض، ونفس الإِنسان، من أعظم مخلوقات الله ذاتاً ومعنىً الدالة على بديع حكمته وقويّ قدرته. وكذلك كل من الضحى، وتُلو القمر الشمس والنهار، والليل من أدق النظام الذي جعله الله تعالى. والضحى: وقتُ ارتفاع الشمس عن أفق مشرقها، وظهور شعاعها، وهو الوقت الذي ترتفع فيه الشمس متجاوزة مشرقها بمقدار ما يخيل للناظر أنه طول رُمح. ومهد لذلك بالتنبيه على أن تزكية النفس سبب الفلاح، وأن التقصير في إصلاحها سبب الفجور والخسران. والتلُوَّ: التبع وأريد به خَلف ضوئه في الليل ضوءَ الشمس، أي إذا ظهر بعد مغيبها فكأنه يتبعها في مكانها، وهذا تلو مجازي. والقمر يتبع الشمس في أحوال كثيرة منها استهلاله، فالهلال يظهر للناظرين عقب غروب الشمس ثم يبقى كذلك ثلاث ليال، وهو أيضاً يَتلو الشمس حين يقارب الابتدارَ وحين يصير بدراً فإذا صار بدراً صار تُلوّه الشمسَ حقيقة لأنه يظهر عندما تغرب الشمس، وقريباً من غروبها قبله أو بعده، وهو أيضاً يضيء في أكثر ليالي الشهر جعله الله عوضاً عن الشمس في عدة ليال في الإِنارة، ولذلك قُيّد القسم بحين تلوه لأن تلوه للشمس حينئذ تظهر منه مظاهر التلوّ للناظرين، فهذا الزمان مثل زمان الضحى في القسم به، فكان بمنزلة قَسَم بوقت تُلوه الشمس، فحصل القسم بذات القمر وبتلوه الشمس. وفي الآية إشارة إلى أن نور القمر مستفاد من نور الشمس، أي من توجه أشعة الشمس إلى ما يقابل الأرض من القمر، وليس نيّراً بذاته، وهذا إعجاز علمي من إعجاز القرآن وهو مما أشرت إليه في المقدمة العاشرة. وابتدىء بالشمس لمناسبة المقام إيماء للتنويه بالإِسلام لأن هديه كنور الشمس لا يترك للضلال مسلكاً، وفيه إشارة إلى الوعد بانتشاره في العالم كانتشار نور الشمس في الأفق، واتبع بالقمر لأنه ينير في الظلام كما أنار الإِسلام في ابتداء ظهوره في ظلمة الشرك، ثم ذكر النهار والليل معه لأنهما مثل لوضوح الإسلام بعد ضلالة الشرك وذلك عكس ما في سورة الليل لما يأتي. ومناسبة استحضار السماء عقب ذكر الشمس والقمر، واستحضار الأرض عقب ذكر النهار والليل، واضحة، ثم ذكرت النفس الإنسانية لأنها مظهر الهدى والضلال وهو المقصود. والضمير المؤنث في قوله: {جلاها} ظاهره أنه عائد إلى الشمس فمعنى تجلية النهار بالشمس وقت ظهور الشمس. فإسناد التجلية إلى النهار مجاز عقلي والقَسَم إنما هو بالنهار لأنه حالة دالة على دقيق نظام العالم الأرضي. وقيل: الضمير عائد إلى الأرض، أي أضاء الأرض فتجلت للناظرين لظهور المقصود كما يقال عند نزول المطر «أرسلت» يعنون أرسلت السماء ماءَها. وقُيد القَسَم بالنهار بقيد وقت التجلية إدماجاً للمنة في القسم. وابتدىء القسم بالشمس وأضوائها الثلاثة الأصلية والمنعكسة لأن الشمس أعظم النيرات التي يصل نور شديد منها للأرض، ولما في حالها وحال أضوائها من الإِيماء إلى أنها مثل لظهور الإِيمان بعد الكفر وبث التقوى بعد الفجور فإن الكفر والمعاصي تُمثَّل بالظلمة والإِيمانَ والطاعاتِ تُمثَّل بالضياء قال تعالى: { أية : ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه } تفسير : [المائدة: 16]. وأعقب القسَمُ بالنهار بالقسم بالليل لأن الليل مقابل وقتَ النهار فهو وقت الإِظلام. والغشي: التغطية وليس الليل بمغطّ للشمس على الحقيقة ولكنه مسبَّب عن غشي نصف الكرة الأرضية لقرص الشمس ابتداء من وقت الغروب وهو زمن لذلك الغشي. فإسناد الغشي إلى الليل مجاز عقلي من إسناد الفعل إلى زَمنه أو إلى مسببه (بفتح الباء). والغاشي في الحقيقة هو تكوير الأرض ودورانها تُجاه مظهر الشمس وهي الدورة اليومية، وقيل: ضمير المؤنث في {يغشاها} عائد إلى الأرض على نحو ما قيل في {والنهار إذا جلاها}. و{إذا} في قوله: {إذا تلاها} وقوله: {إذا جلاّها} وقوله: {إذا يغشاها} في محل نصب على الظرفية متعلقة بكَون هو حال من القمر ومن النهار ومن الليل فهو ظرف مستقر، أي مقسماً بكل واحد من هذه الثلاثة في الحالة الدالة على أعظم أحواله وأشدِها دلالة على عظيم صنع الله تعالى. وبناء السماء تشبيهٌ لرفعها فوق الأرض بالبناء. والسماء آفاق الكواكب قال تعالى: { أية : لقد خلقنا فوقكم سبعَ طرائق } تفسير : [المؤمنون: 17] وتقييد القسم بالليل بوقت تغشيته تذكيراً بالعبرة بحدوث حالة الظلمة بعد حالة النور. وطَحْوُ الأرض: بسطها وتوطئتها للسير والجلوس والاضطجاع، يقال: طحا يَطحو ويطحي طحواً وطَحْياً وهو مرادف «دحَا» في سورة النازعات (30). و«النفس»: ذات الإِنسان كما تقدم عند قوله تعالى: { أية : يا أيتها النفس المطمئنة } تفسير : [الفجر: 27] وتنكير «نفس» للنوعية أي جنس النفس فيعم كل نفس عموماً بالقرينة على نحو قوله تعالى: { أية : علمت نفس ما قدمت وأخرت } تفسير : [الانفطار: 5]. وتسوية النفس: خلقها سواء، أي غير متفاوتة الخَلْق، وتقدم في سورة الانفطار (7) عند قوله تعالى: { أية : الذي خلقك فسوّاك }. تفسير : و {مَا} في المواضع الثلاثة من قوله: {وما بناها}، أو {ما طحاها}، {وما سواها}، إمّا مصدرية يؤوَّلُ الفعل بعدها بمصدر فالقسم بأمور من آثار قدرة الله تعالى وهي صفات الفعل الإِلٰهية وهي رفعةُ السماء وطَحْوُهُ الأرض وتسويته الإِنسان. وعطف {فألهمها فجورها وتقواها} على {سَوّاها}، فهو مقسم به، وفعل «ألهمها» في تأويل مصدر لأنه معطوف على صلة {ما} المصدرية، وعطف بالفاء لأن الإلهام ناشىء عن التسوية، فضمير الرفع في «ألهمها» عائد إلى التسوية وهي المصدر المأخوذ من {سوَّاها} ويجوز أن تكون {ما} موصولة صادقة على فعل الله تعالى، وجملة {بناها} صلة الموصول، أي والبناءِ الذي بنَى السماء، والطحو الذي طحا الأرض والتسوية التي سوت النفس. فالتسوية حاصلة من وقت تمام خلقة الجنين من أول أطوار الصبا إذ التسوية تعديل الخلقة وإيجاد القوى الجسدية والعقلية ثم تزداد كيفية القوى فيحصل الإِلهام. والإِلهام: مصدر ألهم، وهو فعل متعد بالهمزة ولكن المجردَ منه مُمات والإِلهام اسم قليل الورود في كلام العرب ولم يذكر أهل اللغة شاهداً له من كلام العرب. ويطلق الإِلهام إطلاقاً خاصاً على حدوث علم في النفس بدون تعليم ولا تجربة ولا تفكير فهو علم يحصل من غير دليل سواء ما كان منه وجدانياً كالانسياق إلى المعلومات الضرورية والوجدانية، وما كان منه عن دليل كالتجريبيات والأمور الفكرية والنظرية. وإيثار هذا الفعل هنا ليشمل جميع علوم الإِنسان، قال الراغب: الإِلهام: إيقاع الشيء في الرُوع ويختص ذلك بما كان من جهة الله تعالى وَجهة الملأ الأعلى ا هــــ. ولذلك فهذا اللفظ إن لم يكن من مبتكرات القرآن يكن مما أحياه القرآن لأنه اسم دقيق الدلالة على المعاني النفسية وقليل رواجُ أمثال ذلك في اللغة قبل الإِسلام لقلة خطور مثل تلك المعاني في مخاطبات عامة العرب، وهو مشتق من اللّهْم وهو البلْع دَفعةً، يقال: لَهِم كفرح، وأما إطلاق الإِلهام على علم يحصل للنفس بدون مستند فهو إطلاق اصطلاحي للصوفية. والمعنى هنا: أن من آثار تسوية النفس إدراك العلوم الأولية والإِدراك الضروري المدرَّج ابتداء من الانسياق الجِبلي نحو الأمور النافعة كطلب الرضيع الثدي أول مرة، ومنه اتقاء الضار كالفرار مما يُكره، إلى أن يبلغ ذلك إلى أول مراتب الاكتساب بالنظر العقلي، وكل ذلك إلهام. وتعدية الإِلهام إلى الفجور والتقوى في هذه الآية مع أن الله أعلم الناس بما هو فجور وما هو تقوى بواسطة الرسل باعتبار أنه لولا ما أودع الله في النفوس من إدراك المعلومات على اختلاف مراتبها لما فهموا ما تدعوهم إليه الشرائع الإِلٰهية، فلولا العقول لما تيسّر إفهامُ الإِنسان الفجور والتقوى، والعقابَ والثواب. وتقديم الفجور على التقوى مراعىً فيه أحوال المخاطبين بهذه السورة وهم المشركون، وأكثر أعمالهم فجور ولا تقوى لهم، والتقوى صفة أعمال المسلمين وهم قليل يومئذ. ومجيء فعل: «ألهمها» بصيغة الإِسناد إلى ضمير مذكر باعتبار أن تأنيث مصدر التسوية تأنيث غير حقيقي أو لمراعاة لفظ {ما} إن جعلتَها موصولة.

الشنقيطي

تفسير : في تلك الآيات العشر يقسم الله تعالى سبع مرات بسبع آيات كونية، هي الشمس، والقمر، والليل، والنهار، والسماء، والأرض، والنفس البشرية، مع حالة لكل مقسم به، وذلك على شيء واحد، وهو فلاح من زكى تلك النفس وخيبة من دساها، ومع كل آية جاء القسم بها توجيهاً إلى أثرها العظيم المشاهد الملموس، الدال على القدرة الباهرة. وذلك كالآتي أولاً: {وَٱلشَّمْسِ وَضُحَاهَا} [الشمس: 1] فالشمس وحدها آية دالة على قدرة خالقها، لما فيها من طاقة حرارية في ذاتها تفوق كل تقدير، وهي على الزمان بدون انتقاص، فهي في ذاتها آية. ثم جاء وصف أثرها وهو: ضحاها، وهو انتشار ضوئها ضحوة النهار، وهذا وحده آية، لأن نتيجة لحركتها، وحركتها آية من آيات الله كما قال تعالى: {أية : وَآيَةٌ لَّهُمُ ٱلْلَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ ٱلنَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ * وَٱلشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَـا ذَلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ} تفسير : [يس: 37-38]، وهي الآية التي حاج بها إبراهيم عليه السلام نمروذ في قوله: {أية : فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِي بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ ٱلْمَغْرِبِ فَبُهِتَ ٱلَّذِي كَفَرَ} تفسير : [البقرة: 258]. ففي هذا السير قدرة باهرة ودقة متناهية، وضحاها: نتيجة لهذا السير، ثم ضحاها نعم جزيلة على الكون كله، من انتشار في الأرض وانتفاع بضوئها وأشعتها. وقد قالوا: لو اقتربت درجة أو ارتفعت درجة لما استطاع أحد أن ينتفع منها بشيء، لأنها تحرق باقترابها، ويتجمد العالم من بعدها، ذلك تقدير العزيز العليم. فالضحى وحده آية وهو حرها كقوله: {أية : وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَؤُاْ فِيهَا وَلاَ تَضْحَىٰ} تفسير : [طه: 119]، أي بحرّ الشمس، وقد أقسم تعالى بالضحى وحده في قوله تعالى: {أية : وَٱلضُّحَىٰ وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ} تفسير : [الضحى: 1-2]. وقوله: {وَٱلْقَمَرِ إِذَا تَلاَهَا} [الشمس: 2]، فهو كذلك القمر وحده آية، وكذلك تلوه للشمس ونظام مسيره بهذه الدقة، وهذا النظام فلا يسبقها ولا تفوته: {أية : لاَ ٱلشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ ٱلقَمَرَ وَلاَ ٱلْلَّيْلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} تفسير : [يس: 40]. وفي قوله تعالى: {إِذَا تَلاَهَا} أي تلا الشمس، دلالة على سير الجميع، وأنها سابقته وهو تاليها. فقيل: تاليها عند أول الشهر تغرب، ويظهر من مكان غروبها. وقد قال بعض أهل الهيأة: تاليها في منزلة الحجم، أي كبرى وهو كبير بعدها في الحجم، وفيه نظر. ولا يخفى ما في القمر من فوائد للخليفة، من تخفيف ظلمة الليل، وكذلك بعض الخصائص على الزرع، وأهم خصائصه بين الشهور بتقسيم السنة ومعرفة العبادات من صوم، وحج، وزكاة، وعدد النساء، وكفارات بصوم، وحلول الديون، وشروط المعاملات، وفي كل ما له صلة بالحساب في عبادة أو معاملة. وقد جاء القسم بالقمر في المدثر في قوله: {أية : كَلاَّ وَٱلْقَمَرِ * وَٱللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ} تفسير : [المدثر: 32-33] الآية، وقوله {أية : وَٱلْقَمَرِ إِذَا ٱتَّسَقَ} تفسير : [الانشقاق: 18]، ما يدل على عظمة آيته ودقة دلالته. وقوله: {وَٱلنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا} [الشمس: 3]، والنهار هو أثر من آثار ضوء الشمس. وجلاها. قيل: الضمير فيه راجع للشمس كما في الذي قبله، ولكن اختار لبن كثير أن يكون راجعاً للأرض، أي كشفها وأوضح كل ما فيها ليتيسر طلب المعاش والسعي، كقوله: {أية : هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلْلَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً} تفسير : [يونس: 67]، وقوله: {أية : وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱللَّيْلَ لِبَاساً وَٱلنَّوْمَ سُبَاتاً وَجَعَلَ ٱلنَّهَارَ نُشُوراً} تفسير : [الفرقان: 47]. وقد أقسم تعالى بالنهار إذا تجلى: أي ظهر ووضح بدون ضمير إلى غيره في قوله تعالى: {أية : وَٱلْلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ * وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ} تفسير : [الليل: 1-2]، أي في مقابلة غشاوة الليل يكون يتجلي النهار. وقد بين تعالى عظم آية النهار وعظم آية الليل، وأنه لا يقدر على الإتيان بهما إلا الله، كما في قوله: {أية : قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلْلَّيْلَ سَرْمَداً إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَآءٍ أَفَلاَ تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلنَّهَارَ سَرْمَداً إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفلاَ تُبْصِرُونَ} تفسير : [القصص: 71-72]. وقوله: {وَٱللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا} [الشمس: 4]، قالوا يغشى الشمس فينحجب ضياؤها، والكلام على الليل، كالكلام على النهار، من حيث الآية. والدلالة على قدرته تعالى. وتقدمت النصوص الكافية وسيأتي الإقسام بالليل في قوله: {أية : وَٱلْلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ} تفسير : [الليل: 1]، أي يغشى الكون كله، كما في قوله: {أية : وَٱللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ} تفسير : [الانشقاق: 17]، أي جمع واشتمل بظلامه. والضمير في يغشاها: راجع إلى الشمس، وعليه، قيل: إن الإقسام في هذه الأربعة راجع كله إلى الشمس في حالات مختلفة، في ضحاها ثم تجليها، ثم تلو القمر لها، ثم يغشيان الليل إياها، وهنا سؤال: كيف يغشى الليل الشمس، مع أن الليل وهو الظلمة نتيجة لغروب الشمس عن الجهة التي فيها الليل؟ فقيل: إن الليل يغطي ضوء الشمس، فتتكون الظلمة، والواقع خلاف ذلك. وهو أن الشمس ظاهرة وضوؤها منتشر، ولكن في قسم الأرض المقابل للظلمة الموجودة، كما أن الظلمة تكون في القسم المقابل للنهار، وهكذا. ولذا قال ابن كثير: إن الضمير في يغشاها وجلاها راجع إلى الأرض، إلا أن فيه مغايرة في مرجع الضمير، والله تعالى أعلم. وقوله: {وَٱلسَّمَآءِ وَمَا بَنَاهَا} [الشمس: 5]، قيل: ما، بمعنى الذي، وجيء بها بدلاً عن من، التي لأولى العلم، لإشعارها معنى الوصفية، أي والسماء والقادر الذي بناها، وكذلك ما بعدها في الأرض، وما طحاها ونفس، والحكيم العليم الذي سواها، وما مشترك بين العالم وغيره، كقوله: {أية : وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ} تفسير : [الكافرون: 3]، ومثله {أية : فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ} تفسير : [النساء: 3]. وتقدم مراراً أحوال السماء في بنائها ورفعها، وجعلها سبعاً طباقاً، وقد بين في تلك النصوص كيفية بنائها، وأنه سبحانه وتعالى بناها بقوة، كما في قوله تعالى: {أية : وَٱلسَّمَآءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ} تفسير : [الذاريات: 47]، أي بقوة، وقوله تعالى: {وَٱلأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا} [الشمس: 6] مثل دحاها. وقالوا: إبدال الدال طاء مشهور، وطحا تأتي بمعنى خلق، وبمعنى ذهب في كل شيء، فمن الأول: شعر : وما تدري جذيمة من طحاها ولا من ساكن العرش الرَّفيع تفسير : ومن الثاني قول علقمة: شعر : طحا بك قلب في الحسان طروب يعيد الشباب عصر حان مشيب تفسير : ولا منافاة في ذلك بأنه تعالى خلقها ومدها، وذهب بأطرافها كل مذهب، أي في مدها. تنبيه قالوا: ذكر السماء وما بناها، للدلالة على حدوثها، وبالتالي على حدوث الشمس والقمر، وأن تدبيرهما لله. وقوله: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} [الشمس: 7-8]، قالوا: النفس تحمل كامل خلقة الإنسان بجسمه وروحه وقواه الإنسانية، من تفكير وسلوك... إلخ. وقيل: النفس هنا بمعنى القوى المفكرة المدركة مناط الرغبة والاختيار، وعليه فذكر النفس بالمعنى الأول، تكون تسويتها في استواء خلقتها وتركيب أعضائها، وهي غاية في الدلالة على القدرة والكمال والعلم، كما في قوله: {أية : لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} تفسير : [التين: 4]، وقال: {أية : وَفِيۤ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} تفسير : [الذاريات: 21]، أي من أعضاء وأجزاء وتراكيب وعدة أجهزة تبهر العقول في السمع، وفي البصر، وفي الشم، وفي الذوق، وفي الحس، ومن داخل الجسم ما هو أعظم، فحق أن يقسم بها. وما سواها: اي بالقدرة الباهرة، والعلم الشاملز وذكرها بالمعنى الثاني، فإنه في نظري أعظم من المعنى الأول، وذلك أن القوى المدركة والمفكرة والمقدرة للأمور التي لها الاختيار، ومنها القبول والرفض والرضى والسخط والأخذ والمنع، فإنها عالم مستقل. وإنها كما قلنا أعظم مما تقدم، لأن الجانب الخلقي قال تعالى فيه: {أية : لَخَلْقُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ} تفسير : [غافر: 57]، ولكن في هذا الجانب قال: {أية : إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} تفسير : [الأحزاب: 72]. ومعلوم أن بعض أفراد الإنسان حملها بصدق واداها بوفاء، ونال رضى الله تعالى رضي الله عنهم ورضوا عنه. فهذه النفس في تسويتها لتلقى معني الخير والشر، واستقبال الإلهام الإلهي للفجور، والتقوى أعظم دلالة على القدرة من تلك الجمادات التي لا تبدي ولا تعيد، والتي لا تمسك سلباً ولا إيجاباً. وهنا مثال بسيط فيما استحدث من آلات حفظ وحساب، كالآلة الحاسبة والعقل الألكتروني، فإنها لا تخطئ كما يقولون، وقد بهرت العقول في صفتها، ولكن بنظرة بسيطة نجدها أمام النفس الإنسانية كقطرة من بحر. فنقول: إنها أولاً من صنع هذه النفس ذات الإدراك النامي والاستنتاج الباهر. ثانياً: هي لا تخطئ لأنها لا تقدر أن تخطئ، لأن الخطأ ناشئ عن اجتهاد فكري، وهي لا اجتهاد لها، إنما تشير وفق ما رسم لها كالمادة المسجلة في شريط، فإن المسجل مع دقة حفظه لها فإنه لا يقدر أن يزيد ولا ينقص حرفاً واحداً. أما الإنسان فإنه يغير ويبدل، وعندما يبدل كلمة مكان كلمة، فلقدرته على إيجاد الكلمة الأخرى، أو لاختياره ترك الكلمة الأولى. وهكذا هنا، فالله تعالى هنا خلق تلك النفس أولاً، ثم سواها على حال تقبل تلقي الإلهام بقسيمة: الفجور والتقوى، ثم تسلك أحد الطريقين، فكأن مجيء القسم بها بعد تلك المسميات دلالة على عظم ذاتها وقوة دلالتها على قدرة خالقها، وما سواها مستعدة قابلة لتلقي إلهام الله إياها. تنبيه وفي مجيئها بعد الآيات الكونية. من شمس وقمر وليل ونهار، وسماء وأرض، لفت إلى وجوب التأمل في كل المخلوقات، يستلهم منها الدلالة على قدرة خالقها والاستدلال على تغير الأزمان، وحركة الأفلاك، وإحداث السماء بالبناء أنه لا بد لهذا العالم من صانع، ولا بد للمحدث المتجدد من فناء وعدم. كما عرض إبراهيم عليه السلام على النمروذ نماذج الاستدلال على الربوبية والألوهية، فأشار إلى الشمس أولاً، ثم إلى القمر، ثم انتقل به إلى الله سبحانه. وقوله: {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} [الشمس: 8]، إن كان ألهمها بمعنى هداها وبين لها، فهو كما في قوله: {أية : وَهَدَيْنَاهُ ٱلنَّجْدَينِ} تفسير : [البلد: 10]، وقوله: {أية : إِنَّا هَدَيْنَاهُ ٱلسَّبِيلَ} تفسير : [الإنسان: 3]، وهذا على الهداية العامة، التي بمعنى الدلالة والبيان. وإن كان بمعنى التيسير والإلزام، ففيه إشكال القدر في الخير والاختيار. وقد بحث هذا المعنى الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في دفع إيهام الاضطراب بحثاً وافياً. قوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} [الشمس: 9-10]. هذا هو جواب القسم فيما تقدم، فالواو قد حذفت منه اللام لطول ما بين المقسم به والمقسم عليه. وقد نوه عنه الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه عند الكلام على قوله تعالى: {أية : إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ ٱلنَّارِ} تفسير : [ص: 64]، من سورة ص، وأنهم استدلوا لهذه الآية عليه. والأصل: لقد أفلح، فحذفت اللام لطول الفصل، وزكاها بمعنى طهَّرها، وأول ما يطهرها منه دنس الشرك ورجسه، كما قال تعالى: {أية : إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} تفسير : [التوبة: 28]، وتطهيرها منه بالإيمان ثم من المعاصي بالتقوى، كما في قوله تعالى: {أية : فَلاَ تُزَكُّوۤاْ أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰ} تفسير : [النجم: 32]، ثم بعمل الطاعات {أية : قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ * وَذَكَرَ ٱسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّىٰ} تفسير : [الأعلى: 14-15]. واختلف في مرجع الضمير في زكاها ودساها، وهو يرجع إلى اختلافهم في {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} [الشمس: 8]، فهل يعود إلى الله تعالى، كما في {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا} [الشمس: 7]، أم يعود على العبد. ويمكن أن يستدل لكل قول ببعض النصوص. فمما يستدل به للقول الأول قوله تعالى: {أية : بَلِ ٱللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَآءُ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً} تفسير : [النساء: 49]، وقوله: {أية : وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً} تفسير : [النور: 21]، وفي الحديث أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول عند هذه الآية: "حديث : اللَّهم أئت نفسي تقواها وزكها، أنت خير من زكاها، وانت وليها ومولاها ". تفسير : ومما استدل به للقول الثاني فكقوله: {أية : قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ * وَذَكَرَ ٱسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّىٰ} تفسير : [الأعلى: 14-15]، وقوله: {أية : وَمَن تَزَكَّىٰ فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفْسِهِ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ} تفسير : [فاطر: 18]، وقوله: {أية : فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَىٰ أَن تَزَكَّىٰ * وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخْشَىٰ} تفسير : [النازعات: 18-19]، وقوله: {أية : وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ} تفسير : [عبس: 3]، وكلها كما ترى محتملة، والإشكال فيها كالإشكال فيما قبلها. والذي يظهر والله تعالى أعلم: أن الجمع بين تلك النصوص كالجمع في التي قبلها، وأن ما يتزكى به العبد من إيمان وعمل في طاعة وترك لمعصية، فإنه بفضل من الله، كما في قوله تعالى المصرح بذلك {أية : وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً} تفسير : [النور: 21]. وكل النصوص التي فيها عود الضمير أو إسناد التزكية إلى العبد، فإنها بفضل من الله ورحمة، كما تفضل عليه بالهدى والتوفيق للإيمان، فهو الذي يتفضل عليه بالتوفيق إلى العمل الصالح. وترك المعاصي، كما في قولك "لا حول ولا قوة إلا بالله" وقوله: {أية : فَلاَ تُزَكُّوۤاْ أَنفُسَكُمْ} تفسير : [النجم: 32]، وقوله: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ} تفسير : [النساء: 49]، إنما هو بمعنى المدح والثناء،كما في قوله تعالى: {أية : قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَـٰكِن قُولُوۤاْ أَسْلَمْنَا} تفسير : [الحجرات: 14]، بل إن في قوله تعالى: {أية : بَلِ ٱللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَآءُ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً} تفسير : [النساء: 49]، الجمع بين الأمرين، القدري والشرعي، {بَلِ ٱللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَآءُ} بفضله، {وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً} بعدله. والله تعالى أعلم.

الواحدي

تفسير : {والشمس وضحاها} وضيائها. {والقمر إذا تلاها} تبعها في الضِّياء والنُّور، وذلك في النِّصف الأوَّل من الشَّهر يخلف الشَّمسَ القمرُ في النُّور. {والنهار إذا جلاَّها} جلَّى الظُّلمة وكشفها. وقيل: جلَّى الشَّمس وبيَّنها؛ لأنها تبين إذا انبسط النَّهار. {والليل إذا يغشاها} يستر الشَّمس. {والسماء وما بناها} أَيْ: وبنائها. {والأرض وما طحاها} وطحوها، أَيْ: بسطها. {ونفس وما سوَّاها} وتسوية خلقها. {فألهمها فجورها وتقواها} علَّمها الطَّاعة والمعصية.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 1- أقسم بالشمس وبضوئها وإشراقها وحرارتها. 2- وبالقمر إذا تبعها وخلَفها فى الإضاءة بعد غروبها. 3- وبالنهار إذا أظهر الشمس واضحة غير محجوبة. 4- وبالليل إذا يغشى الشمس، فيغطى ضوءها. 5- وبالسماء وبالقادر العظيم الذى رفعها وأحكم بناءها. 6- وبالأرض وبالقادر العظيم الذى بسطها من كل جانب، وهيَّأها للاستقرار، وجعلها مهادا للإنسان. 7- وبالنفس ومَن أنشأها وعدَّلها بما أودع فيها من القوى. 8- فعرفها الحسن والقبيح، ومنحها القدرة على فعل ما تريد منهما.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: وضحاها: أي ونهارها. إذا تلاها: أي تلا الشمس فطلع بعد غروبها مباشرة وذلك ليلة النصف من الشهر. إذا جلاها: أي إذا أضاءها. إذا يغشاها: أي غشى الشمس حتى تظلم الآفاق. وما بناها: أي ومن بناها وهو الله عز وجل حيث جعل السماء كالسقف للأرض. وما طحاها: أي ومن بسطها وهو الله عز وجل. وما سواها: أي ومن سوى خلقها وعدله وهو الله عز وجل. فألهمها فجورها: أي فبيّن لها ما ينبغي لها أن تأتيه أو تتركه من الخير والشر. أفلح من زكاها: أي فاز بالنجاة من النار ودخول الجنة من طهر نفسه من الذنوب والآثام. وقد خاب: أي خسر في الآخرة نفسه وأهله يوم القيامة. من دساها: أي دسّى نفسه إذا أخفاها وأخملها بالكفر والمعاصي وأصل دسها دسسها فأُبدلت إحدى السِينَيْن ياءً. معنى الآيات: قوله تعالى {وَٱلشَّمْسِ وَضُحَاهَا} إلى قوله {وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} تضمنت هذه الآيات العشر قسماً إلهياً من أعظم الأقسام ومقسماً عليه وهو جواب القسم ومقسما لهم وهم سائر الناس فالقسم كان بما يلي بالشمس وضحاها وبالقمر إذا تلاها أي تلا الشمس إذا طلع بعد غروبها وذلك ليلة النصف من الشهر وبالنهار إذا جلاها إذا أضاء فكشف الظلمة أو الدنيا، وبالليل إذا يغشاها أي يغشى الشمس حتى تظلم الآفاق وبالسماء وما بناها على أن ما تكون غالبا لغير العالم وقد تكون للعالم كما هي هنا فالذي بناها هو الله سبحانه وتعالى بالأرض وما طحاها أي بسطها وهو الله تعالى وبالنفس وما سواها أي خلقها وعدل خلقها وهو الله تعالى وقوله فألهمها فجورها وتقواها اي خلقها وسوى خلقها وألهمها أي بين لها الخير والشر أي ما تعمله من الصالحات وما تتجنبه من المفسدات فأقسم تعالى بأربع من مخلوقاته العظام وبنفسه وهو العلي العظيم على ما دل عليه قوله {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} وهو المقسم عليه وهو أن من وفقه الله وأعانه فزكى نفسه أي طهرها بالإِيمان والعمل الصالح مبعدا لها عما يدنسها من الشرك والمعاصي فقد أفلح بمعنى فاز يوم القيامة وذلك بالنجاة من النار ودخول الجنة لأن معنى الفوز لغة هو السلامة من المرهوب والظفر بالمرغوب وأن من خذله الله تعالى لما له من سوابق في الشر والفساد فلم يزك نفسه بالإِيمان والعمل الصالح ودساها اي دسسها أخفاها وأخملها بما أفرغ عليها من الذنوب وما غطاها من آثار الخطايا والآثام فقد خاب بمعنى خسر في آخرته فلم يفلح فخسر نفسه وأهله وهو الخسران المبين. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان مظاهر القدرة الإِلهية في الآيات التي أقسم بها الرب تعالى. 2- بيان بما يكون به الفلاح، وما يكون به الخسران. 3- الترغيب في الإِيمان والعمل الصالح والترهيب من الشرك والمعاصي.

القطان

تفسير : الضحَى: ضوء الشمس، وارتفاع النهار. تلاها: تبعها. جلاّها: كشفها. يغشاها: يغطي ضوءها ويحجبه. طحاها: بسطها ومهدها. سوّاها: أنشأها وعدلها. فألهمها فجورها وتقواها: عرّفها الحسن والقبيح. قد افلح: قد فاز. زكّاها: طهرها. وخابَ: خسر. دسّاها: اخفاها، ونفسَه: أغواها وافسدها. الطغوى: الطغيان، مجاوزة الحد المعتاد. انبعث: انطلق. أشقاها: أشقى القوم. رسول الله: صالح عليه السلام. سقياها: شُربها. فعقروها: قطعوا قوائمها ثم نحروها. فدمدم: غضب عليهم ربهم وأهلكهم ودمر ديارهم. فسوّاها: فأهلك القبيلة كلها. عقباها: عاقبتها. لقد أقسَم الله تعالى في مطلع هذه السورةِ الكريمة بأشياءَ عدة من مخلوقاته المنبئة عن كمالِ قُدرته تعالى ووحدانيّته - على فوز من طهَّر نفسَه بالإيمان والطاعة، وخسرانِ من ضيَّعها بالكفرِ والعصيان. فأقسم بالشمس وبضَوئها وإشراقها عند ارتفاع النهار، وبالقمرِ إذا تَبِعَها وخَلَفها بالإضاءة عند غروبها، وبالنهار إذا أظهر الشمسَ واضحةً غَيْرَ محجوبة، وباللّيلِ اذا يغشى الشمسَ فيغطّي ضوءَها، وبالسماءِ وخالِقها العظيم الذي رفعها وأحْكَمَ بناءها، وبالأرض، وبالخالق القادر الذي بَسَطَها من كل جانب ومهَّدها للاستقرار وجعلَها فِراشا، وبالنفسِ ومن أنشأها وعَدَلها بما أودعَ فيها من القوى. {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} أي عرَّفها الحسن والقبيح، ومنحها القدرةَ على فعل ما تريد منهما. {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا} هذا هو جوابُ هذه الأيمانِ المتقدمة. فلقد فازَ من زكّى نفسَه بطاعة الله وطهّرها من المعاصي. {وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} وقد خسِر نفسَه وأوقعها في الهلاك وأغواها وأفسَدها من جانبَ ذلك. بعد هذه الأيمان وذِكر من يفوز بالإيمان ومن خابَ وخسِر بالإعراض عن ذكر الله واتّباع الهوى والشيطان - يَعْرِض علينا نموذجاً من نماذج الخَيْبة والخسران ممثَّلاً في ثمود، قومِ صالح، وما أصابهم من غضَب وهلاك. فيقول: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَآ....} لقد كذّبت ثمودُ نبيَّها بطغيانها وبَغْيِها، حين انبعثَ أشقاها ليعقِرَ الناقة. فقال لهم صالحٌ رسول الله: اتركوا ناقةَ الله تأكل في أرض الله واحذَروا مَنْعَها من الشُّرب في يومها المعلوم. كما جاء في سورة الشعراء: {أية : قَالَ هَـٰذِهِ نَاقَةٌ لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ} تفسير : [الشعراء: 155]. {فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا وَلاَ يَخَافُ عُقْبَاهَا} فكذّبوا رسولَهم في وعيده، فعقروا الناقة، فدمّر عليهم ربُّهم ديارَهم جزاء ذنْبِهم إذ سوّى بلدَهم بالأرض وأهلكهم جميعاً لم يفلِتْ منهم أحد. والله تعالى لا يخافُ تَبِعَةَ هذه العقوبة، لأنها الجزاءُ العادِل. {أية : إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ} تفسير : [البروج: 12]. وتلك سُنةُ الله في أخذِ الطغاة والمكذّبين. قراءات: قرأ أهل المدينة وابن عامر: فلا يخاف عقباها، بالفاء. والباقون ولا يخاف عقباها بالواو.

د. أسعد حومد

تفسير : {ضُحَاهَا} (1) - أَقْسَمَ اللهُ تَعَالَى بِالشَّمْسِ وَضَوئِهَا وَإِشْرَاقِهَا وَحَرَارَتِهَا. وَضُحَاهَا - ضَوْئِهَا أَوْ دِفْئِهَا.

الثعلبي

تفسير : {وَٱلشَّمْسِ وَضُحَاهَا} قال مجاهد: ضوؤها. قتادة: هو النهار كلّه. مقاتل: حرّها كقوله سبحانه في طه: {أية : وَلاَ تَضْحَىٰ}تفسير : [طه: 119] يعني ولا يؤذيك الحرّ. {وَٱلْقَمَرِ إِذَا تَلاَهَا} تبعها فأخذ من ضوئها وسار خلفها، وذلك في النصف الأوّل من الشهر إذا أغربت الشمس تلاها القمر طالعاً. {وَٱلنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا} جلّى الشمس وكشفها بإضائتها، وقال الفراء وجماعة من العلماء: يعني والنهار إذا جلى الظلمة، فجازت الكناية عن الظلمة ولم [تذكر في أوله]؛ لأنّ معناها معروف وهو ألا ترى أنّك تقول: أصبحت باردة وأمست عرية وهبّت شمالاً فكنّي عن مؤنثات لم يجر لهن ذكر؛ لأنّ معناهنّ معروف. {وَٱللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا} أي يخشى الشمس حتّى تغيب فتظلم الآفاق. {وَٱلسَّمَآءِ وَمَا بَنَاهَا} أي ومن خلقها، وهو الله سبحانه وتعالى، كقوله: {أية : فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ} تفسير : [النساء: 3]، {أية : وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ} تفسير : [النساء: 22]، وقيل: هو ما المصدر أي وبنائها كقوله: {أية : بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي} تفسير : [يس: 27]. {وَٱلأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا} خلق ما فيها، عن عطية عن ابن عبّاس والوالبي عنه: قسمها. غيره بسطها. {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا} عدل خلقها {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} قال ابن عبّاس برواية الوالبي: يبيّن لها الخير والشرّ. وقال العوفي عنه: علّمها الطاعة والمعصية. الكلبي: أعلمها ما يأتي وما ينبغي، وقال ابن زيد وابن الفضل: جعل فيها ذلك يعني بتوفيقه إيّاها للتقوى وخذلانه إيّاها للفجور. أخبرني الحسن قال: حدّثنا موسى قال: حدّثنا عبد الله بن محمد بن سنان قال: حدّثنا مسلم بن إبراهيم قال: حدّثنا عزرة بن ثابت الأنصاري قال: حدّثنا يحيى بن عقيل عن يحيى بن يعمر عن أبي الأسود الدؤلي قال ب قال لي عمران بن حصين: أرأيت ما يعمل فيه الناس ويتكادحون فيه؟ أشيء قضى عليهم ومضى عليهم من قدر سبق أو فيما يستقبلون ممّا آتاهم به نبيّهم صلّى الله عليه وأكّدت عليهم الحجّة؟ قلت: كلّ شيء قد قضى عليهم. قال: فهل يكون ذلك ظلماً؟ قال: ففزعت منه فزعاً شديداً وقلت: إنّه ليس شيء إلاّ وهو خلقه وملك يده {أية : لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} تفسير : [الأنبياء: 23]. فقال لي: سدّدك الله، أرأيت ما يعمل الناس فيه ويتكادحون فيه؟ أشيء قضى عليهم من قدر سبق أو فيما يستقبلون ممّا آتاهم به نبيّهم صلى الله عليه وسلم وأكّدت به عليهم الحجّة؟ فقال: في شيء قد قضى عليهم. قال: فقلت فيتمّ العمل إذا قال من كان الله سبحانه خلقه لإحدى المنزلتين يهيئه الله لها وتصديق ذلك في كتاب الله عزّوجلّ: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا}. {قَدْ أَفْلَحَ} سعِد وفاز، وهاهنا موضع القسم. {مَن زَكَّاهَا} أي أفلحت نفس زكّاها الله أي أصلحها وطهّرها من الذنوب ووفّقها للتقوى، وقد: {خَابَ} خسرت نفس {مَن دَسَّاهَا} دسسها الله فأهملها وخذلها ووضع منها وأخفى محلّها حين عمل بالفجور وركب المعاصي، والعرب تفعل هذا كثيراً فيبدّل في الحرف المشدّد بعض حروفه ياء أو واو كالنقضي والتظنّي وبابهما. أخبرنا أبو بكر بن عيلوس قال: أخبرنا أبو الحسن المحفوظي قال: حدّثنا عبد الله بن هاشم قال: حدّثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن خصيف عن سعيد بن جبير ومجاهد: {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا} قال: أحدها أصلحها، وقال الآخر: طهّرها. {وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} قال أحدهما: أغواها، وقال الآخر: أضلّها، وقال قتادة: دسّها آثمها وأفجرها، وقال ابن عبّاس: أبطلها وأهلكها، وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا أبو محمد المزني قال: حدّثنا الحضرمي قال: حدّثنا عثمان قال: حدّثنا أبو الأحوص عن محمد بن السائب عن أبي صالح: {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} قد أفلحت نفس زكّاها الله، وخابت نفس أفسدها الله عزّوجلّ. وقال الحسن: معناه قد أفلح من زكّى نفسه فأصلحها وحملها على طاعة الله عزّوجلّ، وقد خاب من دسّاها قال: من أهلكها وأضلّها وحملها على معصية الله عزّوجلّ، فجعل الفعل للنفس. أخبرني الحسين قال: حدّثنا اليقطني قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يزيد العقيلي قال: حدّثنا صفوان بن صالح قال: حدّثنا الوليد بن مسلم قال: حدّثنا ابن لهيعة عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال حديث : أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ هذه الآية: {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا} وقف ثمّ قال: "اللّهمّ آتِ نفسي تقواها أنت وليّها ومولاها وزكّها أنت خير من زكّاها ".

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : /93 و/ أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَٱلشَّمْسِ وَضُحَاهَا} [الآية: 1] قال: يعني: ضوؤها. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَٱلْقَمَرِ إِذَا تَلاَهَا} [الآية: 2] يعني: إِذا تبعها. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: حدثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَٱلنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا} [الآية: 3]. يعني إِذا أَضاءَ.

الصابوني

تفسير : اللغَة: {ضُحَاهَا} ضوءها، والضحى وقت ارتفاع الشمس أول النهار قال المبرد: الضحى مشتقٌ من الضحِّ وهو نور الشمس {طَحَاهَا} بسطها ومدَّها قال الجوهري: طحوتُه مثل دحوته أي بسطتُه {دَسَّاهَا} أخفاها وأصل الكلمة دسسها أبدلت السين الثانية ألفاً تخفيفاً {فَدَمْدَمَ} الدمدمة: إِطباقُ الشيء على الشيء يقال: دمدم عليه القبر أي أطبقه والمراد به هنا إِطباقُ العذاب عليهم بمعنى إِهلاكهم بطريق الاستئصال {عُقْبَاهَا} عاقبتها وتبعتها. التفسِير: {وَٱلشَّمْسِ وَضُحَاهَا} أي أُقسم بالشمس وضوئها الساطع إِذا أنار الكون وبدَّد الظلام {وَٱلْقَمَرِ إِذَا تَلاَهَا} أي وأُقسم بالقمر إِذا سطع مضيئاً، وتبع الشمس طالعاً بعد غروبها قال المفسرون: وذلك في النصف الأول من الشهر، إِذا غربت الشمس تلاها القمر في الإِضاءة وخلفها في النور، وحكمةُ القسم بالشمس أن العالم في وقت غيبة الشمس عنهم كالأموات، فإِذا ظهر الصبح وبزغت الشمس دبت فيهم الحياة، وصار الأموات أحياء فانتشروا لأعمالهم وقت الضحوة، وهذه الحالة تشبه أحوال القيامة، ووقتُ الضحى يشبه استقرار أهل الجنة فيها، والشمسُ والقمر مخلوقان لمصالح البشر، والقسم بهما للتنبيه على ما فيهما من المنافع العظيمة {وَٱلنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا} أي وأُقسم بالنهار إِذا جلا ظلمة الله بضيائه، وكشفها بنوره وقال ابن كثير: إِذا جلا البسيطة وأضاء الكون بنوره {وَٱللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا} أي وأقسمُ بالليل إِذا غطَّى الكون بظلامه، ولفَّه بشبحه، فالنهار يجلي المعمورة ويظهرها، والليل يغطيها ويسترها، قال الصاوي: وأتى بالفعل مضارعاً {يَغْشَاهَا} ولم يقل {غشيها} مراعاةً للفواصل {وَٱلسَّمَآءِ وَمَا بَنَاهَا} أي وأقسم بالقادر العظيم الذي بنى السماء، وأحكم بناءها بلا عمد قال المفسرون: {ما} اسم موصول بمعنى"منْ" أي والسماء ومن بناها والمراد به الله رب العالمين، بدليل قوله بعده {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} كأنه قال: والقادر العظيم الشأن الذي بناها، فدلَّ بناؤها وإِحكامها على وجوده، وكمال قدرته {وَٱلأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا} أي وأُقسمُ بالأرض ومن بسطها من كل جانب، وجعلها ممتدة ممهَّدة، صالحة لسكنى الإِنسان والحيوان، وهذا لا ينافي كرويتها كما قال المفسرون، لأن الغرض من الآية الامتنان بجعل الأرض ممتدة واسعة، ميسَّرة للزراعة والفلاحة وسكنى الإِنسان {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا} أي وأقسمُ بالنفس البشرية وبالذي أنشأها وأبدعها، وجعلها مستعدة لكمالها، وذلك بتعديل أعضائها، وقواها الظاهرة والباطنة، ومن تمام تسويتها أن وهبها العقل الذي تميز به بين الخير والشر، والتقوى والفجور، ولهذا قال {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} أي وعرَّفها الفجور والتقوى وما تميز به بين رشدها وضلالها قال ابن عباس: بيَّن لها الخير والشر، والطاعة والمعصية، وعرَّفها ما تأتي وما تتقي قال المفسرون: أقسم سبحانه بسبعة أشياء "الشمس، والقمر، والليل، والنهار، والسماء، والأرض، والنفس البشرية" إِظهاراً لعظمة قدرته، وانفراده بالألوهية، واشارةً إِلى كثرة مصالح تلك الأشياء وعظم نفعها وأنها لا بد لها من صانع ومدبر لحركاتها وسكناتها وقال الإِمام الفخر: لما كانت الشمس أعظم المحسوسات، ذكرها تعالى مع أوصافها الأربعة الدالة على عظمها، ثم ذكر سبحانه ذاته المقدسة، ووصفها - جلَّ وعلا - بصفاتٍ ثلاث ليحظى العقل بإِدراك جلال الله تعالى وعظمته، كما يليق به جلَّ جلاله، فكان ذلك طريقاً إِلى جذب العقل من حضيض عالم المحسوسات، إِلى بيداء أوج كبريائه جلَّ شأنه {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا} هذا هو جواب القسم أي لقد فاز وأفلح من زكَّى نفسه بطاعة الله، وطهَّرها من دنس المعاصي والآثام {وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} أي وقد خسر وخاب من حقَّر نفسه بالكفر والمعاصي، وأوردها موارد الهلكة، فإِنَّ من طاوع هواه، وعصى أمر مولاه، فقد نقص من عداد العقلاء، والتحق بالجهلة الأغبياء.. ثم ضرب تعالى مثلاً لمن طغى وبغى، ولم يطهر نفسه من دنس الكفر والعصيان، فذكر {ثَمُودُ} قوم صالح عليه السلام فقال {كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَآ} أي كذبت ثمود نبيها بسبب طغيانها {إِذِ ٱنبَعَثَ أَشْقَاهَا} أي حين انطلق أشقى القوم بسرعةٍ ونشاط يعقر الناقة قال ابن كثير: وهو "قدار بن سالف" الذي قال الله فيه {أية : فَنَادَوْاْ صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَىٰ فَعَقَرَ}تفسير : [القمر: 29] وكان عزيزاً شريفاً في قومه، ورئيساً مطاعاً فيهم، وهو أشقى القبيلة {فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ} أي فقال لهم صالح عليه السلام {نَاقَةَ ٱللَّهِ وَسُقْيَاهَا} أي احذروا ناقة الله أن تمسوها بسوء، واحذروا أيضاً أن تمنعوها من سُقياها أي شربها ونصيبها من الماء كما قال تعالى {أية : لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ}تفسير : [الشعراء: 155] {فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا} أي فكذبوا نبيهم صالحاً وقتلوا الناقة، ولم يلتفتوا إِلى تحذيره {فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنبِهِمْ} أي فأهلكهم اللهُ ودمَّرهم عن آخرهم بسبب إِجرامهم وطغيانهم قال الخازن: والدمدمة: هلاكٌ باستئصال والمعنى أطبق عليهم العذاب طبقاً فلم ينفلت منهم أحد {فَسَوَّاهَا} أي فسوَّى بين القبيلة في العقوبة فلم يفلت منهم أحد، لا صغير ولا كبير، ولا غنيٌ ولا فقير {وَلاَ يَخَافُ عُقْبَاهَا} أي ولا يخاف تعالى عاقبة إِهلاكهم وتدميرهم، كما يخاف الرؤساء والملوك عاقبة ما يفعلون، لأنه تعالى لا يُسأل عما يفعل. البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- الطباق بين {ٱلشَّمْسِ و ٱلْقَمَرِ} و{ٱللَّيْلِ و ٱلنَّهَارِ} وبين {فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا}. 2- المقابلة اللطيفة بين {وَٱلنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا} وبين {وَٱللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا} وبين {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا} وبين {وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} وكلٌ من الطباق والمقابلة من المحسنات البديعية . 3- الإِضافة للتكريم والتشريف {نَاقَةَ ٱللَّهِ} نسبت إِلى الله تشريفاً لأنها خرجت من حجرٍ أصم معجزةً لصالح عليه السلام. 4- التهويل والتفظيع {فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنبِهِمْ} فإِن التعبير بالدمدمة يدل على هول العذاب. 5- السجع المرصَّع مراعاة للفواصل ورءوس الآيات وهو ظاهر جليٌ في السورة الكريمة.

الأندلسي

تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * وَٱلشَّمْسِ وَضُحَاهَا} هذه السورة مكية ولما تقدم القسم ببعض المواضع الشريفة وما بعدها أقسم هنا بشىء من العالم العلوي والعالم السفلي وبما هو له التفكر في ذلك وهو النفس وكان آخر ما قبلها مختتماً بشىء من أحوال الكفار في الآخرة فاختتم آخر هذه بشىء من أحوالهم في الدنيا وفي ذلك مآلهم في الآخرة إلى النار وفي الدنيا إلى الهلاك المستأصل وتقدم الكلام على ضحى في طه. {وَٱلْقَمَرِ إِذَا تَلاَهَا} معناه إذا تبعها دأباً في كل وقت لأنه يستضيء منها فهو يتلوها لذلك. {وَٱلنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا} الظاهر أن مفعول جلاها وهو الضمير عائد على الشمس لأنه عند انبساط النهار تنجلي الشمس في ذلك الوقت تمام الإِنجلاء. {وَٱللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا} أي يغشى الشمس فبدخوله تغيب وتظلم الآفاق ونسبة ذلك إلى الليل مجاز وأتى بالمضارع في يغشاها لأنه الذي يترتب فيه ولد أتى بالماضي كالذي قبله وبعده كان يكون التركيب إذا غشيها فتفوت الفاصلة وهي مقصودة وما في وما بناها وما طحاها وما سواها بمعنى الذي وقيل مصدرية قال الزمخشري: فإِن قلت لم نكرت النفس قلت فيه وجهان أحدهما أن يريد نفساً خاصة من النفوس وهي نفس آدم عليه السلام كأنه قال: وواحدة من النفوس "انتهى". وهذا فيه بعد للأوصاف المذكورة بعدها فلا تكون إلا للجنس ألا ترى إلى قوله: {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} كيف يقتضي التغاير في المزكي والمدسى. {فَأَلْهَمَهَا} قال ابن عباس: عرفها. {قَدْ أَفْلَحَ} جواب للقسم وحذفت اللام لطول المعاطيف على القسم وزكاها طهرها ونماها بالعمل الصالح ودساها أخفاها وحقرها بالمعاصي والتدسية الإِخفاء أصله دسس فأبدل من ثالث المضاعف حروف علة والظاهر أن فاعل زكى ودسى ضمير يعود على من ولما ذكر تعالى: خيبة من دس نفسه ذكر فرقة فعلت ذلك وهي ثمود صالح فعلت ذلك ليعتبرهم لأنهم أقرب البلاد إلى الحجاز. {بِطَغْوَاهَآ} الباء سببية أي كذبت ثمود نبيها بسبب طغيانها قال ابن عباس: الطغوى هنا العذاب كذبوا به حتى نزل بهم وهو من الطغيان قلبت فيه الواو ياء والياء واو فصلاً بين الاسم وبين الصفة. {إِذِ ٱنبَعَثَ} أي خرج لعقر الناقة بنشاط وحرص والناصب لاد كذبت، وأشقاها هو قدار بن سالف والضمير في لهم عائد على ثمود رسول الله هو صالح عليه السلام وقرىء: {نَاقَةَ ٱللَّهِ} نصب التاء وهو منصوب على التحذير مما يجب إضمار عامله لأنه قد عطف عليه قصار حكمه بالعطف حكم المكرر كقولك: الأسد الأسد أي احذروا ناقة الله أي عقرها وعاقبة أمرها أو ذروا عقرها. {وَسُقْيَاهَا} فلا تمنعوها من السقيا. {فَعَقَرُوهَا} أسند العقر للجميع لكونهم راضين به ومتمالئين عليه. {فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ} يقال دمدم عليه القبر أطبقه وقال مؤرج الدمدمة الهلاك باستئصال وفي الصحاح دمدمت الشىء ألصقته بالأرض وطحطحته. {فَسَوَّاهَا} أي سوى القبيلة في الهلاك عاد عليها بالتأنيث كما عاد في بطغواها وقيل سوى الدمدمة أي سواها بينهم فلم يفلت منهم صغيراً ولا كبيراً والضمير في يخاف عائد على أشقاها أي انبعث بعقرها وهو لا يخاف عقبى فعله لكفره وطغيانه والعقبي خاتمة الشىء وما يجيء من الأمور بعقبه.

الجيلاني

تفسير : {وَٱلشَّمْسِ} أي: وحق شمس الذات الأحدية، المتلألئة من سماء عالم الأسماء العماء، وأفق فضاء اللاهوت {وَ} بحق {ضُحَاهَا} [الشمس: 1] المنبسط على مرآة العدم القابلة لانعكاسها. {وَ} حق {ٱلْقَمَرِ} أي: الوجود الإضافي الكلي، المحيط على مطلق العكوس والأضلال المنعكسة من مرأة العدم، التي هي عبارة عن سراب العالم غيباً {إِذَا تَلاَهَا} [الشمس: 2] تبعها ولحقها؛ أي: شمس الذات في الإحطة والشمول. {وَٱلنَّهَارِ} أي: نشأة الظهور والبروز المنعكسة من عالم الأسماء والصفات {إِذَا جَلاَّهَا} [الشمس: 3] أي: شمس الذات، وفصلت آثار أسمائها وصفاها الكامنة فيها على صفحات الكائنات. {وَٱللَّيْلِ} أي: نشأة البطون والخفاء المنعكسة من عالم العماء، والسواد الأ؟لم الذي اضمحلت دونه نفوس عموم الكثرات، وتلاشت آثار الأسماء والصفات لكمال تشعشعها وبريقها {إِذَا يَغْشَاهَا} [الشمس: 4] حيث خفيت شمس الظهور من إفراط النور وكمال تشعشعها في البريق والظهور. {وَٱلسَّمَآءِ} أي: سماء الأسماء والصفات المزيَّنة بنجوم الآثار والشئون المرتفعة عليها {وَمَا بَنَاهَا} [الشمس: 5] من التجليات الحبية الجمالية والجلالية. {وَٱلأَرْضِ} أي: استعدادات القوابل السفلية، القابلة لانعكاس آثار العلويات {وَمَا طَحَاهَا} [الشمس: 6] ونشرها من الآثار المرتبة على الصفات الفعَّالة الإلهية. {وَنَفْسٍ} أي: روح فائضة من عالم الأسماء والصفات على هياكل المسميات وقوابل العلويات والسفليات؛ ليستفيد بتذكر الموطن الأصلي والمنشأ الجبلي {وَمَا سَوَّاهَا} [الشمس: 7] أي: عدَّلها وركَّبها ممتزجة من الآثار العلوية والسفلية. وبعدما سواها وعدلها كذلك {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} [الشمس: 8] على مقتضى ما أودع فيها من الآثار العلوية والسفلية، ثمَّ كلَّفها بما كلفها؛ ليتيمز المحق من المبطل، والضال من الهادي، والكافر من المؤمن؛ تتميماً للحكمة المتقنة البالغة الإلهية وإظهاراً للقدرة الغالبة. ثمَّ قال سبحانه جواباً لهذه المقسمات المذكورة على سبيل الكناية والتنبيه: {قَدْ أَفْلَحَ} وفاز بما أفلح، وفاز عند الله من الدرجات العلية {مَن زَكَّاهَا} [الشمس: 9] أي: طهّر نفسه عن الرذائل السفلية، ومقتضيات اللاهوتية الإمكانية وأمانيها. {وَقَدْ خَابَ} خسر وهلك {مَن دَسَّاهَا} [الشمس: 10] أنقص عن كمالاتها وأضلها؛ حيث حملها على اقتراف المعاصي والآثام المترتبة على سفليات الطبائع والهيولى ورذائل الإمكان المورث لها أنواع الخيبة والخسران، وأصناف الحرمان والخذلان.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : يا شمس النبوة وضحى الرسالة وقمر الولاية، ونهار المعرفة وليل السكينة، وسماء العزة وأرض التواضع، ويا صاحب النفس الملهمة، ويا طالب الفلاح، اعلم أن الله أقسم بالحقائق المودعة في النبوة والرسالة، والولاية والمعرفة، والسكينة والعزة، والتواضع والنفس الملهمة في كلامه حيث يقول: {وَٱلشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَٱلْقَمَرِ إِذَا تَلاَهَا * وَٱلنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا * وَٱللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا * وَٱلسَّمَآءِ وَمَا بَنَاهَا * وَٱلأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا * وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} [الشمس: 1-8] بما سوى وقت سويته قالبها، {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا} [الشمس: 9] فكل من زكى نفسه من الأخلاق الذليلة الحاصلة من العناصر القالبية المظلمة، وحلاها بالأخلاق الحميدة الحاصلة من القوى الروحانية النورانية، {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} [الشمس: 9-10]؛ أي: دسَّ نفسه في تراب الطبيعة الملطخة بالطين القالبي بمتابعة الشهوات النفسانية على وفق هواه قد خاب من لطف الله، ومن التنعم في دار القرار الدَّاسّ نفسه في تراب دار البوار ولتكذيبه اللطيفة التي أرسلها الله إليه في نفسه وعصيانه اللطيفة وطغيانه كما قال تعالى: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَآ * إِذِ ٱنبَعَثَ أَشْقَاهَا} [الشمس: 11-12]؛ يعني: إذا انبعثت اللطيفة وأسرعت إلى الطاغية انبعث أشقى قوى النفس على أثر اللطيفة الصالحة ليعقر ناقة شوقها. {فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ} [الشمس: 13]؛ أي: اللطيفة {نَاقَةَ ٱللَّهِ وَسُقْيَاهَا} [الشمس: 13]؛ أي: أخذوا ناقة الشوق ومشربها من عين الذكر، {فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا} [الشمس: 14] بتكذيبهم صالح اللطيفة النفسية وعقروا ناقة الشوق، {فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنبِهِمْ} [الشمس: 14]؛ أي: أهلكهم الله، {فَسَوَّاهَا} [الشمس: 14]؛ أي: عمهم بذلك العذاب، {وَلاَ يَخَافُ عُقْبَاهَا} [الشمس: 15] ولا يخاف القوى العاقرة في عر ناقة الشوق عاقبة الأمر، فأهلكهم الله بطغيانهم لرسوله وتكذيبهم إياه. اللهم اجعلنا من الصادقين الصالحين.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أقسم تعالى بهذه الآيات العظيمة، على النفس المفلحة، وغيرها من النفوس الفاجرة، فقال: { وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا } أي: نورها، ونفعها الصادر منها. { وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا } أي: تبعها في المنازل والنور. { وَالنَّهَارِ إِذَا جَلاهَا } أي: جلى ما على وجه الأرض وأوضحه. { وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا } أي: يغشى وجه الأرض، فيكون ما عليها مظلمًا. فتعاقب الظلمة والضياء، والشمس والقمر، على هذا العالم، بانتظام وإتقان، وقيام لمصالح العباد، أكبر دليل على أن الله بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنه المعبود وحده، الذي كل معبود سواه فباطل. { وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا } يحتمل أن " ما " موصولة، فيكون الإقسام بالسماء وبانيها، الذي هو الله تبارك وتعالى، ويحتمل أنها مصدرية، فيكون الإقسام بالسماء وبنيانها، الذي هو غاية ما يقدر من الإحكام والإتقان والإحسان، ونحو ذلك قوله: { وَالأرْضِ وَمَا طَحَاهَا } أي: مدها ووسعها، فتمكن الخلق حينئذ من الانتفاع بها، بجميع وجوه الانتفاع. { وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا } يحتمل أن المراد نفس سائر المخلوقات الحيوانية، كما يؤيد هذا العموم، ويحتمل أن المراد بالإقسام بنفس الإنسان المكلف، بدليل ما يأتي بعده. وعلى كل، فالنفس آية كبيرة من آياته التي حقيقة بالإقسام بها فإنها في غاية اللطف والخفة، سريعة التنقل [والحركة] والتغير والتأثر والانفعالات النفسية، من الهم، والإرادة، والقصد، والحب، والبغض، وهي التي لولاها لكان البدن مجرد تمثال لا فائدة فيه، وتسويتها على هذا الوجه آية من آيات الله العظيمة. وقوله: { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا } أي: طهر نفسه من الذنوب، ونقاها من العيوب، ورقاها بطاعة الله، وعلاها بالعلم النافع والعمل الصالح. { وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا } أي: أخفى نفسه الكريمة، التي ليست حقيقة بقمعها وإخفائها، بالتدنس بالرذائل، والدنو من العيوب، والاقتراف للذنوب، وترك ما يكملها وينميها، واستعمال ما يشينها ويدسيها. { كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا } أي: بسبب طغيانها وترفعها عن الحق، وعتوها على رسل الله. { إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا } أي: أشقى القبيلة، [وهو] " قدار بن سالف " لعقرها حين اتفقوا على ذلك، وأمروه فأتمر لهم. { فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ } صالح عليه السلام محذرًا: { نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا } أي: احذروا عقر ناقة الله، التي جعلها لكم آية عظيمة، ولا تقابلوا نعمة الله عليكم بسقي لبنها أن تعقروها، فكذبوا نبيهم صالحًا. { فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ } أي: دمر عليهم وعمهم بعقابه، وأرسل عليهم الصيحة من فوقهم، والرجفة من تحتهم، فأصبحوا جاثمين على ركبهم، لا تجد منهم داعيًا ولا مجيبا. { فَسَوَّاهَا } عليهم أي: سوى بينهم بالعقوبة. { وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا } أي: تبعتها. وكيف يخاف من هو قاهر، لا يخرج عن قهره وتصرفه مخلوق، الحكيم في كل ما قضاه وشرعه؟ تمت ولله الحمد

النسائي

تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم {وَٱلشَّمْسِ وَضُحَاهَا} [1] 694 - أنا عمرو بن زرارة، أنا إسماعيل، عن عبد العزيز بن صُهيبٍ عن أنس بن مالكٍ قال: حديث : كان مُعاذ بن جبلٍ يؤمُّ قومهُ، فدخل حرامٌ وهو يريد أن يسقي نخلهُ فدخل المسجد ليُصلي مع القوم، فلما رأى معاذاً طوَّل، تجوز في صلاته ولحق بنخلهِ ليسقيهُ، فقال: إنهُ لمُنافقٌ؛ يُعجلُ من الصلاة من أجل نخيلهِ. فجاء حرامٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ومُعاذٌ عندهُ، فقال: يا نبي اللهِ أردتُ أن أسقي نخلي، فدخلت المسجد لأُصلي مع القوم فلما طوَّل معاذٌ تجوزت في صلاتي ولحقت بنخلي أسقيهِ فزعم أني منافقٌ. فأقبل نبيُّ اللهِ صلى الله عليه وسلم على معاذٍ فقال: "أفتانٌ أنت؟ لا تُطوِّل بهم اقرأ بسبح اسم ربك الأعلى، والشمسِ وضُحاها، ونحوِها... ". تفسير : 695 - أنا محمدُ بن رافعٍ وهارون بن إسحاق، عن عبدةَ، عن هِشامٍ، عن أبيه، عن عبد اللهِ بن زمعة، قال: حديث : سمعتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يذكرُ النَّاقة التي عقرها قال: {إِذِ ٱنبَعَثَ أَشْقَاهَا} [الشمس: 12] فقال: "انبعث لها رجُلٌ عارمٌ عزيزٌ منيعٌ في رَهْطِهِ مثل أبي زمعة "/.