٩١ - ٱلشَّمْس
91 - Ash-Shams (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
11
Tafseer
الرازي
تفسير : قال الفراء: الطغيان والطغوى مصدران إلا أن الطغوى أشبه برؤوس الآيات فاختير لذلك وهو كالدعوى من الدعاء وفي التفسير وجهان: أحدهما: أنها فعلت التكذيب بطغيانها، كما تقول: ظلمني بجراءته على الله تعالى، والمعنى أن طغيانهم حملهم على التكذيب به هذا هو القول المشهور والثاني: أن الطغوى اسم لعذابهم الذي أهلكوا به، والمعنى كذبت بعذابها أي لم يصدقوا رسولهم فيما أنذرهم به من العذاب، وهذا لا يبعد لأن معنى الطغيان في اللغة مجاوزة القدر المعتاد فيجوز أن يسمى العذاب الذي جاءهم طغوى لأنه كان صيحة مجاوزة للقدر المعتاد أو يكون التقدير كذبت بما أوعدت به من العذاب ذي الطغوى ويدل على هذا التأويل قوله تعالى: {أية : كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِٱلْقَارِعَةِ } تفسير : [الحاقة: 4] أي بالعذاب الذي حل بها، ثم قال: {أية : فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُواْ بِٱلطَّاغِيَةِ } تفسير : [الحاقة: 5] فسمى ما أهلكوا به من العذاب طاغية.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَآ } أي بطغيانها، وهو خروجها عن الحدّ في العصيان؛ قاله مجاهد وقتادة وغيرهما. وعن ابن عباس «بِطغواها» أي بعذابها الذي وُعِدَتْ به. قال: وكان اسم العذاب الذي جاءها الطَّغْوى؛ لأنه طَغَى عليهم. وقال محمد بن كعب: «بِطغواها» بأجمعها. وقيل: هو مصدر، وخرج على هذا المخرج، لأنه أَشْكَلُ برؤوس الآي. وقيل: الأصل بطَغْياها، إلا أن «فَعْلَى» إذا كانت من ذوات الياء أبدلت في الاسم واواً، لِيُفصَل بين الاسم والوصف. وقراءة العامة بفتح الطاء. وقرأ الحسن والجَحْدرِي وحماد بن سلمة (بضم الطاء) على أنه مصدر؛ كالرُّجْعَى والحُسْنى وشبههما في المصادر. وقيل: هما لغتان. {إِذِ ٱنبَعَثَ} أي نهض. {أَشْقَاهَا } لعَقْر الناقة. واسمه قُدَار بن سالِف. وقد مضى في «الأعراف» بيان هذا، وهل كان واحداً أو جماعة. وفي البخارِيّ عن عبد الله بن زَمَعة: أنه سمع النبيّ صلى الله عليه وسلم يخطُب، وذكر الناقة والذي عَقَرها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : إذا انبعَثَ أَشْقاهَا، انبعث لها رجل عزيز عارِم، منيع في رهطه، مثل أبي زَمَعة » تفسير : وذكر الحديث. خرّجه مسلم أيضاً. وروى الضحاك « حديث : عن عليّ: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال له: «أتدري من أشقى الأوّلين» قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «عاقر الناقة ـ قال ـ أتدري من أشقى الآخرين» قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «قاتلك» » تفسير : . {فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ} يعني صالحا. {نَاقَةَ ٱللَّهِ} «ناقةَ» منصوب على التحذير؛ كقولك: الأسد الأسد، والصبِيَّ الصبِيَّ، والحِذار الحِذارَ. أي احذروا ناقة الله؛ أي عَقْرها. وقيل: ذروا ناقة الله، كما قال: { أية : هَـٰذِهِ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِيۤ أَرْضِ ٱللَّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوۤءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } تفسير : [الأعراف: 73]. {وَسُقْيَاهَا } أي ذروها وشِربَها. وقد مضى في سورة «الشعراء» بيانه والحمد لله. وأيضاً في سورة { أية : ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ } تفسير : [القمر: 1]. فإنهم لما اقترحوا الناقة، وأخرجها لهم من الصخرة، جعل لهم شِربَ يوم من بئرهم، ولها شِربُ يوم مكان ذلك، فشقَّ ذلك عليهم.{فَكَذَّبُوهُ} أي كذبوا صالحاً عليه السلام في قوله لهم: إنكُمْ تُعَذَّبونَ إنْ عَقرْتُموها. {فَعَقَرُوهَا} أي عقرها الأشقى. وأضيف إلى الكل، لأنهم رَضُوا بفعله. وقال قتادة: ذُكر لنا أنه لم يعقرها حتى تابعه صغيرهم وكبيرهم، وذكرهم وأنثاهم. وقال الفرّاء: عقرها اثنان: والعرب تقول: هذان أفضلُ الناس، وهذان خير الناس، وهذه المرأة أشقى القوم؛ فلهذا لم يقل: أَشْقيَاها. قوله تعالى: {فَدَمْدمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنبِهِمْ} أي أهلكهم وأطبق عليهم العذابُ بذنبهم الذي هو الكفر والتكذيب والعَقْر. وروى الضحاك عن ابن عباس قال: دَمْدم عليهم قال: دَمَّرَ عَلَيْهم ربُّهم بذنبهم؛ أي بجُرمهم. وقال الفرّاء: دَمْدم أي أرجف. وحقيقة الدمدمة تضعيف العذاب وترديده. ويقال: دَمَّمْت على الشيء: أي أطبقت عليه، ودمم عليه القبرَ: أطبقه. وناقة مدمومة: أَلْبَسها الشحم. فإذا كرّرت الإطباق قلت: دَمْدَمْت. والدمدمة: إهلاك باستئصال؛ قاله المؤرِّج. وفي الصحاح: ودَمْدَمْت الشيء: إذا ألزقته بالأرض وطَحْطَحْتُه. ودمدم الله عليهم: أي أهلكهم. القُشَيرِي: وقيل دَمْدَمت على الميت الترابَ: أي سَوَّيتُ عليه. فقوله: «فدمدم عليهم» أي أهلكهم، فجعلهم تحت التراب. {فَسَوَّاهَا } أي سَوّى عليهم الأرض. وعلى الأول «فسوّاها» أي فسوّى الدَّمدمة والإهلاك عليهم. وذلك أن الصيحة أهلكتهم، فأتت على صغيرهم وكبيرهم. وقال ابن الأنباريّ: دمدمَ أي غضِب. والدمدمة: الكلام الذي يزعج الرجل. وقال بعض اللغويين: الدمدمة: الإدامة؛ تقول العرب: ناقة مدمدَمة أي سمينة. وقيل: «فسوّاها» أي فسوّى الأمة في إنزال العذاب بهم، صغيرهم وكبيرهم، وضِيعهم وشريفهم، ذكرهم وأنثاهم، وقرأ ابن الزُّبير «فَدهْدَم» وهما، لغتان؛ كما يقال؛ امتُقِع لونُه وانْتُقِع.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى عن ثمود: أنهم كذبوا رسولهم بسبب ما كانوا عليه من الطغيان والبغي، وقال محمد بن كعب: {بِطَغْوَاهَآ} أي: بأجمعها، والأول أولى، قاله مجاهد وقتادة وغيرهما، فأعقبهم ذلك تكذيباً في قلوبهم بما جاءهم به رسولهم عليه الصلاة والسلام من الهدى واليقين { إِذِ ٱنبَعَثَ أَشْقَـٰهَا} أي: أشقى القبيلة، وهو قدار بن سالف عاقر الناقة، وهو أحيمر ثمود، وهو الذي قال الله تعالى: {أية : فَنَادَوْاْ صَـٰحِبَهُمْ فَتَعَاطَىٰ فَعَقَرَ} تفسير : الآية [القمر: 29]. وكان هذا الرجل عزيزاً فيهم، شريفاً في قومه، نسيباً رئيساً مطاعاً، كما قال الإمام أحمد: حدثنا ابن نمير، حدثنا هشام عن أبيه عن عبد الله بن زمعة قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر الناقة، وذكر الذي عقرها فقال: «حديث : إذ انبعث أشقاها: انبعث لها رجل عارم عزيز منيع في رهطه مثل أبي زمعة» تفسير : ورواه البخاري في التفسير، ومسلم في صفة النار، والترمذي والنسائي في التفسير من سننيهما، وكذا ابن جرير وابن أبي حاتم من طرق هشام بن عروة به. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا إبراهيم ابن موسى، حدثنا عيسى بن يونس، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثني يزيد بن محمد بن خُثيم عن محمد ابن كعب القرظي عن محمد بن خُثيم أبي يزيد، عن عمار بن ياسر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي: «حديث : ألا أحدثك بأشقى الناس؟» تفسير : قال: بلى. قال: «حديث : رجلان: أحيمر ثمود الذي عقر الناقة والذي يضربك يا علي على هذا ــــ يعني: قرنه ــــ حتى تبتل منه هذه» تفسير : يعني لحيته. وقوله تعالى: {فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ} يعني: صالحاً عليه السلام {نَاقَةَ ٱللَّهِ} أي: احذروا ناقة الله أن تمسوها بسوء {وَسُقْيَـٰهَا} أي: لا تعتدوا عليها في سقياها؛ فإن لها شرب يوم، ولكم شرب يوم معلوم، قال الله تعالى: {فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا} أي: كذبوه فيما جاءهم به، فأعقبهم ذلك أن عقروا الناقة التي أخرجها الله من الصخرة آية لهم، وحجة عليهم {فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنبِهِمْ} أي: غضب عليهم فدمر عليهم {فَسَوَّاهَا} أي: فجعل العقوبة نازلة عليهم على السواء. قال قتادة: بلغنا أن أحيمر ثمود لم يعقر الناقة حتى بايعه صغيرهم وكبيرهم وذكرهم وأنثاهم، فلما اشترك القوم في عقرها، دمدم الله عليهم بذنبهم، فسواها. وقوله تعالى: {وَلاَ يَخَافُ} وقرىء: (فلا يخاف) {عُقْبَـٰهَا} قال ابن عباس: لا يخاف الله من أحد تبعة، وكذا قال مجاهد والحسن وبكر بن عبد الله المزني وغيرهم، وقال الضحاك والسدي: { وَلاَ يَخَافُ عُقْبَـٰهَا} أي: لم يخف الذي عقرها عاقبة ما صنع، والقول الأول أولى؛ لدلالة السياق عليه، والله أعلم. آخر تفسير سورة والشمس وضحاها، ولله الحمد والمنة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {كَذَّبَتْ ثَمُودُ } رسولها صالحاً {بِطَغْوَٰهَا } بسبب طغيانها.
الماوردي
تفسير : {كذّبَتْ ثمودُ بِطَغْواها} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: بطغيانها ومعصيتها، قاله مجاهد وقتادة. الثاني: بأجمعها، قاله محمد بن كعب. الثالث: بعذابها، قاله ابن عباس. قالوا كان اسم العذاب الذي جاءها الطّغوى. {فدمْدم عليهم ربهم بذَنْبِهم} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: معناه فغضب عليهم. الثاني: معناه فأطبق عليهم. الثالث: معناه فدمّر عليهم، وهو مثل دمدم، كلمة بالحبشية نطقت بها العرب. {فسوّاها} فيه وجهان: أحدهما: فسوى بينهم في الهلاك، قاله السدي ويحيى بن سلام. الثاني: فسوّى بهم الأرض، ذكره ابن شجرة. ويحتمل ثالثاً: فسوّى مَن بعدهم مِنَ الأمم. {ولا يخافُ عُقباها} فيه وجهان: أحدهما: ولا يخاف الله عقبى ما صنع بهم من الهلاك، قاله ابن عباس. الثاني: لا يخاف الذي عقرها عقبى ما صنع من عقرها، قاله الحسن. ويحتمل ثالثاً: ولا يخاف صالح عقبى عقرها، لأنه قد أنذرهم ونجاه الله تعالى حين أهلكهم.
ابن عبد السلام
تفسير : {بِطَغْوَاهَآ} طغيانها ومعصيتها أو بأجمعها أو بعذابها وكان اسمه الطَّغْوَى.
ابن عادل
تفسير : قوله: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَآ}. في هذه الباء ثلاثة أوجه: أحدها: أنها للاستعانة مجازاً، كقولك: "كتبت بالقلم"، وبه بدأ الزمخشري، يعني فعلت التكذيب بطغيانها، كقولك: ظلمني بجرأته على الله تعالى. والثاني: أنها للتعدية، أي كذبت بما أوعدت به من عذابها ذي الطغيان، كقوله تعالى: {أية : فَأُهْلِكُواْ بِٱلطَّاغِيَةِ} تفسير : [الحاقة: 5] قال ابن عباس - رضي الله عنه -: وكان اسم العذاب الذي جاءها الطغوى، لأنه طغى عليهم. قال ابن الخطيب: وهذا لا يبعد لأن الطغيان مجاوزة [الحد فسمي عذابهم طغوا لأنه كالصيحة مجاوزة] للقدر المعتاد. والثالث: أنها للسببية، أي: بسبب طغيانها، وهو خروجها عن الحدّ في العصيان قاله مجاهد وقتادة وغيرهما. وقال محمد بن كعب: بأجمعها. وقيل: مصدر، وخرج على هذا المخرج، لأنه أشكل برءوس الآي. وقيل: إن الأصل "بطُغيانِهَا" إلا أن "فُعلَى" إذا كانت من ذوات الياء أبدلت في الاسم واو ليفصل بين الاسم والوصف. وقرأ العامة: "بطغواها" بفتح الطاء، وهو مصدر بمعنى الطغيان، وإنما قلبت الياء واواً لما تقدم، من الفرق بين الاسم والصفة، يعني أنهم يقرون ياء "فَعْلى" - بالفتح - صفة، نحو جريا، وصديا، ويقلبونها في الاسم، نحو "تَقْوى، وشَرْوى"، وكان الإقرار في الوصف، لأنه أثقل من الاسم والياء أخف من الواو، فلذلك جعلت في الأثقل. وقرأ الحسن ومحمد بن كعب والجحدري، وحماد: بضم الطاء، وهو أيضاً مصدر، كالرُّجعى والحسنى، إلا أن هذا شاذ، إذ كان من حقه بقاء الياء على حالها، كالسُّقيا، وبابها، وهذا كله عند من يقول: "طغيت طغياناً" بالياء، فأما من يقول: "طغوت" بالواو فالواو أصل عنده. قاله أبو البقاء، وقد تقدم الكلام على اللغتين في البقرة. قوله: {إِذِ ٱنبَعَثَ أَشْقَاهَا}. يجوز في "إذ" وجهان: أحدهما: أن تكون ظرفاً لـ "كذبت". والثاني: أن تكون ظرفاً للطغوى. و "انبعثت" مطاوع بعثت فلاناً على الأمر فانبعث له، و "أشْقَاهَا" فاعل "انبعَثَ" أي: نهض، والانبعاث: الإسراع، وفيه وجهان: أحدهما: ان يراد به شخص معين، روي أن اسمه: قدار بن سالف. والثاني: أن يراد به جماعة قال الزمخشري: ويجوز أن يكونوا جماعة للتسوية في "أفعل" التفضيل، إذا أضيف بين الواحد والجمع والمذكر والمؤنث، وكان يجوز أن يقول: "أشْقَوها". وكان ينبغي أن يقيد، فيقول: إذا أضيف إلى معرفة، لأن المضاف إلى النكرة حكمه الإفراد والتذكير مطلقاً كالمقترن بـ "من". فصل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذ انبَعَثَ أشْقَاهَا: انبعث لهَا رجلٌ عزيزٌ عارمٌ، منيعٌ في أهلِه، مثلُ أبي زمعة" تفسير : الحديث. حديث : وروي عن علي - رضي الله عنه -: أن النبي صلى الله عليه وسلم: قال له:" أتَدْرِي من أشْقَى الأوَّلينَ"؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال عليه الصلاة والسلام: "عَاقرُ النَّاقَةِ"، ثم قال: "أتَدْرِي من أشْقَى الآخرينَ"؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: "قَاتِلُكَ" ". تفسير : قوله: {فَقَالَ لَهُمْ}. إن كان المراد بـ "أشْقَاهَا" جماعة، فعود الضمير من "لهم" عليهم واضح وإن كان المراد به علماً بعينه، فالضمير من "لهم" يعود على "ثمود"، والمراد برسول الله يعني: صالحاً. وقوله تعالى: {نَاقَةَ ٱللَّهِ} منصوب على التحذير، أي احذروا ناقة الله فلا تقربوها، وأضمار الناصب هنا واجب لمكان العطف، فإن إضمار الناصب يجب في ثلاثة مواضع: أحدها: أن يكون المحذر نفس "إياك" وبابه. الثاني: أنه يجب فيه عطف. الثالث: أنه يوجد فيه تكرار، نحو "الأسد الأسد والصبيََّ الصبيَّ، والحذرَ الحذرَ". وقيل: ذروا ناقة الله، كقوله تعالى: {أية : فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِيۤ أَرْضِ ٱللَّهِ} تفسير : [هود: 64]. وقرأ زيد بن علي: "ناقَةُ اللهِ" رفعاً، على إضمار مبتدأ مضمر، أي: هذه ناقة الله فلا تتعرضوا لها. قوله: {وَسُقْيَاهَا}. أي ذروها وشربها، فإنهم لما اقترحوا الناقة، أخرجها لهم من الصخرة وجعل لهم شرب يوم من بئرهم، ولها شرب يوم مكان ذلك، فشق عليهم، فكذبوه يعني صالحاً - عليه الصلاة والسلام - في وعيدهم بالعذاب. {فَعَقَرُوهَا} أي: عقرها الأشقى، وأضاف إلى الكل، لأنهم رضوا بفعله. قال قتادة: بلغنا أنه لم يعقر حتى تابعه صغيرهم وكبيرهم وذكرهم وأنثاهم. وقال الفراء: عقرها اثنان، والعرب تقول: هذان أفضل الناس، وهذا خير الناس، وهذه المرأة أشقى القوم، فلهذا لم يقل: أشقياها. قوله: {فَدَمْدمَ}. الدمدمة: قيل: الإطباق، يقال: دمدمت عليه القبر، أي: أطبقته عليه، أي: أهلكهم وأطبق عليهم العذاب {بِذَنبِهِمْ} الذي هو الكفر والتكذيب والعقر. وقال المؤرج: الدمدمة: الإهلاك باستئصال. وروى الضحاك عن ابن عباس: "دمدم عليهم، دمر عليهم ربهم "بذَنبِهم" أي: بجرمهم. وقال الفراء: "فدَمْدَمَ" أي: أرجف. وحقيقة الدمدمة: تضعيف العذاب وترديده، ويقال: دممت على الشيء: أي: أطبقت عليه، فإذا كرر الإطباق قلت: دمدمت. وفي "الصحاح": ودمدمت الشيء: إذا ألصقته بالأرض وطحطحته. [قال القشيري: وقيل دمدمت على الميت التراب أي سويته عليه، والمعنى على هذا فجعلهم تحت التراب فسواها أي فسوى عليهم الأرض، وعلى الأول: فسواها: أي فسوى الدمامة، وقيل: الدمدمة حكاية صوت الهدة، وذلك أن الصيحة أهلكتهم فأتت على صغيرهم وكبيرهم]. وقال ابن الأنباري: دمدم: أي: غضب، والدمدمة: الكلام الذي يزعج الرجل ودمدمت الثوب طليته بالصيغ والباء في بذنبهم للسببية. وقرأ ابن الزبير: "فدهدم" بهاء بين الدالين بدل الميم، وهي بمعنى القراءة المشهورة. قال القرطبي: "وهما لغتان، كما يقال: امتقع لونه، وانتقع". قوله: {فَسَوَّاهَا}. الضمير المنصوب يجوز عوده على "ثمود" باعتبار القبيلة كما أعاده في قوله تعالى {بِطَغْوَاهَآ} ويجوز عوده على "الدمدمة" والعقوبة أي: سواها بينهم، فلم يفلت منهم أحد. قوله: {وَلاَ يَخَافُ عُقْبَاهَا}. قرأ نافع وابن عامر: "فَلاَ" بالفاء، والباقون: بالواو، ورسمت في مصاحف المدينة والشام بالفاء، وفي غيرها بالواو، فقد قرأ كل بما يوافق رسم مصحفه. وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ: ولم يخف، وهي مؤيدة لقراءة الواو. ذكره الزمخشري. فالفاء تقتضي التعقيب، وهو ظاهر، والواو يجوز أن تكون للحال، وأن تكون لاستئناف الإخبار. قال القرطبي: روي أن ابن وهب وابن القاسم قالا: أخرج إلينا مالك مصحفاً لجده، وزعم أنه كتبه في أيام عثمان بن عفان - رضي الله عنه - حين كتب المصاحف، وفيه: "ولاَ يَخافُ" بالواو وكذا هي في مصاحف أهل مكة والعراق: بالواو، واختاره أبو عبيدة وأبو حاتم. وضمير الفاعل في "يَخَافُ" الأظهر عوده على الرب تبارك وتعالى، لأنه أقرب مذكور، وهو قول ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد، والهاء في "عُقْبَاهَا" ترجع إلى الفعلة، وذلك لأنه تعالى يفعل ذلك بحق، وكل من فعل فعلاً بحق فإنه لا يخاف عاقبة فعله. وقيل: المراد تحقيق ذلك الفعل والله تعالى أجل من أن يوصف بذلك. وقيل: المعنى أنه بالغ في الإعذار إليهم مبالغة من لا يخاف عاقبة عذابهم. وقيل: يرجع إلى رسول الله، أي: لا يخاف صالح - عليه الصلاة والسلام - عقبى هذه العقوبة لإنذاره إياهم، ونجاه الله حين أهلكهم. وقال السديُّ والضحاك والكلبي: إن الضمير يرجع إلى "أشْقَاهَا"، أي: انبعث لعقرها والحال أنه غير خائف عاقبة هذه الفعلة الشنعاء، وهو مروي عن ابن عباس - رضي الله عنه - أيضاً. في الكلام تقديم وتأخير: إذ انبعث أشقاها ولا يخاف عقباها، وعقبى الشيء: خاتمته. وروى الثعلبي عن أبيٍّ - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَنْ قَرَأ {وَٱلشَّمْسِ وَضُحَاهَا} فكَأَنَّمَا تصدَّق بِكُلِّ شيءٍ طَلعتْ عليْهِ الشَّمْسُ والقَمرُ".
اسماعيل حقي
تفسير : {كذبت ثمود} المراد القبيلة ولذا قال {بطغواها} وهو استئناف وارد لتقرير مضمون قوله تعالى وقد خاب من دساها فان الطغيان اعظم انواع التدسية والطغوى بالفتح مصدر بمعنى الطغيان الا انه لما كان اشبه برؤوس الآيات اختير على لفظ الطغيان وان كان الطغيان اشهرو فى الكشف الطغوى من الطغيان فصلوا بين الاسم والصفة فى فعلى من بنات الياء بان قلبوا الياء واوا فى الاسم وتركوا القلب فى الصفة فقالوا امرأة خزيا وصديا من الخزى بالفتح والقصر بمعنى الاستحياء ومن الصدى بمعنى العطش والباء للسببية اى فعلت التكذيب بسبب طغيانها كما تقول ظلمنى بجرآءته على الله فالفعل منزل منزلة اللازم فلا يقدر له مفعول وهو المشهور او كذبت ثمود نبيها صالحا عليه السلام فحذف المفعول للعلم به وفيه اشارة الى أن العصيان اذا اشتد بلغ الكفر ويجوز ان تكون الباء صلة للتكذيب اى كذبت بما اوعدت به من العذاب ذى الطغوى والتجاوز عن الحد وهو الصيحة كقوله تعالى فاهلكوا بالطاغية اى بصيحة ذات طغيان.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {كذبتْ ثمودُ} صالحاً {بطغواها} أي: بسبب طغيانها، إذ الحامل لهم على التكذيب هو طغيانهم، وفيه وعظ لأمثالهم، وتهديد للحاضرين الطاغين؛ لأنَّ الطغيان أجرم الجرائم الموجبة للهلاك والخيبةِ في الدنيا والآخرة. {إِذ انبعث أشقاها}، منصوب بـ "كذبتْ"، أي: حين قام أشقى ثمود، وهو: قُدّار بن سالف، أو: هو ومَن تصدّى معه للعقر من الأشقياء، فإنَّ أفعل التفضيل إذا أضيف يصلح للواحد والمتعدد، والمذكر والمؤنث. وفضل شقاوتهم على مَن عداهم لمباشرتهم العقر مع اشتراك الكل في الرضا به. {فقال لهم} أي: لثمود {رسولُ الله} صالح عليه السلام, عبَّر عنه بعنوان الرسالة إيذاناً بوجوب طاعته, وبياناً لغاية عتوهم، وهو السر في إضافة الناقة إليه تعالى في تقوله: {ناقةَ الله} أي: احذروا عقرها، أو احفظوها، {و} الزموا {سُقياها} فلا تُدَوروها في نوبتها، وهما منصوبان على التحذير. {فكذّبوه} فيما حذّرهم به من نزول العذاب بقوله: {أية : وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوۤءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}تفسير : [الأعراف:73]، {فعقروها}، أسند الفعل إليهم، وإن كان العاقر واحداً، لقوله: {أية : فَنَادَوْاْ صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَىٰ فَعَقَرَ }تفسير : [القمر:29] لرضاهم به. قال قتادة: بلغنا أنه لم يعقرها حتى تابعه صغيرهم وكبيرهم. وذكرانهم وإناثهم". {فَدَمْدَمَ عليهم ربُّهم}؛ فأطبق عليهم العذاب حتى استأصلهم. قال الهروي: إذا كررت الإطباق قلت: دمدمت عليه، أي: أدمت عليه الدمدمة, وقيل: فدمدم عليهم: عَضِبَ عليهم، {بذنبهم}؛ بسبب ذنبهم، وصّرح به مع دلالة الفاء عليه للإيذان بأنه عاقبة كل ذنب ليعتبر به كل مذنب. {فسوَّاها} أي: الدمدمةّ بينهم، لم يفلت منهم أحد من صغيرهم وكبيرهم، أو فسوّى ثمود بالأرض بتسوية بنائها وهدمه،{وَلآ يَخَافُ عُقْبَآهَا} [الشمس:15] أي: عاقبتها وتَبِعَتها، كما يخاف سائر المعاقِبين أي: فعل ذلك غير خائف أن يلحقه تبعة مِن أحد، كما يخاف مَن يعاقب مِن الملوك وغيرهم, لأنه تصرف في ملكه، {أية : لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ }تفسير : [الأنبياء:23]. ومَن قرأ بالواو فهو للحال، أو الاستئناف. الإشارة: قال القشيري: كذبت ثمودُ النفس بسبب طغيانها على القلب بالشهوات الحيوانية, واللذات الجسمانية، إذ انبعث أشقاها، هو الهوى المتبع، الساعي في قتل ناقة الروح، فقال لهم رسول الله؛ القلب الصالح: ناقةَ الله, أي: اتركوا ناقةَ الله ترعى في المراتع الروحانية، من المكاشفات والمشاهدات والمعاينات، فكذّبوه؛ فكذبت ثمود النفس وجنودُها رسولَ القلب، فعقروها، أي: الروح بالظلمة النفسانية والشهوة الحيوانية، فَدَمْدَم عليهم ربُّهم؛ على ثمود النفس وقومها عذاب البُعد والطرد, بذنبهم، فسوّاها، أي: فسوّى الدمدمة، وهي الإطباق على النفس وجنودها، فلا يخاف عقباها لغناه عن العالمين. هـ. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
الطوسي
تفسير : قرأ اهل المدينة وابن عامر {فلا يخاف} بالفاء وكذلك هي فى مصاحف أهل المدينة وأهل الشام. الباقون بالواو، وكذلك فى مصاحفهم. يقول الله تعالى مخبراً عن ثمود وهم قوم صالح {كذبت ثمود بطغواها} قال ابن عباس: يعني بعذابها أي بعذاب الطاغية فأتاها ما كذبت به. وقال مجاهد: بمعصيتها - وهو قول ابن زيد - وهو وجه التأويل، والطغوى والطغيان مجاوزة الحد فى الفساد وبلوغ غايته، تقول: طغى يطغي إذا جاوز الحد، ومنه قوله {أية : لما طغى الماء}تفسير : أي لما تجاوز المقدار على ما جرت به العادة وكثر. وقوله {إذا انبعث أشقاها} أى كان تكذيبها حين انبعث أشقى ثمود، وقيل اسمه قدار بن سالف. وقال قوم: عقر الناقة هو تكذيبهم. وقيل: لا، بل هو غيره. وقيل: كانوا أقروا بأن لها شرباً ولهم شرب غير مصدقين بأنه حق. والشقاء شدة الحال فى مقاساة الآلام، فالاشقا هو الاعظم شقاء، ونقيض الشقاء السعادة، ونقيض السعود النحوس يقال: شقي يشقى شقاء، فهو شقي نقيض سعيد، واشقاه الله اشقاء. وقوله {فقال لهم رسول الله} يعني صالحاً، فانه قال لهم: ناقة الله وتقديره فاحذروا ناقة الله، فهو نصب على الاغراء كما تقول: الأسد الاسد، أي احذره {وسقياها} فالسقاء الحظ من الماء. وهو النصيب منه، كما قال تعالى {أية : لها شرب ولكم شرب يوم معلوم}تفسير : والسقي التعريض للشرب. وقوله {فكذبوه} أي كذب قوم صالح صالحاً ولم يلتفتوا إلى قوله، {فعقروها} يعني الناقة. فالعقر قطع اللحم بما يسيل الدم عقره يعقره عقراً فهو عاقر، ومنه عقر الحوض وهو أصله، والعقر نقض الشيء عن أصل بنية الحيوان، وعاقر الناقة أحمر ثمود، وهم يروه وكلهم رضوا بفعله. فعمهم البلاء بأن عاقبهم الله تعالى لرضاهم بفعله. وقوله {فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها} معناه أهلكهم الله تعالى عقوبة على ذنوبهم من تكذيب صالح وعقر الناقة. وقيل: معنى دمدم عليهم دمر عليهم. وقيل: معناه أطبق عليهم بالعذاب يقال دمدمت على الشيء إذا ضيقت عليه، وناقة مدمدمة قد ألبسها الشحم، فاذا كررت الاطباق قلت دمدمت. وقيل {دمدم عليهم} أي غضب عليهم، فالدمدمة ترديد الحال المتكرهة، وهي مضاعفة ما فيه المشقة، فضاعف الله تعالى على ثمود العذاب بما ارتكبوا من الطغيان. وقوله {فسواها} أي جعل بعضها على مقدار بعض فى الاندكاك واللصوق بالارض، فالتسوية تصيير الشيء على مقدار غيره. وقوله {ولا يخاف عقابها} قال ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد: معناه لا يخاف الله تعالى تبعة الدمدمة. وقال الضحاك: معناه لم يخف الذي عقرها عقباها والعقبى والعاقبة واحد، وهو ما أدى اليه الحال الأولى، قال ابو علي: من قرأ بالفاء فللعطف على قوله {فكذبوه فعقروها} فلا يخاف كأنه تبع تكذيبهم عقرهم أي لم يخافوا. ومن قرأ (ولا) بالواو جعل الجملة فى موضع الحال، وتقديره فسواها غير خائف عقباها أي غير خائف أن يتعقب عليه فى شيء مما فعله.
الجنابذي
تفسير : {كَذَّبَتْ ثَمُودُ} جواب سؤالٍ مقدّرٍ واستشهاد على خيبة من دسّى نفسه {بِطَغْوَاهَآ} الباء للسّببيّة، والطّغوى بمعنى الطّغيان والعصيان، وقيل: الباء صلة كذّبت والطّغوى اسم للعذاب الّذى نزل بهم.
الهواري
تفسير : {كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَآ} على هذا وقع القسم. وقوله بطغواها، أي بطغيانها، أي: بشركها، وتكذيبها رسلها بما جاء به من عند الله. وتفسير مجاهد: بمعصيتها، وهو واحد. قال عز وجل: {إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا} وهو أحمر ثمود الذي عقر الناقة، وقد فسرنا أمرها وعقرهم إياها في غير هذا الموضع. {فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ} يعني صالحا {نَاقَةَ اللهِ وَسُقْيَاهَا} أي: اتقوا ناقة الله ولا تمسوها بسوء، واتقوا سقياها، أي شربها، لا تمنعوها منه؛ كانت تشربه يوماً ويشربونه يوماً. قال تعالى: {فَكَذَّبُوهُ} يعني صالحاً {فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنبِهِمْ} أي حرّك بهم الأرض فأهلكهم بذنبهم {فَسَوَّاهَا} أي: بالعقوبة. {وَلاَ يَخَافُ عُقْبَاهَا} أي: لا يخاف الله تباعة، أي: لا يُتَبع بذلك كقوله تعالى: (أية : ثُمَّ لاَ َتَجِدُواْ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعاً) تفسير : [الإِسراء:69] أي: يتبعها بذلك لكم. وبعضهم يقول: فلا يخاف الذي عقر الناقة، حين عقرها، عقباها. أي: لم يخف أن يصيبه العقاب. وفيها في هذا التفسير تقديم؛ يقول: إذ انبعث أشقاها فلا يخاف عقباها. لا حول عن معاصي الله إلا بعصمة من الله ولا قوة على طاعة الله إلا بعون الله.
اطفيش
تفسير : {كَذَّبَتْ ثَمُودُ بَطَغْوَاهَا} بسبب طغواها ومفعول كذبت محذوف أي كذبت صالحا وهو نبيهم وقيل الباء مثل الباء في كتبت بالقلم والجمهور على الأول وقيل للتعدية والمراد كذبت بما وعدت به من عذابها ذي الطغوى أي المجاوز الحد في الشدة قال ابن عباس الطغوى هنا العذاب والأصل طغياها قلبت الياء واوا فرقا بين المصدر والصفة وقرأ بضم الطاء كالرجع وهي قراءة الحسن.
اطفيش
تفسير : {كَذَّبَتْ ثَمُودُ} متعلق بقوله وقد خاب من دساها وزعم بعض أنه جواب القسم أو دليله أى ليهلكن قومك كما دمدم على قوم صالح، وفيه أن الأَصل عدم الحذف إذ وجدنا الجواب بلا حذف وهو قد أفلح الخ وحذف اللام منه للطول كما سبق أولى من حذف الجملة والتزكية مقصودة بالذات ولا نسلم أنها تبع لقوله فأَلهمها الخ فهى جديرة بالجوابية {بِطَغْوَاهَا} تجاوزها الحد فى العصيان يقال طغا يطغو طغوانا وطغى يطغى طغياناً فليس مما صفته بالياءِ ومصدره بالواو بأَن يقال فى المصدر الطغوى وفى الوصف امرأة طغيا كتقوى مصدر أو امرأة تقيا صفة والباءَ سببية متعلقة بكذبت، وقيل الباءِ صلة لكذبت والطغوى العذاب وصفاً لا مصدراً على خلاف ما مر أى كذبت بعذابهم الطاغى أى مجاوز الحد فى الشدة أومصدر وصف به العذاب مبالغة أو يقدر مضاف أو بؤَول بالوصف.
الالوسي
تفسير : استئناف وارد لتقرير مضمون قوله تعالى: {أية : وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّـٰهَا }تفسير : [الشمس: 10] وجعل الزمخشري قوله تعالى: {أية : قَدْ أَفْلَحَ}تفسير : [الشمس: 9] الخ تابعاً لقوله تعالى: {أية : فَأَلْهَمَهَا}تفسير : [الشمس: 8] الخ على سبيل الاستطراد وأبـى أن يكون جواب القسم وجعل الجواب محذوفاً مدلولاً عليه بهذا كأنه قيل ليدمدمن الله تعالى على كفار مكة لتكذيبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما دمدم على ثمود لتكذيبهم صالحاً عليه السلام فقيل إن ذلك لما يلزم من حذف اللام وإنه لا يليق بالنظم المعجز أن يجعل أدنى الكمالين - أعني التزكية لاختصاصها بالقوة العملية - المقصود بالإقسام ويعرض عن أعلاهما أعني التحلية بالعقائد اليقينية التي هي لب الألباب وزبدة ما مخضته الأحقاب، ولو سلم عدم الاختصاص فهي مقدمة التحلية في البابين وأما حذف المقسم عليه فكثير شائع لا سيما في الكتاب العزيز. وتعقب بأن حذف اللام كثير لا سيما مع الطول وهو أسهل من حذف الجملة بتمامها وقد ذكره في {أية : قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ}تفسير : [المؤمنون: 1] فما حدا مما بدا وأن التزكية مراداً بها الإنماء لا اختصاص لها وليست مقدمة بل مقصودة بالذات ولو سلم فلا مانع من الاعتناء ببعض المقدمات أحياناً لتوقف المقاصد عليها فتدبر. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبـي حاتم عن سعيد بن جبير أنه قال في {فَأَلْهَمَهَا} ألزمها وأخرجه الديلمي عن أنس مرفوعاً وعلى ذلك قال الواحدي وصاحب «المطلع» الإلهام أن يوقع في القلب التوفيق والخذلان فإذا أوقع سبحانه في قلب عبد شيئاً منهما فقد ألزمه سبحانه ذلك الشيء ويزيد ذلك قوة ما أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود حديث : عن عمران بن حصين أن رجلين من مزينة أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا يا رسول الله أرأيت ما يعمل الناس [اليوم] ويكدحون فيه أشيء قُضي عليهم ومضى فيهم من قدر قد سبق أو فيما يُستقبلون به مما أتاهم به نبيهم وثبتت الحجة عليهم فقال عليه الصلاة والسلام لا بل شيء قضى عليهم ومضى فيهم وتصديق ذلك في كتاب الله تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} [الشمس: 7ـ8]تفسير : ولا يقتضي ذلك أن لا يكون لقدرة العبد واختياره مدخل في الفجور والتقوى بالكلية وإن قيل إن مآله إلى خلق الله تعالى إياهما ليقال يأباه حينئذٍ قوله تعالى: {أية : قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّـٰهَا }تفسير : [الشمس: 9] الخ حيث جعل فيه العبد فاعل التزكية بالتقوى والتدسية بالفجور لأن الإسناد يقتضي قيام المسند ويكفي فيه المدخلية المذكورة ولا يتوقف صحة الإسناد حقيقة إلى العبد على كون فعله الإيجاد فالاستدلال بهذا الإسناد على كونه متمكناً من اختيار ما شاء من الفجور والتقوى وإيجاده إياه بقدرة مستقلة فيه على خلاف ما يقوله الجماعة ليس بشيء، على أن الضمير المستتر في {زَكَّـٰهَا} وكذا في {دَسَّـٰهَا} لله عز وجل والبارز لمن بتأويل النفس فقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبـي حاتم عن ابن عباس أنه قال في ذلك يقول الله تعالى: قد أفلح من زكى الله تعالى نفسه فهداه وقد خاب من دسى الله تعالى نفسه فأضله بل أخرج عنه ابن أبـي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والديلمي أنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في قوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّـٰهَا } الآية حديث : أفلحت نفس زكاها الله تعالى وخابت نفس خيبها الله تعالى من كل خيرتفسير : وأخرج الإمام أحمد وابن أبـي شيبة ومسلم والنسائي عن زيد بن أرقم قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((حديث : اللهم آت نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها))تفسير : وفي رواية الطبراني وغيره عن ابن عباس أنه عليه الصلاة والسلام إذا تلا هذه الآية وقف وقال ذلك. ولهذه الأخبار ونحوها قال بعضهم: إن ذلك هو / المرجح ورجحه صاحب «الانتصاف» بأن الضمائر في {أية : وَٱلسَّمَآءِ وَمَا بَنَاهَا}تفسير : [الشمس: 5] الخ تكون عليه متسقة عائدة كلها إلى الله تعالى وبأن قوله تعالى {أية : قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ}تفسير : [الأعلى: 14] أوفق به لأن تزكى مطاوع زكى فيكون المعنى قد أفلح من زكاه الله تعالى فتزكى ومع هذا كله لا ينبغي أن ينكر أن المعنى السابق هو السابق إلى الذهن وما ذكر من الأخبار ليس نصاً في تعيين المعنى الآخر، نعم هو نص في تكذيب الزمخشري في زعمه أنه من تعكيس القدرية يعني بهم أهل السنة والجماعة فتأمل. والطغوى مصدر من الطغيان بمعنى تجاوز الحد في العصيان فصلوا بين الاسم والصفة في فعلى من بنات الياء بأن قلبوا الياء واواً في الاسم وتركوا القلب في الصفة فقالوا في الصفة امرأة صديا وخزيا وفي الاسم تقوى وطغوى كذا في «الكشاف» وغيره، وكلام الراغب يدل على أن طغى واوي ويائي حيث قال يقال: طغوت وطغيت طغواناً وطغياناً فلا تغفل. والباء عند الجمهور للسببية أي فعلت التكذيب بسبب طغيانها كما تقول ظلمني الخبيث بجراءته على الله تعالى وجعلها الزمخشري للاستعانة والأمر سهل. وجوز أن تكون صلة للتكذيب على معنى كذبت بما أوعدت به في لسان نبيها من العذاب ذي الطغوى أي التجاوز عن الحد والزيادة ويوصف العذاب بالطغيان بهذا المعنى كما في وقوله تعالى: {أية : فَأُهْلِكُواْ بِٱلطَّاغِيَةِ }تفسير : [الحاقة: 5] وقد يوصف بالطغوى مبالغة كما يوصف بسائر المصادر لذلك فلا يكون هناك مضاف محذوف. وقرأ الحسن ومحمد بن كعب وحماد بن سلمة (طغواها) بضم الطاء وهو مصدر أيضاً كالرجعى والحسنى في المصادر إلا أنه قيل كان القياس الطغيا كالسقيا لأن فعلى بالضم لا يفرق فيه بين الاسم والصفة كأنهم شذوا فيه فقلبوا الياء واواً، وأنت تعلم أن الواو عند من يقول طغوت أصلية.
ابن عاشور
تفسير : {كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَآ * إِذِ ٱنبَعَثَ أَشْقَاهَا * فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ نَاقَةَ ٱللَّهِ وَسُقْيَاهَا * فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا}. إن كانت جملة { أية : قد أفلح من زكاها } تفسير : [الشمس: 9] الخ معترضة كانت هذه جواباً للقسم باعتبار ما فرع عليها بقوله: {فدَمْدَم عليهم ربهم بذنبهم} أي حقاً لقد كان ذلك لِذلك، ولام الجواب محذوف تخفيفاً لاستطالة القسم، وقد مثلوا لحذف اللام بهذه الآية وهو نظير قوله تعالى: {أية : والسماء ذات البروج} تفسير : [البروج: 1] إلى قوله: { أية : قتل أصحاب الأخدود } تفسير : [البروج: 4]. والمقصود: التعريض بتهديد المشركين الذين كذّبوا الرسول طغياناً هم يعلمونه من أنفسهم كما كذبت ثمود رسولهم طغياناً، وذلك هو المحتاج إلى التأكيد بالقَسَم لأن المشركين لم يهتدوا إلى أن ما حل بثمود من الاستئصال كان لأجل تكذيبهم رسول الله إليهم، فنبههم الله بهذا ليتدبروا أو لتنزيل علم من علم ذلك منهم منزلة الإِنكار لعدم جَرْي أمرهم على موجَب العلم، فكأنه قيل: أقسم لَيصيبكم عذابٌ كما أصاب ثمود، ولقد أصاب المشركين عذاب السيف بأيدي الذين عادَوْهم وآذوهم وأخرجوهم، وذلك أقسى عليهم وأنكى. فمفعول {كذبت} محذوف لدلالة قوله بعده: {فقال لهم رسول الله} والتقدير: كذبوا رسول الله. وتقدم ذكْر ثمود ورسولهم صالح عليه السلام في سورة الأعراف. وباء {بطغواها} للسببية، أي كانت طغواها سبب تكذيبهم رسول الله إليهم. والطغوى: اسم مصدر يقال: طغا طَغْوا وطُغياناً، والطغيان: فرط الكِبر، وقد تقدم عند قوله تعالى: { أية : ويمُدُّهم في طغيانهم يعمهون } تفسير : في سورة البقرة (15)، وفيه تعريض بتنظير مشركي قريش في تكذيبهم بثمود في أن سبب تكذيبهم هو الطغيان والتكبر عن اتباع من لا يرون له فضلاً عليهم: { أية : وقالوا لولا نزّل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم } تفسير : [الزخرف: 31]. و{إذْ} ظرف للزمن الماضي يتعلق بــــ {طغواها} لأن وقت انبعاث أشقاها لعقر الناقة هو الوقت الذي بدت فيه شدة طغواها فبعثوا أشقاهم لعقر الناقة التي جُعلت لهم آية وذلك منتهى الجُرأة. و{انبعث}: مطاوع بَعَث، فالمعنى: إذ بعثوا أشقاهم فانبعث وانتدب لذلك. و{إذ} مضاف إلى جملة: {انبعث أشقاها}. وقدم ذكر هذا الظرف عن موقعه بعد قوله: {فقال لهم رسول الله ناقة الله} لأن انبعاث أشقاها لعقر الناقة جُزئي من جزئيات طغواهم فهو أشد تعلقاً بالتكذيب المسبب عن الطغوى ففي تقديمه قضاء لحق هذا الاتصال، ولإفادة أن انبعاث أشقاهم لعقر الناقة كان عن إغراء منهم إياه، ولا يفوت مع ذلك أنه وقع بعد أن قال لهم رسول الله ناقة الله، ويستفاد أيضاً من قوله: {فعقروها}. و{أشقاها}: أشدها شِقوة، وعني به رجل منهم سماه المفسرون قُدار (بضم القاف وتخفيف الدال المهملة) ابن سالف، وزيادته عليهم في الشقاوة بأنه الذي باشر الجريمة وإن كان عن ملإ منهم وإغراء. والفاء من قوله: {فقال لهم رسول الله} عاطفة على {كذبت} فتفيد الترتيب والتعقيب كما هو الغالب فيها، ويَكون معنى الكلام: كذبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فتحداهم بآية الناقة وحذَّرهم من التعرض لها بسوء ومِن منعهم شربها في نوبتها من السُّقيا، وعطف على {فكذبوه}، أي فيما أنذرهم به فعقروها بالتكذيب المذكور أول مرة غير التكذيب المذكور ثانياً. وهذا يقتضي أن آية الناقة أرسلت لهم بعد أن كذبوا وهو الشأن في آيات الرسل، وهو ظاهر ما جاء في سورة هود. ويجوز أن تكون الفاء للترتيب الذكري المجرد وهي تفيد عطف مفصل على مجمل مثل قوله تعالى: { أية : فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه } تفسير : [البقرة: 36] فإن إزلالهما إبعادهما وهو يحصل بعد الإِخراج لا قبله. وقوله: { أية : وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا } تفسير : [الأعراف: 4]، فيكون المعنى: كذبت ثمود بطغواها إذ انبعث أشقاها. ثم فُصل ذلك بقوله: {فقال لهم رسول اللَّه} إلى قوله: {فعقروها}، والعقر عند انبعاث أشقاها، وعليه فلا ضرورة إلى اعتبار الظرف وهو: {إذ انبعث أشقاها} مقدَّماً من تأخير. وأعيدت عليهم ضمائر الجمع باعتبار أنهم جمع وإن كانت الضمائر قبله مراعىً فيها أن ثمود اسم قبيلة. وانتصب {ناقة اللَّه} على التحذير، والتقدير: احذروا ناقة الله. والمراد: التحذير من أن يؤذوها، فالكلام من تعليق الحكم بالذوات، والمرادُ: أحوالها. وإضافة {ناقة} إلى اسم الجلالة لأنها آية جعلها الله على صدق رسالة صالح عليه السلام ولأن خروجها لهم كان خارقاً للعادة. والسقيا: اسم مصدر سَقى، وهو معطوف على التحذير، أي احذروا سقيها، أي احذروا غصب سقيها، فالكلام على حذف مضاف، أو أطلق السقيا على الماء الذي تسقى منه إطلاقاً للمصدر على المفعول فيرجع إلى إضافة الحكم إلى الذات. والمراد: حالة تعرف من المقام، فإن مادة سقيا تؤذن بأن المراد التحذير من أن يسقوا إبلهم من الماء الذي في يوم نوبتها. والتكذيب المعقب به تحذيره إياهم بقوله: {ناقة اللَّه}، تكذيب ثانٍ وهو تكذيبهم بما اقتضاه التحذير من الوعيد. والإِنذارُ بالعذاب إن لم يحذروا الاعتداء على تلك الناقة، وهو المصرح به في آية سورة الأعراف (73) في قوله: { أية : ولا تَمسُّوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم }. تفسير : وبهذا الاعتبار استقام التعبير عن مقابلة التحذير بالتكذيب مع أن التحذير إنشاء، فالتكذيب إنما يتوجه إلى ما في التحذير من الإِنذار بالعذاب. والعَقْر: جرح البعير في يديه ليبرك على الأرض من الألم فينحَر في لبته، فالعقر كناية مشهورة عن النحر لتلازمهما. {فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا * وَلاَ يَخَافُ عُقْبَـٰهَا}. أي صاح عليهم ربهم صيحة غضب. والمراد بهذه الدمدمة صوت الصاعقة والرجفة التي أهلكوا بها قال تعالى: { أية : فأخذتهم الصيحة } تفسير : [الحجر: 73]، وإسناد ذلك إلى الله مجاز عقلي لأن الله هو خالق الصيحة وكيفياتها. فوزن دَمْدَم فَعْلَل، وقال أكثر المفسرين: دمدم عليهم أطبق عليهم الأرض، يقال: دَمَّمَ عليه القبر، إذا أطبقه ودَمْدَم مكرر دَمَّم للمبالغة مثل كَبْكَب، وعليه فوزن دَمْدَم فَعْلَلَ. وفرع على «دمدم عليهم» {فسواها} أي فاستَووا في إصابتها لهم، فضمير النصب عائد إلى الدمدمة المأخوذة من «دمدم عليهم». ومن فسروا «دمدم» بمعنى: أطبق عليهم الأرض قالوا معنَى «سوَّاها»: جعل الأرض مستوية عليهم لا تظهر فيها أجسادهم ولا بلادهم، وجَعَلوا ضمير المؤنث عائداً إلى الأرض المفهومة من فعل «دمدم» فيكون كقوله تعالى: { أية : لو تسَّوَّى بهم الأرضُ } تفسير : [النساء: 42]. وبين {فسواها} هنا وقوله: { أية : وما سواها } تفسير : [الشمس: 7] قبله محسن الجناس التام. والعقبى: ما يحصل عقِب فعل من الأفعال مِن تبعة لفاعِلِه أو مَثوبة، ولما كان المذكور عقاباً وغلبة وكان العرف أن المغلوب يكنّى في نفسه الأخذ بالثأر من غالبه فلا يهدَأ له بال حتى يثأر لنفسه، ولذلك يقولون: الثَّأْر المُنِيم، أي الذي يزيل النوم عن صاحبه، فكان الذي يغلب غيره يتقي حذراً من أن يتمكن مغلوبُه من الثأر، أخْبَرَ الله أنه الغالب الذي لا يقدر مغلوبُه على أخذ الثأر منه، وهذا كناية عن تمكن الله من عقاب المشركين، وأن تأخير العذاب عنهم إمهال لهم وليس عن عجز فجملة {ولا يخاف عقباها} تذييل للكلام وإيذان بالختام. ويجوز أن يكون قوله: {ولا يخاف عقباها} تمثيلاً لحالهم في الاستئصال بحال من لم يترك مَن يثأر له فيكون المثَل كناية عن هلاكهم عن بكرة أبيهم لم يبق منهم أحد. وقرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر {فلا يخاف عقباها} بفاء العطف تفريعاً على {فدمدم عليهم ربهم} وهو مكتوب بالفاء في مصاحف المدينة ومصحف الشام... ومعنى التفريع بالفاء على هذه القراءة تفريع العلم بانتفاء خوف الله منهم مع قوَّتهم ليرتدع بهذا العلم أمثالهم من المشركين. وقرأ الباقون من العشرة: {ولا يخاف عقباها} بواو العطف أو الحال، وهي كذلك في مصاحف أهل مكة وأهل البصرة والكوفة، وهي رواية قُرائها. وقال ابن القاسم وابن وهب: أخرج لنا مالك مصحفاً لجدِّه وزعم أنه كتبه في أيام عثمان بن عفان حين كَتب المصاحف وفيه {ولا يخاف} بالواو، وهذا يقتضي أن بعض مصاحف المدينة بالواو ولكنهم لم يقرأوا بذلك لمخالفته روايتهم.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَآ * إِذِ ٱنبَعَثَ أَشْقَاهَا فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ نَاقَةَ ٱللَّهِ وَسُقْيَاهَا * فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا}. ثمود اسم للقبيلة أسند إليها التكذيب، أي بنبي الله صالح، وأشقاها هو عاقر الناقة أسند الانبعاث له وحده بين ما جاء بعده، {فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا} [الشمس: 14]، فأسند العقر لهم. وقد تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه الجمع بين ذلك في سورة الزخرف، ومضمونه أنهم متواطؤون معه كما في قوله: {أية : فَنَادَوْاْ صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَىٰ فَعَقَرَ} تفسير : [القمر: 29]، فكانوا شركاء له في عقرها كما قال الشاعر: شعر : والسامع الذم شريك لقائه ومطعم المأكول شريك للآكل تفسير : وفي حديث : قصة أبي طلحة في صيد الحمار الوحشي، سألهم النَّبي صلى الله عليه وسلم وهم محرمون للعمرة "هل دله عليه منكم أحد؟ قالوا: لا، قال: هل عاونه عليه منكم أحد؟ قالوا: لا، قال: فكلوا إذاً"تفسير : ، لأن مفهومه: لو عاونوا أو دلوا لكانوا شركاء في صيده، فيحرم عليهم لقوله تعالى: {أية : لاَ تَقْتُلُواْ ٱلصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} تفسير : [المائدة: 95]، وبعدم اشتراكهم حل لهم، فلو عاونوا أو شاركوا لحرّم عليهم، وهنا لما كانوا راضين ونادوه وتعاطى سواء عهودهم أو عطاؤهم أو غير ذلك فعقرها وحده، كان هذا باسم الجميع، فكانت العقوبة باسم الجميع، ويؤخذ من هذا قتل الجماعة بالواحد، وعقوبة الربيئة مع الجاني، والله تعالى أعلم.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: ثمود: أي أصحاب الحجر كذبوا رسولهم صالحا عليه السلام. بطغواها: أي بسبب طغيانها في الشرك والمعاصي. إذ انبعث: أي انطلق مسرعا. أشقاها: أي أشقى القبيلة وهو قُدار بن سالف الذي يضرب به المثل فيقال أشأم من قدار. رسول الله: أي صالح عليه السلام. ناقة الله وسقياها: أي ذروها وشربها في يومها. فكذبوه: أي فيما أخبرهم به من شأن الناقة. فعقروها: أي قتلوها ليخلص لهم ماء شربها في يومها. فدمدم: أي أطبق عليهم العذاب فأهلكهم. بذنبهم: أي بسبب ذنوبهم التي هي الشرك والتكذيب وقتل الناقة. فسواها: أي سوى الدمدم عليهم فلم يفلت منهم أحد. ولا يخاف عقباها: أي ولا يخاف الربّ تعالى تبعة إهلاكهم كما يخاف الإِنسان عاقبة فعله إذا هو قتل أحدا أو عذبه. معنى الآيات: قوله تعالى {كَذَّبَتْ ثَمُودُ} إلى قوله {وَلاَ يَخَافُ عُقْبَاهَا} هذه الآيات سيقت للتدليل على أمور هي أن الذنوب موجبة لعذاب الله في الدنيا والآخرة، وأن تكذيب الرسول الذي عليه كفار مكة منذر بخطر عظيم إذا استمروا عليه فقد يهلكهم الله به كما أهلك أصحاب الحجر قوم صالح، وأن محمداً رسول الله حقا وصدقا وإن إنكار قريش له لا قيمة له، وأنه لا إله إلا الله. وأن البعث والجزاء ثابتان بأدلة قدرة الله وعلمه فقوله تعالى {كَذَّبَتْ ثَمُودُ} إخبار منه تعالى المراد به إنذار قريش من خطر استمرارها على التكذيب وتسلية الرسول والمؤمنين وقوله {بِطَغْوَاهَآ} أي بسبب ذنوبها التي بلغت فيها حد الطغيان الذي هو الإِسراف ومجاوزة الحد في الأمر. وبيّن تعالى ظرف ذلك بقوله {إِذِ ٱنبَعَثَ} أشقى تلك القبيلة الذي هو قُدار بن سالف الذي يضرب به المثل في الشقاوة فيقال أشأم من قدار وقال فيه رسول الله أشقى الأولين والآخرين قدار بن سالف وقوله فقال لهم رسول الله أي صالح {نَاقَةَ ٱللَّهِ} أي احذروها فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم ذروها وسقياها أي وماء شربها إذ كان الماء قسمة بينهم لها يوم ولهم يوم. {فَكَذَّبُوهُ} في ذلك وفي غيره من رسالته ودعوته إلى عبادة الله وحده {فَعَقَرُوهَا} أي فذبحوها {فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ} أي أطبق عليهم العذاب وعمهم به فلم ينج منهم أحد وذلك بذنبهم لا بظلم منه تعالى، {فَسَوَّاهَا} في النقمة والعذاب {وَلاَ يَخَافُ عُقْبَاهَا} أي تبعة تلحقه من هلاكها إذ هو رب الكل ومالك الكل وهو القاهر فوق عباده وهو العزيز الحكيم. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان أن نجاة العبد من النار ودخوله الجنة متوقف على زكاة نفسه وتطهيرها من أوضار الذنوب والمعاصي، وأن شقاء العبد وخسرانه سببه تدنيسه نفسه بالشرك والمعاصي وكل هذا من سنن الله تعالى في الأسباب والمسببات. 2- التحذير من الطغيان وهو الإِسراف في الشر والفساد فإِنه مهلك ومدمر وموجب للهلاك والدمار في الدنيا والعذاب في الآخرة. 3- تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم والتخفيف عنه إذ كذبت قبل قريش ثمود وغيرها من الأمم كأصحاب مدين وقوم لوط وفرعون. 4- إنذار كفار قريش عاقبة الشرك والتكذيب والمعاصي من الظلم والاعتداء.
د. أسعد حومد
تفسير : {بِطَغْوَاهَآ} (11) - كَذَّبَتُ ثَمُودُ نَبِيِّهَا صَالِحاً بِسَبَبِ طُغْيَانِهَا وَبَغْيِهَا. بِطَغْوَاهَا - بِسَببِ طُغْيانِهَا.
الثعلبي
تفسير : {كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَآ} بطغيانها وعداوتها. وروى عطاء الخراساني عن ابن عبّاس قال: اسم العذاب الذي جاءهم الطغوى، فقال: كذّبت ثموت بعذابها. وقرأه العامّة بفتح الطاء، وقرأ الحسن وحمّاد بن سلمة بطغواها بضمّ الطاء، وهي لغة كالفتوى والفتُوى والفتيا {إِذِ ٱنبَعَثَ} قام {أَشْقَاهَا} وهو قدار بن سالف عاقر الناقة وكان رجلاً أشقر أزرق قصيراً ملتزق الخلق واسم أُمّه قديرة. أخبرنا محمد بن حمدون قال: أخبرنا مكّي قال: حدّثنا عبد الرحمن قال: حدّثنا سفيان قال: حدّثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن زمعة قال: حديث : ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم عاقر الناقة وقال: "انتدب لها رجل ذو عزّ ومنعة في قومه كأبي زمعة" تفسير : وذكر الحديث. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم {نَاقَةَ ٱللَّهِ} إغراء وتحذير، أي احذروا عقر ناقة الله، كقولك: الأسد الأسد. {وَسُقْيَاهَا} شربها وسقيها من الماء، فلا تزاحموها فيه، كما قال الله سبحانه: {أية : لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ} تفسير : [الشعراء: 155]. {فَكَذَّبُوهُ} يعني صالحاً (عليه السلام)، {فَعَقَرُوهَا} يعني الناقة {فَدَمْدَمَ} دمّر {عَلَيْهِمْ} وأهلكهم {رَبُّهُمْ بِذَنبِهِمْ} بتكذيبهم رسوله وعقرهم ناقته. {فَسَوَّاهَا} فسوّى الدمدمة عليهم جميعاً، عمّهم بها، فلم يفلت منهم أحد. وقال المروج: الدمدمة: إهلاك باستئصال، وقال بعض أهل اللغة: الدمدمة: الإدامة. تقول العرب: ناقة مدمومة أي سمينة مملوءة، وقرأ عبد الله بن الزبير (فدهدم عليهم) بالهاء، وهما لغتان، كقولك امتقع لونه واهتقع إذا تغير. {وَلاَ يَخَافُ} قرأ أهل الحجاز والشام فلا بالفاء وكذلك هو في مصاحفهم، الباقون بالواو، وهكذا في مصاحفهم {عُقْبَاهَا} عاقبتها. واختلف العلماء في معنى ذلك، فقال الحسن: يعني ولا يخاف الله من أحد تبعة في إهلاكهم، وهي رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وقال الضحّاك والسدي والكلبي: هو راجع إلى العاقر، وفي الكلام تقديم وتأخير معناه: إذ انبعث أشقاها ولا يخاف عقباها.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَآ} معناه بأجمعِها.
الجيلاني
تفسير : لذلك {كَذَّبَتْ ثَمُودُ} المبالغ في أهلاك النفس وتضليلها وتقريرها بمن أُرسل إليها وأُمر لإرشادها، حين انحرفت عن جادة العدالة {بِطَغْوَاهَآ} [الشمس: 11] أي: بسبب طغيانها وتقليبها حظوظ السفليات على حظوظ العلويات، وبعدوان القوى الأمارة على جنود المطمئنة، وبانقهار نشآت اللاهوت بغلبة مقتضيات الناسوت. وذلك أنهم قد بالغوا في العتو والعناد والتكذيب والإفساد، سيما وقت {إِذِ ٱنبَعَثَ} أي: قام وأقدم مسرعاً {أَشْقَاهَا} [الشمس: 12] أي: أشقى القبيلة وأرداها وأضلَّها عن طريق الحق - وهو: قدار بن سالف - إلى عقر الناقة المعهودة المحفوظة المخصوصة بالوصية الإلهية. وبعدما صمم عزمه إلى العقر {فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ} وهو صالح عليه السلام على مقتضى شفقة النبوة: ذروا {نَاقَةَ ٱللَّهِ} واحذروا عقرها، وبالجملة: لا تمسوها بسوء مطلقاً، فيأخذكم عذاب عظيم {وَسُقْيَاهَا} [الشمس: 13] التي عيَّن الله لها، ولا تذبوها عن المَّاء. {فَكَذَّبُوهُ} ولم يقبلوا قول الرسول، واجتمعوا على عقرها {فَعَقَرُوهَا} فخرج الرسول من بينهم؛ خوفاً من حلول عذاب الله وسطوة قهره وجلاله، وبعدما ارتكبوا المحظور المنهي {فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ} أي: طبَّق عليهم الصيحة الهائلة، فأهلكهم بها بالمرة {بِذَنبِهِمْ} الذي صدر عنهم، وهو تكذيب الرسول المرشد لهم من قِبل الحق {فَسَوَّاهَا} [الشمس: 14] أي: سوى الدمدمة عليهم، وأعمت بينهم بحيث لا ينجو منهم أحد، وبالجملة: أقدم العاقر اللعين على عقرها، واتفقوا معه. {وَلاَ يَخَافُ} هو وهم {عُقْبَاهَا} [الشمس: 15] أي: ما يعقب عقرها ويتبعها من أنواع البلاء والمصيبة والعناء، وأخبرهم به الرسول فكذّبوه واستهزءوا معه؛ لذلك لحقهم من سيئات أعمالهم. نعوذ بك من سيئات الأعمال، وتشتت الأحوال، وتفاقم الأهوال. خاتمة السورة عليك أيها الطالب للفلاح الأبدي والصلاح السرمدي المترتب على العناية الإليه وفضله أن تصفي نفسك عن مقتضيات الإمكان وظلمَّات الهيولى والأركان، حتى تأمن عن طغيانها وعدوانها، فلك أن تحيلها بالمعارف والحقائق ومحاسن الشيم والأعمال والخلاق الموجبة لفيضان لوامع الكشف والشهود، المخلص عن مطلق القيود لقرافة إطلاق الوحدة الذاتية المسقطة لعموم الكثرات المتفرعة على الإضافات الطارئة على التعينات العدمية. وفقنا الله لتخلية النفوس عن مطلق الرذائل، وتحليتها لمحاسن الشيم والخصائل.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):