٩٤ - ٱلشَّرْح
94 - Al-Inshirah (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
1
Tafseer
الرازي
تفسير : استفهم عن انتفاء الشرح على وجه الإنكار، فأفاد إثبات الشرح وإيجابه، فكأنه قيل: شرحنا لك صدرك، وفي شرح الصدر قولان: الأول: ما روي أن جبريل عليه السلام أتاه وشق صدره وأخرج قلبه وغسله وأنقاه من المعاصي ثم ملأه علماً وإيماناً ووضعه في صدره. واعلم أن القاضي طعن في هذه الرواية من وجوه: أحدها: أن الرواية أن هذه الواقعة إنما وقعت في حال صغره عليه السلام وذلك من المعجزات، فلا يجوز أن تتقدم نبوته وثانيها: أن تأثير الغسل في إزالة الأجسام، والمعاصي ليست بأجسام فلا يكون للغسل فيها أثر ثالثها: أنه لا يصح أن يملأ القلب علماً، بل الله تعالى يخلق فيه العلوم والجواب: عن الأول: أن تقويم المعجز على زمان البعثة جائز عندنا، وذلك هو المسمى بالإرهاص، ومثله في حق الرسول عليه السلام كثير. وأما الثاني والثالث: فلا يبعد أن يكون حصول ذلك الدم الأسود الذي غسلوه من قلب الرسول عليه السلام علامة للقلب الذي يميل إلى المعاصي، ويحجم عن الطاعات، فإذا أزالوه عنه كان ذلك علامة لكون صاحبه مواظباً على الطاعات محترزاً عن السيئات، فكان ذلك كالعلامة للملائكة على كون صاحبه معصوماً، وأيضاً فلأن الله تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. والقول الثاني: إن المراد من شرح الصدر ما يرجع إلى المعرفة والطاعة، ثم ذكروا فيه وجوهاً أحدها: أنه عليه السلام لما بعث إلى الجن والإنس فكان يضيق صدره عن منازعة الجن والإنس والبراءة من كل عابد ومعبود سوى الله، فآتاه الله من آياته ما اتسع لكل ما حمله وصغره عنده كل شيء احتمله من المشاق، وذلك بأن أخرج عن قلبه جميع الهموم وما ترك فيه إلا هذا الهم الواحد، فما كان يخطر بباله هم النفقة والعيال، ولا يبالي بما يتوجه إليه من إيذائهم، حتى صاروا في عينه دون الذباب لم يجبن خوفاً من وعيدهم، ولم يمل إلى مالهم، وبالجملة فشرح الصدر عبارة عن علمه بحقارة الدنيا وكمال الآخرة، ونظيره قوله: {أية : فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَـٰمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيّقاً حَرَجاً } تفسير : [الأنعام: 125] وروي أنهم قالوا: يا رسول الله أينشرح الصدر؟ قال: نعم، قالوا: وما علامة ذلك؟ قال: «حديث : التجافي عن الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والإعداد للموت قبل نزوله»تفسير : وتحقيق القول فيه أن صدق الإيمان بالله ووعده ووعيده يوجب للإنسان الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة والاستعداد للموت وثانيها: أنه انفتح صدره حتى أنه كان يتسع لجميع المهمات لا يقلق ولا يضجر ولا يتغير، بل هو في حالتي البؤس والفرح منشرح الصدر مشتغل بأداء ما كلف به، والشرح التوسعة، ومعناه الإراحة من الهموم، والعرب تسمي الغم والهم ضيق صدر كقوله: {أية : وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ } تفسير : [الحجر: 97] وههنا سؤالات: الأول: لم ذكر الصدر ولم يذكر القلب؟ والجواب: لأن محل الوسوسة هو الصدر على ما قال: {أية : يُوَسْوِسُ فِى صُدُورِ ٱلنَّاسِ } تفسير : [الناس: 5] فإزالة تلك الوسوسة وإبدالها بدواعي الخير هي الشرح، فلا جرم خص ذلك الشرح بالصدر دون القلب، وقال محمد بن علي الترمذي: القلب محل العقل والمعرفة، وهو الذي يقصده الشيطان، فالشيطان يجيء إلى الصدر الذي هو حصن القلب، فإذا وجد مسلكاً أغار فيه ونزل جنده فيه، وبث فيه من الهموم والغموم والحرص فيضيق القلب حيئنذ ولا يجد للطاعة لذة ولا للإسلام حلاوة، وإذا طرد العدو في الابتداء منع وحصل الأمن ويزول الضيق وينشرح الصدر ويتيسر له القيام بأداء العبودية. السؤال الثاني: لم قال: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ } ولم يقل ألم نشرح صدرك؟ والجواب: من وجهين أحدهما: كأنه تعالى يقول لام بلام، فأنت إنما تفعل جميع الطاعات لأجلي كما قال: {أية : إلا لِيَعْبُدُونِ} تفسير : [الذاريات: 56]، {أية : أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكْرِى } تفسير : [طه: 14] فأنا أيضاً جميع ما أفعله لأجلك وثانيها: أن فيها تنبيهاً على أن منافع الرسالة عائدة إليه عليه السلام، كأنه تعالى قال: إنما شرحنا صدرك لأجلك لا لأجلي. السؤال الثالث: لم قال: {أَلَمْ نَشْرَحْ } ولم يقل ألم أشرح؟ والجواب: إن حملناه على نون التعظيم، فالمعنى أن عظمة المنعم تدل على عظمة النعمة، فدل ذلك على أن ذلك الشرح نعمة لا تصل العقول إلى كنه جلالتها، وإن حملناه على نون الجميع، فالمعنى كأنه تعالى يقول: لم أشرحه وحدي بل أعملت فيه ملائكتي، فكنت ترى الملائكة حواليك وبين يديك حتى يقوي قلبك، فأديت الرسالة وأنت قوي القلب ولحقتهم هيبة، فلم يجيبوا لك جواباً، فلو كنت ضيق القلب لضحكوا منك، فسبحان من جعل قوة قلبك جبناً فيهم، وانشراح صدرك ضيقاً فيهم.
القرطبي
تفسير : شرح الصدر: فتحه؛ أي ألم نفتح صدرك للإسلام. وروى أبو صالح عن ابن عباس قال: ألم نُلين لك قلبك. وروى الضحاك عن ابن عباس قال: « حديث : قالوا يا رسول الله، أينشرح الصدر؟ قال: «نعم وينفسح». قالوا: يا رسول الله، وهل لذلك علامة؟ قال: «نعم التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاعتداد للموت، قبل نزول الموت» » تفسير : . وقد مضى هذا المعنى في «الزمر» عند قوله تعالى: { أية : أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ } تفسير : [الزمر: 22]. وروي عن الحسن قال: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ } قال: مُلِىء حكماً وعلماً. وفي الصحيح عن أنس بن مالك: عن مالك بن صعصعة ـ رجلٍ من قومه ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : فبينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان إذ سمعت قائلاً يقول: أحد الثلاثة فأُتِيت بطَسْت من ذهب، فيها ماء زمزم، فشرح صدري إلى كذا وكذا» قال قتادة قلت: ما يعني؟ قال: إلى أسفل بطني، قال: «فاستخرِج قلبي، فغُسِل قلبي بماء زمزم، ثم أعيد مكانه، ثم حُشِي إيماناً وحِكمة » تفسير : . وفي الحديث قِصة. وروي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : جاءني ملكان في صورة طائر، معهما ماء وثلج، فشرح أحدهما صدري، وفتح الآخر بمنقاره فيه فغسله » تفسير : . وفي حديث آخر قال: « حديث : جاءني مَلَك فشق عن قلبي، فاستخرج منه عذرة، وقال: قلبك وكيع، وعيناك بصيرتان، وأذناك سميعتان، أنت محمد رسول الله، لسانك صادق، ونفسك مطمئنة، وخلقك قُثَم، وأنت قيم » تفسير : . قال أهل اللغة: قوله: «وكيع أي يحفظ ما يوضع فيه. يقال: سِقاء وكيع؛ أي قوِي يحفظ ما يوضع فيه. واستوكعتْ معِدته، أي قوِيت. وقوله «قُثَم» أي جامع. يقال: رجل قَثوم للخير؛ أي جامع له. ومعنى «ألم نشرح» قد شرحنا؛ الدليل على ذلك قوله في النسْق عليه: {وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ }، فهذا عطف على التأويل، لا على التنزيل؛ لأنه لو كان على التنزيل لقال: ونضع عنك وِزرك. فدل هذا على أن معنى «ألم نشرح»: قد شرحنا. و«لم» جَحْد، وفي الاستفهام طرف من الجحد، وإذا وقع جحد، رجع إلى التحقيق؛ كقوله تعالى: { أية : أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَحْكَمِ ٱلْحَاكِمِينَ } تفسير : [التين: 8] ومعناه: الله أحكم الحاكمين. وكذا { أية : أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ } تفسير : [الزمر: 36]. ومثله قول جرير يمدح عبد الملك بن مروان: شعر : ألستمْ خيرَ من ركب المطايا وأندى العالمين بطونَ راحِ تفسير : المعنى: أنتم كذا.
البيضاوي
تفسير : مكية. وآيها ثمان آيات بسم الله الرحمن الرحيم {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} ألم نفسحه حتى وسع مناجاة الحق ودعوة الخلق فكان غائباً حاضراً، أو ألم نفسحه بما أودعنا فيه من الحكم وأزلنا عنه ضيق الجهل، أو بما يسرنا لك تلقي الوحي بعدما كان يشق عليك، وقيل إنه إشارة إلى ما روي «حديث : أن جبريل عليه الصلاة والسلام أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم في صباه أو يوم الميثاق، فاستخرج قلبه فغسله ثم ملأه إيماناً وعلماً»تفسير : ولعله إشارة إلى نحو ما سبق ومعنى الاستفهام إنكار نفي الانشراح مبالغة في إثباته ولذلك عطف عليه. {وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ } عبأك الثقيل. {ٱلَّذِى أَنقَضَ ظَهْرَكَ } الذي حمله على النقيض وهو صوت الرحل عند الانتقاض من ثقل الحمل وهو ما ثقل عليه من فرطاته قبل البعثة، أو جهله بالحكم والأحكام أو حيرته، أو تلقي الوحي أو ما كان يرى من ضلال قومه من العجز عن إرشادهم، أو من إصرارهم وتعديهم في إيذائه حين دعاهم إلى الإيمان. {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ } بالنبوة وغيرها، وأي رفع مثل أن قرن اسمه باسمه تعالى في كلمتي الشهادة وجعل طاعته طاعته، وصلى عليه في ملائكته وأمر المؤمنين بالصلاة عليه وخاطبه بالألقاب، وإنما زاد {لَكَ } ليكون إبهاماً قبل إيضاح فيفيد المبالغة. {فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ } كضيق الصدر والوزر المنقض للظهر وضلال القوم وإيذائهم. {يُسْراً } كالشرح والوضع والتوفيق للاهتداء والطاعة فلا تيأس من روح الله إذا عراك ما يغمك، وتنكيره للتعظيم والمعنى بما في «إن» مع من المصاحبة المبالغة في معاقبة اليسر للعسر، واتصاله به اتصال المتقاربين. {إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً } تكرير للتأكيد أو استئناف وعده بأن {ٱلْعُسْرَ } متبوع بيسر آخر كثواب الآخرة كقولك: إن للصائم فرحة، إن للصائم فرحة أي فرحة عند الإِفطار وفرحة عند لقاء الرب. وعليه قوله عليه الصلاة والسلام «حديث : لن يغلب عسر يسرين»تفسير : فإن العسر معرف فلا يتعدد سواء كان للعهد أو للجنس، واليسر منكر فيحتمل أن يراد بالثاني فرد يغاير ما أريد بالأول. {فَإِذَا فَرَغْتَ } من التبيلغ. {فَٱنصَبْ } فاتعب في العبادة شكراً لما عددنا عليك من النعم السالفة ووعدناك من النعم الآتية. وقيل إذا فرغت من الغزو فانصب في العبادة، أو {فَإِذَا فَرَغْتَ } من الصلاة فانصب بالدعاء. {وَإِلَىٰ رَبّكَ فَٱرْغَبْ } بالسؤال ولا تسأل غيره فإنه القادر وحده على إسعافك، وقرىء «فَرَغِّبْ» أي فرغب الناس إلى طلب ثوابه. عن النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : من قرأ سورة ألم نشرح فكأنما جاءني وأنا مغتم ففرج عني».
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} يعني: أما شرحنا لك صدرك؟ أي: نورناه، وجعلناه فسيحاً رحيباً واسعاً؛ كقوله: {أية : فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَـٰمِ} تفسير : [الأنعام: 125] وكما شرح الله صدره، كذلك جعل شرعه فسيحاً واسعاً سمحاً سهلاً، لا حرج فيه ولا إصر ولا ضيق. وقيل: المراد بقوله: { أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} شرح صدره ليلة الإسراء؛ كما تقدم من رواية مالك بن صعصعة، وقد أورده الترمذي ههنا، وهذا وإن كان واقعاً ليلة الإسراء كما رواه مالك بن صعصعة، ولكن لا منافاة؛ فإن من جملة شرح صدره، الذي فعل بصدره ليلة الإسراء، وما نشأ عنه من الشرح المعنوي أيضاً، فالله أعلم. قال عبد الله بن الإمام أحمد: حدثني محمد بن عبد الرحيم أبو يحيى البزاز، حدثنا يونس بن محمد، حدثنا معاذ بن محمد بن معاذ بن أبي بن كعب، حدثني أبو محمد بن معاذ عن معاذ عن محمد عن أبي بن كعب: أن أبا هريرة كان جريئاً على أن يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أشياء لا يسأله عنها غيره، فقال: يا رسول الله ما أول ما رأيت من أمر النبوة؟ فاستوى رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً، وقال: «حديث : لقد سألت يا أبا هريرة إني لفي الصحراء ابن عشر سنين وأشهر، وإذا بكلام فوق رأسي، وإذا رجل يقول لرجل: أهو هو؟ قال: نعم، فاستقبلاني بوجوه لم أرها قط، وأرواح لم أجدها من خلق قط، وثياب لم أرها على أحد قط، فأقبلا إلي يمشيان حتى أخذ كل واحد منهما بعضدي، لا أجد لأحدهما مساً، فقال أحدهما لصاحبه: أضجعه، فأضجعاني بلا قصر ولا هصر، فقال أحدهما لصاحبه: افلق صدره، فهوى أحدهما إلى صدري ففلقه فيما أرى بلا دم ولا وجع، فقال له: أخرج الغل والحسد، فأخرج شيئاً كهيئة العلقة، ثم نبذها فطرحها، فقال له: أدخل الرأفة والرحمة، فإذا مثل الذي أخرج شبه الفضة، ثم هز إبهام رجلي اليمنى فقال: أعدُ واسلم، فرجعت بها أعدو؛ رقة على الصغير، ورحمة للكبير.»تفسير : وقوله تعالى: { وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ} بمعنى: {أية : لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} تفسير : [الفتح: 2] { ٱلَّذِىۤ أَنقَضَ ظَهْرَكَ} الإنقاض: الصوت، وقال غير واحد من السلف في قوله: { ٱلَّذِىۤ أَنقَضَ ظَهْرَكَ} أي: أثقلك حمله، وقوله تعالى: { وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} قال مجاهد: لا أذكر إلا ذكرت معي؛ أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، وقال قتادة: رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة، فليس خطيب ولا متشهد ولا صاحب صلاة إلا ينادي بها: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله. وقال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرنا عمرو بن الحارث عن دراج، عن أبي الهيثم عن أبي سعيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : أتاني جبريل فقال: إن ربي وربك يقول: كيف رفعت ذكرك؟ قال: الله أعلم، قال: إذا ذكرت، ذكرت معي» تفسير : وكذا رواه ابن أبي حاتم عن يونس عن عبد الأعلى به. ورواه أبو يعلى من طريق ابن لهيعة عن دراج. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا أبو عمر الحوضي، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : سألت ربي مسألة وددت أني لم أسأله، قلت: قد كان قبلي أنبياء، منهم من سخرت له الريح، ومنهم من يحيي الموتى، قال: يا محمد ألم أجدك يتيماً فآويتك؟ قلت: بلى يا رب قال: ألم أجدك ضالاً فهديتك؟ قلت: بلى يا رب قال: ألم أجدك عائلاً فأغنيتك؟ قلت: بلى يا رب قال: ألم أشرح لك صدرك؟ ألم أرفع لك ذكرك؟ قلت: بلى يا رب» تفسير : وقال أبو نعيم في "دلائل النبوة": حدثنا أبو أحمد الغطريفي، حدثنا موسى بن سهل الجوني، حدثنا أحمد بن القاسم بن بهرام الهيتي، حدثنا نصر بن حماد عن عثمان بن عطاء عن الزهري عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لما فرغت مما أمرني الله به من أمر السموات والأرض، قلت: يا رب إنه لم يكن نبي قبلي إلا وقد كرمته؛ جعلت إبراهيم خليلاً، وموسى كليماً، وسخرت لداود الجبال، ولسليمان الريح والشياطين، وأحييت لعيسى الموتى، فما جعلت لي؟ قال: أو ليس قد أعطيتك أفضل من ذلك كله؛ أني لا أذكر إلا ذكرت معي، وجعلت صدور أمتك أناجيل يقرؤون القرآن ظاهراً، ولم أعطها أمة، وأعطيتك كنزاً من كنوز عرشي: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم؟» تفسير : وحكى البغوي عن ابن عباس ومجاهد أن المراد بذلك الأذان، يعني: ذكره فيه، وأورد من شعر حسان بن ثابت:شعر : أَغَرُّ عليهِ للنُّبُوَّةِ خاتَمٌ من اللّهِ من نورٍ يلوحُ ويَشْهَدُ وضَمَّ الإلهُ اسمَ النَّبِيِّ إلى اسمِهِ إذا قالَ في الخَمْسِ المُؤَذِّنُ أَشْهَدُ وشَقَّ لهُ منِ اسمِهِ لِيُجِلَّهُ فَذُو العَرْشِ مَحْمود وهذا مُحَمَّدُ تفسير : وقال آخرون: رفع الله ذكره في الأولين والآخرين، ونوه به حين أخذ الميثاق على جميع النبيين؛ أن يؤمنوا به، وأن يأمروا أممهم بالإيمان به، ثم شهد ذكره في أمته، فلا يذكر الله إلا ذكر معه، وما أحسن ما قال الصرصري رحمه الله:شعر : لا يَصِحُّ الأذانُ في الفَرْضِ إِلا باسْمِهِ العَذْبِ في الفَمِ المَرْضِيِّ تفسير : وقال أيضاً:شعر : أَلَمْ تَرَ أَنَّا لا يَصِحُّ أَذانُنا ولا فَرْضُنا إِنْ لَمْ نُكَرِّرْهُ فيهِما تفسير : وقوله تعالى: { فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً } أخبر تعالى أن مع العسر يوجد اليسر، ثم أكد هذا الخبر. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا حميد بن حماد بن أبي خوار أبو الجهم، حدثنا عائذ بن شريح قال: سمعت أنس بن مالك يقول: كان النبي صلى الله عليه وسلم جالساً، وحياله حجر، فقال: حديث : لو جاء العسر فدخل هذا الحجر، لجاء اليسر حتى يدخل عليه فيخرجه» تفسير : فأنزل الله عز وجل: { فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً } ورواه أبو بكر البزار في مسنده عن محمد بن معمر، عن حميد بن حماد ولفظه: «حديث : لو جاء العسر حتى يدخل هذا الجحر، لجاء اليسر حتى يخرجه» تفسير : ثم قال: { فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً} ثم قال البزار: لا نعلم رواه عن أنس إلا عائذ بن شريح. (قلت): وقد قال فيه أبو حاتم الرازي: في حديثه ضعف، ولكن رواه شعبة عن معاوية بن قرة عن رجل عن عبد الله بن مسعود موقوفاً. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا أبو قطن، حدثنا المبارك بن فضالة عن الحسن قال: كانوا يقولون: لا يغلب عسر واحد يسرين اثنين. وقال ابن جرير: حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور عن معمر عن الحسن، قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم يوماً مسروراً فرحاً، وهو يضحك، وهو يقول: «حديث : لن يغلب عسر يسرين، لن يغلب عسر يسرين، فإن مع العسر يسراً، إن مع العسر يسراً» تفسير : وكذا رواه من حديث عوف الأعرابي ويونس بن عبيد عن الحسن مرسلاً. وقال سعيد عن قتادة: ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشر أصحابه بهذه الآية فقال: «حديث : لن يغلب عسر يسرين» تفسير : ومعنى هذا: أن العسر معرّف في الحالين، فهو مفرد، واليسر منكر، فتعدد، ولهذا قال: «حديث : لن يغلب عسر يسرين» تفسير : يعني قوله: {فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً } فالعسر الأول عين الثاني واليسر تعدد. وقال الحسن بن سفيان: حدثنا يزيد بن صالح، حدثنا خارجة عن عباد بن كثير عن أبي الزناد عن أبي صالح عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : نزلت المعونة من السماء على قدر المؤونة، ونزل الصبر على قدر المصيبة» تفسير : ومما يروى عن الشافعي أنه قال:شعر : صَبْراً جَميلاً ما أقربَ الفَرَجا مَنْ راقبَ اللّهَ في الأُمور نَجا مَنْ صَدَّقَ اللّهَ لَمْ يَنَلْه أَذى ومَنْ رَجاه يَكونُ حَيْثُ رَجا تفسير : وقال ابن دريد: أنشدني أبو حاتم السجستاني: شعر : إذا اشْتَمَلَتْ على اليَأْسِ القُلوبُ وضاقَ لِما بهِ الصَّدْرُ الرَّحيبُ وأوطَأَتِ المَكارِهُ واطمَأَنَّتْ وأرسَتْ في أماكنِها الخُطوبُ ولمْ تَرَ لانْكِشافِ الضُّرِّ وَجْهاً ولا أغنى بِحِيْلَتِهِ الأريبُ أتاكَ على قُنوطٍ منكَ غَوْثٌ يَمُنُّ بهِ اللطيفُ المُسْتَجيبُ وكُلُّ الحادثاتِ إذا تَناهَتْ فَمَوْصولٌ بها الفَرَجُ القريبُ تفسير : وقال آخر:شعر : ولَرُبَّ نازلةٍ يَضيقُ بها الفَتى ذَرْعاً وعندَ اللّهِ منْها المَخْرَجُ كَمُلَتْ فلمَّا استَحْكَمتْ حَلَقاتُها فُرِجَتْ وكانَ يَظُنُّها لا تُفْرَجُ تفسير : وقوله تعالى: { فَإِذَا فَرَغْتَ فَٱنصَبْ وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَٱرْغَبْ } أي: إذا فرغت من أمور الدنيا وأشغالها، وقطعت علائقها، فانصب إلى العبادة، وقم إليها نشيطاً فارغ البال، وأخلص لربك النية والرغبة، ومن هذا القبيل قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته: «حديث : لا صلاة بحضرة الطعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان» تفسير : وقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا أقيمت الصلاة، وحضر العشاء، فابدؤوا بالعشاء» تفسير : قال مجاهد في هذه الآية: إذا فرغت من أمر الدنيا، فقمت إلى الصلاة، فانصب لربك، وفي رواية عنه: إذا قمت إلى الصلاة، فانصب في حاجتك، وعن ابن مسعود: إذا فرغت من الفرائض، فانصب في قيام الليل، وعن ابن عياض نحوه، وفي رواية عن ابن مسعود: { فَإِذَا فَرَغْتَ فَٱنصَبْ وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَٱرْغَبْ } بعد فراغك من الصلاة وأنت جالس. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: فإذا فرغت فانصب، يعني: في الدعاء، وقال زيد بن أسلم والضحاك: {فَإِذَا فَرَغْتَ} أي: من الجهاد {فَٱنصَبْ} أي: في العبادة { وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَٱرْغَبْ} وقال الثوري: اجعل نيتك ورغبتك إلى الله عز وجل. آخر تفسير سورة ألم نشرح، ولله الحمد والمنة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَلَمْ نَشْرَحْ } استفهام تقرير أي شرحنا {لَكَ } يا محمد {صَدْرَكَ } بالنبوّة وغيرها؟.
الشوكاني
تفسير : معنى شرح الصدر: فتحه بإذهاب ما يصدّ عن الإدراك. والاستفهام إذا دخل على النفي قرّره، فصار المعنى: قد شرحنا لك صدرك. وإنما خصّ الصدر؛ لأنه محل أحوال النفس من العلوم، والإدراكات. والمراد: الامتنان عليه صلى الله عليه وسلم بفتح صدره، وتوسيعه حتى قام بما قال به من الدعوة، وقدر على ما قدر عليه من حمل أعباء النبوّة، وحفظ الوحي، وقد مضى القول في هذا عند تفسير قوله: {أية : أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلَـٰمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مّن رَّبّهِ }تفسير : [الزمر: 22 ] {وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ } معطوف على معنى ما تقدّم، لا على لفظه، أي: قد شرحنا لك صدرك، ووضعنا... الخ، ومنه قول جرير يمدح عبد الملك بن مروان:شعر : ألستم خير من ركب المطايا وأندى العالمين بطون راح تفسير : أي: أنتم خير من ركب المطايا، وأندى... الخ. قرأ الجمهور: {نشرح} بسكون الحاء بالجزم، وقرأ أبو جعفر المنصور العباسي بفتحها. قال الزمخشري: قالوا لعله بين الحاء، وأشبعها في مخرجها، فظنّ السامع أنه فتحها. وقال ابن عطية: إن الأصل "ألم نشرحن" بالنون الخفيفة، ثم إبدالها ألفاً، ثم حذفها تخفيفاً، كما أنشد أبو زيد:شعر : من أي يوميَّ من الموت أفر أيوم لم يقدّر أم يوم قدرتفسير : بفتح الراء من "لم يقدر". ومثله قوله:شعر : اضرب عنك الهموم طارقها ضربك بالسيف قونس الفرستفسير : بفتح الباء من اضرب. وهذا مبني على جواز توكيد المجزوم بـ"لم"، وهو قليل جداً كقوله:شعر : يحسبه الجاهل ما لم يعلما شيخا على كرسيه معمما تفسير : فقد تركبت هذه القراءة من ثلاثة أصول، كلها ضعيفة: الأول توكيد المجزوم بـ"لم"، وهو ضعيف. الثاني إبدالها ألفاً، وهو خاص بالوقف، فإجراء الوصل مجرى الوقف ضعيف. والثالث: حذف الألف، وهو ضعيف أيضاً؛ لأنه خلاف الأصل، وخرّجها بعضهم على لغة بعض العرب الذين ينصبون بـ"لم" ويجزمون بـ"لن"، ومنه قول الشاعر:شعر : في كل ما همّ أمضى رأيه قدما ولم يشاور في إقدامه أحدا تفسير : بنصب الراء من "يشاور"، وهذه اللغة لبعض العرب ما أظنها تصح. وإن صحت، فليست من اللغات المعتبرة، فإنها جاءت بعكس ما عليه لغة العرب بأسرها. وعلى كل حال، فقراءة هذا الرجل مع شدّة جوره، ومزيد ظلمه، وكثرة جبروته، وقلة علمه ليس بحقيقة بالاشتغال بها. والوزر: الذنب، أي وضعنا عنك ما كنت فيه من أمر الجاهلية. قال الحسن، وقتادة، والضحاك، ومقاتل: المعنى حططنا عنك الذي سلف منك في الجاهلية، وهذا كقوله: {أية : لّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ } تفسير : [الفتح: 2] ثم وصف هذا الوزر فقال: {ٱلَّذِى أَنقَضَ ظَهْرَكَ }. قال المفسرون: أي أثقل ظهرك. قال الزجاج: أثقله حتى سمع له نقيض، أي: صوت، وهذا مثل معناه: أنه لو كان حملاً يحمل لسمع نقيض ظهره، وأهل اللغة يقولون: أنقض الحمل ظهر الناقة: إذا سمع له صرير، ومنه قول جميل:شعر : وحتى تداعت بالنقيض حباله وهمت ثواني زوره أن تحطماتفسير : وقول العباس بن مرداس:شعر : وأنقض ظهري ما تطويت منهم وكنت عليهم مشفقا متحننا تفسير : قال قتادة: كان للنبيّ صلى الله عليه وسلم ذنوب قد أثقلته، فغفرها الله له، وقوم يذهبون إلى أن هذا تخفيف أعباء النبوّة التي تثقل الظهر من القيام بأمرها سهل الله ذلك عليه حتى تيسرت له: وكذا قال أبو عبيدة وغيره. وقرأ ابن مسعود: (وحللنا عنك وقرك). ثم ذكر سبحانه منته عليه وكرامته فقال: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ } قال الحسن: وذلك أن الله لا يذكر في موضع إلاّ ذكر معه صلى الله عليه وسلم. قال قتادة: رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة، فليس خطيب، ولا متشهد، ولا صاحب صلاة إلاّ ينادي، فيقول: أشهد أن لا إلٰه إلاّ الله أشهد أن محمداً رسول الله. قال مجاهد: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ } يعني: بالتأذين. وقيل المعنى: ذكرناك في الكتب المنزلة على الأنبياء قبله، وأمرناهم بالبشارة به. وقيل: رفعنا ذكرك عند الملائكة في السماء، وعند المؤمنين في الأرض. والظاهر أن هذا الرفع لذكره الذي امتنّ الله به عليه يتناول جميع هذه الأمور، فكل واحد منها من أسباب رفع الذكر، وكذلك أمره بالصلاة والسلام عليه، وإخباره صلى الله عليه وسلم عن الله عزّ وجلّ أن من صلّى عليه، واحدة صلى الله عليه بها عشراً، وأمر الله بطاعته كقوله: {أية : أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ }تفسير : [النساء: 59 ]وقوله: {أية : وَمَا ءاتَـٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَـٰكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ } تفسير : [الحشر: 7 ]، وقوله: {أية : قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ }تفسير : [آل عمران: 31 ] وغير ذلك. وبالجملة فقد ملأ ذكره الجليل السمٰوات والأرضين، وجعل الله له من لسان الصدق، والذكر الحسن، والثناء الصالح ما لم يجعله لأحد من عباده، {أية : ذَلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ } تفسير : [الحديد: 21 ]اللَّهم صلّ وسلم عليه وعلى آله عدد ما صلى عليه المصلون بكل لسان في كل زمان، وما أحسن قول حسان:شعر : أغرّ عليه للنبوّة خاتم من الله مشهور يلوح، ويشهد وضم الإلٰه اسم النبيّ مع اسمه إذا قال في الخمس المؤذن أشهد وشق له من اسمه ليجله فذو العرش محمود، وهذا محمد تفسير : {فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً } أي: إن مع الضيقة سعة، ومع الشدّة رخاء، ومع الكرب فرج. وفي هذا وعد منه سبحانه بأن كل عسير يتيسر، وكل شديد يهون، وكل صعب يلين. ثم زاد سبحانه هذا الوعد تقريراً وتأكيداً، فقال: مكرّراً له بلفظ {إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً } أي: إن مع ذلك العسر المذكور سابقاً يسراً آخر لما تقرّر من أنه إذا أعيد المعرّف يكون الثاني عين الأوّل سواء كان المراد به الجنس أو العهد، بخلاف المنكر إذا أعيد، فإنه يراد بالثاني فرد مغاير لما أريد بالفرد الأوّل في الغالب، ولهذا قال النبيّ صلى الله عليه وسلم في معنى هذه الآية: «حديث : لن يغلب عسر يسرين»تفسير : قال الواحدي: وهذا قول النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والمفسرين على أن العسر واحد، واليسر اثنان. قال الزجاج: ذكر العسر مع الألف واللام ثم ثنى ذكره، فصار المعنى: إن مع العسر يسرين. قيل، والتنكير في اليسر للتفخيم والتعظيم، وهو في مصحف ابن مسعود غير مكرّر. قرأ الجمهور بسكون السين في العسر، واليسر في الموضعين. وقرأ يحيـى بن وثاب، وأبو جعفر، وعيسى بضمها في الجميع. {فَإِذَا فَرَغْتَ فَٱنصَبْ } أي: إذا فرغت من صلاتك، أو من التبليغ، أو من الغزو، فانصب، أي: فاجتهد في الدعاء، واطلب من الله حاجتك، أو فانصب في العبادة. والنصب: التعب. يقال: نصب ينصب نصباً، أي: تعب. قال قتادة، والضحاك، ومقاتل، والكلبي: إذا فرغت من الصلاة المكتوبة، فانصب إلى ربك في الدعاء، وارغب إليه في المسألة يعطك، وكذا قال مجاهد. قال الشعبي: إذا فرغت من التشهد، فادعو لدنياك وآخرتك، وكذا قال الزهري. وقال الكلبي أيضاً: إذا فرغت من تبليغ الرسالة فانصب أي: استغفر لذنبك، وللمؤمنين والمؤمنات. وقال الحسن، وقتادة: إذا فرغت من جهاد عدوّك، فانصب لعبادة ربك. وقال مجاهد أيضاً: إذا فرغت من دنياك، فانصب في صلاتك، {وَإِلَىٰ رَبّكَ فَٱرْغَبْ } قال الزجاج: أي: اجعل رغبتك إلى الله وحده. قال عطاء: يريد أنه يضرع إليه راهباً من النار، راغباً في الجنة. والمعنى: أنه يرغب إليه سبحانه لا إلى غيره كائناً من كان، فلا يطلب حاجاته إلاّ منه، ولا يعوّل في جميع أموره إلاّ عليه. قرأ الجمهور: {فارغب} وقرأ زيد بن عليّ، وابن أبي عبلة: (فرغب) بتشديد الغين، أي: فرغب الناس إلى الله، وشوّقهم إلى ما عنده من الخير. وقد أخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ } قال: شرح الله صدره للإسلام. وأخرج أبو يعلى، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن حبان، وابن مردويه، وأبو نعيم في الدلائل عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أتاني جبريل فقال: إن ربك يقول: تدري كيف رفعت ذكرك؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: إذا ذكرت ذكرت معي»تفسير : وإسناد ابن جرير هكذا: حدّثني يونس أخبرنا ابن وهب، أخبرنا عمرو بن الحارث عن دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد. وأخرجه أبو يعلى من طريق ابن لهيعة عن دراج. وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق يونس بن عبد الأعلى به. وأخرج ابن عساكر من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ } الآية، قال: لا يذكر الله إلاّ ذكر معه. وأخرج البزار، وابن أبي حاتم، والطبراني في الأوسط، والحاكم، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب عن أنس قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم جالساً، وحياله جحر، فقال: «حديث : لو دخل العسر هذا الجحر لجاء اليسر حتى يدخل عليه فيخرجه»تفسير : فأنزل الله: {إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً} {إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً.} ولفظ الطبراني: «وتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: {فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً }». وأخرج ابن النجار عنه مرفوعاً نحوه. وأخرج الطبراني، وابن مردويه عنه أيضاً مرفوعاً نحوه، قال السيوطي، وسنده ضعيف. وأخرج عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن أبي الدنيا في الصبر، وابن المنذر، والبيهقي في الشعب عن ابن مسعود مرفوعاً: «حديث : لو كان العسر في جحر لتبعه اليسر حتى يدخل فيه، فيخرجه، ولن يغلب عسر يسرين إن الله يقول: {إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً }»تفسير : قال البزار: لا نعلم رواه عن أنس إلاّ عائذ بن شريح. قال فيه أبو حاتم الرازي: في حديثه ضعف، ولكن رواه شعبة عن معاوية بن قرّة عن رجل عن عبد الله بن مسعود. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، والحاكم، والبيهقي عن الحسن قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً فرحاً مسروراً وهو يضحك، ويقول: «حديث : لن يغلب عسر يسرين، {إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً }»تفسير : وهذا مرسل. وروي نحوه مرفوعاً مرسلاً عن قتادة. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه من طرق عن ابن عباس في قوله: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَٱنصَبْ } الآية قال: إذا فرغت من الصلاة فانصب في الدعاء، واسأل الله، وارغب إليه. وأخرج ابن مردويه عنه قال: قال الله لرسوله: إذا فرغت من الصلاة وتشهدت، فانصب إلى ربك واسأله حاجتك. وأخرج ابن أبي الدنيا في الذكر عن ابن مسعود: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَٱنصَبْ } إلى الدعاء. {وَإِلَىٰ رَبّكَ فَٱرْغَبْ } في المسألة. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَٱنصَبْ } قال: إذا فرغت من الفرائض، فانصب في قيام الليل.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى {أَلمْ نَشْرَحْ لك صَدْرَكَ} وهذا تقرير من الله تعالى لرسول صلى الله عليه وسلم عند انشراح صدره لما حمله من نبوّته. وفي " نشرح" وجهان: أحدهما: أي أزال همك منك حتى تخلو لما أُمِرت به. الثاني: أي نفتح لك صدرك ليتسع لما حملته عنه فلا يضيق، ومنه تشريح اللحم لأنه فتحه لتقديده. وفيما شرح صدره ثلاثة أقاويل: أحدها: الإسلام، قاله ابن عباس. الثاني: بأن ملىء حكمة وعلماً، قاله الحسن. الثالث: بما منّ عليه من الصبر والاحتمال، قاله عطاء. ويحتمل رابعاً: بحفظ القرآن وحقوق النبوّة. {ووَضَعْنا عنك وِزْرَكَ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: وغفرنا لك ذنبك، قاله مجاهد، وقال قتادة: كان للنبي ذنوب أثقلته فغفرها الله تعالى له. الثاني: وحططنا عنك ثقلك، قاله السدي. وهي في قراءة ابن مسعود، وحللنا عنك وِقرك. الثالث: وحفظناك قبل النبوة في الأربعين من الأدناس حتى نزل عليك الوحيُ وأنت مطهر من الأدناس. ويحتمل رابعاً: أي أسقطنا عنك تكليف ما لم تُطِقْه، لأن الأنبياء وإن حملوا من أثقال النبوة على ما يعجز عنه غيرهم من الأمة فقد أعطوا من فضل القوة ما يستعينون به على ثقل النبوة، فصار ما عجز عنه غيرهم ليس بمطاق. {الذي أنقَضَ ظَهْرَكَ} أي أثقل ظهرك، قاله ابن زيد كما ينقض البعير من الحمل الثقيل حتى يصير نِقْضاً. وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: أثقل ظهره بالذنوب حتى غفرها. الثاني: أثقل ظهره بالرسالة حتى بلّغها. الثالث: أثقل ظهره بالنعم حتى شكرها. {ورَفَعْنا لك ذِكْرَكَ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: ورفعنا لك ذكرك بالنبوة، قاله يحيى بن سلام. الثاني: ورفعنا لك ذكرك في الآخرة كما رفعناه في الدنيا. الثالث: أن تذكر معي إذا ذكرت، روى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: حديث : أتاني جبريل عليه السلام فقال: إن الله تعالى يقول أتدري كيف رفعْت ذكرك؟ فقال: الله أعلم، فقال: إذا ذُكرتُ ذُكِرْتَ ، تفسير : قاله قتادة: رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة، فليس خطيب يخطب ولا يتشهد، ولا صاحب صلاة إلا ينادي: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله. {فإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْراً} فيه وجهان: أحدهما: إن مع اجتهاد الدنيا خير الآخرة. الثاني: إن مع الشدة رخاء، ومع الصبر سعة، ومع الشقاوة سعادة، ومع الحزونة سهولة. ويحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: أن مع العسر يسراً عند الله ليفعل منهما ما شاء. الثاني: إن مع العسر في الدنيا يسراً في الآخرة. الثالث: إن مع العسر لمن بُلي يسراً لمن صبر واحتسب بما يوفق له من القناعة أو بما يعطى من السعة. قال ابن مسعود: والذي نفسي بيده لو كان العسر في حَجَرٍ لطلبه اليسر حتى يدخل عليه " ولن يغلب عسْرٌ يُسْرَين". وإنما كان العسر في الموضعين واحداً، واليسر اثنين، لدخول الألف واللام على العسر وحذفها من اليسر. وفي تكرار " مع العسر يسرا" وجهان: أحدهما: ما ذكرنا من إفراد العسر وتثنية اليسر، ليكون أقوى للأمل وأبعث على الصبر، قاله ثعلب. الثاني: للإطناب والمبالغة، كما قالوا في تكرار الجواب فيقال بلى بلى، لا لا، قاله الفراء وقال الشاعر: شعر : هممتُ بِنْفسيَ بَعْضَ الهُموم فأَوْلَى لنفْسِيَ أولى لها. تفسير : {فإذا فَرَغتَ فانَصَبْ} فيه أربعة تأويلات: أحدها: فإذا فرغت من الفرائض فانصب من قيام الليل، قاله ابن مسعود. الثاني: فإذا فرغت من صلاتك فانصب في دعائك، قاله الضحاك. الثالث: فإذا فرغت من جهادك عدوك فانصب لعبادة ربك، قاله الحسن وقتادة. الرابع: فإذا فرغت من أمر دنياك فانصب في عمل آخرتك، قاله مجاهد. ويحتمل تأويلاً خامساً: فإذا فرغت من إبلاغ الرسالة فانصب لجهاد عدّوك. {وإلى ربِّكَ فارْغَبْ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: فارغب إليه في دعائك قاله ابن مسعود. الثاني: في معونتك. الثالث: في إخلاص نيتك، قاله مجاهد. ويحتمل رابعاً: فارغب إليه في نصرك على أعدائك.
ابن عطية
تفسير : عدد الله على نبيه صلى الله عليه وسلم نعمه عليه في أن شرح صدره للنبوة وهيأه لها، وذهب الجمهور إلى أن شرح الصدر المذكور هو تنويره بالحكمة وتوسيعه لتلقي ما يوحى إليه، وقال ابن عباس وجماعة: هذه إشارة إلى شرحه بشق جبريل عنه في وقت صغره، وفي وقت الإسراء إذ التشريح شق اللحم، وقرأ أبو جعفر المنصور "ألم نشرحَ " بنصب الحاء على نحو قول الشاعر [طرفة]: [المنسرح] شعر : أضرب عنك الهموم طارقها ضربك بالسيف قونس الفرس تفسير : ومثله في نوادر أبي زيد: [الرجز] شعر : من أي يومي من الموت أفر أيوم لم يقدر أم يوم قدر تفسير : كأنه قال: "ألم نشرحن" ثم أبدل من النون ألفاً ثم حذفها تخفيفاً، وهي قراءة مردودة، و" الوزر " الذي وضعه الله عنه هو عند بعض المتأولين الثقل الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وحيرته قبل المبعث إذ كان يرى سوء ما قريش فيه من عبادة الأصنام. وكان لم يتجه له من الله تعالى أمر واضح، فوضع الله تعالى عنه ذلك الثقل بنبوته وإرساله. وقال أبو عبيدة وغيره المعنى: خففنا عليك أثقال النبوة وأعناك على الناس، وقال قتادة وابن زيد والحسن وجمهور من المفسرين: الوزر هنا، الذنوب، وأصله الثقل، فشبهت الذنوب به، وهذه الآية نظير قوله تعالى: {أية : ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر} تفسير : [الفتح: 2] وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجاهلية قبل النبوة وزره صحبة قومه وأكله من ذبائحهم ونحو هذا، وقال الضحاك: وفي كتاب النقاش حضوره مع قومه المشاهد التي لا يحبها الله تعالى. قال القاضي أبو محمد: وهذه كلها ضمها المنشأ كشهوده حرب الفجار ينبل على أعماله وقلبه، وفي ذلك كله منيب إلى الصواب، وأما عبادة الأصنام فلم يلتبس بها قط، وقرأ أنس بن مالك "وحططنا عنك وزرك"، وفي حرف ابن مسعود "وحللنا عنك وقرك". وفي حرف أبي "وحططنا عنك وقرك"، وذكر أبو عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم صوب جميعها، وقال المحاسبي: إنما وصفت ذنوب الأنبياء بالثقل، وهي صغائر مغفورة لهمهم بها وتحسرهم عليها، و {أنقض} معناه جعله نقضاً، أي هزيلاً معيباً من الثقل، وقيل معناه أسمع له نقيضاً وهو الصوت، وهو مثل نقيض السفن وكل ما حملته ثقلاً فإنه ينتقض تحته، وقال عباس بن مرداس: [الطويل] شعر : وأنقض ظهري ما تطوقت مضهم وكنت عليهم مشفقاً متحننا تفسير : وقوله تعالى: {ورفعنا لك ذكرك} معناه، نوهنا باسمك، وذهبنا به كل مذهب في الأرض، وهذا ورسول الله بمكة، وقال أبو سعيد الخدري والحسن ومجاهد وقتادة: معنى قوله {ورفعنا لك ذكرك} أي قرنا اسمك باسمنا في الأذان والخطب. وروي في هذا الحديث "حديث : إن الله تعالى قال: إذا ذكرت معي"تفسير : . وهذا متجه إلى أن الآية نزلت بمكة قديماً. والأذان شرع بالمدينة, ورفع الذكر نعمة على الرسول، وكذلك هو جميل حسن للقائمين بأمور الناس، وخمول الاسم والذكر حسن للمنفردين للعبادة، وقد جعل الله تعالى النعم أقساماً بحسب ما يصلح لشخص شخص، وفي الحديث: إن الله تعالى يوقف عبداً يوم القيامة فيقول له: ألم افعل بك كذا وكذا؟ يعدد عليه نعمه، ويقول في جملتها: ألم أحمل ذكرك في الناس"، والمعنى في هذا التعديد الذي على النبي صلى الله عليه وسلم أي يا محمد؛ قد فعلنا بك جميع هذا فلا تكترث بأذى قريش، فإن الذي فعل بك هذه النعم سيظفرك بهم وينصرك عليهم ثم قوى رجاءه بقوله: {فإن مع العسر يسراً}، أي ما تراه من الأذى فرج يأتي، وكرر تعالى ذلك مبالغة وتثبيتاً للخير، فقال بعض الناس: المعنى {إن مع العسر يسراً} في الدنيا، وإن مع العسر يسراً في الآخرة، وذهب كثير من العلماء إلى أن مع كل عسر يسرين بهذه الآية من حيث العسر معروف للعهد واليسر منكر، فالأول غير الثاني، وقد روي في هذا التأويل حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : لن يغلب عسر يسرين". تفسير : وأما قول عمر به فنص في الموطأ في رسالته إلى أبي عبيدة بن الجراح. وقرأ عيسى ويحيى بن وثاب وأبو جعفر: "العُسر و اليُسر " بضمتين، وقرأ ابن مسعود {فإن مع العسر يسراً} واحداً غير مكرر، ثم أمر تعالى نبيه إذا فرغ من شغل من أشغال النبوة والعبادة أن ينصب في آخر، والنصب التعب، فالمعنى أن يرأب على ما أمر به ولا يفتر، وقال ابن عباس: المعنى {فإذا فرغت} من فرضك {فانصب} في النفل عبادة لربك، وقال ابن مسعود: {فانصب} في قيام الليل، وعن مجاهد، {فإذا فرغت} من شغل دنياك {فانصب} في عبادة ربك، وقيل المعنى إذا فرغت من الركعات فاجلس في التشهد وانصب في الدعاء، وقال ابن عباس وقتادة: معنى الكلام {فإذا فرغت} من العبادة {فانصب} في الدعاء. وقال الحسن بن أبي الحسن: المعنى {فإذا فرغت} من الجهاد {فانصب} في العبادة، ويعترض هذا التأويل بأن الجهاد فرض بالمدينة، وقرأ أبو السمال "فرِغت" بكسر الراء وفي لغة، وقرأ قوم "فانصبَّ" بشد الباء وفتحها، ومعناه إذا فرغت من الجهاد "فانصب" إلى المدينة، ذكرها النقاش منبهاً على أنها خطأ، وقرأ آخرون من الإمامية " فانصِب " بكسر الصاد بمعنى إذا فرغت من أمر النبوة " فانصِب" خليفة، وهي قراءة شاذة ضعيفة المعنى لم تثبت عن عالم، ومر شريح على رجلين يصطرعان، وقال ليس بهذا أمر الفراغ تلا هذه الآية. وقوله تعالى: {وإلى ربك فارغب} أمر بالتوكل على الله تعالى وصرف وجه الرغبات إليه لا إلى سواه، وقرأ ابن أبي عبلة " فرَغِّب" بفتح الراء وشد الغين مكسورة. نجز تفسيرها والحمد لله على كل حال.
ابن عبد السلام
تفسير : {أَلَمْ} استفهام تقرير {نَشْرحْ لَكَ صَدْرَكَ} بإزالة همك حتى خلا لما أمرت به أو نُوسعه لما حملته فلا يضيق عنه، وتشريح اللحم تفتيحه لتفريقه، شرحه بالإسلام أو بأن ملأه حكمة وعلماً "ح" أو بالصبر والاحتمال.
النسفي
تفسير : مكية وهي ثمان آيات بسم الله الرحمٰ ن الرحيم {ألم نشرح لك صدرك} استفهم عن انتفاء الشرح على وجه الإنكار فأفاد إثبات الشرح فكأنه قيل: شرحنا لك صدرك، ولذا عطف عليه {وضعنا} اعتباراً للمعنى أي فسحناه بما أودعناه من العلوم والحكم حتى وسع هموم النبوة ودعوة الثقلين، وأزلنا عنه الضيق والحرج الذي يكون مع العمى والجهل، وعن الحسن: مليء حكمة وعلماً {صَدْرَكَ وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ } وخففنا عنك أعباء النبوة والقيام بأمرها، وقيل: هو زلة لا تعرف بعينها وهي ترك الأفضل مع إتيان الفاضل، والأنبياء يعاتبون بمثلها ووضعه عنه أن غفر له، والوزر: الحمل الثقيل {ٱلَّذِى أَنقَضَ ظَهْرَكَ } أثقله حتى سمع نقيضه وهو صوت الانتقاض {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ } ورفع ذكره أن قرن ذكر الله في كلمة الشهادة والأذان والإقامة والخطب والتشهد وفي غير موضع من القرآن: {أية : أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ }تفسير : [محمد:33 ][التغابن:12]. {أية : وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ }تفسير : [النساء: 13]. {أية : وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ }تفسير : [التوبة: 62]. وفي تسميته رسول الله ونبي الله ومنه ذكره في كتب الأولين. وفائدة لك ما عرف في طريقة الإبهام والإيضاح لأنه يفهم بقوله: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ } أن ثم مشروحاً، ثم أوضح بقوله {صَدْرَكَ }ما علم مبهماً وكذلك {لَكَ ذِكْرَكَ }، و {عَنكَ وِزْرَكَ }. {فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً } أي إن مع الشدة التي أنت فيها من مقاساة بلاء المشركين يسراً بإظهاري إياك عليهم حتى تغلبهم. وقيل: كان المشركون يعيرون رسول الله والمؤمنين بالفقر حتى سبق إلى وهمه أنهم رغبوا عن الإسلام لافتقار أهله، فذكره ما أنعم به عليه من جلائل النعم. ثم قال {إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً } كأنه قال: خولناك ما خولناك فلا تيأس من فضل الله فإن مع العسر الذي أنتم فيه يسراً، وجيء بلفظ «مع» لغاية مقاربة اليسر العسر زيادة في التسلية ولتقوية القلوب، وإنما قال عليه السلام عند نزولها «حديث : لن يغلب عسر يسرين»تفسير : لأن العسر أعيد معرفاً فكان واحداً لأن المعرفة إذا أعيدت معرفة كانت الثانية عين الأولى، واليسر أعيد نكرة والنكرة إذا أعيدت نكرة كانت الثانية غير الأولى، فصار المعنى إن مع العسر يسرين. قال أبو معاذ: يقال إن مع الأمير غلاماً إن مع الأمير غلاماً، فالأمير واحد ومعه غلامان. وإذا قال: إن مع أمير غلاماً وإن مع الأمير الغلام، فالأمير واحد والغلام واحد. وإذا قيل: إن مع أمير غلاماً وإن مع أمير غلاماً فهما أميران وغلامان كذا في «شرح التأويلات». {فَإِذَا فَرَغْتَ فَٱنصَبْ } أي فإذا فرغت من دعوة الخلق فاجتهد في عبادة الرب، وعن ابن عباس رضي الله عنهما: فإذا فرغت من صلاتك فاجتهد في الدعاء، واختلف أنه قبل السلام أو بعده، ووجه الاتصال بما قبله أنه لما عدد عليه نعمه السالفة ومواعيده الآتية بعثه على الشكر والاجتهاد في العبادة والنصب فيها، وأن يواصل بين بعضها وبعض ولا يخلي وقتاً من أوقاته منها فإذا فرغ من عبادة ذنبها بأخرى {وَإِلَىٰ رَبّكَ فَٱرْغَبْ } واجعل رغبتك إليه خصوصاً ولا تسأل إلا فضله متوكلاً عليه {أية : وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ }تفسير : [إبراهيم: 11].
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {ألم نشرح لك صدرك} استفهام بمعنى التّقرير، أي قد فعلنا ذلك ومعنى الشرح الفتح بما يصده عن الإدراك والله تعالى فتح صدر نبيه صلى الله عليه وسلم للهدى، والمعرفة بإذهاب الشّواغل التي تصده عن إدراك الحق، وقيل معناه ألم نفتح قلبك ونوسعه ونلينه بالإيمان، والموعظة، والعلم، والنبوة، والحكمة، وقيل هو شرح صدره في صغره (م) حديث : عن أنس رضي الله عنه "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل عليه السّلام وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه فصرعه فشق عن قلبه، فاستخرجه فاستخرج منه علقة فقال: هذا حظ الشّيطان منك ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه ثم أعاده إلى مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه يعني ظئره فقالوا: إن محمداً قد قتل فاستقبلوه، وهو ممتقع اللون. قال أنس: وقد كنت أرى أثر المخيط في صدره" تفسير : {ووضعنا عنك وزرك} أي حططنا عنك وزرك الذي سلف منك في الجاهلية فهو كقوله أية : ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر}تفسير : [الفتح: 2] وقيل الخطأ والسّهو وقيل ذنوب أمتك فأضافها إليه لاشتغال قلبه بها، وقيل المراد بذلك ما أثقل ظهره من أعباء الرسالة حتى يبلغها لأن الوزر في اللغة الثقل تشبيهاً بوزر الجبل، وقيل معناه عصمناك عن الوزر الذي ينقض ظهرك لو كان ذلك الوزر حاصلاً فسمى العصمة وضعاً مجازاً. واعلم أن القول في عصمة الأنبياء قد تقدم مستوفى في سورة طه عند قوله تعالى: {أية : وعصى آدم ربه فغوى}تفسير : [طه: 121] وعند قوله {أية : ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر}تفسير : [الفتح: 2].
القمي النيسابوري
تفسير : الوقوف {صدرك} ه لا {وزرك} ه لا {ظهرك} ه لا {ذكرك} {يسراً} ه ط {فانصب} ه لا {فارغب} ه. التفسير: روي عن طاوس وعمر بن عبد العزيز أنهما كانا يقولان: هذه السورة وسورة الضحى سورة واحدة فكانا يقرآنهما في الركعة الواحدة من غير فصل بالبسملة. والذي دعاهما إلى ذلك ما رأيا من المناسبة في معرض تعديد النعم بين قوله {أية : ألم يجدك يتيماً} تفسير : [الضحى: 6] وبين قوله {ألم نشرح} وفيه ضعف، لأن القرآن كله في حكم وكلام واحد فلو كان هذا القدر يوجب طرح البسملة من البين لزم ذلك في كل السور أو في أكثرها، على أن الاستفهام الأول وارد بصيغة الغيبة، والثاني بصيغة التكلم، وهذا مما يوجب المباينة لا المناسبة. قال جار الله: استفهم عن انتفاء الشرح على وجه الإنكار فأفاد إثبات الشرح وإيجابه فكأنه قيل: شرحنا لك صدرك ولذلك عطف عليه {وضعنا} اعتباراً للمعنى. قلت: اعتبار المعنى من جانب {وضعنا} أصوب وأنسب ليكون الكل داخلاً في الاستفهام الإنكاري كأنه قيل: ألم نشرح ولم نضع ولم نرفع ومثله ما مر في والضحى ألم يجدك يتيماً أو لم يجدك ضالاً. ونقول: معنى {ألم نشرح} أما شرحنا فيصح العطف عليه بهذا الاعتبار ليشمل الاستفهام مجموع الأفعال وهكذا في " والضحى ". وفائدة العدول من المتكلم الواحد إلى الجمع إما تعظيم حال الشرح وإما الإعلام بتوسط الملك في ذلك الفعل كما روي أن جبرائيل أتاه وشق صدره وأخرج قلبه وغسله وأنقاه من المعاصي ثم ملأه علماً وإيماناً ووضعه في صدره. طعن القاضي فيه من جهة أن هذه الواقعة من قبيل الإعجاز فكيف يمكن تصديقها قبل النبوة؟ ومن جهة أن الأمور المحسوسة لا يقاس بها الأمور المعنوية. وأجيب عن الأول بأن الإرهاص جائز عندنا، وعن الثاني بأنه يفعل ما يشاء، ولا يبعد أنه تعالى جعل ذلك الغسل والتنقية علامة تعرف الملائكة بها عصمته عن الخطايا. والأكثرون على أن الشرح أما معنوي وهو إما نقيض ضيق العطن بحيث لا يتأذى من كل مكروه وإيحاش يلحقه من كفار قومه فيتسع لأعباء الرسالة كلها ولا يتضجر من علائق الدنيا بأسرها، وإما خلاف الضلال والعمه حتى لا يرى إلا الحق ولا ينطق إلا بالحق ولا يفعل إلا للحق. قال المحققون: ليس للشيطان إلى القلب سبيل ولهذا لم يقل " ألم نشرح قلبك " وإنما يجيء الشيطان إلى الصدر الذي هو حصن القلب فيبث فيه هموم الدنيا والحرص على الزخارف فيضيق القلب حينئذ ولا يجد للطاعة لذة ولا للإيمان حلاوة ولا على الإسلام طلاوة، فإذا طرد العدو بذكر الله والإعراض عمّا لا يعينه حصل الأمن وانشرح الصدر وتيسر له القيام بأداء العبودية. وفوائد إقحام لك دون أن يقتصر على قوله {ألم نشرح صدرك} ما مر في قوله {أية : رب اشرح لي صدري} تفسير : [طه: 25] من الإجمال ثم التفصيل، ومن إرادة الاختصاص أو كونه أهم. قال أهل المعاني ومنهم جار الله: الوزر الذي أنقض ظهره أي أثقله مثل لما صدر عنه من بعض الصغائر قبل النبوة ولما جهله من الأحكام والشرائع، أو لما كان تهالك عليه من إسلام أولي العناد فيغتم بسبب ذلك، ووضعه عنه أن غفر له أو أنزل عليه الكتاب. أو قيل له: إن عليك إلا البلاغ لست عليهم بمصيطر. والأصل في الإنقاض أن الظهر إذا أثقله الحمل سمع له نقيض أي صوت خفي كصوت المحامل والرحال وكل ما فيه انتقاض وانفكاك. وقيل: المراد بالوزر أعباء الرسالة وبوضعه تسهيل الله تعالى ذلك عليه ومن جملتها أنه كان يفزع في الأوائل حتى كاد يرمي بنفسه من الجبل فقوي وألف بالوحي حتى كاد يرمي بنفسه إذا فتر الوحي أو تأخر. وقيل: المراد إزالة الحيرة التي كانت له قبل البعث، كان يريد أن يعبد ربه وما كانت نفسه تسكن إلى الشرائع المتقدمة لوقوع التحريف فيها. ورفع ذكره أن قرن اسمه باسم الله في الشهادة والأذان والتشهد والخطب. وجاء ذكره في القرآن مقروناً بذكر الله في غير موضع، وعلى سبيل التعظيم مثل النبي والرسول. ومن رفع الذكر أن جاء العته في الكتب السماوية كلها وأخذ على أمم الأنبياء كلهم أن يؤمنوا به. ثم إنهم كانوا يعيرون رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفقر فقيل له: لا يحزنك قولهم {فإن مع العسر يسراً} أي بعد العسر الذي أنتم فيه يسر وأي يسر جعل الزمان القريب كالمتصل والمقارن زيادة في التسلية وقوة الرجاء. روى مقاتل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خرج ذات يوم وهو يضحك ويقول: لن يغلب عسر يسرين. فقال الفراء والزجاج: العسر مذكور بالألف واللام وليس هناك معهود سابق فينصرف إلى الحقيقة فيكون المراد بالعسر في الموضعين شيئاً واحداً، وأما اليسر فإنه مذكور على سبيل التنكير فكان أحدهما غير الآخر وزيفه الجرجاني بأنه من المعلوم أن القائل إذا قال: إنّ مع الفارس سيفاً إن مع الفارس سيفاً. لم يلزم منه أن يكون هناك فارس واحد معه سيفان. وأقول: إذا كان المراد بالعسر الجنس لا العهد لزم اتحاد العسر في الصورتين. وأما اليسر فمنكر فإن حمل الكلام الثاني على التكرار مثل {أية : فبأي آلاء ربكما تكذبان} تفسير : [الرحمن: 13] ونحوه كان اليسران واحداً. وإن حمل على أنه جملة مستأنفة لزم أن يكون اليسر الثاني غير الأول وإلا كان تكراراً والمفروض خلافه. وإن كان المراد العسر المعهود فإن كان المعهود واحداً وكان الثاني تكراراً كان اليسران أيضاً واحداً، وإن كان مستأنفاً كانا اثنين وإلا لزم خلاف المفروض، وغن كان المعهود اثنين فالظاهر اختلاف اليسرين وإلا لزم أو حسن أن يعاد اليسر الثاني معرفاً بلام العهد فهو واحد والكلام الثاني تكرير للأول لتقريره في النفوس إلا أنه يحسن أن يجعل اليسر فيه مغايراً للأول لعدم لام العهد. ولعل هذا معنى الحديث إن ثبت والله أعلم ورسوله. وإذا عرفت هذه الاحتمالات فإن لم يثبت صحة الحديث أمكن حمل الآية على جميعها، وإن ثبت صحته وجب حملها على وجه يلزم منه اتحاد العسر واختلاف اليسر. وحينئذ يكون فيه قوة الرجاء ومزيد الاستظهار برحمة الكريم. وأما اليسران على تقدير اختلافهما فقيل: يسر الدنيا ويسر الآخرة أي إن مع العسر الذي أنتم فيه يسر العاجل إن مع العسر الذي أنتم فيه يسر الآجل. وقيل: ما تيسر لهم من الفتوح في أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم في أيام الخلفاء الراشدين، والأظهر الجنس ليكون وعداً عاماً لجميع المكلفين في كل عصر. وحين عدد عليه النعم السابقة ووعده النعم اللاحقة من اليسر والظفر رتب عليه {فإذا فرغت فانصب} قال قتادة والضحاك ومقاتل: إذا فرغت من الصلاة المكتوبة فانصب أي اتعب للدعاء وأرغب إلى ربك في إنجاز المأمور لا إلى غير يعطك خير الدارين. وعن الشعبي: إذا فرغت من التشهد فادع لدنياك وآخرتك. وعن مجاهد: إذا فرغت من أمور دنياك لما وعدناك من اليسر والظفر فانصب للعبادة والدعوة. وعن شريح أنه مر برجلين يتصارعان فقال: ما بهذا أمر الفارغ وقعود الرجل فارغاً من غير شغل قريب من العبث والاشتغال بما لا يعني، فعلى العاقل أن لا يضيع أوقاته في الكسل والدعة ويقبل بجميع قواه على تحصيل ما ينفعه في الدارين والله تعالى عالم بحقائقه.
الثعالبي
تفسير : عَدَّدَ اللَّه تعالى على نبيه نِعَمَه عليه في أنْ شَرَحَ صدرَه للنبوَّةِ، وهَيأَه لها، وذَهَبَ الجمهورُ إلى أنَّ شَرْحَ الصدرِ المذكورِ إنما هو تنويرُه بالحكمةِ، وتوسِيعُه لتلقي مَا يُوحى إليه، وقال ابن عباس وجماعة: هذه إشارة إلى شَرْحِه بشَقِّ جبريلَ عنه في وقْتِ صِغَرهِ، وفي وقْتِ الإسراء؛ إذا التشريحُ شَقُّ اللحْمِ، والوِزْرُ الذي وضعَهُ اللَّه عنه هو عند بعض المتأولين الثِّقَلُ الذي كان يجده صلى الله عليه وسلم في نفسهِ من أجل ما كانتْ قريشٌ فيه من عبادةِ الأصْنَامِ؛ فَرَفَعَ اللَّهُ عنه ذلكَ الثِّقَلَ بنبوَّتِه وإرسالهِ، وقال أبو عبيدةَ وغيره: المعنى: خَفَّفْنَا عنك أثقَال النبوَّةِ وأعنَّاكَ على الناسِ، وقيل الوِزْرُ هنا: الذنوبُ، نظيرَ قولهِ تعالى: {أية : لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ } تفسير : [الفتح:2] وقد تقدم بيانُه، الثعلبيّ: وقيلَ: معناه: عَصَمْنَاكَ من احتمالِ الوِزْرِ، انتهى. {وأنْقَضَ} معناه: جَعَلَهُ نَقْضاً، أي: هَزيلاً، من الثِّقَلِ، قال عياض: ومعنى أَنْقَضَ، أي: كَادَ يَنْقُضُه، انتهى، {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} أي نَوَّهْنَا باسمِك، قال * ع *: ورفعُ الذكرِ نعمةٌ على الرسولِ وكذلكَ هُوَ جميلٌ حسنٌ للقائمينَ بأمورِ الناس، وخمولُ الاسْمِ والذكرِ حَسَنٌ للمنفردِينَ للعبادة، والمعنى في هذا: التَّعْدِيد: أَنَّا قد فعلنا جميعَ هذا بكَ؛ فلا تَكْتَرِثْ بأذى قريشٍ؛ فإن الذي فعلَ بكَ هذه النعمُ سَيُظَفِّرُكَ بهم، قال عياض: ورَوَى أبو سَعِيدٍ الخدريُّ؛ أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أَتَانِي جِبْريلُ فَقَالَ؛ إنَّ رَبِّي وَرَبَّكَ يَقُولُ: أَتَدْرِي كَيْفَ رَفَعْتُ ذِكْرَكَ؟ قُلْتُ: اللَّهُ تَعَالَىٰ أَعْلَمُ، قال: إذَا ذُكِرْتُ ذُكِرْتَ مَعِي»تفسير : ، انتهى، ثم قوَّى سُبْحَانه رجاءَه بقولهِ: {فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً} وكرَّر تعالى ذلكَ مبالغةً، وذَهَبَ كثيرٌ من العلماءِ إلى أنَّ مع كلِّ عُسْرٍ يُسْرَيْنِ بهذه الآية، من حيثُ إنَّ العُسْرَ مُعَرَّفٌ للعَهْدِ واليسْرُ مُنَكَّرٌ فالأولُ غَيْرُ الثاني، وقَدْ جاء في هذا التأويلِ حديثٌ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قَالَ: «حديث : لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ»تفسير : ، ثم أمر تعالى نَبِيَّهُ إذا فَرَغَ مِن شُغْلِ مِنْ أَشْغَالِ النبوَّةِ والعبادةِ أن يَنْصَبَ في آخِرِه، والنَّصَبُ: التعبُ، والمعنى: أن يَدْأَبَ على مَا أُمِرَ به ولاَ يَفْتُرَ، وقال ابنُ عباسٍ: إذا فَرغْتَ مِنْ فَرْضِكَ فَانْصَبْ في التَّنفُّلِ عبادةً لربك، ونحوُه عن ابن مسعود وعن مجاهد: «فإذا فرغت من العبادةِ فانْصَبْ في الدعاء». وَقَوْلُه تعالى: {وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَٱرْغَبْ}: أمْرٌ بالتوكلِ على اللَّهِ ـــ عز وجل ـــ وصَرْفِ وُجُوهِ الرَّغَبَاتِ إليه لا إلى سواه.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ}، الاستفهام إذا دخل على النفي قرره، فصار المعنى: قد شرحنا، ولذلك عطف عليه الماضي، ومثله: {أية : أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ} تفسير : [الشعراء: 18]، والعامة: على جزم الحاء بـ "لَمْ". وقرأ أبو جعفر المنصور: بفتحها. فقال الزمخشري: وقالوا: لعلَّهُ بين الحاء، وأشبعها في مخرجها فظن السامع أنه فتحها. وقال ابن عطية: إن الأصل: "ألَمْ نَشْرحَنْ" بالنون الخفية، ثم أبدلها ألفاً ثم حذفها تخفيفاً كما أنشد أبو زيد: [الرجز] شعر : 5245- مِنْ أيِّ يَوميَّ مِنَ المَوْتِ أَفِرْ أيَـوْمَ لَـمْ يقْـدرَ أمْ يَــوْمَ قُــدِرْ تفسير : بفتح راء: "يقدر" وكقوله: [المنسرح] شعر : 5246- إضْرِبَ عَنْكَ الهُمُومَ طَارقهَا ضَرْبكَ بالسَّيْفِ قَوْنسَ الفَرسِ تفسير : بفتح باء "اضرب" انتهى. وهذا مبني على جواز توكيد المجزوم بـ "لم"، وهو قليل جداً، كقوله: [الرجز] شعر : 5247- يَحْسبهُ الجَاهِلُ مَا لَمْ يَعْلمَا شَيْخـاً عَلـى كُرْسيِّــهِ مُعَمَّمَــا تفسير : فتتركب هذه القراءة من ثلاثة أصول كلها ضعيفة، لأن توكيد المجزوم بـ "لَمْ" ضعيف، وإبدالها ألفاً إنما هو في الوقف، فاجراء الوصل مجرى الوقف خلاف الأصل، وحذف الألف ضعيف؛ لأنه خلاف الأصل. وخرجه أبو حيان على لغة خرجها اللحياني في "نوادره" عن بعض العرب، وهو أن الجزم بـ "لَنْ" والنصب بـ "لَمْ" عمس المعروف عند الناس، وجعله أحسن مما تقدم. وأنشد قول عائشة بنت الأعجم تمدح المختار تطلب ثأر الحسين بن علي رضي الله عنهما وعن بقية الصحابة أجمعين: [البسيط] شعر : 5248- قَدْ كَان سُمْكُ الهُدَى يَنْهَدُّ قَائمهُ حتَّى أبِيحَ لـهُ المُختـارُ فانْغَمَدَا فِـي كُـلِّ مـا هَمَّ أمْضَــى رأيـهُ قُدُمــاً ولَـمْ يُشــاوِرَ فـي إقْـدامـهِ أحَـدَا تفسير : [بنصب راء "يشاور"، وجعله محتمل للتخريجين. وشرح الصدر: فتحه؛ أي ألم تفتح صدرك للإسلام. وقال ابن عباس: ألم تلين قلبك وعن الحسن في قوله: ألم نشرح، وقال مكي: حلماً وعلماً]. وشرح الصدر: فتحه: روي أن جبريل - عليه السلام - أتاه وشق صدره، وأخرج قلبه، وغسله وأنقاه من المعاصي، ثم ملأه علماً، وإيماناً، ووضعه في صدره، وطعن القاضي في هذه الرواية من وجوه: أحدها: أن هذه الواقعة إنما وقعت حال صغرهِ صلى الله عليه وسلم وذلك من المعجزات فلا يجوز أن يتقدم بثبوته. وثانيها: أن تأثير الغسل في إزالة الأجسام، والمعاصي ليست بإجرام فلم يؤثر الغسل فيها. وثالثها: أنه لا يصح أن يملأ القلب علماً، بل الله تبارك وتعالى يخلق فيه العلوم. وأجيب عن الأول: بأن تقديم المعجزات على زمان البعثة جائز، وهو المسمى بالإرهاص، ومثله في حق الرسول صلى الله عليه وسلم كثير. وعن الثاني، والثالث: لا يبعد أن يكون حصول ذلك الدم الأسود الذي غسلوه من قلب الرسول - عليه الصلاة والسلام - ميل القلب إلى المعاصي وإحجامه عن الطاعات، فإذا أزالوه عنه كان ذلك علامة لمواظبة صاحبه على الطاعات، واحترازه عن السيئات، فكان ذلك، كالعلامة للملائكة على عصمة صاحبه. وأيضاً فإن الله تعالى يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد. روى ابن عباس - رضي الله عنهما - أنهم قالوا: حديث : يا رسول الله، أينشرح الصدر؟. قال: "نعم وينفسح"، قالوا: يا رسول الله، وهل لذلك علامة؟. قال: "نعم، التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاعتداد للموت قبل نزول الموت" ". تفسير : قال القرطبيُّ: معنى {أَلَمْ نَشْرَحْ} قد شرحنا، و "لَمْ" جحد، وفي الاستفهام طرف من الجحد وإذا وقع جحد، رجع إلى التحقيق، كقوله تعالى: {أية : أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَحْكَمِ ٱلْحَاكِمِينَ} تفسير : [التين: 8]، ومعناه: الله أحكم الحاكمين، وكذا {أية : أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} تفسير : [الزمر: 36]، ومنه قول جرير يمدح عبد الملك بن مروان: [الوافر] شعر : 5249- ألَسْتُـمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ المَطايَــا وأنْـدَى العَالمِيـنَ بُطُــونَ رَاحِ تفسير : المعنى: أنتم كذا. فإن قيل: لم قال عز وجل: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} فذكر الصدر ولم يذكر القلب؟. فالجوابُ: لأن محلَّ الوسوسة هو الصَّدر على ما قال تعالى: {أية : يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ ٱلنَّاسِ} تفسير : [الناس: 5] فإبدال تلك الوسوسة بدواعي الخير هو الشرح، فلذلك خص الشرح بالصدر دون القلب. وقيل: الصدر حضن القلب، فيقصده الشبطان، فإن وجد مسلكاً أغار فيه، وبث جنده فيه وبث فيه الغموم، والهموم والحرص، فيقسو القلب حينئذ، ولا يجد للطاعة لذة، ولا للإسلام حلاوةً، فإذا طرد في الابتداء حصل الأمن، وانشرح الصدر. فإن قيل: لِمَ قال: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} ولم يقل: "ألَمْ نَشْرَحْ صَدْرَك"؟. فالجوابُ: كأنه تعالى يقول: لام بلام، فأنت إنما تفعل الطاعات لأجلي، وأنا أيضاً جميع ما أفعله لأجلك. فصل فيمن اعتبر "والضحى"، و "ألم نشرح" سورة واحدة روي عن طاوس، وعمر بن عبد العزيز أنهما كانا يقرآن: "والضُّحَى"، و {أَلَمْ نَشْرَحْ} سورة واحدة، وكانا يقرآنها في ركعة واحدة، ولا يفصلان بينهما بـ "بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحيمِ"، وذلك لأنهما رأيا أن أولهما يشبه قوله تعالى: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَىٰ}. وليس كذلك، لأن حالة اغتمامه صلى الله عليه وسلم بإيذاء الكفار، فهي حالة محنةٍ وضيق، وهذه حالة انشراح الصدر، وطيب القلبِ فكيف يجتمعان؟. قوله: {وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ}، أي: حططنا عنك ذنبك. وقرأ أنس - رضي الله عنه - وحللنا وحططنا. وقرأ ابن مسعود: "وَحَلَلْنَا عَنْكَ وقْرَكَ". وهذه الآية مثل قوله: {أية : لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} تفسير : [الفتح: 2]. قيل: الجميع كانوا قبل النبوة، أي: وضعنا عنك ما كنت فيه من أمر الجاهلية؛ لأنه كان صلى الله عليه وسلم كان في يسر من مذاهب قومه، وإن لم يكن عبد صنماً، ولا وثناً. قوله: {ٱلَّذِيۤ أَنقَضَ ظَهْرَكَ}، أي: حمله على النقض، وهو صوت الانتقاض والانفكاك لثقله، مثل لما كان يثقله صلى الله عليه وسلم. قال أهل اللغة: أنقض الحمل ظهر الناقة: إذا سمعت له صريراً من شدة الحمل، وسمعت نقيض الرجل أي صريره؛ قال العبَّاس بن مرداسٍ: [الطويل] شعر : 5250- وأنْقضَ ظَهْرِي ما تطَوَّيْتُ مِنهُم وكُنْتُ عَليْهِمْ مُشْفِقاً مُتَحَنِّنَا تفسير : وقال جميلٌ: [الطويل] شعر : 5251- وحتَّى تَداعَتْ بالنَّقيضِ حِبالـهُ وهَمَّتْ بَوانِي زَوْرهِ أنْ تُحطَّمَا تفسير : والمعنى: أثقل ظهرك حين سمع نقيضه، أي: صوته. والوِزْرُ: الحمل الثقيل. قال المحاسبيُّ: يعني: ثقل الوزر لو لم يعفُ الله عنه. قال: وإنما وُصفتْ ذنوبُ الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - بهذا الثقل مع كونها مغفورة لشدة اهتمامهم بها، وندمهم منها، وتحسرهم عليها [وقال الحسين بن الفضل: يعني الخطأ والسهو. وقيل: ذنوب أمتك اضافها إليه لاشتغال قلبه بها]. وقال عبد العزيز بن يحيى وأبو عبيدة: خففنا عنك أعباء النبوة، والقيام بها، حتى لا تثقل عليك. وقيل: كان في الابتداء يثقل عليه الوحي، حتى كاد يرمي نفسه من شاهق الجبل، إلى أن جاء جبريل - عليه السلام - وأزال صلى الله عليه وسلم عنه ما كان يخاف من تغير العقل. وقيل: عصمناك عن احتمال الوِزْر، وحفظناك قيل النبوة في الأربعين من الأدناس، حتى نزل عليه الوحي، وأنت مطهَّر من الأدناس. قوله: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ}، قال مجاهد: يعني بالتأذين. وروى الضحاك عن ابن عباس - رضي الله عنهم - يقول عز وجل له: لا ذكرت إلا ذكرت معي في الأذان، والإقامة، والتشهد، ويوم الجمعة على المنابر، ويوم الفطر، ويوم الأضحى، وأيام التشريق ويوم عرفة، وعند الجمار وعلى الصفا والمروة وفي خطبة النكاح، وفي مشارق الأرض ومغاربها. ولو أن رجلاً عبد الله تعالى، وصدق بالجنة والنار وكل شيءٍ ولم يشهد أن محمداً رسول الله لم ينتفع شيء وكان كافراً. وقيل: أعلينا ذكرك، فذكرناك في الكتب المنزلة على الأنبياء قبلك، وأمرناهم بالبشارة بك، ولا دين إلا ودينك يظهر عليه. وقيل: رفعنا ذكرك عند الملائكة في السماء وفي الأرض عند المؤمنين، ونرفع في الآخرة ذكرك بما نعطيك من المقام المحمود، وكرائم الدرجات. وقيل: عام في كل ذكر. قوله: {فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً} العامة، على سكون السين في الكلم الأربع. وابن وثَّاب وأبو جعفر وعيسى: بضمها، وفيه خلاف، هل هو أصل، أو منقول من المسكن؟ والألف واللام في العسر الأول لتعريف الجنس، وفي الثاني للعهد، وكذلك روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - لن يغلب عسرٌ يسرين وروي أيضاً مرفوعاً أنه صلى الله عليه وسلم خرج يضحك يقول: حديث : لن يغلب عسر يسرين تفسير : والسبب فيه أن العرب إذا أتت باسم، ثم أعادته مع الألف واللام، كان هو الأول، نحو: جاء رجل فأكرمتُ الرجل، وقوله تعالى: {أية : كَمَآ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ رَسُولاً فَعَصَىٰ فِرْعَوْنُ ٱلرَّسُولَ} تفسير : [المزمل: 15، 16]، ولو أعادته بغير ألف ولام كان غير الأول، فقوله تعالى: {فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً} لما أعاد العسر الثاني أعاده بـ "أل"، ولما كان اليُسْر الثاني غير الأول لم يعده بأل. وقال الزمخشريُّ: فإن قلت: ما معنى قول ابن عبَّاس؟ وذكر ما تقدم. قلت: هذا عمل على الظاهر، وبناء على قوة الرجاء، وأن موعد الله تعالى لا يحمل إلا على أوفى ما يحتمله اللفظ، وأبلغه، والقول فيه أنه يحتمل أن تكون الجملة الثانية تكريراً للأولى كما كرر قوله: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} لتقرير معناها في النفوس، وتمكنها في القلوب، وكما يكرر المفرد في قوله: "جاء زيد زيد"، وأن تكون الأولى عدة بأن العسر مردوف بيُسْرٍ [لا محالة والثانية: عدة مستأنفة بأن العسر متبوع بيسر], فهما يسران على تقدير الاستئناف, وإنَّما كان العسر واحداً لأنه لا يخلو، إما أن يكون تعريفه للعهد، وهو العسر الذي كانوا فيه، فهو هو، لأن حكمه حكم زيد في قولك: "إن مع زيد مالاً، إن مع زيد مالاً"، وإما أن يكون للجنس الذي يعلمه كل أحد، فهو هو أيضاً، وأما اليسر، فمنكر متناول لبعض الجنس، فإذا كان الكلام الثاني مستأنفاً غير مكرر، فقد تناول بعضاً غير البعض الأول بغير إشكال. قال أبو البقاء: العسر في الموضعين واحد؛ لأن الألف واللام توجب تكرير الأول، وأما يُسْراً في الموضعين، فاثنان، لأن النكرة إذا أريد تكريرها جيء بضميرها، أو بالألف واللام ومن هنا قيل: "لَنْ يَغْلِبَ عُسرٌ يُسرَيْنِ". وقال الزمخشريُّ أيضاً فإن قلت: "إن "مَعَ" للصحبة، فما معنى اصطحاب اليسر والعسر؟ قلت: أراد أن الله - تعالى - يصيبهم بيسر بعد العسر الذي كانوا فيه بزمان قريب، فقرب اليسر المترقب، حتى جعله كالمقارن للعسر زيادة في التسلية، وتقوية للقلوب. وقال أيضاً فإن قلت: فما معنى هذا التنكير؟. قلت: التفخيم كأنه قيل: إنّ مع العسر يسراً عظيماً، وأي يسر، وهو في مصحف ابن مسعود مرة واحدة. فإن قلت: فإذا أثبت في قراءته غير مكرر فلم قال: والذي نفسي بيده لو كان العسر في حجر لطلبه اليسر، حتى يدخل عليه، إنه لن يغلب عسر يسرين؟. قلت: كأنه قصد اليسرين، وأما في قوله: "يُسْراً" من معنى التفخيم، فتأوله بيسر الدَّارين، وذلك يسران في الحقيقة. فصل في تعلق هذه الآية بما قبلها تعلق هذه الآية بما قبلها أن الله تعالى بعث نبيه صلى الله عليه وسلم فعيَّره المشركون بفقره، حتى قالوا له: نجمع لك مالاً، فاغتنم لذلك، وظن أنهم إنما رغبوا عن الإسلام لكونه فقيراً حقيراً عندهم، فعدد الله - تعالى - عليه منته بقوله تعالى: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ}، أي: ما كنت فيه من أمر الجاهلية، ثم وعده بالغنى في الدنيا ليزيل في قلبه ما حصل فيه من التأذي، بكونهم عيَّروه بالفقر، فقال تعالى: {فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً} فعطفه بالفاء أي: لا يحزنك ما عيروك به في الفقر، فإن ذلك يسراً عاجلاً في الدنيا فأنجز له ما وعده، فلم يمت، حتى فتح عليه "الحجاز"، و "اليمن" ووسع عليه ذات يده، حتَّى كان يعطي الرجل المائتين من الإبل، ويهب الهبات السنية، وترك لأهله قوت سنته، وهذا وإن كان خاصاً بالنبي - عليه الصلاة والسلام - فقد يدخل فيه بعض أمته صلى الله عليه وسلم إن شاء الله تعالى، ثم ابتدأ فصلاً آخر من أمر الآخرة، فقال: {إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً} فهذا شيء آخر، والدليل على ابتدائه، تعديه من فاء، وواو، وغيرهما من حروف النسق التي تدخل على العطف، فهذا عام لجميع للمؤمنين، {إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً} للمؤمنين يسراً في الآخرة لا محالة، وربما اجتمع يسرُ الدنيا، ويسرُ الآخرة. قوله: {فَإِذَا فَرَغْتَ}. العامة: على فتح الراء: من "فَرغْتَ"، وهي الشهيرة. وقرأها أبو السمال: مكسورة، وهي لغة فيه. قال الزمخشري: "وليست بالفصيحة". وقال الزمخشري أيضاً: "فإن قلت: كيف تعلق قوله تعالى: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَٱنصَبْ} بما قبله؟. قلت: لما عدد عليه نعمه السالفة، ووعوده الآنفة، بعثه على الشكر، والاجتهاد في العبادة، والنصب فيها". وعن ابن عباس: فإذا فرغت من صلاتك، فانصب في الدعاء. العامة: على فتح الصَّاد وسكون الباء أمراً من النصب وقرىء: بتشديد الباء مفتوحة أمراً من الإنصاب. وكذا قرىء بكسر الصاد ساكنة الباء، أمراً من النَّصْب بسكون الصاد. قال شهاب الدين: ولا أظن الأولى إلا تصحيفاً، ولا الثانية إلا تحريفاً، فإنها تروى عن الإمامية وتفسيرها: فإذا فرغت من النبوة فانصب الخليفة. وقال ابن عطية: وهي قراءة شاذةٌ، لم تثبت عن عالم. قال الزمخشريُّ: ومن البدع ما روي عن بعض الرافضة، أنه قرأ: "فانْصِبْ" - بكسر الصاد - أي: فانصب علياً للإمامة، ولو صح هذا للرافضيِّ، لصحَّ للناصبي أن يقرأ هكذا، ويجعله أمراً بالنصب الذي هو بغض علي، وعداوته. قال ابن مسعود: "إذا فرغت من الفرائض فانصب في قيام الليل". وقال الكلبيُّ: "إذا فرغت من تبليغ الرسالة فانصب، أي: استغفِرْ لذَنْبِكَ وللمُؤمنينَ والمُؤْمِنَات". وقال الحسنُ وقتادة: "فإذا فرغت من جهاد عدوك فانصب لعبادة ربِّك". قوله: {وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَٱرْغَبْ}. قرأ الجمهور: "فارْغَبْ" أمر من "رغبَ" ثلاثياً. وقرأ زيد بن علي، وابن أبي عبلة: "فَرغِّبْ" بتشديد الغين، أمر من "رَغَّبَ" بتشديد الغين أي: فرغب الناس إلى طلب ما عنده. عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : مَنْ قَرَأ {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} فكأنما جاءني وأنا مغتم ففرج عني"تفسير : . والله تعالى أعلم.
البقاعي
تفسير : ولما أمره صلى الله عليه وسلم آخر الضحى بالتحديث بنعمته التي أنعمها عليه فصلها في هذه السورة فقال مثبتاً لها في استفهام إنكاري مبالغة في إثباتها عند من ينكرها والتقرير بها مقدماً المنة بالشرح في صورته قبل الإعلام بالمغفرة كما فعل ذلك في سورة الفتح الذي هو نتيجة الشرح، لتكون البشارة بالإكرام أولاً لافتاً القول إلى مظهر العظمة تعظيماً للشرح. {ألم نشرح} أي شرحاً يليق بعظمتنا {لك} أي خاصة. ولما عين المشروح له، فكان المشروح مبهماً، فزاد تشوف النفس إليه ليكون أضخم له، بينه ليكون بياناً بعد إبهام فيكون أعظم في التنويه به وأجل في التعريف بأمره فقال: {صدرك *} أي نسره ونفرحه بالهجرة، فإن هذه السورة مدنية عند ابن عباس رضي الله عنهما، ونجله ونعظمه ونخرج منه قلبك ونشقه ونغسله ونملأه إيماناً وحكمة ورأفة وعلماً ورحمة، فانفسح جداً حتى وسع مناجاة الحق ودعوة الخلق، فكان مع الحق بعظمته وارتفاعه، ومع الخلق بفيض أنواره وشعاعه، وقد كان هذا الشرع حقيقة مراراً، وكان مجازاً أيضاً بإحلال جميع معانيه، وكل ذلك على ما لا يدخل تحت الوصف لا يعبر لكم عنه بأثر من أنه شق بعظمتنا، فالعلم الذي شق به معرفة الله والدار الآخرة والدين والدنيا، والحمة التي درّت فيه هي وضع الشيء في محله، وإعطاء كل ذي حق حقه، وقرأ أبو جعفر المنصور بفتح جاء "نشرح" وخرجها ابن عطية على التأكيد بالنون الخفيفة ثم أبدل ألف من النون، ثم حذف النون تخفيفاً، وقال أبو حيان بأن اللحياني حكى في نوادره عن بعض العرب النصب بلم والجزم بلن، وسره هنا أن الفتح في اللفظ مناسب غاية المناسب للشرح، ووجه قراءة الجمهور أنه لما دل على الفتح بالشرح دل بالجزم على أنه مع ذلك رابط لما أودعه من الحكم ضابط له، هاد بما فيه من رزانة العلم، ووقار التقى والحلم، قال ابن برجان: ففرق ما بين النبي والولي في ذلك أن النبي شرح صدره ظاهراً فأعلى ظاهراً، والولي شرح ذلك منه باطناً فعلى به باطناً، والكافر ضيق ذلك منه وأبقى بظلمته وحظوظ الشيطان منه فهو لا يستطيع قبول الهداية ولا الصعود في معارج العبرة إلا على مقدار ما يستطيع الصعود في السماء {أية : كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون}تفسير : [الأنعام: 125]. ولما كانت سعة الصدر بالعلم والحكمة هي الجمال باجتماع المحاسن، وكان ذلك مع حمل ما يعني من أعظم النكد، وكان الجمال بجمع المحاسن لا يكمل إلا إذا جمع إلى الجمال الجلال بانتفاء الرذائل، وكان الاستفهام الإنكاري إذا اجتمع مع النفي صار إثباتاً، لأنه نفي للنفي، قال عاطفاً عليه ما لا يعطف إلا مع الإثبات {ووضعنا} أي حططنا وأسقطنا وأبطلنا حطاً لا رجعة له ولا فيه بوجه بما لنا من العظمة، مجاوزاً {عنك وزرك *} أي حملك الثقيل الذي لا يستطاع حمله، ولذلك وصفه بقوله: {الذي أنقض ظهرك *} أي جعله وهو عماد بدنك تصوت مفاصله من الثقل كما يصوت الرحل الجديد إذا لز بالحمل الثقيل، وذلك هو ما دهمه عندما أمر بإنذار قومه ومفاجأتهم بما يكرهون عن عيب دينهم وتضليل آبائهم وتسفيه حلومهم في التدين بدين لا يرضاه أدنى العقلاء إذا تأمل شيئاً من تأمل مع التجرد من حظ النفس مع ما عندهم من الأنفة والحمية وإلقاء الأنفس في المهالك لأدنى غضب، فقال:"حديث : يا رب إذن يثلغوا رأسي فيدعوه خبزة"تفسير : فخفف سبحانه وتعالى عنه ذلك بما أظهر له من الكرامات وأيده به من المعجزات، وضمن له من الحماية إلى أمور لا يحيط بها علماً إلا الذي أيده بها{أية : والله يعصمك من الناس}تفسير : [المائدة: 67] حتى خف ذلك عليه، فصار أشفق أهله عليه يمنعه من بعض الإبلاغ ويمسك بثوبه لئلا يخرج إلى النار فيقول لهم ذلك فيحصل له ما يكره فيجذب نفسه منه ويخرج إليهم فيخبرهم كما وقع في أمر الإسراء وغيره، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: هو أن جبريل عليه الصلاة والسلام شق صدره فأخرج منه قلبه فشرحه وأخرج منه علقة سوداء فأنقاه وغسله ثم ملأه علماً وإيماناً وحكمة، يعني فصار يحتمل ما لا يحتمله غيره، وخف عليه ما يثقل على غيره، ولا شك أن ذلك وزر لغوي، وهو واضح، وشرعي بالمال على تقدير ترك الامتثال اللازم للاستثقال، وقد أعاذه الله من ذلك. وقال الأستاذ أبو جعفر بن الزبير: معنى هذه السورة من معنى السورة قبلها، وحاصل السورتين تعداد نعمه سبحانه وتعالى عليه، فإن قلت: فلم فصلت سورة ألم نشرح ولم ينسق ذكر هذه النعم في سورة واحدة، قلت: من المعهود في البشر فيمن عدد على ولده أو عبده نعماً أن يذكر له أولاً ما شاهد الحصور عليه منها بسببه مما يمكن أن يتعلق في بعضها بأن ذلك وقع جزاء لا ابتداء، فإذا استوفى له ما قصده من هذا، أتبعه بذكر نعم ابتدائية قد كان ابتداؤه بها قبل وجوده كقول الأب مثلاً لابنه: ألم أختر لأجلك الأم والنفقة حيث استولدتك وأعددت من مصالحك كذا وكذا، ونظير ما أشرنا إليه بقوله سبحانه لزكريا عليه الصلاة والسلام {أية : ولم تك شيئاً}تفسير : [مريم: 9] وقد قدم له{أية : إنا نبشرك بيحيى}تفسير : [مريم: 7] والية {إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى} وتوهم استبداد الكسبية في وجود الولد غير خافية في حق من قصر نظره ولم يوفق فابتدىء بذكرها ثم أعقب بما لا يمكن أن يتوهم فيه ذلك، وهو قوله:{أية : وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئاً}تفسير : [مريم: 9] وله نظائر من الكتب وعليه جاء ما ورد في هاتين السورتين - والله أعلم - انتهى. ولما شرفه في نفسه بالكمال الجامع للجلال إلى الجلال، وكان ذلك لا يصفو إلا مع الشرف عند الناس قال: {ورفعنا} أي بما لنا من العظمة والقدرة الباهرة {لك} أي خاصة رفعة تتلاشى عندها رفعة غيرك من الخلق كلهم {ذكرك *} عند جميع العالمين العقلاء وغيرهم بالصدق والأمانة والحلم والرزانة ومكارم الأخلاق وطهارة الشيم وانتفاء شوائب النقص حتى ما كانت شهرتك عند قومك قبل النبوة إلا الأمين، وكانوا يضربون المثل بشمائلك الطاهرة، وأوصافك الزاهرة الباهرة، ثم بالنبوة ثم بالرسالة ثم بالهجرة، وبأن جعلنا اسمك مقروناً باسمنا في كلمة التوحيد والإيمان والأذان والإقامة والتشهد والخطبة، فلا أذكر إلا وذكرت معي، ومن الكرامة الظفر على أعدائك والكرامة لأوليائك، وجعل رضاك رضاي وطاعتك طاعتي، وأمر ملائكتي بالصلاة عليك، ومخاطبتي لك بالألقاب العلية والسمات المعزة المعلية من الرسول والنبي، ونحو ذلك على حسب الأساليب ومناسبات التراكيب إلى غير ذلك من فضائل ومناقب وشمائل لا تضبط بالوصف، قال الرازي: ثم جعل لأمته من ذلك أوفر الحظ، قيل: يا رسول الله، من أولياء الله؟ قال:"حديث : الذين إذا ذُكروا ذُكر الله"تفسير : وفي حديث:"حديث : الذين إذا رُؤُوا ذُكر الله"تفسير : وقال:"حديث : خياركم من تذكر الله رؤيته، ويزيد في علمكم منطقه، ويزهدكم في الدنيا عمله"تفسير : فمنتهى قسمة الثناء أن خلط ذكره بذكره. ولما ذكر هذه المآثر الشريفة التي هي الكمال، وكان الكمال لا يصفو إلا مع مساعدة الأقدار، فإن الهمم إذا عظمت اتسعت مجالاتها، فإذا حصل فيها تعطيل حصل فيها نكد حسبه، بين أنه أزال عنه العوائق في عبارة دالة على أن سبب المنحة بهذه الكمالات هو ما كان صلى الله عليه وسلم فيه من الصبر على الأكدار، وتجرع مرارات الأقدار، فقال مؤكداً ترغيباً في حمل مثل ذلك رجاء في الإثابة بما يليق من هذه المعالي مبالغاً في الحث على تحمله بذكر المعية إشارة إلى تقارب الزمنين بحيث إنهما كانا كالمتلازمين مسبباً عما مضى ذكره من حاله من الضحى: {فإن} أي فعل بك سبحانه هذه الكمالات الكبار بسبب أنه قضى في الأزل قضاء لا مرد له ولا معقب لشيء منه أن {مع العسر} أي هذا النوع خاصة {يسراً *} أي عظيماً جداً يجلب به المصالح ويشرح به ما كان قيده من القرائح، فإن أهل البلاء ما زالوا ينتظرون الرخاء علماً منهم بالفطرة الأولى التي فطر الناس عليها أنه المتفرد بالكمال، وأنه الفاعل بالاختيار لنسمه الكوائن بأضدادها، وقد أجرى سنته القديمة سبحانه وتعالى بأن الفرج مع الكرب، فلما قاسى صلى الله عليه وسلم مما ذكر في الضحى من اليتم الشديد وضلال قومه العرب خاصة كلهم الذين ألهمه الله تعالى مخالفتهم في أصل الدين بتجنب الأوثان، وفي فرعه بالوقوف مع الناس في الحج في عرفة موقف إبراهيم عليه الصلاة والسلام، ومن العيلة ما لم يحمله أحد حتى كان بحيث يمتن سبحانه وتعالى عليه بإنقاذه منه في كتابه القديم وذكره الحكيم، وكان مع تحمل ذلك قائماً بما يحق له من الصبر ويعلو إلى معالي الشكر "فيحمل" - كما قالت الصديقة الكبرى خديجة رضي الله تعالى عنها - "الكَلَّ، ويقري الضيف، ويصل الرحم، ويعين على نوائب الحق". ثم حمل أعباء النبوة فكان يلقى من قومه من الأذى والكرب والبلاء ما لم يحمله غيره، بشره الله تعالى بأنه ييسر له جميع ذلك ويلين قلوبهم فيظهر دينه على الدين كله، ويغني أصحابه رضي الله عنهم بعد عيلتهم، ويكثرهم بعد قلتهم، ويعزهم بعد ذلتهم، ويصير هؤلاء المخالفون له أعظم الأعضاد، وينقاد له المخالف أتم انقياد، ويفتح له أكثر البلاد، ليكون هذا العطاء في اليسر بحسب ما كان وقع من العسر، فإنه قضى سبحانه وتعالى قضاء لا يرتد أنه يخالف بين الأحوال، دليلاً قاطعاً على أنه تعالى وحده الفعال، وأن فعله بالاختيار، لا بالذات والإجبار. ولما كان العسر مكروهاً إلى النفوس، وكان لله سبحانه وتعالى فيه حكماً عظيمة، وكانت الحكم لا تتراءى إلا للأفراد من العباد، كرره سبحانه وتعالى على طريق الاستئناف لجواب من يقول: وهل بعده من عسر؟ مؤكداً له ترغيباً في أمره ترقباً لما يتسبب عنه مبشراً بتكريره مع وحدة العسر وإن كان حمل كل واحد منهما على شيء غير ما قصد به الآخر ممكناً فقال: {إن مع العسر} أي المذكور فإنه معرفة، والمعرفة إذا أعيدت معرفة كانت غير الأولى سواء أريد العهد أو الجنس {يسراً *} أي آخر لدفع المضار والمكاره، فإن النكرة إذا أعيدت نكرة احتمل أن تكون غير الأولى، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:"حديث : إنها غيرُها"تفسير : فقال الحسن البصري: إن الآية لما نزلت قال النبي صلى الله عليه وسلم:"حديث : أتاكم اليسر لن يغلب عسر يسرين"تفسير : وقد روى هذا من أوجه كثيرة، وروى عبد الرزاق عن ابن مسعود رضي الله عنه قال:"حديث : لو كان العسر في جحر ضب لتبعه اليسر حتى يخرجه"تفسير : وللطبراني عنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : لو كان العسر في جحر لدخل عليه اليسر حتى يخرجه"تفسير : ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم الآية، قال الحافظ نور الدين الهيثمي: وفيه أبو مالك النخعي وهو ضعيف، ورواه الطبراني أيضاً في الأوسط والبزار عن أنس رضي الله عنه بنحوه، قال الهيثمي: وفيه عائذ بن شريح وهو ضعيف، وروى الفراء عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج ذات يوم وهو يضحك ويقول:"حديث : لن يغلب عسر يسرين"تفسير : وروى عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن الحسن به مرسلاً، ومن طريقه أخرجه الحاكم والبيهقي في الشعب ورواه الطبري من طريق ابن ثور عن معمر، ورواه ابن مردويه من طريق أخرى موصولاً وإسناده ضعيف، وفي الباب عن عمر ذكره مالك في الموطإ عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر رضي الله عنه أنه بلغه أن أبا عبيدة رضي الله عنه حضر بالشام فكتب إليه كتاباً فيه "ولن يغلب عسر يسرين" ومن طريقه رواه الحاكم، قال ذلك شيخنا ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف، وقال: وهذا أصح طرقه - انتهى، وهذا من جهة أن اليسر نكرة والعسر معرفة، وقد اشتهر أن النكرة إذا أعيدت نكرة فالثاني غير الأول، والمعرفة بالعكس، قال الشيخ سعد الدين التفتازاني في أول تلويحه في الكلام على المعرفة والنكرة: الكلام فيما إذا أعيد اللفظ الأول إما مع كيفيته من التنكير والتعريف أو بدونها، وحينئذ يكون طريق التعريف هو اللام أو الإضافة ليصح إعادة المعرفة نكرة وبالعكس، وتفصيل ذلك أن المذكور أولاً إما أن يكون نكرة أو معرفة، وعلى التقديرين إما أن يعاد نكرة أو معرفة فيصير أربعة أقسام، وحكمها أن ينظر إلى الثاني، فإن كان نكرة فهو مغاير للأول، وإلا لكان المناسب هو التعريف بناء على كونه معهوداً سابقاً بالذكر، إن كان معرفة فهو الأول حملاً له على المعهود الذي هو الأصل في اللام والإضافة، وذكر في الكشف أنه إذا أعيدت النكرة نكرة فالثاني مغاير للأول وإلا فعينه فإن المعرفة تستغرق الجنس، والنكرة تتناول البعض، فيكون داخلاً في الكل سواء قدم أو أخر، وفيه نظر، أما أولاً فلان التعريف لا يلزم أن تكون للاستغراق بل العهد هو الأصل، وعند تقدم المعهود لا يلزم أن تكون النكرة عينه، وأما ثانياً فلان معنى كون الثاني عين الأول أن يكون المراد به هو المراد بالأول، والجزء بالنسبة إلى الكل ليس كذلك، وأما ثالثاً فإن إعادة المعرفة نكرة مع مغايرة الثاني للأول كثير في الكلام، قال الله تعالى:{أية : ثم آتينا موسى الكتاب تماماً}تفسير : [الأنعام: 154] إلى قوله:{أية : وهذا كتاب أنزلناه}تفسير : [الأنعام: 155] وقال تعالى: {أية : اهبطوا بعضكم لبعض عدو} تفسير : [البقرة: 36] وقال تعالى:{أية : ورفع بعضكم فوق بعض درجات}تفسير : [الأنعام: 165] إلى غير ذلك، وقال غيره:{أية : أيسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتاباً من السماء}تفسير : [النساء: 153] ومنه قول الشاعر: شعر : إذا الناس ناس والزمان زمان تفسير : فإن الثاني لو كان عين الأول لم يكن في الإخبار به فائدة - انتهى. قال: واعلم أن المراد أن هذا هو الأصل عند الإطلاق وخلو المقام عن القرائن وإلا فقد تعاد النكرة مع عدم المغايرة كقوله تعالى:{أية : وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله}تفسير : [الزخرف: 84]{أية : وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه قل إن الله قادر على أن ينزل آية} تفسير : [الأنعام: 37] {أية : ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفاً وشيبة}تفسير : [الروم: 54] يعني قوة الشباب، ومنه باب التأكيد اللفظي، وقد تعاد النكرة معرفة مع المغايرة كقوله تعالى: {وهذا كتاب أنزلناه مبارك} إلى قوله:{أية : أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا}تفسير : [الأنعام: 156] وقال غيره:{أية : فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحاً والصلح خير}تفسير : [النساء: 128] المراد بالنكرة خاص وهو الصلح بين الزوجين، وبالمعرفة عام في كل صلح جائز {أية : زدناهم عذاباً فوق العذاب}تفسير : [النحل: 88] فإن الشيء لا يكون فوق نفسه - انتهى. قال: وقد تعاد المعرفة معرفة مع المغايرة كقوله تعالى:{أية : وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب}تفسير : [المائدة: 48] وقال غيره:{أية : قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء}تفسير : [آل عمران: 26] الأول عام والثاني خاص،{أية : هل جزاء الإحسان إلا الإحسان}تفسير : [الرحمن: 60] الأول العمل والثاني الثواب{أية : وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس}تفسير : [المائدة: 45] الأولى القاتلة والثانية المقتولة - انتهى، قال: وقد تعاد المعرفة نكرة مع عدم المغايرة كقوله تعالى:{أية : أنما إلهكم إله واحد}تفسير : [الكهف: 110] ومثله كثير، والمعرفة مثل النكرة في حالتي الإعادة معرفة والإعادة نكرة في أنها إن أعيدت معرفة كان الثاني هو الأول، وإن أعيدت نكرة كان غيره، ثم مثل بالآية التي هنا، وقال: وهذا مبني على أن تنكير {يسراً} للتفخيم وتعريف العسر للعهد، أي العسر الذي أنتم عليه أو الجنس أي الذي يعرفه كل أحد، فيكون اليسر الثاني مغايراً للأول بخلاف العسر - انتهى. وقال في الكشاف: وأما اليسر فمنكر متناول لبعض الجنس، فإذا كان الكلام الثاني مستأنفاً عن منكر تناول بعضاً غير البعض الأول بغير الإشكال. ولما علم من هذا أن المواد تكون بحسب الأوراد الشداد لما على الممدود من الشكر، ولما علم للشاكر من الوعد بالمزيد، قال مسبباً عما أعطاه من اليسر بعد ذلك العسر ندباً له إلى الشكر وإعلاماً بأنه لا ينفك عن تحمل أمر في الله: {فإذا فرغت} أي بما آتاك من اليسر يسر من جهادك الذي أنت فيه في وقت المخاطبة بهذا الكلام مما يوجب عسراً في المآل أو الحال، وعقبه العسر في أي موضع كان لا سيما عند دخول الناس في الدين أفواجاً، أو من العبادة الثقيلة العظيمة بسماع الوحي وتحمله، أو من الغرض بالتيسير الذي بشرناك به {فانصب *} أي بالغ في التعب بعبادة أخرى من التسبيح والاستغفار، أو النفل لمن أولاك هذا المعروف {وإلى ربك} أي المحسن إليك بما ذكر في هاتين السورتين خاصة {فارغب *} أي بالسؤال لأنه القادر وحده كما قدر على تربيتك فيما مضى وحده، لأنه المختص بالعظمة، فلا قدرة أصلاً إلا لمن يعطيه ما يريده منها، والرغب شعار العبد دائماً في كل حال أي افعل ذلك {ألم نشرح لك صدرك؟} فقد اتصل هذا الآخر بالأول اتصال المعلول بالعلة، ولاءم ما بعدها بذلك أيضاً بعينه ملاءمة الشمس بالأهلة، وآخر هذه السورة مشير إلى الاجتهاد في العبادة عند الفراغ من جهاد الكفار في جزيرة العرب بعد انقضاء ما يوازي عدد آي هذه السورة من السنين بعد الهجرة، وهي ثمان، رغبة في الأخرى التي هي خير من الأولى، إشارة إلى قرب الأجل بما أشارت إليه سورة النصر - كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {ألم نشرح لك صدرك} قال: شرح الله صدره للإِسلام. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن {ألم نشرح لك صدرك} قال: مليء حلماً وعلماً {ووضعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك} قال: الذي أثقل الحمل {ورفعنا لك ذكرك} قال: إذا ذكرتُ ذكرت معي. وأخرج البيهقي في الدلائل عن إبراهيم بن طهمان قال: سألت سعداً عن قوله: {ألم نشرح لك صدرك} فحدثني به عن قتادة عن أنس قال: شق بطنه من عند صدره إلى أسفل بطنه فاستخرج من قلبه، فغسل في طست من ذهب، ثم ملىء إيماناً وحكمة، ثم أعيد مكانه. وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن أبيّ بن كعب أن أبا هريرة قال: يا رسول الله ما أول ما رأيت من أمر النبوّة؟ فاستوى رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً وقال: "حديث : لقد سألت أبا هريرة إني لفي صحراء ابن عشرين سنة وأشهراً إذا بكلام فوق رأسي وإذا رجل يقول لرجل: أهو هو؟ فاستقبلاني بوجوه لم أرها لخلق قط وأرواح لم أجدها في خلق قط وثياب لم أجدها على أحد قط، فأقبلا إليّ يمشيان حتى أخذ كل واحد منهما بعضدي لا أجد لأخذهما مسّاً فقال أحدهما لصاحبه: أضجعه. فأضجعني بلا قصر ولا هصر، فقال أحدهما: افلق صدره فخوّى أحدهما إلى صدري ففلقه فيما أرى بلا دم ولا وجع، فقال له: أخرج الغل والحسد. فأخرج شيئاً كهيئة العلقة، ثم نبذها، فطرحها، فقال له: أدخل الرأفة والرحمة فإذا مثل الذي أخرج شبه الفضة، ثم هز ابهام رجلي اليمنى. وقال: اغدوا سلم، فرجعت بها أغدو بها رقة على الصغير ورحمة للكبير ". تفسير : وأخرج أحمد عن عتبة بن عبد السلمي حديث : أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: كيف كان أول شأنك يا رسول الله؟ قال: "كانت حاضنتي بنت سعد بن بكر" . تفسير : أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد {ووضعنا عنك وزرك} قال: ذنبك {الذي أنقض ظهرك} قال: أثقل. وأخرج ابن أبي حاتم عن شريح بن عبيد الحضرمي {ووضعنا عنك وزرك} قال: وغفرنا لك ذنبك. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: في قراءة عبد الله "وحللنا عنك وقرك". أخرج الشافعي في الرسالة وعبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن مجاهد في قوله: {ورفعنا لك ذكرك} قال: لا أذكر إلا ذكرت معي أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن قتادة {ورفعنا لك ذكرك} قال: رفع الله ذكره في الدنيا والأخرة، فليس خطيب ولا متشهد ولا صاحب صلاة إلا ينادي أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله. وأخرج سعيد بن منصور وابن عساكر وابن المنذر عن محمد بن كعب في الآية قال: إذا ذكر الله ذكر معه أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله. وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك {ورفعنا لك ذكرك} قال: إذا ذكرت ذكرت معي ولا تجوز خطبة ولا نكاح إلا بذكرك معي. وأخرج ابن عساكر عن الحسن في قوله: {ورفعنا لك ذكرك} قال: ألا ترى أن الله لا يذكر في موضع إلا ذكر معه نبيه. وأخرج البيهقي في سننه عن الحسن {ورفعنا لك ذكرك} قال: إذا ذكر الله ذكر رسوله. وأخرج أبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أتاني جبريل فقال: إن ربك يقول: تدري كيف رفعت ذكرك؟ قلت: الله أعلم. قال: إذا ذكرت ذكرت معي ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن عدي بن ثابت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : سألت ربي مسألة وددت أني لم أكن سألته. قلت: أي رب اتخذت إبراهيم خليلاً، وكلمت موسى تكليماً. قال: يا محمد ألم أجدك يتيماً فآويت، وضالاً فهديت، وعائلاً فأغنيت، وشرحت لك صدرك، وحططت عنك وزرك، ورفعت لك ذكرك فلا أذكر إلا ذكرت معي واتخذتك خليلاً؟ ". تفسير : وأخرج أبو نعيم في الدلائل عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لما فرغت من أمر السموات والأرض قلت يا رب: إنه لم يكن نبي قبلي إلا وقد كرّمته، اتخذت إبراهيم خليلاً، وموسى كليماً، وسخرت لداود الجبال ولسليمان الريح والشياطين، وأحييت لعيسى الموتى، فما جعلت لي؟ قال: أو ليس قد أعطيتك أفضل من ذلك كله؟ أن لا أذكر إلا ذكرت معي، وجعلت صدور أمتك أناجيل يقرؤون القرآن ظاهراً، ولم أعطها أمة، وأعطيتك كنزاً من كنوز عرشي: لا حول ولا قوّة إلا بالله ". تفسير : وأخرج ابن عساكر من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس {ورفعنا لك ذكرك} قال: لا يذكر الله إلا ذكرت معه. أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: {فإن مع العسر يسراً} قال: اتبع العسر يسراً. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: {فإن مع العسر يسراً إن مع العسر يسراً} قال: ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشر بهذه الآية أصحابه فقال: "حديث : لن يغلب عسر يسرين ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن مردويه عن الحسن قال: لما نزلت هذه الآية {إن مع العسر يسراً} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ابشروا أتاكم اليسر، لن يغلب عسر يسرين ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال:حديث : بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن ثلثمائة أو يزيدون، علينا أبو عبيدة بن الجراح، ليس معنا من الحمولة إلا ما نركب فزوّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم جرابين من تمر، فقال بعضنا لبعض: قد علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أين تريدون وقد علمتم ما معكم من الزاد، فلو رجعتم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألتموه أن يزوّدكم، فرجعنا إليه، فقال: إني قد عرفت الذي جئتم له، ولو كان عندي غير الذي زوّدتكم لزوّدتكموه. فانصرفنا، ونزلت {فإن مع العسر يسراً إن مع العسر يسراً} فأرسل نبي الله إلى بعضنا، فدعاه، فقال: أبشروا فإن الله قد أوحى إليّ {فإن مع العسر يسراً إن مع العسر يسراً} وإن يغلب عسر يسرين ". تفسير : وأخرج البزار وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط والحاكم وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً وحياله حجر، فقال: "حديث : لو جاء العسر فدخل هذا الحجر لجاء اليسر حتى يدخل عليه فيخرجه، فأنزل الله {فإن مع العسر يسراً إن مع العسر يسراً} ولفظ الطبراني: وتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم {فإن مع العسر يسراً إن مع العسر يسراً} ". تفسير : وأخرج ابن النجار من طريق حميد بن حماد عن عائذ عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قاعداً ببقيع الفرقد، فنزل إلى حائط فقال: "حديث : يا معشر من حضر والله لو كانت العسر جاءت تدخل الحجر لجاءت اليسر حتى تخرجها، فأنزل الله {فإن مع العسر يسراً إن مع العسر يسراً} ". تفسير : وأخرج الطبراني وابن مردويه بسند ضعيف عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لوكان العسر في حجر لدخل عليه اليسر حتى يخرجه، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {إن مع العسر يسراً} ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا في الصبر وابن المنذر والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن مسعود قال: لو كان العسر في حجر لتبعه اليسر حتى يدخل عليه ليخرجه، ولن يغلب عسر يسرين، إن الله يقول: {فإن مع العسر يسراً إن مع العسر يسراً} . وأخرج عبد الرزاق وابن جرير والحاكم والبيهقي عن الحسن قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم يوماً فرحاً مسروراً، وهو يضحك ويقول: "حديث : لن يغلب عسر يسرين {فإن مع العسر يسراً إن مع العسر يسراً} ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: كانوا يقولون لا يغلب عسر واحد يسرين اثنين. أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طرق عن ابن عباس في قوله: {فإذا فرغت فانصب} الآية قال: إذا فرغت من الصلاة فانصب في الدعاء، واسأل الله وراغب إليه. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {فإذا فرغت فانصب} الآية، قال: قال الله لرسوله: إذا فرغت من صلاتك وتشهدت فانصب إلى ربك واسأله حاجتك. وأخرج ابن أبي الدنيا في الذكر عن ابن مسعود {فإذا فرغت فانصب} إلى الدعاء {وإلى ربك فارغب} في المسألة. وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك قال: كان ابن مسعود يقول: أيما رجل أحدث في آخر صلاته، فقد تمت صلاته، وذلك قوله: {فإذا فرغت فانصب} قال: فراغك من الركوع والسجود {وإلى ربك فارغب} قال: في المسألة وأنت جالس. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن مسعود {فإذا فرغت فانصب} قال: إذا فرغت من الفرائض فانصب في قيام الليل. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد {فإذا فرغت فانصب} قال: إذا جلست فاجتهد في الدعاء والمسألة. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن نصر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: {فإذا فرغت فانصب} قال: إذا فرغت من أسباب نفسك فصل {وإلى ربك فارغب} قال: اجعل رغبتك إلى ربك. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة {فإذا فرغت فانصب} قال: إذا فرغت من صلاتك فانصب في الدعاء. وأخرج عبد بن حميد وابن نصر عن الضحاك {فإذا فرغت} قال: من الصلاة المكتوبة {وإلى ربك فارغب} قال: في المسألة والدعاء. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة {فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب} قال: أمره إذا فرغ من الصلاة أن يرغب في الدعاء إلى ربه، وقال الحسن: أمره إذا فرغ من غزوه أن يجتهد في العبادة. وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم {فإذا فرغت فانصب} قال: إذا فرغت من الجهاد فتعبد.
ابو السعود
تفسير : {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} لما كانَ الصدرُ محلاًّ لأحوالِ النفسِ ومخزناً لسرائرِها من العلومِ والإدراكاتِ والملكاتِ والإراداتِ وغيرِها عبرَ بشرحِه عن توسيعِ دائرةِ تصرفاتِها بتأيـيدِها بالقوةِ القدسيةِ وتحليتِها بالكمالاتِ الأُنسيةِ أيْ ألمْ نفسحْهُ حَتَّى حَوَى عَالَمِيْ الغيبِ والشَّهادةِ وجمعَ بـينَ مَلكَتِيْ الاستفادةِ والإفادةِ فمَا صدَّكَ الملابسةُ بالعلائقِ الجسمانيةِ عنِ اقتباسِ أنوارِ الملكاتِ الروحانيةِ وَمَا عاقكَ التعلقُ بمصالحِ الخلقِ عن الاستغراقِ في شؤونِ الحَقِّ وقيلَ: أريدَ بهِ ما رُويَ (أنَّ جبريلَ أتَى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في صباهُ أو يومَ الميثاقِ فاستخرجَ قلبَهُ فغسلَهُ ثمَّ ملأهُ إيماناً وعلماً) ولعلَّه تمثيلٌ لما ذُكِرَ أو أُنْمُوذَجٌ جُسمانيٌّ ممَّا سيظهرُ لهُ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ من الكمالِ الرُّوحانيِّ والتعبـيرُ عن ثبوتِ الشَّرحِ بالاستفهامِ الإنكاريِّ عنِ انتفائِه للإيذانِ بأنَّ ثبوتَهُ منَ الظهورِ بحيثُ لا يقدرُ أحدٌ على أنْ يجيبَ عنْهُ بغيرِ بَلَى وزيادةُ الجارِّ والمجرورِ معَ توسيطِه بـينَ الفعلِ ومفعولِه للإيذانِ من أولِ الأمرِ بأنَّ الشَّرحَ من منافِعِه عليهِ الصلاةُ والسلامُ ومصالحِه مسارعةً إلى إدخالِ المسرةِ في قلبِه عليهِ الصلاةُ والسلامُ وتشويقاً لهُ إلى ما يعقبُهُ ليتمكَّنَ عندَهُ وقتَ ورودِهِ فضل تمكِّنٍ وقوله تعالى: {وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ} عطفٌ على ما أشيرَ إليهِ من مدلولِ الجملةِ السابقةِ كأنَّه قيلَ: قدْ شرحنَا صدرَكَ ووضعنَا الخ، وعنكَ متعلقٌ بوضعنَا وتقديمُهُ على المفعولِ الصريحِ معَ أنَّ حقَّه التأخرُ عنْهُ لما مرَّ آنِفاً منَ القصدِ إلى تعجيلِ المسرةِ والتشويقِ إلى المؤخَّرِ ولِما أنَّ في وصفِه نوعَ طولٍ فتأخيرُ الجارِّ والمجرورِ عنْهُ مخلٌّ بتجاوبِ أطرافِ النظمِ الكريمِ أيْ حططنَا عنكَ عِبأكَ الثقيلَ. {ٱلَّذِى أَنقَضَ ظَهْرَكَ} أيْ حملَهُ على النقيضِ وَهُوَ صوتُ الانقضاضِ والانفكاكَ كمَا يُسْمَعُ منَ الرَّحلِ المُتداعِي إلى الانتقاضِ من ثقلِ الحملِ، مُثّل بهِ حالُه عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ممَّا كانَ يثقلُ عليهِ ويغمُّهُ من قرطاتِه قبلَ النبوةِ أو من عدمِ إحاطتِه بتفاصيلِ الأحكامِ والشرائعِ أو من تهالُكِهِ على إسلامِ المعاندينَ من قومِه وتلهفِهِ ووضعِهِ عنهُ مغفرتَهُ وتعليمِ الشرائعِ وتمهيدِ عُذرِهِ بعدَ أنْ بلَّغَ وبالغَ وقُرِىءَ وَحططنَا وَحللنَا مكانَ وضعنَا وقُرِىءَ (وحللنَا عنكَ وِقْرَك).
التستري
تفسير : قوله تعالى: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ}[1] قال: ألم نوسع لك صدرك بنور الرسالة فجعلناه معدناً للحقائق. قال: وأول الشرح بنور الإسلام كما قال الله تعالى: {أية : فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ} تفسير : [الأنعام:125] ثم قال: يزداد المنازل بعده، فيكون الأنوار على قدر المواهب من البصائر.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} [الآية: 1]. قال سهل رحمه الله: ألم نوسع صدرك بنور الرسالة فجعلناه معدنًا للحقائق. وقال: ألم نوسع صدرك لقبول ما يرد عليك وقال فى قوله: {وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ} [الآية: 2]: أعباء النبوة والرسالة فكنت فيها محمولاً لا حاملاً. وقال أيضًا: {وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ} ألم نمنَّ عليك بالاحتمال من المخالفين، ووضعنا عنك وزرك، كادت نفسك أن تتلف عند حمل النبوة فأعنَّاك عليه، وقويناك عند الإبلاغ. وقال جعفر: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} بمشاهدى ومطالعتى. سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت أبا القاسم يقول: قال ابن عطاء: فى قوله: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} قال: ألم نخل سرك عن الكل فغبت عن مشاهدة الكون وما سوى الحق، فشرح لك صدرك للنظر، وشرح صدر موسى للكلام صلى الله عليهما. وقال فى قوله: {وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ} ألم أزل ملاحظة المخلوقين عن سرك. وقال بعضهم: خففنا عنك بحفظ ما استحفظت وحفظنا عنك. وقال فى قوله: {وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ} قال: حفظتك فى الأربعين من الأدناس إلى أن ظهرت لك النبوة وألقى إليك الرسالة.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ}. ألَمْ نُوَسِّعْ قَلْبَكَ للإِسلام؟ ألم نُليِّنه للإِيمان؟ ويقال ألم نوسع صدرك بنور الرسالة؟ ألم نوسِّع صدرك لقَبُولِ ما نورِدُ عليك. {وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ ٱلَّذِيۤ أَنقَضَ ظَهْرَكَ}. أي: إثمْكَ قبل النبوَّة. ويقال: عصمناكَ عن ارتكابِ الوِزْرِ؛ فَوضْعُه عنه بأنَّه لم يستوجبْه قطّ. ويقال: خفضنا عنك أعباءَ النبوَّة وجعلناكَ محمولاً لا متحمِّلاً. ويقال: قويناك على التحمُّل من الخَلْق، وقوَّيناك لمشاهدتنا، وحفظنا عليك ما استحفظت، وحرسناكَ عن ملاحظة الخَلْقَ فيما شرَّفناك به. {ٱلَّذِيۤ أَنقَضَ ظَهْرَكَ}: أثقله، ولولا حَمْلُنا عنك لَكُسِرَ. {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ}. بِذِكْرنا؛ فكما لا تَصِحُّ كلمةُ الشهادة إلا بي، فإنها لا تَصِحُّ إلا بك. ويقال: رفعنا لك ذكرك بقول الناس: محمد رسول الله! ويقال: أثبتنا لك شرف الرسالة. {فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً}. وفي الخبر: "حديث : لن يغلب عُسْرٌ يُسْريْن"تفسير : ومعناه: أن العسر بالألف واللام في الموضعين للعهد - فهو واحد، واليُسْر مُنكَّرٌ في الموضعين فهما شيئان. والعُسْر الواحد: ما كان في الدنيا، واليسران: أحدهما في الدنيا في الخصب، وزوال البلاء، والثاني في الآخرة من الجزاء وإذاً فعُسْرُ جميع المؤمنين واحد - وهو ما نابهم من شدائد الدنيا، ويُسْرُهم اثنان: اليومَ بالكَشْفِ والصَّرْفِ، وغداً بالجزاء.
البقلي
تفسير : {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} شرح صدره صلوات الله وسلامه عليه طلوع شمس جلال الحق فيه فاضاء من روحه وقلبه وعقله وطار روحه فى الازل وطار عقله فى الابد وطار قلبه فى الجبروت ونفسه فى الملكوت فتولى الحق شرح صدره بنفسه لا بغيره وذلك حين ظهر لسره ذاته القديم وصفاته الازلية فصار موسعا مبسوطا بوسع الذات والصفات فشرحه يزيد الا الابد لان جلال الحق لا نهاية له وكان صدره محل تجلى الحق فبقى مع الحق فى ساحة الكبرياء حيث لا حيث ولا زمان ولا مكان بل نور الذات فى نور الصفات ونور الصفات فى نور الذات فهو بين النورين محتجبا بانوار الحقيقة عن اوهام الخليقة لذلك قال سبحانه روفعنا لك ذكرك رفع قدره عن ادراك كل ادارك واعلى ذكره عن السنة كل وصاف لا يصفه الاولون والأخرون بكمال وصفه لانه كان منسلخا بانوار الربوبية من اوصفا الحدوثية لذلك قال {وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ} وتلك الحدوثية اثقل جناح همته العلية الربانية حيث منعته عن الوصول بالكلية بقوله {ۤ أَنقَضَ ظَهْرَكَ} فلما خفته عن ذلك جعله رفيع القدر بقدره لذلك قال {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} وسع صدره اولا بكشف المشاهدة فلما وصل اليه اثقال سطوات الربوبية وثقل عليه صدمات القدوسية كان ان يفنى تحتها فبدلها الله له وانوار الكبرياء بانوار البقاء وانوار الجلال وانوار القدس بانور الانس وجعله متصفا بصفاته فقوى بالحق وحمل الحق بالحق وقال سبحانه الم نشرح لك صدرك الى قوله ذكرك قال سهل ام نوسع صدرك بنور الرسالة فجعلناه معدنا للحقائق وقال ابن عطا لم نوسع سرك لقبول ما يرد عليك وقال فى قوله وضعنا عنك وزرك اعباء النبوة والرسالة فكنت فيها محمود الاحامد او قال جعفر الم نشرح صدرك لمشاهدتى ومطالعتى وقال القسيم وضعنا عنك وزرك الم ازل ملاحظة المخلوقين عن سرك قال ابن عطا فى قوله ورفعنا ذكرك جعلت تمام الايمان بى بذكرك معى وقال ايضا جعلتك ذكر امن ذكرى فكان من ذكرك ذكرى وقال ذو النون هم الانبياء تحول حول العرش وهمة محمد صلى الله عليه وسلم فوق العرش لذلك قال ورفعنا لك ذكرك قال سهل ازلنا عنك الهمة الا لنا والفكرة فى سوانا والحركة والسكون الا بامرنا وقيل فى قوله انقض ظهرك هو الرجوع من حال المشاهدة الى حال بلاغ الرسالة.
اسماعيل حقي
تفسير : {الم نشرح لك صدرك} قال الراغب الشرح بسط اللحم ونحوه يقال شرحت اللحم وشرحته ومنه شرح الصدر بنور الهى وسكينة من جهة الله وروح منه وشرح المشكل من الكلام بسطه واظهار مايخفى من معانيه انتهى وفى الحديث اذا دخل النور فى القلب انشرح اى عاين القلب وانفسح اى احتمل البلاء وحفظ سر الربوبية كما قال موسى عليه السلام رب اشرح لى صدرى اى وسع قلبى حتى لا يضيق بسفاهة المعاندين ولجاجهم بل يحتمل اذا هم وزيادة لك للايذان بان الشرح من منافعه ومصالحه عليه السلام وانكار النفى اثبات اى عدم شرحنا لك صدرك منفى بل قد شرحنا لك صدرك وفسحناه حتى حوى عالم الغيب والشهادة بين ملكتى الاستفادة والافادة فما صدك الملابسة بالعلائق الجسمانية عن اقتباس انوار الملكات الروحانية وما عاقك التعلق بمصالح الخلق عن الاستغراق فى شؤون الحق اى لم تحتجب لا بالحق عن الخلق ولا بالخلق عن الحق بل كنت جامعا بين الجمع والفرق حاضرا غائبا وفى التأويلات النجمية يشير الى انفساح صدر قلبه بنور النبوة وحمل همومها بواسطة دعوة الثقلين وانشراح صدر سره بضياء الرسالة واحتمال مكاره الكفار واهل النفاق وانبساط صدر نوره باشعة الولاية وتحققه بالعلوم اللدنية والحكم الالهية والمعارف الربانية والحقائق الرحمانية واما شرح الصدر الصورى فقد وقع مرارا مرة وهو ابن خمس اوست لاخراج مغمز الشيطان وهو الدم الاسود الذى به يميل القلب الى المعاصى ويعرض عن الطاعات ومرة عند ابتدآء الوحى ومرة ليلة المعراج در حديث آمده كه شب معراج جبريل مرا تكيه داد واز بالاى سينه تاناف من بشكافت وميكائيل طشتى از آب زمزم آورده ودرون سينه وعروق حلق مرايدان آب بشتند وجبرئيل دل مرابيرون آورده بشكافت وبشست ودر آخر طشتى ازطلا مملو ازحكمت وايمان آوردند ودل مرا ازان بر ساختند وبرجاى او نهادند ونقلى هست كه بخاتمى ازنور مهر كرد جنانجه اثر راحت ولذت آن هنوز درعروق ومفاصل خودمى يابم. لم خزانة اسرار بود ودست قضا. درش به بست وكليدش بدلستانى داد. ومن هنا قال المشايخ لا بد للطالب فى ابتدآء امره ان يشتغل بذكر لا اله الا الله بحيث يبدأ من الجانب الايمن للصدر ويضرب بالاعلى الجانب الايسر منه لينتقض به العلقة التى هى حظ الشيطان ومنبع الشهوات النفسانية مقدارا بعد مقدار ويمتلئ النور مقام ما ينتقض منها وربما قاء دما اسود رقيقا لانحلاله بحرارة التوحيد وذوبانه بنار الذكر وهو من صفات الكمل فبدوام الذكر ينشرح الصدر وينفتح القلب.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلاّ جلاله: {ألم نشرحْ لك صدرك} أي: ألم نوسعه ونفسحه حتى حوى عالَم الغيب والشهادة، وجمع بين ملَكتي الاستفادة والإفادة، فما صدتك الملابسة بالعلائق الجسمانية عن اقتباس أنوار الملِكات الروحانية، وما عاقك التعلُّق بمصالح الخلق عن الاستغراق في شهود الحق، وقيل: المراد شرح جبريل صدرَه في حال صباه، حين شقّه وأخرج منه علقة سوداء، أو ليلة المعراج فملأه إيماناً وحكمة. والتعبير عن الشرح بالاستفهام الإنكاري للإيذان بأن ثبوته من الظهور بحيث لا يقدر أحد أن يُجِيب عنه بغير "بلى". وزيادة "لك" وتوسُّطه بين الفعل ومفعوله للإيذان بأنَّ الشرح من منافعة صلى الله عليه وسلم ومصالحة، مسارعة إلى إدخال المسرة في قلبه صلى الله عليه وسلم وتشويقاً إلى ما يعقبه، ليتمكن عنده وقتَ وروده فضل تمكُّن. وقال في الوجيز: هو استفهام معناه التقرير، أي: ألم نفتح ونُوسِّع لك قلبك بالإيمان والنبوة والعلم والحكمة. قال في الحاشية الفاسية: والظاهر أنه إيثار بما طلبه موسى عليه السلام بقوله: {أية : رَبِّ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي} تفسير : [طه:25]، وأنه بادَاه به من غير طلب، وهو قَدْر زائد على مطلق الرسالة، متضمن حمل ثقل تبليغها, لكونه في ذلك بربه, ويناسبه ما بعده من وضع الوزر، وهو لغة: الحمل الثقيل، كما في الوجيز، وشرح الصدر: بسطه بنور إلهي. هـ. {ووضعنا عنك وِزْرَكَ}، عطف على مدلول الجملة السابقة، كأنه قيل: قد شرحنا لك صدرك ووضعنا عنك وزرك، أي: حططنا عنك عبأك الثقيل، {الذي أَنْقَضَ ظهرك} أي: أثقله حتى سمع له نقيض، وهو صوت الانتقاض، أي: خففنا عنك أعباء النبوة والقيام بأمرها، أو: يُراد ترك الأفضل مع إتيان الفاضل، والأنبياء يعاتبون بمثلها، ووضعه عنه: أن يغفر له. قال ابن عرفة: التفسير السالم فيه: أن يتجوّز في الوضع بمعنى الإبعاد، أو يتجوّز في الوزر، فإن أريد بالوزر حقيقته فيكون المعنى: أبعدنا عنك ما يتوهم أن يلحقك من الوزر اللاحق لنوعك، وإن أريد بالوزر المجازي، وهو ما يلحقه قِبَل النبوة من الهم والحزن بسبب جهلك ما أنت الآن عليه من الأحكام الشرعية، فيكون الوضع حقيقة، والوزر مجازاً. هـ. قلت: والظاهر: أنَّ كل مقام له ذنوب، وهو رؤية التقصير في القيام بحقوق ذلك المقام، فحسنات الأبرار سيئات المقربين، فكلما علا المقام طُولب صاحبه بشدة الأدب، فكأنه صلى الله عليه وسلم خاف ألاّ يكون قام بحق المقام الذي أقامه الحق فيه، فاهتمّ من أجله، وجعل منه حملاً على ظهره، فأسقطه الحق تعالى عنه، وبشَّره بأنه مغفور له على الإطلاق؛ ليتخلّى من ذلك الاهتمام. وزاده شرفاً بقوله: {ورفعنا لك ذِكرك} أي: نوّهنا باسمك وجعلناه شهيراً في المشارق والمغارب، ومِن رَفْعِ ذكره صلى الله عليه وسلم أن قرن اسمَه مع اسمِه في الشهادة والأذان والإقامة والخُطب والتشهُّد، وفي مواضع من القرآن: {أية : أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ}تفسير : [النساء:59] {أية : وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} تفسير : [النساء:13] { أية : وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ } تفسير : [التوبة:62]، وتسميته رسول الله، ونبي الله، وقد ذكره في كتب الأولين. قال ابن عطية: رَفْعُ الذكر نعمة على الرسول، وكذا هو جميل حسن للقائمين بأمور الناس، وخمول الذكر والاسم حسن للمنفردين للعبادة. هـ. قلت: والأحسن ما قاله الشيخ المرسي رضي الله عنه: مَن أحبّ الظهور فهو عبد الظهور، ومَن أحبّ الخفاء فهو عبد الخفاء، ومَن أحبّ الله فلا عليه أخفاه أو أظهره. هـ. والخمول للمريد أسلم، والظهور للواصل أشرف وأكمل. ثم بشّر رسولَه وسلاَّه عما كان يلقى من أذى الكفار بقوله: {فإِنَّ مع العُسْرِ يُسراً} أي: إنّ مع الشدة التي أنت فيها من مقاساة بلاء المشركين يُسراً بإظهاره إياك عليهم حتى تغلبهم. وقيل: كان المشركون يُعيّرون رسول الله والمسلمين بالفقر، حتى سبق إلى وهمه أنهم رَغِبُوا عن الإسلام لافتقار أهله، فذكّره ما أنعم به عليه من جلائل النعم، ثم قال: {فإِنَّ مع العسكر يُسراً} كأنه قال: خوّلناك ما خوّلناك فلا تيأس من فضل الله، {إِنَّ مع العسر} الذي أنتم فيه {يُسراً}، وجيء بلفظ "مع" لغاية مقارنة اليسر للعسر؛ زيادةً في التسلية وتقوية لقلبه صلى الله عليه وسلم، وكذلك تكريره، وإنما قال صلى الله عليه وسلم عند نزولها:"حديث : لن يغلب عسر يسرين"تفسير : لأنَّ العسر أعيد مُعرّفاً فكان واحداً، لأنّ المعرفة إذا أعيدت معرفة كانت الثانية عين الأولى، واليُسر أعيد نكرة، والنكرة إذا أُعيدت نكرة كانت الثانية غير الأولى، فصار المعنى: إنَّ مع العُسر يسريْن، وبعضهم يكتبه بياءين، ولا وجه له. {فإِذا فرغتَ} من التبليغ أو الغزو {فانصبْ}؛ فاجتهد في العبادة، وأَتعب نفسك شكراً لما أولاك من النِعم السابقة، ووعدك من الآلاء اللاحقة، أو: فإذا فرغت من دعوة الخلق فاجتهد في عبادة الحق، وقيل: فإذا فرغت من صلاتك فاجتهد في الدعاء، أو: إذا فرغت من تبليغ الرسالة فانصب في الشفاعة، أي: في سبب استحقاق الشفاعة، {وإِلى ربك فارغبْ} في السؤال، ولا تسأل غيره، فإنه القادر على إسعافك لا غيره. وقُرىء: "فرغِّب" أي: الناس إلى ما عنده. الإشارة: ما قيل للرسول صلى الله عليه وسلم من تعديد النعم عليه واستقراره بها، يُقال لخليفته العارف الداعي إلى الله، حرفاً بحرف، فيقال له: ألم نُوسع صدرك لمعرفتي، ووضعنا عنك أوزارك حين توجهتَ إلينا، أو: وضعنا عنك أثقال السير، فحملناك إلينا، فكنت محمولاً لا حاملاً، ورفعنا لك ذكرك حين هيأناك للدعوة، بعد أن أخملنا ذكرك حين كنت في السير لئلا يشغلك الناسُ عنا، فإنَّ مع عسر المجاهدة يُسر المشاهدة، فإذا فرغت من الدعوة والتذكير, فأَتْعِب نفسك في العكوف في الحضرة، أو: فإذا فرغت مِن كمالك فانصب في تكميل غيرك، وارغب في هداية الخلق. وبالله التوفيق، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم.
الطوسي
تفسير : روى اصحابنا ان ألم نشرح من الضحى سورة واحدة لتعلق بعضها ببعض ولم يفصلوا بينهما بـ {بسم الله الرحمن الرحيم} وأوجبوا قراءتهما فى الفرائض فى ركعة وألا يفصل بينهما. ومثله قالوا فى سورة {ألم ترك كيف} و {الإيلاف} وفى المصحف هما سورتان فصل بينهما ببسم الله. والمعني بهذه الآيات تعداد نعم الله تعالى على النبي صلى الله عليه وآله فى الامتنان بها عليه فقال {ألم نشرح لك صدرك} فالشرح فتح الشيء باذهاب ما يصد عن إدراكه فالله تعالى قد فتح صدر نبيه باذهاب الشواغل التي تصد عن إدراك الحق وتعظيمه بما يجب له. ومنه قول القائل: أشرح صدري لهذا الأمر. وشرح فلان كتاب كذا، ومنه تشريح اللحم إذا فتحه ورققه، ومنه قوله {أفمن شرح الله صدره للإسلام} وقال البلخي: كان النبي صلى الله عليه وآله ضاق صدره بمغاضبة الجن والانس له فآتاه الله من آياته ووعده ما اتسع قلبه لكل ما حمله الله وأمره به. وقال الجبائي: شرح الله صدره بأن فعل له لطفاً بسنن منه إلى ما كلفه الله وسهل عليه، وكان ذلك ثواباً على طاعاته لا يجوز فعله بالكفار. وعكَسه ضيق الصدر كما قيل فى قوله {أية : فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون}تفسير : والصدر الموضع الارفع الذي فيه القلب، ومنه أخذ صدر المجلس تشبيهاً بصدر الانسان. وصدرته بكذا إذا جعلته في أول كلامك. والصدر لأن الاوامر تصدر عنه. وصادره إذا اخذ ما يصدر عنه والاصل الانصراف عن الشيء. وقوله {ووضعنا عنك وزرك} قال الحسن: يعني بالوزر الذي كان عليه في الجاهلية قبل النبوة. وقال مجاهد وقتادة والضحاك وابن زيد: يعني ذنبك. قالوا: وإنما وصفت ذنوب الانبياء بهذا الثقل مع انها صغائر مكفرة لشدة اغتمامهم بها وتحسرهم على وقوعها مع ندمهم عليها. وهذان التأويلان لا يصحان على مذهبنا، لان الانبياء عليهم السلام لا يفعلون شيئاً من القبائح لا قبل النبوة ولا بعدها ولا صغيرة ولا كَبيرة، فاذا ثبت هذا، فمعنى الآية هو أن الله تعالى لما بعث نبيه وأوحى اليه وانتشر أمره وظهر حكمه كان ما كان من كفار قومه وتتبعهم لاصحابه باذاهم له وتعرضهم إياهم ما كان يغمه ويسؤه ويضيق صدره ويثقل عليه، فازال الله ذلك بأن أعلى كلمته وأظهر دعوته وقهر عدوه وانجز وعده ونصره على قومه، فكان ذلك من اعظم المنن وأجزل النعم. فاذا قيل: السورة مكية، وكان ما ذكرتموه بعد الهجرة؟! قيل: ليس يمنع أن يكون الله أخبره بأن ذلك سيكون فيما بعد ليبشره به ويسليه عما هو عليه فجاء بلفظ الماضي وأراد الاستقبال، كما قال {أية : ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار}تفسير : وكما قال {أية : ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك}تفسير : والوزر الثفل في اللغه، ومنه اشتق اسم الوزير لتحمله أثقال الملك. وإنما سميت الذنوب أوزاراً لما فيها من العقاب العظيم. وقوله {الذي أنقض ظهرك} نعت للوزر، ووصفه بأنه انقض ظهره بمعنى أثقله، والانقاض الاثقال الذي ينتقض به ما حمل عليه. أنقض ينقض انقاضاً والنقض والهدم واحد، ونقض المذهب إبطاله بما يفسده. وقال الحسن ومجاهد وقتادة وابن زيد: معنى انقض أثقل، وبعير نقض سفر إذا أثقله السفر. وقوله {ورفعنا لك ذكرك} قال الحسن ومجاهد وقتادة: معناه إني لا اذكر إلا ذكرت معي يعني بـ (لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وآله). وقوله {فإن مع العسر يسراً إن مع العسر يسراً} يدل على أن التأويل في قوله {ووضعنا عنك وزرك} ما قلناه، لأن الله بشره أنه يكون مع العسر يسراً وروي عن ابن عباس أنه قال: لن يغلب عسر واحد يسرين، لأنه حمل العسر في الآيتين على انه واحد لكونها بالالف واللام، واليسر منكر في تثنية الفائدة، والثاني غير الاول، والعسر صعوبة الامر وشدته، واليسر سهولته. ثم قال له {فإذا فرغت فانصب} قال ابن عباس: معناه فاذا فرغت من فرضك فانصب الى ما رغبك الله فيه من العمل. وقال قتادة: معناه فاذا فرغت من صلاتك فانصب الى ربك في الدعاء. وقال مجاهد: معناه فاذا فرغت من أمر دنياك فانصب الى عبادة ربك. ومعنى {فانصب} ناصب يقال: ناله هم ناصب أي ذو نصب. ويقال: أنصبني الهم فهو منصب قال الشاعر: شعر : تعناك هم من أميمة منصب تفسير : وقال النابغة: شعر : كليني لهم يا اميمه ناصب تفسير : أي فيه نصب كقوله {أية : عيشة راضية}تفسير : أي ذات رضى. والخطاب وإن كان متوجهاً إلى النبي صلى الله عليه وآله فالمراد به جميع المكلفين من أمته، والفراغ انتفاء كون الشيء المضاد لكون غيره في المحل. ونقيضه الشغل، وهو كون الشيء المضاد في المحل ومنه أخذ شغل الافعال، ولهذا لا يوصف تعالى بأنه يشغله شيء عن شيء، لانه تعالى يخترع ما شاء من الافعال. وقوله {وإلى ربك فارغب} حث له على الرغبة في الطلب من الله تعالى دون غيره.
الجنابذي
تفسير : {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} لمّا كان اوّل هذه السّورة على سياق السّورة السّابقة وتعداد النّعمة تعالى على محمّدٍ (ص) ورد فى بعض الاخبار انّه لا يقرأ فى الفريضة احديهما بدون الاخرى، وافتى بعض العلماء لذلك انّهما سورة واحدة، وشرح كمنع كشف وقطع كشرّح من التّشريح وفتح وشرح الشّيء بمعنى جعله وسيعاً، وشرح الصّدر توسعته بحيث لا يضيق عن ملائمٍ ولا عن غير ملائم، وشرح صدر محمّدٍ (ص) كان عبارة عن عدم ضيقه عن الجمع بين الكثرات والوحدة، ودعوة الخلق وعبادة الحقّ، "حديث : روى انّه سئل النّبىّ (ص) فقيل: يا رسول الله (ص) اينشرح الصّدر؟ - قال: نعم، قال: يا رسول الله (ص) وهل لذلك علامة يعرف بها؟ - قال: نعم، التّجافى عن دار الغرور، والانابة الى دار الخلود، والاعداد للموت قبل نزول الموت ."
فرات الكوفي
تفسير : قال: حدثنا أبو القاسم عبد الرحمان بن محمد بن عبد الرحمان العلوي الحسني [قال: حدثنا فرات بن إبراهيم الكوفي قال: حدثنا جعفر] معنعناً: عن أبي عبد الله عليه السلام: {فإذا فرغت فانصب} علياً للولاية: فرات قال: حدثنا محمد بن القاسم بن عبيد معنعناً: عن أبي عبد الله عليه السلام قوله تعالى: {ألم نشرح لك صدرك} قال: بعلي {و وضعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك... فإذا فرغت فانصب} علياً [عليه السلام. أ] {وإلى ربك فارغب} في ذلك. قال: حدثنا جعفر [بن محمد. ب] معنعناً عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: {ألم نشرح لك صدرك} قال: ألم نعلمك من وصيك. قال: حدثني جعفر بن أحمد بن يوسف معنعناً: عن أبي جعفر عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا يزال يخرج لهم حديثاً في فضل وصيه حتى نزلت عليه هذه السورة فاحتج عليهم علانية حين أعلم [ب: علم] رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بموته ونعيت [ر: نعت] إليه نفسه فقال: {فإذا فرغت فانصب} يقول: إذا فرغت في نبوتك فانصب علياً من بعدك وعلي وصيك فأعلمهم فضله علانية فقال:حديث : من كنت مولاه فهذا علي مولاه وقال: اللهم والِ من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله - ثلاث مرات - . تفسير : وكان قبل ذلك إنما يراود الناس بفضل علي بالتعريض فقال: حديث : أبعث رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله ليس بفرارتفسير : . يعرض وقد كان يبعث غيره فيرجع يجبن أصحابه ويجبنونه ويقول إنه ليس مثل غيره من رجع يجبن أصحابه ويجبنونه. وقال قبل ذلك: حديث : علي سيد المسلمين . تفسير : وقال: حديث : علي بن أبي طالب عليه السلام عمود الإيمان وهو يضرب الناس من بعدي على الحق، وعلي مع الحق ما زال علي فالحق معه . تفسير : فكان حقه الوصية التي جعلت له الاسم الأكبر وميراث العلم. قال: حدثني الحسين بن سعيد معنعناً: عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله [تعالى. ر]: {ألم نشرح لك صدرك} ألم نلين لك قلبك للإسلام وذلك أن جبرئيل عليه السلام أتى محمداً صلى الله عليه وآله وسلم فشرح صدره حتى ابتدر [أ، ر: ابتدء] عن قلبه ثم جاء بدلوٍ من ماء زمزم فغسله وأنقاه [ظ] مما فيه من المعاصي ثم جاءه بطشت من ذهب قد ملأها علماً وإيماناً فوضعه في قلبه فلين الله قلبه {ووضعنا} يقول: حططنا {عنك وزرك الذي} كان في الجاهلية {أنقض ظهرك} وأوقره المعاصي {ورفعنا لك ذكرك} يقول: صوتك لا يذكر الله إلا ذكرت {فإن مع العسر يسراً} يقول: مع العسر سعة ولا يغلب عسر واحد يسرين أبداً {فإذا فرغت فانصب} يقول: في الدعاء {وإلى ربك فارغب} يقول: في المسألة.
الأعقم
تفسير : {ألم نشرح لك صدرك} فتحه باذهاب الشواغل، وأصل الشرح الوسعة، يعني ألم نفتح ونوسّع قلبك بالنبوّة والعمل، وقيل: هو الألطاف التي ترد عليه من الله {ووضعنا عنك وزرك} {الذي أنقض ظهرك} قيل: دينك، وقيل: أزلنا عنك همومك التي تقلب عليك من أذى الكفار بأن نصرناك عليهم {الذي أنقض ظهرك} قيل: أثقل {ورفعنا لك ذكرك} فإني لا أُذكر إلا وذُكرت كقوله: لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله {إن مع العسر يسرا} قيل: كان المشركون يعيرون رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والمؤمنين بالفقر والضيقة فنزل: {إنّ مع العسر يسراً} فلا تيأس من فضل الله عز وجل، ويحتمل أن تكون الجملة تكراراً للأولى كما كرر قوله: {أية : ويل يومئذ للمكذبين} تفسير : [المرسلات: 15] قيل: مع عسر الدنيا يسر الآخرة وهو الجنة والجزاء {فإذا فرغت} من صلاتك فاجتهد بالدعاء، وعن الحسن: إذا فرغت من الغزو فاجتهد في العبادة، وعن مجاهد: فإذا فرغت من دنياك {فانصب} في صلاتك {وإلى ربك فارغب} واجعل رغبتك إليه خصوصاً ولا تسأل إلا فضله متوكلاً عليه، وقرأ فرغب الناس في طلب ما عنده.
الهواري
تفسير : تفسير سورة ألم نشرح، وهي مكية كلها {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله تعالى: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : بينما أنا عند البيت بين النائم واليقظان إذ سمعت قائلاً يقول: أحد الثلاثة بين الرجلين، فشق نحري إلى كذا وكذا. قال: إلى أسفل بطني واستخرج قلبي، ثم أتيت بطست من ذهب فيه من ماء زمزم، ثم كُنِز، أو قال حُشِي إِيماناً وحكمة ثم أعيد مكانهتفسير : . وتفسير الحسن: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ}، أي: بالإِيمان. قال عز وجل: {وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ} والوزر الحمل، وهو الذنوب التي كانت عليه في الجاهلية {الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ} أي: أثقل ظهرك. قال عز وجل: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} أي: بالنبوة، أي: إنك تذكر معي إذا ذكرت في الآذان والإِقامة والخطب. نزلت هذه الآية قبل الآذان والإِقامة حتى إذا جاء الوقت الذي فيه الوقت.
اطفيش
تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} الإستفهام تقرير أو إنكار لعدم الشرح أي قد فتحنا صدرك عن المهدي والمعرفة بإذهاب الشواغل التي تصد عن إدراك الحق ووسعناه بالإيمان والعلم والحكمة والقرآن وأنزلنا عنه ضيق الجهل وصبرناك على أذى الكفار وسهلنا لك تلقي الوحي بعدما كان يشق عليك وقيل الشرح الشق وذلك أنه كان صلى الله عليه وسلم عند البيت بين النائم واليقضان إذ سمعت قائلا أحد الرجلين أهو هو قال الآخر هو فأناني القائل فشق نحري الى عاتقي واستخرج قلبي ثم أتاى بطست من ذهب فيه ماء زمزم فغسل قلبي ثم كبر وقال حشى إيمانا وحكمة ثم اعبد كما هو. وعن أنس أتاه جبريل عليه السلام وهو يلعب مع الغلمان فأخذه فضربه فشق قلبه واستخرج منه علقة فقال هذا حظ الشيطان منك والمراد ما تقدم تفسيره، أو هذا ما نال منك الشيطان من أشياء ينبغي تركها ولكن لا ذنب فيها ولا سيما هو غير بالغ ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم ثم أعاده كما كان وجاء الغلمان يسعون إلى أمه يعني حليمة وقالوا إن محمدا قتل فاستقبلوه وهو منقع اللون وكنت أرى أثر المخيط في صدره قالت حليمة لما فصلته قدمنا به إلى أمه ونحن أحرص شيء على مكثه فينا بما نرى من البركة فكلمنا أمه وقلنا لو تركته عندنا حتى يغلظ فإنا نخشى عليه وباء مكة ولم نزل بها حتى رددناه معنا فوالله إنه لبعد مقدمنا بشهرين أو ثلاثة مع أخيه من الرضاعة لفى بهم لنا خلف بيوتنا جاء أخوه يشتد فقال ذاك أخي القرشي وقد جاءه رجلان عليهما ثياب بيض وأضجعاه وشقا بطنه فخرجت أنا وأبوه نشتد نحوه فنجده قائما منقعا لونه فاعتنقه أبوه فقال أي بني ما شأنك قال جاءني رجلان عليهما ثياب بيض فضجعاني فشقا بطني ثم استخرجا منه شيئا فطرحاه ثم رداه كما كان فرجعنا به لبيتنا، وأقول لعل الثياب للتأنس وإلا فالملائكة أجسام نورانية لا تحتاج إلى سترة فقال أبوه تعني زوجها يا حليمة لقد خشيت أن يكون ابني قد أصيب أي أصابه الجن فانطلقي نرده إلى أهله قبل أن يظهر ما به نتخوف فاحتملناه إلى أمه فقالت لماذا وقد كنتما حريصين عليه كنا نخشى عليه الأحداث فقالت ما ذاك بكما فاصدقاني شأنكما فلم تدعنا حتى أخبرناهما قالت أخشيتما عليه الشيطان كلا والله ما للشيطان عليه سبيل وإنه لكائن لإبني هذا شأن. وعنه صلى الله عليه وسلم مسترجعا في بني ليث بن بكر "حديث : فبينما أنا ذات يوم في بطن واد مع أقراب لي من الصبيان إذا أنا برهط ثلاثة معهم طست من ذهب ملئ ثلجا فأخذوني من بين أصحابي وانطلق الصبيان هرابا مسرعين إلى الحي فعمد أحدهم فاضجعني علي الأرض اضجاعا لطيفا ثم شق ما بين مفرق صدري إلى منتهى عانتي وأنا أنظر إليهم لم أجد لذلك مسا ثم أخرج أحشاء بطني ثم غسلها بداك الثلج فأنعم غسلها ثم أعادها مكانها ثم قام الثاني فقال لصاحبه تنح ثم أدخل يده في جوفي وأخرج قلبي وأنا أنظر إليه فصدعه ثم أخرج منه مضغة سوداء فرمى بها ثم قال بيده يمنة ويسرة كأنه يتناول شيئا فإذا بخاتم في يده من نور إيحار الناظر دونه فختم به قلبي فامتلأ نورا وذلك نور النبوة والحكمة ثم أعاده مكانه فوجدت برد ذلك الخات في قلبي دهرا ثم قال الثالث لصاحبه تنح فأمر يده بيم مفرق صدري إلى منتهى عانتي فألتأم ذلك الشق بإذن الله ثم أخذ بيدي فأنهضني عن مكاني إنها ضالطيف ثم قال للأول زنه بعشرة من أمته فوزنوني بهم فرجحتهم فلما قال زنة بمائة من أمته فرجح ثم قال زنه بألف فرجحتهم فقال دعوهم فلو وزنتموه بأمته كلها لرجحهم ثم ضموني إلى صدورهم وقبلوا رأسي وما بين عيني ثم قالوا يا حبيبي أنك لو تدري ما يراد بك من الخير لقرة عيناك"تفسير : ، وفي رواية ابن عباس قاله يا حليمة إذا أنا بإبني ضمرة بعد وفزعا وحبيبه يرشح عرقا باكيا ينادي يا أباه يا أماه الحقا محمدا فلما تلحقانه إلا ميتا أتاه رجل فاختطفه من أوسطنا وعلا به دروة الجبل حتى شق صدره إلى عانته. وعنه صلى الله عليه وسلم "حديث : أتاني رهط ثلاثة بيد أحد إبريق من فضة وفي يد الثاني طست من زمردة خضراء" تفسير : والحكمة في شق صدره في حال الصبا تطهيره عن حالات الصبا حتى يتصف في سن الصبا بأوصاف الرجولية وروي أن جبريل وميكائيل شقا صدره وغسلاه ثم قالا {أية : إقرأ باسم ربك} تفسير : وهذا شق آخر عند نزول الوحي لتجدد له القوة على حمله وشق أيضا صدره ليلة الإسراء وشق أيضا وهو ابن عشر سنين أو نحوها مع قصة له مع عبد المطلب فذلك خمس مرات ووجه استعمال الطست من الذهب مع أنه محرم علينا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستعمله وإنما استعمله الملك وتناوله أو أن ذلك قبل تحريمه أو أن تلك الحالات محسوبات من أحوال الأخر ومحل البسط غير هذا، وقرأ أبو جعفر المنصور بفتح الحاء وقالوا لعله أشبع الحاء في مخرجها فظن السامع أنه فتحها وقال للحياني النصب بلم لفه وقيل الفتح تبع للراء أو موافقة للام بعدها وقيل الفتح لأجل النون التوكيد الخفيفة محذوفة ورد بأنها لا تحذف إلا لساكن أو لوقف في بعض المواضع الصالح لحذفها وقفا وبأن المنفي بلم لا يؤكد بالنون وشد غير ذلك ذكره ابن هشام.
اطفيش
تفسير : {ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ} قدم لك فى الموضعين وعنك للفاصلة ولتعجيل المسرة والتشويق إلى ما بعد {صَدْرَكَ} قلبك تسمية للحال باسم المحل إلاَّ أن تسميه القلب حالاً مجازاً إذ شبه لتعلقه بمحله بما حدث فى الصدر بعد وجود الصدر والله عز وجل خلق الصدر والقلب معاً لا الصدر قبل القلب اللهم إلاَّ إن اعتبر تنوير القلب وشرحه بأنهما حدثا بعد وجود الصدر فعد قلبه قبلهما كالعدم وكالحادث بعد حدوثهما ومعنى شرح القلب توسيعه توسيعاً معقولاً غير محسوس بأن جعله يقبل الشريعة ويحبها ويرغب فيها لا نافرا عنها كارهاً لها وذلك استعارة بحسب اللغة حتى صار حقيقة عرفية خاصة أعنى عرف الشرع والقلب منزل للوحى فهو منزل شريف واسع ومن شأن المنزل الشريف توسيع رحبة حول تَكميلاً له ولذلك كانت العبارة بتوسيع الصدر والصدر كالرحبة للقلب الذى هو منزل شريف ويشار بذلك إلى كثرة الوارد عليه من المعارف الدينية ومن شأن المنزل ورحبته أن يعمر أو قد احتوى على العلوم الموحاة وما يتأَثر به من الأنوار وقبل المعنى ألم نزل همك بإطلاعك على حقائق الأمور وحقارة الدنيا حتى هان عليك ما تؤذى به على تبليغ الوحى، وقيل المراد تليين قلبه بالإيمان والوعظ الوحى بعد ما كان يشق عليك، وقيل المراد تليين قلبه بالإيمان والوعظ والعلم والنبوة والحكمة، وعن ابن عباس أن الشرح إشارة إلى شق صدره حين كان عند حليمة كما شهر فى السير شقة جبريل فأخرج علقة سوداء هى حظ الشيطان منه وهى الغل والحسد فغسل قلبه بماء زمزم ورده وصار كما كان أول، قال أنس وإنى أرى أثر الشق على صدره ففى رواية ردته خشية عليه وإنها لحريصة على الرجوع به بعد ما ردته حتى قالت أخشى عليه وباءَ مكة، وروى أنه - صلى الله عليه وسلم - قال حديث : أول ما رأيت من أمر النبوة أني لفي صحراءِ ابن عشرين سنة وأشهر إذْ نزل رجلان بوجوه وأرواح وثياب ما رأيت مثل ذلك لأَحد قط فأَخذ كل واحد بعضد وشق أحدهما صدري وأخرج علقة وقالا: إنها الغل والحسد وأدخل شيئاً كالفضة وقالا: إنه الرأفة والرحمةتفسير : ، ويروى "حديث : أني لفي صحراءٍ واسعة ابن عشر سنين إذْ نزل عليّ رجلان فشق أحدهما بطني.." تفسير : الخ، ويروى أن جبريل وميكائيل شقا صدره فى غار حراء وغسلاه ثم قال {أية : اقرأ باسم ربك} تفسير : [العلق: 1] إلى {أية : ما لم يعلم} تفسير : [العلق: 5] وشق صدره أيضاً فى ليلة الإسراءِ فى الأرض ثم جىءَ بالبراق فركبه، فنقول وقع ذلك كله وما تقدم على النبوة تمهيد لها، وما بعدها زيادة تكميل ونؤمن بذلك ولا نؤَوله بالإلهام الخير كما زعم بعض ولا يلزم تفسير الآية به بل بما مر وليس قول ابن عباس المذكور آنفاً أن الآية إشارة إلى شق الصدر نصاً فى أنها بمعنى الشق بل ظاهره أنها غيره إذ قال إشارة وليس بعيداً أن يُطبع الحسد والغل فى علقة كما يطبع الشىء فى القلب فأزيلا بزوالها. ومن أجاز تجسيم الأعراض أجاز أن يكونا نفس العلقة.
الالوسي
تفسير : الشرح في الأصل الفسح والتوسعة وشاع استعماله / في الإيضاح ومنه شرح الكتاب إذا أوضحه لما أن فسح الشيء وبسطه مستلزم لإظهار باطنه وما خفي منه، وكذا شاع في سرور النفس حتى لو قيل إنه حقيقة عرفية فيه لم يبعد وذلك إذا تعلق بالقلب كأن قيل شرح قلبه بكذا أي سره به لما أن القلب كالمنزل للنفس ويلزم عادة من فسح المنزل وتوسعته سرور النازل فيه وكذا إذا تعلق بالصدر الذي هو محل القلب وربما يؤذن ذلك بسعة القلب لما أن العادة كالمطردة في أن توسعة ما حوالي المنزل إنما تكون إذا كان المنزل واسعاً فيوسع ما حواليه لتحصيل زيادة بهجة ونحوها فيه فينتقل منه إلى سرور النفس بالواسطة وقد يراد به إذا تعلق بالقلب أو الصدر أيضاً تكثير ما فيه من المعلومات فقيل يتخيل أنها تحتاج إلى فضاء تكون فيه وأن ذلك محل لها فمتى كانت كثيرة اقتضت أن يكون محلها واسعاً ليسعها وقد يراد بها تكثير ما في النفس من ذلك فقيل أيضاً بتخيل أن تكثير معلوماتها يستدعي توسيعها وتوسيعها يستدعي توسيع ذلك لتنزيله منزلة محلها وقد يراد به تأييد النفس بقوة قدسية وأنوار إلٰهية بحيث تكون ميداناً لمواكب المعلومات وسماء لكواكب الملكات وعرشاً لأنواع التجليات وفرشاً لسوائم الواردات فلا يشغله شأن عن شأن ويستوي لديه يكون وكائن وكان. ووجه نسبته إلى الصدر على نحو ما مر وإرادة القلب من الصدر والنفس من القلب بعلاقة المحلية ونحوها مما لا تميل إليه النفس وإرادة كل مما ذكر بقرينة المقام والأنسب بمقام الامتنان هنا إرادة هذا المعنى الأخير وجوز غيره فالمعنى ألم نفسح صدرك حتى حوى عالمي الغيب والشهادة وجمع بين ملكتي الاستفادة والإفادة فما صدك الملابسة بالعلائق الجسمانية عن اقتباس أنوار الملكات الروحانية وما عاقك التعلق بمصالح الخلق عن الاستغراق في شؤون الحق وقيل المعنى ألم نزل همك وغمك بإطلاعك على حقائق الأمور وحقارة الدنيا فهان عليك احتمال المكاره في الدعاء إلى الله تعالى. ونقل عن الجمهور أن المعنى ألم نفسحه بالحكمة ونوسعه بتيسيرنا لك نلقي ما يوحى إليك بعد ما كان يشق عليك. وعن ابن عباس وجماعة أنه إشارة إلى شق صدره الشريف في صباه عليه الصلاة والسلام وقد وقع هذا الشق على ما في بعض الأخبار وهو عند مرضعته حليمة فقد روي عنها أنها قالت في شأنه عليه الصلاة والسلام لم نزل نتعرف من الله تعالى الزيادة والخير حتى مضت سنتاه وفصلته فكان يَشِبُّ شباباً لا يَشِبُّهُ الغلمان فلم يبلغ سنتيه حتى كان غلاماً جفراً فقدمنا به على أمه ونحن أحرص شيء على بقائه عندنا لما نرى من بركته فقلنا لأمه لو تركتيه عندنا حتى يغلظ فإنا نخشى عليها وباء مكة فلم نزل بها حتى ردته معنا فرجعنا به فوالله إنه لبعد مقدمنا به بشهر أو ثلاثة مع أخيه من الرضاعة لفي بهم لنا خلف بيوتنا جاء أخوه يشتد فقال ذاك أخي القرشي قد جاءه رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعاه وشقا بطنه فخرجت أنا وأبوه نشتد نحوه فوجدناه قائماً منتقعاً لونه فاعتنقه أبوه وقال: أي بني ما شأنك قال جاءني رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعاني فشقا بطني ثم استخرجا منه شيئاً فطرحاه ثم رداه كما كان فرجعنا به معنا فقال أبوه يا حليمة لقد خشيت أن يكون ابني قد أصيب فانطلقي فرديه إلى أهله قبل أن يظهر به ما نتخوفه قالت فاحتملناه إلى أمه فقالت ما ردكما به فقد كنتما حريصين عليه قلنا نخشى [عليه] الأتلاف والأحداث فقالت ما ذلك بكما فأصدقاني شأنكما فلم تدعنا حتى أخبرناها خبره فقالت أخشيتما عليه الشيطان كلا والله ما للشيطان عليه سبيل وإنه لكائن لابني هذا شأن فدعاه عنكما. وفي حديث لأبـي يعلى وأبـي نعيم وابن عساكر ما يدل على تكرر وقوع ذلك له عليه الصلاة والسلام وهو عند حليمة وقد وقع له صلى الله عليه وسلم أيضاً بعد بلوغه صلى الله عليه وسلم ففي «الدر المنثور» أخرج عبد الله بن أحمد في «زوائد المسند» عن أبـي بن كعب حديث : أن أبا هريرة قال يا رسول الله ما أول ما رأيت من أمر النبوة فاستوى رسول / الله صلى الله عليه وسلم جالساً وقال لقد سألت أبا هريرة أني لفي صحراء ابن عشرين سنة وأشهر إذا بكلام فوق رأسي وإذا رجل يقول لرجل أهو هو فاستقبلاني بوجوه لم أرها بخلق قط وأرواح لم أجدها من خلق قط وثياب لم أجدها على أحد قط فأقبلا إلي يمشيان حتى إذا دنيا أخذ كل واحد منهما بعضدي لا أجد لأخذهما مساً فقال أحدهما لصاحبه افلق صدره فهوى أحدهما إلى صدري ففلقه فيما أرى بلا دم ولا وجع فقال له أخرج الغل والحسد فأخرج شيئاً كهيئة العلقة ثم نبذها فقال له أدخل الرأفة والرحمة فإذا مثل الذي أخرج شبه الفضة ثم حز إبهام رجلي اليمنى وقال اغد وأسلم فرجعت أغدوا بها رأفة على الصغير ورحمة على الكبيرتفسير : والذي رأيته في «شرح الهمزية» لابن حجر المكي رواية هذا الخبر بلفظ آخر وفيه أني لفي صحراء واسعة ابن عشر حجج إذا أنا برجلين فوق رأسي يقول أحدهما لصاحبه أهو هو إلى آخر ما فيه فيكون الشق عليه قبل البلوغ أيضاً والله تعالى أعلم. ثم إنه على الروايتين ليس نصاً على نفي وقوع شق قبله لجواز أن يكون الذي استشعر منه النبوة هو هذا لا ما قبله ووقع له عليه الصلاة والسلام أيضاً عند مجىء جبريل عليه السلام بالوحي في غار حراء وممن روى ذلك الطيالسي والحرث في «مسنديهما» وكذا أبو نعيم ولفظه إن جبريل وميكائيل عليهما السلام شقا صدره وغسلاه ثم قال {أية : ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبّكَ }تفسير : [العلق: 1] الآيات ووقع أيضاً مرة أخرى تواترت بها الروايات خلافاً لمن أنكرها ليلة الإسراء به صلى الله عليه وسلم روى البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن قتادة قال حدثنا أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة عن النبـي صلى الله عليه وسلم قال حديث : بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان فأتيت بطست من ذهب فيها ماء زمزم فشرح صدري إلى كذا وكذا قال قتادة قلت يعني لأنس ما تعني قال: إلى أسفل بطني قال فاستخرج قلبـي فغسل بماء زمزم ثم أعيد مكانه ثم حشي إيماناً وحكمة ثم أتى بدابة دون البغل وفوق الحمار البراق فانطلقت مع جبريل عليه السلام حتى أتينا السماء الدنياتفسير : الحديث. وطعن القاضي عبد الجبار في ذلك بما حاصله أنه يلزم على وقوعه في الصغر وقبل النبوة تقدم المعجزة على النبوة وهو لا يجوز ووقوعه بعد النبوة وإن لم يلزم عليه ما ذكر إلا أن ما ذكر معه من حديث الغسل وإدخال الرأفة والرحمة وحشو الإيمان والحكمة يرد عليه أن الغسل مما لا أثر له في التكميل الروحاني وإنما هو لإزالة أمر جسماني وإنه لا يصح إدخال ما ذكر وحشوه فإنما هو شيء يخلقه الله تعالى في القلب وليس بشيء فإن تقدم الخارق على النبوة جائز عندنا ونسميه إرهاصاً والأخبار كثيرة في وقوعه له عليه الصلاة والسلام قبل النبوة والغسل بالماء كان لإزالة أمر جسماني ولا يبعد أن يكون إزالته وغسل المحل بماء مخصوص - كماء زمزم على ما صح في بعض الروايات ولذا قال البلقيني: إنه أفضل من ماء الكوثر - موجباً لتبديل المزاج وهو مما له دخل في التكميل الروحاني ولذا يأمر المشايخ السالكين لديهم بالرياضة التي يحصل بها تبديل المزاج ويرشد إلى ذلك تغير أحوال النفس وأخلاقها صبا وكهولة وشيخوخة والمراد من إدخال الرأفة وحشو الإيمان مثلاً إدخال ما به يحصل كمال ذلك وكثيراً ما يسمى المسبب باسم السبب مجازاً ويحتمل أن يكون على حقيقته وتجسم المعاني جائز. وقال العارف بن أبـي جمرة كما في «المواهب اللدنية» للعسقلاني ما حاصله: إن ما دل كلام النبـي صلى الله عليه وسلم على جوهريته وجسميته من أعيان المخلوقات التي ليس للحواس إلى إدراكها سبيل هو كما دل عليه كلامه عليه الصلاة والسلام في نفس الأمر وأن الحكم من المتكلم أو نحوه عليها بالعرضية إنما هو باعتبار ما ظهر له بعقله وللعقل حد يقف عنده والحقيقة في الحقيقة ما دل عليه خبر الشارع المؤيد بالوحي الإلٰهي والنور القدسي المحلق بجناحيهما في جو الحقائق إلى حيث لا يسمع لنحلة العقل دندنة ولا للرواة عنه عنعنة فالإيمان والحكمة ونحوهما مما دل عليه كلام النبـي صلى الله عليه وسلم على / جوهريتها جواهر محسوسة لا معان وإن حسبها من حسبها كذلك انتهى والأمر فيه اعتقاداً وإنكاراً إليك ولا ألزمك الاعتقاد فما أريد أن أشق عليك. وقال بعض الأجلة لعل ذلك من باب التمثيل إذ تمثيل المعاني قد وقع كثيراً كما مثل له عليه الصلاة والسلام الجنة والنار في عرض حائط مسجده الشريف وفائدته كشف المعنوي بالمحسوس وهو ميل إلى عدم الوقوع حقيقة وقد قال غير واحد جميع ما ورد من الشق وإخراج القلب وغيرهما يجب الإيمان به وإن كان خارقاً للعادة ولا يجوز تأويله لصلاحية القدرة له ومن زعم ذلك وقع في هوة المعتزلة في تأويلهم نصوص سؤال الملكين وعذاب القبر ووزن الأعمال والصراط وغير ذلك بالتشهي. وأما حكمة ذلك مع إمكان إيجاد ما ترتب عليه بدونه فقد أطالوا الكلام في بيانها في موضعه نعم حمل الشرح في الآية على ذلك الشق ضعيف عند المحققين. والتعبير عن ثبوت الشرح بالاستفهام الإنكاري عن انتفائه للإيذان بأن ثبوته من الظهور بحيث لا يقدر أحد أن يجيب عنه بغير بلى وإسناد الفعل إلى ضمير العظمة للإيذان بعظمته وجلالة قدره وزيادة الجار والمجرور مع توسيطه بين الفعل ومفعوله للإيذان من أول الأمر بأن الشرح من منافعه عليه الصلاة والسلام ومصالحه مسارعة إلى إدخال المسرة في قلبه الشريف صلى الله عليه وسلم وتشويقاً له عليه الصلاة والسلام إلى ما يعقبه ليتمكن عنده وقت وروده فضل تمكن. وقرأ أبو جعفر المنصور (ألم نشرحَ) بفتح الحاء وخرجه ابن عطية وجماعة على أن الأصل ألم نشرحن بنون التأكيد الخفيفة فأبدل من النون ألفاً ثم حذفها تخفيفاً كما في قوله: شعر : اضرب عنك الهموم طارقها ضربك بالسيف قونس الفرس تفسير : ولا يخفى أن الحذف هنا أضعف مما في البيت لأن ذلك في الأمر وهذا في النفي ولهذا روى ابن جني في «المنتقى» عن أبـي مجاهد أنه غير جائز أصلاً فنون التوكيد أشبه شيء به الإسهاب والإطناب لا الإيجاز والاختصار والبيت يقال إنه مصنوع والأولى في التمثيل ما أنشده أبو زيد في «نوادره»:شعر : من أي يومي من الموت أفر أيوم لم يقدر أم يوم قدر تفسير : وقال غير واحد لعل أبا جعفر بين الحاء وأشبعها في مخرجها فظن السامع أنه فتحها وفي «البحر» أن لهذه القراءة تخريجاً أحسن مما ذكر وهو أن الفتح على لغة بعض العرب من النصب بلم فقد حكى اللحياني في «نوادره» أن منهم من ينصب بها ويجزم بلن عكس المعروف عند الناس وعلى ذلك قول عائشة بنت الأعجم تمدح المختار بن أبـي عبيد:شعر : في كل ما هم أمضى رأيه قدماً ولم يشاور في الأمر الذي فعلا تفسير : وخرجها بعضهم على أن الفتح لمجاورة ما بعدها كالكسر في قراءة {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ}تفسير : [الفاتحة: 2] بالجر وهو لا يتأتى في بيت عائشة ويتأتى فيما عداه مما مر. وقوله تعالى: {وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ}.
سيد قطب
تفسير : نزلت هذه السورة بعد سورة الضحى. وكأنها تكملة لها. فيها ظل العطف الندي. وفيها روح المناجاة الحبيب. وفيها استحضار مظاهر العناية. واستعراض مواقع الرعاية. وفيها البشرى باليسر والفرج. وفيها التوجيه إلى سر اليسر وحبل الاتصال الوثيق.. {ألم نشرح لك صدرك؟ ووضعنا عنك وزرك. الذي أنقض ظهرك؟ ورفعنا لك ذكرك؟} وهي توحي بأن هناك ضائقة كانت في روح الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأمر من أمور هذه الدعوة التي كلفها، ومن العقبات الوعرة في طريقها؛ ومن الكيد والمكر المضروب حولها.. توحي بأن صدره ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان مثقلاً بهموم هذه الدعوة الثقيلة، وأنه كان يحس العبء فادحاً على كاهله. وأنه كان في حاجة إلى عون وزاد ورصيد.. ثم كانت هذه المناجاة الحلوة، وهذا الحديث الودود! {ألم نشرح لك صدرك؟}.. ألم نشرح صدرك لهذه الدعوة؟ ونيسر لك أمرها؟. ونجعلها حبيبة لقلبك، ونشرع لك طريقها؟ وننر لك الطريق حتى ترى نهايته السعيدة! فتش في صدرك ـ ألا تجد فيه الروْح والانشراح والإشراق والنور؟ واستعد في حسك مذاق هذا العطاء، وقل: ألا تجد معه المتاع مع كل مشقة والراحة مع كل تعب، واليسر مع كل عسر، والرضى مع كل حرمان؟ {ووضعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك}.. ووضعنا عنك عبئك الذي أثقل ظهرك حتى كاد يحطمه من ثقله.. وضعناه عنك بشرح صدرك له فخف وهان. وبتوفيقك وتيسيرك للدعوة ومداخل القلوب.. وبالوحي الذي يكشف لك عن الحقيقة ويعينك على التسلل بها إلى النفوس في يسر وهوادة ولين. ألا تجد ذلك العبء الذي أنقض ظهرك؟ ألا تجد عبئك خفيفاً بعد أن شرحنا لك صدرك؟ {ورفعنا لك ذكرك}.. رفعناه في الملأ الأعلى، ورفعناه في الأرض، ورفعناه في هذا الوجود جميعاً.. رفعناه فجعلنا اسمك مقروناً باسم الله كلما تحركت به الشفاه: "لا إله إلا الله. محمد رسول الله".. وليس بعد هذا رفع، وليس وراء هذا منزلة. وهو المقام الذي تفرد به ـ صلى الله عليه وسلم ـ دون سائر العالمين.. ورفعنا لك ذكرك في اللوح المحفوظ، حين قدر الله أن تمر القرون، وتكر الأجيال، وملايين الشفاه في كل مكان تهتف بهذا الاسم الكريم، مع الصلاة والتسليم، والحب العميق العظيم. ورفعنا لك ذكرك. وقد ارتبط بهذا المنهج الإلهي الرفيع. وكان مجرد الاختيار لهذا الأمر رفعة ذكر لم ينلها أحد من قبل ولا من بعد في هذا الوجود.. فأين تقع المشقة والتعب والضنى من هذا العطاء الذي يمسح على كل مشقة وكل عناء؟ ومع هذا فإن الله يتلطف مع حبيبه المختار، ويسري عنه، ويؤنسه، ويطمئنه ويطلعه على اليسر الذي لا يفارقه: {فإن مع العسر يسرا. إن مع العسر يسرا}.. إن العسر لا يخلو من يسر يصاحبه ويلازمه. وقد لازمه معك فعلاً. فحينما ثقل العبء شرحنا لك صدرك، فخف حملك، الذي أنقض ظهرك. وكان اليسر مصاحباً للعسر، يرفع إصره، ويضع ثقله. وإنه لأمر مؤكد يكرره بألفاظه: {فإن مع العسر يسرا. إن مع العسر يسرا}.. وهذا التكرار يشي بأن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان في عسرة وضيق ومشقة، اقتضت هذه الملاحظة، وهذا التذكير، وهذا الاستحضار لمظاهر العناية، وهذا الاستعراض لمواقع الرعاية، وهذا التوكيد بكل ضروب التوكيد.. والأمر الذي يثقل على نفس محمد هكذا لا بد أنه كان أمراً عظيماً.. ثم يجيء التوجيه الكريم لمواقع التيسير، وأسباب الانشراح، ومستودع الري والزاد في الطريق الشاق الطويل: {فإذا فرغت فانصب. وإلى ربك فارغب}.. إن مع العسر يسرا.. فخذ في أسباب اليسر والتيسير. فإذا فرغت من شغلك مع الناس ومع الأرض، ومع شواغل الحياة.. إذا فرغت من هذا كله فتوجه بقلبك كله إذن إلى ما يستحق أن تنصب فيه وتكد وتجهد.. العبادة والتجرد والتطلع والتوجه.. {وإلى ربك فارغب}.. إلى ربك وحده خالياً من كل شيء حتى من أمر الناس الذين تشتغل بدعوتهم.. إنه لا بد من الزاد للطريق. وهنا الزاد. ولا بد من العدة للجهاد. وهنا العدة.. وهنا ستجد يسرا مع كل عسر، وفرجاً مع كل ضيق.. هذا هو الطريق! وتنتهي هذه السورة كما انتهت سورة الضحى، وقد تركت في النفس شعورين ممتزجين: الشعور بعظمة الود الحبيب الجليل الذي ينسم على روح الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ من ربه الودود الرحيم. والشعور بالعطف على شخصه ـ صلى الله عليه وسلم ـ ونحن نكاد نلمس ما كان يساور قلبه الكريم في هذه الآونة التي اقتضت ذلك الود الجميل. إنها الدعوة. هذه الأمانة الثقيلة وهذا العبء الذي ينقض الظهر. وهي مع هذا وهذا مشرق النور الإلهي ومهبطه، ووصلة الفناء بالبقاء، والعدم بالوجود!
ابن عاشور
تفسير : استفهام تقريري على النفي. والمقصود التقرير على إثبات المنفي كما تقدم غير مرة. وهذا التقرير مقصود به التذكير لأجل أن يراعي هذه المنة عندما يخالجه ضيق صدر مما يلقاه من أذى قوم يريد صلاحَهم وإنقاذَهم من النار ورفعَ شأنهم بين الأمم، ليدوم على دعوته العظيمة نَشيطاً غير ذي أسف ولا كَمَدٍ. والشرح حقيقته: فصل أجزاء اللحم بعضِها عن بعض، ومنه الشريحة للقطعة من اللحم، والتشريح في الطب، ويطلق على انفعال النفس بالرضى بالحال المتلبس بها. وظاهر كلام «الأساس» أن هذا إطلاق حقيقي. ولعله راعى كثرة الاستعمال، أي هو من المجاز الذي يساوي الحقيقة لأن الظاهر أن الشرح الحقيقي خاص بشرح اللحم، وأن إطلاق الشرح على رضى النفس بالحال أصله استعارة ناشئة عن إطلاق لفظ الضيق وما تصرف منه على الإحساس بالحزن والكمد قال تعالى: { أية : وضائق به صدرُك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز } تفسير : [هود: 12] الآية. فجعل إزالة ما في النفس من حزن مثل شرح اللحم وهذا الأنسب بقوله: { أية : فإن مع العسر يسراً } تفسير : [الشرح: 5]. وتقدم قوله: { أية : قال رب اشرح لي صدري } تفسير : في سورة طه (25). فالصدر مراد به الإِحساس الباطني الجامع لمعنى العقل والإدراك. وشرح صدره كناية عن الإِنعام عليه بكل ما تطمح إليه نفسه الزكية من الكمالات وإعلامه برضى الله عنه وبشارته بما سيحصل للدّين الذّي جاء به من النصر. هذا تفسير الآية بما يفيده نظمها واستقلالها عن المرويات الخارجية، ففسرها ابن عباس بأن الله شرح قلبه بالإِسلام، وعن الحسن قال: شرح صدره أن مُلِىءَ علماً وحكماً، وقال سهل بن عبد الله التستري: شرح صدره بنور الرسالة، وعلى هذا الوجه حمله كثير من المفسرين ونسبه ابن عطية إلى الجمهور. ويجوز أن يجعل الشرح شرحاً بدنياً. وروي عن ابن عباس أنه فسر به وهو ظاهر صنيع الترمذي إذ أخرج حديث شقِّ الصدر الشريف في تفسير هذه السورة فتكون الآية إشارة إلى مرويات في شَق صدره صلى الله عليه وسلم شقّاً قُدُسياً، وهو المروي بعض خبره في «الصحيحين»، والمروي مطولاً في السيرة والمسانيد، فوقع بعض الروايات في «الصحيحين» أنه كان في رؤيا النوم ورؤيا الأنبياء وحي، وفي بعضها أنه كان يقظة وهو ظاهر ما في «البخاري»، وفي «صحيح مسلم» أنه يقظة وبمرأى من غلمان أترابه، وفي حديث مسلم عن أنس ابن مالك أنه قال: رأيت أثر الشق في جلد صدر النبي صلى الله عليه وسلم وفي بعض الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم كان بين النائم واليقظان، والرواياتُ مختلفة في زمانه ومكانه مع اتفاقها على أنه كان بمكة. واختلاف الروايات حمل بعضَ أهل العلم على القول بأن شق صدره الشريف تكرر مرتين إلى أربع، منها حين كان عند حليمة. وفي حديث عبد الله بن أحمد بن حنبل أن الشق كان وعمُر النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين. والذي في «الصحيح» عن أبي ذر أنه كان عند المعراج به إلى السماء، ولعل بعضها كان رؤيا وبعضها حساً. وليس في شيء من هذه الأخبار على اختلاف مراتبها ما يدل على أنه الشرح المراد في الآية، وإذ قد كان ذاك الشق معجزة خارقة للعادة يجوز أن يكون مراداً وهو ما نحاه أبو بكر بن العربي في «الأحكام»، وعليه يكون الصدر قد أطلق على حقيقته وهو الباطن الحاوي للقلب. ومن العلماء فسر الصدر بالقلب حكاه عياض في «الشفا»، يشير إلى ما جاء في خبرِ شق الصدر من إخراج قلبه وإزالة مقر الوسوسة منه، وكلا المعنيين للشرح يفيد أنه إيقاع معنى عظيم لنفس النبي صلى الله عليه وسلم إمَّا مباشرة وإما باعتبار مغزاهُ كما لا يخفى. واللام في قوله: {لك} لام التعليل، وهو يفيد تكريماً للنبيء صلى الله عليه وسلم بأن الله فعل ذلك لأجله. وفي ذكر الجار والمجرور قبل ذكر المشروح سلوك طريقة الإِبهام للتشويق فإنه لما ذُكر فعل {نشرح} عَلم السامع أن ثَمَّ مشروحاً، فلما وقع قوله: {لك} قوي الإِبهام فازداد التشويق، لأن {لك} يفيد معنى شيئاً لأجلك فلما وقع بعده قوله: «صدره» تعين المشروح المترقَّب فتمكن في الذهن كمال تمكن، وهذا ما أشار إليه في «الكشاف» وقفِّي عليه صاحب «المفتاح» في مبحث الإِطناب. والوِزر: الحَرج، ووضْعه: حطَّه عن حامله، والكلام تمثيل لحال إزالة الشدائد والكروب بحال من يحط ثقلاً عن حامله ليريحه من عناء الثقل. والمعنى: أن الله أزال عنه كل ما كان يتحرج منه من عادات أهل الجاهلية التي لا تلائم ما فَطر الله عليه نفسه من الزكاة والسمو ولا يجد بداً من مسايرتهم عليه فوضع عنه ذلك حين أوحى إليه بالرسالة، وكذلك ما كان يجده في أول بعثته من ثقل الوحي فيسَّره الله عليه بقوله: { أية : سنُقرئك فلا تنسى } تفسير : [الأعلى: 6] إلى قوله: { أية : ونيسرك لليسرى } تفسير : [الأعلى: 8]. و{أنقض} جعل الشيءَ ذا نقيض، والنقيض صوت صرير المحمل والرحْل وصوتُ عظام المفاصل، وفرقعةُ الأصابع، وفعله القاصر من باب نصر ويعدّى بالهمزة. وإسناد {أنقض} إلى الوِزر مجاز عقلي، وتعديته إلى الظهر تَبع لتشبيه المشقة بالحمل، فالتركيب تمثيل لمتجشم المشاقِ الشديدة، بالحَمولة المثقلة بالإِجمال تثقيلاً شديداً حتى يسمع لعظام ظهرها فرقعة وصرير. وهو تمثيل بديع لأنه تشبيه مركب قابل لتفريق التشبيه على أجزائه. ووصف الوزر بهذا الوصف تكميل للتمثيل بأنه وزر عظيم. واعلم أن في قوله: {أنقض ظهرك} اتصالَ حرفي الضاد والظاء وهما متقاربا المخرج فربما يحصل من النطق بهما شيء من الثقل على اللسان ولكنه لا ينافي الفصاحة إذ لا يبلغ مبلغ ما يسمى بتنافر الكلماتِ بل مثله مغتفر في كلام الفصحاء. والعربُ فُصحاء الألسن فإذا اقتضى نظم الكلام ورود مثل هذين الحرفين المتقاربين لم يعبأ البليغ بما يعرض عند اجتماعهما من بعض الثقل، ومثل ذلك قوله تعالى: { أية : وسبِّحْه } تفسير : [الإنسان: 26] في اجتماع الحاء مع الهاء، وذلك حيث لا يصح الإدغام. وقد أوصى علماء التجويد بإظهار الضاد مع الظاء إذا تلاقيا كما في هذه الآية وقوله: { أية : ويوم يعض الظالم } تفسير : [الفرقان: 27] ولها نظائر في القرآن. وهذه الآية هي المشتهرة ولم يزل الأيمة في المساجد يتوخون الحذر من إبدال أحد هذين الحرفين بالآخر للخلاف الواقع بين الفقهاء في بطلان صلاة اللحَّان ومَن لا يحسن القراءة مطلقاً أو إذا كان عَامداً إذا كان فذاً وفي بطلان صلاة من خلفه أيضاً إذا كان اللاحن إماماً. ورفع الذكر: جعل ذكره بين الناس بصفات الكمال، وذلك بما نزل من القرآن ثناء عليه وكرامة. وبإلهام الناس التحدث بما جبله الله عليه من المحامد منذ نشأته. وعطفُ {ووضعنا} و{رفعنا} بصيغة المضي على فعل {نشرح} بصيغة المضارع لأن (لَم) قلبت زمن الحال إلى المضي فعُطف عليه الفعلان بصيغة المضي لأنهما داخلان في حيز التقرير فلما لم يقترن بهما حرف (لم) صيّر بهما إلى ما تفيده (لم) من معنى المضي. والآية تشير إلى أحوال كان النبي صلى الله عليه وسلم في حرج منها أو من شأنه أن يكون في حرج، وأن الله كشف عنه ما به من حرج منها أو هيّأ نفسه لعدم النوء بها. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعلمها كما أشعَر به إجمالها في الاستفهام التقريري المقتضي علم المقرَّر بما قُرر عليه، ولعلّ تفصيلها فيما سبق في سورة الضحى فلعلها كانت من أحوال كراهيته ما عليه أهل الجاهلية من نبذ توحيد الله ومن مساوي الأعمال. وكان في حرج من كونه بينهم ولا يستطيع صرفهم عما هم فيه ولم يكن يترقب طريقها لأن يهديهم أو لم يصل إلى معرفة كنه الحق الذي يجب أن يكون قومه عليه ولم يطمع إلا في خويصة نفسه يودّ أن يجد لنفسه قبس نور يضيء له سبيل الحق مما كان باعثاً له على التفكر والخلوة والالتجاء إلى الله، فكان يتحنث في غار حراء فلما انتشله الله من تلك الوحلة بما أكرمه به من الوحي كان ذلك شرحاً مما كان يضيق به صدره يومئذ، فانجلى له النور، وأمِر بإنقاذ قومه وقد يظنهم طلاَّب حق وأزكياء نفوس فلما قابلوا إرشاده بالإِعراض ومُلاطفته لهم بالامتعاض، حدث في صدره ضيق آخر أشار إلى مثل قوله تعالى: { أية : لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين } تفسير : [الشعراء: 3] وذلك الذي لم يزل ينزل عليه في شأنه رَبْطُ جأشه بنحو قوله تعالى: { أية : ليس عليك هداهم ولكن اللَّه يهدي من يشاء } تفسير : [البقرة: 272] فكلما نزل عليه وحي من هذا أكسبه شرحاً لصدره، وكان لحماية أبي طالب إياه وصده قريشاً عن أذاه منفس عنه، وأقوى مؤيد له لدعوته يَنشرح له صدره. وكلما آمن أحد من الناس تزحزح بعض الضيق عن صدره، وكانت شدة قريش على المؤمنين يضيق لها صدره فكلما خلُص بعض المؤمنين من أذى قريش بنحو عتق الصديق بلالاً وغيره، وبما بشره الله من عاقبة النصر له وللمؤمنين تصريحاً وتعريضاً نحو قوله في السورة قبلها: { أية : ولسوف يعطيك ربك فترضى } تفسير : [الضحى: 5] فذلك من الشرح المراد هنا. وجماع القول في ذلك أنَّ تجليات هذا الشرح عديدة وأنها سر بين الله تعالى وبين رسوله صلى الله عليه وسلم المخاطب بهذه الآية. وأما وضع الوزر عنه فحاصل بأمرين: بهدايته إلى الحق التي أزالت حيرته بالتفكر في حال قومه وهو ما أشار إليه قوله تعالى: { أية : ووجدك ضالاً فهدى } تفسير : [الضحى: 7] وبكفايته مؤنة كُلف عيشه التي قد تشغله عما هو فيه من الأنس بالفكرة في صلاح نفسه، وهو ما أشار إليه قوله: { أية : ووجدك عائلاً فأغنى } تفسير : [الضحى: 8]. ورفْع الذكر مجاز في إلهام الناس لأن يذكروه بخير، وذلك بإيجاد أسباب تلك السمعة حتى يتحدث بها الناس، استعير الرفع لحسن الذكر لأن الرفع جعل الشيء عالياً لا تناله جميع الأيدي ولا تدوسه الأرجل. فقد فطر الله رسوله صلى الله عليه وسلم على مكارم يعزّ وجود نوعها ولم يبلغ أحد شأوَ ما بلغه منها حتى لُقب في قومه بالأمين. وقد قيل إن قوله تعالى: { أية : إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين } تفسير : [التكوير: 19 ـــ 21] مراد به النبي صلى الله عليه وسلم. ومن عظيم رفع ذكره أن اسمه مقترن باسم الله تعالى في كلمة الإِسلام وهي كلمة الشهادة. وروي هذا التفسير عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي سعيد الخدري عند ابن حبان وأبي يعلى قال السيوطي: وإسناده حسن، وأخرجه عياض في «الشفاء» بدون سند. والقول في ذكر كلمة {لك} مع {ورفعنا} كالقول في ذكر نظيرها مع قوله: {ألم نشرح}. وإنما لم يُذكر مع {ووضعنا عنك وزرك} بأن يقال: ووضعنا لك وزرك للاستغناء بقوله: {عنك} فإنه في إفادة الإِبهام ثم التفصيل مساوٍ لكلمة {لك}، وهي في إفادة العناية به تساوي كلمة {لك}، لأن فعل الوضع المعدَّى إلى الوزر يدل على أن الوضع عنه فكانت زيادة {عنك} إطناباً يشيرإلى أن ذلك عناية به نظير قوله: {لك} الذي قبله، فحصل بذكر {عنك} إيفاء إلى تعدية فعل {وضعنا} مع الإِيفاء بحق الإِبهام ثم البيان.
الشنقيطي
تفسير : ذكر تعالى هنا ثلاث مسائل: شرح الصدر، ووضع الوزر، ورفع الذكر. وهي وإن كانت مصدرة بالاستفهام، فهو استفهام تقريري لتقرير الإثبات، فقوله تعالى {أَلَمْ نَشْرَحْ} بمعنى شرحنا على المبدأ المعروف، من أن نفي إثبات. وذلك لأن همزة الاستفهام وهي فيها معنى النفي دخلت على لم وهي للنفي، فترافعا فبقي الفعل مثبتاً،. قالوا: ومثله قوله تعالى: {أية : أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} تفسير : [الزمر: 36]. وقوله: {أية : قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً} تفسير : [الشعراء: 18]. وعليه قول الشاعر: شعر : ألستم خير من ركب المطايا وأندى العالمين بطون راح تفسير : فتقرر بذلك أنه تعالى يعدد عليه نعمة العظمى، وقد ذكرنا سابقاً ارتباط هذه السورة بالتي قبلها في تتمة نعم الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم. وروى النيسابوري عن عطاء وعمر بن عبد العزيز: أنهما كانا يقولان: هذه السورة وسورة الضحى سورة واحدة، وكانا يقرآنهما في الركعة الواحدة، وما كانا يفصلان بينهما ببسم الله الرحمن الرحيم والذي دعاهما إلى ذلك هو قوله تعالى: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} كالعطف على قوله: {أية : أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً} تفسير : [الضحى: 6]، ورد هذا الادعاء -أي من كونهما سورة واحدة- وعلى كل فإن هذا إذا لم يجعلهما سورة واحدة فإنه يجعلهما مرتبطتين. معاً في المعنى، كما في الأنفال والتوبة. واختلف في معنى شرح الصدر، إلاَّ أنه لا منافاة فيما قالوا، وكلها يكمل بعضها بعضاً. فقيل: هو شق الصدر سواء كان مرة أو أكثر، وغسله وملؤه إيماناً وحكمه، كما في رواية مالك بن صعصعة في ليلة الإسراء، ورواية أبي هريرة في غيرها. وفيه كما في رواية أحمد: أنه شق صدره وأخرج منه الغل والحسد، في شيء كهيئة العلقة، وأدخلت الرأفة والرحمة. وقيل: شرح الصدر، إنما هو توسيعه للمعرفة والإيمان ومعرفة الحق، وجعل قلبه وعاء للحكمة. وفي البخاري عن ابن عباس "حديث : شرح الله صدره للإسلام ". تفسير : وعند ابن كثير: نورناه وجعلناه فسيحاً رحيباً واسعاً، كقوله {أية : فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ} تفسير : [الأنعام: 125]. والذي يشهد له القرآن: أن الشرح هو الانشراح والارتياح. وهذه حالة نتيجة استقرار الإيمان والمعرفة والنور والحكمة. كما في قوله تعالى: {أية : أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ} تفسير : [الزمر: 22]، فقوله: فهو على نور من ربه: بيان لشرح الصدر للإسلام. كما أن ضيق الصدر، دليل على الضلال، كما في نفس الآية {أية : وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً} تفسير : [الأنعام: 125] الآية. وفي حاشية الشيخ زادة علي البيضاوي قال: لم يشرح صدر أحد من العالمين، كما شرح صدره عليه السلام، حتى وسع علوم الأولين والآخرين فقال: "حديث : أوتيت جوامع الكلم" تفسير : ا هـ. ومراده بعلوم الأولين والآخرين، ما جاء في القرآن من أخبار الأمم الماضية مع رسلهم وأخبار المعاد، وما بينه وبين ذلك مما علمه الله تعالى. والذي يظهر والله تعالى أعلم: أن شرح الصدر الممتن به عليه صلى الله عليه وسلم، أوسع وأعم من ذلك، حتى إنه ليشمل صبره وصفحه وعفوه عن أعدائه، ومقابلته الإساءة بالإحسان، حتى إنه ليسع العدو، كما يسع الصديق. كقصة عودته من ثقيف: أذا آذوه سفهاؤهم، حتى ضاق ملك الجبال بفعلهم، وقال له جبريل: إن ملك الجبال معي، إن أردت أن يطبق عليهم الأخشبين فعل، فينشرح صدره إلى ما هو أبعد من ذلك، ولكأنهم لم يسيؤوا إليه فيقول: "حديث : اللهم أهد قومي فإنهم لا يعلمون، إني لأرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله ". تفسير : وتلك أعظم نعمة وأقوى عدة في تبليغ الدعوة وتحمل أعباء الرسالة، ولذا توجه نبي الله موسى إلى ربه يطلبه إياها، لما كلف الذهاب إلى الطاغية فرعون كما في قوله تعالى: {أية : ٱذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ * قَالَ رَبِّ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِيۤ أَمْرِي * وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُواْ قَوْلِي * وَٱجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * ٱشْدُدْ بِهِ أَزْرِي} تفسير : [طه: 24-31] إلى آخر السياق. فذكر هنا من دواعي العون على أداء الرسالة أربعة عوامل: بدأها بشرح الصدر، ثم تيسير الأمر، وهذان عاملان ذاتيان، ثم الوسيلة بينه وبين فرعون، وهو اللسان في الإقناع، {أية : وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُواْ قَوْلِي} تفسير : [طه: 27-28]، ثم العامل المادي أخيراً في المؤازرة، {أية : وَٱجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * ٱشْدُدْ بِهِ أَزْرِي} تفسير : [طه: 29-31]، فقدم شرح الصدر على هذا كله لأهميته، لأنه به يقابل كل الصعاب، ولذا قابل به ما جاء به السحرة من سحر عظيم وما قابلهم به فرعون من عنت أعظم. وقد بين تعالى من دواعي انشراح الصدر وإنارته، ما يكون من رفعة وحكمة وتيسير، وقد يكون من هذا الباب مما يساعد عليه تلقي تلك التعاليم من الوحي، كقوله تعالى: {أية : خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَاهِلِينَ} تفسير : [الأعراف: 199]، وكقوله: {أية : وَٱلْكَاظِمِينَ ٱلْغَيْظَ وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ} تفسير : [آل عمران: 134]، مما لا يتأتى إلا ممن شرح الله صدره. ومما يعين الملازمة عليه على انشراح الصدر، وفعلاً قد صبر على أذى المشركين بمكة ومخادعة المنافقين بالمدينة، وتلقى كل ذلك بصدر رحب. وفي هذا كما قدمنا توجيه لكل داعية إلى الله، أن يكون رحب الصدر هادئ النفس متجملاً بالصبر. وقوله: {وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ}، والوضع يكون للحط والتخفيف، ويكون للحمل والتثقيل، فإن عدي بعن كان للحط، وإن عدي بعلى كان للحمل، في قولهم: وضعت عنك: ووضعت عليك، والوزر لغة الثقل. ومنه: حتى تضع الحرب أوزارها، أي ثقلها من سلاح ونحوه. ومنه الوزير: المتحمل ثقل أميره وشغله، وشرعاً الذنب كما في الحديث: "حديث : ومن سنَّ سنة سيئة، فعليه وزرها ووزر من عمل بها إل يوم القيامة"تفسير : ، وقد يتعاوران في التعبير كقوله تعالى: {أية : لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً} تفسير : [النحل: 25]، وقوله مرة أخرى {أية : وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ} تفسير : [العنكبوت: 13]. وقد أفرد لفظ الوزر هنا وأطلق، ولم يبين ما هو وما نوعه، فاختلف فيه اختلافاً كثيراً. فقيل: ما كان فيه من أمر الجاهلية، وحفظه من مشاركته معهم، فلم يلحقه شيء منه. وقيل: ثقل تألمه مما كان عليه قومه، ولم يستطع تغييره، وشفقته صلى الله عليه وسلم بهم، أي كقوله تعالى: {أية : فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفاً} تفسير : [الكهف: 6]، أي أسفاً عليهم. وقال أبو حيان: هو كناية عن عصمته صلى الله عليه وسلم من الذنوب، وتطهيره من الأرجاس. وقال ابن جرير: وغفرنا لك ما سلف من ذنوبك، وحططنا عنك ثقل أيام الجاهلية التي كنت فيها. وقال ابن كثير: هو بمعنى {أية : لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} تفسير : [الفتح: 2]. فكلام أبي حيان: يدل على العصمة، وكلام ابن جرير يدل على شيء في الجاهلية، وكلام ابن كثير مجمل. وفي هذا المجال مبحث عصمة الأنبياء عموماً، وهو مبحث أصولي تحققه كتب الأصول لسلامة الدعوة، وقد تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه بحثه في سورة طه عند الكلام على قوله تعالى: {أية : وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ} تفسير : [طه: 121]، وأورد كلام المعتزلة والشيعة والحشوية، ومقياس ذلك، عقلاً وشرعاً، وفي سورة ص عند قوله تعالى: {أية : وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَٱسْتَغْفَرَ رَبَّهُ} تفسير : [ص: 24]، ونبه عندها على أن كل ما يقال في داود عليه السلام حول هذا المعنى، كله إسرائيليات لا تليق بمقام النبوة. 1هـ. أما في خصوصه صلى الله عليه وسلم، فإنا نورد الآتي: إنه مهما يكن من شيء، فإن عصمته صلى الله عليه وسلم من الكبائر والصغائر بعد البعثة يجب القطع بها، لنص القرآن الكريم في قوله تعالى: {أية : لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} تفسير : [الأحزاب: 21]، لوجوب التأسي به وامتناع أن يكون فيه شيء من ذلك قطعاً. أما قبل البعثة، فالعصمة من الكبائر أيضاً، يجب الجزم بها لأنه صلى الله عليه وسلم كان في مقام التهيؤ للنبوة من صغره، وقد شق صدره في سن الرضاع، وأخرج منه حظ الشيطان، ثم إنه لو كان قد وضع منه شيء لأخذوه عليه حين عارضوه في دعوته، ولم يذكر من ذلك ولا شيء فلم يبق إلا القول في الصغائر، فهي دائرة بين الجواز والمنع، فإن كانت جائزة ووقعت، فلا تمس مقامه صلى الله عليه وسلم لوقوعها قبل البعثة والتكليف، وأنها قد غفرت وحط عنها ثقلها، فإن لم تقع ولم تكن جائزة في حقه، فهذا المطلوب. وقد ساق الألوسي رحمه الله في تفسيره: أن عمه أبا طالب، قال لأخيه العباس يوماً: "لقد ضمته إليّ وما فارقته ليلاً ولا نهاراً ولا ائتمنت عليه أحداً"، وذكر قصة بنيه ومنامه في وسط أولاده أول الليل، ثم نقله أباه محل أحد أبنائه حفاظاً عليه، ثم قال: "ولم أر منه كذبة ولا ضحكاً ولا جاهلية، ولا وقف مع الصبيان وهم يلعبون". وذكرت كتب التفسير أنه صلى الله عليه وسلم أراد مرة في صغره أن يذهب لمحل عرس ليرى ما فيه، فلما دنا منه أخذه النوم ولم يصح إلا على حر الشمس، فصانه الله من رؤية أو سماع، شيء من ذلك. ومنه قصة مشاركته في بناء الكعبة حن تعرى ومنع منه حالاً، وعلى المنع من وقوع شيء منه صلى الله عليه وسلم بقي الجواب على معنى الآية، فيقال والله تعالى أعلم: إنه تكريم له صلى الله عليه وسلم كما جاء في أهل بدر، قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: افعلوا ما شئتم فقد غفرت لكم" تفسير : مع أنهم لن يفعلوا محرماً بذلك، ولكنه تكريم لهم ورفع لمنزلتهم. وقد كان صلى الله عليه وسلم يتوب ويستغفر ويقوم الليل حتى تورَّمت قدماه، وقال: "حديث : أفلا أكون عبداً شكوراً ". تفسير : فكان كل ذلك منه شكراً لله تعالى، ورفعاً لدرجاته صلى الله عليه وسلم. وقد جاء: "حديث : النعم العبد صهيب، لو لم يخف الله لم يعصه"تفسير : ، وهو حسنة من حسناته صلى الله عليه وسلم. أو أنه صلى الله عليه وسلم كان يعتد على نفسه بالتقصير، ويعتبر ذنباً يستثقله ويستغفر منه، كما كان إذا خرج من الخلاء قال: "حديث : غفرانك ". تفسير : ومعلوم أنه ليس من موجب للاستغفار، إلا ما قيل شعوره بترك الذكر في تلك الحالة، استوجب منه ذلك. وقد استحسن العلماء قول الجنيد: حسنات الأبرار سيئات المقربين، أو أن المراد مثل ما جاء في القرآن من بعض اجتهاداته صلى الله عليه وسلم، وفي سبيل الدعوة، فيرد اجتهاده فيعظم عليه كقصة ابن مكتوم، وعوتب فيه {أية : عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ * أَن جَآءَهُ ٱلأَعْمَىٰ} تفسير : [عبس: 1-2]، الآية، ونظيرها ولو كان بعد نزول هذه السورة، إلا أنه من باب واحد كقوله: {أية : عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} تفسير : [التوبة: 43]، وقصة أسارى بدر، وقوله: {أية : لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ} تفسير : [عمران: 128]، واجتهاده في إيمان عمه، حتى قيل له: {أية : إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} تفسير : [القصص: 56]، ونحو ذلك. فتحمل الآية عليه، أو أن الوزر بمعناه اللغوي، وهو ما كان يثقله من أعباء الدعوة، وتبليغ الرسالة، كما ذكر ابن كثير في سورة الإسراء عن الإمام أحمد من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لما كان ليلة أُسري بي فأصبحت بمكة فظعت، وعرفت أن الناس مكذّبي، فقعدت معتزلاً حزيناً، فمرَّ بي أبو جهل، فجاء حتى جلس إليه، فقال له كالمستهزئ: هل كان من شيء؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم، وقصّ عليه الإسراء ". تفسير : ففيه التصريح بأنه صلى الله عليه وسلم فظع، والفظاعة: ثقل وحزن، والحزن: ثقل. وتوقع تكذيبهم إياه أثقل على النفس من كل شيء. والله تعالى أعلم. وقوله تعالى: {ٱلَّذِيۤ أَنقَضَ ظَهْرَكَ}، أي ثقله مشعر بأن للذنب ثقلاً على المؤمن ينوء به، ولا يخففه إلا التوبة وحطه عنه. وقوله: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ}، لم يبين هنا بم ولا كيف رفع له ذكره، والرفع يكون حسياً ويكون معنوياً، فاختلف في المراد به أيضاً. فقيل: هو حسي في الأذان والإقامة، وفي الخطب على المنابر وافتتاحيات الكلام في الأمور الهامة، واستدلوا لذلك بالواقع فعلاً، واستشهدوا بقول حسان رضي الله عنه، وهي أبيات في ديوانه من قصيدة دالية: شعر : أغر عليه للنبوة خاتم من الله مشهود يلوح ويشهد وضم الإله اسم النَّبي إلى اسمه إذا قال في الخمس المؤذن أشهد وشق له من اسمه ليجله فذوا العرش محمود وهذا محمد تفسير : ومن رفع الذكر معنى أي من الرفعة، ذكره صلى الله عليه وسلم في كتب الأنبياء قبله، حتى عرف للأمم الماضية قبل مجيئه. وقد نص القرآن أن الله جعل الوحي ذكراً له ولقومه، في قوله تعالى: {أية : فَٱسْتَمْسِكْ بِٱلَّذِيۤ أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ} تفسير : [الزخرف: 43-44]، ومعلوم أن ذكر قومه ذكر له، كما قال الشاعر: شعر : وكم أب قد علا بابن ذرى رتب كما علت برسول الله عدنان تفسير : فتبين أن رفع ذكره صلى الله عليه وسلم، إنما هو عن طريق الوحي سواء كان بنصوص من توجيه الخطاب إليه بمثل {أية : يٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ} تفسير : [المائدة: 41]، {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ} تفسير : [الأنفال: 64]، {أية : يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ} تفسير : [المدثر: 1]، والتصريح باسمه في مقام الرسالة {أية : مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ} تفسير : [الفتح: 29]، أو كان في فروع التشريع، كما تقدم في أذان وإقامة وتشهد وخطب وصلاة عليه صلى الله عليه وسلم. والله تعالى أعلم.
الواحدي
تفسير : {ألم نشرح لك صدرك} أَلم نفتحْ ونوسِّع، ونليِّن لك قلبك بالإِيمان والنُّبوَّة، والعلم والحكمة؟ هذا استفهامٌ معناه التَّقرير. {ووضعنا} [حططنا] {عنك وزرك} ما سلف منك في الجاهليَّة. وقيل: يعني: الخطأ والسَّهو. وقيل: معناه: خفَّفنا عليك أعباء النُّبوَّة، والوِزر في اللُّغة: الحِمل الثقيل: {الذي أنقض} أثقل {ظهرك}. {ورفعنا لك ذكرك} أي: إذا ذُكرت ذكرتَ معي. {فإنَّ مع العسر يسراً} أي: مع الشِّدَّة التي أنتَ فيها من مقاساة بلاء المشركين يُسراً، بإظهاري إيَّاك عليهم حتى تغلبهم، وينقادوا لك طوعاً أو كرهاً. {إنَّ مع العسر يسراً} تكرارٌ للتَّأكيد. وقيل: إنَّ هذا عامٌّ في كلِّ عسرٍ أصاب المؤمن، وهو من الله تعالى على وعد اليسر؛ إمَّا في الدُّنيا، وإمَّا في الآخرة، فالعسر واحدٌ، واليسر اثنان. {فإذا فرغت} من صلاتك {فانصب} أَي: اتعب في الدُّعاء وسله حاجتك، وارغب إلى الله تعالى به.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 1- قد شرحنا لك صدرك بما أودعنا فيه من الهدى والإيمان. 2- وخففنا عنك ما أثقل ظهرك من أعباء الدعوة بمساندتك وتيسير أمرك. 3- الذى أثقل ظهرك. 4- ونوهنا باسمك، فجعلناه مذكوراً على لسان كل مؤمن مقروناً باسمنا. 5- تلك بعض نعمتنا عليك، فكن على ثقة من ألطافه تعالى، فإن مع العسر يسراً كثيراً يحيط به. 6- إن مع العسر يسراً كثيراً كذلك. 7- فإذا فرغت من أمر الدعوة ومقتضيات الجهاد، فاجتهد فى العبادة وأتعب نفسك فيها. 8- وإلى ربك - وحده - فاتجه بمسألتك وحاجتك.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: ألم: الاستفهام للتقرير أي إن الله تعالى يقرر رسوله بنعمه عليه. نشرح لك صدرك: أي بالنبوة، وبشقه وتطهيره وملئه إيمانا وحكمة. ووضعنا عنك وزرك: أي حططنا عنك ما سلف من تبعات أيام الجاهلية قبل نبوتك. الذي أنقض ظهرك: أي الذي أثقل ظهرك حيث كان يشعر صلى الله عليه وسلم بثقل السنين التي عاشها قبل النبوة لم يعبد فيها الله تعالى بفعل محابه وترك مكارهه لعدم علمه بذلك. ورفعنا لك ذكرك: أي أعليناه فاصبحت تذكر معي في الآذان والإِقامة والتشهد. فإن مع العسر يسرا: أي مع الشدة سهولة. فإذا فرغت: أي من الصلاة. فانصب: أي اتعب في الدعاء. وإلى ربك فارغب: أي فاضرع إليه راغبا فيما عنده من الخيرات والبركات. معنى الآيات: قوله تعالى {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ ٱلَّذِيۤ أَنقَضَ ظَهْرَكَ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} هذه ثلاث منن أخرى بعد المنن الثلاث التي جاءت في السورة قبلها منّها الله تعالى على رسوله بتقريره بها فالأولى بشرح صدره ليتسع للوحي ولما سيلقاه من قومه من سيء القول وباطل الكلام الذي يضيق به الإِنسان والثانية وضع الوزر عنه فإِنه صلى الله عليه وسلم وإن لم يكن له وزر حقيقة فإِنه كان يشعر بحمل ثقيل من جراء ترك العبادة والتقرب إلى الله تعالى في وقت ما قبل النبوة ونزول الوحي عليه إذ عاش عمرا أربعين سنة لم يعرف فيها عبادة ولا طاعة لله، أما مقارفة الخطايا فقد كان محفوظا بحفظ الله تعالى له فلم يسجد لصنم ولم يشرب خمرا ولم يقل أو يفعل إثما قط. فقد شق صدره وهو طفل في الرابعة من عمره وأخرجت منه العلقة التي هي محطة الشيطان التي ينزل بها من صدر الإِنسان ويوسوس بالشر للإِنسان والثالثة رفع الذكر أي ذكره صلى الله عليه وسلم إذ قرن اسمه باسمه تعالى في التشهد وفي الأذان والإِقامة وذلك الدهر كله وما بقيت الحياة. وقوله تعالى {فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً} فهذه بشرى بقرب الفرج له ولأصحابه بعد ذلك العناء الذي يعانون والشدة التي يقاسون ومن ثم بشر صلى الله عليه وسلم أصحابه وهو يقول "حديث : لن يغلب عسر يسرين لن يغلب عسر يسرين" تفسير : وقوله {فَإِذَا فَرَغْتَ فَٱنصَبْ وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَٱرْغَبْ} هذه خطة لحياة المسلم وضعت لنبي الإِسلام محمد صلى الله عليه وسلم ليطبقها أمام المسلمين ويطبقونها معهم حتى الفوز بالجنة والنجاة من النار وهي فإِذا فرغت من عمل ديني فانصب لعمل دنيوي وإذا فرغت من عمل دنيوي فانصب لعمل ديني أخروي فمثلا فرغت من الصلاة فانصب نفسك للذكر والدعاء بعدها، فرغت من الصلاة والدعاء فانصب نفسك لدنياك، فرغت من الجهاد فانصب نفسك للحج. ومعنى هذا أن المسلم يحيا حياة الجد والتعب فلا يعرف وقتا للهو واللعب أو للكسل والبطالة قط وقوله إلى ربك فارغب ارغب بعد كل عمل تقوم به في مثوبة ربك وعطائه وما عنده من الفضل والخير إذ هو الذي تعمل له وتنصب من أجله فلا ترغب في غيره ولا تطلب سواه. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان ما أكرم الله تعالى به رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم من شرح صدره ومغفرة ذنوبه ورفع ذكره. 2- بيان أن انشراح صدر المؤمن للدين واتساعه لتحمل الأذى في سبيل الله نعمة عظيمة. 3- بيان أن مع العسر يسرا دائما وأبدا، ولن يغلب عسر يسرين فرجاء المؤمن في الفرح دائم. 4- بيان أن حياة المؤمن ليس فيها لهو ولا باطل ولا فراغ لا عمل فيه أبدا ولا ساعة من الدهر قط وبرهان هذه الحقيقة أن المسلمين من يوم تركوا الجهاد والفتح وهم يتراجعون إلى الوراء في حياتهم حتى حكمهم الغرب وسامهم العذاب والخسف حتى المسخ والنسخ وقد نسخ إقليم الأندلس ومسخت أقاليم في بلاد الروس والصين حتى الأسماء غيّرت.
القطان
تفسير : العسر: الفقر، والضعف، والشدة. فانصَب: فاتعب. لقد شرحنا لك صدرَك يا محمد بما أودَعْنا فيه من الهُدى والحكمة والإيمان، وخفّفنا عنك ما أثقلَ ظَهرك من أعباءِ الدعوة، حتى تبلّغَها ونفسُك مطمئنّة راضية، ونوّهنا باسمِك وأعلينا مقامك، وجعلنا اسمَك مقروناً باسمي أنا الله، لا أُذْكَر إلا ذُكِرْتَ معي على لسانِ كل مؤمن "لا اله إلا الله، محمدٌ رسول الله". وليس بعد هذا رفع، وليس وراء هذه منزلة، فالرسول يُذكر في الشهادة والأذان والإقامة والتشهُّد والخُطَب وغيرِ ذلك.. وبعد أن عدّد الله بعض نِعمه على رسوله الكريم، تلطّف به وآنسَه وطمأنَه بأن اليُسْرَ لا يفارقُه أبدا. فقال: {فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً} تلك بعضُ نِعمنا عليك، فكن على ثقةٍ من لُطفه تعالى، بأن الفَرَجَ سيأتي بعد الضيق، فلا تحزنْ ولا تَضْجَر. وفي الحديث: "حديث : لن يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَين" تفسير : أخرجه الحاكم والبيهقي. {فَإِذَا فَرَغْتَ فَٱنصَبْ وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَٱرْغَبْ} فاذا فَرَغْتَ من أمرِ الدعوة، وانتهيتَ من أمورِ الدنيا - فاجتهدْ في العبادة وأتعِب نفسَك فيها، وإلى ربك وحدَه فاتّجه.. فإنّك ستجدُ يُسراً مع كلِّ عسر.
د. أسعد حومد
تفسير : (1) - لَقَدْ شَرَحْنَا لَكَ صَدْرَكَ بِمَا أَوْدَعْنَاهُ فِيهِ مِنَ الهُدَى وَالإِيْمَانِ، وَأَخْرَجْنَاكَ مِنَ الحَيْرَةِ التِي كُنْتَ تَضِيقُ بِهَا ذَرْعاً، بِمَا كُنْتَ تُلاَقِي مِنْ عِنَادِ قَوْمِكَ، وَاسْتِكْبَارِهِمْ عَنِ اتّبَاعِ الحَقِّ. وَكُنْتَ تَتَلَمَّسُ الوَسِيلَةَ التِي تُنْقِذُهُمْ بِهَا مِمَّا هُمْ فِيهِ، فَهُدِيتَ إِلَيهَا. أَلَمْ نَشْرَحْ - أَلَمْ نَفْسَحْ بِالحِكْمَةِ وَالنُّورِ وَالإِيْمَانِ.
الثعلبي
تفسير : {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} ألمْ نفتح ونوسّع ونليّن لك قلبك بالإيمان والنبوّة والعلم والحكمة. {وَوَضَعْنَا} وحططنا {عَنكَ وِزْرَكَ * ٱلَّذِيۤ أَنقَضَ ظَهْرَكَ} أثقل ظهرك فأوهنه، ومنه قيل للبعير إذا كان رجيع سفر قد أوهنه وأنضاه: نقض. وقال الفرّاء: كسر ظهرك حين سمع نقيضه: أي صوته، قال الحسن وقتادة والضحّاك: يعني ما سلف منه في الجاهلية، وقال الحسين بن الفضل: يعني الخطأ والسهو، وقيل: ذنوب أُمتك فأضافها إليه لاشتغال قلبه بها وإهتمامه لها، وقال عبد العزيز بن يحيى وأبو عبيدة: يعني خفّفنا عليك أعباء النبوة والقيام بأمرها، وقيل: وعصمناك عن احتمال الوزر. {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} أخبرنا عبد الخالق بقراءتي عليه قال: حدّثنا ابن جنب قال: حدّثنا أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل قال: حدّثنا صفوان يعني ابن صالح الثقفي أبو عبد الملك قال: حدّثنا الوليد يعني ابن مسلم قال: حدّثني عبد الله بن لهيعة، عن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، حديث : عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سأل جبرائيل عن هذه الآية ورفعنا لك ذكرك، قال: "قال الله سبحانه: إذا ذكرتُ، ذكرتَ معي ". تفسير : وحدّثنا أبو سعيد عبد الملك بن أبي عثمان الواعظ قال: حدّثنا إسماعيل بن أحمد الجرجاني قال: أخبرنا عمران بن موسى قال: حدّثنا أبو معمر قال: حدّثنا عباد، عن عوف، عن الحسن في قوله ورفعنا لك ذكرك، قال: إذا ذكرتُ ذكرتَ معي، وقال قتادة: يرفع الله ذكره في الدنيا والآخرة، فليس خطيب ولا متشهد ولا صاحب صلاة إلاّ ينادي بها: أشهد ان لا إله إلاّ الله، وأن محمداً رسول الله، وقال مجاهد: يعني بالتأذين، وفيه يقول حسان بن ثابت يمدح النبي صلى الله عليه وسلم: شعر : أغرّ عليه للنبوةِ خاتم من الله مشهورٌ يلوح ويشهدُ وضمَّ الإله اسم النبي الى اسمه إذا قال في الخمس المؤذِّن أشهد تفسير : وقال ابن عطاء: يعني جعلت تمام الإيمان بي بذكرك، وقيل: ورفعنا لك ذكرك عند الملائكة في السماء، وقيل: بأخذ ميثاقه على النبيين وإلزامهم الإيمان به والإقرار بفضله، وقال ذو النون: همم الأنبياء تجول حول العرش وهمّة محمد صلى الله عليه وسلم فوق العرش، لذلك قال: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ}، فذكره ذكره، ومفزع الخلق يوم القيامة إلى محمد صلى الله عليه وسلم كمفزعهم إلى الله، لعلمهم بجاهه عنده. {فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً} أي مع الشدّة التي أنت فيها من جهاد المشركين، ومزاولة ما أنت بسبيله يسراً ورخاءً بأن يظهرك عليهم، حتى ينقادوا للحق الذي جئتهم به طوعاً وكرها. {إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً} كرّره لتأكيد الوعد وتعظيم الرجاء، وقيل: فإن مع العسر يسراً: في الدنيا، إن مع العسر يسراً: في الآخرة. أخبرنا عبد الله بن حامد قال أخبرنا أحمد بن عبد الله قال: حدّثنا محمد بن عبد الله قال: حدّثنا عثمان قال: حدّثنا ابن عليّة، عن يونس، عن الحسن قال: لما نزلت هذه الآية، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ابشروا فقد جاءكم اليسر لن يغلب عُسْرٌ يُسرَين ". تفسير : وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا عمر بن الخطاب قال: حدّثنا علي بن مرداراد الخياط قال: حدّثنا قطن بن بشير قال: حدّثنا جعفر بن سليمان، عن رجل، عن إبراهيم النخعي قال: قال ابن مسعود: والذي نفسي بيده، لو كان العسر في جحر لطلبه اليسر حتى يدخل عليه، إنّه لن يغلب عسرٌ يسرين، إنّه لن يغلب عسر يسرين. قال العلماء في معنى هذا الحديث: لأنه عرّف العسر ونكّر اليسر، ومن عادة العرب إذا ذكرت اسماً معرفة ثم أعادته فهو هو، وإذا نكرّته ثم كررته فهما اثنان، وقال الحسن بن يحيى بن نصر الجرجاني صاحب كتاب [النظم] وهو يكلم الناس في قوله (عليه السلام): "حديث : لن يغلب عسر يسرين"تفسير : : فلم يحصل غير قولهم: إن العسر معرفة واليسر نكرة مكررة، فوجب أن يكون [عسر] واحد ويسران، وهذا قول مدخول [إذ] لا يجب على هذا التدريج إذا قال الرجل: إنّ مع الفارس سيفاً إنّ مع الفارس سيفاً أن يكون الفارس واحداً والسيف اثنين، ولا يصح هذا في نظم العربية. فمجاز قوله: "حديث : لن يغلب عسر يسرين" تفسير : إن الله بعث نبيّه (عليه السلام) مقلاّ مخففاً فعيّره المشركون لفقره، حتى قالوا أنجمع لك مالا؟ فاغتمّ، فظنّ أنهم كذّبوه لفقره، فعزّاه الله سبحانه وتعالى وعدد عليه نعماءه ووعده الغنى فقال: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} إلى قوله {ذِكْرَكَ}، فهذا ذكر امتنانه عليه، ثم ابتدأ ما وعده من الغنى ليسلّبه مما خامر قلبه، فقال {فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً}، والدليل عليه دخول الفاء في قوله (فإنّ) ولا يدخل الفاء أبداً إلاّ في عطف أو جواب. ومجازه: لا يحزنك ما يقولون فان مع العسر يسراً في الدنيا عاجلا، ثم أنجزه ما وعده وفتح عليه القرى العربية، ووسّع ذات يده، حتى يهب المائتين من الإبل، ثم ابتدأ فضلا آخر من الآخرة فقال تأسيةً له: {إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً}، والدليل على ابتدائه تعرّيه من الفاء والواو وحروف النسق فهذا عام لجميع المؤمنين، ومجازه: إنّ مع العسر في الدنيا للمؤمنين يسراً في الآخرة لا محالة، فقوله: "حديث : لن يغلب عسر يسرين" تفسير : أي لن يغلب عسر الدنيا اليسر الذي وعد الله المؤمنين في الدنيا، واليسر الذي وعدهم في الآخرة، إنما يُغلب أحدهما وهو يسر الدنيا، فأمّا يسر الآخرة فدائم غير زايل؛ اي لا يجمعهما في الغلبة، كقوله (عليه السلام): "حديث : شهرا عيد لا ينقصان"تفسير : اي لا يجتمعان في النقصان. وقال أبو بكر الوراق: مع [أختها] بالدنيا جزاء الجنة، قال القاسم: [بردا هذه السعادة من أسحار] الدنيا إلى رضوان العقبى، وقراءة العامة بتخفيف السينين، وقرأ أبو جعفر وعيسى، بضمهما، وفي حرف عبد الله: إنّ مع العسر يسراً، مرة واحدة غير مكررة. أخبرني أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين بن محمد الرمجاري وأبو الحسن علي بن محمد ابن محمد البغدادي قالا: حدّثنا محمد بن يعقوب الأصم قال: حدّثنا أحمد بن شيبان الرملي قال: حدّثنا عبد الله بن ميمون القداح قال: حدّثنا شهاب بن خراش، عن عبد الملك بن عمير، حديث : عن ابن عباس قال: أُهدي للنبي صلى الله عليه وسلم بغلة، أهداها له كسرى فركبها بحبل من شعر، ثم أردفني خلفه، ثم سار بي مليّاً، ثم التفت اليّ فقال لي: "يا غلام"، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: "احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك، تعرّف الى الله في الرخاء يعرفك في الشدّة، وإذا سألتَ فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، قد مضى القلم بما هو كائن، فلو جهد الخلائق أن ينفعوك بما لم يقضه الله لك، لما قدروا عليه، ولو جهدوا أن يضرّوك بما لم يكتبه الله عليك ما قدروا عليه، فإن استطعت أن تعمل بالصبر مع اليقين فافعل، فإنّ لم تستطع فاصبر، فإنّ في الصبر على ما يُكره خيراً كثيراً، واعلم أنّ مع الصبر النصر، وأنّ مع الكرب الفرج و {إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً} ". تفسير : وسمعت أبا القاسم الحسن بن محمد بن الحسن النيسابوري يقول: سمعت أبا علي محمد ابن عامر البغدادي يقول: سمعت عبد العزيز بن يحيى يقول: سمعت عمي يقول: سمعت العتبي يقول: كنت ذات يوم في البادية بحالة من الغم فأُلقي في روعي بيت شعر فقلت: شعر : أرى الموت لن أصبح ولاح مغموماً له أروح تفسير : فلمّا جنّ الليل سمعت هاتفاً يهتف، من الهواء: شعر : ألا يا أيّها المرءُ الـ ذي الهمُّ به برّح وقد أنشد بيتاً لم يزل في فكره يسنح إذا اشتدّ بك العسر ففكّرْ في ألمْ نشرح فعسرٌ بين يسرين إذا فكّرتها فافرح تفسير : قال: فحفظت الأبيات، وفرّج الله غمّي. وأنشدنا أبو القاسم الحبيبي قال: أنشدنا أبو محمد أحمد بن محمد بن إسحاق الجيزنجي قال: أنشدنا إسحاق بن بهلول القاضي: شعر : فلا تيأسْ وإن أُعسرت يوماً فقد أُيسرت في دهر طويلِ ولا تظننّ بربك ظنّ سوء فإنّ الله أولى بالجميل فإنّ العسرَ يتبعه يسارٌ وقول الله أصدق كلِّ قيل تفسير : وأنشدني أبو القاسم الحبيبي قال: أنشدني محمد بن سليمان بن معاد الكرخي قال: أنشدنا أبو بكر الأنباري: شعر : إذا بلغ العسر مجهوده فثق عند ذاك بيسر سريع ألم تر بخس الشتاء القطيع يتلوه سعد الربيع البديع تفسير : ولزيد بن محمد العلوي: شعر : إن يكنْ نالك الزمان ببلوى عظمت شدّةً عليك وجلّتْ وتلتها قوارع باكيات سئمت دونها الحياة وملّت فاصطبر وانتظر بلوغ مداها فالرزايا إذا توالت تولّت وإذا أوهنت قواك وحلّت كُشفتْ عنك جملة فتخلّت تفسير : وقال آخر: شعر : إذا الحادثات بلغن المدى وكادت تذوب لهنّ المهجْ وحلّ البلاء وقلّ الرجاء فعند التناهي يكون الفرجْ تفسير : وأنشدني أبو القاسم الحسن بن محمد السلوسي قال: أنشدني أبو الحسن عيسى بن زيد العقيلي النسابة قال: أنشدني سليمان بن أحمد الرقي: شعر : توقع إذا ما عرتك الخطوب سروراً (يسيّرها) عنك قسراً ترى الله يخلف ميعاده وقد قال: إنّ مع العسر يُسراً تفسير : {فَإِذَا فَرَغْتَ فَٱنصَبْ} قال ابن عباس: إذا فرغت من صلاتك فانصب إلى ربّك في الدعاء، واسأله حاجتك وارغب اليه. ابن أبي نجيح، عن مجاهد: إذا قمت إلى الصلاة فانصب في حاجتك إلى ربّك. الضحّاك: إذا فرغت من الصلاة المكتوبة فانصب إلى ربّك في الدعاء، وأنت جالس قبل أن تسلم. قتادة: أمره أن يبالغ في دعائه إذا فرغ من صلاته. عن الحسن: إذا فرغت من جهاد عدوك، فانصب في عبادة ربّك. عن زيد بن أسلم: إذا فرغت من جهاد العرب وانقطع جهادهم، فانصب لعبادة الله وإليه فارغب. عن منصور، عن مجاهد: إذا فرغت من أمر الدنيا فانصب في عبادة ربّك وصلِّ. وأخبرنا محمد بن عبوس قال: حدّثنا محمد بن يعقوب قال: حدّثنا محمد بن الحميم قال: حدّثني الفراء قال: حدّثني قيس بن الربيع، عن أبي حصين قال: مرّ شريح برجلين يصطرعان فقال: ليس بهذا أُمر الفارغ، إنما قال الله عزّ وجلّ: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَٱنصَبْ * وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَٱرْغَبْ}. قال الفراء: فكأنّه في قول شريح: إذا فرغ الفارغ من الصلاة أو غيرها. وقوله {فَٱنصَبْ } من النصب، وهو التعب والدأب في العمل، وقيل: أمره بالقعود للتشهد إذا فرغ من الصلاة والانتصاب للدعاء. عن حيان، عن الكلبي: إذا فرغت من تبليغ الرسالة، فانصب: أي استغفر لذنبك وللمؤمنين. عن جنيد: فإذا فرغت من أمر الخلق، فاجتهد في عبادة الحق. عن أبو العباس بن عطاء: فإذا فرغت من تبليغ الوحي، فانصب في طلب الشفاعة. {وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَٱرْغَبْ} في جميع أحوالك [لا] إلى سواه، وقيل: إذا فرغت من أشغال الدنيا، ففرّغ قلبك لهموم العقبى. عن جعفر: اذكر ربّك على فراغ منك عن كل ما دونه، وقيل: إذا فرغت من العبادة، فانصب إلى الإعراض عنها مخافة ردّها عليك، وإلى ربّك فارغب، والاستغفار لعملك كالخجل المستحيي. أخبرنا الشيخ أبو الفضل محمد بن جعفر الخزاعي المقري قال: حدّثنا أبو محمد عبد الله ابن محمد المزني قال: حدّثنا الوليد بن بيان ويحيى بن محمد بن صاعد ومحمد بن أحمد السطوي قال: حدّثنا ابن أبي برة قال: حدّثنا عكرمة بن سليمان قال: قرأت على إسماعيل بن عبد الله، فلمّا بلغت إلى والضحى قال: كبّر حتى نختم مع خاتمة كل سورة، فإني قرأت على شبل بن عباد وعلي بن عبد الله بن كثير، فأمراني بذلك. قال: وأخبرني عبد الله بن كثير أنه قرأ على مجاهد، فأمره بذلك، وأخبره مجاهد أنه قرأ على ابن عباس، فأمره بذلك وأخبره ابن عباس أنه قرأ على أُبي بن كعب، فأمره بذلك، وأخبره أُبيّ بن كعب أنه قرأ على النبي (صلى الله عليه وآله)، فأمره بذلك.
الصابوني
تفسير : التفسِير: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} استفهامٌ بمعنى التقرير أي قد شرحنا لك صدرك يا محمد بالهدى والإِيمان، ونور القرآن كقوله تعالى {أية : فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ}تفسير : [الأَنعام: 125] قال ابن كثير: أي نورناه وجعلناه فسيحاً، رحيباً، واسعاً، وكما شرح الله صدره كذلك جعل شرعه فسيحاً، سمحاً، سهلاً، لا حرج فيه ولا إِصرْ ولا ضيق وقال أبو حيان: شرحُ الصدر تنويره بالحكمة، وتوسيعه لتلقي ما يوحى إِليه وهو قول الجمهور، وقيل: هو شق جبريل لصدره في صغره وهو مرويٌ عن ابن عباس {وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ} أي حططنا عنك حملك الثقيل {ٱلَّذِيۤ أَنقَضَ ظَهْرَكَ} أي الذي أثقل وأوهن ظهرك قال المفسرون: المراد بالوزر الأمور التي فعلها صلى الله عليه وسلم، وَوَضْعُها عنه هو غفرانها له كقوله تعالى {أية : لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ}تفسير : [الفتح: 2] وليس المراد بالذنوب المعاصي والأثام، فإِن الرسل معصومون من مقارفة الجرائم، ولكن ما فعله عليه السلام عن اجتهاد وعوتب عليه، كإِذنه صلى الله عليه وسلم للمنافقين في التخلف عن الجهاد حين اعتذروا، وأخذه الفداء من أسرى بدر، وعبسه في وجه الأعمى ونحو ذلك، قال في التسهيل: وإِنما وصفت ذنوب الأنبياء بالثقل، وهي صغائر مغفورة لهم، لهمِّهم بها وتحسرهم عليها، فهي ثقيلة عندهم لشدة خوفهم من الله وهذا كما ورد في الأثر "حديث : إِنَّ المؤمن يرى ذنوبه كالجبل يقع عليه، والمنافق يرى ذنوبه كالذبابة تطير فوق أنفه"تفسير : والنقيضُ هو الصوتُ الذي يسمع من المحمل فوق ظهر البعير من شدة الحمل {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} أي رفعنا شأنك، وأعلينا مقامك في الدنيا والآخرة، وجعلنا اسمك مقروناً باسمي قال مجاهد: لا أُذكر إِلا ذكرت معي وقال قتادة: رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة، فليس خطيب، ولا متشهد، ولا صاحب صلاة إِلا ينادي: أشهد أن لا إِله إِلا الله وأن محمداً رسول الله، وفي الحديث "حديث : أتاني جبريل فقال لي يا محمد: إِن ربك يقول: أتدري كيف رفعت ذكرك؟ قلت: الله تعالى أعلم، قال: إِذا ذكرتُ ذكرتَ معي"تفسير : قال في البحر: قرن الله ذكر الرسول بذكره جل وعلا في كلمة الشهادة، والأذان والإِقامة، والتشهد، والخطب، وفي غير موضع من القرآن، وأخذ على الأنبياء وأممهم أن يؤمنوا به كما قال حسان بن ثابت: شعر : وضمَّ الإِله اسم النبي إِلى اسمه إِذا قال في الخمس المؤذن أشهد وشقَّ له من إِسمه ليُجله فذو العرش محمودٌ وهذا محمد تفسير : {فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً} أي بعد الضيق يأتي الفرج، وبعد الشدة يكون المخرج قال المفسرون: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة في ضيق وشدة هو وأصحابه، بسبب أذى المشركين للرسول والمؤمنين، فوعده الله باليسر، كما عدَّد عليه النعم في أول السورة تسلية وتأنيساً له، لتطيب نفسه ويقوى رجاؤه، وكأن الله تعالى يقول: إِنَّ الذي أنعم عليك بهذه النعم الجليلة، سينصرك عليهم، ويظهر أمرك، ويبدل لك هذا العسر بيسرٍ قريب، ولذلك كرره مبالغة فقال: {إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً} أي سيأتي الفرج بعد الضيق، واليسر بعد العسر فلا تحزن ولا تضجر وفي الحديث "حديث : لن يغلب عسرٌ يسرين"تفسير : {فَإِذَا فَرَغْتَ فَٱنصَبْ} أي فإِذا فرغت يا محمد من دعوة الخلق، فاجتهد في عبادة الخالق، وإِذا انتهيت من أمور الدنيا، فأتعب نفسك في طلب الآخرة {وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَٱرْغَبْ} أي اجعل همَّك ورغبتك فيما عند الله، لا في هذه الدنيا الفانية قال ابن كثير: المعنى إِذا فرغت من أمور الدنيا وأشغالها، وقطعت علائقها، فانصب إِلى العبادة، وقم إِليها نشيطاً فارغ البال، وأخلص لربك النية والرغبة. البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- الاستفهام التقريري للامتنان والتذكير بنعم الرحمن {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ..} الخ. 2- الاستعارة التمثيلية {وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * ٱلَّذِيۤ أَنقَضَ ظَهْرَكَ} شبَّه الذنوب بحمل ثقيل يرهق كاهل الإِنسان ويعجز عن حمله بطريق الاستعارة التمثيلية. 3- التنكير للتفخيم والتعظيم {إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً} نكر اليسر للتعظيم كأنه قال يسراً كبيراً. 4- الجناس الناقص بين لفظ {اليُسْر} و{ٱلْعُسْر}. 5- تكرير الجملة لتقرير معناها في النفوس وتمكينها في القلوب {إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً} ويسمى هذا بالإِطناب. 6- السجع المرصَّع مراعاة لرءوس الآيات {فَإِذَا فَرَغْتَ فَٱنصَبْ * وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَٱرْغَبْ} ومثلها {وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * ٱلَّذِيۤ أَنقَضَ ظَهْرَكَ} وهو من المحسنات البديعية.
الأندلسي
تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} هذه السورة مكية ومناسبتها لما قبلها ظاهرة وشرح الصدر تنويره بالحكمة وتوسيعه لتلقي ما يوحى إليه وقيل إشارة إلى شق جبريل عليه السلام صدره في وقت صغره وقرأ أبو جعفر المنصور: ألم نشرح بنصب الحاء وخرجه ابن عطية على أنه ألم نشرحن فأبدل من النون ألفاً ثم حذفها تخفيفاً وأحسن من هذا التخريج ما ذكره اللحياني في نوادره عن بعض العرب أنهم يجزمون بلن وينصبون بلم. {وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ} كناية عن عصمته من الذنوب وتطهره من الادناس عبر عن ذلك بالحط على سبيل المبالغة في انتفاء ذلك كما تقول العرب رفعت عنك مشقة الزيارة لمن لم تصدر منه زيادة على طريق المبالغة في انتفاء زيارته وقال أهل اللغة: أنقض الحمل ظهر الناقة إذا سمعت له صريراً في شدة الجمل. {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} هو أن قرنه بذكره تعالى في كلمة الشهادة والآذان والإِقامة والتشهد والخطب وفي غير موضع في القرآن وفي تسميته رسول الله صلى الله عليه وسلم ونبي الله ذكره في كتب الأولين والأخذ على الأنبياء وأمتهم أن يؤمنوا به صلى الله عليه وسلم وقال حسان رضي الله عنه فيه عليه السلام. شعر : أغر عليه للنبوة خاتم من الله مشهور يلوح ويشهد وضم الإِلٰه اسم النبي إلى اسمه إذا قال في الخمس المؤذن أشهد تفسير : وتعديد هذه النعم عليه صلى الله عليه وسلم يقتضي أنه تعالى كما أحسن إليك بهذه المراتب فإِنه يحسن إليك بظفرك بأعدائك وينصرك عليهم وكان الكفار يعيرون المؤمنين بالفقر فذكره بهذه النعم وقوي رجاءه بقوله: {فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً} أي أن مع الضيق فرجا ثم كرر ذلك مبالغة في حصول اليسر. {فَإِذَا فَرَغْتَ} أي من فرضك. {فَٱنصَبْ} من التنقل عبادة لربك * وفارغب أمر من رغب ثلاثياً أي أصرف وجه الرغبات إليه تعالى لا إلى سواه.
الجيلاني
تفسير : {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} [الشرح: 1] يا أكمل الرسل من اجتبينا، واصطفينا للنيابة والرسالة، ولم نفسح ونوسع خلدك لقول الآيات الواردة عليك منَّا، والامتثال بالأحكام الموردة من لدنا، مع كونك أمياً، عارياً، خالياً عنها وعمَّا يترتب عليها؟. وبعدما شرحنا لك صدرك لشعائر الإسلام ومعالم الدين ومراسم التوحيد اجتبيناك للرسالة والتبليغ إلى عموم الأنام {وَ} بعدما أمرناك بالرسالة {وَضَعْنَا} أي: أزلنا {عَنكَ وِزْرَكَ} [الشرح: 2] أي: ثقلك الطارئ عليك من حِمل أعباء الرسالة وأداء التبليغ. {ٱلَّذِيۤ} من غاية شدته وثقله {أَنقَضَ} أي: قسم وكسر {ظَهْرَكَ} [الشرح: 3] لأنك أمي، ذاهل عن مطلق الأحكام، مأمور بها؛ لذلك ثقل وضاق عليك الأمر. {وَ} بعدما وفَّقناك على تبليغ الرسالة، وأيدناك بالآيات الموردة المنزلة في موارد الأحكام {رَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} [الشرح: 4] حيث قرنَّا اسمك باسمنا، وخلَّفناك عنَّا واخترناك لخلافتنا ونيابتنا؛ لذلك أنزلنا في شأنك: {أية : مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ}تفسير : [النساء: 80]، {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ}تفسير : [الفتح: 10] إلى غير ذلك من الآيات، وأيّ رفع وكرامة أعلى وأعظلم من ذلك؟! وبعدما كرمناك بأمثال هذه الكرامات العلية لا تيأس من سعة روحنا ورحمتنا وإعانتنا وإغاثتنا، ولا تحزن على أذى قومك واستهزائهم، وتطاول معاداتهم وعنادهم معك {فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ} الذي قد عرض عليك ولحق بك من قبلهم {يُسْراً} [الشرح: 5] ناشئاً من قبل الحق، مقابلاً واصلاً إليك من حيث لا تحتسب. ثمَّ كرر سبحانه تأكيداً {إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ} الذي ألم بك الآن {يُسْراً} [الشرح: 6] منَّا مترقباً كيفما اتفق. وفي تعريف العسر وأعادته معرفة وتنكير اليسر وإعادته نكرة أيضاً إشعار بقلة طرق العسر وأسبابه، وكثرة طرق اليسر وموجباته. يعني: لا تيأس من العسر الطارئ عليك أحياناً معهودة معدودة عن يسر ملازم لك في أكثر الأوقات والأزمان، مصاحب معك في جميع حالاتك. وبعدما أمرناك بتبليغ الرسالة وأرسلناك لنشرها، فلك أن تمتثل بالمَّامور على مقتضى الوحي والإلهام {فَإِذَا فَرَغْتَ} عن الدعوة والتبليغ على مقتضى منصب النبوة والرسالة {فَٱنصَبْ} [الشرح: 7] نفسك وأتعبها بالمجاهدات والرياضات القالعة لعرق لوازم الإمكان عن أصله على مقتضى رتبة الولاية. {وَ} بالجملة: {إِلَىٰ رَبِّكَ} لا إلى غيره من وسائل المظاهر وأسبابها {فَٱرْغَبْ} [الشرح: 8] في خلواتك وصلواتك، في عموم حالاتك ومقاماتك، بلا روية الوسائل في البين، والوسائط في العين. خاتمة السورة عليك أيها الطالب الراغب إلى الله، القاصد للعكوف حول بابه أن تفرغ همَّك عن مطلق الأماني والآمال وعموم الأشغال المانعة عن الوصول إلى فنائه، وترغب عن الدنيا وما فيها، وتتوجه نحو الحق من طريق الفناء، وتطرح لوازم الحياة المستعارة بالكلية حتى تصل إلى مرتبة الموت الإرادي المستلزم للبقاء الأبدي السرمدي. جعلناه الله من زمرة أرباب الرغبة إلى المولى وعن الدنيا، بمنِّه وجوده.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : يا منشرح الصدر على القدر رافع الذكر فيما أنقاضك، {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} [الشرح: 1] بنور جمالنا المودع في ظلمة قالبك، {وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ} [الشرح: 2] {ٱلَّذِيۤ أَنقَضَ ظَهْرَكَ} [الشرح: 3] وهو من الخواص القالبية والنفسية التي أنقض وأثقل ظهر ظاهر اللطيفة الخفية بنفوذ نور الذكر في وجود الذكر، كما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم في ذكر المفردين الذين اهتزوا بالذكر: "حديث : حتى وضع الذكر عنهم أوزارهم"،تفسير : {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} [الشرح: 4] باقتران ذاكريتك بمذكوريتنا وإيصال حقيقة مذكوريتك إلى حقيقة ذاكريتنا، وإظهار نور عزك بنور عزتنا، كما يقول تعالى: {أية : وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ}تفسير : [المنافقون: 8]؛ في هذه الآية صرح بأن المؤمنين كانوا عزيزين بنور عزة اللطيفة الخفية النبوية المحمدية، كما أن الرسول عزيز بنور عزة الله الحق المبين، فاجتهد في طلب عزتك التي أودعها الله فيك. {فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً} [الشرح: 5]؛ أي: مع العسر المجاهدة والمذلة في الدنيا الفانية يسر المجاهدة والعزة في العقبى الباقية، {إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً} [الشرح: 6]؛ أي: مع عسر النكرة وتحمل مرارة مشاقها يسر المعرفة والاسترواح بمجاهدة حلاوة مذاقها. {فَإِذَا فَرَغْتَ} [الشرح: 7] عن المجاهدة في عالم الكسب {فَٱنصَبْ} [الشرح: 7] للمشاهدة في عالم الوهب، ونصب المشاهدة رعاية الأدب المختصة بخواص حضرة السلطان، {وَإِلَىٰ رَبِّكَ} [الشرح: 8] وقت المشاهدة والوهب {فَٱرْغَبْ} [الشرح: 8]؛ يعني: كن على لهمة ولا تلتفت إلى غير الرب، ولا تطلب من الرب إلا الرب، فإذا وجدته وجدت الكل، ولا يفوت عنك شيء، كما قيل في المثل: كل صيد في جوف الفرا. وجاء في الحكايات المنقولة عن بعض المشايخ أن أحداً منهم جذب وعرج به إلى الحضرة وأوقف بين يدي الحق، فقال له الحق: إن كل الطالبين طلبوا مني شيئاً إلا أبا يزيد فإنه طلبني، ويكون مثل هذا الخطاب من رب الأرباب على سبيل التنبيه للسالك لانبعاث داعية همته العالية في طلبه لطفاً به منه، تأدباً إياه وتعليماً له، اللهم أرفع همتنا وأدبنا بأحسن تأديب بحق محمد صلى الله عليه وسلم.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى -ممتنًا على رسوله-: { أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ } أي: نوسعه لشرائع الدين والدعوة إلى الله، والاتصاف بمكارم الأخلاق، والإقبال على الآخرة، وتسهيل الخيرات فلم يكن ضيقًا حرجًا، لا يكاد ينقاد لخير، ولا تكاد تجده منبسطًا. { وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ } أي: ذنبك، { الَّذِي أَنْقَضَ } أي: أثقل { ظَهْرَكَ } كما قال تعالى: {أية : لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ } . تفسير : { وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ } أي: أعلينا قدرك، وجعلنا لك الثناء الحسن العالي، الذي لم يصل إليه أحد من الخلق، فلا يذكر الله إلا ذكر معه رسوله صلى الله عليه وسلم، كما في الدخول في الإسلام، وفي الأذان، والإقامة، والخطب، وغير ذلك من الأمور التي أعلى الله بها ذكر رسوله محمد صلى الله عليه وسلم. وله في قلوب أمته من المحبة والإجلال والتعظيم ما ليس لأحد غيره، بعد الله تعالى، فجزاه الله عن أمته أفضل ما جزى نبيًا عن أمته. وقوله: { فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا } بشارة عظيمة، أنه كلما وجد عسر وصعوبة، فإن اليسر يقارنه ويصاحبه، حتى لو دخل العسر جحر ضب لدخل عليه اليسر، فأخرجه كما قال تعالى: {أية : سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا } تفسير : وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : وإن الفرج مع الكرب، وإن مع العسر يسرا " . تفسير : وتعريف " العسر " في الآيتين، يدل على أنه واحد، وتنكير " اليسر " يدل على تكراره، فلن يغلب عسر يسرين. وفي تعريفه بالألف واللام، الدالة على الاستغراق والعموم يدل على أن كل عسر -وإن بلغ من الصعوبة ما بلغ- فإنه في آخره التيسير ملازم له. ثم أمر الله رسوله أصلا والمؤمنين تبعًا، بشكره والقيام بواجب نعمه، فقال: { فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ } أي: إذا تفرغت من أشغالك، ولم يبق في قلبك ما يعوقه، فاجتهد في العبادة والدعاء. { وَإِلَى رَبِّكَ } وحده { فَارْغَبْ } أي: أعظم الرغبة في إجابة دعائك وقبول عباداتك. ولا تكن ممن إذا فرغوا وتفرغوا لعبوا وأعرضوا عن ربهم وعن ذكره، فتكون من الخاسرين. وقد قيل: إن معنى قوله: فإذا فرغت من الصلاة وأكملتها، فانصب في الدعاء، وإلى ربك فارغب في سؤال مطالبك. واستدل من قال بهذا القول، على مشروعية الدعاء والذكر عقب الصلوات المكتوبات، والله أعلم بذلك تمت ولله الحمد.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):