٩٧ - ٱلْقَدْر
97 - Al-Qadr (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
1
Tafseer
الرازي
تفسير : وفيه مسائل: المسألة الأولى: أجمع المفسرون على أن المراد: إنا أنزلنا القرآن في ليلة القدر، ولكنه تعالى ترك التصريح بالذكر، لأن هذا التركيب يدل على عظم القرآن من ثلاثة أوجه أحدها: أنه أسند إنزاله إليه وجعله مختصاً به دون غيره والثاني: أنه جاء بضميره دون اسمه الظاهر. شهادة له بالنباهة والاستغناء عن التصريح، ألا ترى أنه في السورة المتقدمة لم يذكر اسم أبي جهل ولم يخف على أحد لاشتهاره، وقوله: {أية : فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ ٱلْحُلْقُومَ } تفسير : [الواقعة: 83] لم يذكر الموت لشهرته، فكذا ههنا والثالث: تعظيم الوقت الذي أنزل فيه. المسألة الثانية: أنه تعالى قال في بعض المواضع: {إِنّى } كقوله: {أية : إِنّي جَاعِلٌ فِى ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً } تفسير : [البقرة: 30] وفي بعض المواضع {إِنَاْ } كقوله: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِى لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ }. {أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذّكْرَ } تفسير : [الحجر: 9]، {أية : إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحاً } تفسير : [نوح:1]، {أية : إِنَّا أَعْطَيْنَـٰكَ ٱلْكَوْثَرَ } تفسير : [الكوثر: 1]. واعلم أن قوله: {إِنَاْ } تارة يراد به التعظيم، وحمله على الجمع محال لأن الدلائل دلت على وحدة الصانع، ولأنه لو كان في الآلهة كثرة لانحطت رتبة كل واحد منهم عن الإلهية، لأنه لو كان كل واحد منهم قادراً على الكمال لاستغنى بكل واحد منهم عن كل واحد منهم، وكونه مستغنى عنه نقص في حقه فيكون الكل ناقصاً، وإن لم يكن كل واحد منهم قادراً على الكمال كان ناقصاً، فعلمنا أن قوله: {إِنَاْ } محمول على التعظيم لا على الجمع. المسألة الثالثة: إن قيل: ما معنى إنه أنزل في ليلة القدر، مع العلم بأنه أنزل نجوماً؟ قلنا فيه وجوه: أحدهما: قال الشعبي: ابتداء بإنزاله ليلة القدر لأن البعث كان في رمضان والثاني: قال ابن عباس: أنزل إلى سماء الدنيا جملة ليلة القدر، ثم إلى الأرض نجوماً، كما قال: {أية : فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوٰقِعِ ٱلنُّجُومِ } تفسير : [الواقعة: 75] وقد ذكرنا هذه المسألة في قوله: {أية : شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِى أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ } تفسير : [البقرة: 185] لا يقال: فعلى هذا القول لم لم يقل: أنزلناه إلى السماء؟ لأن إطلاقه يوهم الإنزال إلى الأرض، لأنا نقول: إن إنزاله إلى السماء كإنزاله إلى الأرض، لأنه لم يكن ليشرع في أمر ثم لا يتمه، وهو كغائب جاء إلى نواحي البلد يقال: جاء فلان، أو يقال الغرض من تقريبه وإنزاله إلى سماء الدنيا أن يشوقهم إلى نزوله كمن يسمع الخبر بمجيء منشور لوالده أو أمه، فإنه يزداد شوقه إلى مطالعته كما قال: شعر : وأبرح ما يكون الشوق يوماً إذا دنت الديار من الديار تفسير : وهذا لأن السماء كالمشترك بيننا وبين الملائكة، فهي لهم مسكن ولنا سقف وزينة، كما قال: {أية : وَجَعَلْنَا ٱلسَّمَاء سَقْفاً } تفسير : [الأنبياء: 32] فإنزاله القرآن هناك كإنزاله ههنا والوجه الثالث في الجواب: أن التقدير أنزلنا هذا الذكر: في ليلة القدر أي في فضيلة ليلة القدر وبيان شرفها. المسألة الرابعة: القدر مصدر قدرت أقدر قدراً، والمراد به ما يمضيه الله من الأمور، قال: {أية : إِنَّا كُلَّ شَىْء خَلَقْنَـٰهُ بِقَدَرٍ } تفسير : [القمر: 49] والقدر، والقدر واحد إلا أنه بالتسكين مصدر وبالفتح اسم، قال الواحدي: القدر في اللغة بمعنى التقدير، وهو جعل لشيء على مساواة غيره من غير زيادة ولا نقصان، واختلفوا في أنه لم سميت هذه الليلة ليلة القدر، على وجوه أحدهما: أنها ليلة تقدير الأمور والأحكام، قال عطاء، عن ابن عباس: أن الله قدر ما يكون في كل تلك السنة من مطر ورزق وإحياء وإماتة إلى مثل هذه الليلة من السنة الآتية، ونظيره قوله تعالى: {أية : فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ } تفسير : [الدخان: 4] واعلم أن تقدير الله لا يحدث في تلك الليلة، فإنه تعالى قدر المقادير قبل أن يخلق السموات والأرض في الأزل، بل المراد إظهار تلك الليلة المقادير للملائكة في تلك الليلة بأن يكتبها في اللوح المحفوظ، وهذا القول اختيار عامة العلماء الثاني: نقل عن الزهري أنه قال: ليلة القدر ليلة العظمة والشرف من قولهم لفلان قدر عند فلان، أي منزلة وشرف، ويدل عليه قوله: {أية : لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مّنْ أَلْفِ شَهْرٍ } تفسير : [القدر: 3] ثم هذا يحتمل وجهين أحدهما: أن يرجع ذلك إلى الفاعل أي من أتى فيها بالطاعات صار ذا قدر وشرف وثانيهما: إلى الفعل أي الطاعات لها في تلك الليلة قدر زائد وشرف زائد، وعن أبي بكر الوراق سميت: ليلة القدر لأنه نزل فيها كتاب ذو قدر، على لسان ملك ذي قدر، على أمة لها قدر، ولعل الله تعالى إنما ذكر لفظة القدر في هذه السورة ثلاث مرات لهذا السبب. والقول الثالث: ليلة القدر، أي الضيق فإن الأرض تضيق عن الملائكة. المسألة الخامسة: أنه تعالى أخفى هذه الليلة لوجوه أحدها: أنه تعالى أخفاها، كما أخفى سائر الأشياء، فإنه أخفى رضاه في الطاعات، حتى يرغبوا في الكل، وأخفى الإجابة في الدعاء ليبالغوا في كل الدعوات، وأخفى الاسم الأعظم ليعظموا كل الأسماء، وأخفى في الصلاة الوسطى ليحافظوا على الكل، وأخفى قبول التوبة ليواظب المكلف على جميع أقسام التوبة، وأخفى وقت الموت ليخاف المكلف، فكذا أخفى هذه الليلة ليعظموا جميع ليالي رمضان وثانيها: كأنه تعالى يقول: لو عينت ليلة القدر، وأنا عالم بتجاسركم على المعصية، فربما دعتك الشهوة في تلك الليلة إلى المعصية، فوقعت في الذنب، فكانت معصيتك مع علمك أشد من معصيتك لا مع علمك، فلهذا السبب أخفيتها عليك، روي أنه عليه السلام دخل المسجد فرأى نائماً، فقال: يا علي نبهه ليتوضأ، فأيقظه علي، ثم قال علي: يا رسول الله إنك سباق إلى الخيرات، فلم لم تنبهه؟ قال: لأن رده عليك ليس بكفر، ففعلت ذلك لتخف جنايته لو أبى، فإذا كان هذا رحمة الرسول، فقس عليه رحمة الرب تعالى، فكأنه تعالى يقول: إذا علمت ليلة القدر فإن أطعت فيها اكتسبت ثواب ألف شهر، وإن عصيت فيها اكتسب عقاب ألف شهر، ودفع العقاب أولى من جلب الثواب وثالثها: أني أخفيت هذه الليلة حتى يجتهد المكلف في طلبها، فيكتسب ثواب الاجتهاد ورابعها: أن العبد إذا لم يتيقن ليلة القدر، فإنه يجتهد في الطاعة في جميع ليالي رمضان، على رجاء أنه ربما كانت هذه الليلة هي ليلة القدر، فيباهي الله تعالى بهم ملائكته، يقول: كنتم تقولون فيهم يفسدون ويسفكون الدماء. فهذا جده واجتهاده في الليلة المظنونة، فكيف لو جعلتها معلومة له! فحينئذ يظهر سر قوله: {أية : إِنِي أَعْلَمُ مَالاً تَعْلَمُونَ }تفسير : [البقرة:30]. المسألة السادسة: اختلفوا في أن هذه الليلة هل تستتبع اليوم؟ قال الشعبي: نعم يومها كليلتها، ولعل الوجه فيه أن ذكر الليالي يستتبع الأيام، ومنه إذا نذر اعتكاف ليلتين الزمناه بيوميهما قال تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ خِلْفَةً } أي اليوم يخلف ليلته وبالضد. المسألة السابعة: هذه الليلة هل هي باقية؟ قال الخليل: من قال إن فضلها لنزول القرآن فيها يقول انقطعت وكانت مرة، والجمهور على أنها باقية، وعلى هذا هل هي مختصة برمضان أم لا؟ روى عن ابن مسعود أنه قال: من يقم الحول يصبها، وفسرها عكرمة بليلة البراءة في قوله: {أية : إِنَّا أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةٍ مُّبَـٰرَكَةٍ } تفسير : [الدخان: 3] والجمهور على أنها مختصة برمضان واحتجوا عليه بقوله تعالى: {أية : شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِى أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ } تفسير : [البقرة: 185] وقال: {إِنَّا أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ } فوجب أن تكون ليلة القدر في رمضان لئلا يلزم التناقص، وعلى هذا القول اختلفوا في تعيينها على ثمانية أقوال، فقال ابن رزين: ليلة القدر هي الليلة الأولى من رمضان، وقال الحسن البصري: السابعة عشرة، وعن أنس مرفوعاً التاسعة عشرة، وقال محمد بن إسحق: الحادية والعشرون. وعن ابن عباس الثالثة والعشرون، وقال ابن مسعود: الرابعة والعشرون، وقال أبو ذر الغفاري: الخامسة والعشرون، وقال أبي بن كعب وجماعة من الصحابة: السابعة والعشرون، وقال بعضهم: التاسعة والعشرون. أما الذين قالوا: إنها الليلة الأولى (فقد) قالوا: روى وهب أن صحف إبراهيم أنزلت في الليلة الأولى من رمضان والتوراة ليست ليال مضين من رمضان بعد صحف إبراهيم بسبعمائة سنة، وأنزل الزبور على داود لثنتي عشرة ليلة خلت من رمضان بعد التوراة بخمسمائة عام وأنزل الإنجيل على عيسى لثمان عشرة ليلة خلت من رمضان بعد الزبور بستمائة عام وعشرين عاماً، وكان القرآن ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم في كل ليلة قدر من السنة إلى السنة كان جبريل عليه السلام ينزل به من بيت العزة من السماء السابعة إلى سماء الدنيا، فأنزل الله تعالى القرآن في عشرين شهراً في عشرين سنة، فلما كان هذا الشهر هو الشهر الذي حصلت فيه هذه الخيرات العظيمة، لا جرم كان في غاية الشرف والقدر والرتبة فكانت الليلة الأولى منه ليلة القدر، وأما الحسن البصري فإنه قال: هي ليلة سبعة عشر، لأنها ليلة كانت صبيحتها وقعة بدر، وأما التاسعة عشرة فقد روى أنس فيها خبراً، وأما ليلة السابع والعشرين فقد مال الشافعي إليه لحديث الماء والطين، والذي عليه المعظم أنها ليلة السابع والعشرين، وذكروا فيه أمارات ضعيفة أحدها: حديث ابن عباس أن السورة ثلاثون كلمة، وقوله: {هِىَ } هي السابعة والعشرون منها وثانيها: روي أن عمر سأل الصحابة ثم قال لابن عباس: غص يا غواص فقال زيد بن ثابت: أحضرت أولاد المهاجرين وماأحضرت أولادنا. فقال عمر: لعلك تقول: إن هذا غلام، ولكن عنده ما ليس عندكم. فقال ابن عباس: أحب الأعداد إلى الله تعالى الوتر أحب الوتر إليه السبعة، فذكر السموات السبع والأرضين السبع والأسبوع ودركات النار وعدد الطواف والأعضاء السبعة، فدل على أنها السابعة والعشرون وثالثها: نقل أيضاً عن ابن عباس، أنه قال: {لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ } تسعة أحرف، وهو مذكور ثلاث مرات فتكون السابعة والعشرين ورابعها: أنه كان لعثمان بن أبي العاص غلام، فقال: يا مولاي إن البحر يعذب ماؤه ليلة من الشهر، قال: إذا كانت تلك الليلة، فأعلمني فإذا هي السابعة والعشرون من رمضان. وأما من قال: إنها الليلة الأخيرة قال: لأنها هي الليلة التي تتم فيها طاعات هذا الشهر، بل أول رمضان كآدم وآخره كمحمد، ولذلك روي في الحديث "حديث : يعتق في آخر رمضان بعدد ما أعتق من أول الشهر"، تفسير : بل الليلة الأولى كمن ولد له ذكر، فهي ليلة شكر، والأخيرة ليلة الفراق، كمن مات له ولد، فهي ليلة صبر، وقد علمت فرق ما بين الصبر والشكر.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ} يعني القرآن وإن لم يجرِ له ذِكر في هذه السورة؛ لأن المعنى معلوم، والقرآن كله كالسورة الواحدة. وقد قال: { أية : شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ } تفسير : [البقرة: 185] وقال: { أية : حمۤ * وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ * إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ } تفسير : [الدخان: 1 ـ 3]، يريد: في ليلة القدر. وقال الشعبِي: المعنى إنا ابتدأنا إنزاله في ليلة القدر. وقيل: بل نزل به جبريل عليه السلام جملة واحدة في ليلة القدر، من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا، إلى بيت العزة، وأملاه جبريل على السَّفَرة، ثم كان جبريل ينزله على النبيّ صلى الله عليه وسلم نُجوماً نجوماً. وكان بين أوّله وآخره ثلاث وعشرون سنة؛ قاله ابن عباس، وقد تقدّم في سورة «البقرة». وحكى الماوَرْدِيّ عن ابن عباس قال: نزل القرآن في شهر رمضان، وفي ليلة القدر، في ليلة مباركة، جملة واحدة من عند الله، من اللوح المحفوظ إلى السَّفَرة الكرام الكاتبين في السماء الدنيا؛ فنجّمته السفرة الكرام الكاتبون على جبريل عشرين سنة، ونجمه جبريل على النبيّ صلى الله عليه وسلم عشرين سنة. قال ابن العَرَبيّ: «وهذا باطل؛ ليس بين جبريل وبين الله واسطة، ولا بين جبريل ومحمد عليهما السلام واسطة». قوله تعالى: {فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ} قال مجاهد: في ليلة الحكم. {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ } قال: ليلة الحكم. والمعنى ليلة التقدير؛ سميت بذلك لأن الله تعالى يقدّر فيها ما يشاء من أمره، إلى مثلها من السنة القابلة؛ من أمر الموت والأجل والرزق وغيره. ويسلمه إلى مدبِّرات الأمور، وهم أربعة من الملائكة: إسرافيل، وميكائيل، وعزرائيل، وجبريل؛ عليهم السلام. وعن ابن عباس قال: يُكْتَب من أم الكتاب ما يكون في السنة من رزق ومطر وحياة وموت، حَتَّى الحاجّ. قال عكرمة: يُكتب حاجّ بيت الله تعالى في ليلة القدر بأسمائهم وأسماء آبائهم، ما يُغادَر منهم أحد، ولا يُزاد فيهم. وقاله سعيد بن جبير. وقد مضى في أوّل سورة «الدخان» هذا المعنى. وعن ابن عباس أيضاً: أن الله تعالى يقضي الأقضية في ليلة نصف شعبان، ويُسْلمها إلى أربابها في ليلة القدر. وقيل: إنما سميت بذلك لعِظمِها وقَدْرها وشرفها؛ من قولهم: لفلان قَدْر؛ أي شرف ومنزلة. قاله الزُّهْرِيّ وغيره. وقيل: سُمِّيت بذلك لأن للطاعات فيها قَدْراً عظيماً، وثواباً جزيلاً. وقال أبو بكر الوراق: سميت بذلك لأن من لم يكن له قدر ولا خطر يصير في هذه الليلة ذا قدر إذا أحياها. وقيل: سميت بذلك لأنه أَنزل فيها كتاباً ذا قدر، على رسول ذي قدر، على أمة ذات قدر. وقيل: لأنه ينزل فيها ملائكة ذوو قدر وخَطَر. وقيل: لأن الله تعالى ينزل فيها الخير والبركة والمغفرة. وقال سهل: سميت بذلك لأن الله تعالى قدّر فيها الرحمة على المؤمنين. وقال الخليل: لأن الأرض تضيق فيها بالملائكة؛ كقوله تعالى: { أية : وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ } تفسير : [الطلاق: 7] أي ضُيِّق.
البيضاوي
تفسير : مختلف فيها. وآيها خمس آيات بسم الله الرحمن الرحيم {إِنَّا أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ } الضمير للقرآن فخمه بإضماره من غير ذكر شهادة له بالنباهة المغنية عن التصريح كما عظمه بأن أسند نزله إليه، وعظم الوقت الذي أنزل فيه بقوله: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مّنْ أَلْفِ شَهْرٍ } وإنزاله فيها بأن ابتدأ بإنزاله فيها، أو أنزله جملة من اللوح إلى السماء الدنيا على السفرة، ثم كان جبريل عليه الصلاة والسلام ينزله على رسول الله صلى الله عليه وسلم نجوماً في ثلاث وعشرين سنة. وقيل المعنى {أَنزَلْنَـٰهُ } في فضلها وهي في أوتار العشر الأخير في رمضان، ولعلها السابعة منها. والداعي إلى إخفائها أن يُحيي من يريدها ليالي كثيرة، وتسميتها بذلك لشرفها أو لتقدير الأمور فيها لقوله سبحانه وتعالى: {أية : فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ }تفسير : [الدخان: 4] وذكر الألف إما للتكثير، حديث : أو لما روي أنه عليه الصلاة والسلام ذكر إسرائيلياً يلبس السلاح في سبيل الله ألف شهر، فعجب المؤمنون وتقاصرت إليهم أعمالهم، فأعطوا ليلة القدر هي خير من مدة ذلك الغازيتفسير : {تَنَزَّلُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ وَٱلرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبّهِم } بيان لما له فُصِّلَتْ على ألف شهر وتنزلهم إلى الأرض، أو إلى السماء الدنيا أو تقربهم إلى المؤمنين. {مّن كُلّ أَمْرٍ } من أجل كل قدر في تلك السنة، وقرىء «من كل امرىء» أي من أجل كل إنسان. {سَلَـٰمٌ هِىَ } ما هي إلا سلامة أي لا يقدر الله فيها إلا السلامة، ويقضي في غيرها السلامة والبلاء، أو ما هي إلا سلام لكثرة ما يسلمون فيها على المؤمنين. {حَتَّىٰ مَطْلَعِ ٱلْفَجْرِ } أي وقت مطلعه أي طلوعه. وقرأ الكسائي بالكسر على أنه كالمرجع أو اسم زمان على غير قياس كالمشرق. عن النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : من قرأ سورة القدر أعطي من الأجر كمن صام رمضان وأحيا ليلة القدر».
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى: أنه أنزل القرآن ليلة القدر، وهي الليلة المباركة التي قال الله عز وجل: {أية : إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ} تفسير : [الدخان:3] وهي ليلة القدر، وهي من شهر رمضان كما قال تعالى: {أية : شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ}تفسير : [البقرة: 185] قال ابن عباس وغيره: أنزل الله القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة من السماء الدنيا، ثم نزل مفصلاً بحسب الوقائع في ثلاث وعشرين سنة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال تعالى معظماً لشأن ليلة القدر التي اختصها بإنزال القرآن العظيم فيها فقال: { وَمَآ أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ }. قال أبو عيسى الترمذي عند تفسير هذه الآية: حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا أبو داود الطيالسي، حدثنا القاسم بن الفضل الحداني عن يوسف بن سعد قال: قام رجل إلى الحسن بن علي بعدما بايع معاوية، فقال: سودت وجوه المؤمنين، أو: يا مسود وجوه المؤمنين فقال: لا تؤنبني رحمك الله، فإن النبي صلى الله عليه وسلمأري بني أمية على منبره، فساءه ذلك، فنزلت: {أية : إِنَّآ أَعْطَيْنَـٰكَ ٱلْكَوْثَرَ} تفسير : [الكوثر:1] يا محمد يعني: نهراً في الجنة، ونزلت: { إِنَّا أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ } يملكها بعدك بنو أمية يا محمد قال القاسم: فعددنا، فإذا هي ألف شهر، لا تزيد يوماً ولا تنقص. ثم قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث القاسم بن الفضل، هو ثقة وثقه، يحيى القطان وعبد الرحمن بن مهدي، قال: وشيخه يوسف بن سعد، ويقال: يوسف بن مازن، رجل مجهول، ولا يعرف هذا الحديث على هذا اللفظ إلا من هذا الوجه. وقد روى هذا الحديث الحاكم في مستدركه من طريق القاسم بن الفضل عن يوسف بن مازن به، وقول الترمذي: إن يوسف هذا مجهول، فيه نظر، فإنه قد روى عنه جماعة، منهم حماد بن سلمة وخالد الحذاء ويونس بن عبيد، وقال فيه يحيى بن معين: هو مشهور، وفي رواية عن ابن معين قال: هو ثقة. ورواه ابن جرير من طريق القاسم بن الفضل عن يوسف بن مازن، كذا قال، وهذا يقتضي اضطراباً في هذا الحديث، والله أعلم، ثم هذا الحديث على كل تقدير منكر جداً، قال شيخنا الإمام الحافظ الحجة أبو الحجاج المزي: هو حديث منكر. (قلت): وقول القاسم بن الفضل الحداني: إنه حسب مدة بني أمية، فوجدها ألف شهر، لا تزيد يوماً ولا تنقص، ليس بصحيح، فإن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه استقل بالملك حين سلم إليه الحسن بن علي الإمرة سنة أربعين، واجتمعت البيعة لمعاوية، وسمي ذلك عام الجماعة، ثم استمروا فيها متتابعين بالشام وغيرها، لم تخرج عنهم إلا مدة دولة عبد الله بن الزبير في الحرمين والأهواز وبعض البلاد قريباً من تسع سنين، لكن لم تزل يدهم عن الإمرة بالكلية، بل عن بعض البلاد، إلى أن استلبهم بنو العباس الخلاقة في سنة اثنتين وثلاثين ومئة، فيكون مجموع مدتهم اثنتين وتسعين سنة، وذلك أزيد من ألف شهر، فإن الألف شهر عبارة عن ثلاثة وثمانين سنة وأربعة أشهر، وكأن القاسم بن الفضل أسقط من مدتهم أيام ابن الزبير، وعلى هذا فيقارب ما قاله الصحة في الحساب، والله أعلم. ومما يدل على ضعف هذا الحديث أنه سيق لذم دولة بني أمية، ولو أريد ذلك، لم يكن بهذا السياق، فإن تفضيل ليلة القدر على أيامهم لا يدل على ذم أيامهم، فإن ليلة القدر شريفة جداً، والسورة الكريمة إنما جاءت لمدح ليلة القدر، فكيف تمدح بتفضيلها على أيام بني أمية التي هي مذمومة بمقتضى هذا الحديث؟ وهل هذا إلا كما قال القائل:شعر : أَلَمْ تَرَ أَنَّ السَّيْفَ يَنْقُصُ قدْرُهُ إذا قيلَ إنَّ السيفَ أَمْضى منَ العَصا تفسير : وقال آخر:شعر : إذا أَنْتَ فَضَّلْتَ امْرَأً ذا بَراعَةٍ على ناقِصٍ كان المديحُ منَ النَّقْصِ تفسير : ثم الذي يفهم من الآية: أن الألف شهر المذكورة في الآية هي أيام بني أمية، والسورة مكية، فكيف يحال على ألف شهر هي دولة بني أمية، ولا يدل عليها لفظ الآية ولا معناها، والمنبر إنما صنع بالمدينة بعد مدة من الهجرة، فهذا كله مما يدل على ضعف الحديث ونكارته، والله أعلم. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا مسلم، يعني: ابن خالد، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد: أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر رجلاً من بني إسرائيل لبس السلاح في سبيل الله ألف شهر قال: فعجب المسلمون من ذلك، قال: فأنزل الله عز وجل: {إِنَّا أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ } التي لبس ذلك الرجل السلاح في سبيل الله ألف شهر. وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا حكام بن مسلم عن المثنى بن الصباح، عن مجاهد قال: كان في بني إسرائيل رجل يقوم الليل حتى يصبح، ثم يجاهد العدو بالنهار حتى يمسي، ففعل ذلك ألف شهر، فأنزل الله هذه الآية: { لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ} قيام تلك الليلة خير من عمل ذلك الرجل. وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا يونس أخبرنا ابن وهب، حدثني مسلمة بن علي عن علي بن عروة قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً أربعة من بني إسرائيل عبدوا الله ثمانين عاماً، لم يعصوه طرفة عين، فذكر أيوب وزكريا وحزقيل بن العجوز ويوشع بن نون، قال: فعجب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك، فأتاه جبريل فقال: يا محمد عجبت أمتك من عبادة هؤلاء النفر ثمانين سنة لم يعصوه طرفة عين؟ فقد أنزل الله خيراً من ذلك، فقرأ عليه: { إِنَّا أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ } هذا أفضل مما عجبت أنت وأمتك، قال: فسر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس معه. وقال سفيان الثوري: بلغني عن مجاهد: ليلة القدر خير من ألف شهر، قال: عملها وصيامها وقيامها خير من ألف شهر، رواه ابن جرير. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا ابن أبي زائدة عن ابن جريج عن مجاهد: ليلة القدر خير من ألف شهر، ليس في تلك الشهور ليلة القدر، وهكذا قال قتادة بن دعامة والشافعي وغير واحد. وقال عمرو بن قيس الملائي: عمل فيها خير من عمل ألف شهر، وهذا القول بأنها أفضل من عبادة ألف شهر ليس فيها ليلة القدر هو اختيار ابن جرير، وهو الصواب، لا ما عداه، وهو كقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : رباط ليلة في سبيل الله خير من ألف ليلة فيما سواه من المنازل» تفسير : رواه أحمد. وكما جاء في قاصد الجمعة بهيئة حسنة، ونية صالحة: أنه يكتب له عمل سنة أجر صيامها وقيامها. إلى غير ذلك من المعاني المشابهة لذلك. وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا أيوب عن أبي قلابة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما حضر رمضان، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : قد جاءكم شهر رمضان، شهر مبارك، افترض الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه الشياطن، فيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم» تفسير : ورواه النسائي من حديث أيوب به. ولما كانت ليلة القدر تعدل عبادتها عبادة ألف شهر، ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً، غفر له ما تقدم من ذنبه»تفسير : . وقوله تعالى: { تَنَزَّلُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ وَٱلرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ} أي: يكثر تنزل الملائكة في هذه الليلة؛ لكثرة بركتها، والملائكة يتنزلون مع تنزل البركة والرحمة، كما يتنزلون عند تلاوة القرآن، ويحيطون بحلق الذكر، ويضعون أجنحتهم لطالب العلم بصدق تعظيماً له، وأما الروح، فقيل: المراد به ههنا: جبريل عليه السلام، فيكون من باب عطف الخاص على العام، وقيل: هم ضرب من الملائكة كما تقدم في سورة النبأ، والله أعلم. وقوله تعالى: {مِّن كُلِّ أَمْرٍ} قال مجاهد: سلام هي من كل أمر، وقال سعيد بن منصور: حدثنا عيسى بن يونس، حدثنا الأعمش عن مجاهد في قوله: {سَلَـٰمٌ هِىَ} قال: هي سالمة لا يستطيع الشيطان أن يعمل فيها سوءاً، أو يعمل فيها أذى، وقال قتادة وغيره: تقضى فيها الأمور، وتقدر الآجال والأرزاق؛ كما قال تعالى: {أية : فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} تفسير : [الدخان: 4] وقوله تعالى: { سَلَـٰمٌ هِىَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ ٱلْفَجْرِ} قال سعيد بن منصور: حدثنا هشيم عن أبي إسحاق عن الشعبي في قوله تعالى: { مِّن كُلِّ أَمْرٍ سَلَـٰمٌ هِىَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ ٱلْفَجْرِ } قال تسليم الملائكة ليلة القدر على أهل المساجد حتى يطلع الفجر، وروى ابن جرير عن ابن عباس أنه كان يقرأ: (من كل امرىء سلام هي حتى مطلع الفجر) وروى البيهقي في كتابه فضائل الأوقات عن علي أثراً غريباً في نزول الملائكة ومرورهم على المصلين ليلة القدر، وحصول البركة للمصلين، وروى ابن أبي حاتم عن كعب الأحبار أثراً غريباً عجيباً مطولاً جداً، في تنزل الملائكة من سدرة المنتهى صحبة جبريل عليه السلام إلى الأرض، ودعائهم للمؤمنين والمؤمنات. وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا عمران، يعني: القطان، عن قتادة عن أبي ميمونة عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في ليلة القدر: «حديث : إنها ليلة سابعة أو تاسعة وعشرين، وإن الملائكة تلك الليلة في الأرض أكثر من عدد الحصى»تفسير : . وقال الأعمش عن المنهال عن عبد الرحمن بن أبي ليلى في قوله: { مِّن كُلِّ أَمْرٍ سَلَـٰمٌ} قال: لا يحدث فيها أمر. وقال قتادة وابن زيد في قوله: {سَلَـٰمٌ هِىَ} يعني: هي خير كلها، ليس فيها شر إلى مطلع الفجر، ويؤيد هذا ما رواه الإمام أحمد: حدثنا حيوة بن شريح، حدثنا بقية، حدثني بحير بن سعد عن خالد بن معدان عن عبادة بن الصامت: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ليلة القدر في العشر البواقي، من قامهن ابتغاء حسبتهن، فإن الله يغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وهي ليلة وتر: تسع أو سبع، أو خامسة أو ثالثة، أو آخر ليلة.»تفسير : وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن أمارة ليلة القدر أنها صافية بلجة، كأن فيها قمراً ساطعاً، ساكنة ساجية، لا برد فيها ولا حر، ولا يحل لكوكب يرمى به فيها حتى تصبح، وإن أمارتها أن الشمس صبيحتها تخرج مستوية ليس لها شعاع مثل القمر ليلة البدر، ولا يحل للشيطان أن يخرج معها يومئذ» تفسير : وهذا إسناد حسن، وفي المتن غرابة، وفي بعض ألفاظه نكارة. وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا زمعة عن سلمة بن وهرام عن عكرمة عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في ليلة القدر: «حديث : ليلة سمحة طلقة بلجة، لا حارة ولا باردة، وتصبح شمس صبيحتها ضعيفة حمراء» تفسير : وروى ابن أبي عاصم النبيل بإسناده عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إني رأيت ليلة القدر فأنسيتها، وهي في العشر الأواخر من لياليها، وهي طلقة بلجة، لا حارة ولا باردة، كأن فيها قمراً، لا يخرج شيطانها حتى يضيء فجرها.»تفسير : (فصل) اختلف العلماء هل كانت ليلة القدر في الأمم السالفة، أو هي من خصائص هذه الأمة؟ على قولين: قال أبو مصعب أحمد بن أبي بكر الزهري: حدثنا مالك: أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أري أعمار الناس قبله، أو ما شاء الله من ذلك، فكأنه تقاصر أعمار أمته؛ أن لا يبلغوا من العمل الذي بلغ غيرهم في طول العمر، فأعطاه الله ليلة القدر خيراً من ألف شهر. وقد أسند من وجه آخر، وهذا الذي قاله مالك يقتضي تخصيص هذه الأمة بليلة القدر، وقد نقله صاحب العدة أحد أئمة الشافعية عن جمهور العلماء، فالله أعلم، وحكى الخطابي عليه الإجماع، ونقله الراضي جازماً به عن المذهب، والذي دل عليه الحديث أنها كانت في الأمم الماضين كما هي في أمتنا. قال الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا يحيى بن سعيد عن عكرمة بن عمار، حدثني أبو زميل سماك الحنفي، حدثني مالك بن مرثد بن عبد الله، حدثني مرثد قال: سألت أبا ذر قلت: كيف سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ليلة القدر؟ قال: أنا كنت أسأل الناس عنها، قلت: يا رسول الله أخبرني عن ليلة القدر، أفي رمضان هي، أو في غيره؟ قال: «حديث : بل هي في رمضان» تفسير : قلت: تكون مع الأنبياء ما كانوا، فإذا قبضوا رفعت، أم هي إلى يوم القيامة؟ قال: «حديث : بل هي إلى يوم القيامة» تفسير : قلت: في أي رمضان هي؟ قال: «حديث : التمسوها في العشر الأول والعشر الآخر» تفسير : ثم حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم وحدث، ثم اهتبلت غفلته، قلت: في أي العشرين هي؟ قال: «حديث : ابتغوها في العشر الأواخر، لا تسألني عن شيء بعدها.»تفسير : ثم حدث رسول الله، ثم اهتبلت غفلته فقلت: يا رسول الله أقسمت عليك بحقي عليك لما أخبرتني في أي العشر هي؟ فغضب عليَّ غضباً لم يغضب مثله منذ صحبته، وقال: «حديث : التمسوها في السبع الأواخر، لا تسألني عن شيءٍ بعدها» تفسير : ورواه النسائي عن الفلاس عن يحيى بن سعيد القطان به، ففيه دلالة على ما ذكرناه، وفيه أنها تكون باقية إلى يوم القيامة في كل سنة بعد النبي صلى الله عليه وسلم، لا كما زعمه بعض طوائف الشيعة من رفعها بالكلية على ما فهموه من الحديث الذي سنورده بعد من قوله عليه السلام: «حديث : فرفعت وعسى أن يكون خيراً لكم» تفسير : لأن المراد رفع علم وقتها عيناً. وفيه دلالة على أن ليلة القدر يختص وقوعها بشهر رمضان من بين سائر الشهور، لا كما روي عن ابن مسعود ومن تابعه من علماء أهل الكوفة من أنها توجد في جميع السنة، وترتجى في جميع الشهور على السواء. وقد ترجم أبو داود في سننه على هذا فقال: «حديث : باب بيان أن ليلة القدر في كل رمضان» تفسير : حدثنا حميد بن زنجويه النسائي، أخبرنا سعيد بن أبي مريم، حدثنا محمد بن جعفر بن أبي كثير، حدثني موسى بن عقبة عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن عبد الله بن عمر قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أسمع عن ليلة القدر، فقال: «حديث : هي في كل رمضان»تفسير : ، وهذا إسناد رجاله ثقات، إلا أن أبا داود قال: رواه شعبة وسفيان عن أبي إسحاق فأوقفاه، وقد حكي عن أبي حنيفة رحمه الله رواية أنها ترتجى في كل شهر رمضان، وهو وجه حكاه الغزالي، واستغربه الرافعي جداً. (فصل) ثم قد قيل: إنها تكون في أول ليلة من شهر رمضان، يحكى هذا عن أبي رزين، وقيل: إنها تقع ليلة سبع عشرة، وروى فيه أبو داود حديثاً مرفوعاً عن ابن مسعود، وروى موقوفاً عليه وعلى زيد بن أرقم وعثمان بن أبي العاص، وهو قول عن محمد بن إدريس الشافعي، ويحكى عن الحسن البصري، ووجهوه بأنها ليلة بدر، وكانت ليلة جمعة هي السابعة عشرة من شهر رمضان، وفي صبيحتها كانت وقعة بدر، وهي اليوم الذي قال الله تعالى فيه: {أية : يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ} تفسير : [الأنفال: 41]. وقيل: ليلة تسع عشرة، يحكى عن علي وابن مسعود أيضاً رضي الله عنهما، وقيل: ليلة إحدى وعشرين؛ لحديث أبي سعيد الخدري قال: اعتكف رسول الله صلى الله عليه وسلم في العشر الأول من رمضان، واعتكفنا معه، فأتاه جبريل فقال:إن الذي تطلب أمامك، فاعتكف العشر الأوسط، فاعتكفنا معه، فأتاه جبريل فقال: الذي تطلب أمامك، ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيباً صبيحة عشرين من رمضان فقال: «حديث : من كان اعتكف معي، فليرجع؛ فإني رأيت ليلة القدر، وإني أنسيتها، وإنها في العشر الأواخر في وتر، وإني رأيت كأني أسجد في طين وماء.»تفسير : وكان سقف المسجد جريداً من النخل، وما نرى في السماء شيئاً، فجاءت قزعة، فمطرنا، فصلى بنا النبي صلى الله عليه وسلم حتى رأيت أثر الطين والماء على جبهة رسول الله صلى الله عليه وسلم تصديق رؤياه، وفي لفظ: في صبح إحدى وعشرين، أخرجاه في الصحيحين. قال الشافعي: وهذا الحديث أصح الروايات، وقيل: ليلة ثلاث وعشرين؛ لحديث عبد الله بن أنيس في صحيح مسلم، وهو قريب السياق من رواية أبي سعيد، فالله أعلم، وقيل: ليلة أربع وعشرين، قال أبو داود الطيالسي: حدثنا حماد بن سلمة عن الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ليلة القدر ليلة أربع وعشرين» تفسير : إسناد رجاله ثقات. وقال أحمد: حدثنا موسى بن داود، حدثنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن الصنابحي عن بلال قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ليلة القدر ليلة أربع وعشرين» تفسير : ابن لهيعة ضعيف، وقد خالفه ما رواه البخاري عن أصبغ عن ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير عن أبي عبد الله الصنابحي قال: أخبرني بلال مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها أولى السبع من العشر الأواخر، فهذا الموقوف أصح، والله أعلم. وهكذا روي عن ابن مسعود وابن عباس وجابر والحسن وقتادة وعبد الله بن وهب: أنها ليلة أربع وعشرين، وقد تقدم في سورة البقرة حديث واثلة بن الأسقع مرفوعاً: «حديث : إن القرآن أنزل ليلة أربع وعشرين»تفسير : . وقيل: تكون ليلة خمس وعشرين؛ لما رواه البخاري عن عبد الله بن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : التمسوها في العشر الأواخر من رمضان؛ في تاسعة تبقى، في سابعة تبقى، في خامسة تبقى» تفسير : فسره كثيرون بليالي الأوتار، وهو أظهر وأشهر، وحمله آخرون على الأشفاع، كما رواه مسلم عن أبي سعيد: أنه حمله على ذلك، والله أعلم، وقيل: إنها تكون ليلة سبع وعشرين؛ لما رواه مسلم في صحيحه عن أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنها ليلة سبع وعشرين. قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان، سمعت عبدة وعاصماً عن زر، سألت أبي بن كعب قلت: أبا المنذر إن أخاك ابن مسعود يقول: من يقم الحول، يصب ليلة القدر، قال: يرحمه الله، لقد علم أنها في شهر رمضان، وأنها ليلة سبع وعشرين، ثم حلف، قلت: وكيف تعلمون ذلك؟ قال: بالعلامة، أو بالآية التي أخبرنا بها، تطلع ذلك اليوم لا شعاع لها، يعني: الشمس، وقد رواه مسلم من طريق سفيان بن عيينة وشعبة والأوزاعي عن عبدة عن زر عن أبي، فذكره، وفيه فقال: والله الذي لا إله إلا هو إنها لفي رمضان، يحلف ما يستثني، ووالله إني لأعلم أي ليلة القدر هي التي أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقيامها، هي ليلة سبع وعشرين، وأمارتها أن تطلع الشمس في صبيحتها بيضاء لا شعاع لها، وفي الباب عن معاوية وابن عمر وابن عباس وغيرهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها ليلة سبع وعشرين، وهو قول طائفة من السلف، وهو الجادة من مذهب الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله، وهو رواية عن أبي حنيفة أيضاً. وقد حكي عن بعض السلف أنه حاول استخراج كونها ليلة سبع وعشرين من القرآن من قوله: {هِىَ} لأنها الكلمة السابعة و العشرون من السورة، فالله أعلم. وقد قال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الدبري، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن قتادة وعاصم: أنهما سمعا عكرمة يقول: قال ابن عباس: دعا عمر بن الخطاب أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فسألهم عن ليلة القدر، فأجمعوا أنها في العشر الأواخر، قال ابن عباس: فقلت لعمر: إني لأعلم - أو: إني لأظن ــــ أي ليلة القدر هي، فقال عمر: وأي ليلة هي؟ فقلت: سابعة تمضي ــــ أو سابعة تبقى ــــ من العشر الأواخر، فقال عمر: من أين علمت ذلك؟ قال ابن عباس: فقلت: خلق الله سبع سموات، وسبع أرضين، وسبعة أيام، وإن الشهر يدور على سبع، وخلق الإنسان من سبع، ويأكل من سبع، ويسجد على سبع، والطواف بالبيت سبع، ورمي الجمار سبع؛ لأشياء ذكرها، فقال عمر: لقد فطنت لأمر ما فطنا له، وكان قتادة يزيد عن ابن عباس في قوله: ويأكل من سبع، قال: هو قول الله تعالى: {أية : فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً وَعِنَباً} تفسير : [عبس: 27 ــــ 28] الآية. وهذا إسناد جيد قوي ومتن غريب جداً، فالله أعلم. وقيل: إنها تكون في ليلة تسع وعشرين. وقال الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا سعيد بن سلمة، حدثنا عبد الله بن محمد بن عقيل عن عمر بن عبد الرحمن عن عبادة بن الصامت: أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ليلة القدر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : في رمضان، التمسوها في العشر الأواخر؛ فإنها في وتر إحدى وعشرين، أو ثلاث وعشرين، أو خمس وعشرين أو سبع وعشرين، أو تسع وعشرين، أو في آخر ليلة» تفسير : وقال الإمام أحمد: حدثنا سليمان بن داود، وهو أبو داود الطيالسي، حدثنا عمران القطان عن قتادة عن أبي ميمونة عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في ليلة القدر: «حديث : إنها في ليلة سابعة، أو تاسعة وعشرين، وإن الملائكة تلك الليلة في الأرض أكثر من عدد الحصى» تفسير : تفرد به أحمد، وإسناده لا بأس به، وقيل: إنها تكون في آخر ليلة؛ لما تقدم من هذا الحديث آنفاً، ولما رواه الترمذي والنسائي من حديث عيينة بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي بكرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : في تسع يبقين، أوسبع يبقين، أو خمس يبقين، أو ثلاث يبقين، أو آخر ليلة» تفسير : يعني: التمسوا ليلة القدر. وقال الترمذي: حسن صحيح، وفي المسند من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة القدر: «حديث : إنها آخر ليلة.»تفسير : (فصل) قال الشافعي في هذه الروايات: صدرت من النبي صلى الله عليه وسلم جواباً للسائل إذا قيل له: أنلتمس ليلة القدر في الليلة الفلانية؟ يقول: «حديث : نعم» تفسير : وإنما ليلة القدر معينة لا تنتقل. نقله الترمذي عنه بمعناه. وروي عن أبي قلابة أنه قال: ليلة القدر تنتقل في العشر الأواخر، وهذا الذي حكاه عن أبي قلابة نص عليه مالك والثوري وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو ثور والمزني وأبو بكر بن خزيمة وغيرهم، وهو محكي عن الشافعي، نقله القاضي عنه، وهو الأشبه، والله أعلم. وقد يستأنس لهذا القول بما ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن عمر: أن رجالاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أروا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر من رمضان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر، فمن كان متحريها، فليتحرها في السبع الأواخر» تفسير : وفيهما أيضاً عن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان» تفسير : ولفظه للبخاري. ويحتج للشافعي أنها لا تنتقل، وأنها معينة من الشهر، بما رواه البخاري في صحيحه عن عبادة بن الصامت قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخبرنا بليلة القدر، فتلاحى رجلان من المسلمين، فقال: «حديث : خرجت لأخبركم بليلة القدر، فتلاحى فلان وفلان، فرفعت، وعسى أن يكون خيراً لكم، فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة»تفسير : وجه الدلالة منه أنها لو لم تكن معينة مستمرة التعيين، لما حصل لهم العلم بعينها في كل سنة، إذ لو كانت تنتقل، لما علموا تعيينها إلا ذلك العام فقط، اللهم إلا أن يقال: إنه إنما خرج ليعلمهم بها تلك السنة فقط. وقوله: «حديث : فتلاحى فلان وفلان فرفعت» تفسير : فيه اسئناس لما يقال: إن المماراة تقطع الفائدة والعلم النافع؛ كما جاء في الحديث: «حديث : إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه» تفسير : وقوله: «فرفعت» أي: رفع علم تعيينها لكم، لا أنها رفعت بالكلية من الوجود كما يقوله جهلة الشيعة؛ لأنه قد قال بعد هذا: «حديث : فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة.»تفسير : وقوله: «حديث : وعسى أن يكون خيراً لكم» تفسير : يعني: عدم تعيينها لكم؛ فإنها إذا كانت مبهمة، اجتهد طلابها في ابتغائها في جميع محال رجائها، فكان أكثر للعبادة، بخلاف ما إذا علموا عينها، فإنها كانت الهمم تتقاصر على قيامها فقط، وإنما اقتضت الحكمة إبهامها؛ لتعم العبادة جميع الشهر في ابتغائها، ويكون الاجتهاد في العشر الأخير أكثر، ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله عز وجل، ثم اعتكف أزواجه من بعده، أخرجاه من حديث عائشة. ولهما عن ابن عمر: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان، وقالت عائشة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر، أحيا الليل، وأيقظ أهله، وشد المئزر. أخرجاه، ولمسلم عنها. وقيل: المراد بذلك اعتزال النساء، ويحتمل أن يكون كناية عن الأمرين؛ لما رواه الإمام أحمد: حدثنا سريج، حدثنا أبو معشر عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بقي عشر من رمضان، شد مئزره، واعتزل نساءه. انفرد به أحمد. وقد حكي عن مالك رحمه الله: أن في جميع ليالي العشر تطلب ليلة القدر على السواء، لا يترجح منها ليلة على أخرى، رأيته في شرح الرافعي رحمه الله، والمستحب الإكثار من الدعاء في جميع الأوقات، وفي شهر رمضان أكثر، وفي العشر الأخير منه، ثم في أوتاره، أكثر، والمستحب أن يكثر من هذا الدعاء: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني؛ لما رواه الإمام أحمد: حدثنا يزيد، هو ابن هارون، حدثنا الجريري، وهو سعيد بن إياس، عن عبد الله بن بريدة: أن عائشة قالت: يا رسول الله إن وافقت ليلة القدر، فما أدعو؟ قال: «حديث : قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو، فاعف عني» تفسير : وقد رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه من طريق كهمس بن الحسن عن عبد الله بن بريدة عن عائشة قالت: قلت: يا رسول الله أرأيت إن علمت أي ليلة القدر، ما أقول فيها؟ قال: «حديث : قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو، فاعف عني» تفسير : وهذا لفظ الترمذي، ثم قال: هذا حديث حسن صحيح. وأخرجه الحاكم في مستدركه، وقال: هذا صحيح على شرط الشيخين. ورواه النسائي أيضاً من طريق سفيان الثوري عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن عائشة قالت: قلت: يا رسول الله أرأيت إن وافقت ليلة القدر، ما أقول فيها؟ قال: «حديث : قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو، فاعف عني.»تفسير : (ذكر أثر غريب ونبأ عجيب يتعلق بليلة القدر) رواه الإمام أبو محمد بن أبي حاتم عند تفسير هذه السورة الكريمة، فقال: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن أبي زياد القطواني، حدثنا سيار بن حاتم، حدثنا موسى بن سعيد، يعني: الراسبي، عن هلال بن أبي جبلة، عن أبي عبد السلام عن أبيه عن كعب أنه قال: إن سدرة المنتهى على حد السماء السابعة مما يلي الجنة، فهي على حد هواء الدنيا وهواء الآخرة، علوها في الجنة، وعروقها وأغصانها من تحت الكرسي، فيها ملائكة لا يعلم عدتهم إلا الله عز وجل، يعبدون الله عز وجل على أغصانها، في كل موضع شعرة منها ملك، ومقام جبريل عليه السلام في وسطها، فينادي الله جبريل أن ينزل في كل ليلة القدر مع الملائكة الذين يسكنون سدرة المنتهى، وليس فيهم ملك إلا قد أعطي الرأفة والرحمة للمؤمنين، فينزلون مع جبريل في ليلة القدر حين تغرب الشمس، فلا تبقى بقعة في ليلة القدر إلا وعليها ملك إما ساجد، وإما قائم، يدعو للمؤمنين والمؤمنات، إلا أن تكون كنيسة أو بيعة، أو بيت نار أو وثن، أو بعض أماكنكم التي تطرحون فيها الخبث، أو بيت فيه سكران، أو بيت فيه مسكر، أو بيت فيه وثن منصوب، أو بيت فيه جرس معلق، أو مبولة، أو مكان فيه كساحة البيت، فلا يزالون ليلتهم تلك يدعون للمؤمنين والمؤمنات، وجبريل لا يدع أحداً من المؤمنين إلا صافحه، وعلامة ذلك من اقشعر جلده، ورق قلبه، ودمعت عيناه؛ فإن ذلك من مصافحة جبريل. وذكر كعب أن من قال في ليلة القدر: لا إله إلا الله، ثلاث مرات، غفر الله له بواحدة، ونجاه من النار بواحدة، وأدخله الجنة بواحدة، فقلنا لكعب الأحبار: يا أبا إسحاق صادقاً؟ فقال كعب الأحبار: وهل يقول: لا إله إلا الله، في ليلة القدر، إلا كل صادق؟ والذي نفسي بيده إن ليلة القدر لتثقل على الكافر والمنافق، حتى كأنها على ظهره جبل، فلا تزال الملائكة هكذا حتى يطلع الفجر، فأول من يصعد جبريل، حتى يكون في وجه الأفق الأعلى من الشمس، فيبسط جناحيه، وله جناحان أخضران لا ينشرهما إلا في تلك الساعة، فتصير الشمس لا شعاع لها، ثم يدعو ملكاً ملكاً، فيصعد فيجتمع نور الملائكة ونور جناحي جبريل، فلا تزال الشمس يومها ذلك متحيرة، فيقيم جبريل ومن معه بين الأرض وبين السماء الدنيا يومهم ذلك في دعاء ورحمة واستغفار للمؤمنين والمؤمنات، ولمن صام رمضان إيماناً واحتساباً، ودعا لمن حدث نفسه إن عاش إلى قابل صام رمضان لله، فإذا أمسوا، دخلوا إلى السماء الدنيا، فيجلسون حلقاً حلقاً، فتجتمع إليهم ملائكة سماء الدنيا، فيسألونهم عن رجل رجل، وعن امرأة امرأة، فيحدثونهم حتى يقولوا: ما فعل فلان؟ وكيف وجدتموه العام؟ فيقولون: وجدنا فلاناً عام أول في هذه الليلة متعبداً، ووجدناه العام مبتدعاً، ووجدنا فلاناً مبتدعاً، ووجدناه العام عابداً، قال: فيكفون عن الاستغفار لذلك، ويقبلون على الاستغفار لهذا، ويقولون: وجدنا فلاناً وفلاناً يذكران الله، ووجدنا فلاناً راكعاً، وفلاناً ساجداً، ووجدناه تالياً لكتاب الله، قال: فهم كذلك يومهم وليلتهم، حتى يصعدون إلى السماء الثانية، ففي كل سماء يوم وليلة، حتى ينتهوا مكانهم من سدرة المنتهى، فتقول لهم سدرة المنتهى: يا سكاني حدثوني عن الناس، وسموهم لي، فإن لي عليكم حقاً، وإني أحب من أحب الله، فذكر كعب الأحبار أنهم يعدون لها، ويحكون لها الرجل والمرأة بأسمائهم وأسماء آبائهم، ثم تقبل الجنة على السدرة، فتقول: أخبريني بما أخبرك سكانك من الملائكة، فتخبرها. قال: فتقول الجنة: رحمة الله على فلان، ورحمة الله على فلانة، اللهم عجلهم إلي، فيبلغ جبريل مكانه قبلهم، فيلهمه الله فيقول: وجدت فلاناً ساجداً، فاغفر له، فيغفر له، فيسمع جبريل جميع حملة العرش فيقولون: رحمة الله على فلان، ورحمة الله على فلانة، ومغفرته لفلان، ويقول: يا رب وجدت عبدك فلاناً الذي وجدته عام أول على السنة والعبادة، ووجدته العام قد أحدث حدثاً، وتولى عما أمر به، فيقول الله: يا جبريل إن تاب، فأعتبني قبل أن يموت بثلاث ساعات، غفرت له. فيقول جبريل: لك الحمد إلهي أنت أرحم من جميع خلقك، وأنت أرحم بعبادك من عبادك بأنفسهم، قال: فيرتج العرش وما حوله، والحجب والسموات ومن فيهن، تقول: الحمد لله الرحيم. قال: وذكر كعب: أنه من صام رمضان، وهو يحدث نفسه إذا أفطر بعد رمضان أن لا يعصي الله، دخل الجنة بغير مسألة ولا حساب آخر تفسير سورة ليلة القدر. ولله الحمد والمنة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّآ أَنزَلْنَٰهُ } أي القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا {فِى لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ } أي الشرف والعظم.
الشوكاني
تفسير : الضمير في: {أنزلناه} للقرآن، وإن لم يتقدّم له ذكر. أنزل جملة واحدة في ليلة القدر إلى سماء الدنيا من اللوح المحفوظ، وكان ينزل على النبيّ صلى الله عليه وسلم نجوماً على حسب الحاجة، وكان بين نزول أوّله وآخره على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث وعشرون سنة، وفي آية أخرى: {أية : إِنَّا أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةٍ مُّبَـٰرَكَةٍ } تفسير : [الدخان: 3] وهي: ليلة القدر؛ وفي آية أخرى: {أية : شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِى أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ } تفسير : [البقرة: 185] وليلة القدر في شهر رمضان. قال مجاهد: في ليلة القدر ليلة الحكم. {وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ } ليلة الحكم، قيل سميت ليلة القدر لأن الله سبحانه يقدّر فيها ما شاء من أمره إلى السنة القابلة. وقيل: إنها سميت بذلك لعظيم قدرها وشرفها، من قولهم: لفلان قدر، أي: شرف ومنزلة، كذا قال الزهري. وقيل: سميت بذلك لأن للطاعات فيها قدراً عظيماً، وثواباً جزيلاً. وقال الخليل: سميت ليلة القدر؛ لأن الأرض تضيق فيها بالملائكة، كقوله: {أية : وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ }تفسير : [الطلاق: 7] أي ضيق. وقد اختلف في تعيين ليلة القدر على أكثر من أربعين قولاً، قد ذكرناها بأدلتها، وبينا الراجح منها في شرحنا للمنتقى. {وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ } هذا الاستفهام فيه تفخيم لشأنها حتى كأنها خارجة عن دراية الخلق لا يدري بها إلاّ الله سبحانه. قال سفيان: كلّ ما في القرآن من قوله: وما أدراك، فقد أدراه، وكلّ ما فيه {أية : وما يدريك}تفسير : [عبس: 3]، فلم يدره، وكذا قال الفراء. والمعنى: أيّ شيء تجعله دارياً بها؟ وقد قدّمنا الكلام في إعراب هذه الجملة في قوله {أية : وَمَا أَدْرَاكَ مَا ٱلْحَاقَّةُ }تفسير : [الحاقة: 3] ثم قال: {لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مّنْ أَلْفِ شَهْرٍ } قال كثير من المفسرين، أي: العمل فيها خير من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر. واختار هذا الفراء، والزجاج، ولك أن الأوقات إنما يفضل بعضها على بعض بما يكون فيها من الخير والنفع. فلما جعل الله الخير الكثير في ليلة كانت خيراً من ألف شهر لا يكون فيها من الخير والبركة ما في هذه الليلة. وقيل: أراد بقوله ألف شهر جميع الدهر؛ لأن العرب تذكر الألف في كثير من الأشياء على طريق المبالغة. وقيل: وجه ذكر الألف الشهر أن العابد كان فيما مضى لا يسمى عابداً حتى يعبد الله ألف شهر، وذلك ثلاث وثمانون سنة وأربعة أشهر، فجعل الله سبحانه لأمة محمد عبادة ليلة خيراً من عبادة ألف شهر كانوا يعبدونها. وقيل: إنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم رأى أعمار أمته قصيرة، فخاف أن لا يبلغوا من العمل مثل ما بلغ غيرهم في طول العمر، فأعطاه الله ليلة القدر وجعلها خيراً من ألف شهر لسائر الأمم. وقيل: غير ذلك مما لا طائل تحته. وجملة: {تَنَزَّلُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ وَٱلرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبّهِم } مستأنفة مبينة لوجه فضلها موضحة للعلة التي صارت بها خيراً من ألف شهر. وقوله: {بِإِذْنِ رَبّهِمْ } يتعلق بـ {تنزل}، أو بمحذوف، هو حال، أي: ملتبسين بإذن ربهم، والإذن الأمر، ومعنى {تنزل}: تهبط من السماوات إلى الأرض. والروح هو جبريل عند جمهور المفسرين، أي: تنزل الملائكة ومعهم جبريل، ووجه ذكره بعد دخوله في الملائكة التعظيم له والتشريف لشأنه. وقيل الرّوح صنف من الملائكة هم أشرافهم. وقيل هم جند من جنود الله من غير الملائكة. وقيل: الروح الرحمة، وقد تقدّم الخلاف في الروح عند قوله: {أية : يَوْمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ صَفّاً }تفسير : [النبأ: 38]. قرأ الجمهور: {تنزل} بفتح التاء، وقرأ طلحة بن مصرف، وابن السميفع بضمها على البناء للمفعول، وقوله: {مّن كُلّ أَمْرٍ } أي: من أجل كلّ أمر من الأمور التي قضى الله بها في تلك السنة. وقيل: إن {من} بمعنى اللام، أي: لكلّ أمر. وقيل: هي بمعنى الباء، أي: بكلّ أمر، قرأ الجمهور: {أمر} وهو واحد الأمور، وقرأ عليّ، وابن عباس، وعكرمة، والكلبي: (امرىء) مذكر امرأة، أي: من أجل كلّ إنسان، وتأولها الكلبي على أن جبريل ينزل مع الملائكة، فيسلمون على كلّ إنسان، فمن على هذا بمعنى على، والأوّل أولى. وقد تمّ الكلام عند قوله من كلّ أمر، ثم ابتدأ فقال: {سَلَـٰمٌ هِىَ } أي: ما هي إلاّ سلامة وخير كلها لا شرّ فيها. وقيل: هي ذات سلامة من أن يؤثر فيها شيطان في مؤمن أو مؤمنة. قال مجاهد: هي ليلة سالمة لا يستطيع الشيطان أن يعمل فيها سوءاً ولا أذى. وقال الشعبي: هو تسليم الملائكة على أهل المساجد من حين تغيب الشمس إلى أن يطلع الفجر يمرّون على كلّ مؤمن ويقولون السلام عليك أيها المؤمن. وقيل: يعني سلام الملائكة بعضهم على بعض. قال عطاء: يريد سلام على أولياء الله، وأهل طاعته: {حَتَّىٰ مَطْلَعِ ٱلْفَجْرِ } أي: حتى وقت طلوعه. قرأ الجمهور: {مطلع} بفتح اللام. وقرأ الكسائي، وابن محيصن بكسرها. فقيل: هما لغتان في المصدر، والفتح أكثر نحو المخرج والمقتل. وقيل: بالفتح اسم مكان، وبالكسر المصدر. وقيل: العكس، و"حتى" متعلقة يتنزل على أنها غاية لحكم التنزل، أي: لمكثهم في محل تنزلهم بأن لا ينقطع تنزلهم فوجاً بعد فوج إلى طلوع الفجر. وقيل متعلقة بـ {سلام} بناءً على أن الفصل بين المصدر، ومعموله بالمبتدأ مغتفر. وقد أخرج ابن الضريس، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله: {إِنَّا أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ } قال: أنزل القرآن في ليلة القدر حتى وضع في بيت العزّة في السماء الدنيا، ثم جعل جبريل ينزل على محمد بجواب كلام العباد وأعمالهم. وأخرج عبد بن حميد عن أنس قال: العمل في ليلة القدر، والصدقة، والصلاة، والزكاة أفضل من ألف شهر. وأخرج الترمذي وضعفه، وابن جرير، والطبراني، والحاكم، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل عن الحسن بن عليّ بن أبي طالب أن النبيّ صلى الله عليه وسلم أري بني أمية على منبره، فساءه ذلك، فنزلت: {أية : إِنَّا أَعْطَيْنَـٰكَ ٱلْكَوْثَرَ }تفسير : [الكوثر: 1] يا محمد. يعني نهراً في الجنة، ونزلت: {إِنَّا أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ * لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مّنْ أَلْفِ شَهْرٍ } يملكها بعدك بنو أمية. قال القاسم: فعددنا فإذا هي ألف شهر لا تزيد يوماً، ولا تنقص يوماً، والمراد بالقاسم هو القاسم بن الفضل المذكور في إسناده. قال الترمذي: إن يوسف هذا مجهول، يعني يوسف بن سعد الذي رواه عن الحسن بن عليّ. قال ابن كثير: فيه نظر، فإنه قد روى عنه جماعة: منهم حماد بن سلمة، وخالد الحذاء، ويونس بن عبيد. وقال فيه يحيى بن معين هو مشهور. وفي رواية عن ابن معين قال: هو ثقة، ورواه ابن جرير من طريق القاسم بن الفضل عن عيسى بن مازن. قال ابن كثير، ثمّ هذا الحديث على كلّ تقدير منكر جداً. قال المزي: هو حديث منكر، وقول القاسم بن الفضل إنه حسب مدة بني أمية فوجدها ألف شهر لا تزيد، ولا تنقص ليس بصحيح، فإن جملة مدّتهم من عند أن استقلّ بالملك معاوية، وهي سنة أربعين إلى أن سلبهم الملك بنو العباس، وهي سنة اثنين وثلاثين ومائة مجموعها اثنتان وتسعون سنة. وأخرج الخطيب في تاريخه عن ابن عباس نحو ما روي عن الحسن بن عليّ. وأخرج الخطيب عن سعيد بن المسيب مرفوعاً مرسلاً نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن مردويه، عن ابن عباس في قوله: {سَلَـٰمٌ } قال: في تلك الليلة تصفد مردة الشياطين، وتغلّ عفاريت الجنّ، وتفتح فيها أبواب السماء كلها، ويقبل الله فيها التوبة لكلّ تائب، فلذا قال: {سَلَـٰمٌ هِىَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ ٱلْفَجْرِ } قال: وذلك من غروب الشمس إلى أن يطلع الفجر، والأحاديث في فضل ليلة القدر كثيرة، وليس هذا موضع بسطها، وكذلك الأحاديث في تعيينها، والاختلاف في ذلك.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى {إنا أنزلناه في ليلة القدر} فيه وجهان: أحدهما: يعني جبريل، أنزله الله في ليلة القدر بما نزل به من الوحي. الثاني: يعني القرآن؛ وفيه قولان: أحدهما: ما روى ابن عباس قال: نزل القرآن في رمضان وفي ليلة القدر في ليلة مباركة جملة واحدة من عند الله تعالى في اللوح المحفوظ إلى السفرة الكرام الكاتبين في السماء الدنيا، فنجمته السفرة على جبريل في عشرين ليلة، ونجمه جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم في عشرين سنة، وكان ينزل على مواقع النجوم أرسالاً في الشهور والأيام. القول الثاني: أن الله تعالى ابتدأ بإنزاله في ليلة القدر، قاله الشعبي. واختلف في ليلة القدر مع اتفاقهم أنها في العشر الأواخر من رمضان، وأنها في وتر العشر أوجد، إلا ابن عمر فإنه زعم أنها في الشهر كله. فذهب الشافعي رحمه الله إلى أنها في إحدى وعشرين أو ثلاث وعشرين لحديث أبي سعيد الخدري، وذهب أبيّ بن كعب وابن عباس إلى أنها في ليلة سبع وعشرين. واختلف في الدليل، فاستدل أبيّ بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: حديث : من علامتها أن تصبح الشمس لا شعاع لها تفسير : ، قال: وقد رأيت ذلك في صبيحة سبع وعشرين، واستدل ابن عباس بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: سورة القدر ثلاثون كلمة فهي في قوله " سلام " و " هي " الكلمة السابعة والعشرون، فدل أنها فيها. وقال آخرون: هي في ليلة أربع وعشرين للخبر المروي في تنزيل الصحف، وقال آخرون: إن الله تعالى ينقلها في كل عام من ليلة إلى أخرى ليكون الناس في جميع العشر مجتهدين، ولرؤيتها متوقعين. وفي تسميتها ليلة القدر أربعة أوجه: أحدها: لأن الله تعالى قدر فيها إنزال القرآن. الثاني: لأن الله تعالى يقدر فيها أمور السنة، أي يقضيها، وهو معنى قول مجاهد. الثالث: لعظم قدرها وجلالة خطرها، من قولهم رجل له قدر، ذكره ابن عيسى. الرابع: لأن للطاعات فيها قدراً عظيماً وثواباً جزيلاً. {وما أدْراكَ ما لَيْلَةُ القَدْرِ} تنبيهاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم على فضلها، وحثّاً على العمل فياه، قال الشعبي: وليلتها كيومها، ويومها كليلتها. قال الفراء: كل ما في القرآن من قوله تعالى: "وما أدراك" فقد أدراه، وما كان من قوله "وما يدريك" فلم يدره. قال الضحاك: لا يقدر الله في ليلة القدر إلا السعادة والنعم، ويقدر في غيرها البلايا والنقم، وقال عكرمة: كان ابن عباس يسمي ليلة القدر ليلة التعظيم، وليلة النصف من شعبان ليلة البراءة، وليلتي العيدين ليلة الجائزة. {ليلةُ القدْرِ خيرٌ من أَلْفِ شَهْرٍ} فيه ستة أقاويل: أحدها: ليلة القدر خير من عمر ألف شهر، قاله الربيع. الثاني: أن العمل في ليلة القدر خير من العمل في غيرها ألف شهر، قاله مجاهد. الثالث: أن ليلة القدر خير من ألف شهر ليس فيها ليلة القدر، قاله قتادة. الرابع: أنه كان رجل في بني إسرائيل يقوم الليل حتى يصبح ثم يجاهد العدوّ حتى يمسي، ففعل ذلك ألف شهر، فأخبر الله تعالى أن قيام ليلة القدر خير من عمل ذلك الرجل ألف شهر، رواه ابن أبي نجيح ومجاهد. الخامس: أن ملك سليمان كان خمسمائة شهر،وملك ذي القرنين كان خمسمائة شهر، فصار ملكهما ألف شهر، فجعل العمل في ليلة القدر خيراً من زمان ملكهما. {تَنَزَّلُ الملائكةُ والرُّوحُ فيها} قال أبو هريرة: الملائكة في ليلة القدر في الأرض أكثر من عدد الحصى. وفي " الروح" ها هنا أربعة أقاويل: أحدها: جبريل عليه السلام، قاله سعيد بن جبير. الثاني: حفظة الملائكة، قاله ابن أبي نجيح. الثالث: أنهم أشرف الملائكة وأقربهم من الله، قاله مقاتل. الرابع: أنهم جند من اللـه من غير الملائكة، رواه مجاهد عن ابن عباس مرفوعاً. ويحتمل إن لم يثبت فيه نص قولاً خامساً: أن الروح والرحمة تنزل بها الملائكة على أهلها، دليله قوله تعالى: {ينزّل الملائكة بالرُّوح من أمْره على من يشَاءُ من عباده} أي بالرحمة. {بإذْن ربِّهم} يعني بأمر ربهم. {مِن كل أمْرٍ} يعني يُقضى في تلك الليلة من رزق وأجل إلى مثلها من العام القابل. وقرأ ابن عباس: من كل امرىء، فتأولها الكلبي على أن جبريل ينزل فيها مع الملائكة فيسلمون على كل امرىء مسلم. {سلامٌ هي حتى مطلع الفَجْر} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أن ليلة القدر هي ليلة سالمة من كل شر، لا يحدث فيها حدث ولا يرسل فيها شيطان، قاله مجاهد. الثاني: أن ليلة القدر هي سلام وخير وبركة، قاله قتادة. الثالث: أن الملائكة تسلم على المؤمنين في ليلة القدر إلى مطلع الفجر، قاله الكلبي.
ابن عطية
تفسير : الضمير في {أنزلناه} للقرآن وإن لم يتقدم ذكره لدلالة المعنى عليه، فقال ابن عباس وغيره: أنزله الله تعالى {ليلة القدر} إلى السماء الدنيا جملة، ثم نجمه على محمد صلى الله عليه وسلم في عشرين سنة، وقال الشعبي وغيره: {إنا} ابتدأنا إنزال هذا القرآن إليك {في ليلة القدر}، وقد روي أن نزول الملك في حراء كان في العشر الأواخر من رمضان، فيستقيم هذا التأويل وقد روي أنه قد نزل في الرابع عشر من رمضان، فلا يستقيم هذا التأويل إلا على قول من يقول إن ليلة القدر تستدير الشهر كله ولا تختص بالعشر الأواخر، وهو قول ضعيف، حديث النبي صلى الله عليه وسلم يرده في قوله: "حديث : فالتمسوها في العشر الأواخر من رمضان" تفسير : وقال جماعة من المتأولين معنى قوله: {إنا أنزلناه في ليلة القدر} إنا أنزلنا هذه السورة في شأن ليلة القدر وفي فضلها، وإذا كانت السورة من القرآن جاء الضمير للقرآن تفخيماً وتحسيناً، فقوله تعالى: {في ليلة} هو قول عمر بن الخطاب: لقد خشيت أن ينزل في قرآن ليلة نزول سورة الفتح، ونحو قول عائشة في حديث الإفك: لأنا أحقر في نفسي من أن ينزل في قرآن، و {ليلة القدر}: هي ليلة خصها الله تعالى بفضل عظيم وجعلها أفضل {من ألف شهر}، لا ليلة قدر فيها، وقاله مجاهد وغيره، وخصت هذه الأمة بهذه الفضيلة لما رأى محمد عليه السلام أعمال أمته فتقاصرها، وقوله تعالى: {وما أدراك ما ليلة القدر} ليلة القدر عبارة عن تفخيم لها، ثم أدراه تعالى بعد قوله: {ليلة القدر خير}، قال ابن عيينة في صحيح البخاري ما كان في القرآن: {وما أدراك} فقد أعلمه، وما قال: "وما يدريك" فإنه لم يعلم، وذكر ابن عباس وقتادة وغيره: أنها سميت ليلة القدر، لأن الله تعالى يقدر فيها الآجال والأرزاق وحوادث العالم كلها ويدفع ذلك إلى الملائكة لتمتثله، وقد روي مثل هذا في ليلة النصف من شعبان، ولهذا ظواهر من كتاب الله عز وجل على نحو قوله تعالى: {أية : فيها يفرق كل أمر حكيم} تفسير : [الدخان: 4]، وأما الصحة المقطوع بها فغير موجودة، وقال الزهري معناه: ليلة القدر العظيم والشرف الشأن، من قولك: رجل له قدر، وقال أبو بكر الوراق: سميت ليلة القدر لأنها تكسب من أحياها قدراً عظيماً لم يكن من قبل، وترده عظيماً عند الله تعالى، وقيل سميت بذلك لأن كل العمل فيها له قدر خطير، وليلة القدر مستديرة في أوتار العشر الأواخر من رمضان، هذا هو الصحيح المعول عليه، وهي في الأوتار بحسب الكمال والنقصان في الشهر، فينبغي لمرتقبها أن يرتقبها من ليلة عشرين في كل ليلة إلى آخر الشهر، لأن الأوتار مع كمال الشهر، ليست الأوتار مع نقصانه، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الثالثة تبقى لخامسة تبقى، لسابعة تبقى" تفسير : ، وقال: "حديث : التمسوها في الثالثة والخامسة والسابعة والتاسعة" تفسير : ، وقال مالك: يريد بالتاسعة ليلة إحدى وعشرين، وقال ابن حبيب: يريد مالك إذا كان الشهر ناقصاً، فظاهر هذا أنه عليه السلام احتاط في كمال شهر ونقصانه، وهذا لا تتحصل معه الليلة إلا بعمارة العشر كله، وروي عن أبي حنيفة وقوم: أن ليلة القدر رفعت، وهذا قول مردود، وإنما رفع تعيينها، وقال ابن مسعود: من يقم السنة كلها يصبها، وقال أبو رزين هي أول ليلة من شهر رمضان، وقال الحسن: هي ليلة سبع عشرة، وهي التي كانت في صبيحتها وقعة بدر، وقال كثير من العلماء: هي ليلة ثلاثة وعشرين، وهي رواية عبد الله بن أنيس الجهني، وقاله ابن عباس، وقال أيضاً هو وجماعة من الصحابة: هي ليلة سبع وعشرين، واستدل ابن عباس على قوله بأن الإنسان خلق من سبع وجعل رزقه في سبع، واستحسن ذلك عمر رضي الله عنه، وقال زيد بن ثابت وبلال: هي ليلة أربع عشرين، وقال بعض العلماء: أخفاها الله تعالى عن عباده ليجدوا في العمل ولا يتكلوا على فضلها ويقصروا في غيرها، ثم عظم تعالى أمر ليلة القدر على نحو قوله: {أية : وما أدراك ما الحاقة} تفسير : [الحاقة: 2] وغير ذلك، ثم أخبر أنها أفضل لمن عمل فيها عملاً {من ألف شهر}، وهي ثمانون سنة وثلاثة أعوام وثلث عام. وروي عن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما أنه قال حين عوتب في تسليمه الأمر لمعاوية: إن الله تعالى أرى نبيه في المنام بني أمية ينزون على منبره نزو القردة، فاهتم لذلك فأعطاه الله ليلة القدر، وهي خير من مدة ملك بني أمية، وأعلمه أنهم يملكون الناس هذا القدر من الزمان. قال القاضي أبو محمد: ثم كشف الغيب أن كان من سنة الجماعة إلى قتل مروان الجعدي هذا القدر من الزمان بعينه مع أن القول يعارضه أنه قد ملك بنو أمية في غرب الأرض مدة غير هذه، وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : من قام ليلة القدر إيماناًَ واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه" تفسير : و {الروح} هو جبريل وقيل: هم صنف حفظة الملائكة وقوله تعالى: {بإذن ربهم من كل أمر} اختلف الناس في معناه، فمن قال إن في هذه الليلة تقدر الأمور للملائكة قال: إن هذا التنزل لذلك، و {من} لابتداء الغاية أي نزولهم من أجل هذه الأمور المقدرة وسببها، ويحيء {سلام} خبراً بنداء مستأنفاً أي سلام هذه الليلة إلى أول يومها، وهذا قول نافع المقرىء والفراء وأبي العالية، وقال بعضهم {من} بمعنى الباء أي بكل أمر، ومن لم يقل بقدر الأمور في تلك الليلة قال معنى الآية {تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم} بالرحمة والغفران والفواضل، ثم جعل قوله {من كل أمر} متعلقاً بقوله: {سلام هي} أي من كل مخوف ينبغي أن يسلم منه فهي سلام، وقال مجاهد: لا يصيب أحداً فيها داء، وقال الشعبي ومنصور: {سلام} بمعنى التحية أي تسلم الملائكة على المؤمنين، وقرأ ابن عباس وعكرمة والكلبي: " من كل امرىء" أي يسلم فيها من كل امرىء سوء، فهذا على أن سلاماً بمعنى سلامة، وروي عنه أن سلاماً بمعنى تحية، "وكل امرىء" يراد بهم الملائكة أي من كل ملك تحية على المؤمنين، وهذا للعاملين فيها بالعبادة، وذهب من يقول بانتهاء الكلام في قوله: {سلام} إلى أن قوله {هي} إنما هذا إشارة إلى أنها ليلة سبع وعشرين من الشهر، إذ هذه الكلمة هي السابعة والعشرون من كلمات السورة، وذكر هذا الغرض ابن بكير وأبو بكر الوراق والنقاش عن ابن عباس، وقرأ جمهور السبعة: "حتى مطلَع الفجر" بفتح اللام، وقرأ الكسائي والأعمش وأبو رجاء وابن محيصن وطلحة: "حتى مطلِع" بكسر اللام، فقيل هما بمعنى مصدران في لغة بني تميم، وقيل الفتح المصدر والكسر موضع الطلوع عند أهل الحجاز، والقراءة بالتفح أوجه على هذا القول، والأخرى تتخرج على تجوز كان الوقت ينحصر في ذلك الموضع ويتم فيه، ويتجه الكسر على وجه آخر، وهو أنه قد شذ من هذه المصادر ما كسر كالمعجزة، وقولهم علاه المكبر بفتح الميم وكسر الباء، ومنه المحيض فيجري المطلع مصدراً مجرى ما شذ، وفي حرف أبيّ بن كعب رضي الله عنه: "سلام هي إلى مطلع الفجر".
ابن عبد السلام
تفسير : {أَنزَلْنَاهُ} جبريل عليه السلام أو القرآن نزل {فِى لَيْلَةِ الْقَدْرِ} في شهر رمضان في ليلة مباركة من اللوح المحفوظ إلى السفرة الكاتبين في السماء الدنيا فنجمته السفرة على جبريل عليه السلام عشرين ليلة ونجمه جبريل عليه السلام على الرسول صلى الله عليه وسلم في عشرين سنة فكان ينزل أرسالاً على مواقع النجوم في الشهر والأيام "ع" أو ابتدأ الله تعالى بإنزاله في ليلة القدر قاله الشعبي وليلة القدر في الشهر كله أو في العشر الأواخر ليلة الحادي والعشرين أو الثالث والعشرين أو السابع والعشرين "ع" أو الرابع والعشرين أو تنقل في كل عام من ليلة [إلى] أخرى {الْقَدْرِ} لأن الله تعالى قدر فيها [إنزال القرآن] أو لأنه يقدر فيها أمور السنة أو لعظم قدرها أو لعظم قدر الطاعات فيها وجزيل ثوابها.
النسفي
تفسير : مكية وقيل مدنية وهي خمس آيات بسم الله الرحمن الرحيم {إِنَّا أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ } عظم القرآن حيث أسند إنزاله إليه دون غيره. وجاء بضميره دون اسمه الظاهر للاستغناء عن التنبيه عليه ورفع مقدار الوقت الذي أنزله فيه. روي أنه أنزل جملة في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، ثم كان ينزله جبريل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاث وعشرين سنة. ومعنى ليلة القدر ليلة تقدير الأمور وقضائها. والقدر بمعنى التقدير، أو سميت بذلك لشرفها على سائر الليالي وهي ليلة السابع والعشرين من رمضان، كذا روى أبو حنيفة رحمه الله عن عاصم عن ذرّ أن أبيّ بن كعب كان يحلف على ليلة القدر أنها ليلة السابع والعشرين من رمضان وعليه الجمهور. ولعل الداعي إلى إخفائها أن يحيى من يريدها الليالي الكثيرة طلباً لموافقتها، وهذا كإخفاء الصلاة الوسطى، واسمه الأعظم، وساعة الإجابة في الجمعة، ورضاه في الطاعات، وغضبه في المعاصي. وفي الحديث: «حديث : من أدركها يقول اللهم إنك عفوٌّ تحب العفو فاعف عني»تفسير : {وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ } أي لم تبلغ درايتك غاية فضلها. ثم بين له ذلك بقوله {لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مّنْ أَلْفِ شَهْرٍ } ليس فيها ليلة القدر. وسبب ارتفاع فضلها إلى هذه الغاية ما يوجد فيها من تنزل الملائكة والروح وفصل كل أمر حكيم. وذكر في تخصيص هذه المدة أن النبي عليه الصلاة والسلام ذكر رجلاً من بني إسرائيل لبس السلاح في سبيل الله ألف شهر فعجب المؤمنون من ذلك وتقاصرت إليهم أعمالهم فأعطوا ليلة هي خير من مدة ذلك الغازي {تَنَزَّلُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ } إلى السماء الدنيا أو إلى الأرض {وَٱلرُّوحُ } جبريل أو خلق من الملائكة لا تراهم الملائكة إلا تلك الليلة أو الرحمة {فِيهَا بِإِذْنِ رَبّهِم مّن كُلّ أَمْرٍ } أي تنزل من أجل كل أمر قضاه الله لتلك السنة إلى قابل وعليه وقف {سَلَـٰمٌ هِىَ } ما هي إلا سلامة خبر ومبتدأ أي لا يقدّر الله فيها إلا السلامة والخير ويقضي في غيرها بلاء وسلامة، أو ما هي إلا سلام لكثرة ما يسلمون على المؤمنين. قيل: لا يلقون مؤمناً ولا مؤمنة إلا سلموا عليه في تلك الليلة {حَتَّىٰ مَطْلَعِ ٱلْفَجْرِ } أي إلى وقت طلوع الفجر. بكسر اللام: علي وخلف، وقد حرم من السلام الذين كفروا والله أعلم.
الخازن
تفسير : قوله عزّ وجلّ: {إنا أنزلناه} يعني القرآن كناية عن غير مذكور {في ليلة القدر} وذلك أن الله تعالى أنزل القرآن العظيم جملة واحدة من اللّوح المحفوظ إلى السّماء الدّنيا ليلة القدر فوضعه في بيت العزة، ثم نزل به جبريل عليه السّلام على النبي صلى الله عليه وسلم نجوماً متفرقة في مدة ثلاث وعشرين سنة، فكان ينزل بحسب الوقائع، والحاجة إليه، وقيل إنما أنزله إلى السّماء الدّنيا لشرف الملائكة بذلك ولأنها كالمشترك بيننا وبين الملائكة، فهي لهم سكن ولنا سقف وزينة وسميت ليلة القدر لأن فيها تقدير الأمور، والأحكام، والأرزاق، والآجال، وما يكون في تلك السنة إلى مثل هذه اللّيلة من السّنة المقبلة يقدر الله ذلك في بلاده وعباده، ومعنى هذا أن الله يظهر ذلك لملائكته ويأمرهم بفعل ما هو من وظيفتهم بأن يكتب لهم ما قدره في تلك السنة ويعرفهم إيّاه، وليس المراد منه أن يحدثه في تلك اللّيلة لأن الله تعالى قدر المقادير قبل أن يخلق السّموات والأرض في الأزل، قيل للحسين بن الفضل أليس قد قدر الله المقادير قبل أن يخلق السّموات والأرض قال: نعم قيل له فما معنى ليلة القدر قال سوق المقادير إلى المواقيت وتنفيذ القضاء المقدر، وقيل سميت ليلة القدر لعظم قدرها وشرفها على اللّيالي من قولهم لفلان قدر عند الأمير، أي منزلة وجاه، وقيل سميت بذلك لأن العمل الصّالح يكون فيها ذا قدر عند الله لكونه مقبولاً، وقيل سميت بذلك لأن الأرض تضيق بالملائكة فيها. (فصل في فضل ليلة القدر وما ورد فيها) (ق) عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه"تفسير : ، واختلف العلماء في وقتها فقال بعضهم إنها كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم رفعت لقوله صلى الله عليه وسلم حين تلاحى الرجلان "حديث : إني خرجت لأخبركم بليلة القدر فتلاحى فلان وفلان فرفعت وعسى أن يكون خيراً لكم"تفسير : وهذا غلط ممن قال بهذا القول لأن آخر الحديث يرد عليهم فإنه صلى الله عليه وسلم قال في آخره "حديث : فالتمسوها في العشر الأواخر في التاسعة والسابعة والخامسة"تفسير : ، فلو كان المراد رفع وجودها لم يأمر بالتماسها وعامة الصّحابة والعلماء فمن بعدهم على أنها باقية إلى يوم القيامة، روي عن عبد الله بن خنيس مولى معاوية قال قلت لأبي هريرة زعموا أن ليلة القدر رفعت قال كذب من قال ذلك قلت هي في كل شهر رمضان استقبله قال نعم. ومن قال ببقائها ووجودها اختلفوا في محلها، فقيل هي متنقلة تكون في سنة في ليلة وفي سنة أخرى في ليلة أخرى هكذا أبداً قالوا: وبهذا يجمع بين الأحاديث الواردة في أوقاتها المختلفة وقال: مالك والثّوري وأحمد، وإسحاق وأبو ثور، إنها تنتقل في العشر الأواخر من رمضان، وقيل بل تنتقل في رمضان كله، وقيل إنها في ليلة معينة لا تنتقل عنها أبداً في جميع السنين لا تفارقها، فعلى هذا هي في ليلة من السّنة كلها وهو قول ابن مسعود وأبي حنيفة، وصاحبيه وروي عن ابن مسعود أنه قال: من يقم الحول يصبها فبلغ ذلك عبد الله بن عمر فقال يرحم الله أبا عبد الرحمن. أما إنه علم أنها في شهر رمضان ولكن أراد أن لا يتكل الناس وقال جمهور العلماء: إنها في شهر رمضان، واختلفوا في تلك الليلة فقال أبو رزين العقيلي: في أول ليلة من شهر رمضان، وقيل هي ليلة سبعة عشر وهي الليلة التي كانت صبيحتها وقعة بدر يحكى هذا عن زيد بن أرقم وابن مسعود أيضاً، والحسن والصّحيح الذي عليه الأكثرون أنها في العشر الأواخر من رمضان والله سبحانه وتعالى أعلم. (ذكر الأحاديث الواردة في ذلك) (ق) عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: "حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاور العشر الأواخر من رمضان ويقول تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان" تفسير : (م) عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : أريت ليلة القدر ثم أيقظني بعض أهلي فنسيتها فالتمسوها في العشر الأواخر من رمضان" تفسير : وذهب الشّافعي إلى أنها ليلة إحدى وعشرين (ق) عن أبي هريرة "حديث : أن أبا سعيد قال "اعتكفنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم العشر الأواسط فلما كانت صبيحة عشرين نقلنا متاعنا فأتانا النبي صلى الله عليه وسلم فقال من كان اعتكف فليرجع إلى معتكفه، وأنا رأيت هذه الليلة، ورأيتني أسجد في ماء وطين، فلما رجع إلى معتكفه هاجت السماء فمطرنا فوالذي بعثه بالحق لقد هاجت السماء من آخر ذلك اليوم، وكان المسجد على عريش، ولقد رأيت على أنفه وأرنبته أثر الماء والطين""تفسير : ، وفي رواية نحوه إلا أنه قال "حديث : حتى إذا كانت ليلة أحدى وعشرين وهي اللّيلة التي يخرج من صبيحتها من اعتكافه قال من اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر"تفسير : , وورد في فضل ليلة القدر اثنان وعشرون حديثاً عن عبد الله بن أنيس قال: "حديث : كنت في مجلس لبني سلمة وأنا أصغرهم فقالوا من يسأل لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ليلة القدر وذلك في صبيحة إحدى وعشرين من رمضان فخرجت فوافيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت أرسلني إليك رهط من بني سلمة يسألونك عن ليلة القدر، فقال كم اللّيلة فقلت اثنتان وعشرون فقال هي اللّيلة، ثم رجع فقال أو القابلة يريد ثلاثاً وعشرين" تفسير : أخرجه أبو داود. وذهب جماعة من الصّحابة وغيرهم أن ليلة القدر ليلة ثلاث وعشرين ومال إليه الشّافعي أيضاً (خ) عن الصّنابحي، أنه سأل رجلاً هل سمعت في ليلة القدر شيئاً قال، أخبرني بلال مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها في أول السبع من العشر الأواخر، وهذا اللفظ مختصر عن عبد الله بن أنيس قال: "حديث : قلت يا رسول الله إن لي بادية أكون فيها وأنا أصلي فيها بحمد الله فمرني بليلة أنزلها إلى هذا المسجد، فقال انزل ليلة ثلاث وعشرين قيل لابنه كيف كان أبوك يصنع قال: كان يدخل المسجد إذا صلى العصر فلا يخرج إلا لحاجة حتى يصلي الصبح، فإذا صلى الصبح وجد دابته على باب المسجد فجلس عليها ولحق بباديته" تفسير : أخرجه أبو داود ولمسلم عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : أريت ليلة القدر ثم أنسيتها وأراني أسجد صبيحتها في ماء وطين"تفسير : قال فمطرنا ليلة ثلاث وعشرين فصلى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وانصرف وإن أثر الماء والطين على جبهته وأنفه، ويحكى عن بلال وابن عباس والحسن أنها ليلة أربع وعشرين (خ) عن ابن عباس قال التمسوها في أربع وعشرين، وقيل في ليلة خمس وعشرين دليله قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان"تفسير : ، وقيل هي ليلة سبع وعشرين يحكى ذلك عن جماعة من الصحابة منهم أبي بن كعب وابن عباس وإليه ذهب أحمد (م) عن زر بن حبيش قال سمعت أبي بن كعب يقول وقيل له إن عبد الله بن مسعود يقول من قام السنة أصاب ليلة القدر قال أبيّ: والله الذي لا إله إلا هو إنها لفي رمضان يحلف، ولا يستثني، فوالله إني لأعلم أي ليلة هي هي الليلة التي أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقيامها، وهي ليلة سبع وعشرين وأمارتها أن تطلع الشّمس من صبيحة يومها بيضاء لا شعاع لها عن معاوية عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : في ليلة القدر، قال ليلة سبع وعشرين" تفسير : أخرجه أبو داود، وقيل هي ليلة تسع وعشرين دليله قوله "حديث : تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان" تفسير : وقيل هي ليلة آخر الشهر، عن ابن عمر قال: "حديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ليلة القدر وأنا أسمع، فقال هي في كل رمضان" تفسير : أخرجه أبو داود قال ويروى موقوفاً عليه. (ذكر ليال مشتركة) "حديث : عن ابن مسعود قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة القدر "اطلبوها ليلة سبع وعشرين من رمضان، وليلة إحدى وعشرين وليلة ثلاث وعشرين، ثم سكت"" تفسير : أخرجه أبو داود "حديث : عن عتبة بن عبد الرّحمن قال: حدثني أبي قال ذكرت ليلة القدر عند أبي بكرة فقال ما أنا بملتمسها بشيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا في العشر الأواخر، فإني سمعته يقول "التمسوها في تسع يبقين أو خمس يبقين، أو في ثلاث يبقين أواخر الشهر"" تفسير : قال وكان أبو بكرة يصلي في العشرين من رمضان كصلاته في سائر السنة، فإذا دخل العشر الأواخر اجتهد أخرجه التّرمذي (خ) عن عبادة بن الصّامت قال: "حديث : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخبر بليلة القدر، فتلاحى رجلان من المسلمين فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إني خرجت لأخبركم بليلة القدر فتلاحى فلان وفلان فرفعت وعسى أن يكون خيراً لكم فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة" تفسير : قوله فتلاحى رجلان أي تخاصم رجلان، وقوله فرفعت لم يرد رفع عينها، وإنما أراد رفع بيان وقتها، ولو كان المراد رفع وجودها لم يأمر بالتماسها، (خ) عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : هي في العشر في سبع مضين أو سبع يبقين يعني القدر" تفسير : وفي رواية "حديث : في تاسعة تبقى في سابعة تبقى في خامسة تبقى"تفسير : قال أبو عيسى: "حديث : روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة القدر أنها ليلة إحدى وعشرين، وليلة ثلاث وعشرين، وخمس وعشرين، وسبع وعشرين، وتسع وعشرين، وآخر ليلة من رمضان" تفسير : قال الشّافعي: كان هذا عندي والله أعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجيب على نحو ما يسأل عنه يقال له نلتمسها في كذا، فقال التمسوها في ليلة كذا قال الشّافعي: وأقوى الروايات عندي في ليلة إحدى وعشرين قال البغوي وبالجملة أبهم الله تعالى هذه الليلة على الأمة ليجتهدوا في العبادة ليالي شهر رمضان طمعاً في إدراكها، كما أخفى ساعة الإجابة في يوم الجمعة، وأخفى الصّلاة الوسطى في الصّلوات الخمس، واسمه الأعظم في القرآن في أسمائه، ورضاه في الطّاعات ليرغبوا في جميعها، وسخطه في المعاصي لينتهوا عن جميعها، وأخفى قيام السّاعة ليجتهدوا في الطاعات حذراً من قيامها، ومن علاماتها. ما روى الحسن رفعه "حديث : إنها ليلة بلجة سمحة لا حارة ولا باردة تطلع الشمس صبيحتها بيضاء لا شعاع لها" تفسير : (ق) عن عائشة قالت: "حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر الأواخر أحيا اللّيل، وأيقظ أهله، وجد وشد المئزر" تفسير : ولمسلم عنها قالت "حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر الأواخر من رمضان ما لا يجتهد في غيره" تفسير : (ق) عنها حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله عز وجل ثم اعتكف أزواجه من بعده تفسير : (ق) عن ابن عمر رضي الله عنهما "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان" حديث : عن عائشة قالت "قلت يا رسول الله إن علمت ليلة القدر ما أقول فيها قال: قولي اللّهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عني"" تفسير : أخرجه التّرمذي، وقال حديث حسن صحيح أخرجه النسائي وابن ماجه.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات {شهر تنزل} بتشديد التاء: البزي وابن فليح {مطلع} بكسر اللام: علي وخلف. الوقوف {في ليلة القدر} ه ج للنفي والاستفهام والوصل أولى لاتصال المبالغة في التعظيم به {ما ليلة القدر} ه ط لأن ما بعدها مبتدأ {شهر} ه ط لأن ما بعده مستأنف {ربهم} ج لاحتمال تعلق {من كل} بقوله {تنزل} ولاحتمال تعلقه بقوله {سلام} أي هي من كل عقوبة سلام أو من كل واحد من الملائكة سلام من المؤمنين قاله ابن عباس: وعلى هذا يوقف على {أمر} ويوقف على {سلام} وقيل: لا يوقف على {سلام} أيضاً والتقدير: هي سلام من كل أمر حتى مطلع {الفجر} ه. التفسير: الضمير في {أنا أنزلناه} للقرآن إما لأن القرآن كله في حكم سورة واحدة وإما لشهرته ومن نباهة شأنه كأنه مستغن عن التصريح بذكره، وقد عظم القرآن في الآية من وجوه أخر هي إسناد إنزاله إلى نفسه دون غيره كجبرائيل مثلاً، وصيغة الجمع الدالة على عظم رتبة المنزل، إذ هو واحد في نفسه نقلاً وعقلاً والرفع من مقدار الوقت الذي أنزل فيه وهو ليلة القدر. وههنا مسائل الأولى: كيف حكم بأنه أنزل في هذه الليلة مع أنه أنزل نجوماً في نيف وعشرين سنة؟ والجواب كما مر في البقرة في قوله {أية : شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن}تفسير : [البقرة: 185] أي أنزل فيها من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا جملة ثم منها إلى الأرض نجوماً، ووجه حسن المجاز أنه إذا أنزل إلى السماء الدنيا فقد شارف النزول إلى الأرض فيكون من فوائد التشويق كما قيل: شعر : وأبرح ما يكون الشوق يوماً إذا دنت الخيام من الخيام تفسير : وقال الشعبي: ابتدىء بإنزاله في هذه الليلة لأن المبعث كان في رمضان. وقيل: أراد إنا أنزلنا القرآن يعني هذه السورة في فضل ليلة القدر والقدر بمعنى التقدير. قال عطاء عن ابن عباس: إن الله تعالى قدر كل ما يكون في تلك السنة من مطر ورزق وإحياء وإماتة إلى مثل هذه الليلة من السنة الآتية نظيره قوله {أية : فيما يفرق كل أمر حكيم}تفسير : [الدخان: 4] في أحد الوجوه والمراد إظهار تلك المقادير للملائكة في تلك الليلة فإن المقادير من الأزل إلى الأبد ثابتة في اللوح المحفوظ، وهذا قول أكثر العلماء. ونقل عن الزهري أنه قال: ليلة القدر يعني ليلة الشرف والعظمة من قولهم " لفلان قدر عند فلان " أي منزلة وخطر، ويؤيد هذا التأويل قوله {ليلة القدر خير من ألف شهر} ثم هذا الشرف ما أن يرجع إلى الفاعل أي من أتى فيها بالطاعة صار ذا قدر وشرف. وإما أن يرجع إلى الفعل لأن الطاعة فيها أكثر ثواباً وقبولاً. وعن أبي بكر الوراق: من شرفها أنه أنزل فيها كتاب ذو قدر على لسان ملك ذي قدر إلى أمة ذوي قدر. ولعل الله تعالى إنما ذكر لفظ القدر في هذه السورة ثلاث مرات لهذا السبب. وقيل: القدر الضيق وذلك أن الأرض في هذه الليلة تضيق عن الملائكة. الثانية هذه الليلة هل تضاف إلى يومها الذي بعدها؟ قال الشعبي: نعم يومها كليلتها لقوله {أية : ثلاث ليال سوياً}تفسير : [مريم: 10] وفي موضع، {أية : ثلاثة أيام} تفسير : [آل عمران: 41] ولهذا لو نذر أن يعتكف ليلتين ألزمناه يومهما. الثالثة قال الخليل: من قال إن فضلها لنزول القرآن فيها يقول: انقطعت وكان مرة والجمهور على أنها باقية. ثم إنه روي عن ابن مسعود أنها في جميع السنة فمن حافظ على الليالي كلها أدركها. وعن عكرمة أنها ليلة البراءة. والأكثرون على أنها في رمضان لقوله تعالى {أية : شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن}تفسير : [البقرة: 185] وقوله {إنا أنزلناه في ليلة القدر} فيجب من الآيتين أن تكون ليلة القدر في رمضان. ثم في تعيينها خلاف فقال ابن رزين: هي الليلة الأولى من رمضان لما روي عن وهب أن كتب الأنبياء كلهم إنما نزلت في رمضان وكانت الليلة الأولى منه في غاية الشرف. وعن الحسن البصري: السابعة عشرة لأن وقعة بدر كانت في صبيحتها. وعن أنس مرفوعاً: التاسعة عشرة. وقال محمد بن إسحق: هي الحادية والعشرون لما روي حديث الماء والطين. ومعظم الأقوال أنها السابعة والعشرون. وذكروا فيها أمارات ضعيفة منها أن السورة ثلاثون كلمة وقوله {هي} السابعة والعشرون منها، روي هذا عن ابن عباس. وعنه أيضاً أنّ ليلة القدر تسعة أحرف وهي مذكورة ثلاث مرات وروي أنه كان لعثمان بن أبي العاص غلام فقال: يا مولاي إن البحر يعذب ماؤه في ليلة من الشهر فقال: إذا كان تلك الليلة فأعلمني فإذا هي السابعة والعشرون من رمضان. قلت: ومن الأمارات التي يحتمل اعتبارها أن الضعيف مؤلف الكتاب وصل إلى تفسير هذه السورة في السابعة والعشرين من رمضان سنة تسع وعشرين وسبعمائة من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، ولعل الله سبحانه فيه سراً ما لا يطلع عليه إلا هو وحده وأنا أرجو من فضله العميم أن يجعل ذلك سبباً لبركات الدارين لي ولمن نظر في هذا الكتاب من إخواني في الدين وما الاعتصام إلا بحوله. وقيل: هي الليلة الأخيرة لأن الطاعات في الشهر تتم وقتئذ بل أول رمضان كآدم وآخره كمحمد صلى الله عليه وسلم وقد جاء في الحديث " حديث : يعتق في آخر رمضان بعدد ما أعتق من أول الشهر" تفسير : وأول الليالي ليلة شكر وآخرها ليلة فراق وصبر وكم بين الشكر والصبر، فإن الصبر أمر من الصبر. الرابعة الحكمة في إخفاء ليلة القدر في الليالي كالحكمة في إخفاء وقت الوفاة ويوم القيامة حتى يرغب المكلف في الطاعات ويزيد في الاجتهاد ولا يتغافل ولا يتكاسل ولا يتكل. يروى أنه صلى الله عليه وسلم دخل المسجد فرأى نائماً فقال: يا علي نبهه ليتوضأ فأيقظه علي ثم قال: يا رسول الله إنك سابق إلى الخيرات فلم نبهته بنفسك؟ فقال: لأن رده على كفر ورده عليك ليس بكفر ففعلت ذلك لتخف جنايته لورد. فإذا كان هذا رحمة الرسول صلى الله عليه وسلم فقس عليه رحمة الله تعالى عليه وكأنه سبحانه يقول: إذا عرفت ليلة القدر فإن أطعت فيها اكتسبت ثواب ألف شهر، وإن عصيت فيها اكتسبت عقاب ألف شهر، ورفع العقاب أولى من جلب الثواب، فالإشفاق أن لا يعرفها المكلف بعينها لئلا يكون بالمعصية فيها خاطئاً متعمداً. وأيضاً إذا اجتهد في طلب ليلة القدر بإحياء الليالي المظنونة باهى الله تعالى ملائكته ويقول: كنتم تقولون فيهم أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء فهذا جدهم في الأمر المظنون، فكيف لو جعلتها معلومة لهم فهنالك يظهر سر قوله {أية : إني أعلم ما لا تعلمون}تفسير : [البقرة: 30] الخامسة معنى كونها خيراً من ألف شهر أن العبادة فيها خير من ألف شهر ليس فيها هذه الليلة، وذلك لما فيها من الخيرات والبركات وتقدير الأرزاق والمنافع الدينية والدنيوية. وقال مجاهد: كان في بني إسرائيل رجل يقوم الليل حتى يصبح ثم يجاهد حتى يمسي، فعل ذلك ألف شهر، فتعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون من ذلك فأنزل الله تعالى السورة فأعطوا ليلة هي خير من مدة ذلك الغازي ويؤيده ما روي عن مالك ابن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أري أعمار الناس فاستقصر أعمار أمته وخاف أن لا يبلغوا من الأعمال مثل ما بلغه سائر الأمم، فأعطاه الله ليلة هي خير من ألف شهر لسائر الأمم. وقيل: إن الرجل فيما مضى ما كان يستحق اسم العابد حتى يعبد الله ألف شهر. وذكر القاسم بن فضل عن عيسى بن مازن قال: قلت للحسن بن علي رضي الله عنه: يا مسود وجوه المؤمنين عمدت إلى هذا الرجل فبايعته. يعني معاوية فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أري في منامه بني أمية يطؤن منبره واحداً بعد واحد وفي رواية ينزون على منبره نزو القردة، فشق ذلك عليه فأنزل الله تعالى {إنا أنزلناه} إلى قوله {خير من ألف شهر} يعني ملك بني أمية. قال القاسم: فحسبنا ملك بني أمية فإذا هو ألف شهر لا يزيد ولا ينقص، وزيف بأن أيامهم كانت مذمومة فكيف تذكر في مقام التعظيم؟ وأجيب بأنها كانت أياماً عظيمة بحسب السعادات الدنيوية فلا يمتنع أن يقول الله تعالى أعطيتك ليلة هي في السعادات الدينية أفضل من تلك الأيام في بابها. السادسة في الآية بشارة عظيمة للمطيعين وتهديد بليغ للعاصين. أما الأول فلأنه تعالى ذكر أن هذه الليلة خير من ألف شهر ولم يبين قدر الخيرية وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم " حديث : مبارزة علي مع عمرو بن عبد ودّ أفضل من عمل أمتي إلى يوم القيامة" تفسير : وكأنه قال: هذا لك بذلك والباقي عليّ أعطيتك به ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. فمن أحيا ليلة القدر فكأنه عبد الله نيفاً وثمانين سنة، ومن أحياها كل سنة فكأنه رزق أعماراً كثيرة، ومن أحيا ليالي الشهر لينالها بيقين فكأنه أحيا ليلة القدر ثلاثين قدراً. يروى أنه يجاء يوم القيامة بالإسرائيلي الذي عبد الله أربعمائة سنة، ويجاء برجل من هذه الأمة وقد عبد الله أربعين سنة، فيكون ثوابه أكثر. فيقول الإسرائيلي: أنت العدل وأرى ثوابه أكثر فيقول: لأنكم تخافون العقوبة المعجلة فعبدتموني وأمة محمد صلى الله عليه وسلم كانوا آمنين لقوله {أية : وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم} تفسير : [الأنفال: 33] ثم إنهم كانوا يعبدونني فلهذا السبب كانت عباداتهم أفضل، وأما التهديد فلأن الظالم لا يخلصه من المظلوم أحد وإن أحيا مائة ليلة من القدر وكذا من عنده مظلمة لأحد وإن كانت بتطفيف حبة. السابعة أنه صح عن رسول الله قوله " حديث : أجرك على قدر نصبك" تفسير : ومن المعلوم أن الطاعة في ألف شهر أشق من الطاعة في ليلة واحدة فما التوفيق بين الحديث والآية؟ والجواب أن الفعل الواحد قد يختلف حاله في الحسن والقبح بسبب اختلاف الاعتبارات الشرعية أو العقلية. فصلاة الجماعة أفضل من صلاة الفرد بكذا درجة لأجل شرف الاجتماع. ولو قلت: لمن يرجم إنما يرجم لأنه زانٍ فهو قول حسن، ولو قلته للنصراني فقذف يوجب التعزير، ولو قلته للمحصن فهو موجب للحد، ولو قلته في حق عائشة كان كفراً وبهتاناً عظيماً وذلك لأنه طعن في حق عائشة التي كانت رجلاً في العلم لقوله: " خذو ثلثي دينكم من هذه الحميراء " وطعن في صفوان وهو رجل بدري وطعن في كافة المؤمنين لأنها أم المؤمنين وللولد حق المطالبة بقذف الأم وإن كافراً، بل طعن في النبي صلى الله عليه وسلم الذي هو أشرف المخلوقات، بل طعن في حكمة الله إذا لا يجوز أن يتركه حتى يتزوج بامرأة زانية، فتبين أن الأفعال تختلف آثارها في الثواب والعقاب باختلاف الجهات وبحسب الأزمنة والأمكنة، وذلك من فضل الله وعنايته بمخلوقاته على حسب مشيئته وإرادته، قول سبحانه {تنزل الملائكة} ظاهره يقتضي نزول كل الملائكة إما إلى سماء الدنيا وإما إلى الأرض وهو قول الأكثرين وعلى التقديرين فإن المكان لا يسعهم إلا على سبيل التناوب والنزول فوجاً فوجاً كأهل الحج فإنهم على كثرتهم يدخلون الكعبة أفواجاً. وعن كعب: إن سدرة المنتهى على حد السماء السابعة وساقها في الجنة وأغصانها تحت الكرسي، فيها ملائكة لا يعلم عددهم إلا الله، ومقام جبرائيل في وسطها ليس فيها ملك إلا وقد أعطي الرأفة والرحمة للمؤمنين، ينزلون مع جبرائيل ليلة القدر فلا يبقى بقعة في الأرض إلا وعليها ملك ساجد أو قائم يدعو للمؤمنين والمؤمنات، وجبرائيل لا يدع أحداً من الناس إلا صافحهم، وعلامة ذلك أن يقشعر جلده وبرق قلبه وتدمع عيناه، من قال فيها لا إله إلا الله ثلاث مرات غفر له بواحدة ونجاه من النار بواحد وأدخله الجنة بواحدة، وأول من يصعد جبرائيل حتى يصير أمام الشمس فيبسط جناحين أخضرين لا ينشرهما إلا تلك الساعة من يوم تلك الليلة ثم يدعو ملكاً ملكاً فيصعد الكل فيجتمع نور الملائكة ونور جناح جبرائيل فيقيم جبرائيل ومن معه من الملائكة بين الشمس وسماء الدنيا يومهم ذلك مشتغلين بالدعاء والرحمة والاستغفار للمؤمنين، ولمن صام رمضان احتساباً، فيسألونهم عن رجل رجل وعن امرأة امرأة حتى يقولوا: ما فعل فلان كيف وجدتموه؟ فيقولون: وجدناه عام أول مبتدعاً وفي هذا العام متعبداً وفي بعضهم بالعكس، فيدعون للأول دون الآخر. ووجدنا فلاناً تالياً وفلاناً راكعاً وفلاناً ساجداً، فهم كذلك يومهم وليلتهم حتى يصعدوا إلى السماء الثانية، وهكذا يفعلون في كل سماء حتى ينتهوا إلى السدرة المنتهى، فتقول لهم السدرة: يا سكاني حدثوني عن الناس فإن لي عليكم حقاً وإني أحب من أحب الله. وتقول الجنة: عجلهم اللهم إليّ، والملائكة وأهل السدرة يقولون: آمين. وإنما نزول الملائكة على فضيلة هذه الليلة لأن الجماعة كلما كانت أكثر كان نزول الرحمة أوفر والطاعة في حضور الملائكة الذين هم العلماء بالله والعباد له تكون أدخل في الإخلاص وأجلب لأسباب القبول. أما الروح فالأظهر أنه جبرائيل، خص بالذكر لزيادة شرفه. وقيل: ملك يقوم صفاً والملائكة كلهم صفاً، وقيل: طائفة من الملائكة لا يراهم غيرهم إلا في هذه الليلة. وقيل: خلق من خلق الله يأكلون ويلبسون ليسوا من الملائكة ولا من الإنس ولعلهم خدم أهل الجنة. وقيل: عيسى عليه السلام ينزل في جماعة من الملائكة ليطالع أمة محمد صلى الله عليه وسلم وقيل: القرآن {أية : وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا} تفسير : [الشورى: 52] وقيل: الرحمة. وقيل: هم كرام الكتابين. يروى أنهم يطالعون اللوح فيرون فيه طاعة المكلفين مفصلة فإذا وصلوا إلى معاصيهم أرخى الستر فلا يرونها فحينئذ يقولون: سبحان من أظهر الجميل وستر القبيح، ويشتاقون إلى لقائهم فينزلون لذلك. ومن فوائد نزولهم أنهم يرون في الأرض من أنواع الطاعات ما لم يروها في سكان السموات ويسمعون أنين العصاة الذي هو أحب إلى الله من زجل المسبحين فيقولون: تعالوا نسمع صوتاً هو أحب إلى ربنا من تسبيحنا. ولعل للطاعة في الأرض خاصية في هذه الليلة، فالملائكة أيضاً يطلبونها طمعاً في مزيد الثواب كما أن الرجل يذهب إلى مكة لتصير طاعاته هناك أكثر ثواباً. وفي قوله {بإذن ربهم} إشارة إلى أنهم لا يفعلون شيئاً إلا بإذن الله لقوله {أية : وما نتنزل إلا بأمر ربك}تفسير : [مريم: 64] وفي قوله {ربهم} توبيخ للعصاة وتعظيم لشأن الملائكة كأنه قال: كانوا لي فكنت لهم. يروى أن داود عليه السلام في مرض الموت قال: إلهي كن لسلمان كما كنت لي فنزل الوحي قل لسليمان: فليكن لي كما كنت لي. وقوله {من كل أمر} إشارة عند الأكثرين إلى فائدة نزولهم أي من أجل كل أمر قدر في تلك الليلة إلى قابل. ومعنى العدول من لام التعليل إلى " من " أن السائل كأنه يقول: من أين جئتم؟ فيقولون: ما لكم وهذا السؤال ولكن قولوا لأي أمر جئتم لأنه حظكم. وقيل: من كل أمر أي من أجل كل منهم فبعضهم للركوع وبعضهم للسجود وبعضهم للتسليم. يروى أنهم لا يتلقون مؤمناً ولا مؤمنة إلا سلموا عليه. عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : إن الله يقدر المقدر في ليلة البراءة، فإذا كان ليلة القدر يسلمها إلى أربابها " تفسير : وقيل: يقدر ليلة البراءة للآجال والأرزاق وليلة القدر للخير والبركة. قيل: يقدر في ليلة القدر ما يتعلق به صلاح معاش المكلف ومعاده، ويكتب في ليلة البراءة أسماء من يموت فتسلم إلى ملك الموت. ومعنى {سلام هي} أن هذه الليلة ما هي إلا سلامة وخير، فأما سائر الليالي فيكون فيها بلاء وسلامة أو ما هي إلا سلام لكثرة سلام الملائكة على المؤمنين. وقال أبو مسلم: يعني أن هذه الليلة ما هي إلا سلامة عن الرياح المزعجة والصواعق ونحوها، أو هي سلامة عن تسلط الشيطان وجنسه، أو سالمة عن تفاوت العبادة في شيء من أجزائها بخلاف سائر الليلالي فإن الفرض فيها يستحب في الثلث الأول. والنفل في الأوسط، والدعاء في السحر، والمطلع بالفتح المصدر بمعنى الطلوع، وبالكسر اسم زمان أو مصدر عند بعضهم، ومنهم أبو علي. هذا ما تقرر عندنا وعند سائر العلماء في تفسير هذه السورة الشريفة، وأقول أيضاً في تأويله: يمكن أن يفهم من ليلة القدر طرف الأزل من الامتداد الوهمي الزماني قدر فيه ما كان وما سيكون إلى يوم الدين بل إلى الأبد وإنما عبر عنه بالليلة لأن الأشياء كلها إذ ذاك في حيز العدم أو الخفاء " كنت كنزاً مخفياً " وإنما كانت خيراً من ألف شهر بل من ثلاثين ألف ليلة بل من ثلاثين ألف سنة كما قال {أية : وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون}تفسير : [الحج: 47] وهي الدور الأعظم دور الثواب لما تقرر في المعقول والأصول أن العناية الأزلية هي الكفاية الأبدية، ولهذا كانت الأمور بخواتيمها "حديث : وكل ميسر لما خلق له"تفسير : فلو لم يكن للشخص سعادة مقدرة في الأزل لم تفده الطاعة ثلاثين ألف سنة وأكثر، فإنزال القرآن في هذه الليلة عبارة عن الإحصاء في اللوح المحفوظ والإمام المبين، وهو في وقت صدور الروح الأعظم والملائكة المقربين بسبب كل أمر هو كن من غير توسط مادة ومدة ولكنها سالمة عن شوائب الجسمانية والعلائق الجرمانية إلى ظهور فجر عالم الأشباح الظاهرة للحواس المعرضة للتعهد والقوى وإليه المصير والمآب.
الثعالبي
تفسير : قَوْلُه تَعَالَى: {إِنَّا أَنزَلْنَـٰهُ} الضميرُ في {أَنزَلْنَـٰهُ} للقرآن قَال الشعبيُّ وغيرُه: المعْنَى: إنا ابتدأْنا إنزالَ هذا القرآن إليكَ في ليلة القدر، وقد رُوِيَ: أن نزولَ المَلَكِ في حِراءٍ كَانَ في العشر الأواخِر من رمضان، فيستقيمُ هذا التأويل وقالَ ابنُ عباسٍ وغيرُه: أَنزَلَه اللَّه تعالى ليلةَ القدرِ إلى سماءِ الدُّنْيَا جملةً، ثم نَجَّمَه على محمدٍ صلى الله عليه وسلم عِشْرِينَ سنةً، وليلةُ القدرِ خَصَّها اللَّهُ تعالى بِفَضْلٍ عَظِيمٍ، وَجَعَلَها أفْضَل مِنْ ألْفِ شهرٍ لاَ لَيْلَةَ قَدْرٍ فِيها؛ قاله مجاهدٌ وغيرُهُ، وخُصَّتْ هذه الأُمَّةُ بهذه الفضيلةِ لَمَّا رأى النبي صلى الله عليه وسلم أعمارَ أُمَّتِه وتَقَاصُرَهَا وَخُشِيَ أَلاَّ يَبْلُغُوا مِنَ الأَعْمَالِ مِثْلَ الَّذِي بَلَغَ غَيْرُهُمْ في طُولِ العُمُرِ، فَأَعْطَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَيْلَةَ القَدْرِ خَيْراً مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، قال ابن العربيِّ في «أحكامه»: وقد روى مالكٌ هذَا الحديثَ في «المُوَطَّأ»؛ ثَبَتَ ذلكَ مِنْ روايةِ ابنِ القَاسمِ وغيره، انتهى، ثم فَخَّمَها سبحانَه بقوله: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ} قال ابن عيينة في «صحيح البخاري»: ما كانَ في القرآن: {وَمَا أَدْرَاكَ} فَقَدْ أعْلَمَه، وَمَا قالَ: {وَمَا يُدْرِيكَ} فإنَّه لَمْ يُعْلِمْهُ، وذكر ابن عبَّاس وغيره: أنها سُمِّيَتْ ليلةَ القَدْرِ؛ لأنّ اللَّهَ تعالى يُقَدِّرُ فيها الآجالَ والأرزاقَ وحوادثَ العامِ كلِّها، ويدفَعُ ذلك إلى الملائِكَة لتَمْتَثِلَه، قال * ع *: وليلةُ القَدْرِ مستديرةٌ في أوتارِ العَشْرِ الأَواخِرِ من رمضانَ؛ هذا هو الصحيحُ المُعَوَّلُ عليه، وهي في الأوْتَارِ بحسْبِ الكَمال والنقصان في الشَّهْرِ، فينبغي لمرتَقِبها أن يَرْتَقِبَها مِنْ ليلةِ عشرينَ في كل ليلةٍ إلى آخر الشهر، وصحَّ عن [أُبيِّ بن] كعب وغيرِه: أَنها ليلةُ سَبْعٍ وعشرينَ، ثم أخْبَر تعالى أن ليلةَ القَدْرِ خيرٌ مِن ألف شَهر وهي ثَمانُونَ سَنَةً وثَلاَثَةُ أَعْوَامٍ وثُلُثُ عامٍ، وفي الصحيحِ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إيمَاناً وَٱحْتِسَاباً غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»تفسير : {وَٱلرُّوحُ}: هو جِبْرِيلُ ـــ عليه السلامُ ـــ وقيل هو صِنْفٌ حَفَظَةٌ لِلْمَلاَئِكَةِ، قال الفخر: وذكروا في الرُّوح أقوالاً: أَحدُها: أنه ملَكٌ عظيم لو الْتَقَمَ السموات والأَرْضَ كانَ ذلكَ لَه لُقْمةً وَاحِدَةً، وقِيلَ: الرُّوحُ: طَائِفةٌ من الملائِكَةِ لاَ يَراهُمُ المَلاَئِكَةُ إلا ليلةَ القَدْرِ، كالزُّهَادِ الذين لا نَراهم إلا يَوْم العِيد، وقيل: خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ يأكُلُون [وَيَشْرَبُونَ] وَيَلْبَسُون لَيْسُوا من الملائِكَةِ ولا من الإنْسِ ولعلهم خَدَمُ أَهْلِ الجَنَّةِ، وقيل: الروحُ أشْرَفُ الملائِكَةِ، وقال ابن أبي نجيح؛ الروحُ همُ الحفَظَةُ الكرامُ الكاتِبُونَ والأصَح أنَّ الروحَ هاهنا هو جبريلُ، وتخصيصُه بالذكر لزِيَادَةِ شرفِه، انتهى. وقوله تعالى: {بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ} الثعلبيُّ أي: بكل أمْرٍ قدَّرَه اللَّهُ وقضاه في تلكَ السنةِ إلى قَابِل؛ قاله ابن عباس، ثم تبتدىء فتقولُ: {سَلَـٰمٌ هِىَ} ويحتملُ أن يريدَ مِنْ كل فِتْنَةٍ سَلاَمَةٌ، انتهى، قال * ع *: وعلى التأويلِ الأولِ، يَجِيءُ {سَلَـٰمٌ} خَبَرَ ابتداءٍ مستأنَفًا، أي: سلامٌ هي هذه الليلةُ إلى أول يومِها، ثم ذكرَ ما تقدَم، وقال الشعبيُّ ومنصور: {سَلَـٰمٌ} بمعنى: التَّحِيَّةِ أي: تُسَلّمُ الملائكةُ على المؤمِنينَ.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ}، أي: القرآن، أضمر للعلم به {فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ} يجوز أن يكون ظرفاً للإنزال، والقرآن كله كالسورة الواحدة، وقال تعالى: {أية : شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ} تفسير : [البقرة: 185]، وقال: {أية : إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ} تفسير : [الدخان: 3] يريد: ليلة القدر. قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: نزل به جبريل - عليه السلام - جملة واحدة في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا إلى بيت العزة، وأملاه جبريل على السَّفرةِ، ثم كان جبريل ينزله على النبي صلى الله عليه وسلم منجماً، وكان بين أوله وآخره ثلاث وعشرون سنة. حكى الماورديُّ عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: نزل القرآنُ في شهر رمضان، وفي ليلة القدر، وفي ليلة مباركة، جملة واحدة من عند الله، من اللوح المحفوظ إلى السَّفرة الكرام الكاتبين في سماء الدنيا، فنجمته السَّفرة الكرام الكاتبون على جبريل عشرين سنة، ونجمه جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم عشرين سنة. قال ابن العربي: وهذا باطل، ليس بين جبريل - عليه السَّلام - وبين الله واسطة، ولا بين جبريل محمد - عليهما السلام - واسطة. وقيل: المعنى أنزل في شأنها وفضلها، فليست ظرفاً، وإنما كقول عمر - رضي الله عنه -: خشيت أن ينزل فيَّ قرآن، وقول عائشة - رضي الله عنها -: لأنا أحقر في نفسي أن ينزل فيّ قرآن. وسميت ليلة القدر بذلك؛ لأن الله يقدر فيها ما يشاء من أمره إلى مثلها من السَّنة القابلة من أمر الموت، والأجل، والرزق، وغيره، ويسلمه إلى مدبرات الأمور، وهم أربعة من الملائكة: إسرافيل، وميكائيل، وعزرائيل، وجبريل، عليهم السلام. وعن ابن عباس أيضاً: أن الله يقضي الأقضية في ليلة نصف شعبان، ويسلمها إلى أربابها في ليلة القدر، وأما تضييقها بالملائكة قال الخليل: لأن الأرض تضيق فيها بالملائكة؛ كقوله تعالى: {أية : وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ} تفسير : [الطلاق: 7]. وقيل: سميت بذلك لعظمها، وشرفها، وقدرها، من قولهم: لفلان قدر: أي شرف ومنزلة. قاله الزهري: وقيل: سميت بذلك لأن للطاعة فيها قدراً عظيماً، وثواباً جزيلاً. وقيل: لأنه أنزل فيها كتاباً ذا قدر على رسول ذي قدر على أمه ذاتِ قدر، والقدر: مصدر، والمراد ما يمضيه الله تعالى من الأمور، قال الله تعالى: {أية : إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} تفسير : [القمر: 49]، وهو بمعنى القدر، إلا أنه بالتسكين، مصدر، وبالفتح اسم. قوله: {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ} بين فضلها، وعظمها، وفضيلة الزمان إنما تكون بكثرة ما يقع فيه من الفضائل وفي تلك الليلة يقسم الخير الكثير الذي لا يوجد مثله في ألف شهر، جميع الدهر، لأن العرب تذكر الألف، لا تريد حقيقتها، وإنما تريد المبالغة في الكثرة، كقوله تعالى: {أية : يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ} تفسير : [البقرة: 96]، يعني جمع الدهر. [وقيل: إن العابد فيما مضى لا يسمى عابداً، حتى يعبد الله ألف شهر، فجعل الله تعالى لهذه الأمة أمة محمد صلى الله عليه وسلم عبادة ليلة خير من ألف شهر كانوا يعبدونها]. وقال أبو بكر الوراق: كان ملك سليمان - عليه الصلاة والسلام - خمسمائة شهر، وملك ذي القرنين خمسمائة شهر، فصار ملكهما ألف شهر، فجعل الله العمل في هذه الليلة لمن أدركها خيراً من ملكهما. وقال ابن مسعود - رضي الله عنه -: إن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر رجُلاً من بني إسرائيل حمل السلاح ألف شهرٍ، فعجب المسلمون من ذلك فنزلت هذه الآية، يعني خير من ألف شهر التي لبس السلاح فيها في سبيل الله، ونحوه عن ابن عبَّاس رضي الله عنه. وقال مالك بن أنس - رضي الله عنه -: أري رسول الله صلى الله عليه وسلم أعمار الناس، فاستقصر أعمار أمته، فخاف ألا يبلغوا من العمل مثل ما بلغ غيرهم في طول العمر، فأعطاه الله ليلة القدر، وجعلها خيراً من ألف شهر لسائر الأمم. وقال عكرمة وعروة: ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أربعة من بني إسرائيل، يقال: عبدوا الله ثمانين سنة، لم يعصوا الله - تعالى - طرفة عين: أيوب، وزكريا، وحزقيل بن العجوز، ويوشع ابن نون، فعجب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك، فأتاه جبريل - عليه السلام - فقال: يا محمد، عجبت أمتك من عبادة هؤلاء النَّفر ثمانين سنة، لم يعصوا الله تعالى طرفة عين، فقد أنزل الله عليك خيراً من ذلك، ثم قرأ: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ}، فسر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم. قوله: {تَنَزَّلُ ٱلْمَلاَئِكَةُ}، أي: تهبط من كل سماء إلى الأرض، ويؤمنون على دعاء النَّاس إلى وقت طلوع الفجر، وقوله تعالى: {وَٱلرُّوحُ فِيهَا}. يجوز أن ترتفع "الرُّوحُ" بالابتداء، والجار بعده الخبر وأن ترتفع بالفاعلية عطفاً على الملائكة، و "فيها" متعلق بـ "تنزل" وأن يكون معطوفاً على الفاعل، و "فِيهَا" ظرف أو حال، والمراد بالروح جبريل عليه السلام. [وحكى القشيري: أن الروح صنف من الملائكة؛ جعله حفظة على سائرهم، وأن الملائكة لا يرونهم كما لا نرى نحن الملائكة. ووقال مقاتل: هم أشرف الملائكة، وأقربهم إلى الله تعالى. وقيل: هم جند الله - تعالى - غير الملائكة رواه ابن عبَّاس مرفوعاً حكاه الماوردي. وقيل: الروح خلق عظيم يقوم صفاً واحداً، والملائكة صفاً]. وقيل: "الرُّوحُ": الرحمة ينزل بها جبريل عليه السلام مع الملائكة في هذه الليلة على أهلها، بدليل قوله تعالى: {أية : يُنَزِّلُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ بِٱلْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ} تفسير : [النحل: 2]، أي: بالرحمة فيها، أي: في ليلة القدر. قوله: {بِإِذْنِ رَبِّهِم}. يجوز أن يتعلق بـ "تَنَزَّلُ"، وأن يتعلق بمحذوف على أنه حال من المرفوع بـ "تَنَزَّل" أي: ملتبساً بإذن ربهم. قوله: {مِّن كُلِّ أَمْرٍ}. يجوز في "مِنْ" وجهان: أحدهما: أنها بمعنى اللام، وتتعلق بـ "تَنزَّلُ"، أي: تنزل من أجل كل أمر قضي إلى العام القابل. الثاني: أنها بمعنى الباء، أي: تنزل بكل أمر، فهي للتعدية، قاله أبو حاتم. وقرأ العامة: "أمْرٍ" واحد الأمور. وقرأ ابن عباس، وعكرمة، والكلبي: "مِنْ كُلِّ امْرئٍ"، أي: من أجل كل إنسانٍ. قال القرطبيُّ: وتأولها الكلبي على أن جبريل - عليه السلام - ينزل فيها مع الملائكة، فيسلمون على كُلِّ امرئ مسلم، فـ "مِنْ" بمعنى "عَلَى". وقيل: من أجل كل ملك، وهو بعيد. وقيل: "مِنْ كُلِّ أمْرٍ" ليس متعلقاً بـ "تَنَزَّلُ" إنما هو متعلق بما بعده، أي: هي سلام من كل أمر مخوف، وهذا لا يتم على ظاهره؛ لأن "سلام" مصدر لا يتقدم عليه معموله، وإنما المراد أنه متعلق بمحذوف يدل عليه هذا المصدر. فصل في معنى الآية قوله: {سَلاَمٌ هِيَ} فيه وجهان: أحدهما: أن "هِيَ" ضمير الملائكة، و "سلامٌ" بمعنى التسليم، أي: الملائكة ذات التَّسليم على المؤمنين من مغيب الشمس حتى مطلع الفجر وقيل: الملائكة يسلم بعضهم على بعض فيها. الثاني: أنها ضمير ليلة القدر، و "سلامٌ" بمعنى سلامة، أي: ليلة القدر ذات سلامة من كلّ شيء مخوف. قال الضحاكُ: لا يقدر الله - تعالى - في تلك الليلة إلا السلامة. وقيل: هي ذات سلامة من أن يؤثر فيها شيطان في مؤمن ومؤمنة، قاله مجاهد. وعلى التقديرين: يجوز أن يرتفع "سلامٌ" على أنه خبر مقدم، و "هِيَ" مبتدأ مؤخر، وهذا هو المشهور، ويجوز أن يرتفع بالابتداء، و "هي" فاعلة عند الأخفش؛ لأنه لا يشترط الاعتماد على الوصف. وقد تقدم أن بعضهم يجعل الكلام تاماً على قوله: "بِإذْنِ ربِّهِمْ"، وتعلق "كُلِّ أمْرٍ" بما بعده، وتقدم تأويله. وقال أبو الفضل: "وقيل: معناه هي سلام من كل أمرٍ أو امرئٍ؛ أي سالمة، أو مسلمة منه، ولا يجوز أن يكون "سلامٌ" بهذه اللفظة الظَّاهرة التي هي المصدر عاملاً فيما قبله، لامتناع تقدم معمول المصدر على المصدر، كما أن الصفة كذلك لا يجوز تقديمها على الموصول" انتهى. [وقد تقدم أن معنى ذلك عند هذا القائل أن يتعلق بمحذوف مدلول عليه بـ "سلام" فهو تفسير معنى لا تفسير إعراب]. وما يروى عن ابن عبَّاس - رضي الله عنهما - أن الكلام تمَّ عند قوله تعالى: "سلامٌ" ويبتدئ بـ "هِيَ" على أنها خبر مبتدأ، والإشارة بذلك إلى أنها ليلة السابع والعشرين، لأن لفظه: هي سابعة وعشرون، من كلم هذه السورة، فلا ينبغي أن يعتقد صحته لأنه إلغاز وتغيير لنظم أفصح الكلام. [قوله: {حَتَّىٰ مَطْلَعِ ٱلْفَجْرِ} متعلق بـ "تنزل" أو بـ "سلام" وفيه إشكال للفصل بين المصدر والمعمول للمبتدأ، إلا أن يتوسع في الجار]. وقرأ الكسائي وابن محيصن: "مطلِع" بكسر اللام، والباقون: بالفتح، والفتح هو القياس، والكسر سماع، وله أخوات تحفظ فيها الكسر مما ضم مضارعه، أو فتح، نحو: المَشْرِق، والمَغْرِب، والمنْسِك، والمسْكِن، والمحْشِر، والمسْقِط. قال القرطبي: "حكي في ذلك كله الفتح والكسر". وهل هما مصدران أو المفتوح مصدر، والمكسور مكان؟ خلاف، وعلى كل تقدير، فالقياس في الفعل مطلقاً مما ضمت عين مضارعه أو فتحت فتح العين، وإنما يقع الفرق في المكسور العين الصحيح، نحو: "يضرب". فصل في تعيين ليلة القدر اختلفوا في تعيين ليلة القدر، فالأكثرون على أنها ليلة سبع وعشرين، لحديث أبيٍّ ابن كعب: أنها في العشر الأواخر، وأنَّها ليلةُ سبعٍ وعشرين. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَنْ كَانَ مُتَحَرِّياً لليلة القدرِ فَلْيَتَحَرَّهَا في ليلة سبعٍ وعشرين ". تفسير : وقال أبيُّ بن كعب: سَمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : لَيلَةُ القَدرِ سَبعٍ وعشْرينَ ". تفسير : وقال أبو بكر الوراق: كرر ذكرها ثلاث مرات، وهي تسعة أحرف، فيكون سبعة وعشرين. وقال عبيد بن عمير: كنت ليلة السابع والعشرين في البحر فأخذت من مائة، فوجدته عذباً سلسلاً. وقال أبو هريرة وغيره: هي في ليلة السنة كلها، وإليه ذهب أبو حنيفة، وعنه أنها رفعت، وأنها إنما كانت مرة واحدة قال الخليل: من قال: إن فضلها لنزول القرآن [يقول] انقطعت، والجمهور على أنها في كل عام من رمضان، ثم اختلفوا. فقيل: هي ليلة إحدى وعشرين، وإليه مال الشافعي - رضي الله عنه - لحديث الماء والطين. وقيل: ليلة الثالث والعشرين, لما روى ابن عمر - رضي الله عنه - حديث : أنَّ رجلاً قال: يا رسول الله، إني رأيتُ ليلة القدر في سابعة تبقى، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أرَى رُؤيَاكُمْ قَدْ تَواطَأتْ عَلى ثَلاثٍ وعِشريْنَ، فَمَنْ أرَادَ أن يقُومَ مِنَ الشَّهرِ شَيْئاً فليَقُمْ لَيْلَةَ ثلاثٍ وعِشْريْنَ" ". تفسير : وقيل: ليلة خمس وعشرين، لما روى مسلم عن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : التَمِسُوهَا في العَشْرِ الأواخرِ، في تَاسعةٍ تَبْقَى، في سابِعةٍ تَبْقَى، فِي خَامسةٍ تَبْقَى ". تفسير : [قال مالك رضي الله عنه: يريد بالتاسعة ليلة إحدى وعشرين، وبالسابعة ليلة ثلاث وعشرين، وبالخامسة ليلة خمس وعشرين. وقيل: سبع وعشرين وقد تقدم]. وقيل: ليلة تسع وعشرين، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : لَيْلةُ القَدرِ التَّاسعةُ والعِشرُونَ، والسَّابِعَةُ والعِشْرُونَ ". تفسير : وقال الحسن - رضي الله عنه -: "ارتقبت الشمس ليلة أربع وعشرين عشرين سنة فرأيتها تطلع بيضاء لا شعاع لها، يعني من كثرة الأنوار في تلك الليلة". [وروي عن أبي بكر - رضي الله عنه - أنها في ليالي الأفراد من النصف الأخير من شهر رمضان مستقلة في ليالي الجمع، ونظمه محمد ابن الأثير فقال: [الطويل] شعر : 5263- ثَلاثُ شُرُوطٍ هُنَّ فِي ليْلَةِ القَدرِ كَذَا قَال شَيخُ العُربِ فِيهَا أبُو بكْرٍ فأوَّلُهَا وتْرٌ وليْلةُ جُمْعَةٍ وثَالثُهَا النِّصفُ الأخيرُ من الشَّهْرِ تفسير : وقيل: هي تنتقل في جميع السنة]. قالوا: والحكمة في إخفائها ليجتهد الناس في إحياء جميع الليالي، كما أخفى رمضان في الطاعات، حتى يرغبوا في الكل، وأخفى ساعة الإجابة في الدعاء، ليبالغوا في كل الساعات، وأخفى الاسم الأعظم، ليعظموا كل الأسماء، وأخفى قبول التوبة، ليحافظوا على جميع أقسام التوبة، وأخفى وقت الموت، ليخاف الموت المكلف، وكذلك أخفى هذه الليلة، ليعظموا جميع ليالي رمضان. فصل في أحكام تتعلق بليلة القدر نقل القرطبي عن بعض العلماء: أن من علق طلاق امرأته، أو عتق عبده بليلة القدر لم يقع الطلاق والعتق إلى مضى سنةٍ من يوم حلف، لأنه لا يجوز إيقاع الطلاق بالشك، ولم يثبت اختصاصها بوقت، فلا ينبغي وقوع الطلاق إلا لمضي حولٍ. وفي هذا نظر؛ لأنه تقدم عن أبي حنيفة في أحد قوليه أنها رفعت، فعلى هذا لا ينبغي أن يقع شيء أصلاً، لوجود الخلاف في بقائها. وروى الثعلبي عن أبيّ - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَنْ قَرَأَ سُورة القَدرِ، كانَ كَمنْ صَامَ رَمَضَانَ، وأحْيَا لَيْلَةَ القَدرِ".
البقاعي
تفسير : لما ذكر الله سبحانه وتعالى كتابه في هذا الذكر العربي المعجز، ذكر إنزاله مستحضراً في كل قلب، كان ذلك مغنياً عن إعادته بصريح اسمه، فكان متى أضمره علمه المخاطب بما في السياق من القرائن الدالة عليه، وبما له في القلب من العظمة وفي الذهن من الحضور لا سيما في هذه السورة لافتتاح العلق بالأمر بقراءته، وختمها بالصلاة التي هي أعظم أركانها، فكانت دلالتها عليه دلالة هي في غاية الوضوح، فكان كأنه قال: واقترب بقراءة القرآن في الصلاة، فكان إضماره أدل على العظمة الباهرة من إظهاره، لدلالة الإضمار على أنه ما تم شيء ينزل غيره فهو بحيث لا يحتاج إلى التصريح به، قال مفخماً له بأمور: إضماره، وإسناد إنزاله إليه، وجعل ذلك في مظهر العظمة، وتعظيم وقت إنزاله المتضمن لعظمة البلد الذي أنزل فيه - على قول الأكثر، والنبي الذي أنزل عليه، مؤكداً لأجل ما لهم من الإنكار، {إنا} أي لما لنا من العظمة {أنزلناه} أي هذا الذكر كله من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة من السماء الدنيا مرتباً هذا الترتيب الذي جمع الله الأمة المعصومة عليه، وهو الموجود الآن، وكذا كان إنزال أول نجم منه، وهو أول السورة الماضية إنزالاً مصدقاً لأن عظمته من عظمتنا بما له من الإعجاز في نظمه، ومن تضاؤل القوى عن الإحاطة بعلمه، وأول ما أنزل منه صدرها إلى خمس آيات منها آخرها "ما لم يعلم" على النبي صلى الله عليه وسلم وهو مجاور في هذا الشهر الشريف بجبل حراء من جبال مكة المشرفة، ثم صار ينزل مفرقاً بحسب الوقائع حتى تم في ثلاث وعشرين سنة، وكلما نزل منه نجم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بترتيبه في سورته عن أمر الله تعالى حتى تم في السور على ما هو عليه الآن ما هو عليه في بيت العزة. ولما عظمه بما ذكر، زاده عظماً بالوقت الذي اختار إنزاله فيه ليكون طالعه سعيداً لما كان أثره حميداً فقال: {في ليلة القدر *} أي الليلة التي لها قدر عظيم وشرف كبير، والأعمال فيها ذات قدر وشرف، فكانت بذلك كأنها مختصة بالقدر فلا قدر لغيرها. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: ورد تعريفاً بإنزال ما تقدم الأمر بقراءته لما قدمت الإشارة إلى عظيم أمر الكتب، وأن السلوك إليه سبحانه إنما هو من ذلك الباب، أعلم سبحانه وتعالى بليلة إنزاله وعرفنا بقدرها لنعتمدها في مظان دعائنا وتعلق رجائنا ونبحث في الاجتهاد في العمل لعلنا نوافقها وهي كالساعة في يوم الجمعة في إبهام أمرها مع جليل قدرها ومن قبيل الصلاة الوسطى، ولله سبحانه في إخفاء ذلك أعظم رحمة، وكان في التعريف بعظيم قدر هذه الليلة التعريف بجلالة المنزل فيها، فصارت سورة القدر من تمام ما تقدم ووضح اتصالها - انتهى. ولما علم من السياق تعظيمها بعظمة ما أنزل فيها وبالتعبير عنها بهذا، قال مؤكداً لذلك التعظيم حثاً على الاجتهاد في إحيائها لأن للإنسان من الكسل والتداعي إلى البطالة ما يزهده في ذلك: {وما أدراك} أي وأي شيء أعلمك وأنت شديد التفحص {ما ليلة القدر *} أي لم تبلغ درايتك وأنت أعلم الناس غاية فضلها ومنتهى عليّ قدرها على ما لك من سعة العلم وإحاطة الفكر وعظيم المواهب. ولما ثبتت عظمتها بالتنبيه على أنها أهل لأن يسأل عن خصائصها، قال مستأنفاً: {ليلة القدر *} أي التي خصصناها بإنزالنا له فيها {خير من ألف شهر *} أي خالية عنها أو العمل فيها خير من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر، وذلك ثلاث وثمانون سنة وأربعة أشهر، قالوا: وهي مدة ملك بني أمية سواء، وتسميتها بذلك لشرفها ولعظيم قدرها، أو لأنه يفصل فيها من أم الكتاب مقادير الأمور، فيكتب فيها عن الله حكم ما يكون من تلك الليلة إلى مثلها من العام المقبل، من قولهم: قدر الله على هذا الأمر يقدره قدراً، أي قضاه، وهي الليلة المرادة في سورة الدخان بقوله تعالى: {أية : فيها يفرق كل أمر حكيم} تفسير : [الدخان: 4] وذكر الألف إما للمبالغة بنهاية مراتب العدد ليكون أبلغ من السبعين في تعظيمها أو لأن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر شخصاً من مؤمني بني إسرائيل لبس السلاح مجاهداً في سبيل الله ألف شهر، فعجب المؤمنون منه فتقاصرت إليهم أعمالهم، فأعطاهم الله سبحانه وتعالى ليلة من قامها كان خيراً من ذلك، وأبهمها في العشر الأخير من شهر رمضان في قول الجمهور على ما صح من الأحاديث ليجتهدوا في إدراكها كما أخفى ساعة الإجابة في يوم الجمعة والصلاة الوسطى في الخمس، واسمه الأعظم في الأسماء، ورضاه في سائر الطاعات ليرغبوا في جميعها، وسخطه في المعاصي لينتهوا عن جميعها، وقيام الساعة في الأوقات ليجتهدوا في كل لحظة حذراً من قيامها، والسر في ذلك أن النفيس لا يوصل إليه إلا باجتهاد عظيم إظهاراً لنفاسته وإعظاماً للرغبة فيه وإيذاناً بالسرور به، لكن جعل السورة ثلاثين كلمة سواء يرجح أنهم السابعة والعشرون التي وازاها قوله هي - كما نقل عن أبي بكر الوراق. ولما عظمها، ذكر وجه العظم ليكون إعلاماً بعد إبهام وهو أوقع في النفس فقال مستأنفاً: {تنزل} أي تنزلاً متدرجاً هو أصلاً على غاية ما يكون من الخفة والسرعة بما أشار إليه حذف التاء {الملائكة} أي هذ النوع العظيم الذي هو خير كله {والروح} أي جبريل عليه الصلاة والسلام، خصه بياناً لفضله أو هو مع أشراف الملائكة أو هو خلق أكبر من الملائكة أو هو أمر تسكن إليه نفوس العارفين ويحصل به اليمن والبركة {فيها} وأشار إلى خفاء ذلك التنزل بإسقاط تاء التنزل مع ما تقدم من الإشارات، ودل على زيادة البركة في ذلك التنزل وعظيم طاعة الملائكة بقوله: {بإذن ربهم} أي بعلم المحسن إليهم المربي لهم وتمكينه، وتنزلهم إلى الأرض أو السماء الدنيا أو تقربهم من المؤمنين، متبدىء تنزلهم {من كل أمر *} أي الأمور الكلية التي يفرقون فيها بإذن الله تفاصيل الأمور التي يريدها سبحانه في ذلك العام في أوقاتها من تلك الليلة إلى مثلها من العام المقبل، أو من أجل تقدير كل شيء يكون في تلك السنة، وعبر عن الشيء بالأمر إعلاماً بأنهم لا يفعلون شيئاً إلاّ بأمره. ولما ذكر سبحانه هذه الفضائل، كانت النتيجة أنها متصفة بالسلامة التامة كاتصاف الجنة - التي هي سببها - بها، فكان ذلك أدل على عظمتها فقال تعالى: {سلام} أي عظيم جداً {هي} أي ما هي إلا سلامة وخير ليس فيها شر، ولا يزال ذلك السلام والبركة فيها {حتى} أي إلى {مطلع الفجر *} أي طلوعه ووقت طلوعه وموضع طلوعه، لا يكون فيه شر كما في غير ليلتها، فلا تطلع الشمس في صبيحتها بين قرني الشيطان إن شاء الله تعالى، وذلك سر قراءة الكسائي بالكسر - والله أعلم، واختير التعبير بـ"حتى" دون "إلى" ليفهم أن لما بعدها حكم ما قبلها، فيكون المطلع في حكم الليلة، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن جبريل عليه الصلاة والسلام ينزل ليلة القدر في كوكبة من الملائكة ومعه لواء أخضر يركزه فوق الكعبة، ثم يفرق الملائكة في الناس حتى يسلموا على كل قائم وقاعد وذاكر وراكع وساجد إلى أن يطلع الفجر، فمن تأمل هذه السورة علم منه ما للقرآن من العظمة فأقبل عليه بكليته يتلوه حق تلاوته كما أمر في سورة "اقرأ" فأمن من غير شك من هول يوم الدين المذكور في التين، ومن تلاوته بحقه تعظيم ليلة القدر لما ذكر من شرفها، وذلك جاز إلى الحرص عليها في كل السنة، فإن لم يكن ففي كل رمضان، فإن لم يكن ففي جميع ليالي العشر الأخيرة منه، ليكون له من الأعمال بسبب فضلها ومضاعفة العمل فيها ما لا يحصيه إلى الله تعالى بحيث إنه ربما يكون خيراً من عمل من اجتهد فيما قبلنا ألف سنة، ورجوع آخرها بكون هذا التنزل في ليلة القدر على أولها في غاية الوضوح لأن أعظم السلام فيها نزول القرآن، ولعل كونها ثلاثين كلمة إشارة إلى إن خلافة النبوة التي هي ثلاثون سنة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم التي آخرها يوم نزل أمير المؤمنين الحسن بن علي رضي الله عنهما فيه عن الخلافة لمعاوية رضي الله عنه في شهر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين هي كليلة القدر في الزمان، وما بعدها كليالي العام فيه الفاضل وغيره، وتلك المدة كانت لخمسة خلفاء أشارت إليهم حروف الكلمة الأخير منها، فالألف لأبي بكر رضي الله عنه وهي في غاية المناسبة له، فإن الربانيين قالوا: هو اسم للقائم المحيط الأعلى الغائب عن مقامه لكنها الحاضر معه وجوداً كالروح، وكذا كان رضي الله عنه حاضراً مع الأمة بوجوده وهو غائب عنهم بتوجهه، وجميع قلبه إنما هو مع الله عز وجل، واللام لعمر رضي الله عنه وهي شديدة المناسبة له فإنها صلة بين باطن الألف وظاهر الميم الذي هو لمحمد صلى الله عليه وسلم لأنه للتمام، وكذلك فعل - وصل بين السيريتن وصلاً تاماً بحيث وصل ضعف الصديق في بدنه وقوته في أمر الله بقوة رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتظم به الأمر انتظاماً لا مزيد عليه، والفاء لعثمان رضي الله تعالى عنه وهو إشارة لبدء خلوص منته لتنقل بمزيد أو نقص، وآيته الفطرة الأولى، وآيتها المحسوسة اللبن أول خروجه إذا أصابه أقل شيء من الهواء الممدود غيّره، وكذلك الفطرة إذا أصابها أقل شيء من الهوى المقصود غيّرها، وكذا كان حاله رضي الله تعالى عنه، حصلت له آفات الإحسان إلى أقاربه الذي قاده إليه قويم فطرته حتى حصلت له الآفات الكبار رضي الله عنه، والجيم لعلي رضي الله عنه وهو إشارة إلى الجمع، والإجمال الذي يحصل عنده عنا وهو أنسب الأمور له رضي الله تعالى عنه فإنه حصل به الجمع بعد الافتراق العظيم بقتل أمير المؤمنين عثمان رضي الله تعالى عنه شهيداً مظلوماً، وحصل به الإجمال لكن لم يتم التفصيل بسبب ما حصل من العناد، والراء إشارة إلى الحسن رضي الله تعالى عنه وهي تطوير وتصيير وتربية، وهي لكل مرب مثل زوج المرأة وسيد العبد، ولذلك فعل رضي الله عنه لما رأى الملك يهلك بقتل المسلمين رباه بنزوله عن الأمر لمعاوية، فكان كالسيد أذن لعبده وربي أمره به، وقد سماه النبي صلى الله عليه وسلم سيداً - رضي الله عنهم أجمعين، والله أعلم بالصواب.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: نزلت سورة {إنا أنزلناه في ليلة القدر} بمكة. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس وعائشة مثله. وأخرج ابن الضريس وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله: {إنا أنزلناه في ليلة القدر} قال: أنزل القرآن في ليلة القدر جملة واحدة من الذكر الذي عند رب العزة حتى وضع في بيت العزة في السماء الدنيا ثم جعل جبريل ينزل على محمد بحراء بجواب كلام العباد وأعمالهم. وأخرج عبد بن حميد عن الربيع بن أنس {إنا أنزلناه في ليلة القدر} قال: أنزل الله القرآن جملة في ليلة القدر كله {ليلة القدر خير من ألف شهر} يقول: خير من عمل ألف شهر. وأخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن جرير ومحمد بن نصر وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان عن مجاهد {إنا أنزلناه في ليلة القدر} قال: ليلة الحكم. وأخرج عبد بن حميد عن أنس قال: العمل في ليلة القدر والصدقة والصلاة والزكاة أفضل من ألف شهر. وأخرج ابن جرير عن عمرو بن قيس الملائي في قوله: {ليلة القدر خير من ألف شهر} قال: عمل فيها خير من عمل في ألف شهر. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير ومحمد بن نصر وابن المنذر عن قتادة في قوله: {ليلة القدر خير من ألف شهر} قال: خير من ألف شهر ليس فيها ليلة القدر وفي قوله: {تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر} قال: يقضي فيها ما يكون في السنة إلى مثلها {سلام هي} قال: إنما هي بركة كلها وخير {حتى مطلع الفجر} يقول: إلى مطلع الفجر. وأخرج مالك في الموطأ والبيهقي في شعب الإِيمان عنه أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أري أعمال الناس قبله أو ما شاء الله من ذلك، فكأنه تقاصر أعمار أمته أن لا يبلغوا من العمل مثل ما بلغ غيرهم في طول العمر، فأعطاه الله ليلة القدر خيراً من ألف شهر. وأخرج ابن جرير عن مجاهد قال: كان في بني إسرائيل رجل يقوم الليل حتى يصبح، ثم يجاهد العدوّ بالنهار حتى يمسي، ففعل ذلك ألف شهر فأنزل الله {ليلة القدر خير من ألف شهر} قيام تلك الليلة خير من عمل ذلك الرجل ألف شهر. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن مجاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر رجلاً من بني إسرائيل لبس السلاح في سبيل الله ألف شهر، فعجب المسلمون من ذلك، فأنزل الله {إنا أنزلناه في ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر} التي لبس فيها ذلك الرجل السلاح في سبيل الله ألف شهر. وأخرج ابن أبي حاتم عن علي بن عروة قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً أربعة من بني إسرائيل عبدوا الله ثمانين عاماً لم يعصوه طرفه عين، فذكر أيوب وزكريا وحزقيل بن العجوز ويوشع بن نون، فعجب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك فأتاه جبريل، فقال: يا محمد عجبت أمتك من عبادة هؤلاء النفر ثمانين سنة، فقد أنزل الله خيراً من ذلك، فقرأ عليه {إنا أنزلناه في ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر} هذا أفضل مما عجبت أنت وأمتك، فسر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس معه. وأخرج الخطيب في تاريخه عن ابن عباس قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني أمية على منبره، فساءه ذلك فأوحى الله إليه إنما هو ملك يصيبونه، ونزلت {إنا أنزلناه في ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر} . وأخرج الخطيب عن ابن المسيب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أرأيت بني أمية يصعدون منبري، فشق ذلك عليّ فأنزل الله {إنا أنزلناه في ليلة القدر} ". تفسير : وأخرج الترمذي وضعفه وابن جرير والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن يوسف بن مازن الرؤاسي قال: قام رجل إلى الحسن بن علي بعدما بايع معاوية فقال: سوّدت وجوه المؤمنين، فقال: لا تؤنبني رحمك الله، فإن النبي صلى الله عليه وسلم رأى بني أمية يخطبون على منبره فساءه ذلك، فنزلت {أية : إنا أعطيناك الكوثر}تفسير : [الكوثر: 1] يا محمد يعني نهراً في الجنة ونزلت {إنا أنزلناه في ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر} يملكها بعدك بنو أمية، يا محمد: قال القاسم: فعددنا فإذا هي ألف شهر لا تزيد يوماً ولا تنقص يوماً. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن مجاهد في قوله: {إنا أنزلناه في ليلة القدر} قال: ليلة الحكم {وما أدراك ما ليلة القدر} قال: ليلة الحكم. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر ومحمد بن نصر وابن أبي حاتم عن مجاهد {ليلة القدر خير من ألف شهر} قال: خير من ألف شهر عملها أو صيامها وقيامها وليس في تلك الشهور ليلة القدر. وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن قال: ما أعلم ليوم فضلاً على يوم ولا ليلة إلا ليلة القدر فإنها خير من ألف شهر. وأخرج ابن المنذر عن الضحاك في قوله: {تنزل الملائكة والروح فيها} قال: الروح جبريل {من كل أمر سلام} قال: لا يحل لكوكب أن يرجم به فيها حتى يصبح. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد ومحمد بن نصر وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان عن مجاهد في قوله: {سلام هي} قال: سالمة لا يستطيع الشيطان أن يعمل فيها سوءاً أو يعمل فيها أذى. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس أنه كان يقرأ {من كل أمر سلام} . وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن منصور بن زاذان قال: {تنزل الملائكة} من حين تغيب الشمس إلى أن يطلع الفجر يمرون على كل مؤمن يقولون: السلام عليك يا مؤمن. وأخرج ابن المنذر عن الحسن في قوله: {سلام} قال: إذا كان ليلة القدر لم تزل الملائكة تخفق بأجنحتها بالسلام من الله والرحمة من لدن صلاة المغرب إلى طلوع الفجر. وأخرج محمد بن نصر وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {سلام} قال: تلك الليلة تصعد مردة الجن والشياطين وعفاريت الجن، وتفتح فيها أبواب السماء كلها، ويقبل الله فيها التوبة لكل تائب، فلذا قال: {سلام هي حتى مطلع الفجر} قال: وذلك من غروب الشمس إلى أن يطلع الفجر. وأخرج محمد بن نصر عن سعيد بن المسيب أنه سئل عن ليلة القدر أهي شيء كان فذهب أم هي في كل عام؟ فقال: بل هي لأمة محمد ما بقي منهم اثنان. وأخرج الديلمي عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن الله وهب لأمتي ليلة القدر ولم يعطها من كان قبلهم ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن عبدالله بن مكانس مولى معاوية قال: قلت لأبي هريرة: زعموا أن ليلة القدر قد رفعت، قال: كذب من قال ذلك. قلت: هي في كل رمضان أستقبله؟ قال: نعم. قلت: زعموا أن الساعة التي في الجمعة لا يدعو فيها مسلم إلا استجيب له قد رفعت. قال: كذب من قال ذلك، قلت: هي في كل جمعة استقبلها؟ قال: نعم. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن مردويه عن ابن عمر أنه سئل عن ليلة القدر أفي كل رمضان؟ ولفظ ابن مردويه: أفي رمضان هي؟ قال: نعم، ألم تسمع إلى قول الله تعالى: {إنا أنزلناه في ليلة القدر} وقوله: {أية : شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن} تفسير : [البقرة: 185]. وأخرج أبو داود والطبراني عن ابن عمر قال: "حديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا أسمع عن ليلة القدر فقال: هي في كل رمضان ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : التمسوا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير ومحمد بن نصر وابن مردويه "اطلبوا ليلة القدر في العشر الأواخر". وأخرج ابن أبي شيبة عن الفلتان بن عاصم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إني رأيت ليلة القدر ثم نسيتها، فاطلبوها في العشر الأواخر وتراً ". تفسير : وأخرج ابن جرير من طريق أبي ظبيان عن ابن عباس أنهم كانوا قعوداً في المجلس حين أقبل إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سريعاً حتى فزعنا لسرعته، فلما انتهى إلينا ثم سلم قال: "حديث : جئت إليكم مسرعاً لكيما أخبركم بليلة القدر فنسيتها فيما بيني وبينكم، ولكن التمسوها في العشر الأواخر ". تفسير : وأخرج أحمد وابن جرير ومحمد بن نصر والبيهقي وابن مردويه عن عبادة بن الصامت أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ليلة القدر فقال: "حديث : في رمضان في العشر الأواخر فإنها في ليلة وتر في إحدى وعشرين، أو ثلاث وعشرين، أو خمس وعشرين، أو سبع وعشرين، أو تسع وعشرين، أو آخر ليلة من رمضان من قامها إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن أماراتها أنها ليلة بلجة صافية ساكنة ساجية لا حارة ولا باردة، كأن فيها قمراً ساطعاً، ولا يحل لنجم أن يرمى به تلك الليلة حتى الصباح، ومن أماراتها أن الشمس تطلع صبيحتها لا شعاع لها، مستوية، كأنها القمر ليلة البدر، وحرم الله على الشيطان أن يخرج معها يومئذ ". تفسير : وأخرج ابن جرير في تهذيبه وابن مردويه عن جابر بن عبدالله قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : إني كنت رأيت هذه الليلة وهي في العشر الأواخر في الوتر، وهي ليلة طلقة بلجة لا حارة ولا باردة، كان فيها قمراً لا يخرج شيطانها حتى يضيء فجرها ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال: "حديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ليلة القدر قال: قد كنت علمتها ثم اختلست مني، وإنها في رمضان، فاطلبوها في تسع يبقين أو سبع يبقين أو ثلاث يبقين، وآية ذلك أن الشمس تطلع ليس لها شعاع، ومن قام السنة سقط عليها ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وابن زنجوية وابن نصر عن أبي عقرب الأسدي قال: أتينا ابن مسعود في داره فسمعناه يقول: صدق الله ورسوله، فسألته، فأخبرنا أن ليلة القدر في السبع من النصف الأخير، وذلك أن الشمس تطلع يومئذ بيضاء لا شعاع لها، فنظرت إلى السماء فإذا هي كما حدثت فكبرت. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير من طريق الأسود عن عبدالله قال: تحروا ليلة القدر ليلة سبع تبقى تحروها لتسع تبقى تحروها لإِحدى عشرة تبقى صبيحة بدر فإن الشمس تطلع كل يوم بين قرني شيطان إلا صبيحة ليلة القدر فإنها تطلع يومئذ بيضاء ليس لها شعاع. وأخرج ابن زنجوية وابن مردويه بسند صحيح عن أبي هريرة قال: "حديث : ذكرنا ليلة القدر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كم بقي من الشهر؟ قلنا: مضت اثنتان وعشرون وبقي ثمان. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مضت اثنتان وعشرون وبقيت سبع التمسوها الليلة الشهر تسع وعشرون ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك عن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : التمسوا ليلة القدر في أول ليلة من رمضان، وفي تسعة، وفي إحدى عشرة، وفي أحدى وعشرين، وفي آخر ليلة من رمضان ". تفسير : وأخرج أحمد عن أبي هريرة حديث : عن النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة القدر "إنها آخر ليلة" . تفسير : وأخرج محمد بن نصر عن معاوية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : التمسوا ليلة القدر آخر ليلة من رمضان ". تفسير : وأخرج محمد بن نصر عن أبي ذر قال: "حديث : قلت يا رسول الله: أخبرني عن ليلة القدر أي شيء تكون في زمان الأنبياء ينزل عليهم فيها الوحي فإذا قبضوا رفعت أم هي إلى يوم القيامة؟ قال: بل هي إلى يوم القيامة. قلت يا رسول الله: في أي رمضان هي؟ قال: التمسوها في العشر الأول وفي العشر الأواخر. قال: ثم حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم وحدث فاهتبلت غفلته فقلت: يا رسول الله أقسمت عليك تخبرني أو لما أخبرتني في أي العشر هي فغضب عليّ غضباً ما غضب عليّ مثله لا قبله ولا بعده فقال: إن الله لو شاء لأطلعكم عليها التمسوها في السبع الأواخر لا تسألني عن شيء بعدها ". تفسير : وأخرج البخاري وابن مردويه والبيهقي عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان ". تفسير : وأخرج مالك وابن أبي شيبة والطيالسي وأحمد والبخاري ومسلم وابن ماجة وابن جرير والبيهقي عن أبي سعيد الخدري قال: "حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأوسط من شهر رمضان، فاعتكف عاماً حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين وهي الليلة التي يخرج من اعتكافه فقال: من اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر وقد رأيت هذه الليلة ثم أنسيتها، وقد رأيتني أسجد من صبيحتها في ماء وطين، فالتمسوها في العشر الأواخر، والتمسوها في كل وتر. قال أبو سعيد: فمطرت السماء من تلك الليلة، وكان المسجد على عريش، فوكف المسجد. قال أبو سعيد: فأبصرت عيناي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى جبهته وأنفه أثر الماء والطين من صبيحة إحدى وعشرين ". تفسير : وأخرج مالك وابن سعد وابن أبي شيبة وأحمد ومسلم وابن زنجويه والطحاوي والبيهقي عن عبدالله بن أنيس أنه سئل عن ليلة القدر فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : التمسوها الليلة وتلك الليلة ليلة ثلاث وعشرين ". تفسير : وأخرج مالك والبيهقي عن أبي النضر مولى عمر بن عبدالله بن أنيس الجهني قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله إني رجل شاسع الدار فمرني بليلة أنزلها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أنزل ليلة ثلاث وعشرين من رمضان ". تفسير : وأخرج البيهقي عن الزهري قال: قلت لضمرة بن عبد الله بن أنيس، ما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبيك ليلة القدر؟ قال: حديث : كان أبي صاحب بادية، قال: فقلت يا رسول الله مرني بليلة أنزل فيها؟ قال: "انزل ليلة ثلاث وعشرين". قال: فلما تولى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اطلبوها في العشر الأواخر" . تفسير : وأخرج مالك والبخاري ومسلم والبيهقي عن ابن عمر أن رجالاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم رأوا ليلة القدر في السبع الأواخر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إني أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر، فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والبخاري والبيهقي عن عبادة بن الصامت قال: خرج نبي الله صلى الله عليه وسلم وهو يريد أن يخبرنا بليلة القدر فتلاحى رجلان من المسلمين قال: "حديث : خرجت لأخبركم بليلة القدر فتلاحى رجلان من المسلمين فلان وفلان فرفعت، وعسى أن يكون خيراً لكم فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة ". تفسير : وأخرج الطيالسي والبيهقي عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج وهو يريد أن يخبر أصحابه بليلة القدر فتلاحى رجلان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : خرجت وأنا أريد أن أخبركم بليلة القدر فتلاحى رجلان فاختلجت مني فاطلبوها في العشر الأواخر في تاسعة تبقى أو سابعة تبقى أو خامسة تبقى ". تفسير : وأخرج البخاري وأبو داود وابن جرير والبيهقي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : التمسوها في العشر الأواخر من رمضان في تاسعة تبقى وفي سابعة تبقى وفي خامسة تبقى ". تفسير : وأخرج أحمد عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: حديث : التمسوها في العشر الأواخر في تاسعة وسابعة وخامسة ". تفسير : وأخرج الطيالسي وابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والترمذي وصححه والنسائي وابن جرير والحاكم وصححه والبيهقي عن عبد الرحمن بن جوشن قال: ذكرت ليلة القدر عند أبي بكرة فقال: أما أنا فلست بملتمسها إلا في العشر الأواخر بعد حديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : التمسوها في العشر الأواخر لتاسعة تبقى أو سابعة تبقى أو ثالثة تبقى أو آخر ليلة"تفسير : فكان أبو بكرة رضي الله عنه يصلي في عشرين من رمضان كما كان يصلي في سائر السنة فإذا دخل العشر اجتهد. وأخرج أحمد ومسلم وأبو داود والبيهقي من طريق أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : التمسوها في العشر الأواخر من رمضان فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة"تفسير : قلت يا أبا سعيد إنكم أعلم بالعدد منا. قال: أجل، قلت: ما التاسعة والسابعة والخامسة؟ قال: إذا مضت واحدة وعشرون فالتي تليها التاسعة، وإذا مضى الثلاث والعشرون، فالتي تليها السابعة، وإذا مضى خمس وعشرون فالتي تليها الخامسة. وأخرج الطيالسي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ليلة القدر أربع وعشرون ". تفسير : وأخرج أحمد والطحاوي ومحمد بن نصر وابن جرير والطبراني وأبو داود وابن مردويه عن بلال رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ليلة القدر ليلة أربع وعشرين ". تفسير : وأخرج ابن سعد ومحمد بن نصر وابن جرير عن عبد الرحمن بن عسلة الصنابحي رضي الله عنه قال: ما فاتني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بخمس ليال توفي وأنا بالجحفة، فقدمت على أصحابه متوافرين فسألت بلالاً رضي الله عنه عن ليلة القدر فقال: ليلة ثلاث وعشرين. وأخرج محمد بن نصر عن ابن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : التمسوا ليلة القدر في أربع وعشرين ". تفسير : وأخرج الطيالسي وابن زنجويه وابن حبان والبيهقي عن أبي ذر رضي الله عنه قال: حديث : صمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يقم بنا شيئاً من الشهر حتى إذا كانت ليلة أربع وعشرين السابع مما يبقى صلى بنا حتى كاد أن يذهب ثلث الليل، فلما كانت ليلة خمس وعشرين لم يصل بنا، فلما كانت ليلة ست وعشرين السابع مما بقي صلى بنا حتى كاد أن يتأطر الليل، فقلت يا رسول الله: لو نفلتنا بقية ليلتنا فقال: لا، إن الرجل إذا صلى مع الإِمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة، فلما كانت ليلة سبع وعشرين لم يصل بنا، فلما كانت ليلة ثمان وعشرين جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم واجتمع له الناس فصلى بنا حتى كاد أن يفوتنا الفلاح، ثم لم يصل بنا شيئاً من الشهرتفسير : ، والفلاح السحور. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن زنجويه وعبد بن حميد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن جرير وابن حبان وابن مردويه والبيهقي عن زر بن حبيش قال: حديث : سألت أبيّ بن كعب عن ليلة القدر قلت: إن أخاك عبدالله بن مسعود يقول: من يقم الحول يصب ليلة القدر، فحلف لا يستثني أنها ليلة سبع وعشرين. قلت: بم تقول ذلك أبا المنذر؟ قال: بالآية والعلامة التي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنها تصبح من ذلك اليوم تطلع الشمس ليس لها شعاع". ولفظ ابن حبان: "بيضاء لا شعاع لها كأنها طست" . تفسير : وأخرج محمد بن نصر وابن جرير والحاكم وصححه والبيهقي من طريق عاصم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان عمر رضي الله عنه يدعوني مع أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ويقول: لا تتكلم حتى يتكلموا، فدعاهم فسألهم فقال: أرأيتم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة القدر: "حديث : التمسوها في العشر الأواخر وتراً أي ليلة ترونها؟تفسير : فقال بعضهم: ليلة إحدى وعشرين، وقال بعضهم: ليلة ثلاث، وقال بعضهم: ليلة خمس، وقال بعضهم: ليلة سبع. فقالوا: وأنا ساكت. فقال: ما لك لا تتكلم؟ فقلت: إنك أمرتني أن لا أتكلم حتى يتكلموا. فقال: ما أرسلت إليك إلا لتكلم فقال: إني سمعت الله يذكر السبع فذكر سبع سموات ومن الأرض مثلهن، وخلق الإِنسان من سبع، ونبت الأرض سبع. فقال عمر رضي الله عنه: هذا أخبرتني بما أعلم أرأيت ما لا أعلم؟ فذلك نبت الأرض سبع. قلت: قال الله عز وجل {أية : شققنا الأرض شقاً فأنبتنا فيها حباً وعنباً وقضباً وزيتوناً ونخلاً وحدائق غلباً وفاكهة وأباً} تفسير : [عبس: 26] قال: فالحدائق غلباً الحيطان من النخل والشجر {وفاكهة وأبا} فالأب ما أنبتت الأرض مما تأكله الدواب والأنعام ولا تأكله الناس. فقال عمر رضي الله عنه لأصحابه: أعجزتم أن تقولوا كما قال هذا الغلام الذي لم يجتمع شؤون رأسه، والله إني لأرى القول كما قلت، وقد أمرتك أن لا تتكلم معهم. وأخرج عبد الرزاق وابن راهويه ومحمد بن نصر والطبراني والبيهقي من طريق عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: دعا عمر رضي الله عنه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فسألهم عن ليلة القدر فاجتمعوا أنها في العشر الأواخر، فقلت لعمر: إني لأعلم وإني لأظن أي ليلة هي، قال: وأي ليلة هي؟ قال: سابعة تبقى من العشر الأواخر قال عمر رضي الله عنه: ومن أين علمت ذلك قلت: خلق الله سبع سموات وسبع أرضين وسبع أيام وإن الدهر يدور في سبع وخلق الإِنسان من سبع، ويأكل من سبع، ويسجد على سبعة أعضاء، والطواف بالبيت سبع، والجمار سبع لأشياء ذكرها. فقال عمر رضي الله عنه، لقد فطنت لأمر ما فطنا له، وكان قتادة يزيد عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ويأكل من سبع. قال: هو قول الله تعالى: {فأنبتنا فيها حباً وعنباً وقضباً} الآية. وأخرج ابن سعد وعبد بن حميد عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يدني ابن عباس رضي الله عنهما، وكان ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فكأنهم وجدوا في أنفسهم فقال: لأريتكم اليوم منه شيئاً تعرفون فضله فسألهم عن هذه السورة {أية : إذا جاء نصر الله} تفسير : [النصر:1] فقالوا: أمر نبينا صلى الله عليه وسلم إذا رأى مسارعة الناس في الإِسلام ودخولهم فيه أن يحمد الله ويستغفره، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا ابن عباس ما لك لا تتكلم؟ فقال: أعلمه متى يموت. قال: {إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً} فهي آيتك من الموت فقال عمر رضي الله عنه: صدق والذي نفس عمر بيده ما أعلم منها إلا ما علمت. قال: وسألهم عن ليلة القدر فأكثروا فيها فقالوا: كنا نرى أنها في العشر الأوسط، ثم بلغنا أنها في العشر الأواخر، فأكثروا فيها، فقال بعضهم: ليلة إحدى وعشرين، وقال بعضهم: ثلاث وعشرين، وقال بعضهم: سبع وعشرين. فقال له عمر رضي الله عنه ما لك يا ابن عباس لا تتكلم؟ قال: الله أعلم. قال: قد نعلم أن الله أعلم، ولكني إنما أسألك عن علمك، فقال ابن عباس رضي الله عنهما: إن الله وتر يحب الوتر خلق سبع سموات، وجعل عدد الأيام سبعاً، وجعل الطواف بالبيت سبعاً، والسعي بين الصفا والمروة سبعاً، ورمي الجمار سبعاً، وخلق الإِنسان من سبع، وجعل رزقه من سبع. قال: كيف خلق الإِنسان من سبع وجعل رزقه من سبع فقد فهمت من هذا شيئاً لم أفهمه؟ قال: قول الله: {أية : لقد خلقنا الإِنسان من سلالة من طين} تفسير : [المؤمنون: 12] إلى قوله: {أية : فتبارك الله أحسن الخالقين}تفسير : [المؤمنون: 14] ثم ذكر رزقه فقال: {أية : أَنا صببنا الماء صباً}تفسير : [عبس: 26] إلى قوله: {أية : وفاكهة وأباً} تفسير : [عبس: 31] فالأبّ ما أنبتت الأرض للأنعام والسبعة رزق لبني آدم قال: لا أراها والله أعلم إلا لثلاث يمضين وسبع يبقين. وأخرج أبو نعيم في الحلية من طريق محمد بن كعب القرظي رضي الله عنه عن ابن عباس رضي الله عنهما أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه جلس في رهط من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين فذكروا ليلة القدر، فتكلم منهم من سمع فيها بشيء مما سمع، فتراجع القوم فيها الكلام، فقال عمر رضي الله عنه، ما لك يا ابن عباس صامت لا تتكلم؟ تكلم ولا يمنعك الحداثة. قال ابن عباس رضي الله عنهما: فقلت يا أمير المؤمنين: إن الله تعالى وتر يحب الوتر فجعل أيام الدنيا تدور على سبع، وخلق الإِنسان من سبع، وجعل فوقنا سموات سبعاً، وخلق تحتنا أرضين سبعاً، وأعطى من المثاني سبعاً، ونهى في كتابه عن نكاح الأقربين عن سبع، وقسم الميراث في كتابه على سبع، ونقع في السجود من أجسادنا على سبع، وطاف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكعبة سبعاً وبين الصفا والمروة سبعاً، ورمى الجمار سبع لإِقامة ذكر الله في كتابه فأراها في السبع الأواخر من شهر رمضان، والله أعلم، قال: فتعب عمر رضي الله عنه وقال: وما وافقني فيها أحد إلا هذا الغلام الذي لم يسر شؤون رأسه، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"حديث : التمسوها في العشر الأواخر"تفسير : ثم قال: "حديث : يا هؤلاء من يؤدي في هذا كأداء ابن عباس ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : التمسوا ليلة القدر ليلة سبع وعشرين ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن زر رضي الله عنه أنه سئل عن ليلة القدر فقال: كان عمر وحذيفة وناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يشكون أنها ليلة سبع وعشرين. وأخرج ابن نصر وابن جرير في تهذيبه عن معاوية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : التمسوا ليلة القدر في آخر ليلة ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أتيت وأنا نائم في رمضان فقيل لي: إن الليلة ليلة القدر، فقمت وأنا ناعس، فتعلقت ببعض أطناب فسطاط رسول الله الله صلى الله عليه وسلم، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي، فنظرت في الليلة فإذا هي ليلة ثلاث وعشرين قال: فقال ابن عباس: إن الشيطان يطلع مع الشمس كل يوم إلا ليلة القدر، وذلك أنها تطلع يومئذ بيضاء لا شعاع لها. وأخرج محمد بن نصر والحاكم وصححه عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: قمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان ليلة ثلاث وعشرين إلى ثلث الليل، ثم قمنا معه ليلة خمس وعشرين إلى نصف الليل، ثم قمنا معه ليلة سبع وعشرين حتى ظننت أنا لا ندرك الفلاح، وأنتم تسمون السحور، وأنتم تقولون ليلة سابعة ثلاث عشر، ونحن نقول ليلة سابعة سبع وعشرين أفنحن أصوب أم أنتم؟ وأخرج محمد بن نصر عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : التمسوا ليلة القدر في العشر الباقيات من شهر رمضان في الخامسة والسابعة والتاسعة ". تفسير : وأخرج البخاري في تاريخه عن ابن عمر رضي الله عنه: سأل عمر رضي الله عنه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن ليلة القدر فقال ابن عباس رضي الله عنهما: إن ربي يحب السبع {أية : ولقد آتيناك سبعاً من المثاني}تفسير : [الحجر: 87] قال البخاري في إسناده نظر. وأخرج الطيالسي وأحمد وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال في ليلة القدر: "حديث : إنها ليلة سابعة أو تاسعة وعشرين، وإن الملائكة في تلك الليلة في الأرض أكثر من عدد الحصى ". تفسير : وأخرج محمد بن نصر من طريق أبي ميمون عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: إنها السابعة وتاسعة والملائكة معها أكثر من عدد نجوم السماء، وزعم أنها في قوله: أبي هريرة رضي الله عنه ليلة أربع وعشرين. وأخرج محمد بن نصر وابن جرير والطبراني والبيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما حديث : أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله إني شيخ كبير يشق عليّ القيام فمرني بليلة لعل الله أن يوفقني فيها لليلة القدر، قال: "عليك بالسابعة" . تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وابن منيع والبخاري في تاريخه والطبراني وأبو الشيخ والبيهقي عن حوّة العبدي قال: سئل زيد بن أرقم رضي الله عنه عن ليلة القدر فقال: ليلة سبع عشرة ما تشك ولا تستثن، وقال: ليلة نزل القرآن ويوم الفرقان يوم التقى الجمعان. وأخرج الحرث بن أبي أسامة عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه قال: هي الليلة التي لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم في يومها أهل بدر، يقول الله {أية : وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان}تفسير : [الأنفال: 41] قال جعفر رضي الله عنه: بلغني أنها ليلة ست عشرة أو سبع عشرة. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة ومحمد بن نصر والطبراني وابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: التمسوا ليلة القدر لسبع عشرة خلت من رمضان، فإنها صبيحة يوم بدر التي قال الله: {وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان} وفي إحدى وعشرين وفي ثلاث وعشرين فإنها لا تكون إلا في وتر. وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اطلبوها ليلة سبع عشرة من رمضان وليلة إحدى وعشرين وليلة ثلاث وعشرين"تفسير : ثم سكت. وأخرج الطحاوي عن عبد الله بن أنيس رضي الله عنه أنه حديث : سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ليلة القدر فقال: "تحروها في النصف الأخير" ثم عاد فسأله فقال: "إلى ثلاث وعشرين" . تفسير : وأخرج أحمد ومحمد بن نصر عن معاذ بن جبل رضي الله عنه حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن ليلة القدر فقال: "هي في العشر الأواخر أو في الثالثة أو في الخامسة" . تفسير : وأخرج أحمد عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : اطلبو ليلة القدر في العشر الأواخر في تسع يبقين وسبع يبقين وخمس يبقين وثلاث يبقين ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة عن أبي قلابة رضي الله عنه قال: ليلة القدر تنتقل في العشر الأواخر في كل وتر. وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام قال: ليلة القدر ليلة سبع عشرة ليلة جمعة. وأخرج أبو الشيخ عن عمرو بن حويرث قال: إنما أرى أن ليلة القدر لسبع عشرة، ليلة الفرقان. وأخرج محمد بن نصر والطبراني عن خارجة بن زيد رضي الله عنه بن ثابت عن أبيه أنه كان يحيي ليلة ثلاث وعشرين من شهر رمضان وليلة سبع وعشرين ولا كإحياء ليلة سبع عشرة، فقيل له: كيف تحيي ليلة سبع عشرة؟ قال:إن فيها نزل القرآن وفي صبيحتها فرق بين الحق والباطل. وأخرج محمد بن نصر عن ابن مسعود رضي الله عنه في ليلة القدر: تحروها لاحدى عشرة يبقين صبيحتها يوم بدر لتسع يبقين ولسبع يبقين فإن الشمس تطلع كل يوم بين قرني الشيطان إلا صبيحة ليلة القدر فإنها تطلع ليس لها شعاع. وأخرج الطيالسي ومحمد بن نصر والبيهقي وضعفه عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في ليلة القدر: "حديث : ليلة سمحة طلقة لا حارة ولا باردة تصبح شمس صبيحتها ضعيفة حمراء ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ليلة القدر ليلة بلجة سمحة تطلع شمسها ليس لها شعاع ". تفسير : وأخرج ابن جرير في تهذيبه عن أبي قلابة رضي الله عنه قال: ليلة القدر تجول في ليالي العشر كلها. وأخرج البخاري ومسلم والبيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من قام ليلة القدر إيماناً غفر له ما تقدم من ذنبه ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن علي رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل الشهر أيقظ أهله ورفع مئزره. وأخرج ابن أبي شيبة عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله يجتهد في العشر اجتهاداً لا يجتهد في غيره. وأخرج البيهقي عن عليّ بن أبي طالب قال: أنا والله حرضت عمر على القيام في شهر رمضان قيل: وكيف ذلك يا أمير المؤمنين؟ قال: أخبرته أن في السماء السابعة حظيرة يقال لها حظيرة القدس فيها ملائكة يقال لهم الروح، وفي لفظ الروحانيون، فإذا كان ليلة القدر استأذنوا ربهم في النزول إلى الدنيا فيأذن لهم فلا يمرون على مسجد يصلى فيه ولا يستقبلون أحداً في طريق إلا دعوا له فأصابه منهم بركة. فقال له عمر: يا أبا الحسن فنحرض الناس على الصلاة حتى تصيبهم البركة، فأمر الناس بالقيام. وأخرج البيهقي عن أنس بن مالك قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : من صلى المغرب والعشاء في جماعة حتى ينقضي شهر رمضان فقد أصاب من ليلة القدر بحظ وافر ". تفسير : وأخرج ابن خزيمة والبيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:حديث : من صلى العشاء الأخيرة في جماعة في رمضان فقد أدرك ليلة القدر ". تفسير : وأخرج ابن زنجويه عن ابن عمرو قال: من صلى العشاء الأخيرة في جماعة في رمضان أصاب ليلة القدر. وأخرج مالك وابن أبي شيبة وابن زنجويه والبيهقي عن سعيد بن المسيب قال: من شهد العشاء ليلة القدر في جماعة فقد أخذ بحظه منها. وأخرج البيهقي عن عليّ قال: من صلى العشاء كل ليلة في شهر رمضان حتى ينسلخ فقد قامه. وأخرج ابن أبي شيبة عن عامر قال: يومها كليلتها وليلتها كيومها. وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن بن الحر قال: بلغني أن العمل في يوم القدر كالعمل في ليلتها. وأخرج أحمد والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجة ومحمد بن نصر والبيهقي عن عائشة قالت: حديث : قلت يا رسول الله: إن وافقت ليلة القدر فما أقول؟ قال: قولي اللهم إنك عفو تحب العفو فاعفُ عني ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة ومحمد بن نصر والبيهقي عن عائشة قالت: لو عرفت أي ليلة القدر ما سألت الله فيها إلا العافية. وأخرج ابن أبي شيبة عن عائشة قالت: لو علمت أي ليلة القدر كان أكثر دعائي فيها أسأل الله العفو والعافية. وأخرج البيهقي في الشعب عن أبي يحيى بن أبي مرة قال: طفت ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان فرأيت الملائكة تطوف في الهواجر إلى البيت. وأخرج البيهقي من طريق الأوزاعي عن عبدة بن أبي لبابة قال: ذقت ماء البحر ليلة سبع وعشرين من شهر رمضان فإذا هو عذب. وأخرج البيهقي عن أيوب بن خالد قال: كنت في البحر فأجنبت ليلة ثلاث وعشرين من شهر رمضان فاغتسلت من ماء البحر فوجدته عذباً فراتاً. وأخرج ابن زنجويه ومحمد بن نصر عن كعب الأحبار قال: نجد هذه الليلة في الكتب حطوطاً تحط الذنوب يريد ليلة القدر. وأخرج البيهقي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا كان ليلة القدر نزل جبريل في كبكبة من الملائكة يصلون على كل عبد قائم أو قاعد يذكر الله تعالى، فإذا كان يوم عيدهم باهى بهم الملائكة فقال: يا ملائكتي ما جزاء أجير وفى عمله؟ قالوا: ربنا جزاؤه أن يؤتى أجره. قال: يا ملائكتي عبيدي وإمائي قضوا فريضتي عليهم ثم خرجوا يعجون إليّ بالدعاء وعزتي وجلالي وكرمي وعلوي وارتفاع مكاني لأجيبنهم، فيقول: ارجعوا فقد غفرت لكم وبدلت سيئاتكم حسنات فيرجعون مغفوراً لهم ". تفسير : وأخرج الزجاجي في أماليه عن علي بن أبي طالب قال: إذا أتى أحدكم الحاجة فليبكر في طلبها يوم الخميس، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : اللهم بارك لأمتي في بكورها يوم الخميس"تفسير : . وليقرأ إذا خرج من منزله آخر سورة آل عمران، و {إنا أنزلناه في ليلة القدر} وأم الكتاب، فإن فيهن قضاء حوائج الدنيا والآخرة. وأخرج أحمد والترمذي ومحمد بن نصر والطبراني عن عليّ قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر بتسع سور في ثلاث ركعات {ألهاكم التكاثر} و {إنا أنزلناه في ليلة القدر} و {إذا زلزلت الأرض} في ركعة وفي الثانية {والعصر} و {إذا جاء نصر الله} و {إنا أعطيناك الكوثر} وفي الثالثة {قل يا أيها الكافرون} و {تبت يدا أبي لهب} و {قل هو الله أحد}. وأخرج محمد بن نصر عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من قرأ {إنا أنزلناه في ليلة القدر} عدلت بربع القرآن ومن قرأ {إذا زلزلت} عدلت بنصف القرآن و{قل يا أيها الكافرون} تعدل ربع القرآن و {قل هو الله أحد} تعدل ثلث القرآن.
ابو السعود
تفسير : مختلف فيها، وآيُها خمس {إِنَّا أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ} تنويهٌ بشأنِ القرآنِ الكريمِ وإجلالٌ لمحلِه بإضمارِهِ المُؤذنِ بغايةِ نباهتِهِ المغنيةِ عن التصريحِ بهِ كأنهُ حاضرٌ فِي جميعِ الأذهانِ وبإسنادِ إنزالِه إلى نونِ العظمةِ المنبىءِ عنْ كمالِ العنايةِ بهِ وتفخيمُ وقتِ إنزالِه بقولِه تعالى: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ} لما فيهِ منَ الدلالةِ عَلى أنَّ علوِّ قدرِها خارجٌ عنْ دائرةِ درايةِ الخَلْقِ لا يدريَها وَلاَ يدريَها إلاَّ علاَّمُ الغيوبِ كمَا يُشعِرُ بهِ قولُه تعالَى: {لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مّنْ أَلْفِ شَهْرٍ} فإنهُ بـيانٌ إجماليٌّ لشأنها إثرَ تشويقهِ عليهِ السلامُ إلى درايتها فإنَّ ذلكَ معربٌ عنِ الوعدِ بإدرائها وقدْ مرَّ بـيانُ كيفيةِ إعرابِ الجملتينِ وفي إظهارِ ليلةِ القدرِ في الموضعينِ منْ تأكيدِ التفخيمِ مَا لا يخفى والمرادُ بإنزالِه فيها إمَّا إنزالُ كُلِّه إلى السماءِ الدُّنيا كَما رُوي أنَّه أُنزل جملةً واحدةً في ليلةِ القدرِ من اللوحِ المحفوظِ إلى السماءِ الدُّنيا وأملاهُ جبريلُ عليهِ السلامُ على السَّفرةِ ثُمَّ كانَ ينزلهُ على النبـيِّ عليهِ السَّلامُ نجوماً في ثلاثِ وعشرينَ سنةً وإمَّا ابتداءُ إنزالِه فيها كما نُقلَ عن الشَّعبـيِّ. وقيلَ: المَعْنى أنزلناهُ في شأنِ ليلةِ القدرِ وفضلِها كَما في قولِ عمرَ رضي الله عنهُ: خشيتُ أن ينزلَ فيَّ قرآن، وقولِ عائشةَ رضيَ الله عنها: لأنَا أحقرُ في نفسي منْ أن ينزلَ فيَّ قرآن فالأنسبُ أن يجعلَ الضميرُ حينئذٍ للسورةِ التي هيَ جزءٌ من القرآنِ لا للكُلِّ واختلفوا في وقتها فأكثرهم على أنها في شهرِ رمضانَ في العشرِ الأواخرِ في أوتارِها وأكثرُ الأقوالِ أنها السابعةُ منها ولعلَّ السرِّ في إخفائها تعريضُ منْ يريدُها للثوابِ الكثير بإحياءِ الليالي الكثيرةِ رجاءً لموافقتها وتسميتُها بذلكَ إمَّا لتقدير الأمورِ وقضائها فيها لقولِه تعالى: { أية : فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} تفسير : [سورة الدخان، الآية 4] أو لخطرها وشرفها على سائرِ الليالي وتخصيصُ الألفِ بالذكرِ إمَّا للتكثيرِ أوْ لمَا رُوي أنه عليهِ السَّلامُ ذكرَ رجلاً من بني إسرائيلَ لبسَ السلاحَ في سبـيلِ الله ألفَ شهرٍ فعجبَ المؤمنونَ منه وتقاصرتْ إليهم أعمالهم فأعطوا ليلةً هيَ خير منْ مدةِ ذلكَ الغازي وقيلَ: إنَّ الرجلَ فيما مَضَى مَا كانَ يقالُ لَهُ عابدٌ حَتَّى يعبدَ الله تعالى ألفَ شهرٍ فأعطوا ليلةً إنْ أحيوْها كانُوا أحقَّ بأن يُسمَّوا عابدينَ من أولئكَ العبادِ، وقيلَ: أُري النبـيُّ عليهِ السَّلامُ أعمارَ الأممِ كافةً فاستقصرَ أعمارَ أمتِه فخافَ أنْ لا يبلغوا من العملِ مثلَ ما بلغَ غيرهم في طولِ العمرِ فأعطاهُ الله ليلةَ القدرِ وجعلها خيراً منْ ألفِ شهرٍ لسائرِ الأممِ، وقيلَ: كانَ ملكُ سليمانَ خمسمائةَ شهرٍ وملكُ ذي القرنينِ خمسمائةَ شهرٍ فجعلَ الله تعالَى العملَ في هذهِ الليلةِ لمنْ أدركها خيراً منْ مُلكِهِمَا.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ}[1] قال: ليلة القدر قدرت فيها الرحمة على عباده.
السلمي
تفسير : قال سهل: ليلة قدرتُ فيها الرحمة على عبادى.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ}. في ليلةٍ قَدَّرَ فيها الرحمةَ لأوليائه، في ليلةٍ يجد فيها العابدون قَدْرَ نفوسِهم، ويشهد فيهَا العارفون قَدْرَ معبودهم.. وشتان بين وجودِ قَدْرٍ وشهودِ قَدْرٍ! فلهؤلاء وجودُ قَدْرٍ ولكن قدر أنفسهم، ولهؤلاء شهود قدرٍ ولكن قدر معبودهم. {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ}. استفهامٌ على جهة التفخيم لشأن تلك الليلة. {لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ}. أي: هي خيرٌ من ألف شهر ليست فيها ليلة القدر. هي ليلةٌ قصيرةٌ على الأحباب لأنهم فيها في مسَامرةٍ وخطاب.. كما قيل: شعر : يا ليلــة مــن ليالـــي الـــدهــــرِ قابلــــت فيهــــا بَدْرَهــــا بِبَـــــدْرِ ولم تكـــن عــن شَفَـــــقٍ وفَجْــــــرٍ حتــى تولّــــت وهــي بَكْــــرُ الدهـــرِ تفسير : قوله جلّ ذكره: {تَنَزَّلُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ سَلاَمٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ ٱلْفَجْرِ}. {وَٱلرُّوحُ فِيهَا}: قيل جبريل. وقيل: مَلَكُ عظيم. {بِإِذْنِ رَبِّهِم}: أي بأمر ربهم. {مِّن كُلِّ أَمْرٍ سَلاَمٌ}: أي مع كل مأمورٍ منهم سلامي عَلَى أوليائي. {هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ ٱلْفَجْرِ}: أي هي باقية إلى أن يطلع الفجر.
البقلي
تفسير : تلك الليلة من كشف جماله للعارفين واهل شهوده من المقربين قدر منازلهم فى مقام المعارف والكواشف وقدر مقادير الغيوب وابرز انوار ملكوته وجبروته لاهل القلوب لذلك يتنزل الملائكة والروح فى تلك الليلة يبشرونهم بالوصال وكشف الجمال ابدا قال سهل ليلة قدرت فيها الرحمة على عبادى وقيل نزول الملائكة فى تلك الليلة لاسترواح قلوب العارفين قال الاستاذ ليلة يجد العابدون فيها قدر نفوسهم ويشهد العارفون فيها قدر معبودهم فشتان بين ------قدر وبين شهود قدر.
اسماعيل حقي
تفسير : {انا انزلناه فى ليلة القدر} النون للعظمة او للدلالة على الذات مع الصفات والاسماء والضمير للقرءآن لأن شهرته تقوم مقام تصريحه باسمه وارجاع الضمير اليه فكأنه حاضر فى جميع الاذهان وعظمه بأن اسند انزاله الى جنابه مع أن نزوله انما يكون بواسطة الملك وهو جبرآئيل على طريقة القصر بتقديم الفاعل المعنوى الا انه اكتفى بذكر الاصل بمعنى نحن انزلناه فادخل ان للتحقيق فاختير اتصال الضمير للتخفيف ومعنى صيغة الماضى انا حكمنا بانزاله فى ليلة القدر وقضينا به وقدرناه فى الازل ثم ان الانزال يستعمل فى الدفعى والقرءآن لم ينزل جملة واحدة بل انزل منجما مفرقا فى ثلاث وعشرين سنة وهذه السورة من جملة ما انزل وجوابه أن المراد أن جبرآئيل نزل به جملة واحده فى ليلة القدر من اللوح المحفوظ الى بيت العزة فى السماء الدنيا واملاه على السفرة اى الملائكة الكاتبين فى تلك السماء ثم كان ينزل على النبى عليه السلام منجما على حسب المصالح وكان ابتدآء تنزيله ايضا فى تلك الليلة وفيه اشارة الى أن بيت العزة اشرف المقامات السماوية بعد اللوح المحفوظ لنزول القرءآن منه اليه ولذلك قيل بفضل السماء الاولى على اخواتها لانها مقر الوحى الربانى وقيل لشرف المكان بالمكين وكل منهما وجه فان السلطان انما ينزل على انزه مكان ولو فرضنا نزوله على مسبخة لكفى نزوله هناك شرفا لها فالمكان الشريف يزداد شرفا بالمكين الشريف كما سبق فى سورة البلد ففى نزول القرءآن بالتدريج اشارة الى تعظيم الجناب المحمدى كما تدخل الهدايا شيأ بعد شئ على ايدى الخدام تعظيما للمهدى اليه بعد التسوية بيه وبين موسى عليهما السلام بانزاله جملة الى بيت العزة وفى التدريج ايضا تسهيل للحفظ وتثبيت لفؤاده كما قال تعالى وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرءآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك وكلام الله المنزل قسمان القرءآن والخبر القدسى لأن جبرآئيل كان ينزل بالسنة كما ينزل بالقرءآن ومن هنا جاز رواية السنة بالمعنى لان جبرآئيل اداها بالمعنى ولم تجز القرءآن بالمعنى لأن جبرآئيل اداها باللفظ والسر فى ذلك التعبد بلفظه والاعجاز به فانه لا يقدر أحد أن يأتى بدله بما يشتمل عليه من الاعجاز لفظا ومن الاسرار معنى فكيف يقوم لفظ الغير ومعناه مقام حرف القرءآن ومعناه ثم ان اللوح المحفوظ قلب هذا التعين ولكن قلب الانسان ألطف منه لأنه زبدته واشرفه لأن القرءآن نزل به الروح الامين على قلب النبى المختار وهنا سؤال وهو أن الملائكة بأسرهم صعقوا ليلة نزول القرءآن من حضرة اللوح المحفوظ الى حضرة بيت العزة فما وجهه والجواب أن محمدا صلى الله عليه وسلم عندهم من أشراط القيامة والقرءآن كتاب فنزوله دل على قيام الساعة فصعقوا هيبة منه واجلالا لكلامه وحضرة وعده ووعيده وفى بعض الاخبار ان الله تعالى اذا تكلم بالرحمة تكلم بالفارسية والمراد بالفارسية لسان غير العرب سريانيا كان او عبرانيا واذا تكلم بالعذاب تكلم بالعربية فلما سمعوا العربية المحمدية ظنوا أنه عقاب فصعقوا وسيأتى معنى القدر ثم القرءآن كلامه القديم انزله فى شهر رمضان كما قال تعالى شهر رمضان الذى انزل فيه القرءآن وهذا هو البيان الاول ولم ندر نهارا انزل فيه ام ليلا فقال تعالى ان انزلناه فى ليلة مباركة وهذا هو البيان الثانى ولم ندراى ليلة هى فقال تعالى {انا انزلناه فى ليلة القدر} فهذا هو البيان الثالث الذى هو غاية البيان فالصحيح أن الليلة التى يفرق فيها كل امر حكيم وينسخ فيها امر السنة وتدبير الاحكام الى مثلها هى ليلة القدر ولتقدير الامور فيها سميت ليلة القدر ويشهد التنزيل لما ذكرنا اذ فى اول الآية انا انزلناه فى ليلة مباركة ثم وصفها فقال فيها يفرق كل امر حكيم والقرءآن انما نزل فى ليلة القدر فكانت هذه الآية بهذا الوصف فى هذه الليلة مواطئة لقوله تعالى انا انزلناه فى ليلة القدر كذا فى قوت القلوب للشيخ ابى طالب المكى قدس سره فان قلت ما الحكمة فى انزال القرآن ليلا قلت لأن اكثر الكرامات ونزول النفحات والاسرآء الى السموات يكون بالليل والليل من الجنة لأنها محل الاستراحة والنهار من النار لأن فيه المعاش والتعب والنهار حظ اللباس والفراق والليل حظ الفراش والوصال وعبادة الليل افضل من عبادة النهار لأن قلب الانسان فيه اجمع والمقصود هو حضور القلب قال بعض العارفين اعمل التوحيد فى النهار والاسم فى الليل حتى تكون جامعا بين الطريقتين الجلوتية بالجيم والخلوتية ويكون التوحيد والاسم جناحين لك.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {إِنَّا أنزلناه في ليلة القدر}، نوّه بشأن القرآن، حيث أسند إنزاله إليه بإسناده إلى نون العظمة، المنبىء عن كمال العناية به، وجاء بضميره دون اسمه الظاهر للإيذان بغاية ظهوره، كأنه حاضر في جميع الأذهان، وقيل: يعود على المقروء المأمور به في قوله: {أية : ٱقْرَأْ}تفسير : [العلق:1] فتتصل السورة بما قبلها. وعظَّم الوقت الذي أنزله فيه بقوله: {وما أدراك ما ليلةٌ القَدْر} لِما فيه من الدلالة على أنَّ علو قدرها خارج عن دائرة دراية الخلق، لا يدريها إلاّ علاَّم الغيوب، كما يُشعر به قوله تعالى: {ليلةُ القدر خيرٌ من ألف شهرٍ} أي: ليس فيها ليلة القدر، فإنه بيان إجمالي لشأنها إثر تشويقه صلى الله عليه وسلم إلى درايتها، فإنَّ ذلك مُعْرِب عن الوعد بإدرائها على ما تقدّم. وفي إظهار ليلة القدر في الموضعين من تأكيد التفخيم ما لا يخفى. والمراد بإنزاله: إمّا إنزاله كله إلى سماء الدنيا، كما رُوي أنه أنزل جملة واحدة في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا، ثم نزل نجوماً في ثلاثٍ وعشرين سنة، وإمّا ابتداء نزوله،وهو الأظهر. وسُميت ليلة القدر لتقدير الأمور فيها، وإبراز ما قضى تلك السنة، لقوله تعالى: { أية : فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ}تفسير : [الدخان:4]، فالقَدْر بمعنى التقدير، أو لشرفها على سائر الليالي، فالقَدْر بمعنى الشرف، وهي ليلة السابع والعشرين من رمضان على المشهورِ. لما رُوي أنَّ أُبي بن كعب كان يحلف أنها ليلة السابع والعشرين، وقيل غير ذلك ومظان التماسها في الأوتار من العشر الأواخر. ولعل السر في إخفائها تعرض مَن يريدها للثواب الكثير بإحياء الليالي في طلبها، وهذا كإخفاء الصلاة الوسطى، واسمه الأعظم، وساعة الجمعة، ورضاه في الطاعات، وغضبه في المعاصي، وولايته في خلقه ليحسن الظن بالجميع. وتخصيص الألف بالذكر إمّا للتكثير، أو لما رُوي عنه صلى الله عليه وسلم أنه ذكر رجلاً من بني إسرائيل لبس السلاح في سبيل الله ألف شهر، فعجب المؤمنون وتقاصرت إليهم أعمالهم، فأُعطوا ليلةَ القدر هي خيرٌ من عمل ذلك الغازي. وقيل: إنّ النبي صلى الله عليه وسلم أري أعمار الأمم كافة، فاستقصر أعمار أمته، فخاف ألاّ يبلغوا من العمل مثل ما بلغ غيرهم، فأعطاه الله ليلة القدر، جعلها خيراً من ألف شهر لسائر الأمم. وقيل: كان مُلك سليمان خمسمائة شهر، وملك ذي القرنين خمسمائة شهر، فجعل الله هذه الليلة لِمن قامها خيراً من ملكيهما. ثم بيّن وجه فضلها، فقال: {تَنزَّلُ الملائكةُ والروحُ فيها}، والروح إمّا جبريل عليه السلام، أو خلق من الملائكة لا تراهم الملائكة إلاّ تلك الليلة، أو الرحمة. والمراد بتنزلهم: نزولهم إلى الأرض يُسلمون على الناس ويؤمِّنون على دعائهم، كما في الأثر. وقيل: إلى سماء الدنيا. وقوله: {بإِذنِ ربهم} يتعلق بـ"تنزلُ"، أو بمحذوف هو حال من فاعله، أي: ملتبسين بأمر ربهم، أو: ينزلون بإذنه، {من كل أمرٍ} أي: من أجل كل أمر قضاه الله تعالى لتلك السنة إلى قابل، رُوي أنَّ الله تعالى يُعْلِم الملائكة بكل ما يكون في ذلك العام كله، وقيل: يَبرز ذلك مِن علم الغيب ليلة النصف من شعبان، ويُعْطَى الملائكةً ليلة القدر، فلما كان أهم نزولهم هذا الأمر جعل نزولهم لأجله، فلا ينافي كون نزولهم للتسليم على الناس والتأمين، كما قال تعالى: {سلامٌ هيَ} أي: ما هي إلاَّ سلام على المؤمنين، جعلها نفس السلام لكثرة ما يُسلِّمون على الناس، فقد رُوي أنهم يُسلِّمومن على كل قائم وقاعد وقارىء ومُصَلِّ، أو: ما هي إلاِّ سلامة، أي: لا يُقَدِّر الله تعالى فيها إلاّ السلامة والخير، وأمّا في غيرها فيقضي سلامةً وبلاء, وقال ابن عباس: قوله: (هي) إشارة إلى أنها ليلة سبع وعشرين؛ لأنّ هذه الكلمة هي السابعة والعشرون من كلمات السورة. ثم ذكر غايتها، فقال: {حتى مطلَعِ الفجر} أي: تنتهي إلى طلوع الفجر، أو: تُسلِّم الملائكة إلى مطلع الفجر، أو: تنزل الملائكة فوجاً بعد فوج إلى طلوع الفجر. و"مَطْلَع" بالفتح: اسم زمان, وبالكسر مصدر، أو اسم زمان على غير قياس؛ لأنّ ما يضم مضارعه أو يفتح يتحد فيه الزمان والمكان والمصدر، يعني "مَفْعَل" في الجميع. الإشارة: أهل القلوب من العارفين، الأوقاتُ كلها عندهم ليلة القدر، والأماكن عندهم كلها عرفات، والأيام كلها جمعات، لأنّ المقصود من تعظيم الزمان والمكان هو باعتبار ما يقع فيه من التقريب والكشف والعيان، والأوقات والأماكن عند العارفين كلها سواء في هذا المعنى، كما قال شاعرهم: شعر : لولا شهود جمالكم في ذاتي ما كنت أرضى ساعة بحياتي ما ليلةُ القدر المعظَّم شأنها إلاَّ إذا عمرَتْ بكم أوقاتي إنَّ المحب إذا تمكّن في الهوى والحب لم يحتج إلى ميقات تفسير : وقال آخر: شعر : وكل الليالي ليلةُ القدر إن بدا كما كلُّ أيام اللقا يومُ جمعةِ وسعيٌ له حجٌّ، به كلُّ وقفةٍ على بابه قد عادلت ألف وقفةِ تفسير : وقال الشيخ أبو العباس رضي الله عنه: نحن ـ والحمد الله ـ أوقاتنا كلها ليلة القدر. هـ. لأنَّ عبادتهم كلها قلبية، بين فكرة واعتبار، وشهود واستبصار، و"حديث : فكرة ساعة أفضل من عبادة سبعين سنة"تفسير : ، كما في الأثر، بل فكرة العيان تزيد على ذلك، كما قال الشاعر: شعر : كلُّ وقت من حبيبي قَدْرُه كألف حجة تفسير : وقد يقال: ثواب هذه العبادة كشف الحجاب, وشهود الذات الأقدسن هو لا يقاس بمقياس. وبالله التوفيق. وصلّى الله على سيدنا محمد وآله.
الطوسي
تفسير : قرأ الكسائي وخلف {مطلع الفجر} بكسر اللام على معنى وقت طلوعه. الباقون بالفتح على المصدر، وروي عن ابن عباس انه قرأ {من كل أمرئ} بمعنى من الملائكة. الباقون {من كل أمر} بمعنى الواحد من الامور. يقول الله تعالى مخبراً انه أنزل القرآن فى ليلة القدر، فالهاء كناية عن القرآن، وإنما كنى عما لم يجر له ذكر، لأنه معلوم لا يشتبه الحال فيه. وقال ابن عباس: أنزل الله القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا فى ليلة القدر. وقال الشعبي: إنا ابتدأنا إنزاله فى ليلة القدر، وليلة القدر هي الليلة التي يحكم الله فيها ويقضي بما يكون فى السنة بأجمعها من كل أمر - فى قول الحسن ومجاهد - يقال: قدر الله هذا الأمر يقدره قدراً إذا جعله على مقدار ما تدعو اليه الحكمة. وقيل: فسر الله تعالى ليلة القدر بقوله {أية : فيها يفرق كل أمر حكيم}تفسير : وقيل: سميت ليلة القدر لعظم شأنها وجلالة موقعها من قولهم: فلان له قدر والأول أظهر، وليلة القدر فى العشر الأواخر من شهر رمضان بلا خلاف، وهي ليلة الافراد بلا خلاف. وقال اصحابنا: هي احدى الليلتين إما ليلة احدى وعشرين او ثلاث وعشرين، وجوز قوم: أن يكون سائر ليالي الافراد إحدى وعشرين وثلاث وعشرين، وخمس وعشرين، وسبع وعشرين وتسع وعشرين، وجوزوا ايضاً تقديهما فى سنة وتأخيرها فى أخرى، وإنما لم تعين هذه الليلة ليتوفر العباد على العمل فى سائر الليالي. والقدر كون الشيء على مساواة غيره من غير زيادة ولا نقصان، ففي ليلة القدر تجدد الأمور على مقاديرها جعلها الله فى الآجال والارزاق والمواهب التي يجعلها الله للعباد، ويقع فيها غفران السيئات ويعظم منزلة الحسنات على ما لا يقع فى ليلة من الليالي، فينبغي للعاقل أن يرغب فيما رغبه الله بالمبادرة إلى ما أمر به على ما شرط فيه. والاوقات إنما يفضل بعضها على بعض بما يكون من الخير الجزيل والنفع الكثير فيها دون غيرها فلما جعل الله تعالى الخير الكثير يقسم فى ليلة القدر بما جعله الله فيها من هذا المعنى، ولذلك قال {وما أدراك ما ليلة القدر} تعظيماً لشأنها وتفخيماً، وانك يا محمد لا تعلم حقيقة ذلك. ثم بين تعالى ذلك فقال {ليلة القدر خير من ألف شهر} والمعنى إن الثواب على الطاعة فيها خير يفضل على ثواب كل طاعة تفعل في الف شهر ليس فيها ليلة القدر. وقيل إن الله يتفضل على خلقه في هذه الليلة وينعم عليهم بما لا يفعل في الف شهر ليس فيها ليلة القدر وبما لا يكون مثله في الف شهر وكانت افضل من الف شهر ليس فيها ليلة القدر. والشهر في الشرع عبارة عن ما بين هلالين من الأيام، وسمي شهراً لاشتهارة بالهلال. وقد يكون الشهر ثلاثين ويكون تسعة وعشرين إذا كانت هلالية، فان لم تكن هلالية فهي ثلاثون. وقوله {تنزل الملائكة والروح فيها} معناه تنزل الملائكة والروح الذي هو جبرائيل بكل أمر في ليلة القدر إلى سماه الدنيا حتى يعلمه أهل سماء الدنيا، فيكون لطفاً لهم وحتى يتصوره العباد ينزل بأمر الله اليها، فتنصرف آمالهم إلى ما يكون منها فيقوى رجاؤهم بما يتجدد من تفضل الله فيها. وقيل: إن نزولها بالسلامة والخير والبركة إلى تلك الساعة {بإذن ربهم من كل أمر} أي ما ينزلون به كله بأمر الله، ويكون الوقف - ها هنا - تاماً على ما قرأ به القراء المشهورون، وعلى ما حكيناه عن ابن عباس وهو قول عكرمة والضحاك: لا يكون تاماً. وقوله {سلام هي حتى مطلع الفجر} قل هو سلام الملائكة عليهم السلام بعضهم على بعض إلى طلوع الفجر. وقيل: معناه سلام هي من الشر حتى مطلع الفجر - ذكره قتادة - وقيل إن فضل الصلاة فيها والعبادات على الف شهر يراد بها الى وقت طلوع الفجر، وليست كسائر الليالي التي فضلت بالعبادة في بعضها على بعض والمطلع الطلوع، والمطلع موضع الطلوع، وجر {مطلع} بـ (حتي) لانها إذا كانت بمعنى الغاية خفضت الاسم باضمار (إلى) ونصبت الفعل باضمار (إلى أن) كقولك: دخلت الكوفة حتى مسجدها، أي حتى انتهيت إلى مسجدها، والفعل كقولك: أسير حتى ادخلها، بمعنى إلى ان أدخلها.
الجنابذي
تفسير : {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ} اى القرآن، ابهمه من دون ذكرٍ له تفخيماً له بادّعاء انّه معيّن من غير تعيينٍ كما انّ نسبة الانزال الى ضمير المتكلّم وتعيين الظّرف تفخيم له وقد انزل القرآن بصورته {فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ} الّتى هى صدر محمّدٍ (ص)، وفى ليلة القدر الّتى هى النّقوش المداديّة والالفاظ الّذى يختفى المعانى تحتها. اعلم، انّه يعبّر عن مراتب العالم باعتبار امد بقائها، وعن مراتب الانسان باعتبار النّزول باللّيالى وباعتبار الصّعود بالايّام لانّ الصّاعد يخرج من ظلمات المراتب الدّانية الى انوار المراتب العالية، والنّازل يدخل من انوار المراتب العالية فى ظلمات المراتب النّازلة كما انّه يعبّر عنها باعتبار سرعة مرور الواصلين اليها وبطوء مرورهم بالسّاعات والايّام والشّهور والاعوام، وايضاً يعبّر عنها باعتبار الاجمال فيها بالسّاعات والايّام وباعتبار التّفصيل بالشّهور والاعوام، وانّ المراتب العالية كلّها ليالٍ ذوو الاقدار وانّ عالم المثال يقدّر قدر الاشياء تماماً فيه ويقدّر ارزاقها وآجالها وما لها وما عليها فيه، وهو ذو قدرٍ وخطر، وهكذا الانسان الصّغير وليالى عالم الطّبع كلّها مظاهر لتلك اللّيالى العالية، فانّها بمنزلة الارواح لليالى عالم الطّبع وبها تحصّلها وبقاؤها لكن لبعض منها خصوصيّة، بتلك الخصوصيّة تكون تلك اللّيالى العالية اشدّ ظهوراً فى ذلك البعض ولذلك ورد بالاختلاف وبطريق الابهام والشّكّ: انّ ليلة القدر ليلة النّصف من شعبان، او التّاسع عشر او الحادى والعشرون، او الثّالث والعشرون، او السّابع والعشرون، او اللّيلة الاخيرة من شهر رمضان وغير ذلك من اللّيالى، وعالم الطّبع وكذلك عالم الشّياطين والجنّ بمراتبها ليس بليلة القدر، وهذان العالمان عالما بنى اميّة وليس فيهما ليلة القدر، والاشهر المنسوبة الى بنى اميّة الّتى ليس فيها ليلة القدر كناية عن مراتب ذينك العالمين.
فرات الكوفي
تفسير : قال: [حدثنا] أبو القاسم العلوي قال: حدثنا فرات بن إبراهيم الكوفي معنعناً: عن أبي عبد الله عليه السلام انه كان يقرأ هذه الآية [أ، ب: السورة}: {بإذن ربهم من كل أمر سلام} أي بكل أمر إلى محمد وعلي سلام. فرات قال: حدثنا محمد بن القاسم بن عبيد معنعناً: عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: {إنا أنزلناه في ليلة القدر} الليلة فاطمة والقدر الله فمن عرف فاطمة حق معرفتها فقد أدرك ليلة القدر، وإنما سميت فاطمة لأن الخلق فطموا عن معرفتها - أو من معرفتها الشك [من أبي القاسم. أ، ب] - وقوله: {وما أدراك ما ليلة القدر؟! ليلة القدر خيرٌ من ألف شهر} يعني خير من ألف مؤمن وهي أم المؤمنين {تنزل الملائكة والروح فيها} والملائكة المؤمنون الذين يملكون علم آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم والروح القدس هي فاطمة عليها السلام {بإذن ربهم من كل أمر سلام هي حتى مطلع الفجر} يعني حتى يخرج القائم عليه السلام.
الأعقم
تفسير : {إنَّا أنزلناه} السورة يعني القرآن {في ليلة القدر} فيه أقوال: أولها أنزلنا القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا في ليلة القدر ثم أنزل على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) نجوماً، وقيل: كان أنزل في كل سنة في ليلة القدر إلى سماء الدنيا ما يُريد إنزاله في كل سنة ثم كذلك في كل سنة عن أبي علي {وما أدراك ما ليلة القدر} تفخيماً وتعظيماً، والكلام فيه يقع من وجوه: أولها لم سميت ليلة القدر؟ قيل: هي ليلة الحكم وتقدير الاستثناء في كل سنة {من كل أمر} من قولهم: قدر الله الشيء قدراً وقدره تقديراً، يعني قالوا: وهي الليلة المباركة {أية : فيها يفرق كل أمر حكيم} تفسير : [الدخان: 4] وسميت مباركة لانه تعالى ينزل فيها الخير والبركة، وقيل: ليلة القدر ليلة الشرف وعظم الشأن من قولهم: رجل له قدر عند الناس أي منزلة، وقيل: لأن أعمال المؤمنين فيها يكون ذا قدر، وقيل: لأنه أنزل فيها كتاباً ذا قدر الى رسول ذا قدر، وثانيها أي وقت يكون؟ ذهب جمهور العلماء أنها ثابتة إلى يوم القيامة، حديث : وعن ابي ذر قال: قلت: يا رسول الله ليلة القدر تكون على عهد الأنبياء؟ قال: "لا بل هي الى يوم القيامة" تفسير : وقال بعضهم: بل هي في السنة كلها، وقيل: هي في شهر رمضان وعليه الأكثر والمروي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو قول جماعة العلماء، ثم في أي ليلة؟ قيل: أول ليلة، وقيل: ليلة تسع عشرة وهي التي كانت وقعة بدر صبحها، وقيل: هي في العشر الأواخر، والمروي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : التمسوها في العشر الأواخر" تفسير : ثم اختلفوا قيل: ليلة الحادي والعشرين، وقيل: ليلةَ الثالث أو ليلة الرابع، وقيل: ليلة الخامس أو التاسعة أو السابعة، وقيل: هي ليلة السابع والعشرون، وعن علي (عليه السلام) وأُبي بن كعب وابن عباس (عليهما السلام) وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: "حديث : ليلة القدر ليلة سبع وعشرين" تفسير : وعنه انه قال: "حديث : من كان متحرياً فليتحراها ليلة سبع وعشرين" تفسير : وقيل: كان ملك سليمان خمسمائة شهر، وملك ذي القرنين خمسمائة شهر، فمن أحيى ليلة القدر فهو خير من ملك سليمان وملك ذي القرنين، وقيل: {ليلة القدر خير من ألف شهر} ملك بني أميَّة وكان ملكهم ألفَ شهر، وعن الحسن بن علي (عليهما السلام) وقيل: ليلة لهذه الأمة خير من ألف شهر للأمم الماضية {تنزّل الملائكة} الى السماء، وقيل: الى الأرض باذن الله في تلك الليلة لفضلها، وقيل: يسمعون النبأ على الله وقراءة القرآن، وقيل: ينزلون الى سماء الدنيا بما قدر الله لأهل الأرض لتقف عليه ملائكة السماء {والروح} وعليه أكثر المفسرين، وقيل: خلق لا تراهم الملائكة إلا تلك الليلة، وقيل: ملك عظيم، وقيل: القرآن {فيها} أي في ليلة القدر {بإذن ربهم} ينزلون من السماء {من كل أمر} سلام قدره الله وقضاه الى تلك الليلة الى قابل، وقوله: {سلام هي} ما هي إلا سلامة، أي لا يقدّر الله فيها إلا السلامة والخير ويقضي في غيرها بلاء وسلام، وقيل: ينزل الملائكة بكل أمر قدره الله تعالى من السلامة والخير، وقيل: جرت العادة بانزال الملائكة باهلاك القرى فقال تعالى: "ينزلون بكل أمر سلام" أي سلامة الناس فيها، وقيل: هي تسليم الملائكة على أهل المساجد في هذه الليلة من حين تغِيب الشمس الى ان {مطلع الفجر} وقد تم الكلام عند قوله: {من كل أمر} ثم ابتدأ فقال: {سلام} أي ليلة القدر سلامة وخير كلها، وقيل: هي سلامة لا يستطيع الشيطان أن يعمل فيها شيئاً، وقيل: هي اشارة إلى السلامة والرحمة.
الهواري
تفسير : تفسير سورة القدر وهي مكية كلها {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله تعالى: {إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} ذكروا عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: نزل القرآن ليلة القدر إلى السماء الدنيا جملة واحدة وجعل بعد ذلك ينزل نجوماً: ثلاث آيات وأربع آيات وخمس آيات وأقل من ذلك وأكثر؛ ثم تلا هذه الآية: (أية : فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ)تفسير : [الواقعة:75]. قال تعالى: {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ} [تفسير ابن عباس: العمل في ليلة القدر خير في العمل من ألف شهر] لا توافق فيها ليلة القدر. [ذكروا عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : التمسوا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان . تفسير : يحيى عن فطر عن عبد الرحمن بن سابط قال: كان رسول الله صلى الله عليه السلام يوقظ أهله في العشر الأواخر من رمضان ويشمر فيهن للصلاة].
اطفيش
تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم {إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ} أي القرآن أسند أنزله إلى نفسه تعظيما له ورجع اليه الضمير مع أنه لم يتقدم له ذكر شهادة بالشرف الرفيع المغني عن التصريح كما عظمه بتعظيم الوقف الذي نزل فيه بقوله: *{فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} أي الليلة التي لها شأن كامل فأل للكمال كقولك لزيد قدر عند الأمير أي منزلة وجاه وهذه الليلة لها شرف على سائر الليالي غير ليلة المولد، ومنه وما قدروا الله حق قدره لنزول القرآن فيها جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا ثم نزل به نحو ما جبريل بحسب الوقائع في ثلاث وعشرين سنة وقيل في عشرين بعدما أملاه على السفرة، وقال الشعبي ابتدأنا إنزاله إليك في ليلة القدر نزل عليه في حراء في العشر الأواخر من رمضان وتقدمت قصته قيل أنزله إلى السماء الدنيا ليشرف الملائكة بذلك ولأنها مشتركة مسكن لهم وسقف لنا وزينة وقيل سميت ليلة القدر لأن الله سبحانه يقدر الأمور كلها فيها من الأحكام والأرزاق والآجال وما يكون في السنة بناء على أنها هي المراد في قوله {أية : فيها يفرق كل أمر حكيم}. تفسير : ومعنى التقدير فيها إظهار القضاء للملائكة فيكتبوه وإلا فتقدير الأمور لا أول له وهو القضاء عند بعض، قال الحسين بن الفضيل سوق المقادير إلى المواقيت وتنفيذ القضاء المقدر وقيل سميت ليلة القدر لأن العمل فيها يكون ذا قدر عند الله لقبوله، وقيل لأن الأرض تضيق فيها بالملائكة، وعن أبي عبيدة الملائكة في الأرض ليلة القدر أكثر من عدد الحصى كقوله تعالى {ومن قدر عليه رزقه} أي ضيق وقيل القدر تضيقها عن العلم بإخفاءها، وقيل القدر بمعنى القدر بفتح الدال نظير القضاء أو مقابلة ولكن سكنت إشعارا بأن المراد تفصيل ما جرى به القضاء وإظهاره وهو موافق للقول الثاني ولو عدوه قولا آخر ثم عظم تلك الليلة أيضا بقوله: {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ}.
اطفيش
تفسير : {إنَّا أنزَلْنَاهُ} أى القرآن لدلالة لفظ الإنزال ولعظم شأنه حتى أنه يعلم بلا تقدم ذكر. {فِى لَيْلَةِ الْقَدْرِ} ليلة العظمة فلان له قدر أى شرف وذلك لعظم شأن العابد فيها وعظم ثوابه ولأَنه نزل فيها كتاب ذو قدر بملك ذى قدر على رسول ذى قدر لأُمه ذات قدر وتنزل فيها ملائكة ذات قدر أو المعنى إظهار التقدير الأَزلى للملائكة بما فى السنة من مطر ورزق وإحياءِ وإماتة أو فى ليلة النصف من شعبان الليلة المباركة اظهارها وكتبها فى اللوح وفى ليلة القدر دفع نسخة مصائب السنة لملك الموت ونسخة الأعمال لإسرافيل ونسخة الحروب والرياح والزلازل والصواعق والخسف لجبريل ونسخة الأرزاق والنبات والأمطار إلى ميكائيل، وقيل يطهر الله تعالى ما قدر فتكتبه الملائكة فى اللوح ليلة القدر أو ليلة القدر ليلة الضيف تضيق الأرض بالملائكة لكثرتهم فيها أنزل جملة من اللوح إلى السماءِ ليلة القدر من رمضان ثم جزء بعد جزء إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - بحسب الوقائع والحاجة فى ثلاث وعشرين سنة أو فى عشرين أو خمس وعشرين على الخلاف فى مدته فى مكة بعد البعثة، وقال الشعبى بدأنا إنزاله ومر أن أول مانزل إقرأ إلاَّ أنه روى أنه نزل اقرأ فى العشر الأخيرة من رمضان فإن كان ليلاً أمكن كلام الشعبى أويقال بدأنا إنزاله إلى السماءِ الدنيا لكن المعروف أنه نزل إليها مرة وكان فى بيت العزة، وقيل أنزل إليها مفرقاً فى ليال قدر عشرين سنة مثلاً لكل ليلة ما فى العام وينزل إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - منجماً فى كل سنة ويجوز أن تكون الملائكة تلقيه على جبريل فى تلك الليالى مقدار لكل سنة أو الهاءِ للقرآن باعبتار جملته وقطع النظر عن أجزائه فيخبر عن الجملة بأنا أنزلناه وإن كان من جملته إنا أنزلناه والجزءِ من حيث هو مستقل مغاير له من حيث هو فى ضمن الكل، وقيل المراد إنا أنزلناه فى فضل ليلة القدر أو فى شأنها أو الظرفية مجازيه كقول عائشة رضى الله عنها إنى لأَحفر فى نفسى أن ينزل فى قرآن وقيل فى للسببية والضمير للقرآن الدائر بين الكل والجزء وقيل بمعنى السورة ولا يأباه كون إنا أنزلناه فى السورة لأَن الجزءَ من حيث هو مستقل الخ وقيل المراد بالسورة ما عدا قوله إنا أنزلناه فى ليلة القدر، وقيل المراد المجموع لاشتماله على ذلك والقول بأن ليلة القدر هى ليلة النصف شاذ يرده شهر رمضان الذى أنزل فيه القرآن ولا تنتقل فى رمضان خلافاًلأبى حنيفة ومحمد وأبى يوسف إذ قالوا تنتقل فى كل ليلة منه، وقيل تنتقل فى العشر الأوسط وقيل فى أوتاره، وقيل فى أشفاعه والمشهور أنها فى العشر الأواخر لكثرة الأحاديث والجمهور على أنها فى أوتاره واختير أنها سبع وعشرون وحلف عليه أبى بن كعب لحديث طلوع الشمس لاشعاع لها ولفظ مسلم عن زر بن حبيش سمعت أبى بن كعب يقول وقد قيل له إن ابن مسعود يقول من قام السنة أصاب ليلة القدر والله الذى لا إله إلاَّ هو أنها فى رمضان يحلف ولا يستثنى والله إنى لأعلم أى ليلة هى هى التى أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقيامها وهى ليلة سبع وعشرين وأمارتها أن تطلع الشمس من صبيحة يومها بيضاء لاشعاع لها، وفى الترمذى وابن ماجة والنسائى عن عائشة رضى الله عنها قلت حديث : يا رسول الله ما أقول إنْ علمت ليلة القدر قال قولي اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعفو عني تفسير : واختار جمع أنها تنتقل فى العشر الأواخر أشفاعه وأوتاره، وعن الحسن هى السابعة عشرة فى صبحها وقعة بدر، وعن أنس وابن مسعود التاسعة عشرة، وقيل الحادية والعشرون لسجوده فى ماء وطين فى صبيحتها فى ماء وطين قال أبو سعيد لقد رأيته سجد فيهما، وقال مسلم ذلك فى صبيحة ثلاث وعشرين قال عبد الله بن أنس قال - صلى الله عليه وسلم -"حديث : التمسوها الليلة وتلك الليلة ثلاث وعشرون"تفسير : ، وعن معاوية مرفوعاً حديث : التمسوها آخر ليلة من رمضان تفسير : وكذا روى أبو هريرة فنقول تلك الروايات بحسب رمضان الذى هو فيه فهى تنتقل وقد قيل أول ليلة من رمضان وكذا جاء بحسب زمانه الذى هو فيه أنها ليلة بلجة سمحة صافية ساكنة لا ريح فيها ولا حر ولا برد كأن فيها قمراً ساطعاً لا يرمى فيها بنجم حتى الصباح ولا شعاع فى صبحها للشمس أى لعظم نور الملائكة وليلة القدر وغيرها والأيام فى كل مكان بحسبه فقد تدخل ليلة القدر فى عمان قبل العصر فى مضاب وتدخل فى مكة عند العصر فى مضاب وكذا طلوع فجرها فى مضاب قد يكون ضحا فى مكة وكذا وتر رمضان وشفعه كل ذلك يختلف باختلاف المطالع والأعراض والأطوال فقد لا يصح لذلك إطلاق أول رمضان وإطلاق آخره وقد تدخل فى بغداد عند غروب الشمس وبعد نصف ساعة فى إسلامبول والخروج على ذلك وتكون الليلة عند قوم نهاراً عند آخرين ويكون زمان الليل عند قوم بعضه ليل وبعضه نهار كأهل العروض البعيدة عن خط الاستواءِ وقد تنقضى أشهر بليل ونهار على قوم ولم ينقض يوم واحد فليلة القدر للعمانى مثلا مما قبل عصرنا وخروجها قبل سحرنا ولكل منا ومنهم أجرها ونزول الملائكة على كل فى وقتها عنده وقد تزاد وتريتها لقوم وشفعيتها لآخرين أو تعتبر ليلتها بالمدينة المنزل القرآن فيها فمن اجتهد فى وقتها ولو نهاراً فى البلاد البعيدة فله أجرها وهذا الخلاف فى المطالع أو بالرؤية قد يكون ولو فى إقليم واحد.
الالوسي
تفسير : الضمير عند الجمهور للقرآن وادعى الإمام فيه إجماع المفسرين وكأنه لم يعتد بقول من قال منهم برجوعه لجبريل عليه السلام أو غيره لضعفه قالوا وفي التعبير عنه بضمير الغائب مع عدم تقدم ذكره تعظيم له أي تعظيم لما أنه يشعر بأنه لعلو شأنه كأنه حاضر عند كل أحد فهو في قوة المذكور وكذا في إسناد إنزاله إلى نون العظمة مرتين وتأكيد الجملة، وأشار الزمخشري إلى إفادة الجملة اختصاص الإنزال به سبحانه بناء على أنها من باب أنا سعيت في حاجتك مما قدم فيه الفاعل المعنوي على الفعل وتعقب بأن ما ذكروه في الضمير المنفصل دون المتصل كما في اسم (إن) هنا نعم الاختصاص يفهم من سياق الكلام وفيه أنهم لم يصرحوا باشتراط ما ذكر وكذا في تفخيم وقت إنزاله بقوله تعالى: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ}.
سيد قطب
تفسير : الحديث في هذه السورة عن تلك الليلة الموعودة المشهودة التي سجلها الوجود كله في فرح وغبطة وابتهال. ليلة الاتصال المطلق بين الأرض والملأ الأعلى. ليلة بدء نزول هذا القرآن على قلب محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليلة ذات الحدث العظيم الذي لم تشهد الأرض مثله في عظمته، وفي دلالته، وفي آثاره في حياة البشرية جميعاً. العظمة التي لا يحيط بها الإدراك البشري: {إنا أنزلناه في ليلة القدر. وما أدراك ما ليلة القدر؟}.. {ليلة القدر خير من ألف شهر}.. والنصوص القرآنية التي تذكر هذا الحدث تكاد ترف وتنير. بل هي تفيض بالنور الهادئ الساري الرائق الودود. نور الله المشرق في قرآنه: {إنا أنزلناه في ليلة القدر} ونور الملائكة والروح وهم في غدوهم ورواحهم طوال الليلة بين الأرض والملأ الأعلى: {تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من أكل أمر}.. ونور الفجر الذي تعرضه النصوص متناسقاً مع نور الوحي ونور الملائكة، وروح السلام المرفوف على الوجود وعلى الأرواح السارية في هذا الوجود: {سلام هي حتى مطلع الفجر}.. والليلة التي تتحدث عنها السورة هي الليلة التي جاء ذكرها في سورة الدخان: {أية : إنا أنزلناه في ليلة مباركة، إنا كنا منذرين، فيها يفرق كل أمر حكيم. أمراً من عندنا إنا كنا مرسلين. رحمة من ربك إنه هو السميع العليم}.. تفسير : والمعروف أنها ليلة من ليالي رمضان، كما ورد في سورة البقرة: {أية : شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن، هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان}..تفسير : أي التي بدأ فيها نزول القرآن على قلب الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليبلغه إلى الناس. وفي رواية ابن إسحاق أن أول الوحي بمطلع سورة العلق كان في شهر رمضان، ورسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يتحنث في غار حراء. وقد ورد في تعيين هذه الليلة آثار كثيرة. بعضها يعين الليلة السابعة والعشرين من رمضان. وبعضها يعين الليلة الواحدة والعشرين. وبعضها يعينها ليلة من الليالي العشر الأخيرة. وبعضها يطلقها في رمضان كله. فهي ليلة من ليالي رمضان على كل حال في أرجح الآثار. واسمها: {ليلة القدر}.. قد يكون معناه التقدير والتدبير. وقد يكون معناه القيمة والمقام. وكلاهما يتفق مع ذلك الحدث الكوني العظيم. حدث القرآن والوحي والرسالة.. وليس أعظم منه ولا أقوم في أحداث هذا الوجود. وليس أدل منه كذلك على التقدير والتدبير في حياة العبيد. وهي خير من ألف شهر. والعدد لا يفيد التحديد. في مثل هذه المواضع من القرآن. إنما هو يفيد التكثير. والليلة خير من آلاف الشهور في حياة البشر. فكم من آلاف السنين قد انقضت دون أن تترك في الحياة بعض ما تركته هذه الليلة المباركة السعيدة من آثار وتحولات. والليلة من العظمة بحيث تفوق حقيقتها حدود الإدراك البشري: {وما أدراك ما ليلة القدر؟} وذلك بدون حاجة إلى التعلق بالأساطير التي شاعت حول هذه الليلة في أوهام العامة. فهي ليلة عظيمة باختيار الله لها لبدء تنزيل هذا القرآن. وإضافة هذا النور على الوجود كله، وإسباغ السلام الذي فاض من روح الله على الضمير البشري والحياة الإنسانية، وبما تضمنه هذا القرآن من عقيدة وتصور وشريعة وآداب تشيع السلام في الأرض والضمير. وتنزيل الملائكة وجبريل ـ عليه السلام ـ خاصة، بإذن ربهم، ومعهم هذا القرآن ـ باعتبار جنسه الذي نزل في هذه الليلة ـ وانتشارهم فيما بين السماء والأرض في هذا المهرجان الكوني، الذي تصوره كلمات السورة تصويراً عجيباً.. وحين ننظر اليوم من وراء الأجيال المتطاولة إلى تلك الليلة المجيدة السعيدة، ونتصور ذلك المهرجان العجيب الذي شهدته الأرض في هذه الليلة، ونتدبر حقيقة الأمر الذي تم فيها، ونتملى آثاره المتطاولة في مراحل الزمان، وفي واقع الأرض، وفي تصورات القلوب والعقول.. فإننا نرى أمراً عظيماً حقاً. وندرك طرفاً من مغزى هذه الإشارة القرآنية إلى تلك الليلة: {وما أدراك ما ليلة القدر؟}.. لقد فرق فيها من كل أمر حكيم. وقد وضعت فيها من قيم وأسس وموازين. وقد قررت فيها من أقدار أكبر من أقدار الأفراد. أقدار أمم ودول وشعوب. بل أكثر وأعظم.. أقدار حقائق وأوضاع وقلوب! ولقد تغفل البشرية ـ لجهالتها ونكد طالعها ـ عن قدر ليلة القدر. وعن حقيقة ذلك الحدث، وعظمة هذا الأمر. وهي منذ أن جهلت هذا وأغفلته فقدت أسعد وأجمل آلاء الله عليها، وخسرت السعادة والسلام الحقيقي ـ سلام الضمير وسلام البيت وسلام المجتمع ـ الذي وهبها إياه الإسلام. ولم يعوضها عما فقدت ما فتح عليها من أبواب كل شيء من المادة والحضارة والعمارة. فهي شقية، شقية على الرغم من فيض الإنتاج وتوافر وسائل المعاش! لقد أنطفأ النور الجميل الذي أشرق في روحها مرة، وانطمست الفرحة الوضيئة التي رفت بها وانطلقت إلى الملأ الأعلى. وغاب السلام الذي فاض على الأرواح والقلوب. فلم يعوضها شيء عن فرحة الروح ونور السماء وطلاقة الرفرفة إلى عليين.. ونحن ـ المؤمنين ـ مأمورون أن لا ننسى ولا نغفل هذه الذكرى؛ وقد جعل لنا نبينا ـ صلى الله عليه وسلم ـ سبيلاً هيناً ليناً لاستحياء هذه الذكرى في أرواحنا لتظل موصولة بها أبداً، موصولة كذلك بالحدث الكوني الذي كان فيها. وذلك فيما حثنا عليه من قيام هذه الليلة من كل عام، ومن تحريها والتطلع إليها في الليالي العشر الأخيرة من رمضان.. في الصحيحين: {حديث : تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان}.. تفسير : وفي الصحيحين كذلك: {حديث : من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه }.. تفسير : والإسلام ليس شكليات ظاهرية. ومن ثم قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في القيام في هذه الليلة أن يكون "إيماناً واحتساباً".. وذلك ليكون هذا القيام استحياء للمعاني الكبيرة التي اشتملت عليها هذه الليلة "إيماناً" وليكون تجرداً لله وخلوصاً "واحتساباً".. ومن ثم تنبض في القلب حقيقة معينة بهذا القيام. ترتبط بذلك المعنى الذي نزل به القرآن. والمنهج الإسلامي في التربية يربط بين العبادة وحقائق العقيدة في الضمير، ويجعل العبادة وسيلة لاستحياء هذه الحقائق وإيضاحها وتثبيتها في صورة حية تتخلل المشاعر ولا تقف عند حدود التفكير. وقد ثبت أن هذا المنهج وحده هو أصلح المناهج لإحياء هذه الحقائق ومنحها الحركة في عالم الضمير وعالم السلوك. وأن الإدراك النظري وحده لهذه الحقائق بدون مساندة العبادة، وعن غير طريقها، لا يقر هذه الحقائق، ولا يحركها حركة دافعة في حياة الفرد ولا في حياة الجماعة.. وهذا الربط بين ذكرى ليلة القدر وبين القيام فيها إيماناً واحتساباً، هو طرف من هذا المنهج الإسلامي الناجح القويم.
ابن عاشور
تفسير : اشتملت هذه الآية على تنويه عظيم بالقرآن فافتتحت بحرف (إنَّ) وبالإِخبار عنها بالجملة الفعلية، وكلاهما من طرق التأكيد والتقوّي. ويفيد هذا التقديم قصراً وهو قصر قلب للرد على المشركين الذي نفوا أن يكون القرآن منزلاً من الله تعالى. وفي ضمير العظمة وإسناد الإِنزال إليه تشريف عظيم للقرآن. وفي الإِتيان بضمير القرآن دون الاسم الظاهر إيماء إلى أنه حاضر في أذهان المسلمين لشدة إقبالهم عليه فكون الضمير دون سبق معاد إيماء إلى شهرته بينهم. فيجوز أن يراد به القرآنُ كلُّه فيكون فعل: «أنزلنا» مستعملاً في ابتداء الإِنزال لأن الذي أُنزل في تلك الليلة خمسُ الآيات الأوَلُ من سورة العلق ثم فتر الوحي ثم عاد إنزاله منجماً ولم يكمل إنزال القرآن إلا بعد نيف وعشرين سنة، ولكن لما كان جميع القرآن مقرراً في علم الله تعالى مقدارُه وأنه ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم منجَّماً حتى يتم، كان إنزاله بإنزال الآيات الأُول منه لأن ما ألحق بالشيء يعد بمنزلة أوله فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم « حديث : صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه » تفسير : الحديث فاتفق العلماء على أن الصلاة فيما أُلْحق بالمسجد النبوي لها ذلك الفضل، وأن الطواف في زيادات المسجد الحرام يصحّ كلما اتّسع المسجد. ومن تسديد ترتيب المصحف أن وضعت سورة القدر عقب سورة العلق مع أنها أقلّ عدَد آياتٍ من سورة البينة وسُورٍ بعدها، كأنه إماء إلى أن الضمير في {أنزلناه} يعود إلى القرآن الذي ابتدىء نزوله بسورة العلق. ويجوز أن يكون الضمير عائداً على المقدار الذي أنزل في تلك الليلة وهو الآياتُ الخمسُ من سورة العلق فإن كل جزء من القرآن يسمى قرآناً، وعلى كلا الوجهين فالتعبير بالمضي في فعل {أنزلناه} لا مجاز فيه. وقيل: أطلق ضمير القرآن على بعضه مجازاً بعلاقة البعضية. والآية صريحة في أن الآيات الأوَل من القرآن نزلت ليلاً وهو الذي يقتضيه حديث بَدْء الوحي في «الصحيحين» لقول عائشة فيه: «فكان يتحنث في غار حراء اللياليَ ذواتِ العَدَد» فكان تعبده ليلاً، ويظهر أن يكون الملك قد نزل عليه أثر فراغه من تعبده، وأما قول عائشة: «فرجع بها رسول الله يرجف فُؤاده» فمعناه أنه خرج من غار حراء إثر الفجر بعد انقضاء تلقينه الآيات الخمس إذ يكون نزولها عليه في آخر تلك الليلة وذلك أفضل أوقات الليل كما قال تعالى: { أية : والمستغفرين بالأسحار } تفسير : [آل عمران: 17]. وليلة القدر: اسم جعله الله للَّيلة التي ابتدىء فيها نزول القرآن. ويظهر أن أول تسميتها بهذا الاسم كان في هذه الآية ولم تكن معروفة عند المسلمين وبذلك يكون ذكرها بهذا الاسم تشويقاً لمعرفتها ولذلك عقب بقوله: { أية : وما أدراك ما ليلة القدر } تفسير : [القدر: 2]. والقَدْر الذي عُرفت الليلة بالإضافة إليه هو بمعنى الشرفِ والفضل كما قال تعالى في سورة الدخان (3): { أية : إنا أنزلناه في ليلة مباركة }، تفسير : أي ليلة القدر والشرف عند الله تعالى مما أعطاها من البركة فتلك ليلة جعل الله لها شرفاً فجعلها مظهراً لما سبق به علمه فجعلها مبدأ الوحي إلى النبي. والتعريف في {القدر} تعريف الجنس. ولم يقل: في ليلةِ قدرٍ، بالتنكير لأنه قُصد جعل هذا المركب بمنزلة العلَم لتلك الليلة كالعلَم بالغلبة، لأن تعريف المضاف إليه باللام مع تعريف المضاف بالإِضافة أوْغَلُ في جعل ذلك المركب لَقَباً لاجتماع تعريفين فيه. وقد ثبت أن ابتداء نزول القرآن كان في شهر رمضان قال تعالى: { أية : شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدىً للناس وبينات من الهدى والفرقان } تفسير : [البقرة: 185]. ولا شك أن المسلمين كانوا يعلمون ذلك إذ كان نزول هذه السورة قبل نزول سورة البقرة بسنين إن كانت السورة مكية أو بمُدة أقل من ذلك إن كانت السورة مدنية، فليلة القدر المرادة هنا كانت في رمضان وتأيد ذلك بالأخبار الصحيحة من كونها من ليالي رمضان في كل سنة. وأكثر الروايات أن الليلة التي أنزل فيها القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم كانت ليلةَ سَبْع عشرة من رمضان. وسيأتي في تفسير الآيات عقب هذه الكلامُ في هل ليلة ذات عدد متماثل في جميع الأعوام أو تختلف في السنين؟ وفي هل تقع في واحدة من جميع ليالي رمضان أو لا تخرج عن العشر الأواخر منه؟ وهل هي مخصوصة بليلة وترٍ كما كانت أول مرّة أوْ لا تختص بذلك؟ والمقصود من تشريف الليلة التي كان ابتداء إنزال القرآن فيها تشريف آخر للقرآن بتشريف زمان ظهوره، تنبيهاً على أنه تعالى اختار لابتداء إنزاله وقتاً شريفاً مباركاً لأن عظم قدر الفعل يقتضي أن يُختار لإِيقاعه فَضْل الأوقات والأمكنة، فاختيار فضلِ الأوقات لابتداء إنزاله ينبىء عن علوّ قدره عند الله تعالى كقوله: { أية : لا يمسّه إلا المطهرون } تفسير : [الواقعة: 79] على الوجهين في المراد من المطهرين.
الشنقيطي
تفسير : الضمير في أنزلناه للقرآن قطعاً. وحكى الألوسي عليه الإجماع، وقال: ما يفيد أن هناك قولاً ضعيفاً لا يعتبر من أنه لجبريل. وما قاله عن الضعف لهذا القول، يشهد له السياق، وهو قوله تعالى: {أية : تَنَزَّلُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ فِيهَا} تفسير : [القدر: 4]. والمشهور: أن الروح هنا هو جبريل عليه السلام، فيكون الضمير في أنزلنا لغيره، وجيء بضمير الغيبة، تعظيماً لشأن القرآن، وإشعاراً بعلو قدره. وقد يقال: ذكر سورة القدر قبلها مشعرة به في قوله: {أية : ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ} تفسير : [العلق: 1]، ثم جاءت {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ} [القدر: 1]، أي القرآن المقروء، والضمير المتصل في إنا، ونا في إنا أنزلناه مستعمل للجمع وللتعظيم، ومثلها نحن، وقد اجتمعا في قوله تعالى: {أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} تفسير : [الحجر: 9]، والمراد بهما هنا التعظيم قطعاً لاستحالة التعدد أو إرادة معنى الجمع. فقد صرح في موضع آخر باللفظ الصريح في قوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ} تفسير : [الزمر: 23]، والمراد به القرآن قطعاً، فدل على أن المراد بتلك الضمائر تعظيم الله تعالى. وقد يشعر بذلك المعنى وبالاختصاص تقديم الضمير المتصل إنا، وهذا المقام مقام تعظيم واختصاص لله تعالى سبحانه، ومثله {أية : إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ ٱلْكَوْثَرَ} تفسير : [الكوثر: 1]، وقوله: {أية : إِنَّآ أَرْسَلْنَا نُوحاً} تفسير : [نوح: 1]، {أية : إِنَّا نَحْنُ نُحْيِـي وَنُمِيتُ} تفسير : [ق: 43]، وإنزال القرآن منة عظمى. وقد دل تعظيم المنة وتعظيم الله سبحانه في قوله: {أية : كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوۤاْ آيَاتِهِ} تفسير : [ص: 29]، فقال: كتاب أنزلناه بضمير التعظيم، ثم قال في وصف الكتاب: مبارك. وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه التنصيص على أنه للتعظيم عند الكلام على آية صۤ هذه {أية : كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ} تفسير : [ص: 29]. والواقع أنه جاءت الضمائر بالنسبة إلى الله تعالى بصيغ الجمع للتعظيم وبصيغ الإفراد، فمن صيغ الجمع ما تقدم، ومن صيغ الإفراد قوله: {أية : إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً} تفسير : [البقرة: 30]، وقوله: {أية : إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ} تفسير : [ص: 71]، وقوله: {أية : إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} تفسير : [البقرة: 30]. ويلاحظ في صيغ الإفراد: أنها في مواضع التعظيم والإجلال، كالأول في مقام خلق البشر من طين، ولا يقدر عليه إلا الله. والثاني: في مقام أنه يعلم ما لا تعلمه الملائكة، وهذا لا يكون إلا لله سبحانه، فسواء جيء بضمير بصيغة الجمع أو الإفراد، ففيها كلها تعظيم لله سبحانه وتعالى سواء بنصها، وأصل الوضع أو بالقرينة في السياق. ثم اختلف في المُنزلِ ليلة القدر، هل هو الكل أو البعض؟ فقيل: وهو رأي الجمهور أنه أوائل تلك السورة فقط أي بداية الوحي بالقرآن، وهو مروي عن ابن عباس، قال: "ثم تتالى نزول الوحي، بعد ذلك وكان بين أوله وآخره عشرون سنة". وقيل: المنزل في تلك الليلة، هو جميع القرآن جملة واحدة، وكله إلى سماء الدنيا، ثم صار ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم منجماً حسب الوقائع. وهذا الأخير هو رأي الجمهور كما قدمنا، وقد اختاره الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه عند الكلام على قوله تعالى: {أية : شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ} تفسير : [البقرة: 185]، وحكاه الألوسي وحكى عليه الإجماع. وعن ابن حجر في فتح الباري، ولشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قول يجمع فيه بين القولين الأخيرين، وهو أنه لا منافاة بين القولين، ويمكن الجمع بينهما، بأن يكون نزل جملة إلى سماء الدنيا في ليلة القدر، وبدء نزول أوله {أية : ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ} تفسير : [العلق: 1]، في ليلة القدر. وقد أثير حول هذه المسألة جدال ونقاش كلامي حول كيفية نزول القرآن، وأدخلوا فيها القول بخلق القرآن، وأن جبريل نقله من اللوح المحفوظ، وأن الله لم يتكلم به، عند نزوله على الرسول صلى الله عليه وسلم. وقد سئل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله عن ذلك، وكتب جوابه وطبع، فكان كافياً. وقد نقل فيه كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، وبين أن الله تعالى تكلم به عند وحيه، ورد على كل شبهة في ذلك. والواقع أنه لا تعارض كما تقدم، بين كوه في اللوح المحفوظ ونزوله إلى السماء الدنيا جملة، ونزوله على الرسول صلى الله عليه وسلم منجماً، لأن كونه في اللوح المحفوظ، فإن اللوح فيه كل ما هو كائن وما سيكون إلى يوم القيامة، ومن جملة ذلك القرآن الذي سينزله الله على محمد صلى الله عليه وسلم. ونزوله جملة إلى سماء الدنيا، فهو بمثابة نقل جزء مما في اللوح وهو جملة القرآن، فأصبح القرآن موجوداً في كل من اللوح المحفوظ كغيره مما هو فيه، وموجوداً في سماء الدنيا ثم ينزل على الرسول صلى الله عليه وسلم منجماً. ومعلوم أنه الآن هو أيضاً موجود في اللوح المحفوظ، لم يخل منه اللوح، وقد يستدل لإنزاله جملة ثم تنزيله منجماً بقوله: {أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} تفسير : [الحجر: 9] لأن نزل بالتضعيف تدل على التكرار كقوله: {أية : تَنَزَّلُ ٱلْمَلاَئِكَةُ} تفسير : [القدر: 4]، أي في كل ليلة قدر. وقد جاء {أَنزَلْنَاهُ}، فتدل على الجملة. وقد بينت السنة تفصيل تنزيله مفرقاً على رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة وغيره أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله: كأنه سلسلة على صفوان ينفذهم ذلك، حتى إذا فزع عن قلوبهم. قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق، وهو العلي الكبير" تفسير : الحديث في صحيح البخاري. وفي أبي داود وغيره "حديث : إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماوات صلصلة كجر السلسلة على الصفوان ". تفسير : وعلى هذا يكون القرآن موجوداً في اللوح المحفوظ حينما جرى القلم بما هو كائن وما سيكون، ثم جرى نقله إلى سماء الدنيا جملة في ليلة القدر، ثم نزل منجماً في عشرين سنة. وكلما أراد الله إنزال شيء منه تكلم سبحانه بما أراد أن ينزله، فيسمعه جبريل عليه السلام عن الله تعالى. ولا منافاة بين تلك الحالات الثلاث. والله تعالى أعلم. وقد قدمنا الكلام على صور كيفية نزول الوحي وتلقي الرسول صلى الله عليه وسلم للوحي. وقيل: معنى {أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ}، أي أنزلنا القرآن في شأن ليلة القدر تعظيماً لها، فلم تكن ظرفاً على هذا الوجه. والواقع: أن هذا القول وإن كان من حيث الأسلوب ممكناً إلا أن ما بعده يغني عنه، لأن إعظام ليلة القدر وبيان منزلتها قد نزل فيها قرآن فعلاً، وهو ما بعدها مباشرة في قوله: {أية : وَمَآ أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ} تفسير : [القدر: 2-3]، إلى آخر السورة. وعليه، فيكون أول السورة في شأن إنزال القرآن وبيان ظرف إنزاله، وآخر السورة في ليلة القدر وبيان منزلتها. وقد ذكرت ليلة القدر مبهمة، ولكن جاء في القرآن ما يعين الشهر التي هي فيه، وهو شهر رمضان لقوله تعالى: {أية : شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ} تفسير : [البقرة: 185]. وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في سورة الدخان بيان ذلك، وأنها الليلة التي فيها يبرم كل أمر حكيم، وليست ليلة النصف من شعبان كما يزعم بعض الناس. وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، بيان الحكمة من إنزاله مفرقاً عند قوله تعالى: {أية : كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوۤاْ آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُو ٱلأَلْبَابِ} تفسير : [ص: 29].
الواحدي
تفسير : {إنا أنزلناه} أي: أنزلنا القرآن {في ليلة القدر} ليلة الحكم والفصل، يقضي الله فيها قضاء السَّنة، والقَدْر: بمعنى التَّقدير. أنزل الله تعالى القرآن كلَّه في ليلة القدر جُملةً واحدةً من اللَّوح المحفوظ إلى سماء الدُّنيا، ثمَّ نزل به جبريل عليه السَّلام على النبيِّ صلى الله عليه وسلم في عشرين سنةً. {وما أدراك} يا محمَّد عليه السَّلام {ما ليلة القدر} على التَّعظيم لشأنها والتَّعجيب منها، ثمَّ أخبر عنها فقال: {ليلة القدر خير من ألف شهر} أي: من ألف شهرٍ ليس فيها ليلة القدر. {تنزل الملائكة والروح} يعني: جبريل عليه السَّلام {فيها} في تلك اللَّيلة {بإذن ربهم من كل أمر} أي: بكلِّ أمرٍ قضاه الله تعالى في تلك اللَّيلة للسَّنة، وتمَّ الكلام ها هنا، ثمَّ قال: {سلام هي} أَيْ: تلك اللَّيلة كلها سلامةٌ وخيرٌ لا داء فيها، ولا يستطيع الشَّيطان أن يصنع فيها شيئاً. وقيل: يعني: تسليم الملائكة في تلك اللَّيلة على أهل المساجد {حتى مطلع الفجر} إلى وقت طلوع الفجر.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 1- إنا أنزلنا القرآن فى ليلة القدر والشرف. 2- وأى شئ أعلمك ما ليلة القدر والشرف؟! 3- ليلة القدر والشرف خير من ألف شهر بما اختصت به من تنزيل القرآن الكريم. 4- تنزل الملائكة وجبريل فيها إلى الأرض بإذن ربهم من أجل كل أمر. 5- أمان من الأذى والسوء، هى كذلك حتى مطلع الفجر.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: إنا أنزلناه: أي القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا. في ليلة القدر: أي ليلة الحكم والتقدير التي يقضي فيها قضاء السنة كلها. وما أدراك ما ليلة القدر: أي إن شأنها عظيم. ليلة القدر خير من ألف شهر: أي العمل الصالح فيها من صلاة وتلاوة قرآن ودعاء خير من عبادة ألف شهر ليس فيها ليلة القدر وهي ثلاث وثمانون سنة وأربعة أشهر. والروح فيها: أي جبريل في ليلة القدر. بإذن ربهم: أي ينزلون بأمره تعالى لهم بالتنزيل فيها. من كل أمر: أي من كل أمر قضاه الله تعالى في تلك السنة من رزق وأجل وغير ذلك. سلام هي حتى مطلع الفجر: أي هي سلام من الشر كله من غروب الشمس إلى طلوع الفجر. معنى الآيات: قوله تعالى {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ} أي القرآن الكريم الذي كذب به المكذبون وأنكره الكافرون يخبر تعالى أن ما يتلوه عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم هو حق وحي الله وكتابه أنزله جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا وذلك في ليلة الحكم والقضاء التي يقضي الله فيها ما يشاء من أحداث العالم من رزق وأجل وغيرهما إلى بداية السنة الآتية وذلك كل سنة وهذا كقوله {أية : إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} تفسير : [الدخان: 3-4] إذ ما قضاه الله تعالى وحكم بوجوده قد كتب في اللوح المحفوظ ومنه القرآن الكريم ثم في ليلة القدر تؤخذ نسخة من أحداث السنة فتعطى الملائكة وتنفذ حرفيا في تلك السنة، ولذلك كان لليلة القدر بمعنى التقدير شأن عظيم ففضلها الله على ألف شهر وأخبر عن سبب فضلها أن الملائكة تتنزل فيها وجبريل معهم بإِذن ربهم أي ينزلون بإِذن الله تعالى لهم وأمره إياهم بالنزول ينزلون مصحوبين بكل أمر قضاه الله وحكم به في تلك السنة من خير وشر من رزق وأجل ولفضل هذه الليلة كانت العبادة فيها تفضل غيرها من نوعها بأضعاف مضاعفة إذ عمل تلك الليلة يحسب لصاحبه عمل ألف ليلة أي ثلاث وثمانين سنة وأربعة أشهر. هذا ما دل عليه قوله تعالى {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ تَنَزَّلُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ} وقوله {سَلاَمٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ ٱلْفَجْرِ} أي هي سلام من كل شر إذ هي كلها خير من غروب الشمس إلى طلوع فجرها إنها كلها سلام سلام الملائكة على العابدين من المؤمنين والمؤمنات وسلامة من كل شر. والحمد لله الذي جعلنا من أهلها. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تقرير الوحي وإثبات النبوة المحمدية. 2- تقرير عقيدة القضاء والقدر. 3- فضل ليلة القدر وفضل العبادة فيها. 4- بيان أن القرآن نزل في رمضان جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا وأنه ابتدىء نزوله على رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان أيضا. 5- الندب إلى طلب ليلة القدر للفوز بفضلها وذلك في العشر الأواخر من شهر رمضان وأرجى ليلة في العشر الأواخر هي الوتر كالواحدة والعشرين إلى التاسعة والعشرين لحديث الصحيح حديث : التمسوها في العشر الأواخر . تفسير : 6- استحباب الإِكثار من قراءة القرآن وسماعه فيها لمعارضة جبريل الرسول صلى الله عليه وسلم القرآن في رمضان مرتين.
القطان
تفسير : القدْر: العظمة والشرف. الروح: جبريل. سلام هي حتى مطلع الفجر: أمنٌ من كل أذىً وشر في تلك الليلة حتى وقت طلوع الفجر. لقد بدأنا نُنزل القرآنَ على محمد في ليلة القدْر والشرف. ولقد تم إنزاله جميعاً في ثلاثة وعشرين عاما. ثم اشار الى أن فضْلَ تلك الليلة لا يحيط به إلا هو فقال: {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ} وما أعْلَمَك يا محمد ما ليلةُ القدر والشرف! هي أعظمُ ليالي الدنيا على الاطلاق، لقد فَرَقَ الله فيها كل أمرٍ حكيم، وفيها وُضِعت أعظمُ قيمٍ وتعاليم، وقُررت أقدارُ أُممٍ ودُوَل وشعوب. بل إنها اكثر واعظم، ففيها نُزِّلَ أعظمُ منهج الى الأرض دليلاً للناس الى الحياة الكريمة الفاضلة. ثم بيّن مقدارَ فضلها فقال: {لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ} إنها ليلةٌ عظيمة مباركة، العبادةُ فيها خير من عبادة ألف شهر. ومن فضلها العظيم أنّها: {تَنَزَّلُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ} تنزِل الملائكة وجبريلُ الى الأرض في تلك الليلة بإذنِ ربهم مع بركات الله ورحمته. فهي بمثابة عيدٍ للمسلمين لنزول القرآن فيها، وليلةُ شكر على الإحسانِ والإنعام بذلك. وتُشاركهم فيها الملائكة مما يُشعِر بعظمتها وبقَدْرِ الانسان كَخليفةٍ لله على الأرض. ومن فضلِها أيضاً قوله تعالى {سَلاَمٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ ٱلْفَجْرِ} فهي سلامٌ من أول ليلها الى طلوع الفجر، وأمانٌ من الأذى والشر حتى ذلك الحين. والحقّ، أن ليلة القدر من العظمة بحيث تفوق حقيقتُها حدودَ الإدراك البشريّ، فهي ليلة عظيمة باختيار الله لها لبدء تنزيل هذا القرآن العظيم، وإفاضة هذا النور على الوجودِ كله، لِما تضمَّنَه هذا القرآنُ من عقيدةٍ وشريعة وآداب. وفي الحديث الصحيح أن عائشةَ رضي الله عنها قالت: يا رسولَ الله ان وافقتُ ليلةَ القدر فما أقول؟ قال: قولي اللهم إنك عَفُوٌّ تحبُّ العفوَ فاعفُ عني. قراءات: قرأ الكسائي وخلف: مطلع بكسر اللام. والباقون: مطلع بفتح اللام.
د. أسعد حومد
تفسير : {أَنزَلْنَاهُ} (1) - يَقُولُ اللهُ تَعَالَى إِنَّهُ أَنْزَلَ القُرْآنَ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِنَّ اللهَ أَنْزَلَ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ القُرْآنَ جُمْلَةً مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ إِلَى بَيْتِ العِزَّةِ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا، ثُمَّ مُفَصَّلاً بِحَسَبِ الوَقَائِعِ فِي ثَلاَثٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. (وَقَالَ مُفَسِّرُونَ آخَرُونَ: إِنَّ اللهَ بَدَأَ تَنْزِيلَ القُرْآنِ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ، ثُمَّ أَنْْزَلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي ثَلاَثٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً، بِحَسَبِ الحَوَادِثِ التِي كَانَتْ تَدْعُو إِلَى نُزُولِ شَيءٍ مِنْهُ، تَثْبِيتاً لِمَا أَشْكَلَ مِنَ الفَتْوَى فِيهَا، أَوْ عِبْرَةً بِمَا يَقُصُّ مِنْ قَصَصٍ وَزَوَاجِرَ). لَيْلَةِ القَدْرِ - لَيْلَةِ الشَّرَفِ العَظِيمَةِ.
الثعلبي
تفسير : {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ} يعني القرآن كنايةً عن غير مذكور، جملةً واحدة في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، فوضعناه في بيت العزّة وأملاه جبرئيل على السَّفَرة ثم كان يُنزله جبرئيل على محمد (عليهما السلام) بنحو ما كان، من أوّله إلى آخره بثلاث وعشرين سنة، ثم عجَّب نبيّه (عليه السلام) فقال: {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ}. والكلام في ليلة القدر على خمسة أبواب: الباب الأوّل: في مأخذ هذا الاسم ومعناه، واختلف العلماء، فقال أكثرهم: هي ليلة الحكم والفصل يقضي اللّه فيها قضاء السنة، وهو مصدر من قولهم: قدر اللّه الشيء قَدْراً وقَدَراً لغتان كالنَّهْر والنَّهَر والشَّعْر والشَّعَر، وقدَّرهُ تقديراً له بمعنى واحد، قالوا: وهي الليلة التي قال اللّه سبحانه: {أية : إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} تفسير : [الدخان: 3-4] وإنّما سُمّيت ليلة القدر مباركة؛ لأن اللّه سبحانه يُنزل فيها الخير والبركة والمغفرة. وروى أبو الضحى عن ابن عباس أن اللّه عزّ وجلّ يقضي الأقضية في ليلة النصف من شعبان ويُسلمها إلى أربابها في ليلة القدر. روي أنه تعالى يغفر لجميع المسلمين في تلك الليلة إلاّ الكاهن أو الساحر أو مدمن خمر أو عاق لوالديه أو مصرّ على الزنا أو [مشاحن] أو قاطع رحم. وقيل للحسين بن الفضل: أليس قد قدّر اللّه سبحانه المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض؟ قال: نعم، قال: فما معنى ليلةُ القدر؟ قال: سَوقُ المقادير إلى المواقيت وتنفيذ القضاء المقدَّر. أخبرني عقيل أن أبا الفرج أخبرهم عن ابن جُبير قال: حدّثنا ابن حميد قال: حدّثنا مهران عن سفيان عن محمد بن سوقة عن سعيد بن جبير قال: يؤْذن للحُجاج في ليلة القدر فيكتبون بأسمائهم وأسماء آبائهم، فلا يُغادر منهم أحد ولا يزاد ولا ينقصُ منهم. وقال الزهري: هي ليلة العظمة والشرف، من قول الناس لفلان عند الأمير قدْر أي جاه ومنزلة، يقال: قدرت فلاناً أي عظّمتهُ قال اللّه سبحانه: {أية : وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} تفسير : [الأنعام: 91] أي ما عظّموا اللّه حق عظمتهِ وقال أبو بكر الورّاق: سُمِّيتْ بذلك لأنّ من لم يكن ذا قدر وخطر يصيرُ في هذه الليلة ذا قدر إذا أدركها وأحياها. وقيل: إنّ كلّ عمل صالح يؤخذ فيها من المؤمن فيكون ذا قدر وقيمة عند اللّه لكونه مقبولا فيها. وقيل: لأنّه أُنزل كتابٌ ذو قدر على رسول ذي قدر لأجل أُمّة ذاتِ قدر، وقال سهل بن عبد اللّه: لأنّ اللّه سبحانه يقدّر الرحمة فيها على عباده المؤمنين. وقيل: لأنه يُنزَّل فيها إلى الأرض ملائكة أُولو قدر وذوو خطر. وقال الخليل بن أحمد: سُمِّيت بذلك لأنّ الأرض تضيق فيها بالملائكة من قوله: {وَيَقْدِرُ} {أية : وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ} تفسير : [الطلاق: 7]. الباب الثاني: اختلاف العلماء في وقتها، وأي ليلة هي، وذكر اختلاف الصحابة فيها. فقال بعضهم: إنّما كانت على عهد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ثم رفعت. أخبرني عبد اللّه بن حامد إجازة قال: أخبرنا محمد بن الحسين بن الحسن قال: حدّثنا أحمد بن يوسف قال: حدّثنا عبد اللّه قال: أخبرنا سفيان عن الأوزاعي عن مرشد أو عن أبي مرشد قال: حديث : كنتُ جالساً مع أبي ذرّ عند خُمرة الوسطى فسُئل عن ليلة القدر فقال: كنت أسأل الناس عنها رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: قلت: يا رسول اللّه ليلة القدر هل هي تكون على عهد الأنبياء (عليهم السلام)، فإذا مضوا رفعت؟ قال: "لا، بل هي إلى يوم القيامة ". تفسير : وأخبرنا عبد اللّه بن حاطب قال: أخبرنا محمد بن عامر السمرقندي قال: أخبرنا عمر بن الحسين قال: حدّثنا عبد بن حميد عن روح بن عبادة قال: حدّثنا ابن جريج قال: أخبرني داود ابن أبي عاصم عن عبد اللّه بن عيسى مولى معاوية قال: قلت لأبي هريرة زعموا أنّ ليلة القدر قد رفعتْ قال: كذب من قال ذلك، قال: قلت هي في كلّ شهر رمضان استقبله؟ قال: نعم. وقال بعضهم: هي في ليالي السنة كلّها، وإنّ من علّق طلاق امرأته أو عتق عبده ليلة القدر لم يقع الطلاق ولم ينفذ العتاق إلى مضي سنة من يوم حلف، وهي إحدى الروايات عن ابن مسعود قال: من يُقِم الحول كلّه يصبْها. قال: فبلغ ذلك عبد اللّه بن عمر، فقال: يرحم اللّه أبا عبد الرحمن أما إنه علِمَ أنها في شهر مضان؟ ولكن أراد أن لا يتّكل الناس، وإلى هذا ذهب أبو حنيفة أنها في جميع السنة، وحُكي عنه أيضاً أنّه قال: رفعت ليلة القدر، وروي عن ابن مسعود أيضاً أنه قال: إذا كانت السنة في ليلة كانت العام المقبل في ليلة أُخرى، والجمهور من أهل العلم على أنها في شهر رمضان في كل عام. أخبرنا عبد اللّه بن حامد قال: أخبرنا محمد بن عامر قال: أخبرنا عمر بن يحيى قال: حدّثنا عبد بن حميد عن عبيد اللّه بن موسى عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن أبي عمير أنه سئل عن ليلة القدر: أفي كل رمضان هي؟ قال: نعم. وأخبرنا عقيل أن المعافى أخبرهم عن محمد بن جرير قال: حدّثني يعقوب قال: حدّثنا ابن عليّة قال: حدّثنا ابن ربيعة بن كلثوم قال: قال رجل للحسين وأنا أسمع: أرأيت ليلة القدر أفي كل رمضان هي؟ قال: "نعم واللّه الذي لا إله إلاّ هو إنها لفي كلّ رمضان، وإنّها ليلة يفرق فيها كلّ أمر حكيم، فيها يقضى كلّ أجل وعمل، ورزق وخلق إلى مثلها". واختلفوا في أول ليلة هي منها، فقال أنور بن العقيلي: هي أول ليلة من شهر رمضان، وقال الحسن: هي ليلة سبع عشرة، وهي الليلة التي كانت صبيحتها وقعة بدر. والصحيح أنها في العشر الأواخر من شهر رمضان، وإليه ذهب الشافعي رضي الله عنه، يدلّ عليه ما أخبرنا أبو محمد الحسن بن أحمد بن محمد الشيباني قال: أخبرنا عبد اللّه بن مسلم، قال: حدّثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، وقال: أخبرني يونس بن يزيد عن ابن شهاب عن ابن مسلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أُريتُ ليلة القدر ثم أيقظني بعض أهلي فنسيتها، فالتمسوها في العشر الغوابر ". تفسير : وأخبرنا أبو بكر العباسي قال: أخبرنا أبو الحسن المحفوظي قال: حدّثنا عبد اللّه بن قاسم قال: حدّثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان وشعبة وإسرائيل عن ابن إسحاق عن هُبيرة عن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوقظ أهله في العشرة الأواخر من رمضان. وأخبرنا أبو محمد المخلَّدي وعبد اللّه بن حامد قال: أخبرنا مكي قال: حدّثنا عمار بن رجاء قال: حدّثنا أحمد بن أبي طيبة عن عنبسة بن الأزهر عن أبي إسحاق عن الأسود بن يزيد قال: سمعت عليّاً رضي الله عنه يقول: "حديث : كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر الأواخر من رمضان دأب وأدأبَ أهله ". تفسير : فدلَّت هذهِ الأخبار على أن ليلة القدر في العشر الأواخر من شهر رمضان. ثم اختلفوا في أي ليلة فيها فقال أبو سعيد الخدري: هي الليلة الحادية والعشرون، واحتجّ في ذلك بما أخبرنا أبو نعيم الأزهري قال: حدّثنا أبو عوانة سنة ست عشرة وثلاثمائة، قال: أخبرنا المزني قال: قال الشافعي: وأخبرنا أبو محمد إسحاق بن إبراهيم بن أحمد المطوعي، وأبو علي السيوري، وأبو عبد اللّه محمد بن عبد اللّه المصيبي قالوا: حدّثنا أبو العباس الأصمّ قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا مالك عن ابن الهاد عن محمد بن إبراهيم التيمي عن أبي سلمة، عن أبي سعيد الخدري قال: حديث : كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الوسط من شهر رمضان، فلمّا كانت [ليلة] أحدى وعشرين وهي التي كان يخرج في صبيحتها من اعتكافه قال صلى الله عليه وسلم "من كان اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر، فإني رأيت هذه الليلة ثم أُنسيتها وقال وأريتني أسجد في ماء وطين فالتمسوها في العشر الأواخر، والتمسوها في كل وتر" فأمطرت السماء في تلك الليلة وكان المسجد على عريش فوكف المسجد . تفسير : قال أبو سعيد [فأبصرت عيناي] رسول اللّه صلى الله عليه وسلم انصرف، علينا وعلى جبهته وأنفه أثر الماء والطين من صبيحة إحدى وعشرين. وقال بعضهم هي الليلة الثالثة والعشرون منها. أخبرنا عبد اللّه بن حامد قال: أخبرنا عبد اللّه بن محمد الهمداني قال: أخبرنا الحسين بن عبد الأعلى قال: أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: حديث : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول اللّه إني رأيتُ في النوم كأن ليلة القدر سابعة تبقى، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "أرى رؤياكم قد تواطأت على ثلاث وعشرين، من كان منكم يريد أن يقوم من الشهر شيئاً فليقم ليلة ثلاث وعشرين ". تفسير : قال معمر: كان أيوب يغتسل ليلة ثلاث وعشرين ويمسّ طيباً. وأخبرنا عبد اللّه بن حامد قال: أخبرنا مكّي قال: حدّثنا أحمد بن حفص قال: حدّثني أبي قال: حدّثني إبراهيم عن عبّاد وهو ابن إسحاق عن الزهري عن ضمرة بن عبد اللّه بن أنيس عن أبيه قال: حديث : كنت في مجلس من بني سلمة وأنا أصغرهم فقالوا: من يسأل لنا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن ليلة القدر؟ وذلك صبيحة إحدى وعشرين من رمضان، قال: فخرجت فوافيت مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم صلاة المغرب ثم نمت بباب بيته فمرّ بي فقال: "ادخل" فدخلت فأُتيَ بعشائه فرأيتني أكفّ عنه من قلته، فلمّا فرغ قال: "ناولني نعلي" فقام وقمت معه فقال: كان لك حاجة؟ فقلت: أرسلني إليك رهط من بني سلمة يسألونك عن ليلة القدر فقال: "كم الليلة؟" فقلت: اثنان وعشرون، فقال: "هي الليلة" ثم رجع فقال: "أو الثالثة" يُريد ليلة ثلاث وعشرين . تفسير : قال أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا طفران قال: حدّثنا الحسن بن إسماعيل المحاملي قال: حدّثنا يعقوب الدورقي قال: حدّثنا عبد اللّه بن إدريس قال: سمعت عاصم بن كليب يروي عن أبيه عن خاله قال: حديث : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "إني رأيت ليلة القدر ثم أُنسِيتُها ورأيت مسيح الضلالة [فخرجت إليكم لأُبيّنها] فرأيت رجلين يتلاحيان فحجزتُ بينهما فأنسيتهما وسأشدو لكم منها شدواً، فأمّا ليلة القدر فاطلبوها في العشر الأواخر وتراً، وأمّا مسيح الضلالة فرجل أجلى الجبهة، ممسوح العين اليسرى، عريض النحر، فيه دمامة كأنّه فلان بن عبد العزى أو عبد العزى بن فلان ". تفسير : قال: فذكرت هذا الحديث لابن عباس قال: وما عجبك؟ سأل عمر بن الخطاب أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وكان يسألني معهم مع الأكابر منهم ويقول لي: لا تتكلم حتى يتكلّموا، فقال: علمتم أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ليلة القدر اطلبوها في العشر الأواخر وتراً" تفسير : ففي أي الوتر ترون؟ قال: فأكثر القوم في الوتر، فقال: مالك لا تكلّم ابن عباس؟ قال: قلت: إن شئت تكلّمت، قال: عن رأيك أسألك؟ قال: قلت: رأيت اللّه سبحانه أكثر ذكر السبع، وذكر السماوات سبعاً، والأرضين والطواف سبعة، والجمار سبعة، وما شاء اللّه من ذلك، خلق الإنسان من سبعة، وجعل رزقه من سبعة. قال: قلت: خلق الإنسان، فقال: فكلّما ذكرت عرقت، فما قولك خلق الإنسان من سبعة وجعل رزقه من سبعة؟ قال: قلت: {أية : خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ} تفسير : [المؤمنون: 12-13] إلى قوله: {أية : خَلْقاً آخَرَ} تفسير : [المؤمنون: 14]. ثم قرأت {أية : أَنَّا صَبَبْنَا ٱلْمَآءَ صَبّاً} تفسير : [عبس: 25] إلى قوله سبحانه: {أية : وَأَبّاً} تفسير : [عبس: 31] والأبّ ما أنبتت الأرض ممّا لا تأكله الناس، فما أراها إلاّ ليلة ثلاث وعشرين لسبع بقين، فقال عمر: غلبتموني أن تأتوا بما جاء به هذا الغلام الذي لم تجتمع شؤون رأسه. وأخبرنا عبد اللّه بن حامد عن صالح بن محمد قال: حدّثنا إبراهيم بن محمد عن مسلم الأعور عن مجاهد عن ابن عباس أنّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال له: أخبرني برأيك في ليلة القدر، قال: فقلت: إن اللّه سبحانه وتر يحب الوتر، السماوات سبع، والأرضون سبع، وترزق من سبع، وتخرج من سبع، ولا أراها إلاّ في سبع بقين من رمضان، فقال عمر: وافق رأيي رأيك، ثم ضرب منكبي وقال: ما أنت بأقل القوم علماً. وقال زيد بن ثابت وبلال: هي ليلة أربع وعشرين، ودليلهما ما أخبرناه عبد اللّه بن حامد قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن أبي سعيد قال: حدّثنا علي بن حرب قال: حدّثنا محمد بن معاوية قال: حدّثنا بن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن يزيد بن عبد اللّه عن الضابحي عن بلال قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "حديث : ليلة القدر ليلة أربع وعشرين ". تفسير : وقيل: هي الليلة الخامسة والعشرون، يدلّ عليها ما أخبرنا محمد بن عبد اللّه الحافظ في آخرين قالوا: حدّثنا محمد بن يعقوب قال: حدّثنا بحر بن نصر قال: فرأى علي ابن وهب أخبرك خبر أحد منهم مالك بن أنس عن حميد الطويل عن أنس بن مالك أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : التمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة ". تفسير : وقال قوم: هي الليلة السابعة والعشرون، وإليه ذهب علي وأُبي وعائشة ومعاوية، يدل عليه ما أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد بن عبدوس قال: أخبرنا أبو أحمد حمزة بن العباس ببغداد قال: حدّثنا أحمد بن الوليد الفحام قال: حدّثنا مسوّد بن عامر شاذان قال: أخبرنا شعبة قال: عبد اللّه بن دينار أخبرني قال: سمعت ابن عمر يحدّث عن النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة القدر قال: "حديث : من كان متحرّياً فليتحرّها في ليلة سبع وعشرين ". تفسير : وأخبرنا عبد اللّه بن حامد قراءةً عليه قال: أخبرنا محمد بن جعفر قال: حدّثنا الحسن بن علي بن عفّان قال: حدّثنا عمرو العنقري قال: حدّثنا سفيان عن عاصم عن زر بن حبيش قال: أتينا بن مسعود فسألناه عن ليلة القدر فقال: من يقم الحول يصبها، فقال: يرحم اللّه أبا عبد الرحمن قد علم أنها في شهر رمضان وأنها في ليلة تسع وعشرين قال: فقال لنا أبا المنذر: إني قد علمت ذلك فقال: بالآية التي أنبأنا بها رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فحفظنا وعددنا، قال: فواللّه فإنها لفي ما تستثني، قال: فقلنا: أبا المنذر ما الآية؟ قال: تطلع الشمس عندئذ كأنها طست ليس لها شعاع. وروي عن أُبيّ بن كعب أيضاً أنّه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم بأُذنيَّ وإلاّ فصمتا أنّه قال: "حديث : ليلة القدر ليلة سبع وعشرين ". تفسير : وقال بعض الصحابة: حديث : قام بنا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ليلة الثالث والعشرين ثلث الليل، فلمّا كانت ليلة الخامس والعشرين قام بنا نصف الليل، فلمّا كانت الليلة السابعة والعشرون قام بنا الليل كلّه . تفسير : وقال أبو بكر الورّاق: إنّ اللّه سبحانه وتعالى قسّم كلمات هذه السورة على ليالي شهر رمضان، فلما بلغ السابعة والعشرين أشار إليها فقال: {هِيَ}. وقال بعضهم: هي ليلة التاسع والعشرين، وروي عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ليلة القدر ليلة السابع والعشرين أو التاسع والعشرين وإن الملائكة في تلك الليلة بعدد الحصى ". تفسير : وأخبرنا عبد اللّه بن حامد قال: أخبرنا مكّي قال: حدّثنا محمد بن سعيد القطان قال: حدّثنا عيينة بن عبد الرحمن قال: حدّثني أبي قال: ذكرت ليلة القدر عند أبي بكرة فقال: ما أنا بطالبها بعد شيء سمعته من رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إلاّ في العشر الأواخر، سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : التمسوها في العشر الأواخر في تسع بقين، أو سبع بقين، أو خمس بقين أو ثلاث بقين أو آخر ليلة" تفسير : وكان أبو بكرة إذا دخل شهر رمضان ظلّ يُصلي في سائر السنة، فإذا دخل العشر اجتهد. وفي الجملة، أخفى اللّه علم هذه الليلة على الأُمّة ليجتهدوا في العبادة ليالي رمضان طمعاً في إدراكها كما أخفى الصلاة الوسطى في الصلوات، واسمه الأعظم في الأسماء، وساعة الإجابة في ساعات الجمعة، وغضبه في المعاصي، ورضاه في الطاعات، وقيام الساعة في الأوقات، رحمةً منه وحكمة، واللّه أعلم. الباب الثالث: في علامتها وأماراتها أخبرنا أبو عمر الفراتي قال: أخبرنا أبو نصر السرخسي قال: حدّثنا محمد بن الفضل قال: حدّثنا إبراهيم بن يوسف قال: حدّثنا النضر عن أشعث عن الحسين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في ليلة القدر: "حديث : من أماراتها أنها ليلة بلجة سمحة، لا حارة ولا باردة، تطلع الشمس صبيحتها ليس لها شعاع ". تفسير : وقال حميد بن عمر: كنت ليلة السابع والعشرين في البحر فأخذت من مائه فوجدته سلِساً. الباب الرابع: في فضائلها وخصائصها. حدّثنا أبو بكر محمد بن أحمد الجهني بها قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن سليمان بن الحسن ببغداد قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن عيسى قال: حدّثنا محمد بن كثير عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي (عليه السلام) قال: "حديث : من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ". تفسير : وفي الحديث: "حديث : إن الشيطان لا يخرج في هذه الليلة حتى يُضيء فجرها، ولا يستطيع أن يصيب فيها أحد بخبل أو داء أو ضرب من ضروب الفساد، ولا ينفذ فيها سحر ساحر ". تفسير : وروي عن ابن عباس أن النبي (عليه السلام) قال: "حديث : إذا كانت ليلة القدر ينزل الملائكة الذين هم سكّان سدرة المنتهى، ومنهم جبريل، فينزل جبريل ومعه ألوية ينصب لواءً منها على قبري، ولواءً منها على بيت المقدس، ولواءً في المسجد الحرام، ولواءً على طور سيناء، ولا يدع فيها مؤمناً ولا مؤمنة إلاّ سلّم عليه إلاّ مُدمن الخمر وآكل الخنزير والمتضمخ بالزعفران ". تفسير : الباب الخامس: في آدابها وفيما يستحب فيها. حدّثنا أبو بكر بن عبدوس قال: حدّثنا محمد بن يعقوب قال: حدّثنا الحسين بن مكرم قال: حدّثنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا كُهمس عن عبد اللّه بن بُريدة حديث : أنّ عائشة قالت للنبي صلى الله عليه وسلم إنْ وافت ليلة القدر فما أقول؟ قال: "قولي: الّلهمّ إنّك عفوٌّ تحب العفو فاعف عنّي ". تفسير : وروى شريح بن هانئ عن عائشة قالت: لو عرفت أيّ ليلة القدر ما سألت اللّه فيها إلاّ العافية. وأخبرنا أبو عمر الفراتي قال: أخبرنا محمد بن إسحاق بن سهل قال: حدّثنا سعيد بن عيسى قال: حدّثنا فارس بن عمر قال: حدّثنا صالح قال: حدّثنا العمري عن عاصم بن عبيد اللّه عن عبد اللّه بن عامر بن ربيعة أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من صلّى المغرب والعشاء الآخرة من ليلة القدر [في جماعة] فقد أخذ حظه من ليلة القدر ". تفسير : {لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ} أخبرنا أبو عمر الفراتي قال: أخبرنا أبو موسى قال: أخبرنا موسى بن عبد اللّه: قال: حدّثنا أبو مصعب عن ملك أنه سمع من يثق به أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أُري أعمار الناس تقاصر أعمار أُمّته ألاّ يبلغوا من الأعمال مثل الذي يبلغ غيره في طول العمر، فأعطاه اللّه سبحانه: {لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ}. واختلفوا في الحكمة الموجبة لهذا العدد، فأخبرني الحسين قال: حدّثنا الكندي قال: حدّثنا عبد الرحمن بن حاتم قال: قرئ على [يونس] بن عبد الأعلى: أخبرنا ابن وهبة قال: حدّثنا مسلمة عن علي بن لهيعة قال: حديث : ذكر رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يوماً أربعة من بني إسرائيل عبدوا اللّه ثمانين عاماً، لم يعصوه طرفة عين فذكر: أيّوب، وزكريّا، وحزقيل ابن العجوز، ويوشع بن نون قال: فعجب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك وأتاه جبريل فقال: "يا محمد عجبت أُمّتك من عبادة هؤلاء النفر ثمانين سنة لم يعصوا اللّه طرفة عين"، فقال: "أنزل اللّه تعالى عليك خيراً من ذلك"، ثم قرأ عليه: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ} لأن هذا أفضل مما عجبت أنت وأُمّتك" قال: فسرّ بذلك النبي صلى الله عليه وسلم والناس معه . تفسير : وأخبرنا أبو عمرو الفراتي قال: أخبرنا محمد بن إسحاق قال: حدّثنا سعيد بن عيسى قال: حدّثنا فارس بن عمرو قال: حدّثنا صالح قال: حدّثنا مسلم بن خالد بن أبي نجح أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر رجلاً من بني إسرائيل لبس السلاح في سبيل اللّه ألف شهر قال: فعجب المسلمون من ذلك فأنزل اللّه سبحانه: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ * لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ} الذي لبس ذلك الرجل السلاح في سبيل اللّه. ويقال: إنّ ذلك الرجل كان شمشون (عليه السلام)، وكانت قصته على ما ذكر وهب بن منبه أنّه كان رجلا مسلماً وكانت أُمّه قد جعلته نذيراً، وكان من أهل قرية من قرى الروم كانوا يعبدون الأصنام، وكان منزله منها على أميال غير كثيرة، فكان يغزوهم وحده، ويجاهدهم في اللّه فيصيب منهم وفيهم حاجته، ويقتل ويسبي ويصيب الأموال، وكان إذا لقيهم لقيهم بلحي بعير لا يلقاهم بغيره، فإذا قاتلوه وقاتلهم وتعب وعطش انفجر له من الحجر الذي في اللحي ماء عذب فيشرب منه حتى يروى. وكان قد أُعطي قوّة في البطش، وكان لا يوثقه حديد ولا غيره، فكان كذلك، فجاهدهم في اللّه، يصيب منهم حاجته لا يقدرون منه على شيء حتى قالوا: لن تأتوه إلاّ من قبل امرأته، فدخلوا على امرأته فجعلوا لها جعلا فقالت: نعم، أنا أوثقه لكم فأعطوها حبلا وثيقاً، وقالوا لها: إذا نام فأوثقي يده إلى عنقه حتى نأتيه فنأخذه، فلمّا نام أوثقت يده إلى عنقه بذلك الحبل، فلما هبُّ جذبه بيده فوقع من عنقه. فقال لها: لم فعلت ذلك؟ فقالت: أُجرّب بها قوتك، ما رأيت مثلك، فأرسلتْ إليهم: إني قد ربطته بالحبل فلم أُغنِ شيئاً، فأرسلوا إليها بجامعة من حديد، وقالوا: إذا نام فاجعليها في عنقه، فلمّا نام جعلتها في عنقه، فلمّا هبَّ جذبها فوقعت من يده وعنقه، فقال لها: لم فعلت هذا؟ قالت: أجرّب بها قوتك، ما رأيت مثلك في الدنيا يا شمشون، أما في الأرض شيء يغلبك؟ قال: إلاّ شيء واحد، قالت: وما هو؟ قال لها: ها أنا لمخبرك به، فلم تزل تسأله عن ذلك وكان ذا شعر كثير، فقال لها: ويحك إنّ أُمّي كانت جعلتني نذيراً فلا يغلبني شيء أبداً، ولا يضبطني إلاّ شعري، فلمّا نام أوثقت يده إلى عنقه بشعر رأسه، فأوثقه ذلك وبعثت إلى القوم. فجاؤا فأخذوه فجدعوا أنفه وانفذوا أُذنيه وفقأوا عينيه، ووقفوا بين ظهراني المدينة، وكانت مدينة ذات أساطين، وكان ملكهم قد أشرف عليها بالناس لينظروا إلى شمشون وما يُصنع به، فدعا شمشون ربّه حين مثلوا ووقفوه أن يسلّطه عليهم، فأمر أن يأخذ بعمودين من عمد المدينة التي عليها الملك والناس الذين معه فاجتذبهما جميعاً فجذبهما، فردّ اللّه تعالى إليه بصره وما أصابوا من جسده، ووقعت المئذنة بالملك ومن عليها من الناس، فهلكوا فيها هدما. وقيل: هو أن الرجل فيما مضى كان لا يستحق أن يقال له: عابد، حتى يعبد اللّه ألف شهر وهي ثلاث وثمانون سنة وأربعة أشهر، فجعل اللّه سبحانه لأمّة محمد (عليه السلام) ليلةً خيراً من ألف شهر كانوا يعبدون فيها. وقال أبو بكر الورّاق: كان ملك سليمان خمسمائة شهر وملك ذي القرنين خمسمائة شهر، فيحتمل أن يكون معنى الآية: ليلة القدر خير لمن أدركها مما ملكه سليمان وذو القرنين (عليهما السلام). وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا عبد اللّه بن محمد بن الأشقر قال: حدّثنا زيد بن أخرم قال: حدّثنا أبو داود قال: حدّثنا علقمة بن الفضل عن يوسف بن مازن الراسبي قال: قام رجل إلى الحسن بن علي فقال: سوّدت وجوه المؤمنين، عمدت إلى هذا الرجل فبايعته يعني معاوية فقال: "لا تؤنّبني [رحمك الله فإن] رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قد أُري بني أُميّة يخطبون على منبره رجلاً رجلاً فساءه ذلك فنزلت {أية : إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ ٱلْكَوْثَرَ} تفسير : [الكوثر: 1] ونزلت {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ * لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ} تملكه بنو أُميّة. قال القاسم: اللّهمّ فحسبنا ملك بني أُميّة فإذا هو ألف شهر لا يزيد ولا ينقص". وقال المفسّرون: عمل صالح في ليلة القدر خيرٌ من عمل ألف شهر ليس فيها ليلة القدر، وروى الربيع عن أبي العالية قال: ليلة القدر خيرٌ من عمر ألف شهر، وقال مجاهد: سلام الملائكة والروح عليك تلك الليلة خير من سلام الخلق عليك ألف شهر فذلك [قوله] سبحانه {تَنَزَّلُ ٱلْمَلاَئِكَةُ}. قرأ طلحة بن مصرف تَنزِلُ خفيفة، من النزول، والروح يعني جبرئيل في قول أكثر المفسّرين يدلّ عليه ما روى قتادة عن أنس أن رسول اللّه (عليه السلام) قال: "حديث : إذا كان ليله القدر نزل جبرئيل في كبكبة من الملائكة يصلّون ويسلّمون على كلّ عبد قائم أو قاعد يذكر اللّه سبحانه ". تفسير : وقال كعب ومقاتل بن حيان: الروح طائفة من الملائكة لا تراهم الملائكة إلاّ تلك الليلة، ينزلون من لدن غروب الشمس إلى طلوع الفجر. وقال الواقدي: هو مَلَك عظيم [من أعظم الملائكة خلقاً] يخلق من الملائكة. {فِيهَا} أي في ليلة القدر {بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ} قدّره اللّه سبحانه وقضاه في تلك السنة إلى قابل، لقوله سبحانه في الرعد: {أية : يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ} تفسير : [الرعد: 11] أي بأمر الله. وقد أخبرنا محمد بن عبدوس قال: حدّثنا محمد بن يعقوب قال: أخبرنا محمد بن الجهم قال: حدّثنا يحيى بن زياد الفرّاء قال: حدّثني أبو بكر بن عباس عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أنّه كان يقرأ من كل امرئ سلام، ورويت هذه القراءة أيضاً عن علي بن أبي طالب وعكرمة، ولها وجهان: أحدهما: إنّه وجّه معناه إلى الملك أي من كلّ ملك سلام. والثاني: أن يكون من بمعنى على تقديره: على كل امرئ من المسلمين سلام من الملائكة كقوله سبحانه: {أية : وَنَصَرْنَاهُ مِنَ ٱلْقَوْمِ} تفسير : [الأنبياء: 77] أي على القوم، والقراءة الصحيحة ما عليه العامة؛ لاجماع الحجّة من القراءة عليها ولموافقتها خطّ المصاحف؛ لأنه ليس فيها ياء. وقوله: {سَلاَمٌ} تمام الكلام عند قوله: {مِّن كُلِّ أَمْرٍ} ثم ابتدأ فقال سبحانه: {سَلاَمٌ هِيَ} أي ليلة القدر سلام وخير كلّها ليس فيها شر. قال الضّحاك: لا يقدر اللّه سبحانه في تلك الليلة إلاّ السلامة، فأمّا في الليالي الأُخر فيقضي اللّه تعالى فيهنّ البلاء والسلامة، قال مجاهد: هي سالمة لا يستطيع الشيطان أن يعمل فيها سوءاً ولا أن يحدث فيها أذى. وقال الشعبي ومنصور بن زاذان: هو تسليم الملائكة ليلة القدر على أهل المساجد من حين تغيب الشمس إلى أن يطلع الفجر، يمرون على كلّ مؤمن ويقولون: السلام عليك يا مؤمن. {حَتَّىٰ مَطْلَعِ ٱلْفَجْرِ} حتى حرف غاية، مجازها إلى مطلع الفجر. قرأ يحيى بن وثاب والأعمش والكسائي وخلف بكسر اللام، غيرهم بفتحه وهو الاختيار؛ لأن المطلع بفتح اللام بمعنى الطلوع يقال: طلعت الشمس طلوعاً ومطلعاً، فأمّا المطلع بكسر اللام فإنّه موضع الطلوع، ولا معنى للاسم في هذا الموضع، إنّما هو لمعنى المصدر، واللّه أعلم.
الصابوني
تفسير : التفسِير: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ} أي نحن أنزلنا هذا القرآن المعجز في ليلة القدر والشرف قال المفسرون: سميت ليلة القدر لعظمها وقدرها وشرفها، والمرادُ بإِنزال القرآن إِنزالهُ من اللوح المحفوظ إِلى السماء الدنيا، ثم نزل به جبريل إِلى الأرض في مدة ثلاث وعشرين سنة كما قال ابن عباس: أنزل الله القرآن جملةً واحدة من اللوح المحفوظ إِلى بيت العزة من السماء الدنيا، ثم نزل مفصلاً بحسب الوقائع في ثلاث وعشرين سنة على رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ} تعظيمٌ وتفخيمٌ لأمرها أي وما أعلمك يا محمد ما ليلةُ القدر والشرف؟ قال الخازن: وهذا على سبيل التعظيم لها والتشويق لخبرها كأنه قال: أي شيء يبلغ علمك بقدرها ومبلغ فضلها؟! ثم ذكر فضلها من ثلاثة أوجه فقال تعالى {لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ} أي ليلة القدر في الشرف والفضل خيرٌ من ألف شهر، لما اختصت به من شرف إِنزال القرآن الكريم فيها قال المفسرون: العمل الصالح في ليلة القدر خيرٌ من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر، وقد روي أن رجلاً لبس السلاح وجاهد في سبيل الله ألف شهر، فعجب رسول الله والمسلمون من ذلك، وتمنى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأُمته فقال يا رب: جعلت أُمتي أقصر الأمم أعماراً، وأقلها أعمالاً!! فأعطاه الله ليلة القدر، وقال: ليلةُ القدر خيرٌ لك ولأمتك من ألف شهر، جاهد فيها ذلك الرجل قال مجاهد: عملها وصيامها وقيامها خيرٌ من ألف شهر، هذا هو الوجه الأول من فضلها ثم قال تعالى {تَنَزَّلُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ} أي تنزل الملائكةُ وجبريل إِلى الأرض في تلك الليلة بأمر ربهم من أجل كل أمرٍ قدَّره الله وقضاه لتلك السنة إِلى السنة القابلة، وهذا هو الوجه الثاني من فضلها، والوجه الثالث قوله تعالى {سَلاَمٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ ٱلْفَجْرِ} أي هي سلام من أول يومها إِلى طلوع الفجر، تسلّم فيها الملائكة على المؤمنين، ولا يُقدّر الله فيها إِلا الخير والسلامة لبني الإِنسان. البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- الإِطناب بذكر ليلة القدر ثلاث مرات، زيادة في الاعتناء بشأنها، وتفخيماً لأمرها. 2- الاستفهام بغرض التفخيم والتعظيم {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ}؟ 3- ذكر الخاص بعد العام {تَنَزَّلُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ} فذكر جبريل بعد الملائكة لينبه على جلالة قدره. 4- توافق الفواصل مراعاة لرءوس الآيات مثل {ٱلْقَدْرِ}، {شَهْرٍ}، {أَمْرٍ}، {ٱلْفَجْرِ} وهو من المحسنات البديعية اللفظية والله أعلم.
زيد بن علي
تفسير : عن أبي خالد عن زيد بن عليهما السّلام في قولهِ تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ} معناه في ليلةِ الحُكمِ.
الأندلسي
تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ} هذه السورة مدنية في قول الأكثر ومناسبتها لما قبلها ظاهرة لما قال: {أية : ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ}تفسير : [العلق: 1] فكأنه قال: اقرأ ما أنزلناه عليك من كلامنا إنا أنزلناه في ليلة القدر. والضمير عائد على ما دل عليه المعنى وهو ضمير القرآن قال ابن عباس: أنزله الله تعالى ليلة القدر إلى سماء الدنيا جملة ثم نجمه على محمد صلى الله عليه وسلم في عشرين سنة. {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ} تفخيم لشأنها أي لم تبلغ درايتك غاية فضلها ثم بين له ذلك قيل ما كان في القرآن وما أدراك فقد أعلم الله به وما كان وما يدريك فإِنه لم يعلمه والظاهر أن ألف شهر يراد به حقيقة العدد وهي ثمانون سنة وثلاثة أعوام وثلث عام والعمل في ليلة القدر أفضل من العمل في هذه الشهور. {تَنَزَّلُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ} تقدم الكلام عليه. {بِإِذْنِ رَبِّهِم} متعلق بتنزل. {مِّن كُلِّ أَمْرٍ} متعلق بتنزل ومن للسبب أي تتنزل من أجل كل أمر قضاه الله تعالى لتلك السنة إلى قابل. {سَلاَمٌ هِيَ} أي هي سلام جعلها سلاماً كثرة السلام فيها قيل لا يلاقون مؤمناً ولا مؤمنة إلا سلموا عليه في تلك الليلة وقرىء مطلع بفتح اللام وكسرها.
الجيلاني
تفسير : {إِنَّا} من مقام عظيم لطفنا وجودنا لعموم عبادنا {أَنزَلْنَاهُ} أي: القرآن المبيِّن لهم طريق النجاة من نيران الجهالات {فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ} [القدر: 1] الغيبي التي لا إطلاع لأحد عليها إلاَّ لعلام الغيوب. لذلك أبهم سبحانه على حبيبه صلى الله عليه وسلم، فقال: {وَمَآ أَدْرَاكَ} أي: أيّ شيء أعلمك من مقتضيات بشريتك ولوازم ناستوك {مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ} [القدر: 2] إذ هي خارجة عن مدارك عالم الناسوت. ثمَّ بيَّنها سبحانه على مقتضى أفهام البشر ومداركهم، فقال: {لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ} [القدر: 3] من أيام عالم الشهادة ولياليها؛ إذ {تَنَزَّلُ ٱلْمَلاَئِكَةُ} أي: سكان سواد الأعظم اللاهوتي {وَٱلرُّوحُ} الأمين، المدبِّر لأمور أشباح عالم الناسوت {فِيهَا} أي: من تلك الليلة، ونزولهم فيها إنما هو {بِإِذْنِ رَبِّهِم} يأمرهم بالنزول فيها، ومع كل منهم {مِّن كُلِّ أَمْرٍ} [القدر: 4] من الأمور الجارية في عالم الشهاة. {سَلاَمٌ} وتسليم من قِبل الحق يسلم لهم سبحانه، ويفوض إليهم أمرهم على مقتضى حكمته المتقنة؛ ليقوم كل منهم به، ويحسن تدبيره على الوجه الذي أمر به، وبالجملة: {هِيَ} أي: حالهم وشأنهم هذا وهكذا {حَتَّىٰ مَطْلَعِ ٱلْفَجْرِ} [القدر: 5] أي: إلى طلوع شمس الذاتية الإلهية، المفنية بأشعتها الذاتية عموم أضواء الأظلال والعكوس مطلقاً. كأن ليلة القدر التي سُترت في خلال ليالي السنة، أو في ليالي شهر رمضان، أو في ليالي العشر الأخير منها - على ما قيل - هي منتخبة ممثلة من تلك الليلة القدرية، الغيبية العمائية، اللاهوتية؛ لذلك ما عينها الشارع وما عرفها، بل أبهمها وأخفاها. قيل: في تلك الليلة يقدَّر عموماً أحوال تلك السنة، وجميع ما يجرى فيها من الحوادث الكائنة، كما أن في أصلها ومنشئها التي هي ليلة القدر الغيبي، متى يقدَّر عموم المقادير الكائنة أزلاً وأبداً؛ لذلك من أحياها، فقد فاز بخيري الدارين. رزقنا الله وجدها والوصول إليها والتحقق دونها. خاتمة السورة عليك أيها العازم القاصد لإحياء تلك الليلة وإدراكها أن تشمر ذيلك لإحياء عموم الليالي الآتية عليك في أيام حياتك؛ إذ هي مستترة فيها، وبالجملة: لا تغفل عن الله في جميع حالاتك حتى تكون عموم لياليك قدراً خيراً من الدنيا وما فيها.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : يا طالب ليلة القدر وشرح الصدر، اعلم أن الله تعالى يقول: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ} [القدر: 1]؛ أي: النور الذي يحصل به انشراح الصدر؛ وهو الجمال المخصوص بسيد أهل الكمال المودع في ظل قالبه، الذي بذلك النور ما كان لقالبه ظل قابلة قالبه، كان ظل النور لا ظل الظلمة بخلاف القوالب؛ لأنها ظلال ظلمانية، فلما طلعت شمس الروح أظهر ظلال الظلمة وهذا سر عزيز يتعلق بحد القرآن، فأنت أيها السالك الطالب اجتهد في طلب ذلك الظل المودع فيه ذلك النور في اللطيفة القالبية المستخلصة عن الأباطيل، المتسكن فيها نور لطفيتك الخفية ليصل في ظلمة ليل قالبك إلى ظل اللطيفة المستودع فيها نور القدر، ونشاهد ذلك النور في لطيفتك المستحقة ليكون قالباً للطيفتك الخفية، وتصير صاحب القدر منشرح الصدر. {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ} [القدر: 2] التي هي ظلمات القالب مسكنة، {لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ} [القدر: 3] روحاني؛ لئلا يغتر بالأنوار الروحانية ويجهل أن يصل إلى ظلمات وصل إليها خضر لطيفتك الحيوانية، وشرب من ينبوعها ماء الحياة السرمدية، وما التفت إلى الجواهر النفيسة التي منعت ذي القرنين عن شراب ماء الحياة من منبعها. وذو القرنين خاصيتا نفسك اللوامة؛ وهي العقل العملي والهوى العملي، وينبغي أن تخاف من هيبة سواد تلك الظلمة، وتلتجئ بالذكر القلبي وتلوذ بأذيال متابعة النبي، وتلتجئ إلى همة الشيخ الهادي المهدي؛ لتصل إلى الينبوع الذي ينبع منه ماء الحياة وتشرب منه بكأس الحبيب صلى الله عليه وسلم، وتشاهد تنزل الملائكة قوى روحانيتك وروح قوتك الخفية القدسية، كما يقول تعالى: {تَنَزَّلُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ فِيهَا} [القدر: 4]؛ أي: في تلك الليلة شديدة السواد المهيبة، التي فيها المستكن نور القدر الخفي عن أعين لطائفك الملتهبة بالأباطيل الجبلية على بصائر لطائفك المستخصلة عن الأباطيل. {بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ} [القدر: 4]؛ يعني: هذه القوى التي كانت وسائط من الأمر والمأمور، كما شرحناها في "بدائع الصنائع"، لا ينزلون إلا بإذن الرب على القلب الصافي عن كدورات الأضاليل، للسليم عن آفات الأباطيل، بخلاف الملائكة التي هي الحفظة؛ لأنهم ينزلون على الصافي والصالح، والباطل والفاسق، والضال والكتبة، ويتعلق بها الموت والحياة والرزق وغيره يسلَّمون على القلب السليم، السلام من الرب الكريم، الرب البر الرحيم؛ لأن تلك الليلة كلها سلام وخير حتى يطلع فجر النفس، كما يقول: {سَلاَمٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ ٱلْفَجْرِ} [القدر: 5]. اللهم ارفع قدرنا وذكرنا واشرح قلبنا وصدرنا بحق حبيبك محمد صلى الله عليه وسلم.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى مبينًا لفضل القرآن وعلو قدره: { إِنَّا أَنزلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ } كما قال تعالى: {أية : إِنَّا أَنزلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ } تفسير : وذلك أن الله [تعالى] ، ابتدأ بإنزاله في رمضان [في] ليلة القدر، ورحم الله بها العباد رحمة عامة، لا يقدر العباد لها شكرًا. وسميت ليلة القدر، لعظم قدرها وفضلها عند الله، ولأنه يقدر فيها ما يكون في العام من الأجل والأرزاق والمقادير القدرية. ثم فخم شأنها، وعظم مقدارها فقال: { وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ } أي: فإن شأنها جليل، وخطرها عظيم. { لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ } أي: تعادل من فضلها ألف شهر، فالعمل الذي يقع فيها، خير من العمل في ألف شهر [خالية منها]، وهذا مما تتحير فيه الألباب، وتندهش له العقول، حيث من تبارك وتعالى على هذه الأمة الضعيفة القوة والقوى، بليلة يكون العمل فيها يقابل ويزيد على ألف شهر، عمر رجل معمر عمرًا طويلا نيفًا وثمانين سنة. { تَنزلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا } أي: يكثر نزولهم فيها { مِنْ كُلِّ أَمْر سَلامٌ هِيَ } أي: سالمة من كل آفة وشر، وذلك لكثرة خيرها، { حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ } أي: مبتداها من غروب الشمس ومنتهاها طلوع الفجر. وقد تواترت الأحاديث في فضلها، وأنها في رمضان، وفي العشر الأواخر منه، خصوصًا في أوتاره، وهي باقية في كل سنة إلى قيام الساعة. ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم، يعتكف، ويكثر من التعبد في العشر الأواخر من رمضان، رجاء ليلة القدر [والله أعلم].
النسائي
تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ} 706- أنا علي بن حُجر، عن إسماعيل بن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ليلة القدر فقال: "حديث : تحرَّوها في السبع الأواخر من شهر رمضان ". تفسير : 707- أنا محمد بن عبد الأعلى، نا خالد، نا شعبة قال: أنبأني قتادة، عن مُطرِّف، عن عائشة قالت: حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في ركوعه: "سبوح قدُّوس رب الملائكة والروح ". تفسير : 708- أنا إسماعيل بن مسعود، نا خالد - يعني: ابن الحارث - عن كَهمَس، عن ابن بُريدة، عن عائشة، قالت: حديث : قلت للنبي / صلى الله عليه وسلم: إن وافقتُ ليلة القدر، ماذا أقول؟ قال: "تقولين: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعْفُ عني ". تفسير : 709- أنا محمد بن قُدامة، أنا جرير، عن منصور، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس قوله: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ} [1] قال: نزل القرآن جملة واحدة في ليلة القدر، وكان الله عز وجل يُنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضه في أثَرِ بعض، قالوا {أية : لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً} تفسير : [الفرقان: 32] 710- أنا محمد بن بشار، نا عبد الرحمن، نا جابر بن يزيد بن رفاعة العِجْلي، عن يزيد بن أبي سليمان، عن زر بن حُبيش، قال: لولا سُفهاؤكم، لوضعت يدي في أذني فناديت: أن ليلة القدر ليلة سبع وعشرين، نبأ من لم يكذبني، عن نبإ من لم يكذِبْنِي, يعني/ عن أُبَي بن كعب، عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال أبو عبد الرحمن، سُفهاؤُكم سقطت "الهاء" من كتابي.
همام الصنعاني
تفسير : 3667- حدثنا عبد الرزاق، عن الثوري، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ}: [الآية: 1]، قال: في ليلة الحكم. 3668- قال عبد الرزاق، قال الثوري، وقال مجاهد: صيامها وقيامها أفضل من صيام ألف شهر وقيامه، ليس فيه ليلة القدر.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):