٩٧ - ٱلْقَدْر
97 - Al-Qadr (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
3
Tafseer
الرازي
تفسير : الأول: قوله تعالى: {لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مّنْ أَلْفِ شَهْرٍ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: في تفسير الآية وجوه أحدها: أن العبادة فيها خير من ألف شهر ليس فيها هذه الليلة، لأنه كالمستحيل أن يقال إنها: {خَيْرٌ مّنْ أَلْفِ شَهْرٍ } فيها هذه الليلة، وإنما كان كذلك لما يزيد الله فيها من المنافع والأرزاق وأنواع الخير وثانيها: قال مجاهد: كان في بني إسرائيل رجل يقوم الليل حتى يصبح ثم يجاهد حتى يمسي فعل ذلك ألف شهر، فتعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون من ذلك، فأنزل الله هذه الآية، أي ليلة القدر لأمتك خير من ألف شهر لذلك الإسرائيلي الذي حمل السلاح ألف شهر وثالثها: قال مالك بن أنس: أُري رسول الله صلى الله عليه وسلم، أعمار الناس، فاستقصر أعمار أمته، وخاف أن لا يبلغوا من الأعمال مثل ما بلغه سائر الأمم، فأعطاه الله ليلة القدر وهي خير من ألف شهر لسائر الأمم ورابعها: روى القاسم بن فضل عن عيسى بن مازن، قال: قلت للحسن بن علي عليه السلام يا مسود وجوه المؤمنين عمدت إلى هذا الرجل فبايعت له يعني معاوية، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، رأى في منامه بني أمية يطؤن منبره واحداً بعد واحد، وفي رواية ينزون على منبره نزو القردة، فشق ذلك عليه فأنزل الله تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ } إلى قوله: {خَيْرٌ مّنْ أَلْفِ شَهْرٍ } يعني ملك بني أمية قال القاسم فحسبنا ملك بني أمية، فإذا هو ألف شهر. طعن القاضي في هذه الوجوه فقال: ما ذكر من ألف شهر في أيام بني أمية بعيد، لأنه تعالى لا يذكر فضلها بذكر ألف شهر مذمومة، وأيام بني أمية كانت مذمومة. واعلم أن هذا الطعن ضعيف، وذلك لأن أيام بني أمية كانت أياماً عظيمة بحسب السعادات الدنيوية، فلا يمتنع أن يقول الله تعالى إني: أعطيتك ليلة هي في السعادات الدينية أفضل من تلك السعادات الدنيوية. المسألة الثانية: هذه الآية فيها بشارة عظيمة وفيها تهديد عظيم، أما البشارة فهي أنه تعالى ذكر أن هذه الليلة خير، ولم يبين قدر الخيرية، وهذا كقوله عليه السلام لمبارزة علي عليه السلام مع عمرو بن عبد ود (العامري) "حديث : أفضل من عمل أمتي إلى يوم القيامة"، تفسير : فلم يقل مثل عمله بل قال: أفضل كأنه يقول: حسبك هذا من الوزن والباقي جزاف. واعلم أن من أحياها فكأنما عبد الله تعالى نيفاً وثمانين سنة، ومن أحياها كل سنة فكأنه رزق أعماراً كثيرة، ومن أحيا الشهر لينالها بيقين فكأنه أحيا ثلاثين قدراً، يروى أنه يجاء يوم القيامة بالإسرائيلي الذي عبد الله أربعمائة سنة، ويجاء برجل من هذه الأمة، وقد عبد الله أربعين سنة فيكون ثوابه أكثر، فيقول الإسرائيلي: أنت العدل، وأرى ثوابه أكثر، فيقول: إنكم كنتم تخافون العقوبة المعجلة فتعبدون، وأمة محمد كانوا آمنين لقوله: {أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ } تفسير : [الأنفال: 33] ثم إنهم كانوا يعبدون، فلهذا السبب كانت عبادتهم أكثر ثواباً، وأما التهديد فهو أنه تعالى توعد صاحب الكبيرة بالدخول في النار، وأن إحياء مائة ليلة من القدر لا يخلصه عن ذلك العذاب المستحق بتطفيف حبة واحدة، فلهذا فيه إشارة إلى تعظيم حال الذنب والمعصية. المسألة الثالثة: لقائل أن يقول: صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : أجرك على قدر نصبك»تفسير : ومن المعلوم أن الطاعة في ألف شهر أشق من الطاعة في ليلة واحدة، فكيف يعقل استواؤهما؟ والجواب: من وجوه: أحدها: أن الفعل الواحد قد يختلف حاله في الحسن والقبح بسبب اختلاف الوجوه المنضمة إليه، ألا ترى أن صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بكذا درجة، مع أن الصورة قد تنتقض فإن المسبوق سقطت عنه ركعة واحدة، وأيضاً فأنت تقول لمن يرجم: إنه إنما يرجم إنه زان فهو قول حسن، ولو قلته للنصراني فقذف يوجب التعزيز، ولو قلته للمحصن فهو يوجب الحد، فقد اختلفت الأحكام في هذه المواضع، مع أن الصورة واحدة في الكل، بل لو قلته في حق عائشة كان كفراً، ولذلك قال: {وَتَحْسَبُونَهُ هَيّناً وَهُوَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمٌ } وذلك لأن هذا طعن في حق عائشة التي كانت رحلة في العلم، لقوله عليه السلام: «حديث : خذوا ثلثي دينكم من هذه الحميراء»تفسير : وطعن في صفوان مع أنه كان رجلاً بدرياً، وطعن في كافة المؤمنين لأنها أم المؤمنين، وللولد حق المطالبة بقذف الأم وإن كان كافراً، بل طعن في النبي الذي كان أشد خلق الله غيره، بل طعن في حكمة الله إذ لا يجوز أن يتركه حتى يتزوج بامرأة زانية، ثم القائل بقوله: هذا زان، فقد ظن أن هذه اللفظة سهلة مع أنها أثقل من الجبال، فقد ثبت بهذا أن الأفعال تختلف آثارها في الثواب والعقاب لاختلاف وجوهها، فلا يبعد أن تكون الطاعة القليلة في الصورة مساوية في الثواب للطاعات الكثيرة والوجه الثاني: في الجواب أن مقصود الحكيم سبحانه أن يجر الخلق إلى الطاعات فتارة يجعل ثمن الطاعة ضعفين، فقال: {أية : فإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً } تفسير : [الشرح: 5، 6] ومرة عشراً، ومرة سبعمائة، وتارة بحسب الأزمنة، وتارة بحسب الأمكنة، والمقصود الأصلي من الكل جر المكلف إلى الطاعة وصرفه عن الاشتغال بالدنيا، فتارة يرجح البيت وزمزم على سائر البلاد، وتارة يفضل رمضان على سائر الشهور، وتارة يفضل الجمعة على سائر الأيام، وتارة يفضل ليلة القدر على سائر الليالي، والمقصود ما ذكرناه الوجه الثاني: من فضائل هذه الليلة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ } ليس فيها ليلة القدر فالعمل الصالح فيها خير منه في ألف شهر ليست فيها.
ابن عبد السلام
تفسير : {خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ} أو العمل فيها خير من العمل في غيرها ألف شهر أو خير من ألف شهر ليس فيها ليلة القدر أو كان في بني إسرائيل رجل يقوم حتى يصبح ويجاهد العدو حتى يسمي فعل ذلك ألف شهر فأخبر الله تعالى أن قيامها خير من عمل ذلك الرجل ألف شهر أو كان ملك سليمان عليه الصلاة والسلام خمسمائة شهر وملك ذي القرنين خمسمائة شهر فجعلت ليلة القدر خيراً من ملكهما.
الخازن
تفسير : قوله عزّ وجلّ: {وما أدراك ما ليلة القدر} أي شيء يبلغ درايتك قدرها ومبلغ فضلها، وهذا على سبيل التعظيم لها، والتَّشويق إلى خيرها ثم ذكر فضلها من ثلاثة أوجه: فقال تعالى: {ليلة القدر خير من ألف شهر} قال ابن عباس: ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من بني إسرائيل حمل السّلاح على عاتقه في سبيل الله ألف شهر، فعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك، وتمنى ذلك لأمته فقال: يا رب جعلت أمتي أقصر الأمم أعماراً، وأقلها أعمالاً، فأعطاه الله تبارك وتعالى ليلة القدر، فقال ليلة القدر خير من ألف شهر التي حمل فيها الإسرائيلي السّلاح في سبيل الله لك ولأمتك إلى يوم القيامة، وعن مالك أنه سمع من يثق به من أهل العلم أن النّبي صلى الله عليه وسلم أرى أعمار الناس قبله، أو ما شاء الله من ذلك، فكأنه تقاصر أعمار أمته أي لا يبلغوا من العمل مثل الذي يبلغ غيرهم في طول العمر فأعطاه الله ليلة القدر خير من ألف شهر أخرجه مالك في الموطأ قال المفسرون: معناه العمل الصّالح في ليلة القدر خير من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر، وإنما كان كذلك لما يريد الله تعالى فيها من المنافع والأرزاق وأنواع الخير والبركة. الوجه الثاني: من فضلها قوله عزّ وجلّ: {تنزل الملائكة} يعني إلى الأرض وسبب هذا أنهم لما قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها وظهر أن الأمر بخلاف ما قالوه وتبين حال المؤمنين وما هم عليه من الطاعة، والعبادة، والجد، والاجتهاد نزلوا إليهم ليسلموا عليها ويعتذروا مما قالوه، ويستغفروا لهم لما يرون من تقصير قد يقع من بعضهم {والروح} يعني جبريل عليه الصّلاة والسّلام قاله أكثر المفسرين: وفي حديث أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إذا كانت ليلة القدر نزل جبريل في كبكبة من الملائكة يصلون، ويسلمون على كل عبد قائم أو قاعد يذكر الله عزّ وجلّ" تفسير : ذكره ابن الجوزي، وقيل إن الرّوح طائفة من الملائكة لا تراهم الملائكة إلا في تلك الليلة {فيها} أي في ليلة القدر {بإذن ربهم} أي بأمر ربهم {من كل أمر} أي بكل أمر من الخير والبركة، وقيل بكل ما أمر به وقضاه من كل أمر. الوجه الثالث: من فضلها قوله تعالى: {سلام} أي سلام على أولياء الله وأهل طاعته قال الشّعبي: هو تسليم الملائكة في ليلة القدر على أهل المساجد من حين تغيب الشمس إلى أن يطلع الفجر، وقيل الملائكة ينزلون فيها كلما لقوا مؤمناً أو مؤمنة يسلمون عليه من ربه عزّ وجلّ، وقيل تم الكلام عند قوله {من كل أمر} ثم ابتدأ فقال تعالى: {سلام هي} يعني القدر سلامة وخير ليس فيها شر، وقيل لا يقدر الله في تلك اللّيلة ولا يقضي إلا السلامة، وقيل إن ليلة القدر سالمة لا يستطيع الشيطان أن يعمل فيها سوءاً أو يحدث فيها أذى {حتى مطلع الفجر} أي أن ذلك السّلام أو السّلامة تدوم إلى مطلع الفجر، والله سبحانه وتعالى أعلم بمراده.
الجنابذي
تفسير : {لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ} ليس فيها ليلة القدر، فى اخبارٍ كثيرةٍ عن طريق الخاصّة: فأصبح كئيباً حزيناً فهبط عليه جبرئيل فقال: يا رسول الله (ص) مالى اراك كئيباً حزيناً؟ - قال: يا جبرئيل انّى رأيت بنى اميّة فى ليلتى هذه يصعدون منبرى من بعدى يضلّون النّاس عن الصّراط القهقرى، فقال: والّذى بعثك بالحقّ نبيّاً انّى ما اطّلعت عليه فعرج الى السّماء فلم يلبث ان نزل عليه بآىٍ من القرآن يونسه بها، قال: افرأيت ان متّعناهم سنين ثمّ جاءهم ما كانوا يوعدون ما اغنى عنهم ما كانوا يتمتّعون وانزل عليه: انّا انزلناه فى ليلة القدر وما ادريك ما ليلة القدر ليلة القدر خيرٌ من الف شهر، جعل الله ليلة القدر لنبيّه (ص) خيراً من الف شهر ملك بنى اميّة، روى انّه ذكر لرسول الله (ص) رجلٌ من بنى اسرائيل انّه حمل السّلاح على عاتقه فى سبيل الله الف شهرٍ فعجب من ذلك عجباً شديداً وتمنّى ان يكون ذلك فى امّته فقال: يا ربّ جعلت امّتى اقصر الامم اعماراً واقلّها اعمالاً فأعطاه الله ليلة القدر وقال: ليلة القدر خيرٌ من الف شهر الّذى حمل الاسرائيلىّ السّلاح فى سبيل الله لك ولامّتك من بعدك الى يوم القيامة فى كلّ رمضان.
اطفيش
تفسير : {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ} بيان بفضلها روي أن رسول الله لى الله عليه وسلم ذكر رجلا من بني إسرائيل لبس السلاح في سبيل الله ألف شهر وهي ثلاثة وثمانون عاما وثلث عام فعجب المؤمنون من ذلك وتقاصرت اليهم أعمالهم فاعطوا ليلة القدر وهي خير من مدة ذلك الغازي وهي من خصائص الأمة، وعن ابن عباس ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الإسرائيلي فعجب وتمنى ذلك لأمته فقال يا رب جعلت أمتي أقصر الناس أعمارا وأقلها أعمالا فأعطي هو وأمته ليلة القدر في كل رمضان خيرا من ألف شهر لا ليلة قدر فيها إلى يوم القيامة وقيل إن الرجل فيما مضى لا يقال له عابد حتى يعبد الله ألف شهر فأعطانا الله ليلة إن أقمناها كان أحق بأن نسمى عابدين من أولئك العباد. وأجاز بعضهم أن يكون ذكر الألف للتكثير، وعنه صلى الله عليه وسلم حديث : من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه وندب لمن وافقها أن يرغب إلى الله في غفران ذنوبه والعصمة فيما بقي من عمره ولمن رأها أن لا يخبر بها فإنه أعظم الثواب، ومن شهد المغرب والعشاء فيها فقد أخذ بحظه منها،حديث : فقالت عائشة رضي الله عنها إن علمت ليلة القدر فما أقول فيها؟ قال صلى الله عليه وسلم قولي اللّهم إنك عفو تحب العفوة فاعف عني تفسير : وكان صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الاواخر حتى توفاه الله وقد يعتكف معها الأواسط وقد يعتكف معهما الأوائل وكانت أزواجه يعتكفن الأواخر وكان يجتهد في الأواخر ما لا يجتهد في غيره يجيء الليل ويوقظ أهله ويجد ويشد المأزر، وأخفاها الله جل وعلا ليجتهدوا في رمضان كله طمعا منهم في إدراكها فيعظم ثوابهم كما أخفى ساعة الإجابة لذلك في الجمعة والصلاة الوسطى واسمه الأعظم ورضاه في الطاعات ليرغبوا فيها وسخطه في المعاصي لينتهوا عن جميعها وقيام الساعة ليجتهدوا حذرا من قيامها.
اطفيش
تفسير : ثواب العمل فيها خير من ثواب العمل فى ألف شهر كحمل رجل إسرائيلى السلاح ألف سنة للجهاد فى سبيل الله تعالى كما فى الحديث مرفوعاً وكما ذكر - صلى الله عليه وسلم - حديث : أربعة من بنى إسرائيل عبدوا الله تعالى ثمانين سنة لم يعصوا الله تعالى فيها طرفة عين أيوب وزكريا وحزقيل ويوشع تفسير : وعجب هو وأصحابه من الخمسة فنزلت الآية فهذه الأُمة يسمون عابدين بليلة واحدة ومَنْ قبلهم بعبادة ألف شهر فقد استقصر - صلى الله عليه وسلم - أعمار أمته وثواب أعمالهم بالنسبة إلى من قبلهم فأعطاه الله تعالى هذه الليلة وألف شهر هى ثمانون سنة تقريباً وإلاَّ فهى ثلاث وثمانون سنة وأربعة أشهر ولا يحسن ما قيل أن ألف شهر هى ملك بنى أُمية لأَنها أيام سوء فى الغالب لظلمهم لبنى هاشم وغيرهم ولا يحسن الجواب بأنها أيام سعادة دنيوية وأن الله تعالى يقول أعطيتك ليلة هى فى سعادة الدين أفضل من تلك السعادة الدنيوية وأما ملكهم فى أندلس زيادة بعد ذلك العدد فلا يعترض به لأنه من طرف الأرض خارج عن أرض العرب وإذا فضلت ليلة القدر على مدة ملكهم كان تفضيلاً للكامل على الناقص وذلك ذم: شعر : إذا أنت فضلت امرءا ذا نباهة على ناقص كان المديح من النقص تفسير : وقال آخر: شعر : ألم تر أن السيف ينقص قدره إذا قيل هذا السيف خير من العصا تفسير : وجاءَ أثر أن كل ليلة فاضلة تستتبع يومها فى الفضل والعكس وعن كعب اختار الله من الساعات أوقات الصلوات ومن الأيام يوم الجمعة ومن الشهور رمضان ومن الليالى ليلة القدر فهى أفضل ليلة فى أفضل شهر، والمراد خير من ألف شهر ليس فيها ليلة القدر وهذا إذا اعتبرناها بأَلف شهر من زمان هذه الأُمة وأما إذا اعتبرناها بزمان من قبلنا فلا إشكال لأَنهم لا ليلة قدر لهم ولا جمعة بالفضل لهم بل الأَحاديث الواردة فى فضل الجمعة وليلتها إنما هى بعد ليلة الجمعة وتحصلت من كتاب الديلمى لى نسخة عتيقة مجودة من بلد مليكش فهيا عن أنس عن النبى - صلى الله عليه وسلم - حديث : أن الله تعالى وهب لأُمتي ليلة القدر لم يعطها من كان قبلهم تفسير : ولم يصح حديث أنها للأنبياءِ وأنها تبقى بعدهم إذا ماتوا وزعم بعض الحنابلة أن ليلة القدر التى أنزل فيها القرآن أفضل من ليلة الجمعة للخير الكثير فيها وأن سائر ليالى القدر فليلة الجمعة أفضل منها، وذكر بعض الشافعية أن ليلة المولد أفضل من ليلة القدر ثم ليلة الإسراءِ ثم ليلة عرفة ثم ليلة الجمعة ثم ليلة النصف من شعبان ثم ليلة العيد، وعن ابن عباس فى قوله تعالى {أية : وابتغوا ما كتب الله لكم} تفسير : [البقرة: 187] أنه ليلة القدر.
الالوسي
تفسير : فإنه بيان إجمالي لشأنها إثر تشويقه عليه الصلاة والسلام إلى درايتها فإن ذلك معرب عن الوعد بإدرائها. وعن سفيان بن عيينة أن كل ما في القرآن من قوله تعالى: {أية : مَا أَدْرَاكَ }تفسير : [الحاقة: 3] أعلم الله تعالى به نبيه صلى الله عليه وسلم وما فيه من قوله سبحانه {أية : وَمَا يُدْرِيكَ}تفسير : [الأحزاب: 63] لم يعلمه عز وجل به. وقد مر بيان كيفية إعراب الجملتين وفي إظهار ليلة القدر في الموضعين من تأكيد التعظيم والتفخيم ما لا يخفى. والمراد بإنزاله فيها إنزاله كله جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا فقد صح عن ابن عباس أنه قال أنزل القرآن في ليلة القدر جملة واحدة إلى السماء الدنيا وكان بمواقع النجوم وكان الله تعالى ينزله على رسوله صلى الله عليه وسلم بعضه في إثر بعض وفي رواية بدل وكان بمواقع الخ ثم نزل بعد ذلك في عشرين سنة وفي رواية أخرى عنه أيضاً أنزل القرآن جملة واحدة حتى وضع في بيت العزة في السماء الدنيا ونزل به جبريل عليه السلام على محمد صلى الله عليه وسلم بجواب كلام العباد وأعمالهم وفي أخرى أنه أنزل في رمضان ليلة القدر جملة واحدة ثم أنزل على مواقع النجوم رسلاً في الشهور والأيام. وكون النزول بعد في عشرين سنة قول لهم وقال بعضهم وهو الأشهر في ثلاث وعشرين وقال آخر في خمس وعشرين وهذا للخلاف في مدة إقامته صلى الله عليه وسلم بمكة بعد البعث. وقال الشعبـي المراد ابتدأنا بإنزاله فيها. والمشهور أن أول ما نزل من الآيات {أية : ٱقْرَأْ}تفسير : [العلق: 1] وأنه كان نزولها بحراء نهاراً نعم في «البحر» روي أن نزول الملك في حراء كان في العشر الأواخر من رمضان فإن صح وكان المراد كان ليلاً فذاك وإلا فظاهر كلام الشعبـي غير مستقيم اللهم إلا أن يقال إنه أراد ابتداء إنزاله إلى السماء الدنيا فيها ولا يلزم أن يتحد ذلك وابتداء إنزاله عليه صلى الله عليه وسلم في الزمان ثم إن في {أَنزَلْنَاهُ} على ما ذكر تجوزاً في الإسناد لأنه أسند فيه ما للجزء إلى الكل، أو مجازاً الطرف أو تضميناً. وقيل المراد إنزاله من اللوح إلى السماء الدنيا مفرقاً في ليالي قدر على أن المراد بليلة الجنس فقد قيل إن القرآن أنزل إلى السماء الدنيا في عشرين ليلة قدر أو ثلاث وعشرين أو خمس وعشرين وكان ينزل في كل ليلة ما يقدر الله تعالى إنزاله في كل السنة ثم ينزله سبحانه منجماً في جميع السنة وهذا القول ذكره الإمام احتمالاً ونقله القرطبـي كما قال ابن كثير عن مقاتل لكنه مما لا يعول عليه والصحيح المعتمد عليه كما قال / ابن حجر في «شرح البخاري» أنه أنزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا بل حكى بعضهم الإجماع عليه نعم لا يبعد القول بأن السفرة هناك نجموه لجبريل عليه السلام في الليالي المذكورة. وأجاب السيد عيسى الصفوي بأنه لا محذور في ذلك بناء على جواز مثل أتكلم مخبراً به عن التكلم بقولك أتكلم وفي ذلك اختلاف بين الدواني وغيره ذكره في «رسالته التي ألفها في الجواب عن مسألة الحذر الأصم» أو يقال يرجع الضمير للقرآن باعتبار جملته وقطع النظر عن أجزائه فيخبر عن الجملة بإنا أنزلناه وإن كان من جملته {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ} المندرج في جملته من غير نظير له بخصوصه وقد ذكروا أن الجزء من حيث هو مستقل مغاير له من حيث هو في ضمن الكل. وفي «الإتقان» عن أبـي شامة فإن قلت {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ} إن لم يكن من جملة القرآن الذي نزل جملة فما نزل جملة وإن كان من الجملة فما وجه هذه العبارة؟ قلت لها وجهان أحدهما أن يكون المعنى إنا حكمنا بإنزاله في ليلة القدر وقضينا به وقدرناه في الأزل والثاني أن لفظ {أَنزَلْنَاهُ} ماض ومعناه على الاستقبال أي تنزله جملة في ليلة القدر انتهى ولم يظهر لي في كلا وجهيه رحمه الله تعالى شامة حُسْن فَأَجِلْ في ذلك نظراً فلعلك ترى. وقيل المعنى إنا أنزلناه في فضل ليلة القدر أو في شأنها وحقها فالكلام على تقدير مضاف أو الظرفية مجازية كما في قول عمر رضي الله تعالى عنه «خشيت أن ينزل فيَّ قرآن» وقول عائشة رضي الله تعالى عنها «لأنا أحقر في نفسي من أن ينزل فيَّ قرآن» وجعل بعضهم (في) في ذلك للسببية والضمير قيل للقرآن بالمعنى الدائر بين الكل والجزء وقيل بمعنى السورة ولا يأباه كون {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ} فيها لما مر آنفاً فلا حاجة إلى أن يقال المراد بها ما عدا {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ} وقيل يجوز أن يراد به المجموع لاشتماله على ذلك وأياً ما كان فحمل الآية على هذا المعنى غير معول عليه وإنما المعول عليه ما تقدم. والمراد بالإنزال إظهار القرآن من عالم الغيب إلى عالم الشهادة أو إثباته لدى السفرة هناك أو نحو ذلك مما لا يشكل نسبته إلى القرآن. واختلفوا في تلك الليلة فقيل إنها رفعت لخبر في ذلك وهو كما قال الكرماني غلط لأن آخر الخبر يرده والمراد رفع تعيينها فيه وعن عكرمة أنها ليلة النصف من شعبان وهو قول شاذ غريب كما في «تحفة المحتاج» وظاهر ما هنا مع ظاهر قوله تعالى: {أية : شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِى أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ }تفسير : [البقرة: 185] يرده وعن ابن مسعود أنها تنتقل في ليالي السنة فتكون في كل سنة في ليلة ونسبه النووي إلى أبـي حنيفة وصاحبيه والأكثرون على أنها في شهر رمضان فعن ابن رزين أنها الليلة الأولى منه وعن الحسن البصري السابعة عشر لأن وقعة بدر كانت في صبيحتها وحكي عن زيد بن أرقم وابن مسعود أيضاً وعن أنس مرفوعاً التاسعة عشر وحكي موقوفاً على ابن مسعود أيضاً وعن محمد بن إسحٰق الحادية والعشرون لما في «الصحيحين» وغيرهما من حديث أبـي سعيد الخدري أنه عليه الصلاة والسلام قال((حديث : قد رأيت هذه الليلة - يعني ليلة القدر ثم نسيتها وقد رأيتني أسجد من صبيحتها في ماء وطين قال أبو سعيد فمطرت السماء من تلك الليلة فوكف المسجد فأبصرت عيناي رسول الله وعلى جبهته وأنفه أثر الماء والطين من صبيحة إحدى وعشرين))تفسير : وفي «مسلم»((حديث : من صبيحة ثلاث وعشرين))تفسير : ومنه مع ما قبله مال الشافعي عليه الرحمة إلى أنها الليلة الحادية أو الثالثة والعشرون وأخرج أحمد ومسلم وغيرهما عن عبد الله بن أنيس أنه سئل عن ليلة القدر فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول(( حديث : التمسوها الليلة))تفسير : وتلك الليلة ليلة ثلاث وعشرين وأخرج أحمد وأبو داود وابن جرير وغيرهم عن بلال قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم((حديث : ليلة القدر ليلة أربع وعشرين))تفسير : وفي «الإتقان» وغيره أنها الليلة التي أنزل فيها القرآن وأخرج ابن أبـي شيبة عن أبـي ذر أنه سئل عن ليلة القدر فقال كان عمر وحذيفة وناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يشكون أنها ليلة سبع وعشرين وأخرج ابن نصر وابن جرير في «تهذيبه» عن معاوية قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((حديث : التمسوا ليلة القدر / في آخر ليلة من رمضان))تفسير : وفي رواية أحمد عن أبـي هريرة مرفوعاً أنها آخر ليلة. وقيل هي في العشر الأوسط تنتقل فيه وقيل في أوتاره وقيل في أشفاعه. وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم((حديث : تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من شهر رمضان))تفسير : وفي حديث أخرجه أحمد وجماعة عن عبادة بن الصامت مرفوعاً وحديثين أخرجهما ابن جرير وغيره عن جابر بن سمرة وعن عبد الله بن جابر كذلك ما يدل على ما ذكر أيضاً بل الأخبار الصحيحة الدالة عليه كثيرة وبالجملة الأقوال فيها مختلفة جداً إلا أن الأكثرين على أنها في العشر الأواخر لكثرة الأحاديث الصحيحة في ذلك وأكثرهم على أنها في أوتارها لذلك أيضاً وكثير منهم ذهب إلى أنها الليلة السابعة من تلك الأوتار وصح من رواية الإمام أحمد ومسلم وأبـي داود والترمذي والنسائي وابن حبان وغيرهم أن زر بن حبيش سأل أبـي بن كعب عنها فحلف لا يستثني أنها ليلة سبع وعشرين فقال له بم تقول ذلك يا أبا المنذر؟ فقال بالآية والعلامة التي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : إنها تصبح من ذلك اليوم تطلع الشمس ليس لها شعاع،تفسير : وبعض الأخبار عن ابن عباس ظاهرة في ذلك وفي بعضها الاستئناس له بما يدل على جلالة شأن السبعة التي قالوا فيها إنها عدد تام من كون السمٰوات سبعاً والأرضين سبعاً والأيام سبعاً والجمار سبعاً والطواف بالبيت سبعاً والسجود على سبع إلى غير ذلك مما ذكره لما علمت من الأخبار الصحيحة المتظافرة وهو زمان ضعف البدن وفيه يزيد أجر العمل ووقت قوة الاستعداد للتجليات لمزيد التصفية، وأنها في الأوتار أرجى للأحاديث أيضاً مع أن الله تعالى وتر يحب الوتر. وقال ابن حجر الهيتمي ((اختار جمع أنها لا تلزم ليلة بعينها من العشر الأواخر بل تنتقل في لياليه فعاماً أو أعواماً تكون وتراً إحدى أو ثلاثاً أو غيرهما وعاماً أو أعواماً تكون شفعاً اثنتين أو أربعاً أو غيرهما قالوا ولا تجتمع الأحاديث المتعارضة فيها إلا بذلك وكلام الشافعي رضي الله تعالى عنه في الجمع بين الأحاديث يقتضيه)) انتهى ولا يخفى أن الجمع بذلك بين الأحاديث المتعارضة فيها مطلقاً مما لا يتسنى وإنما يتسنى الجمع بذلك بين الأحاديث المتعارضة فيها بالنظر إلى العشر. وقيل في الجمع مطلقاً إنها تنتقل وما صح من التعيين في الجملة أو على التحقيق محمول على ليلة قدر في شهر رمضان مخصوص بأن يكون قد علم صلى الله عليه وسلم أنها في أول شهر رمضان فرض ليلة كذا فقال عليه الصلاة والسلام هي ليلة كذا أي في هذا الشهر رمضان المخصوص وعلم عليه الصلاة والسلام أنها في شهر رمضان بعده ليلة كذا غير تلك الليلة التي ذكرها قبل فقال صلى الله عليه وسلم هي ليلة كذا وعلم صلى الله عليه وسلم أنها في آخر في العشر الأخير منه فقال هي في العشر الأخير أي من هذا الشهر المخصوص وهكذا وهو كما ترى. وعلى القول بانتقالها ادعى بعضهم أنه إذا كان أول الشهر ليلة كذا فهي الليلة السابعة والعشرون وإن كانت ليلة كذا فهي الليلة الحادية والعشرون إلى آخر ما قال وقد ذكرناه مع نظمه في «الطراز المذهب» وليس في ذلك ما يقوم حجة على الغير. وفي بعض الأخبار ذكر علامات لها ففي حديث الإمام أحمد والبيهقي وغيرهما عن عبادة بن الصامت من إماراتها أنها ليلة بلجة صافية ساكنة لا حارة ولا باردة كأن فيها قمراً ساطعاً لا يرمى فيها بنجم حتى الصباح وأخرج نحواً منه ابن جرير في «تهذيبه» وابن مردويه عن جابر بن عبد الله مرفوعاً وحمل ذلك إن صح على ليلة قدر من شهر رمضان مخصوص كالمتعين لعدم اطراده ولا أغلبيته فيما يظهر والحكمة في إخفائها أن يجتهد من يطلبها في العبادة في غيرها ليصادفها كأن يحيـي ليالي شهر رمضان كلها كما كان دأب السلف وللإمام في هذا المقام كلام يجل مثله عن التكلم بمثله ولعمري لقد سها فيه سهواً بيناً وأتى فيه بما يوشك أن يدل على جهله. ومعنى ليلة القدر ليلة التقدير وسميت بذلك لما روي عن ابن عباس وغيره أنه يقدر / فيها ويقضي ما يكون في تلك السنة من مطر ورزق وإحياء وإماتة إلى السنة القابلة والمراد إظهار تقديره تعالى ذلك للملائكة عليهم السلام المأمورين بالحوادث الكونية وإلا فتقديره تعالى جميع الأشياء أزلي قبل خلق السماوات والأرض. لكن قال بعض الأجلة كون التقدير في هذه الليلة يشكل عليه قول كثير إنه ليلة النصف من شعبان وهي المراد بالليلة المباركة التي قال الله تعالى فيها {أية : فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ}تفسير : [الدخان: 4] وأجاب بأن هٰهنا ثلاثة أشياء الأول نفس تقدير الأمور أي تعيين مقاديرها وأوقاتها وذلك في الأزل والثاني إظهار تلك المقادير للملائكة عليهم السلام بأن تكتب في اللوح المحفوظ وذلك في ليلة النصف من شعبان والثالث إثبات تلك المقادير في نسخ وتسليمها إلى أربابها من المدبرات فتدفع نسخة الأرزاق والنباتات والأمطار إلى ميكائيل عليه السلام ونسخة الحروب والرياح والجنود والزلازل والصواعق والخسف إلى جبريل عليه السلام ونسخة الأعمال إلى إسرافيل عليه السلام ونسخة المصائب إلى ملك الموت وذلك في ليلة القدر وقيل يقدر في ليلة النصف الآجال والأرزاق وفي ليلة القدر الأمور التي فيها الخير والبركة والسلامة وقيل يقدر في هذه ما يتعلق به إعزاز الدين وما فيه النفع العظيم للمسلمين وفي ليلة النصف يكتب أسماء من يموت ويسلم إلى ملك الموت والله تعالى أعلم بحقيقة الحال. وقال الزهري المعنى ليلة العظمة والشرف من قولهم رجل له قدر عند فلان أي منزلة وشرف وسميت بذلك لأن من أتى بفعل الطاعات فيها صار ذا قدر وشرف عند الله عز وجل أو لأن الطاعات لها فيها ذلك. وقيل لأنه نزل فيها كتاب ذو قدر بواسطة ملك ذي قدر على رسول ذي قدر لأمة ذات قدر وقيل لأنه يتنزل فيها ملائكة ذوات قدر. وقال الخليل بن أحمد المعنى ليلة الضيق من {أية : قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ}تفسير : [الطلاق: 7] ضيق وسميت بذلك لأن الأرض تضيق فيها بالملائكة عليهم السلام. وخيريتها من ألف شهر باعتبار العبادة عند الأكثرين على معنى أن العبادة فيها خير من العبادة في ألف شهر ولا يعلم مقدار خيريتها منها إلا هو سبحانه وتعالى وهذا تفضل منه تعالى وله عز وجل أن يخص ما شاء بما شاء ورب عمل قليل خير من عمل كثير ولا ينافي هذا قاعدة أن كل ما كثر وشق كان أفضل لخبر مسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال لعائشة رضي الله تعالى عنها ((حديث : أجرك على قدر نصبك))تفسير : لأنها أغلبية على ما قال غير واحد ولا شك أن العمل القليل قد يفضل الكثير باعتبار الزمان وباعتبار المكان وباعتبار كيفية الأداء كصلاة واحدة أديت بجماعة فإنها تعدل خمساً وعشرين مرة صلاة مثلها أديت على الانفراد إلى غير ذلك. نعم هذه الأفضلية قد تعقل في بعض وقد لا كما فيما نحن فيه ولا حجر على الله عز وجل ولا يعلم ما عنده سبحانه إلا هو جل شأنه. وتخصيص الألف بالذكر قيل إما للتكثير كما في قوله تعالى: {أية : يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ}تفسير : [البقرة: 96] وكثيراً ما يراد بالأعداد ذلك. وفي «البحر» حكاية أن المعنى عليه خير من الدهر كله، أو لما أخرج ابن المنذر وابن أبـي حاتم والبيهقي في «سننه» عن مجاهد حديث : أن النبـي صلى الله عليه وسلم ذكر رجلاً من بني إسرائيل لبس السلاح في سبيل الله تعالى ألف شهر فعجب المسلمون من ذلك وتقاصرت إليهم أعمالهم فأنزل الله تعالى السورةتفسير : وأخرج ابن أبـي حاتم عن علي بن عروة حديث : قال ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً أربعة من بني إسرائيل عبدوا الله تعالى ثمانين عاماً لم يعصوه طرفة عين فذكر أيوب وزكريا وحزقيل بن العجوز ويوشع بن نون فعجب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك فأتاه جبريل عليه السلام فقال يا محمد عجبت أمتك من عبادة هؤلاء النفر ثمانين سنة فقد أنزل الله تعالى عليك خيراً من ذلك فقرأ عليه {إِنَّا أَنزَلْنَـٰهُ } الخ ثم قال هذا أفضل مما عجبت أنت وأمتك منه فسر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلمتفسير : . وقيل إن الرجل فيما مضى ما كان يقال له عابد حتى يعبد الله تعالى ألف شهر فأعطوا ليلة إن أحيوها كانوا أحق / بأن يسموا عابدين من أولئك العباد. وقال أبو بكر الوراق كان ملكُ كلٍ من سليمان وذي القرنين خمسمائة شهر فجعل الله تعالى العمل في هذه الليلة لمن أدركها خيراً من ملكهما وفي هذا نظر لأنه إن أريد بذي القرنين الأول فهو على القول به قد ملك أكثر من ذلك بكثير وإن أريد به الثاني أعني قاتل دارا فهو قد ملك أقل من ذلك بكثير. وقيل أري صلى الله عليه وسلم أعمار الأمم كافة فاستقصر أعمار أمته فخاف عليه الصلاة والسلام أن لا يبلغوا من العمل مثل ما بلغ غيرهم في طول العمر فأعطاه الله تعالى ليلة القدر وجعلها خيراً من ألف شهر لسائر الأمم وذكره الإمام مالك في «الموطأ». وقد سمعت ما يدل على أن الألف إشارة إلى ملك بني أمية وكان على ما قال القاسم بن الفضل ألف شهر لا يزيد يوم ولا ينقص يوم على ما قيل ثمانين سنة وهي ألف شهر تقريباً لأنها ثلاثة وثمانون سنة وأربعة أشهر ولا يعكر عل ذلك ملكهم في جزيرة الأندلس بعد لأنه ملك يسير في بعض أطراف الأرض وآخر عمارة العرب ولذا لم يعد من ملك منهم هناك من خلفائهم وقالوا بانقراضهم بهلاك مروان الحمار. وطعن القاضي عبد الجبار في كون الآية إشارة لما ذكر بأن أيام بني أمية كانت مذمومة أي باعتبار الغالب فيبعد أن يقال في شأن تلك الليلة أنها خير من ألف شهر مذمومة: شعر : ألم تر أن السيف ينقص قدره إذا قيل إن السيف خير من العصا تفسير : وأجيب بأن تلك الأيام كانت عظيمة بحسب السعادات الدنيوية فلا يبعد أن يقول الله تعالى أعطيتك ليلة في السعادات الدينية أفضل من تلك في السعادات الدنيوية فلا تبقى فائدة. واختلف في أن تلك الليلة تستتبع يومها أم لا فقال الشعبـي نعم يومها مثلها وقيل لعل الوجه فيه أن ذكر الليالي يستتبع الأيام ومنه إذا نذر اعتكاف ليلتين لزمتاه بيوميهما والكثير لا لكن قيل يسن الاجتهاد في يومها كما يسن فيها ولذا جاء في وصفها أن الشمس تطلع صبيحتها وليس لها شعاع كما تقدم أي لعظم أنوار الملائكة الصاعدين والنازلين فيها فإنه لا فائدة فيه سوى معرفة يومها ولا فائدة فيها لو لم يسن الاجتهاد فيه. ومنع بأنه يجوز أن تكون الفائدة معرفتها نفسها ليجتهد فيها من قابل بناء على أنها لا تنتقل. وظاهر الآية أنها أفضل من ليلة الجمعة والمسألة خلافية وأكثر الأئمة على أنها أفضل منها للآية ولأن الله تعالى أنزل فيها القرآن وهو هو ولم ينزله في غيرها ولأنه سبحانه أمر بطلبها فعن ابن عباس [وأنس] أنه قال في قوله تعالى: {أية : وَٱبْتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ}تفسير : [البقرة: 187] ليلة القدر ولأنه عز وجل جعلها ليلة الفرق والحكم فقال جل شأنه {أية : فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ}تفسير : [الدخان: 4] وسماها جل وعلا ليلة القدر أي التقدير ولما روي عن كعب أنه قال إن الله تعالى اختار الساعات فاختار ساعات أوقات الصلاة واختار الأيام فاختار يوم الجمعة واختار الشهور فاختار شهر رمضان واختار الليالي فاختار ليلة القدر فهي أفضل ليلة في أفضل شهر ولأن النبـي صلى الله عليه وسلم حث على العمل فيها فقد صح ((حديث : من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه))تفسير : وفي رواية ((حديث : وما تأخر))تفسير : ونهى عليه الصلاة والسلام أن يخص ليلة الجمعة بقيام ويومها بصيام ولأنه سبحانه وتعالى أخفاها ولم يعينها كما أخفى سبحانه أعظم أسمائه عز وجل وكما أخفى جل شأنه أفضل الصلوات وهي الصلاة الوسطى إلى غير ذلك. وذهب أكثر الحنابلة كأبـي الحسن الجزري [البغدادي] وعبد الله بن بطة وأبـي حفص البرمكي وغيرهم إلى أن ليلة الجمعة أفضل لما أخرج مقاتل عن الضحاك عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((حديث : يغفر الله تعالى ليلة الجمعة لأهل الإسلام أجمعين))تفسير : وهذه فضيلة لم تجيء لغيرها ونحوه ما روى عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم((حديث : ما من ليلة جمعة إلا وينظر الله تعالى إلى خلقه ثلاث مرات فيغفر لمن لا يشرك بالله تعالى شيئاً))تفسير : ولأنه روى ابن بشكوال في كتابه / «القربة إلى رب العالمين» بسنده إلى عمر رضي الله تعالى عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال ((حديث : أكثروا الصلاة علي في الليلة الغراء واليوم الأزهر ليلة الجمعة ويوم الجمعة))تفسير : والغرة من الشيء خياره ولأنه قد روى كثيرون منهم الإمام أحمد أن يومها سيد الأيام وأعظمها وأعظم عند الله تعالى من يوم الفطر ويوم الأضحى وصحح ابن حبان خبر حديث : لا تطلع الشمس ولا تغرب على يوم أفضل من يوم الجمعةتفسير : فهي لذلك سيدة الليالي وأعظمها وأفضلها ولأنها معينة مشهودة يشهدها الخاص والعام من ذكر وأنثى وصغير وكبير وبصير وضرير وتصل بركتها إلى الأحياء والأموات وليلة القدر غير معينة فلا ينتفع بها إلا قليل إلى غير ذلك. وأجاب هؤلاء عن الآية بأنه لما أريد فيها أنها خير من ألف شهر ليس فيها ليلة القدر كما قال قتادة وغيره فليرد أيضاً أنها خير من ألف شهر ليس فيها ليلة جمعة ويدل للأمرين أن أكثر أسباب النزول السابقة تدل على أن المراد بالشهور شهور من تقدمنا وهي ليس فيها ليلة قدر ولا ليلة جمعة وعن سائر المستندات بأن بعضها معارض وبعضها لا يدل على أكثر من فضلها وهو ما لم ينكره أحد. والأولون أجابوا عن مستنداتهم بنحو ما أجابوا وللتعارض قال أحمد بن الحسين بن يعقوب بن قاسم المقري من الحنابلة إن القولين في المسألة قولان شائعان بين الأصحاب ولكل دلائل تدل على صوابيته فلا ينبغي لأحد أن يطلق الخطأ على قائل كل منهما وأنت بعد التأمل في أدلة الطرفين والوقوف على أحوالها يتعين عندك أفضلية ليلة القدر وتعين ليلة الجمعة وهٰهنا قول متوسط بين القولين حكى القاضي أبو يعلى أن أبا الحسن التميمي من الحنابلة أيضاً كان يقول ليلة القدر التي أنزل فيها القرآن أفضل من ليلة الجمعة لما حصل فيها من الخير الكثير الذي لم يحصل في غيرها فأما أمثالها من ليالي القدر فليلة الجمعة أفضل منها وقيل نظيره في ليلة المعراج مع ليلة الجمعة ونحوها. ثم إن ظاهر كلام بعض الحنفية كصاحب «الجوهرة» أن ليلة النحر أفضل من ليلة القدر وسائر ليالي السنة ويرد عليه ظاهر الآية أيضاً ولعله يجيب بنحو ما سبق آنفاً ونقل الطحطاوي عليه الرحمة في «حواشي الدر المختار» عن بعض الشافعية أن أفضل الليالي ليلة مولده عليه الصلاة والسلام ثم ليلة القدر ثم ليلة الإسراء والمعراج ثم ليلة عرفة ثم ليلة الجمعة ثم ليلة النصف من شعبان ثم ليلة العيد وأنا لا أرى أن له ما يعول عليه في ذلك والله تعالى أعلم. وما أشير إليه من كونها من خصائص هذه الأمة هو الذي يقتضيه أكثر الأخبار الواردة في سبب النزول وصرح به الهيتمي وغيره. وقال القسطلاني ((إنه معترض بحديث أبـي ذر عند النسائي حيث قال فيه حديث : يا رسول الله أتكون مع الأنبياء فإذا ماتوا رفعت قال بل هي باقيةتفسير : ثم ذكر أن عمدة القائلين بذلك الخبر الذي قدمناه في سبب النزول من رؤيته صلى الله عليه وسلم تقاصر أعمار أمته عن أعمار الأمم وتعقبه بقوله هذا محتمل للتأويل فلا يدفع الصريح في حديث أبـي ذر كما قاله الحافظان ابن كثير في «تفسيره» وابن حجر في «فتح الباري»)) انتهى والحق الأول والصراحة في حيز المنع وقد أخرج الديلمي عن أنس عن النبـي صلى الله عليه وسلم قال((حديث : إن الله تعالى وهب لأمتي ليلة القدر لم يعطها من كان قبلهم))تفسير : فتأمل ولا تغفل.
ابن عاشور
تفسير : بيان أولُ لشيءٍ من الإِبهام الذي في قوله: { أية : وما أدراك ما ليلة القدر } تفسير : [القدر: 2] مثلُ البيان في قوله: { أية : وما أدراكَ ما العقبة فكُّ رقبة أو إطعام } تفسير : [البلد: 12، 14] الآية. فلذلك فصلت الجملة لأنها استئناف بياني، أو لأنها كعطف البيان. وتفضيلها بالخَيْر على ألف شهر. إنما هو بتضعيف فضل ما يحصل فيها من الأعمال الصالحة واستجابة الدعاء ووفرة ثواب الصدقات والبركة للأمة فيها، لأن تفاضل الأيام لا يكون بمقادير أزمنتها ولا بما يحدث فيها من حَر أو برد، أو مطر، ولا بطولها أو بقصرها، فإن تلك الأحوال غير معتدّ بها عند الله تعالى ولكن الله يعبأ بما يحصل من الصلاح للناس أفراداً وجماعات وما يعين على الحق والخير ونشر الدين. وقد قال في فضل الناس: { أية : إن أكرمكم عند اللَّه أتقاكم } تفسير : [الحجرات: 13] فكذلك فضل الأزمان إنما يقاس بما يحصل فيها لأنها ظروف للأعمال وليست لها صفات ذاتية يمكن أن تتفاضل بها كتفاضل الناس ففضلها بما أعدّه الله لها من التفضيل كتفضيل ثلث الليل الأخير للقربات وعدد الألف يظهر أنه مستعمل في وفرة التكثير كقوله: «واحد كألف» وعليه جاء قوله تعالى: { أية : يود أحدهم لو يعمر ألف سنة } تفسير : [البقرة: 96] وإنما جعل تمييز عدد الكثرة هنا بالشهر للرعي على الفاصلة التي هي بحرف الراء. وفي «الموطإ»: «قال مالك إنه سمع من يثق به من أهل العلم يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أري أعمار الناس قبله أو ما شاء الله من ذلك فكأنه تقاصر أعمارَ أمته أن لا يبلغُوا من العمَل مثلَ ما بلغ غيرهم في طول العُمر فأعطاه الله {ليلة القدر خير من ألف شهر} اهــــ. وإظهار لفظ {لَيْلَةُ القدر} في مقام الإِضمار للاهتمام، وقد تكرر هذا اللفظ ثلاث مرات والمرات الثلاث ينتهي عندها التكرير غالباً كقوله تعالى: { أية : وإن منهم لفريقاً يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب } تفسير : [آل عمران: 78]. وقول عديّ: شعر : لا أرى الموتَ يسبق الموتَ شيءٌ نَغَّص الموتُ ذا الغنى والفقيرا تفسير : ومما ينبغي التنبه له ما وقع في «جامع الترمذي» بسنده إلى القاسم بن الفضل الحُدَّاني عن يوسف بن سَعد قال: «قام رجل إلى الحسن بن علي بعدما بايع معاوية فقال: سَّوَدتَ وجوهَ المؤمنين، أوْ يا مُسوِّد وجوهِ المؤمنين فقال: لا تؤنبني رَحمك الله فإن النبي صلى الله عليه وسلم أري بني أمية على منبره فساءه ذلك فنزلت: { أية : إنا أعطيناك الكوثر } تفسير : [الكوثر: 1] يا محمّد يعني نهراً في الجنة، ونزلت: { أية : إنا أنزلناه في ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر } تفسير : [القدر: 1 ـــ 3] يملكها بنو أمية يا محمدُ قال القاسم: فعددناها فإذا هي ألف شهر لا يَزيدُ يومٌ ولا ينقص». قال أبو عيسى الترمذي، هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وقد قيل عن القاسم ابن الفضل عن يُوسف بن مازِن نعرفه والقاسم بن الفضل ثقة ويُوسف بن سَعْد رجل مجهول اهــــ. قال ابن كثير في «تفسيره» ورواه ابن جرير من طريق القاسم بن الفضل عن عيسى بن مازن كذا قال، وعيسى بن مازن غير معروف، وهذا يقتضي اضطراباً في هذا الحديث، أي لاضطرابهم في الذي يروي عنه القاسم بن الفضل، وعلى كل احتمال فهو مجهول. وأقول: وأيضاً ليس في سنده ما يفيد أن يوسف بن سعد سمع ذلك من الحسن رضي الله عنه. وفي «تفسير الطبري» عن عيسى بن مازن أنه قال: قلت للحسن: يا مسود وجوه المؤمنين إلى آخر الحديث. وعيسى بن مازن غير معروف أصلاً فإذا فرضنا توثيق يوسف بن سعد فليس في روايته ما يقتضي أنه سمعه بل يجوز أن يكون أراد ذكر قصة تُروى عن الحسن. واتفق حذاق العلماء على أنه حديث منكر صرح بذلك ابن كثير وذكره عن شيخه المزي، وأقول: هو مختل المعنى وسمات الوضع لائحة عليه وهو من وضع أهل النحَل المخالفةِ للجماعة فالاحتجاجُ به لا يليق أن يصدر مثله عن الحسن مع فرط علمه وفطنته، وأيَّة ملازمة بين ما زعموه من رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين دفع الحسن التأنيب عن نفسه، ولا شك أن هذا الخبر من وضع دُعاة العباسيين على أنه مخالف للواقع لأن المدة التي بين تسليم الحسن الخلافة إلى معاوية وبين بيعة السفاح وهو أول خلفاء العباسية ألف شهر واثنان وتسعون شهراً أو أكثر بشهر أو بشهرين فما نُسب إلى القاسم الحُدَّاني من قوله: فعددناها فوجدناها الخ كذب لا محالة. والحاصل أن هذا الخبر الذي أخرجه الترمذي منكر كما قاله المِزِّي. قال ابن عرفة وفي قوله: {ليلة القدر خير من ألف شهر} المحسن المسمّى تَشابه الأطراف وهو إعادة لفظ القافية في الجملة التي تليها كقوله تعالى: { أية : كمشكاة فيها مصباح المصباحُ في زجاجة الزجاجةُ كأنها كوكب دري } تفسير : [النور: 35] اهــــ. يريد بالقافية ما يشمل القرينة في الأسجاع والفواصلَ في الآي، ومثاله في الشعر قول ليلى الأخيلية: شعر : إذا نزل الحجاج أرضاً مريضة تتبع أقصى دائها فشفاها شفاها من الداء العضال الذي بها غلامٌ إذا هز القناة سقاها الخ
الشنقيطي
تفسير : القدر: الرفعة، والقدر: بمعنى المقدار. قال الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في مذكرة الإملاء ووجه تسميتها ليلة القدر فيه وجهان: أحدهما: أن معنى القدر الشرف والرفعة، كما تقول العرب: فلان ذو قدر، أي رفعة وشرف. الوجه الثاني: أنها سميت ليلة القدر، لأن الله تعالى يقدر فيها وقائع السنة، ويدل لهذا التفسير الأخير قوله تعالى: {أية : إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أَمْراً مِّنْ عِنْدِنَآ} تفسير : [الدخان: 3-5]. وهذا المعنى قد ذكره رحمة الله تعالى علينا وعليه في سورة الدخان من الأضواء. والواقع أن في السورة ما يدل للوجه وهو القدر والرفعة، وهو قوله: {أية : وَمَآ أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ} تفسير : [القدر: 2-3]. فالتساؤل بهذا الأسلوب للتعظيم كقوله: {أية : ٱلْقَارِعَةُ مَا ٱلْقَارِعَةُ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْقَارِعَةُ} تفسير : [القارعة: 1-3]، وقوله: {خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ}، فيه النص صراحة على علو قدرها ورفعتها، إذ أنها تعدل في الزمن فوق ثلاث وثمانين سنة، أي فوق متوسط أعمار هذه الأمة. وأيضاً كونها اختصت بإنزال القرآن فيها، وبتنزل الملائكة والروح فيها، وبكونها سلاماً هي حتى مطلع الفجر، لفيه الكفاية بما لم تختص وتشاركها في ليلة القدر من ليالي السنة. وعليه: فلا مانع من أن تكون سميت بليلة القدر، لكونها محلاً لتقدير الأمور في كل سنة، وأنها بهذا وبغيره علا قدرها وعظم شأنها، والله تعالى أعلم، تذكير بنعمة كبرى. إذا كانت أعمال العبد تتضاعف في تلك الليلة، حتى تكون خيراً من ألف شهر، كما في هذا النص الكريم. فإذا صادفها العبد في المسجد النبوي يصلي، وصلاة فيه بألف صلاة، فكم تكون النعمة وعظم المنة، من المنعم المتفضل سبحانه، إنه لمما يعلي الهمة ويعظم الرغبة. وقد اقتصرت على ذكر المسجد النبوي دون المسجد الحرام، مع زيادة المضاعفة فيه، لأن بعض المفسرين قال بمضاعفة السيئة فيها. كذلك أي أن المعصية في ليلة القدر كالمعصية في ألف شهر، والمسجد الحرام يحاسب فيه العبد على مجرد الإرادة، فيكون الخطر أعظم، وفي المدينة أسلم. ولعل مما يؤيد ذلك أن ليالي القدر كلها، كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة، وقد أثبتها أهل السنة كافة، وادعت الشيعة نسخها ورفعها كلية، وهذا لا يلتفت إليه لصحة النصوص وشبه المتواترة. تنبيه لم يأت تحديد لتلك الليلة من أي رمضان تكون، وقد أكثر العلماء في ذلك القول وإيراد النصوص. فالأقوال منها على أعم ما يكون، من أنها في عموم السنة، وهذا لم يأت بجديد، وهو عن ابن مسعود وإنما أراد الاجتهاد. ومنها: أنها في عموم رمضان، وهذا حسب عموم نص القرآن. ومنها: أنها في العشر الأواخر منه، وهذا أخص من الذي قبله. ومنها: أنها في الوتر من العشر الأواخر، وهذا أخص من الذي قبله. ومنها: أنها في آحاد الوتر من العشر الأواخر. فقيل: في إحدى وعشرين. وقيل: ثلاث وعشرين. وقيل: خمس وعشرين. وقيل: سبع وعشرين. وقيل: تسع وعشرين. وقيل: آخر ليلة من رمضان على التعيين، وفي كل ليلة من ذلك نصوص. ولكن أشهرها وأكثرها وأصحها، ما جاء أنها في سبع وعشرين، وإحدى وعشرين، ولا حاجة إلى سرد النصوص الواردة في كل ذلك، فم يبق كتاب من كتب التفسير إلا ذكرها، ولا سيما ابن كثير والقرطبي. تنبيه إذا كانت كل النصوص التي وردت في الوتر من العشر الأواخر صحيحه، فإنه لا يبعد أن تكون ليلة القدر دائرة بينها، وليست بلازمة في ليلة منها ولا تخرج عنها، فقد تكون في سنة هي ليلة إحدى وعشرين، بينما في سنة أخرى ليلة خمس أو سبع وعشرين، وفي أخرى ليلة ثلاث أو تسع وعشرين، وهكذا. والله تعالى أعلم. وقد حكى هذا الوجه ابن كثير عن مالك والشافعي وأحمد وغيرهم، وقال: وهو الأشبه، والله تعالى أعلم. وقد قيل: إنه صلى الله عليه وسلم قد أنسيها، لتجتهد الأمة في الشهر كله أو في العشر كلها، ومما يؤكد أنها في العشر الأواخر اعتكافه صلى الله عليه وسلم، التماساً لليلة القدر. وقد جاء في فضلها ما استفاضت به كتب الحديث والتفسير، ويكفي فيها نص القرآن الكريم. وفي هذه الليلة مباحث عديدة يطول تتبعها، منها ما يذكر من أماراتها. ومنها: محاولة البعض استخراجها من القرآن. ومنها: علاقتها بحكم بني أمية، وليس على شيء من ذلك نص يمكن التعويل عليه، لذا لا حاجة إلى إيراده، اللَّهم إلا ما جاء في بعض أمارات نهارها صبيحتها، حيث جاء التنويه عن شيء منه في الحديث "حديث : ورأيتني أسجد صبيحتها في ماء وطين ". تفسير : فذكروا من علامات يومها أن تطلع الشمس بيضاء، وقالوا: لأن أنوار الملائكة عند صعودها، تتلاقى مع أشعة الشمس فتحدث فيها بياض الضوء، وهذا مروي عن أُّبي في صحيح مسلم. ومنها: اعتدال هوائها وجوّها ونحو ذلك، ومما يمكن أن يكون له صلة بالسورة ذاتها، ما حكاه ابن كثير أن بعض السلف، أراد استخراجها من كتاب الله في نفس السورة، فقال: إن كلمة هي في قوله: {أية : سَلاَمٌ هِيَ} تفسير : [القدر: 5]، تقع السابعة والعشرين من عد كلماتها، فتكون ليلة سبع وعشرين. وقيل أيضا: إن حروف كلمة ليلة القدر تسعة أحرف، وقد تكررت ثلاث مرات، فيكون مجموعها سبعة وعشرين حرفاً، فتكون ليلة سبع وعشرين. ولعل أصوب ما يقال: هو ما قدمنا من أنها تتصل في ليالي الوتر من العشر الأواخر، ولا تخرج عنها. والله تعالى أعلم.
د. أسعد حومد
تفسير : (3) - فَلَيْلَةُ القَدْرِ مُبَارَكَةٌ بَدَأَ فِيهَا بِإِنْزَالِ القُرْآنِ الكَرِيمِ لِيَبْدَأَ عَهْدُ النُّبُوَّةِ وَالنُّورِ وَالهُدَى، وَهِيَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ مِنْ أَشْهُرِ الجَاهِلِيَّةِ، التِي كَانَ النَّاسُ يَتَخَبَّطُونَ فِيهَا فِي ظَلاَمِ الشِّرْكِ وَالوَثَنِيَّةِ.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا الزنجي بن خالد، قال: ثنا إبن أَبي نجيح، عن مجاهد قال: بلغني أَنه كان في بني إِسرائيل رجل لبس السلام، في سبيل الله أَلف شهر، فلم يضعه عنه. فذكر ذلك /93 و/ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لأَصحابه، فعجبوا من قوله، فأَنزل الله عز وجل: {لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ} [الآية: 3]. يقول الله: ليلة القدر خير لكم من تلك الأَلف شهر، التي لبس ذلك الرجل فيها السلاح في سبيل الله، فلم يضعه عنه.
همام الصنعاني
تفسير : 3666- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ}: [الآية: 3]، قال: خير من ألف شهر ليس فيها ليلة القدر.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):