٩٧ - ٱلْقَدْر
97 - Al-Qadr (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
4
Tafseer
الرازي
تفسير : قوله تعالى: {تَنَزَّلُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ وَٱلرُّوحُ فِيهَا } وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن نظر الملائكة على الأرواح، ونظر البشر على الأشباح، ثم إن الملائكة لما رأوا روحك محلاً للصفات الذميمة من الشهوة والغضب ما قبلوك. فقالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها ويفسك الدماء، وأبواك لما رأوا قبح صورتك في أول الأمر حين كنت منياً وعلقة ما قبلوك أيضاً، بل أظهروا النفرة، واستقذروا ذلك المني والعلقة، وغسلوا ثيابهم عنه، ثم كم احتالوا للإسقاط والإبطال، ثم إنه تعالى لما أعطاك الصورة الحسنة فالأبوان لما رأوا تلك الصورة الحسنة قبلوك ومالوا إليك، فكذا الملائكة لما رأوا في روحك الصورة الحسنة وهي معرفة الله وطاعته أحبوك فنزلوا إليك معتذرين عما قالوه أولاً، فهذا هو المراد من قوله: {تَنَزَّلُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ } فإذا نزلوا إليك رأوا روحك في ظلمة ليل البدن، وظلمة القوى الجسمانية فحينئذ يعتذرون عما تقدم: ويستغفرون للذين آمنوا }. المسألة الثانية: أن قوله تعالى: {تَنَزَّلُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ } يقتضي ظاهره نزول كل الملائكة، ثم الملائكة لهم كثرة عظيمة لا تحتمل كلهم الأرض، فلهذا السبب اختلفوا فقال بعضهم: إنها تنزل بأسرها إلى السماء الدنيا، فإن قيل الإشكال بعد باق لأن السماء مملوءة بحيث لا يوجد فيها موضع إهاب إلا وفيه ملك، فكيف تسع الجميع سماء واحدة؟ قلنا: يقضي بعموم الكتاب على خبر الواحد، كيف والمروي إنهم ينزلون فوجاً فوجاً فمن نازل وصاعد كأهل الحج فإنهم على كثرتهم يدخلون الكعبة بالكلية لكن الناس بين داخل وخارج، ولهذا السبب مدت إلى غاية طلوع الفجر فلذلك ذكر بلفظ: {تُنَزَّلَ } الذي يفيد المرة بعد المرة. والقول الثاني: وهو اختيار الأكثرين أنهم ينزلون إلى الأرض وهو الأوجه، لأن الغرض هو الترغيب في إحياء هذه الليلة، ولأنه دلت الأحاديث على أن الملائكة ينزلون في سائر الأيام إلى مجالس الذكر والدين، فلأن يحصل ذلك في هذه الليلة مع علو شأنها أولى، ولأن النزول المطلق لا يفيد إلا النزول من السماء إلى الأرض، ثم اختلف من قال: ينزلون إلى الأرض على وجوه: أحدها: قال بعضهم: ينزلون ليروا عبادة البشر وحدهم واجتهادهم في الطاعة وثانيها: أن الملائكة قالوا: {أية : وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبّكَ } تفسير : [مريم: 64] فهذا يدل على أنهم كانوا مأمورين بذلك النزول فلا يدل على غاية المحبة. وأما هذه الآية وهو قوله: {بِإِذْنِ رَبّهِمْ } فإنها تدل على أنهم استأذنوا أولاً فأذنوا، وذلك يدل على غاية المحبة، لأنهم كانوا يرغبون إلينا ويتمنون لقاءنا. لكن كانوا ينتظرون الإذن، فإن قيل قوله: {أية : وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّافُّونَ } تفسير : [الصافات: 165] ينافي قوله: {تَنَزَّلُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ } قلنا نصرف الحالتين إلى زمانين مختلفين وثالثها: أنه تعالى وعد في الآخرة أن الملائكة: {أية : يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مّن كُلّ بَابٍ * سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمُ } تفسير : [الرعد: 23، 24] فههنا في الدنيا إن اشتغلت بعبادتي نزلت الملائكة عليك حتى يدخلوا عليك للتسلم والزيارة، روى عن علي عليه السلام: «حديث : أنهم ينزلون ليسلموا علينا وليشفعوا لنا فمن أصابته التسليمة غفر له ذنبه» تفسير : ورابعها: أن الله تعالى جعل فضيلة هذه الليلة في الاشتغال بطاعته في الأرض فهم ينزلون إلى الأرض لتصير طاعاتهم أكثر ثواباً، كما أن الرجل يذهب إلى مكة لتصير طاعته هناك أكثر ثواباً، وكل ذلك ترغيب للإنسان في الطاعة وخامسها: أن الإنسان يأتي بالطاعات والخيرات عند حضور الأكابر من العلماء والزهاد أحسن مما يكون في الخلوة، فالله تعالى أنزل الملائكة المقربين حتى أن المكلف يعلم أنه إنما يأتي بالطاعات في حضور أولئك العلماء العباد الزهاد فيكون أتم وعن النقصان أبعد وسادسها: أن من الناس من خص لفظ الملائكة ببعض فرق الملائكة، عن كعب أن سدرة المنتهى على حد السماء السابعة مما يلي الجنة، فهي على حد هواء الدنيا وهواء الآخرة، وساقها في الجنة وأغصانها تحت الكرسي فيها ملائكة لا يعلم عددهم إلا الله يعبدون الله ومقام جبريل في وسطها، ليس فيها ملك إلا وقد أعطى الرأفة والرحمة للمؤمنين ينزلون مع جبريل ليلة القدر، فلا تبقى بقعة من الأرض إلا وعليها ملك ساجد أو قائم يدعو للمؤمنين والمؤمنات، وجبريل لا يدع أحداً من الناس إلا صافحهم، وعلامة ذلك من اقشعر جلده ورق قلبه ودمعت عيناه، فإن ذلك من مصافحة جبريل عليه السلام، من قال فيها ثلاث مرات: لا إله إلا الله غفر له بواحدة، ونجاه من النار بواحدة، وأدخله الجنة بواحدة، وأول من يصعد جبريل حتى يصير أمام الشمس فيبسط جناحين أخضرين لا ينشرهما إلا تلك الساعة من تلك الليلة ثم يدعو ملكاً ملكاً، فيصعد الكل ويجتمع نور الملائكة ونور جناح جبريل عليه السلام، فيقيم جبريل ومن معه من الملائكة بين الشمس وسماء الدنيا يومهم ذلك مشغولين بالدعاء والرحمة والاستغفار للمؤمنين، ولمن صام رمضان احتساباً، فإذا أمسوا دخلوا سماء الدنيا فيجلسون حلقاً حلقاً فتجمع إليهم ملائكة السماء فيسألونهم عن رجل رجل وعن امرأة امرأة، حتى يقولوا: ما فعل فلان وكيف وجدتموه؟ فيقولون: وجدناه عام أول متعبداً، وفي هذا العام مبتدعاً، وفلان كان عام أول مبتدعاً، وهذا العام متعبداً، فيكفون عن الدعاء للأول، ويشتغلون بالدعاء للثاني، ووجدنا فلاناً تالياً، وفلاناً راكعاً، وفلاناً ساجداً، فهم كذلك يومهم وليلتهم حتى يصعدوا السماء الثانية وهكذا يفعلون في كل سماء حتى ينتهوا إلى السدرة. فتقول لهم السدرة: يا سكاني حدثوني عن الناس فإن لي عليكم حقاً، وإني أحب من أحب الله، فذكر كعب أنهم يعدون لها الرجل والمرأة بأسمائهم وأسماء آبائهم، ثم يصل ذلك الخبر إلى الجنة، فتقول الجنة: اللهم عجلهم إلي، والملائكة، وأهل السدرة يقولون: آمين آمين، إذا عرفت هذا فنقول، كلما كان الجمع أعظم، كان نزول الرحمة هناك أكثر، ولذلك فإن أعظم الجموع في موثق الحج، لا جرم كان نزول الرحمة هناك أكثر، فكذا في ليلة القدر يحصل مجمع الملائكة المقربين، فلا جرم كان نزل الرحمة أكثر. المسألة الثالثة: ذكروا في الروح أقوالاً أحدها: أنه ملك عظيم، لو التقم السموات والأرضين كان ذلك له لقمة واحدة وثانيها: طائفة من الملائكة لا تراهم الملائكة إلا ليلة القدر، كالزهاد الذين لا نراهم إلا يوم العيد وثالثها: خلق من خلق الله يأكلون ويلبسون ليسوا من الملائكة، ولا من الإنس، ولعلهم خدم أهل الجنة ورابعها: يحتمل أنه عيسى عليه السلام لأنه اسمه، ثم إنه ينزل في مواقفة الملائك ليطلع على أمة محمد وخامسها: أنه القرآن: {أية : وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مّنْ أَمْرِنَا } تفسير : [الشورى: 52] وسادسها: الرحمة قرىء: {أية : لا تيأسوا من روح الله} تفسير : [يوسف: 87] بالرفع كأنه تعالى، يقول: الملائكة ينزلون رحمتي تنزل في أثرهم فيجدون سعادة الدنيا وسعادة الآخرة وسابعها: الروح أشرف الملائكة وثامنها: عن أبي نجيح الروح هم الحفظة والكرام الكاتبون فصاحب اليمين يكتب إتيانه بالواجب، وصاحب الشمال يكتب تركه للقبيح، والأصح أن الروح ههنا جبريل. وتخصيصه بالذكر لزيادة شرفه كأنه تعالى يقول الملائكة في كفة والروح في كفة. أما قوله تعالى: {بِإِذْنِ رَبّهِمْ } فقد ذكرنا أن هذا يدل على أنهم كانوا مشتاقين إلينا، فإن قيل: كيف يرغبون إلينا مع علمهم بكثرة معاصينا؟ قلنا: إنهم لا يقفون على تفصيل المعاصي روي أنهم يطالعون اللوح، فيرون فيه طاعة المكلف مفصلة، فإذا وصلوا إلى معاصيه أرخى الستر فلا ترونها، فحينئذ يقول: سبحان من أظهر الجميل، وستر على القبيح، ثم قد ذكرنا فوائد في نزولهم ونذكر الآن فوائد أخرى وحاصلها أنهم يرون في الأرض من أنواع الطاعات أشياء ما رأوها في عالم السموات أحدها: أن الأغنياء يجيئون بالطعام من بيوتهم فيجعلونه ضيافة للفقراء والفقراء يأكلون طعام الأغنياء ويعبدون الله، وهذا نوع من الطاعة لا يوجد في السموات وثانيها: أنهم يسمعون أنين العصاة وهذا لا يوجد في السموات وثالثها: أنه تعالى قال: «حديث : لأنين المذنبين أحب إلي من زجل المسبحين»تفسير : فقالوا: تعالوا نذهب إلى الأرض فنسمع صوتاً هو أحب إلى ربنا من صوت تسبيحنا، وكيف لا يكون أحب وزجل المسبحين إظهار لكمال حال المطيعين، وأنين العصاة إظهار لغفارية رب الأرض والسموات (وهذه هي المسألة الأولى). المسألة الثانية: هذه الآية دالة على عصمة الملائكة ونظيرها قوله: {أية : وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبّكَ } تفسير : [مريم: 64] وقوله: {أية : لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ } تفسير : [الأنبياء:27] وفيها دقيقة وهي أنه تعالى لم يقل: مأذونين بل قال: {بِإِذْنِ رَبّهِمْ } وهو إشارة إلى أنهم لا يتصرفون تصرفاً ما إلا بإذنه، ومن ذلك قول الرجل لامرأته إن خرجت إلا بإذني، فإنه يعتبر الإذن في كل خرجة. المسألة الثالثة: قوله: {رَّبُّهُمْ } يفيد تعظيماً للملائكة وتحقيراً للعصاة، كأنه تعالى قال: كانوا لي فكنت لهم، ونظيره في حقنا: {إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } وقال لمحمد عليه السلام: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ } ونظيره ما روي أن داود لما مرض مرض الموت قال: إلهي كن لسليمان كما كنت لي، فنزل الوحي وقال: قل لسليمان فليكن لي كما كنت لي، وروي عن إبراهيم الخليل عليه السلام أنه فقد الضيف أياماً فخرج بالسفرة ليلتمس ضيفاً فإذا بخيمة، فنادى أتريدون الضيف؟ فقيل: نعم، فقال للمضيف: أيوجد عندك إدام لبن أو عسل؟ فرفع الرجل صخرتين فضرب إحداهما بالأخرى فانشقا فخرج من إحداهما اللبن ومن الأخرى العسل، فتعجب إبراهيم وقال: إلهي أنا خليلك ولم أجد مثل ذلك الإكرام، فماله؟ فنزل الوحي يا خليلي كان لنا فكنا له. أما قوله تعالى: {مّن كُلّ أَمْرٍ } فمعناه تنزل الملائكة والروح فيها من أجل كل أمر، والمعنى أن كل واحد منهم إنما نزل لمهم آخر، ثم ذكروا فيه وجوهاً أحدها: أنهم كانوا في أشغال كثيرة فبعضهم للركوع وبعضهم للسجود، وبعضهم بالدعاء، وكذا القول في التفكر والتعليم، وإبلاغ الوحي، وبعضهم لإدراك فضيلة الليلة أو ليسلموا على المؤمنين وثانيها: وهو قول الأكثرين من أجل كل أمر قدر في تلك السنة من خير أو شر، وفيه إشارة إلى أن نزولهم إنما كان عبادة، فكأنهم قالوا: ما نزلنا إلى الأرض لهوى أنفسنا، لكن لأجل كل أمر فيه مصلحة المكلفين، وعم لفظ الأمر ليعم خير الدنيا والآخرة بياناً منه أنهم ينزلون بما هو صلاح المكلف في دينه ودنياه كأن السائل يقول: من أين جئت؟ فيقول: مالك وهذا الفضول، ولكن قل: لأي أمر جئت لأنه حظك وثالثها: قرأ بعضهم: {مِن كُلّ ٱمْرِىء } أي من أجل كل إنسان، وروي أنهم لا يلقون مؤمناً ولا مؤمنة إلا سلموا عليه، قيل: أليس أنه قد روي أنه تقسم الآجال والأرزاق ليلة النصف من شعبان، والآن تقولون: إن ذلك يكون ليلة القدر؟ قلنا: عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : إن الله يقدر المقادير في ليلة البراءة، فإذا كان ليلة القدر يسلمها إلى أربابها»تفسير : وقيل: يقدر ليلة البراءة الآجال والأرزاق، وليلة القدر يقدر الأمور التي فيها الخير والبركة والسلامة، وقيل: يقدر في ليلة القدر ما يتعلق به إعزاز الدين، وما فيه النفع العظيم للمسلمين، وأما ليلة البراءة فيكتب فيها أسماء من يموت ويسلم إلى ملك الموت.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {تَنَزَّلُ ٱلْمَلاَئِكَةُ} أي تهبط من كل سماء، ومن سِدرة المنتهى؛ ومسكن جبريل على وسطها. فينزلون إلى الأرض ويؤمِّنون على دعاء الناس، إلى وقت طلوع الفجر؛ فذلك قوله تعالى: {تَنَزَّلُ ٱلْمَلاَئِكَةُ}. {وَٱلرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم} أي جبريل عليه السلام. وحكى القُشَيرِيّ: أن الرُّوح صِنف من الملائكة، جُعِلوا حفظَة على سائرهم، وأن الملائكة لا يرونهم، كما لا نرى نحن الملائكة. وقال مقاتل: هم أشرف الملائكة وأقربهم من الله تعالى. وقيل: إنهم جند من جند الله عز وجل من غير الملائكة. رواه مجاهد عن ابن عباس مرفوعاً؛ ذكره الماوَرْدِيّ وحكى القشيريّ: قيل هم صِنف من خلق الله يأكلون الطعام، ولهم أيدٍ وأرجل؛ وليسوا ملائكة. وقيل: «الرُّوح» خلق عظيم يقوم صفاً، والملائكة كلهم صفاً. وقيل: «الرُّوح» الرحمة ينزل بها جبريل عليه السلام مع الملائكة في هذه الليلة على أهلها؛ دليله { أية : يُنَزِّلُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ بِٱلْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ } تفسير : [النحل: 2]، أي بالرحمة. {فِيهَا} أي في ليلة القدر. {بِإِذْنِ رَبِّهِم} أي بأمره. {مِّن كُلِّ أَمْرٍ}: أُمِرَ بكل أمرٍ قدّرَه الله وقضاه في تلك السنة إلى قابل؛ قاله ابن عباس؛ كقوله تعالى: { أية : يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ } تفسير : [الرعد: 11] أي بأمر الله. وقراءة العامة «تَنَزَّلُ» بفتح التاء؛ إلاّ أن البزي شدّد التاء. وقرأ طلحة بن مُصَرِّف وابن السَّميقَع، بضم التاء على الفعل المجهول. وقرأ عليّ وابن عباس وعِكرمة والكلبِي «مِنْ كُلّ امْرِىء». وروي عن ابن عباس أن معناه: من كل مَلَك؛ وتأوّلها الكلبيّ على أن جبريل ينزل فيها مع الملائكة، فيسلمون على كل امرىء مسلم. «فمِن» بمعنى على. وعن أنس قال: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: « حديث : إذا كانَ ليلةَ القَدرِ نزلَ جبريلُ في كَبْكبة من الملائكة، يُصلُّون ويسلمون على كل عبد قائم أو قاعد يذكر الله تعالى
المحلي و السيوطي
تفسير : {تَنَزَّلُ ٱلْمَلَٰئِكَةُ } بحذف إحدى التاءين من الأصل {وَٱلرُّوحُ } أي جبريل {فِيهَا } في الليلة {بِإِذْنِ رَبِّهِمْ } بأمره {مِّن كُلِّ أَمْرٍ } قضاه الله فيها لتلك السنة إلى قابل و «مِن» سببية بمعنى الباء.
ابن عبد السلام
تفسير : {تَنَزَّلُ الْمَلآئِكَةُ} قال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه الملائكة ليلة القدر في الأرض أكثر من عدد الحصى {وَالرُّوحُ} جبريل عليه السلام أو حفظة الملائكة أو أشراف الملائكة أو جند من جند الله تعالى من غير الملائكة "ع" {بِإِذْنِ رَبِّهِم} بأمره {مِّن كُلِّ أَمْرٍ} يقضى في تلك الليلة من رزق وأجل إلى مثلها من قابل.
ابو السعود
تفسير : وقولُه تعالَى: {تَنَزَّلُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ وَٱلرُّوحُ فِيهَا} استئنافٌ مبـينٌ لمناطِ فضلِها على تلكَ المدةِ المتطاولةِ وقد سبقَ في سورةِ النبأ ما قيلَ في شَأنِ الروحِ عَلى التفصيلِ وقيلَ: هم خلقٌ منَ الملائكةِ لا يراهُم الملائكةُ إلا تلكَ الليلةَ أيْ تنزلُ الملائكةُ والروحُ في تلكَ الليلةِ منْ كُلِّ سماءٍ إلى الأرضِ أوْ إلى السماءِ الدُّنيا {بِإِذْنِ رَبّهِمْ} متعلقٌ بتنزلُ أوْ بمحذوفٍ هُو حالٌ من فاعلِه أيْ ملتبسينَ بإذنِ ربهم أيْ بأمرِه {مّن كُلّ أَمْرٍ} أي من أجلِ كُلِّ أمرٍ قضاهُ الله عزَّ وجلَّ لتلكَ السنةِ إلى قابلِ كقولِه تعالَى: { أية : فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} تفسير : [سورة الدخان، الآية 4] وقُرىءَ منْ كُلِّ امرىءٍ أيْ منْ أجلِ كل إنسانٍ، قيلَ: لا يلقونَ فيها مؤمناً مؤمنةً إلا سلمُوا عليهِ {سَلَـٰمٌ هِىَ} أيْ مَا هيَ إلا سلامةٌ أيْ لا يقدرُ الله تعالى إلا السلامةَ والخيرَ وأمَّا في غيرِها فيقضي سلامةً وبلاءً أوْ ما هيَ إلا سلامٌ لكثرةِ ما يسلمونَ فيها على المؤمنينَ {حَتَّىٰ مَطْلَعِ ٱلْفَجْرِ} أيْ وقتِ طلوعِه وقرىءَ بالكسرِ على أنهُ مصدرٌ كالمرجعِ أو اسمُ زمانٍ على غيرِ قياسٍ كالمشرِقِ وحتَّى متعلقةٌ بتنزلُ على أنها غايةٌ لحكمِ التنزلِ أي لمكثِهمْ في محلِ تنزلِهم أو لنفسِ تنزلهم بأنْ لا ينقطعَ تنزلُهم فوجاً بعدَ فوجٍ إلى طلوعِ الفجرِ، وقيلَ: متعلقةٌ بسلامٍ بناءً على أنَّ الفصلَ بـين المصدرِ ومعمولِه بالمبتدأ مغتفرٌ في الجارِّ. عنِ النبـيِّ صلى الله عليه وسلم: " حديث : مَنْ قَرأَ سورةَ القدرِ أعطي من الأجرِ كَمَنْ صامَ رمضانَ وأَحْيَا ليلةَ القدرِ".
التستري
تفسير : قوله تعالى: {مِّن كُلِّ أَمْرٍ سَلاَمٌ}[4-5] أي سلام من الظلمة أوقات العارفين به، والقائمين معه على حدود الأحكام في الأوامر والنواهي. والله سبحانه وتعالى أعلم.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {تَنَزَّلُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ} [الآية: 4]. قال بعضهم: نزول الملائكة فى تلك الليلة لاسترواح قلوب الصادقين. قوله تعالى: {بِإِذْنِ رَبِّهِم} [الآية: 4]. قال بعضهم: إذن الله للملائكة فى زيارة عباده المؤمنين. قوله تعالى: {مِّن كُلِّ أَمْرٍ * سَلاَمٌ} [الآية: 4، 5]. قال سهل: سلم من القطع أوقات العارفين به والقائمين معه على حدود الأحكام فى الأوامر والنواهى.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {مِّن كُلِّ أَمْرٍ سَلاَمٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ ٱلْفَجْرِ} قف ما بشرهم باعالى الدرجات وسنى الكرامات وسلامتهم من جميع البليات يسلم ويصافحهم ليصل بركات بعضهم الى بعض قال سهل سلم من انقطع اوقات العارفين والقائمين معه على حدود الاحكام من الاوامر والنواهى.
اسماعيل حقي
تفسير : {تنزل الملائكة والروح فيها} استئناف مبين لما له فضلت على ألف شهر واصل ينزل تتنزل بتاءين والظاهر أن المراد كلهم للاطلاق وقد سبق معنى الروح فى سورة النبأ وقال بعضهم انه ملك لو التقم السموات والارضين كانت له لقمة واحدة او هو ملك رأسه تحت العرش ورجلاه فى تخوم الارض السابعة وله ألف رأس كل رأس اعظم من الدنيا وفى كل رأس ألف وجه وفى كل وجه ألف فم وفى كل فم ألف لسان يسبح الله بكل لسان ألف نوع من التسبيح والتحميد والتمجيد لكل لسان لغة لا تشبه الاخرى فاذا فتح افواهه بالتسبيح خر كل ملائكة السموات سجدا مخافة ان يحرقهم نور افواهه وانما يسبح الله غدوة وعشية فينزل تلك الليلة فيستغفر للصائمين والصائمات من امة محمد عليه السلام بتلك الافواه كلها الى طلوع الفجر او هو طائفة من الملائكة لا نراهم الا ليلة القدر كالزهاد الذين لا نراهم الا ليوم العيد او هو عيسى عليه السلام لأنه اسمه ينزل فى موافقة الملائكة ليطالع امة محمد عليه السلام. ودر تفسير جواجه محمد بارسا رحمه الله مذكوراست كه روح حضرت محمد صلى الله عليه وسلم فرودآيد. وفى الحديث حديث : لأنا اكرم على الله من ان يدعنى فى الارض اكثر من ثلاثتفسير : وكان الثلاث عشر مرات ثلاثين لأن الحسين رضى الله عنه قتل فى رأس الثلاثين سنة فغضب على اهل الارض وعرج به الى عليين وقدر رآه بعض الصالحين فى النوم فقال يا رسول الله بأبى أنت وامى اما ترى فتن امتك فقال حديث : زادهم الله فتنة قتلوا الحسين ولم يحفظونى ولم يراعوا حقى فيهتفسير : وعلى كل تقدير فالمعنى تنزل الملائكة والروح فى تلك الليلة من كل سماء الى الارض وهو الاظهر لأن الملائكة اذا نزلت فى سائر الايام الى مجلس الذكر فلأن ينزلوا فى تلك الليلة مع علو شأنها اولى او الى السماء الدنيا قالوا ينزلون فوجا فوجا فمن نازل ومن صاعد كأهل الحج فانهم على كثرتهم يدخلون الكعبة ومواضع النسك بأسرهم لكن الناس بين داخل وخارج ولهذا السبب مدت الى غاية طلوع الفجر وذكر لفظ تنزل المفيد للتدريج وبه يندفع ما يرد أن الملائكة لهم كثرة عظيمة لا تحتملها الارض وكذا السماء على أن شأن الارواح غير شأن الاجسام والملائكة وان كان لهم اجسام لطيفة يقال لهم الارواح وقال بعضهم النازلون هم سكان سدرة المنتهى وفيها ملائكة لا يعلم عددهم الا الله ومقام جبرآئيل فى وسطها ولا يدخلون اى الملائكة النازلون الكنائس وبيوت الاصنام والاماكن التى فيها الكلب والتصاوير والخبائث وفى بيوت فيها خمر او مدمن خمر او قاطع رحم او جنب او آكل لحم خنزير او متضمخ بالزعفرأن وغير ذلك والتضمخ بالفارسية بوى خوش برخويشتن آلودن. ويعدى بالباء كما فى تاج المصادر وقال فى القاموس التضمخ لطخ الجسد الطيب حتى كأنه يقطر قوله الروح معطوف على الملائكة والضمير لليلة القدر والجار متعلق بتنزل ويجوز ان يكون والروح فيها جملة اسمية فى موقع الحال من فاعل تنزل والضمير للملائكة والاول هو الوجه لعدم احتياجه الى ضمير فيها.
الجنابذي
تفسير : {تَنَزَّلُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ} تنزّل نزل فى مهلةٍ ومضى فى سورة بنى اسرائيل بيان الرّوح وانّه اعظم من جميع الملائكة وانّه ربّ النّوع الانسانىّ {فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم} بعلمه او اباحته {مِّن كُلِّ أَمْرٍ} لاجل كلّ امرٍ قدّر فى تلك اللّيلة وقرئ من كلّ امرءٍ بهمزة فى آخره يعنى من اجل كلّ انسان من حيث خيره او شرّه، وقيل: من كلّ امرٍ متعلّق بقوله تعالى {سَلاَمٌ هِيَ}.
الهواري
تفسير : قوله عز وجل: {تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم} أي: بأمر ربهم. والروح جبريل. ذكروا عن أبي عبيدة قال: الملائكة في الأرض ليلة القدر أكثر من عدد الحصى. قال عز وجل: {مِّن كُلِّ أَمْرٍ} [يعني بكل أمر]. {سَلاَمٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} [يعني خير كلها إلى مطلع الفجر] وتفسير الكلبي: إن الملائكة تسلم على المؤمنين ليلة القدر إلى مطلع الفجر.
اطفيش
تفسير : {تَنَزَّلُ الْمَلآَئِكَةُ} إلى الأرض وقيل إلى السماء الدنيا وقيل يقربون للمؤمنين وذلك بيان لفضلها أيضا والصحيح النزول من السماء إلى الأرض قيل ينزلون لما رأوا من عبادة المؤمنين ويعتذرون من قولهم أتجعل فيها من يفسد فيها ويستغفرون لمن قصر من المؤمنين. *{والرُّوحُ} هو جبريل على الصحيح وعليه الأكثر خص لميزته، وعنه صلى الله عليه وسلم حديث : ينزل في جماعة من الملائكة يصلون ويسلمون على كل عبد يذكر الله قائم أو قاعدتفسير : ، وقيل الروح ملائكة لا تراهم الملائكة إلا في تلك الليلة ينزلون في الغروب ويعرجون إذا طلع الفجر كالزهاد الذين لا تراهم إلا يوم العيد وقيل ملك عظيم ينزل مع الملائكة تلك الليلة السماوات والأرض لقمة واحدة وقيل خلق يأكلون ويشربون ويلبسون ليسوا من الملائكة ولا من الثقلين قيل ولعلهم خدم أهل الجنة وقيل أشرف الملائكة وقال ابن أبي نجيح الحفظة الكرام الكاتبون. *{فِيهَا} في ليلة القدر *{بِإِذْنِ رَبِّهِم} يامره وتنزل وهو مضارع حذفت احدى تائيه *{مِّن كُلِّ أَمْرٍ} قضاه الله فيها لتلك السنة الى القابل قيل فيها الباء سببية وقيل للتعدية اي نجيء بكل خير أو للمصاحبة وقرأ من كل امرء اي من اجل كل انسان مؤمن.
اطفيش
تفسير : {تَنَزَّلُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ} ليستغفر وللمؤمنين ويعتذروا عن قولهم {أية : أتجعل فيها من يفسد فيها...} تفسير : [البقرة: 30] الآية إذ رأوا اجتهادهم. {فِيهَا} فى ليلة القدر هذا كلام متعلق بقوله {أية : ليلة القدر خير من ألف شهر} تفسير : [القدر: 3] ويبعد ما قيل أن الضمير لألف شهر والجملة نعت لألف وعلى كل حال الروح معطوف على الملائكة عطف خاص على عام لمزيته ولأنه النازل بالذكر والأصل فى الواو العطف وفيها متعلق بتنزيل وأجيز أن تكون الواو للحال والروح مبتدأ وفيها خبر والضمير للملائكة وهو خلاف الظاهر لأنه إذا أمكن العطف فهو أولى من الحالية والمعية حيث تمكنان إلاَّ لمرجح ولأَن الأصل عدم تعدد الجمل وفى الحالية تعددها والروح جبريل عند الجمهور وقيل ملك يكون صفا والملائكة كلهم صفا السماوات والأرض كلقمة له، وعن كعب ومقاتل الروح ملائكة لا تراهم الملائكة إلاَّ تلك الليلة كالزهاد لا نراهم إلاَّ يوم العيد ويوم الجمعة، وقيل حفظة على الملائكة وقيل خلق يأكلون ويشربون ويلبسون ليسوا ملائكة ولا إنساً ولا جناً قال الله عز وجل {أية : ويخلق ما لا تعلمون} تفسير : [النحل: 8] {أية : وما يعلم جنود ربك إلاَّ هو} تفسير : [المدثر: 31]، قيل هم خدم أهل الجنة، وقيل عيسى عليه السلام ينزل لمطالعة هذه الأُمة لشرفها وقيامها بوصفه كما هو ويزور قبر النبى - صلى الله عليه وسلم - وقيل أرواح المؤمنين ينزلون لزيارة أجسادهم، وقيل الرحمة كما قرىءَ لا تيأَس من روح الله بضم الراءِ ينزل الملائكة للأَرض ليزوروا وللتسليم على المؤمنين أو لتكون طاعتهم فيها أفضل مما قيل كما نذهب إلى المسجد وإلى مكة لذلك أو تنزل لتدرك ليلة القدر إذ لا ليل فى السماءِ، وفيه أن المراد وقتها فى أى مكان لا ظلمتها، وقيل تنزل إلى السماءِ الدنيا وهو ضعيف وينزلون كلهم وتسعهم الأَرض مع أنهم أضعافها بإذن الله أو بتضامنهم وكونهم أنوراً لا تتزاحم أو ينزلون فوجاً فوجاً، وقيل تنزل سكان سدرة المنتهى أو بعضهم وهم أضعافها أيضاً وتسعهم لما ذكر، وقيل هم سبعون ألف ملك ينزلون مع جبريل بألوية من نور يركز هو وهم ألويتهم عند الكعبة وقبر النبى - صلى الله عليه وسلم - وبيت المقدس ومسجد طور سيناءَ ويأمرهم جبريل بدخول كل مسكن ولو سفينة للتسليم على المؤمنين والمؤمنات ويستغفرون ويذكرون الله تعالى إلاَّ مسكناً فيه ملطخ بزعفران أو كلب أو خنزير أو خمر أو تمثال أو جنب من حرام، وقيل تنزل ملائكة التدبير كما قال من كل أمر والحق العموم. {بإذْنِ رَبِّهم} متعلق بتنزل أو حال من الملائكة والروح على وجه عطف الروح أو من الملائكة على أن الواو للحال أى ثابتين وإن قدر خاص فالحال الخاص بلا نيابة بإذن ربهم عنه أى ملتبسين بإذن ربهم وإذنه تعالى أمره وهذا تعظيم لأَمر نزولهم وللإشارة إلى أنهم يرغبون فى المؤمنين فيؤذن لهم فى الزيادة ولا يزورون إلاَّ المؤمنين ولا يصافحون العاصى حال عصيانه، وفى حديث أنس عنه - صلى الله عليه وسلم - "حديث : يصلون ويسلمون على كل عبد قائم أو قاعد يذكر الله عز وجل ولهم رغبة في سماع أنين المذنب التائبقال الله تعالى لأنين المذنبين أحب إلى من أصوات المسبحين أو يزوروا من ألفوا روحه من العابدين أو يصافحون أهل التوحيد عموماً ويستر الله ذنوبهم عنهم لحكمة ". تفسير : {مِّن كُلِّ أمْرٍ} تعليل متعلق يتنزل والمراد الأَمر الذى يكون فى تلك السنة ينزلون لتعيين إنفاذ الأُمور التى فى السنة أو لإعداد القوابل لقبول ما أُمروا به وقد ينزل الواحد لأُمور وقيل من بمعنى الباءِ أى انزل بكل أمر من الخير والبركة، وقيل من الخير والشر أو بمعنى باء السببية أو الملابسة، وقيل من للابتداءِ أو للمجاوزة والأَمر أمورها فى السماءِ أى تنزل من أشغالها فى السماءِ تتركها لما للمسلمين فى الأَرض من الزيارة لهم والمصافحة وفى هذا تعظيم للمؤمنين جداً وقيل يتعلق بسلام بعد ولو كان مصدراً لأَنه ليس على معنى الموصول الحرفى والفعل مع التوسع فى الظروف.
الالوسي
تفسير : وقوله تعالى: {تَنَزَّلُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ وَٱلرُّوحُ فِيهَا } استئناف مبين لمناط فضلها على تلك المدة المديدة فضمير {فِيهَا} لليلة وزعم بعضهم أن الجملة صفة لألف شهر والضمير لها وليس بشيء وجوز بعضهم كون الضمير للملائكة على أن (الروح) مبتدأ لا معطوف على (الملائكة) و(فيها) خبره لا متعلق بتنزل والجملة حال من (الملائكة) وهو خلاف الظاهر. و(الروح) عند الجمهور هو جبريل عليه السلام وخص بالذكر لزيادة شرفه مع أنه النازل بالذكر وقيل ملك عظيم لو التقم السماوات والأرض كان ذلك له لقمة واحدة وذكر في «التيسير» من وصفه ما يبهر العقول والله تعالى أعلم بصحة الخبر. وقال كعب ومقاتل الروح طائفة من الملائكة لا تراهم الملائكة إلا تلك الليلة كالزهاد الذين / لا تراهم إلا يوم العيد أو الجمعة وقيل حفظة على الملائكة كالملائكة الحفظة علينا وقيل خلق من خلق الله تعالى يأكلون ويلبسون ليسوا من الملائكة ولا من الإنس {أية : وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}تفسير : [النحل: 8] {أية : وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ}تفسير : [المدثر: 31] ولعلهم على ما قيل خدم أهل الجنة. وقيل هو عيسى عليه السلام ينزل لمطالعة هذه الأمة وليزور النبـي صلى الله عليه وسلم وقيل أرواح المؤمنين ينزلون لزيارة أهليهم وقيل الرحمة كما قرىء {ولا تيأسوا من رُوح الله} [يوسف: 87] بالضم وعلى الأول المعول. والظاهر الذي تشهد له الأخبار أن التنزل إلى الأرض فقيل إن ذلك لِمَا ذكر الله تعالى بعد وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام فيه وقيل ينزلون إليها للتسليم على المؤمنين وقيل لأن الله تعالى جعل فضيلة هذه الليلة في الاشتغال بطاعته في الأرض فهم ينزلون إليها لتصير طاعاتهم أكثر ثواباً كما أن الرجل منا يذهب إلى مكة لتصير طاعته كذلك فيكون المقصود من الأخبار بذلك ترغيب الإنسان في الطاعة. وقال عصام الدين يحتمل أن يكون تنزلهم لإدراكها إذ ليس في السماء ليل والجملة حينئذٍ مقررة لما سبق لا مبينة لمناط الفضل وفيه نظر لا يخفى وقيل غير ذلك مما سنشير إليه إن شاء الله تعالى. وقيل المراد تنزلهم إلى السماء الدنيا وهو خلاف المتبادر وأنزل منه بكثير كون المراد بتنزلهم تنزلهم عن مراتبهم العلية من الاشتغال بالله تعالى والاستغراق بمطالعة جلاله عز وجل ليسلموا على المؤمنين. واستظهر أن المراد بالملائكة عليهم السلام جميعهم واستشكل بأن لهم كثرة عظيمة لا تتحملها الأرض وكذا السماء الدنيا لأنها قبل نزولهم مملوءة «أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع قدم إلا وفيه ملك ساجد أو راكع أو قائم» وأجيب بأنهم ينزلون فوجاً فوجاً فمن نازل وصاعد كالحجاج فإنهم على كثرتهم يدخلون الكعبة مثلاً بأسرهم لكن لا على وجه الاجتماع بل هم بين داخل وخارج وفي التعبير بتنزل المفيد للتدريج دون نزل رمز إليه وقيل إنهم لكونهم أنواراً لا تزاحم بينهم فالنور إذا ملأ حجرة مثلاً لا يمنع من إدخال ألف نور عليه وهو كما ترى. ومن الناس من خص الملائكة ببعض فرقهم وهم سكان سدرة المنتهى أو بعض منهم. وفي «الغنية» للقطب الرباني الشيخ عبد القادر الكيلاني قدس سره ((عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال إذا كان ليلة القدر يأمر الله تعالى جبريل عليه السلام أن ينزل إلى الأرض ومعه سكان سدرة المنتهى [وهم] سبعون ألف ملك ومعهم ألوية من نور فإذا هبطوا إلى الأرض ركز جبريل عليه السلام لواءه والملائكة عليهم السلام ألويتهم في أربعة مواطن: عند الكعبة وقبر النبـي صلى الله عليه وسلم ومسجد بيت المقدس ومسجد طور سيناء ثم يقول جبريل عليه السلام [للملائكة] تفرقوا فيتفرقون ولا يبقى دار ولا حجرة ولا بيت ولا سفينة فيها مؤمن أو مؤمنة إلا دخلته الملائكة عليهم السلام إلا بيتاً فيه كلب أو خنزير أو خمر أو جنب من حرام أو صورة تماثيل فيسبحون ويقدسون ويهللون ويستغفرون لأمة محمد صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان وقت الفجر، ثم يصعدون إلى السماء فيستقبلهم سكان سماء الدنيا فيقولون لهم من أين أقبلتم؟ فيقولون كنا في الدنيا لأن الليلة ليلة القدر لأمة محمد صلى الله عليه وسلم فيقول سكان السماء الدنيا ما فعل الله تعالى بحوائج أمة محمد صلى الله عليه وسلم؟ فيقول جبريل عليه السلام إن الله تعالى غفر لصالحهم وشفعهم في طالحهم فترفع ملائكة سماء الدنيا أصواتهم بالتسبيح والتقديس والثناء على رب العالمين شكراً لما أعطى الله تعالى هذه الأمة من المغفرة والرضوان ثم تشيعهم ملائكة السماء الدنيا إلى الثانية كذلك وهكذا إلى السابعة ثم يقول جبريل عليه السلام يا سكان السمٰوات ارجعوا فيرجع ملائكة كل سماء إلى مواضعهم فإذا وصلوا إلى سدرة المنتهى يقول لهم سكانها أين كنتم؟ فيجيبونهم مثل ما أجابوا أهل السمٰوات فيرفع سكان سدرة المنتهى أصواتهم بالتسبيح والتهليل والثناء فتسمع جنة المأوى ثم جنة النعيم وجنة عدن والفردوس ويسمع عرش الرحمن فيرفع / العرش صوته بالتسبيح والتهليل والثناء على رب العالمين شكراً لما أعطى هذه الأمة ويقول إلٰهي بلغني عنك إنك غفرت البارحة لصالحي أمة محمد صلى الله عليه وسلم وشفعت صالحها في طالحها فيقول الله عز وجل: صدقت يا عرشي ولأمة محمد عليه الصلاة والسلام عندي من الكرامة ما لا عين رأيت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وفي رواية عن كعب نزول جميع ملائكة سدة المنتهى مع جبريل عليهم السلام ولا يعلم عددهم إلا الله تعالى وأن جبريل عليه السلام لا يدع أحداً من الناس إلا صافحه وفي رواية لا يدع مؤمناً ولا مؤمنة إلا سلم عليه إلا مدمن الخمر وآكل لحم الخنزير والمتضمخ بالزعفران وإن علامة مصافحته عليه السلام اقشعرار الجلد ورقة القلب ودمع العينين)) وروي في نزوله مع الملائكة عليهم السلام وعروجه معهم غير ذلك وقد ذكر بعضاً من ذلك الإمام وغيره ونسأل الله تعالى صحة الأخبار. وذكر بعضهم أن جبريل عليه السلام يقسم تلك الليلة ما ينزل من رحمة الله تعالى حتى يستغرق أحياء المؤمنين فيقول يا رب بقي من الرحمة كثير فما أصنع به فيقول الله عز وجل قسم على أموات أمة محمد صلى الله عليه وسلم فيقسم حتى يستغرقهم فيقول يا رب بقي من الرحمة كثير فما أصنع به فيقول سبحانه وتعالى: قسمه على الكفار فيقسمه عليهم فمن أصابه منهم شيء من تلك الرحمة مات على الإيمان. {بِإِذْنِ رَبّهِمْ } متعلق بتنزل أو بمحذوف هو حال من فاعله أي ملتبسين بإذن ربهم أي بأمره عز وجل والتقييد بذلك لتعظيم أمر تنزلهم وقيل الإشارة إلى أنهم يرغبون في أهل الأرض من المؤمنين ويشتاقون إليهم فيستأذنون فيؤذن لهم وفيه نوع ترغيب في الاجتهاد في الطاعة. واستشكل أمر هذه الرغبة مع كثرة المعاصي وأجيب بأنهم غير واقفين على تفاصيلها أو لم يعتبروها مانعة من ذلك لأنهم يرون من أنواع الطاعات ما لا يرونه في السماء أو ليسمعوا أنين العصاة التائبين ففي الحديث القدسي ((حديث : لأنين المذنبين أحب إليَّ من زجل المسبحين))تفسير : أو ليجتمعوا مع من بينه وبينهم مناسبة من الصديقين أداء لمراسم المحبة فإن أرواح الصديقين المتجردة عن جلابيب الأبدان لم تزل تزور الملائكة عليهم السلام في مواضعهم بعروجها إليهم فناسب أن تزورهم الملائكة عليهم السلام في زواياهم وإن اقتضى ذلك الاجتماع مع غيرهم ممن ليسوا كذلك فإنه أمر تبعي: شعر : ولأجل عين ألف عين تكرم تفسير : {مّن كُلّ أَمْرٍ } أي من أجل كل أمر تعلق به التقدير في تلك السنة إلى قابل وأظهره سبحانه وتعالى لهم، قاله غير واحد فَمِنْ بمعنى اللام التعليلية متعلقة بتنزل. قال عصام الدين فإن قلت المقدرات لا تفعل في تلك الليلة بل في تمام السنة فلماذا تنزل الملائكة عليهم السلام فيها لأجل تلك الأمور؟ قلت لعل تنزلهم لتعيين إنفاذ تلك الأمور لهم وتنزلهم لأجل كل أمر ليس على معنى تنزل كل واحد لأجل كل أمر ولا تنزل كل واحد لأمر بل على معنى تنزل الجميع لأجل جميع الأمور حتى يكون في الكلام تقسيم العلل على المعلولات انتهى وأقول يمكن أن يكون تنزلهم لإعداد القوابل لقبول ما أمروا به وأشار بما ذكره من التقسيم إلى أنه يجوز أن يكون نزول الواحد منهم لعدة أمور وقولهم: من أجل كل أمر تعلق الخ قد تقدم ما فيه من البحث فتذكر. وقال أبو حاتم (مِنْ) بمعنى الباء أي تنزل بكل أمر فقيل أي من الخير والبركة وقيل من الخير والشر وجعلت الباء عليه للسببية فيرجع المعنى إلى نحو ما مر. ومنهم من جعلها للملابسة والمراد بملابستهم له ملابستهم للأمر به فكأنه قيل تنزل الملائكة وهم مأمورون بكل أمر يكون في السنة وكونهم يتنزلون وهم كذلك لا يستدعي فعلهم جميع ما أمروا به في تلك الليلة والظاهر على ما قالوا أن المراد بالملائكة المدبرات إذ غيرهم لا تعلق له في الأمور التي تعلق بها التقدير ليتنزلوا لأجلها على المعنى السابق وهو خلاف ما تدل عليه الآثار من عدم اختصاصهم بالمدبرات فتدبر وكأنه لذلك قيل إن {مّن كُلّ أَمْرٍ} متعلق بقوله تعالى:{سَلَـٰمٌ...}.
ابن عاشور
تفسير : إذا ضُم هذا البيان الثاني لما في قوله: { أية : وما أدراك ما ليلة القدر } تفسير : [القدر: 2] من الإِبهام التفخيمي حصل منهما ما يدل دلالةً بيّنة على أن الله جعل مثل هذه الفضيلة لكل ليلة من ليالي الأعوام تقع في مثل الليلة من شهر نزول القرآن كرامةً للقرآن، ولمن أنزل عليه، وللدِّين الذي نزل فيه، وللأمة التي تتبعه، ألا ترى أن معظم السورة كان لذكر فضائل ليلة القدر فما هو إلا للتحريض على تطلب العمل الصالح فيها، فإن كونها خيراً من ألف شهر أومأ إلى ذلك وبينته الأخبار الصحيحة. والتعبير بالفعل المضارع في قوله: {تنَزَّل الملائكة} مؤذن بأن هذا التنزل متكرر في المستقبل بعد نزول هذه السورة. وذِكر نهايتها بطلوع الفجر لا أثرَ له في بيان فضلها فتعين أنه إدماج للتعريف بمنتهاهَا ليحرص الناسُ على كثرة العمل فيها قبل انتهائها. لا جرم أن ليلة القدر التي ابتدىء فيها نزول القرآن قد انقضت قبل أن يشعر بها أحد عدا محمد صلى الله عليه وسلم إذْ كان قد تحنث فيها، وأنزل عليه أول القرآن آخرها، وانقلب إلى أهله في صبيحتها، فلولا إرادة التعريف بفضل الليالي الموافقة لها في كل السنوات لاقتُصر على بيان فضل تلك الليلة الأولى ولما كانت حاجة إلى تَنزّل الملائكة فيها، ولا إلى تعيين منتهاها. وهذا تعليم للمسلمين أن يَعظموا أيام فضلهم الديني وأيام نَعم الله عليهم، وهو مماثل لما شرع الله لموسى من تفضيل بعض أيام السنين التي توافق أياماً حصلت فيها نعم عظمى من الله على موسى قال تعالى: { أية : وذكرهم بأيام اللَّه } تفسير : [إبراهيم: 5] فينبغي أن تعد ليلة القدر عيد نزول القرآن. وحكمة إخفاء تعيينها إرادةُ أن يكرر المسلمون حسناتهم في ليال كثيرة توخياً لمصادفة ليلة القدر كما أخفيت ساعةُ الإِجابة يوم الجمعة. هذا محصّل ما أفاده القرآن في فضل ليلة القدر من كل عام ولم يبين أنها أيَّةُ ليلة، ولا من أي شهر، وقد قال تعالى: { أية : شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن } تفسير : [البقرة: 185] فتبين أن ليلة القدر الأولى هي من ليالي شهر رمضان لا محالة، فبنا أن نتطلب تعيين ليلة القدر الأولى التي ابتدِىء إنزال القرآن فيها لنطلب تعيين ما يماثلها من ليالي رمضان في جميع السّنين، وتعيين صفة المماثلة، والمماثلةُ تكون في صفات مختلفة فلا جائز أن تُماثلها في اسم يومها نحو الثلاثاء أو الأربعاء، ولا في الفصل من شتاءٍ أو صيف أو نحو ذلك مما ليس من الأحوال المعتبرة في الدين، فعلينا أن نتطلب جهة من جهات المماثلة لها في اعتبار الدين وما يرضي الله. وقد اختُلف في تعيين المماثلة اختلافاً كثيراً وأصح ما يعتمد في ذلك: أنها من ليالي شهر رمضان من كل سنة وأنها من ليالي الوتر كما دل عليه الحديث الصحيح: « حديث : تحروا ليلة القدر في الوتر في العشر الأواخر من رمضان » تفسير : . والوتر: أفضل الأعداد عند الله كما دل عليه حديث: « حديث : إن الله وِتر يحب الوتر » تفسير : . وأنّها ليست ليلة معينة مطّردة في كل السنين بل هي متنقلة في الأعوام، وأنها في رمضان وإلى هذا ذهب مالك والشافعي وأحمد وأكثر أهل العلم قال ابن رشيد: وهو أصح الأقاويل وأوْلاها بالصواب. وعلَى أنها متنقلة في الأعوام فأكثر أهل العلم على أنها لا تخرج عن شهر رمضان. والجمهور على أنها لا تخرج عن العشر الأواخر منه، وقال جماعة: لا تخرج عن العَشْر الأوَاسط، والعَشْر الأواخر. وتأوّلوا ما ورد من الآثار ضبطها على إرادة الغالب أو إرادة عام بعينه. ولم يرد في تعيينها شيء صريح يُروى عن النبي صلى الله عليه وسلم لأن ما ورد في ذلك من الأخبار محتمل لأن يكون أراد به تعيينها في خصوص السنة التي أخبر عنها وذلك مبسوط في كتب السنة فلا نطيل به، وقد أتى ابن كثير منه بكثير. وحفظت عن الشيخ محي الدين بن العربي أنه ضبط تعيينها باختلاف السنين بأبيات ذكر في البيت الأخير منها قوله: شعر : وضابطها بالقول ليلة جمعةٍ توافيك بعد النصفْ في ليلة وتر تفسير : حفظناها عن بعض مُعلمينا ولم أقف عليها. وجربنا علامة ضوء الشمس في صبيحتها فلم تتخلف. وأصل {تنَزَّل} تتنزل فحذفت إحدى التاءَيْن اختصاراً. وظاهر أن تنزل الملائكة إلى الأرض. ونزول الملائكة إلى الأرض لأجل البركات التي تحفهم. و{الروح}: هو جبريل، أي ينزل جبريل في الملائكة. ومعنى {بإذن ربهم} أن هذا التنزل كرامة أكْرم الله بها المسلمين بأن أنزل لهم في تلك الليلة جماعات من ملائكته وفيهم أشرفهم وكان نزول جبريل في تلك الليلة ليعود عليها من الفضل مثل الذي حصل في مماثلتها الأولى ليلة نزوله بالوحي في غار حِراء. وفي هذا أصل لإِقامة المواكب لإِحياء ذكرى أيام مجد الإِسلام وفضله وأن من كان له عمل في أصل تلك الذكرى ينبغي أن لا يخلو عنه موكب البهجة بتذكارها. وقوله: {بإذن ربهم} متعلق بــــ {تنزل} إما بمعنى السببية، أي يتنزلون بسبب إذن ربهم لهم في النزول فالإِذن بمعنى المصدر، وإما بمعنى المصاحبة، أي مصاحبين لما أذِن به ربهم، فالإِذن بمعنى المأذون به من إطلاق المصدر على المفعول نحو: { أية : هذا خَلْق الله } تفسير : [لقمان: 11]. و{مِن} في قوله {من كل أمر} يجوز أن تكون بيانية تبين الإِذن من قوله: {بإذن ربهم}، أي بإذن ربهم الذي هو في كل أمر. ويجوز أن تكون بمعنى الباء، أي تتنزل بكل أمر مِثل ما في قوله تعالى: { أية : يحفظونه من أمر اللَّه } تفسير : [الرعد: 11] أي بأمر الله، وهذا إذا جعلت باء {بإذن ربهم} سببية، ويجوز أن تكون للتعليل، أي من أجل كل أمر أراد الله قضاءه بتسخيرهم. و{كل} مستعملة في معنى الكثرة للأهمية، أي في أمور كثيرة عظيمة كقوله تعالى: { أية : ولو جاءتهم كل آية } تفسير : [يونس: 97] وقوله: { أية : يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر } تفسير : [الحج: 27] وقوله: { أية : واضربوا منهم كل بنان } تفسير : [الأنفال: 12]. وقول النابغة: شعر : بِها كلَّ ذيَّال وخنساءَ تَرْعوي إلى كل رَجَّاف من الرمل فارد تفسير : وقد بينا ذلك عند قوله تعالى: { أية : وعلى كل ضامر } تفسير : في سورة الحج (27). وتنوين {أمر} للتعظيم، أي بأنواع الثواب على الأعمال في تلك الليلة. وهذا الأمر غير الأمر الذي في قوله تعالى: { أية : فيها يفرق كل أمر حكيم } تفسير : [الدخان: 4] مع أن { أية : أمراً من عندنا } تفسير : في سورة الدخان (5) متحدة مع اختلاف شؤونها، فإن لها شؤوناً عديدة. ويجوز أن يكون هو الأمر المذكور هنا فيكون هنا مطلقاً وفي آية الدخان مقيداً. واعلم أن موقع قوله: {تنزل الملائكة والروح فيها} إلى قوله: {من كل أمر}، من جملة: { أية : ليلة القدر خير من ألف شهر } تفسير : [القدر: 3] موقع الاستئناف البياني أو موقع بدل الاشتمال فلمراعاة هذا الموقع فصلت الجملة عن التي قبلها ولم تعطف عليها مع أنهما مشتركتان في كون كل واحدة منهما تفيد بياناً لجملة: { أية : وما أدراك ما ليلة القدر } تفسير : [القدر: 2]، فأوثرت مراعاةُ موقعها الاستئنافي أو البدلي على مراعاة اشتراكهما في كونها بياناً لجملة: {وما أدراك ما ليلة القدر} لأن هذا البيان لا يفوت السامع عند إيرادها في صورة البيان أو البدل بخلاف ما لو عطفت على التي قبلها بالواو لفوات الإِشارة إلى أن تنزل الملائكة فيها من أحوال خيريتها. وجملة: {سلام هي حتى مطلع الفجر} بيان لمضمون {من كل أمر} وهو كالاحتراس لأنّ تنزّل الملائكة يكون للخير ويكون للشر لعقاب مكذبي الرسل قال تعالى: { أية : ما تنزَّلُ الملائكةُ إلا بالحق وما كانُوا إذاً منظرين } تفسير : [الحجر: 8] وقال: { أية : يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين } تفسير : [الفرقان: 22]. وجُمع بين إنزالهم للخير والشر في قوله: { أية : إذ يُوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق } تفسير : [الأنفال: 12] الآية، فأخبر هنا أن تنزل الملائكة ليلة القدر لتنفيذ أمر الخير للمسلمين الذين صاموا رمضان وقاموا ليلة القدر، فهذه بشارة. والسلام: مصدر أو اسم مصدر معناه السلامة قال تعالى: { أية : قلنا يا نار كوني برداً وسَلاَماً على إبراهيم } تفسير : [الأنبياء: 69]. ويطلق السلام على التحية والمِدحة، وفسر السلام بالخَيْر، والمعنيان حاصلان في هذه الآية، فالسلامة تشمل كل خير لأن الخيْر سلامة من الشر ومن الأذى، فيشمل السلامُ الغفرانَ وإجزال الثواب واستجابة الدعاء بخير الدنيا والآخرة. والسلام بمعنى التحية والقول الحسن مراد به ثناء الملائكة على أهل ليلة القدر كدأبهم مع أهل الجنة فيما حكاه قوله تعالى: { أية : والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلامٌ عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار } تفسير : [الرعد: 23، 24]. وتنكير {سلام} للتعظيم. وأخبر عن الليلة بأنها سلام للمبالغة لأنه إخبار بالمصدر. وتقديم المسند وهو {سلام} على المسند إليه لإِفادة الاختصاص، أي ما هي إلا سلام. والقصر ادعائي لعدم الاعتداد بما يحصل فيها لغير الصائمين القائمين، ثم يجوز أن يكون {سلام هي} مراداً به الإِخبار فقط، ويجوز أن يراد بالمصدر الأمرُ، والتقدير: سلِّمُوا سلاماً، فالمصدر بدل من الفعل وعدل عن نصبه إلى الرفع ليفيد التمكن مثل قوله تعالى: { أية : قالوا سلاماً قال سلام } تفسير : [الذاريات: 25]. والمعنى: اجعلوها سلاماً بينكم، أي لا نزاع ولا خصام. ويشير إليه ما في الحديث الصحيح: « حديث : خرجتُ لأخْبِرَكم بليلة القدر فتلاحَى رجلان فرُفِعَتْ وعسى أن يكون خيراً لكم فالتَمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة » تفسير : . و{حتى مطلع الفجر} غاية لما قبله من قوله: {تنزل الملائكة} إلى {سلام هي}. والمقصود من الغاية إفادة أن جميع أحيان تلك الليلة معمورة بنزول الملائكة والسلامة، فالغاية هنا مؤكدة لمدلول { أية : ليلة } تفسير : [القدر: 1] لأن الليلة قد تطلق على بعض أجزائها كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم « حديث : من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذَنْبه »تفسير : ، أي من قام بعضها، فقد قال سعيد بن المسيب: من شهد العشاء من ليلة القدر فقد أخذ بحَظه منها. يريد شهدها في جماعة كما يقتضيه فعل شهد، فإن شهود الجماعة من أفضل الأعمال الصالحة. وجيء بحرف {حتى} لإِدخال الغاية لبيان أن ليلة القدر تمتد بعد مطلع الفجر بحيث أن صلاة الفجر تعتبر واقعة في تلك الليلة لئلا يتوهم أن نهايتها كنهاية الفِطر بآخر جزء من الليل، وهذا توسعة من الله في امتداد الليلة إلى ما بعد طلوع الفجر. ويستفاد من غاية تَنَزُّلِ الملائكة فيها، أن تلك غاية الليلة وغاية لما فيها من الأعمال الصالحة التابعة لكونها خيراً من ألف شهر، وغاية السلام فيها. وقرأ الجمهور: {مطلع} بفتح اللام على أنه مصدر ميمي، أي طلوع الفجر، أي ظهوره. وقرأه الكسائي وخَلف بكسر اللام على معنى زمان طلوع الفجر.
الشنقيطي
تفسير : قيل: الروح هو جبريل، كما في قوله: {أية : فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا} تفسير : [الأنبياء: 91]، ويكون فيها أي في جماعة الملائكة، أو معطوف على الملائكة من عطف الخاص على العام. وقيل: إن الروح نوع من الملائكة مستقل، ويكون فيها ظرف للنزول أي في تلك الليلة. قوله تعالى: {مِّن كُلِّ أَمْرٍ}. الأمر يكون واحد الأمور وواحد الأوامر، والذي يظهر أنه شامل لهما معاً، لأن الأمر من الأمور لا يكون إلا بأمر من الأوامر {أية : إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} تفسير : [يس: 82]. ويشهد له ما جاء في شأنها في سورة الدخان {أية : فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أَمْراً مِّنْ عِنْدِنَآ} تفسير : [الدخان: 4-5]. والذي يفرق من الأمر، هو أحد الأمور. حيث يفصل بين الخير والشر والضر والنفع إلى آخره، ثم قال: {أية : أَمْراً مِّنْ عِنْدِنَآ} تفسير : [الدخان: 5]، كما أشار إليه السياق: {أية : لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ} تفسير : [الدخان: 8]، فكل أمر من الأمور يقتضي أمراً من الأوامر، وهذا يمكن أن يكون من الألفاظ المشتركة المستعملة في معنييها، والله تعالى أعلم.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْمَلاَئِكَةُ} (4) - تَنَزَّلَتِ المَلاَئِكَةُ فِيهَا عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَتَمَثَّلَ لَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، مُبَلِّغاً لِلْوَحْيِ، وَكَانَ هَذَا التَّجَلِّي بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى. (وَقِيلُ إِنَّ المَعْنَى هُوَ: أَنَّ المَلاَئِكَةَ يَكْثُرُ تَنَزُّلُهُمْ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ لِعِظَمِ بَرَكَتِهَا). الرُّوحُ - جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ. مِنْ كُلِّ أَمْرٍ - بِكُلِّ أَمْرٍ مِنَ الخَيْرِ وَالبَرَكَةِ.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {تَنَزَّلُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ فِيهَا} معناه جبريلُ عليهِ السّلامُ. وقوله تعالى: {مِّن كُلِّ أَمْرٍ سَلاَمٌ} معناه يَسلم من كُلِّ أمرٍ. معناه من كُلِّ مَلكٍ.
همام الصنعاني
تفسير : 3669- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {مِّن كُلِّ أَمْرٍ * سَلاَمٌ هِيَ}: [الآية: 4-5]، قال: يُقْضَى فيها ما يكون في السنة إلى مثلها. 3670- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: {سَلاَمٌ هِيَ}: [الآية: 5]، قال: خير هي {حَتَّىٰ مَطْلَعِ ٱلْفَجْرِ}: [الآية: 5]. [3671- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة قال: ليلة القدْر تتفقّد في العشر الأواخر].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):