Verse. 6144 (AR)

٩٩ - ٱلزَّلْزَلَة

99 - Az-Zalzala (AR)

يَوْمَىِٕذٍ يَّصْدُرُ النَّاسُ اَشْتَاتًا۝۰ۥۙ لِّيُرَوْا اَعْمَالَہُمْ۝۶ۭ
Yawmaithin yasduru alnnasu ashtatan liyuraw aAAmalahum

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«يومئذ يصدر الناس» ينصرفون من موقف الحساب «أشتاتا» متفرقين فآخذ ذات اليمين إلى الجنة وآخذ ذات الشمال إلى النار «ليروا أعمالهم» أي جزاءها من الجنة أو النار.

6

Tafseer

الرازي

تفسير : قوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ ٱلنَّاسُ أَشْتَاتاً لّيُرَوْاْ أَعْمَـٰلَهُمْ } الصدور ضد الورد فالوارد الجائي والصادر والمنصرف وأشتاتاً متفرقين، فيحتمل أن يردوا الأرض، ثم يصدرون عنها الأرض إلى عرصة القيامة، ويحتمل أن يردوا عرصة القيامة للمحاسبة ثم يصدرون عنها إلى موضع الثواب والعقاب، فإن قوله: {أَشْتَاتاً } أقرب إلى الوجه الأول ولفظة الصدر أقرب إلى الوجه الثاني، وقوله: {لّيُرَوْاْ أَعْمَـٰلَهُمْ } أقرب إلى الوجه الأول لأن رؤية أعمالهم مكتوبة في الصحائف أقرب إلى الحقيقة من رؤية جزاء الأعمال، وإن صح أيضاً أن يحمل على رؤية جزاء الأعمال، وقوله: {أَشْتَاتاً } فيه وجوه أحدها: أن بعضهم يذهب إلى الموقف راكباً مع الثياب الحسنة وبياض الوجه والمنادي ينادي بين يديه: هذا ولي الله، وآخرون يذهب بهم سود الوجوه حفاة عراة مع السلاسل والأغلال والمنادي ينادي بين يديه هذا عدو الله وثانيها: {أشتاتاً} أي كل فريق مع شكله اليهودي مع اليهودي والنصراني مع النصراني وثالثها: أشتاتاً من أقطار الأرض من كل ناحية، ثم إنه سبحانه ذكر المقصود وقال: {لّيُرَوْاْ أَعْمَـٰلَهُمْ } قال بعضهم: ليروا صحائف أعمالهم، لأن الكتابة يوضع بين يدي الرجل فيقول: هذا طلاقك وبيعك هل تراه والمرئي وهو الكتاب وقال آخرون: ليروا جزاء أعمالهم، وهو الجنة أو النار، وإنما أوقع اسم العمل على الجزاء لأنه الجزاء وفاق، فكأنه نفس العمل بل المجاز في ذلك أدخل من الحقيقة، وفي قراءة النبي صلى الله عليه وسلم: {لّيُرَوْاْ } بالفتح.

المحلي و السيوطي

تفسير : {يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ ٱلنَّاسُ } ينصرفون من موقف الحساب {أَشْتَاتاً } متفرقين فآخِذٌ ذات اليمين إلى الجنة وآخذ ذات الشمال إلى النار {لِّيُرَوْاْ أَعْمَٰلَهُمْ } أي جزاءها من الجنة أو النار.

ابن عبد السلام

تفسير : {يَوْمَئِذٍ} يوم القيامة {يَصْدُرُ النَّاسُ} من بين يدي الله تعالى فرقاً مختلفين بعضهم إلى الجنة وبعضهم إلى النار أو يصيرون في الدنيا عند غلبة الأهواء فرقاً مختلفين بالكفر والإيمان والإساءة والإحسان ليروا جزاء أعمالهم يوم القيامة والشتات: التفرق والاختلاف.

ابن عادل

تفسير : قوله: {يَوْمَئِذٍ} إما بدل من "يَومئذٍ" قبله، وإما منصوب بـ "يَصْدرُ"، وإما منصوب بـ "اذكر" مقدراً. وقوله تعالى: {أَشْتَاتاً}: حال من الناس، وهو جمع "شت" أي: متفرقين في الأمن والخوف والبياض والسواد، والصدر ضد الورود عن موضع الحساب، فريق إلى جهة اليمين إلى الجنة، وفريق إلى جهة الشَّمال إلى النار، لقوله تعالى: {أية : يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ} تفسير : [الروم: 14] {أية : يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ} تفسير : [الروم: 43]. وعن ابن عباس - رضي الله عنه -: "أشْتَاتاً" متفرقين على قدر أعمالهم، أهل الإيمان على حدة، وأهل كل دين على حدة. وقيل: هذا الصدر إنما هو عند النشور، يصدرون أشتاتاً، من القبور إلى موقف الحساب ليروا أعمالهم في كتبهم، أو ليروا جزاء أعمالهم، فإنهم وردوا القبور فدفنوا فيها ثم صدروا عنها، وقوله تعالى: {أَشْتَاتاً}، أي: يبعثون من أقطار الأرض، فعلى هذا قوله تعالى: {لِّيُرَوْاْ} متعلق بـ "يصدرُ"، وعلى القول الأول فيه تقديم وتأخير أي: تحدث أخبارها بأن ربَّك أوحى لها، ليروا أعمالهم، واعترض قوله: {يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ ٱلنَّاسُ أَشْتَاتاً} متفرقين عن موقف الحساب، وعلى هذا تتعلق بـ "أوحى"، وقرأ العامة: ببنائه للمفعول، وهو من رؤية البصر، فتعدى بالهمزة إلى ثان، وهو أعمالهم، والتقدير: ليريهم الله أعمالهم. وقرأ الحسن والأعرج: وقتادة، وحماد بن سلمة، ونصر بن عاصم، وطلحة، ويروى عن نافع: بفتحها. قال الزمخشري: وهي قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم مبنياً للفاعل. قوله: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ}. قال ابن عباس - رضي الله عنه -: من يعمل من الكفار مثقال ذرة خيراً يره في الدنيا، ولا يثاب عليه في الآخرة، ومن يعمل مثقال ذرة من شر عوقب عليه في الآخرة مع عقاب الشرك، ومن يعمل مثقال ذرة من شر من المؤمنين يره في الدنيا، ولا يعاقب عليه في الآخرة إذا مات، ويتجاوز عنه، وإن عمل مثقال ذرة من خير يقبل منه، ويضاعف له في الآخرة. وفي بعض الحديث: "حديث : أن الذرة لا زنةَ لهَا"تفسير : ، وهذا مثل ضربه الله تعالى أنه لا يغفل من عمل ابن آدم صغيرة، ولا كبيرة، وهو مثل قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} تفسير : [النساء: 40] وقد تقدم أن الذر لا وزن له. وذكر بعض أهل اللغةِ: أن الذَّرَّ: أن يضرب الرَّجل بيده على الأرض، فما علق بها من التراب فهو الذَّر، وكذا قال ابن عباس: إذا وضعت يدك على الأرض، ورفعتها، فكل واحد مما لزق به من التراب ذرة. وقيل: الذر نملة صغيرة، وأصغر ما تكون إذا مضى عليها حول. قال امرؤ القيس: [الطويل] شعر : 5266- مِنَ القَاصِراتِ الطَّرفِ لوْ دَبَّ مُحوِلٌ مِنَ الذَّرَّ فوْقَ الإتْبِ منْهَا لأثَّرَا تفسير : قال محمد بن كعب القرظي: فمن يعمل مثقال ذرة من خير من كافر، يرى ثوابه في الدنيا، في نفسه وماله وأهله ووطنه، حتى يخرج من الدنيا وليس له عند الله خير، ومن يعمل مثقال ذرة من شر من مؤمن يرى عقوبته في الدنيا في ماله ونفسه وأهله وولده، حتى يخرج من الدنيا، وليس له عند الله شر،ودليله ما رواه أنس - رضي الله عنه - حديث : أن هذه الآية نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم [وأبو بكر يأكل فأمسك، وقال: يا رسول الله]، وإنا لنرى ما عملنا من خير وشر؟ قال النبي: "يا أبا بكر، مَا رأيْتَ في الدُّنيا مِمَا تكرَهُ فَهُوَ مَثَاقيلُ ذر الشر، ويدخر لكم مثاقِيلُ ذرِّ الخَيْرِ، حتَّى تُعطوهُ يَوْمَ القِيَامَةِ" . تفسير : قال أبو إدريس: إن مصداقه في كتاب الله: {أية : وَمَآ أَصَابَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ} تفسير : [الشورى: 30]. قال مقاتل: نزلت في رجلين، وذلك أنه لما نزل {أية : وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ} تفسير : [الإنسان: 8]، كان أحدهم يأتيه السائلُ، فيستقل أن يعطيه التمرة والكسرة والجوزة، وكان الآخر يتهاون بالذَّنب اليسير، كالكذبة والغيبة والنظرة، ويقول: إنما أوعد الله النَّار على الكبائر، فنزلت ترغبهم في القليل من الخير أن يعطوه، فإنه يوشك أن يكثر، وتحذرهم اليسير من الذنب، فإنه يوشك أن يكثر، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : اتَّقُوا النَّارَ ولَوْ بِشقِّ تَمرةٍ، فَمَنْ لَمْ يَجدْ فَبِكَلمَةٍ طيِّبةٍ ". تفسير : فصل في قراءة "يره" قوله: {يَرَهُ}، جواب الشرط في الموضعين. وقرأ هشام: بسكون هاء "يَرَهُ" وصلاً في الحرفين، وباقي السبعة: بضمها موصولة بواو وصلاً، وساكنة وقفاً، كسائر "ها" الكناية. ونقل أبو حيان عن هشام وأبي بكر: سكونها. وعن أبي عمرو: بضمها مشبعتين، وباقي السبعة بإشباع الأولى وسكون الثانية انتهى. وكان ذلك لأجل الوقف على آخر السورة غالباً، أما لو وصلوا آخرها بأول "العَادِيَات" كان الحكم الإشباع، وهذا مقتضى أصولهم، وهو المنقول. وقرأ العامة: "يَرَهُ" مبنياً للفاعل فيهما. وقرأ ابن عبَّاسٍ والحسن ابنا علي بن أبي طالب، وزيد بن علي وابو حيوة وعاصم والكسائي في رواية الجحدريِّ والسلمي وعيسى بن عمر: بضم الياء، أي: يريه اللهُ إياه. قال القرطبيُّ: والأولى الاختيار، لقوله تعالى: {أية : يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً} تفسير : [آل عمران: 30]. وقرأ عكرمة: "يَرَاه" بالألف، إما على تقدير الجزم بحذف الحركة المقدرة، وإما على توهم أن "من" موصولة. وتقدم هذا في أواخر "يوسف". ومعنى "يره" أي: يرى جزاءه؛ لأن ما عمله قد مضى وعدم. وحكى الزمخشري: إن أعرابياً أخر: "خَيْراً يرهُ"، فقيل له: قدمت وأخرت؛ فقال: [الطويل] شعر : 5267- خُذَا جَنْبَ هَرْشَى أو قَفَاهَا فإنَّهُ كِلاَ جَانِبَيْ هَرْشَى لهُنَّ طَريقُ تفسير : انتهى. يريد: أن التقديم والتأخير سواء، وهذا لا يجوز - ألبتة - فإنه خطأ، فلا يعتمد به قراءة. وفي نصب "خيراً، وشراً"، وجهان: أظهرهما: أنهما تمييز لأنه مقدار. والثاني: أنهما بدلان من مثقال. فصل في الكلام على هذه الآية قال ابن مسعود - رضي الله عنه -: هذه أحكم آية في القرآن وأصدق. وقد اتفق العلماء على عموم هذه الآية، القائلون بالعموم ومن لم يقل به. قال كعبُ الأحبار - رضي الله عنه -: لقد أنزل الله تعالى على محمد صلى الله عليه وسلم آيتين، أحصتا ما في التوراة والإنجيل والزبور والصحف: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ}. [وكان النبي صلى الله عليه وسلم يسمي هذه الآية الجامعة الفاذّة]. روى مالك في "الموطأ": أن مسكيناً استطعم عائشة - رضي الله عنها - وبين يديها عنب، فقالت لإنسان: خذ حبة وأعطه إياها، فجعل ينظر إليها ويتعجب، فقالت عائشة: أتعجب، كم ترى في هذه الحبة من مثقال ذرة. روى الترمذي عن أنس - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَنْ قَرَأ {إِذَا زُلْزِلَتِ} عدَلتْ لهُ نِصفَ القُرآنِ، ومَنْ قَرَأ: {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ} عدلتْ لهُ ثُلُثَ القُرآنِ ". تفسير : وعن علي - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَنْ قَرَأ {إِذَا زُلْزِلَتِ} أربعَ مرَّاتٍ، كَانَ كَمَنْ قَرَأ القُرآنَ كُلَّهُ"تفسير : . والله أعلم.

التستري

تفسير : قوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ ٱلنَّاسُ أَشْتَاتاً}[6] قال: يتبع كل أحد ما كان يعتمده، فمن اعتمد فضل الله اتبع فضله، ومن اعتمد عمله اتبع عمله، ومن اعتمد الشفاعة اتبع الشفاعة.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ ٱلنَّاسُ أَشْتَاتاً} [الآية: 6]. قال سهل: يتبع كل أحد ما كان يعتمده فمن اعتمد فضل الله اتبع فضل الله، ومن اعتمد عمله اتبع عمله، ومن اعتمد الشفاعة اتبع الشفاعة.

البقلي

تفسير : يجيبون بينات مختلفة ومامولات متفاوتة فالناس الحقيقة هناك يصدر من مقام المكاشفة الى مقام المشاهدة ومن مقام المشاهدة الى مقام الوصلة قال ابو بكر بن طاهر معتمد على فعله وطاعته مستحيى من مخالفته ومعصيته وراحى شفاعته صلى الله عليه وسلم ومعتمد فضل الله علينا واهل الصفوة واقفون بلا علة من هذه المعلائق الى ان تصوا الى مامولهم ومرادهم.

اسماعيل حقي

تفسير : {يومئذ} اى يوم اذا يقع ما ذكر {يصدر الناس} من قبورهم الى موقف الحساب وانتصب يومئذ بيصدر والصدر يكون عن ورود اى هو رجوع وانصراف بعد الورود والمجيئ فقال الجمهور هو كونهم مدفونين فى الارض والصدر قيامهم للبعث والصدر والصدور بالفارسية باز كشتن. يعنى الصدر بسكون الدال الرجوع والاسم بالتحريك ومنه طواف الصدر وهو طواف الوداع {اشتاتا} يقال جاؤا اشتاتا اى متفرقين فى النظام واحدهم شت بالفتح اى متفرق ونصب على الحال اى حال كونهم متفرقين بيض الوجوه والثياب آمنين ينادى المنادى بين يديه هذا ولى الله وسود الوجوه حفاة عراة مع السلاسل والاغلال فزعين والمنادى ينادى بين يديه هذا عدو الله وعن ابن عباس رضى الله عنهما أن جبرآئيل عليه السلام جاء الى النبى عليه السلام يوما فقال يا محمد ان ربك يقرئك السلام وهو يقول مالى اراك مغموما حزينا وهو اعلم به فقال عليه السلام حديث : يا جبرآئيل قد طال تفكرى فى امر امتى يوم القيامةتفسير : قال يا محمد فى امر اهل الكفر ام فى امر اهل الاسلام قال حديث : يا جبرآئيل لا بل فى امر اهل لا اله الا اللهتفسير : قال فأخذ بيده حتى اقامه على مقبرة بنى سلمة فضرب بجناحه الايمن على قبر ميت فقال قم باذن الله فقام رجل مبيض الوجه وهو يقول لا اله الا الله محمد رسول الله الحمد لله رب العالمين فقال له جبرآئيل عد فعاد كما كان ثم ضرب بجناحه الايسر على قبر ميت فقال قم باذن الله فخرج رجل مسود الوجه ازرق العين وهو يقول واحسرتاه واندامتاه واسوأتاه فقال له جبريل عد فعاد كما كان ثم قال جبرآئيل هكذا يبعثون يوم القيامة على ما ماتوا عليه {ليروا} اللام متعلقة بيصدر {اعمالهم} اى جزآء اعمالهم خيرا كان او شرا والا فنفس الاعمال لا يتعلق بها الرؤية البصرية اذا الرؤية هنا ليست علمية لأن قوله فمن يعمل الخ تفصيل ليروا والرؤية فيه بصرية لتعديتها الى مفعول واحد اللهم الا ان يجعل لها صور نورانية او ظلمانية اويتعلق الرؤية بكتبها كما سيجئ.

صدر المتألهين الشيرازي

تفسير : صدور الناس: خروجهم من مكامن قبروهم وأجداث أجسادهم الأرضيّة إلى الله تعالى، كما في قوله: {أية : فَإِذَا هُم مِّنَ ٱلأَجْدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ} تفسير : [يس:51]. وقوله: {أية : يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلأَجْدَاثِ سِرَاعاً كَأَنَّهُمْ إِلَىٰ نُصُبٍ يُوفِضُونَ} تفسير : [المعارج:43]. وبروزهم من أغشيتهم الماديّة وأغطيتهم الهيولانيّة إلى عالم الآخرة كما في قوله: {أية : وَبَرَزُواْ للَّهِ جَمِيعاً} تفسير : [إبراهيم:21]. أشتاتاً متفرّقين وأنواعاً متكثّرين. فحشر الخلائق على أنحاء مختلفة حسب أعمالهم وأفعالهم ونيّاتهم ومعتقداتهم، فلقوم على سبيل الوفد {أية : يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً} تفسير : [مريم:85]. ولقوم على نهج سياق الدواب: {أية : وَنَسُوقُ ٱلْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْداً} تفسير : [مريم:86]. ولقوم: {أية : إِذِ ٱلأَغْلاَلُ فِيۤ أَعْنَاقِهِمْ وٱلسَّلاَسِلُ يُسْحَبُونَ * فِي ٱلْحَمِيمِ ثُمَّ فِي ٱلنَّارِ يُسْجَرُونَ} تفسير : [غافر:71 - 72]. ولقوم: {أية : وَنَحْشُرُ ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمِئِذٍ زُرْقاً}تفسير : [طه:102]. ولقوم: {أية : وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ أَعْمَىٰ} تفسير : [طه:124]. وقوم مكبّون على وجوههم: {أية : أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً عَلَىٰ وَجْهِهِ} تفسير : [الملك:22]. وبالجملة يحشر كلّ أحد إلى غاية سعيه ونهاية عمله، وما كان يحبّه في الدنيا ويعمل لأجله، حتّى أنه لو أحبّ أحدكم حجراً لحُشر معه. فإنّ تكرّر الأفاعيل يوجب حدوث المَلَكات، وكلّ مَلَكة وصفة نفسانيّة تغلب على باطن الإنسان تتصوّر في الآخرة بصورة تناسبها {أية : قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ} تفسير : [الإسراء:84] ولا شكّ أن أفاعيل الأشقياء المردودين المدبرين إنّما هي بحسب هممهم القاصرة النازلة في مراتب البرازخ الحيوانيّة، وتصوّراتهم مقصورة على أغراض بهيميّة أو سَبُعيّة تغلب على نفوسهم، فلا جَرَمَ يُحشرون على صور تلك الحيوانات المناسبة لأفعالهم ومَلَكاتهم، كما في قوله تعالى: {أية : وَإِذَا ٱلْوُحُوشُ حُشِرَتْ} تفسير : [التكوير:5]. وفي الحديث: حديث : يحشر بعض الناس على صورة تحسن عندها القِردة والخنازير . تفسير : حكمة إلهية: إنّ الإنسان من حيث بدنه الدنيوي، ونفسه المتعلّقة بها، نوع واحد وله حد واحد، ولكن من جهة نشأته الثانية، والصورة الأخرويّة والفائضة على موادّ النفوس بحسب هيآتها النفسانيّة، ستصير أنواعا كثيرة. والسبب اللِمّي في ذلك أنّ النفس الإنسانيّة لها جهتان: جهة قوّة وجهة فعل. فهي من حيث فعليّتها صورة فائضة على مادّة البدن، وهي من هذه الحيثيّة أمر واحد هو مبدأ فصل الإنسان، يمتاز به عن سائر المركّبات الحيوانيّة وغيرها. وأمّا من جهة كونها بالقوّة، فلها استعداد كلّ صفة من الصفات النفسانيّة، ولها قوّة كلّ صورة من الصوَر الأخرويّة، فتخرج من القوّة إلى الفعل في كلّ أمر يغلب عليها صفاته وهيآته. وهاتان الجهتان لا تكثّران ذاته، ولا توجبان تركّبه من مادّة وصورة، لأنّهما بحسب نشأتين، فما هو صورة في هذه النشأة فهو بعينه مادّة النشأة الثانية، فهي كأنّها واسطة بين الطرفين، وبرزخ بين العالَمَين, وحاجز بين البَحْرين، وسور له باب باطنُهُ فيه الرحمة وظاهرُهُ من قِبَله العذاب، ولهذا المعنى سمّاها بعض المحقّقين طراز عالم الأمر، لأنّها نهاية الجسمانيّات وبداية الروحانيّات. فثبت بالحكمة الموضحة والبرهان النيّر، أنّ الإنسان - وإن كان بحسب النشأة الحسيّة نوعاً متشابهة أفراده متماثلة أعداده -، إلاّ أنّه عند خروج أعداد نفوسها من القوّة الهيولانيّة إلى فعل الصور الباطنيّة، ستصير أنواعاً متخالفة بحسب غلبة الصفات ورسوخ المَلَكات، كلّ نوع من جنسِ ما يغلب عليه من صفات البهائم أو السباع أو الشياطين أو الملائكة، إذ قد خمّر في طينة الإنسان من جهة قوته العلميّة المتشعّبة إلى العاقلة المدركة للكليّات بذاتها، والواهمة المدركة للجزئيّات بآلاتها الخياليّة الحسيّة والعمليّة الشوقيّة المتشعبّة إلى قوّة الشهوة لطلب الملائم، وقوّة الغضب لدفع المنافر. فهذه رؤساء القوى المركوزة في جِبِلّة الآدمي، وبكلّ قوّة منها يشارك جنساً من أجناس الملائكة والشياطين والبهائم والسباع، وليس في جواهر الممكنات شيء خارج عن هذه الأربع، فإذا صارت القوّة فعلاً، والاستعداد صورةً، بورزت الإعتقادات والسرائر، وظهرت النيّات والضمائر، {أية : أَفَلاَ يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي ٱلْقُبُورِ * وَحُصِّلَ مَا فِي ٱلصُّدُورِ} تفسير : [العاديات:9 - 10]، {أية : وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِمَن يَرَىٰ} تفسير : [النازعات:36] {أية : وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ} تفسير : [الشعراء:91]. فكلّ إنسان يوم القيامة إمّا بهيمة من البهائم، إن كان الغالب عليه صفة الشهوة والحرص، وما يجري مجراهما من فروعات النفس الشهويّة. وإمّا سَبُعاً من السباع، إن كان الغالب عليه صفة الغلبة وحبّ الرياسة وأمثالها من دواعي النفس الغضبيّة. وإمّا شيطاناً من الشياطين إن كان الغالب عليه صفة المكر والخديعة والغرور، وأشباههما من دواعي النفس الشيطانيّة. وإمّا مَلَكاً من الملائكة إن كان الغالب عليه إدراك المعقولات والتجرّد عن الجسمانيّات، والسلامة عن هذه الأمراض النفسانيّة. فأفراد الإنسان وإن كانوا متماثلين في عالم الشهادة وبحسب الظاهر، إلاّ أنهم متخالفو الحقائق بحسب الباطن عند الشحر، فها هنا يصدق عليهم حدّ الإنسانيّة -، وهو الجوهر الناميّ الحسّاس الممّيز المتفكّر - وما هو مبدأ فصله الأخير معنى واحد - وهو الجوهر النطقي والعقل المنفعل منه -، وهو بعينه يصير مادّة صورته الأخرويّة، والمعنى الواحد وإن لم يجز أن يكون فصلاً أو صورة لحقائق مختلفة، ولكنّه يجوز أن يكون جنساً أو مادّة لحقائق مختلفة، وذلك لاعتبار التعيّن والتحصّل في الأوّل، والإبهان والنقص في الثاني، والنفس صورة تماميّة لهذه الأجسام الحسيّة الدنيويّة، ومادّة منفعلة للصوَر الأخرويّة والنشآت الثانويّة. وهذا المعنى أمر ثابت محقّق عند أئمّة الكشف والشهود، والمعتضد بإشارات قرآنيّة، ورموز نبويّة، دلّت عليه آيات كثيرة وروايات غير يسيرة: أمّا الآيات: فمثل قوله تعالى: {أية : وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ} تفسير : [الروم:14]. وقوله: {أية : وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِّمَّن يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ} تفسير : [النمل:83]. وقوله: {أية : وَٱمْتَازُواْ ٱلْيَوْمَ أَيُّهَا ٱلْمُجْرِمُونَ} تفسير : [يس:59]. وقوله: {أية : أَفَنَجْعَلُ ٱلْمُسْلِمِينَ كَٱلْمُجْرِمِينَ} تفسير : [القلم:35]. وقوله: {أية : أَمْ نَجْعَلُ ٱلْمُتَّقِينَ كَٱلْفُجَّارِ} تفسير : [ص:28]. وقوله: {أية : هَلْ يَسْتَوِي ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} تفسير : [الزمر:9]. وقوله: {أية : سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ} تفسير : [الجاثية:21]. كلّه على سبيل الاستفهام الإنكاري - وهو أبلغ -. وممّا يدلّ على كون الإنسان متّحد الماهيّة في النشأة الدنيا والفطرة الأولى، متخالف الحقائق في النشأة الأخرى والفطرة الثانية، من جهة سبق أعمال واعتقادات ومَلَكات، قوله تعالى: {أية : وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَٱخْتَلَفُواْ} تفسير : [يونس:19] وقوله: {أية : وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلـٰكِن يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ} تفسير : [النحل:93]. وقوله: {أية : يَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً} تفسير : [النبأ:18]. ومن هذا الباب الآيات الدالّة على النسخ، فإنّ المراد منها نسخ البواطن، وقد أوّلها أهل التناسخ إلى انتقال النفوس إلى أبدان أخرى حيوانيّة في هذه النشأة، وحرّفوا الكلم عن مواضعه، وقد بيَّنا فساد ما ذهبوا إليه في موضعه ببرهان خاصّ عرشي لا نطوّل الكلام بذكره، وهي مثل قوله: {أية : وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَّا فَرَّطْنَا فِي ٱلكِتَابِ مِن شَيْءٍ} تفسير : [الأنعام:38]. وكقوله: {أية : يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ} تفسير : [القمر:48]. وقوله: {أية : أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّن يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} تفسير : [الملك:22]. وقوله: {أية : ٱلَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ أُوْلَـٰئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ سَبِيلاً} تفسير : [الفرقان:34]. وقوله تعالى: {أية : وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً} تفسير : [الإسراء:97]. وقوله: {أية : إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَابِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلصُّمُّ ٱلْبُكْمُ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ} تفسير : [الأنفال:22]. وقوله: {أية : قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ} تفسير : [الإسراء:84]. وقوله: {أية : إِنْ هُمْ إِلاَّ كَٱلأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ} تفسير : [الفرقان:44]. وقوله في حَقِّ بلعم وأمثاله: {أية : فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ ٱلْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث}تفسير : [الأعراف:176] - الآية -. وأمّا الحديث فكما مرّ، وكقوله: حديث : يحشر الناس يوم القيامة على صوَر نياتهم . تفسير : وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): حديث : يحشر الناس على وجوه مختلفة . تفسير : وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) في صفة أقوام: حديث : إخوان العلانية أعداء السريرة، ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمَرُّ من الصبر، يلبسون للناس مسوك الكباش من اللين، وقلوبهم كقلوب الذئاب . تفسير : وقول أمر المؤمنين (ع): الناس أبناء ما يحسنون. فهذه الأحاديث أيضاً دالّة على مسخ البواطن وانقلابها، وهذا كثير في هذه الأمة، فترى الصورة أناسي، وفي الباطن غير تلك الصورة من ملَك أو شيطان أو كلب أو أسد أو ذئب أو قرد أو خنزير وغير ذلك، كما كثر المسخ في الصورة الظاهرة في بني إسرائيل، كما قال سبحانه: {أية : وَجَعَلَ مِنْهُمُ ٱلْقِرَدَةَ وَٱلْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ ٱلطَّاغُوتَ} تفسير : [المائدة:60]. وقوله: {أية : كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ} تفسير : [البقرة:65]. وقد بيّنا في الشواهد الربوبيّة منشأ الفرق بين مسخ الظواهر على هذا الوجه الجايز الذي كان في قوم موسى (ع)، وبين التناسخ على الوجه المستحيل الذي ذهبت إليه التناسخيّة، والعلة في جواز ذلك، وبطلان ما ذهبوا إليه، وهذا أيضاً من العلوم الشريفة التي تختص بأهل القرآن، وهم أهل الله خاصّة كما ورد في الحديث. قوله عزَّ من قائل: {لِّيُرَوْاْ أَعْمَالَهُمْ} قيل: أي جزاء أعمالهم - بحذف المضاف -، ولا حاجة إليه، لما تحقّق عند أهل الحقيقة أنّ الصوَر الأخرويّة هي صوَر الأعمال القلبيّة والنيّات الباطنيّة، وهذه الصوَر - سواء كانت مؤلمة كما للأشقياء، أو ملذّة كما للسعداء - موجودة الآن في باطن كلّ إنسان، إلاّ أنّها مستورة مختفية عن الأبصار غير مترقّبة عليها الآثار لخفائها وضعفها، وإنّما موطن ظهورها وإلذاذها وإيلامها هو الدار الآخرة. فلا فرق بينها في الدنيا والآخرة إلاّ من جهة الخفاء والظهور، ولهذا قال: {لِّيُرَوْاْ أَعْمَالَهُمْ}. وقال: {أية : وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِراً} تفسير : [الكهف:49]. وقراءة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) "لِيَرُوا - بالفتح - وهذا أصرح في المعنى وأشدّ ملائمة لما بعده. وقرأ ابن عبّاس وزيد بن علي (ع) "يُره" - بالضمّ، وهو أنّه قد مرَّ أنّ أفراد الإنسان بحسب مزاولة الأعمال الحسنة والسيئّة، يحشرون على وجوه مختلفة، وأنّهم أبناء ما عملوا وثمرات ما فعلوا، فيصدق على المحشور من كلّ واحد أنّه صورة عمله، كما قال سبحانه في حقّ ابن نوح النبي (ع): {أية : إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} تفسير : [هود:46] وقال: {أية : قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَىٰ سَبِيلاً} تفسير : [الإسراء:84]. وفي الخبر: حديث : خلق الله الكافر من ذنب المؤمن . تفسير : تذكرة: هذه اللام للغاية، أي يصدر الناس أشتاتاً من مقابرهم وأجسادهم إلى عالَم الآخرة، ويخرجون يوم القيامة أشتاتاً متفرّقين على صور مختلفة، وهيآت متباينة ليشاهدوا صور أعمالهم، وغاية سلوكهم وحركاتهم، ومنتهى قصودهم ونيّاتهم، وجزاء حسناتهم وسيّئاتهم، فيُثابون أو يُعاقبون بحسبها.

الجنابذي

تفسير : {يَوْمَئِذٍ} اى يوم القيامة الصّغرى {يَصْدُرُ ٱلنَّاسُ} اى القوى والمدارك الانسانيّة فى العالم الصّغير من مرافدها ومحالّها او يوم القيامة الكبرى يصدر افراد النّاس من مراقدهم ومواقفهم {أَشْتَاتاً} متفرّقين فى صفوفٍ عديدةٍ بحسب مراتبهم ودرجاتهم فى السّعادة والشّقاوة {لِّيُرَوْاْ أَعْمَالَهُمْ} قرئ بفتح الياء وضمّها، وقد مضى مكرّراً انّ العامل يحصل من عمله فعليّة فى نفسه ويراه العامل بعد الموت بصورةٍ مناسبةٍ لذلك العمل وهذا العامل، ويرى صورةً اخرى موافقةً لتلك الصّورة فى الآخرة فيرى أعماله بانفسها وبصورها اللاّئقة بها المعبّر عن تلك الصّور بجزاء الاعمال.

الأعقم

تفسير : {يومئذ يصدر الناس أشتاتاً} يتفرقون عن قبورهم الى الحساب قيل: أشتاتاً كل قوم على دين ومذهب، فيردون زمرة زمرة كل زمرة يقدمها امامها، وقيل: يتفرقون عن موضع الحساب الى موضع الجزاء، أشتاتاً متفرقين فأخذ ذات اليمين الى الجنة وأخذ ذات اليسار الى النار {ليروا أعمالهم} قيل: يروا جزاء أعمالهم، وقيل: يروا صحائف أعمالهم، قال ابن عباس: ليس مؤمن ولا كافر إلا أراه الله عمله، فأما المؤمن فيريه حسناته وسيئاته فيغفر له سيئاته، والثاني تحبط حسناته {فمن يعمل مثقال ذرة} قيل: النملة الصغيرة، وروي عن ابن عباس انه قال: مائة نملة وزن حسنة {خيراً يره} أي يجد جزاء ما عمل من الخير وإن قلّ {ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره} واختلفوا في هذه الآية قال ابو علي (رحمه الله): حمله على الرؤية على الجزاء لأن المؤمن والتائب يرى السيئات مكفرة ويثاب على الحسنات من غير تخسير، والكافر يرى حسناته محبطة، وقال أبو هاشم: يجازى على جميع أفعاله لا يضِع شيئاً فان كان مؤمناً يجازى على حسناته وان كان كافراً يعاقب على ذنوبه.

اطفيش

تفسير : {يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ} ينصرف عن موقف الحساب *{النَّاسُ أَشْتَاتاً} متفرقين بعضهم إلى الجنة وبعضهم إلى النار {لِّيَرَوْاْ أَعْمَالَهُمْ} مضارع أرى الرباعي وهو مبني للمفعول من الرؤية البصرية تعدت للإعمال وهو المفعول الثاني بنفسها على حذف مضاف أي جزاء أعمالهم وهو الجنة والنار وللأول بالهمزة وهو الواو والنائب عن الفاعل المفتوح في قراءتنا نقلا من الهمزة بعده، وقيل يصدرون من قبورهم إلى الموقف للحساب متفرقين حالا على حسب أحوالهم في العمل والإعتقاد فبعض أسود وبعض أبيض وبعض راكب وبعض ماش، وعليه فورودهم إلى القبر بالموت ونسب للجمهور وعلى الأول فورودهم إلى الموت. وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم ليروا بفتح الياء من الرؤية البصرية الثلاثية المبنية للفاعل الذي هو الواو المتعدية للواحد الذي هو الأعمال ولما نزل ويطعمون الطعام على حبه كان رجل يأتيه السائل فيستثقل أن يعطيه التمر والكسرة والجوزة ونحوها ويقول إنما نؤجر على ما نعطي ونحن نحبه وكان رجل يتهاون بالذنب الصغير وربما تهاون بالكذبة والغيبة والنظرة ونحوها ويقول إنما وعد الله النار لى غير ذلك فأنزل الله: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ}.

اطفيش

تفسير : {يَوْمَئِذٍ} يوم إذ حدثت أخبارها متعلق بقوله تعالى. {يَصْدُرُ النَّاسُ} ينتقلون من قبورهم إلى الموقف للحساب والجزاءِ وهذا أولى من أن يقال يصدرون عن الموقف بعد ما وردوه من قبورهم إلى الجنة والنار فإنه كما يقال صدر عن الموضع بعد وروده يقال صدر عنه مطلقاً لا بقصد وروده وأيضاً قوله تعالى ليروا أعمالهم ظاهره المتبادر أن المعنى ليقرأوا صحفهم ويعرفوا أعمالهم وهذا حقيقة بلا حذف ولا تأويل أو ليروا جزاءَ أعمالهم ويعرفوه على حذف مضاف وكذا إن قلنا ليروا صحائف أعمالهم، ويجوز أن يكون أعمالهم عبارة عن لازمها ومسببها وهو الجزاءِ وقيل تجسم الأعمال فيروها بعيونهم وهذا عندنا لا يجوز ويجوز أن تكون الرؤية علمية.. {أشْتَاتاً} متفرقين أهل الإيمان على حدة وأهل الشرك على حدة عند ابن عباس، وعنه أهل التوحيد على حدة واليهود على حدة والنصارى على حدة والمجوس على حدة وعبدة الأصنام على حدة أو أهل كل إقليم على حدة أو متفرقين بالوصف بيض الوجوه آمنين وسود الوجوه فزعين وراكبين وماشين ومجرورين على وجوههم ومقيدين وغير مقيدين، وعن بعض متفرقين إلى سعيد وأسعد وشقى وأشقى أو متفرقين كل إنسان وحده لا يصاحب أحد أحداً فى الذهاب إلى المحشر أو كل واحد لا ناصر له. {لِّيُرَوْا أعْمَالَهُمْ} متعلق بيصدر قيل أو بأوحى وهو ضعيف للفصل ولأن ترتب رؤية الأعمال مبنى على الصدور بلا توسط وعلى الإيجاب يتوسط الصدور، وروى أن رجلا صحابياً لا يتصدق بالقليل ككسرة وتمرة وجوزة ولا يرى لذلك ثواباً ويقول إنما تثاب على ما هو عظيم نحبه وآخر يتهاون بالكذبة والنظرة ونحوهما ولا يرى لذلك عقاباً فنزل قوله تعالى: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ} قدم الخير لأنه أشرف ومقصود بالأصالة.

الالوسي

تفسير : {يَوْمَئِذٍ } أي يوم إذ ما ذكر وهو يقع ظرف لقوله تعالى: {يَصْدُرُ ٱلنَّاسُ } يخرجون من قبورهم بعد أن دفنوا فيها إلى موقف الحساب {أَشْتَاتاً } متفرقين بحسب طبقاتهم بيض الوجوه آمنين وسود الوجوه فزعين وراكبين وماشين ومقيدين بالسلاسل وغير مقيدين وعن بعض السلف متفرقين إلى سعيد وأسعد وشقي وأشقى وقيل إلى مؤمن وكافر وعن ابن عباس أهل الإيمان على حدة وأهل كل دين على حدة وجوز أن يكون المراد كل واحد وحده لا ناصر له ولا عاضد كقوله تعالى {أية : وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ}تفسير : [الأنعام: 94] وقيل متفرقين بحسب الأقطار. {لّيُرَوْاْ أَعْمَـٰلَهُمْ } أي ليبصروا جزاء أعمالهم خيراً كان أو شراً فالرؤية بصرية والكلام على حذف مضاف أو على أنه تجوز بالأعمال عما يتسبب عنها من الجزاء وقدر بعضهم كُتُبَ أو صحائف وقال آخر لا حاجة إلى التأويل والأعمال تجسم نورانية وظلمانية بل يجوز رؤيتهما مع عرضيتها وهو كما ترى. وقيل المراد ليعرفوا أعمالهم ويوقفوا عليها تفصيلاً عند الحساب فلا يحتاج إلى ما ذكر أيضاً. وقال النقاش الصدور مقابل الورود فيردون المحشر ويصدرون منه متفرقين فقوم إلى الجنة وقوم إلى النار ليروا جزاء أعمالهم من الجنة والنار وليس بذاك وأياً ما كان فقوله تعالى: {لّيُرَوْاْ } متعلق بيصدر وقيل هو متعلق بأوحى لها وما بينهما اعتراض. وقرأ الحسن والأعرج وقتادة وحماد بن سلمة والزهري وأبو حيوة وعيسى ونافع في رواية (ليَروا) بفتح الياء.

د. أسعد حومد

تفسير : (6) - وَيَوْمَ تَتَزَلْزَلُ الأَرْضُ، وَتَنْدَكُّ، وَيَبْعَثُ اللهُ تَعَالَى المَوْتَى مِنْ قُبُورِهِمْ، وَيَجْمَعُهُمْ لِلْحِسَابِ وَيَقْضِي بَيْنَهُمْ بِعَدْلِهِ المُطْلَق، فَيَرْجِعُ النَّاسُ عَنْ مَوْقِفِ الحِسَابِ (يَصْدُرُ النَّاسُ) أَصْنَافاً مُتَمَايِزِينَ، فَيَكُونُ المُحْسِنُونَ مَعاً، فِي طَرِيقِهِمْ إِلَى دَار المَثُوَبةِ وَيَكُونُ الطُّغَاةُ المُجْرِمُون وَالمُسِيئُونَ فِي طَرِيقِهِمْ إِلَى دَارِ العُقُوبَةِ لِيُلاَقُوا جَزَاءَ مَا عَمِلُوهُ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {يَصْدُرُ ٱلنَّاسُ أَشْتَاتاً} معناه مُتَفرِّقون.

الجيلاني

تفسير : اذكر يا أكمل الرسل {يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ} ويرجع ويعود {ٱلنَّاسُ} عن موقف العرض والحساب {أَشْتَاتاً} متفرقين، متحزبين حسب مراتبهم في الحساب، كل منهم مع شاكلته {لِّيُرَوْاْ أَعْمَالَهُمْ} [الزلزلة: 6] أي: أجزئتهم المعدة لهم في الجنة والنار. وبالجملة: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} أي: مقدار نملة صغيرة ووزنها {خَيْراً يَرَهُ} [الزلزلة: 7] أي: يرى جزاءها في الجنة. {وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ} [الزلزلة: 8] أي: جاءها في النار. وهذه الآية أحكم آية وأقسطها، من الآيات الدالة على كمال العدل الإلهي وأشملها حكماً، لذلك قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : {إِذَا زُلْزِلَتِ} تعدل نصف القرآن، و: {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ} تعدل ثلث القرآن، و: {قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ} تعدل ربع القرآن ". تفسير : خاتمة السورة عليك أيها المتوجه نحو الحق أن تأتي وتتصف بصوالح الأعمال، وتجتنب عن فواسدها؛ لترى أحسن الجزاء، وتزيد عليها على مقتضى إخلاصك فيها وخشوعك في إتيانها، فلك أن تجعل مضمون هذه الآية نصب عينيك في عموم أحوالك وأعمالك؛ لتكون على ذكر تام وفطنة كاملة، مما يترتب على أعمالك من الجزاء. جعلنا الله من زمرة المتذكرين الممتثلين بمقتضى هذه الآية.