٩٩ - ٱلزَّلْزَلَة
99 - Az-Zalzala (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
7
Tafseer
الرازي
تفسير : ثم قال تعالى: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: {مِثْقَالَ ذَرَّةٍ } أي زنة ذرة قال الكلبي: الذرة أصغر النمل، وقال ابن عباس: إذا وضعت راحتك على الأرض ثم رفعتها فكل واحد مما لزق به من التراب مثقال ذرة فليس من عبد عمل خيراً أو شراً قليلاً أو كثيراً إلا أراه الله تعالى إياه. المسألة الثانية: في رواية عن عاصم: {يَرَهُ } برفع الياء وقرأ الباقون: {يَرَهُ } بفتحها وقرأ بعضهم: {يَرَهُ } بالجزم. المسألة الثالثة: في الآية إشكال وهو أن حسنات الكافر محبطة بكفره وسيئات المؤمن مغفورة، إما ابتداء وإما بسبب اجتناب الكبائر، فما معنى الجزاء بمثاقيل الذرة من الخير والشر؟. واعلم أن المفسرين أجابوا عنه من وجوه: أحدها: قال أحمد بن كعب القرظي: فمن يعمل مثقال ذرة من خير وهو كافر فإنه يرى ثواب ذلك في الدنيا حتى يلقى الآخرة، وليس له فيها شيء، وهذا مروي عن ابن عباس أيضاً، ويدل على صحة هذا التأويل ما روي أنه عليه السلام قال لأبي بكر: «حديث : يا أبا بكر ما رأيت في الدنيا مما تكره فبمثاقيل ذر الشر ويدخر الله لك مثاقيل الخير حتى توفاها يوم القيامة»تفسير : وثانيها: قال ابن عباس: ليس من مؤمن ولا كافر عمل خيراً أو شراً إلا أراه الله إياه، فأما المؤمن فيغفر الله سيئاته ويثيبه بحسناته، وأما الكافر فترد حسناته ويعذب بسيئاته وثالثها: أن حسنات الكافر وإن كانت محبطة بكفره ولكن الموازنة معتبرة فتقدر تلك الحسنات انحبطت من عقاب كفره، وكذا القول في الجانب الآخر فلا يكون ذلك قادحاً في عموم الآية ورابعها: أن تخصص عموم قوله: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ } ونقول: المراد فمن يعمل من السعداء مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل من الأشقياء مثقال ذرة شراً يره. المسألة الرابعة: لقائل أن يقول: إذا كان الأمر إلى هذا الحد فأين الكرم؟ والجواب: هذا هو الكرم، لأن المعصية وإن قلت ففيها استخفاف، والكريم لا يحتمله وفي الطاعة تعظيم، وإن قل فالكريم لا يضيعه، وكأن الله سبحانه يقول لا تحسب مثقال الذرة من الخير صغيراً، فإنك مع لؤمك وضعفك لم تضيع مني الذرة، بل اعتبرتها ونظرت فيها، واستدللت بها على ذاتي وصفاتي واتخذتها مركباً به وصلت إلي، فإذا لم تضيع ذرتي أفأضيع ذرتك! ثم التحقيق أن المقصود هو النية والقصد، فإذا كان العمل قليلاً لكن النية خالصة فقد حصل المطلوب، وإن كان العمل كثيراً والنية دائرة فالمقصود فائت، ومن ذلك ما روى عن كعب: لا تحقروا شيئاً من المعروف، فإن رجلاً دخل الجنة بإعارة إبرة في سبيل الله، وإن امرأة أعانت بحبة في بناء بيت المقدس فدخلت الجنة. وعن عائشة: «كانت بين يديها عنب فقدمته إلى نسوة بحضرتها، فجاء سائل فأمرت له بحبة من ذلك العنب فضحك بعض من كان عندها، فقالت: إن فيما ترون مثاقيل الذرة وتلت هذه الآية» ولعلها كان غرضها التعليم، وإلا فهي كانت في غاية السخاوة. روي: «أن ابن الزبير بعث إليها بمائة ألف وثمانين ألف درهم في غرارتين، فدعت بطبق وجعلت تقسمه بين الناس، فلما أمست قالت: يا جارية فطوري هلمي فجاءت بخبز وزيت، فقيل لها: أما أمسكت لنا درهماً نشتري به لحماً نفطر عليه، فقالت: لو ذكرتيني لفعلت ذلك» وقال مقاتل: نزلت هذه الآية في رجلين كان أحدهما يأتيه السائل فيستقل أن يعطيه التمرة والكسرة والجوزة، ويقول ما هذا بشيء، وإنما نؤجر على ما نعطي! وكان الآخر يتهاون بالذنب اليسير، ويقول: لا شيء علي من هذا إنما الوعيد بالنار على الكبائر، فنزلت هذه الآية ترغيباً في القليل من الخير فإنه يوشك أن يكثر، وتحذيراً من اليسير من الذنب فإنه يوشك أن يكبر، ولهذا قال عليه السلام: «حديث : اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة» تفسير : والله سبحانه وتعالى أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
القرطبي
تفسير : فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ} كان ابن عباس يقول: مَن يعمل من الكفار مثقال ذرّة خيراً يَرَهُ في الدنيا، ولا يُثاب عليه في الآخرة، ومن يعمل مثقال ذرّة من شر عُوقب عليه في الآخرة، مع عقاب الشرك، ومن يعمل مثقال ذرة من شر من المؤمنين يَرَهُ في الدنيا، ولا يعاقَبْ عليه في الآخرة إذا مات، ويُتجاوز عنه، وإن عمل مثقال ذرّة من خير يُقْبلْ منه، ويضاعفْ له في الآخرة. وفي بعض الحديث: « حديث : الذرّة لا زِنة لها » تفسير : وهذا مَثَلٌ ضَرَبه الله تعالى: أنه لا يُغْفِل من عمل ابن آدم صغيرةً ولا كبيرة. وهو مِثل قوله تعالى: { أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ } تفسير : [النساء: 40]. وقد تقدم الكلام هناك في الذرّ، وأنه لا وزن له. وذكر بعض أهل اللغة أن الذرّ: أن يضرب الرجل بيده على الأرض، فما علِق بها من التراب فهو الذَّرّ، وكذا قال ابن عباس: إذا وضعت يدك على الأرض ورفعتها، فكل واحد مما لزق من التراب ذَرَّة. وقال محمد بن كعب القُرَظِيّ: فمنْ يَعْمَل مِثقْالَ ذَرّة منْ خَيْر من كافر، يرى ثوابه في الدنيا، في نفسه وماله وأهله وولده، حتى يخرج من الدنيا وليس له عند الله خير. ومن يعمل مثقال ذرّة من شرّ من مُوْمن، يرى عُقوبته في الدنيا، في نفسه وماله وولده وأهله، حتى يخرج من الدنيا وليس له عند الله شرّ. دليله ما رواه العلماء الأثبات من حديث أنس: أن هذه الآية نزلت على النبيّ صلى الله عليه وسلم وأبو بكر يأكل، فأمسك وقال: يا رسول الله، وإنا لنُرَى ما عَمِلْنا من خير وشرّ؟ قال: « حديث : ما رأيت مما تكره فهو مثاقيل ذرّ الشرّ، ويُدَّخَر لكم مثاقيلُ ذَرّ الخير، حتى تُعْطَوْه يومَ القِيامة ». تفسير : قال أبو إدريس: إن مِصْداقه في كتاب الله: { أية : وَمَآ أَصَابَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ } تفسير : [الشورى: 30]. وقال مقاتل: نزلت في رجلين، وذلك أنه لما نزل { أية : وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ } تفسير : [الإنسان: 8] كان أحدهم يأتيه السائل، فيستقل أن يعطِيه التمرة والكِسرة والجوزة. وكان الآخر يتهاون بالذنب اليسير، كالكَذبة والغِيبة والنظْرة، ويقول: إنما أوعد الله النار على الكبائر؛ فنزلت ترغبهم في القليل من الخير أن يُعْطُوه؛ فإنه يوشِك أن يكثُر، ويُحَذِّرهُمْ اليسيرَ من الذنب، فإنه يوشِك أن يكثُر؛ وقاله سعيد بن جبير. والإِثم الصغير في عين صاحبه يوم القيامة أعظم من الجبال، وجميع محاسنه أقل في عينه من كل شيء. الثانية: قراءة العامة «يَرَهْ» بفتح الياء فيهما. وقرأ الجَحْدَرِيّ والسُّلَمِيّ وعيسى ابن عمر وأبان عن عاصم: «يُرَهْ» بضم الياء؛ أي يُريه اللَّهُ إياه. والأَوْلَى الاختيار؛ لقوله تعالى: { أية : يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً } تفسير : [آل عمران: 30] الآية. وسكن الهاء في قوله «يَرَه» في الموضعين هشام. وكذلك رواه الكسائي عن أبي بكر وأبي حَيْوة والمغيرة. واختلس يعقوب والزهري والجحدرِي وشيبة. وأشبع الباقون. وقيل «يَرَه» أي يرى جزاءه؛ لأن ما عمله قد مضى وعُدم فلا يُرَى. وأنشدوا: شعر : إنّ منْ يَعْتدِي ويَكْسِبُ إِثْما وَزْنَ مِثْقالِ ذرّة سَيَرَاهُ ويُجَازَى بفعله الشرَّ شرا وبفعل الجميلِ أيضاً جَزَاهُ هكذا قوله تبارك ربِّي في إذا زُلزلت وجَل ثَناه تفسير : الثالثة: قال ابن مسعود: هذه أحكم آية في القرآن؛ وصَدّق. وقد اتفق العلماء على عموم هذه الآية؛ القائلون بالعموم ومن لَمْ يقل به. وروى كعب الأحبار أنه قال: لقد أنزل الله على محمد آيتين أحْصَتَا ما في التوراة والإنجيل والزَّبور والصُّحُف: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ }. قال الشيخ أبو مَدْين في قوله تعالى: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ } قال: في الحال قبل المآل. وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم يسمي هذه الآية الآية الجامعة الفاذة؛ كما في الصحيح لما سئل عن الحُمُر وسكت عن البغال، والجواب فيهما واحد؛ لأن البغل والحمار لا كَرّ فيهما ولا فرّ؛ فلما ذكر النبيّ صلى الله عليه وسلم ما في الخيل من الأجر الدائم، والثواب المستمر، سأل السائل عن الحُمُر، لأنهم لم يكن عندهم يومئذٍ بَغْل، ولا دخل الحجاز منها إلا بغلة النبيّ صلى الله عليه وسلم «الدُّلْدُل»، التي أهداها له المقوقِس، فأفتاه في الحَمِير بعموم الآية، وإن في الحمار مثاقيل ذرّ كثيرة؛ قاله ابن العربيّ. وفي الموطأ: أن مِسْكيناً استطعم عائشة أم المؤمنين وبين يديها عِنَب؛ فقالت لإنسان: خذ حبة فأعطه إياها. فجعل ينظر إليها ويعجب؛ فقالت: أتعجب! كم ترى في هذه الحبَة من مثقال ذرّة. وروي عن سعد بن أبي وَقَّاص: أنه تصدق بتمرتين، فقبض السائل يده، فقال للسائل: ويقبل الله منا مثاقيل الذرّ، وفي التمرتين مثاقيل ذرّ كثيرة. وروى المُطَّلب بن حَنْطَب: « حديث : أن أعرابياً سمع النبيّ صلى الله عليه وسلم يَقرأُها فقال: يا رسول الله، أمثقالُ ذرّة! قال: «نعم» فقال الأعرابيّ: واسَوْأَتَاه! مِراراً: ثم قام وهو يقولها؛ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «لقد دَخَلَ قلبَ الأَعْرابيّ الإيمانُ» »تفسير : . وقال الحسن: قَدِم صعصعة عَمّ الفرزدق على النبيّ صلى الله عليه وسلم، فلما سمع {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} الآيات؛ قال: لا أبالي ألا أسمع من القرآن غيرها، حَسْبي، فقد انتهت الموعظة؛ ذكره الثعلبي. ولفظ الماوردِيّ: ورُوي أن صعصعة بن ناجية جدّ الفرزدق أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم يستقرئه، فقرأ عليه هذه الآية؛ فقال صعصعة: حسبي حسبي؛ إن عَمِلتُ مِثقالَ ذرَّةٍ شَرًّا رأيتُه. ورَوى مَعمر عن زيد بن أسلم: « حديث : أن رجلاً جاء إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: عَلِّمني مما علمك الله. فدفعه إلى رجل يعلمه؛ فعلمه {إِذَا زُلْزِلَتِ} ـ حتى إذا بلغ ـ {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ } قال: حسبي. فأخبر النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: «دَعُوهُ فإنَّهُ قد فَقُه» » تفسير : . ويحكى أن أعرابياً أخَّر «خَيْراً يَرَهُ» فقيل: قدمت وأخرت. فقال: شعر : خذ بطنَ هَرشَى أو قَفاها فإنهُ كِلا جانِبي هَرْشَى لهنّ طرِيق
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ } زنة نملة صغيرة {خَيْراً يَرَهُ } يرى ثوابه.
ابن عبد السلام
تفسير : {يَرَهُ} يعرفه أو يرى صحيفة عمله أو يرى جزاءه ويلقاه في الآخرة مؤمناً كان أو كافراً أو يرى المؤمن جزاء سيئاته في الدنيا وجزاء حسناته في الآخرة ويرى الكافر جزاء حسناته في الدنيا وجزاء سيئاته في الآخرة قاله طاووس قيل نزلت في ناس من أهل المدينة كانوا لا يتورعون من الصغائر كالنظرة والغمزة والغيبة واللمسة قائلين إنما أوعدنا الله تعالى على الكبائر وفي ناس استقلوا إعطاء الكسرة والتمرة والجوزة قائلين إنما نؤجر على ما نعطيه ونحن نحبه ونزلت والرسول صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله تعالى عنه يتغديان فقاما وأمسكا من شدة حزنهما.
الخازن
تفسير : {فمن يعمل مثقال ذرة} قال وزن نملة صغيرة وقيل هو ما لصق من التراب باليد {خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره} قال ابن عباس: ليس مؤمن ولا كافر عمل خيراً أو شراً في الدّنيا إلا أراه الله إياه يوم القيامة، فأما المؤمن فيرى حسناته وسيئاته فيغفر الله له سيئاته، ويثيبه بحسناته، وأما الكافر، فيرد حسناته ويعذبه بسيئاته، وقال محمد بن كعب القرظي فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره من كافر يرى ثوابه في الدّنيا في نفسه وولده وأهله وماله حتى يخرج من الدّنيا وليس له عند الله خير ومن يعلم مثقال ذرة شراً يره من مؤمن يرى عقوبته في الدّنيا في نفسه، وماله، وولده وأهله حتى يخرج من الدّنيا وليس له عند الله شر قيل نزلت هذه الآية في رجلين وذلك أنه لما نزلت {ويطعمون الطعام على حبه} وكان أحدهما يأتيه السائل، فيستقل أن يطعمه التّمرة والكسرة، والجوزة ونحو ذلك ويقول هذا ليس بشيء يؤجر عليه إنما يؤجر على ما يعطي ونحن نحبه، وكان الآخر يتهاون بالذّنب الصّغير مثل الكذبة والنظرة وأشباه ذلك ويقول إنما وعد الله النار على الكبائر وليس في هذا، إثم فأنزل الله هذه الآية يرغبهم في القليل من الخير أن يعطوه فإنه يوشك أن يكثر ويحذرهم من اليسير من الذّنب، فإنه يوشك أن يكبر والإثم الصغير في عين صاحبه يصير مثل الجبل العظيم يوم القيامة قال ابن مسعود: أحكم آية في القرآن {فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره} وسمي رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية الجامعة الفاذة حين سأل عن زكاة الحمير، فقال حديث : ما أنزل الله فيها شيئاً إلا هذه الآية الجامعة الفاذةتفسير : ، {فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره} وتصدق عمر بن الخطاب وعائشة كل واحد منهما بحبة عنب، وقالا فيها مثاقيل كثيرة، قلت إنما كان غرضهما تعليم الغير وإلا فهما من كرماء الصحابة رضي الله تعالى عنهم وقال الربيع بن خيثم: مر رجل بالحسن وهو يقرأ هذه السّورة فلما بلغ آخرها قال حسبي الله قد انتهت الموعظة، والله سبحانه وتعالى أعلم بمراده وأسرار كتابه.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ}[7] قال: لما نزلت هذه الآية خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال في خطبته: "حديث : ألا وإن الدنيا عرض حاضر، يأكل منه البر والفاجر، ألا وإن الآخرة أجل صادق، يقضي فيها ملك قادر، ألا وإن الخير كله بحذافيره في الجنة، ألا وإن الشر كله بحذافيره في النار، ألا فاعلموا وأنتم من الله على حذر، واعلموا أنكم معروضون على أعمالكم {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ [7-8] ". تفسير : قال أبو الدرداء رضي الله عنه: إتمام التقوى أن يتقي الله عبده، حتى يتقيه في مثقال ذرة، حتى يترك بعض ما يرى أنه حلال، خشية أن يكون حراماً يكون حجاباً بينه وبين الحرام. قال سهل: لا تستصغر شيئاً من الذنوب وإن قل، فإنهم قالوا: أربعة بعد الذنب أشد من الذنب: الإصرار والاستبشار والاستصغار والافتخار. وقد قال ابن مسعود رضي الله عنهما: إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه في أصل جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الكافر يرى ذنوبه كذبابة وقعت على أنفه فقال هكذا بيده فطارت. ثم قال سهل: معشر المسلمين لقد أعقبتم الإقرار باللسان واليقين في القلب، أن الله واحد ليس كمثله شيء، وإن لكم يوماً يبعثكم فيه ويسألكم فيه عن مثاقيل الذر من أعمالكم، فإن كان خيراً أثابكم فيه، وإن كان شراً عاقبكم عليه إن شاء، فحققوه بالفعل. قيل له: وكيف لنا أن نحققه بالفعل؟ قال: بخمسة أشياء لا بد لكم منها: أكل الحلال، ولبس الحلال، وحفظ الجوارح، وأداء الحقوق كما أمرتم به، وكف الأذى عن المرسلين، كيلا يذهب بأعمالكم قصاصاً في القيامة، ثم استعينوا على ذلك كله بالله حتى يتمها لكم. قيل له: فكيف تصح للعبد هذه الأحوال؟ قال: لا بد له من عشرة أشياء يدع منها خمساً ويتمسك بخمس ويدع وساوس العدو، ويتبع العقل فيما يزجره، ويدع اهتمامه لأمر الدنيا ويتركها لأهلها، ويهتم بالآخرة ويعين أهلها ويدع اتباعه الهوى ويتقي الله على كل حال، ويترك المعصية ويشتغل بالطاعة، ويدع الجهل والإقامة عليه حتى يحكم عمله، ويطلب العلم ويعمل به. قيل له: وكيف لنا أن نقيمها ونعمل بها؟ قال: لا بد من أربعة أشياء: لا يتعب نفسه فيما كان مصيره إلى التراب، ولا يرغب فيه، ولا يتخذ إخواناً مصيرهم إلى التراب، ولا يرغب فيهم. قيل: كيف ذلك؟ قال: يعلم أنه عبد، مولاه عالم بحاله، شاهد، قادر على فرحه وترحه، رحيم به. والله سبحانه وتعالى أعلم.
السلمي
تفسير : قال الواسطى رحمه الله: إذا كان من أهل الإسلام أن الأعراض لا ترى، ولا تبقى وقتين كيف يجوز أن ترى قبل القرآن صفة الله فإن الصفة لا تبين من الموصوف، وهو يرى فى الأرض مكتوبًا كذلك الأعمال، وجاء رجل إلى بعض الحكماء فقال: اعطنى فقرأ عليه {وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ} فقال الرجل حسبى فقد انتهت الموعظة.
البقلي
تفسير : العارف يرى جزاء عمله من الخيرات ولا يكون مقيدا بها اذ هو مشغول بالحق عن غيره ويرى ما فعله من الحركات المذمومة ليعرف فضل الله عليه بانه تعالى لا يجازيه بها قال جعفر من يعمل مثقال ذرة خيرا يره فى الدنيا اذا كان مشركا ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره فى الدنيا اذا كان مومنا قال الواسطى اذا كان من اهل الاسلام ان الاعراض لا ترى ولا تبقى وتبين وكيف يجوز ان يرى قيل القرأن صفة الله وان الصفة لا تبين من الموصوف وهو يرى فى الارض مكتوبا لذلك الاعمال.
اسماعيل حقي
تفسير : {فمن} بس هركه {يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} تفصيل ليروا والمثقال الوزن والذرة النملة الصغيرة او ما يرى فى شعاع الشمس من الهبال وقال ابن عباس رضى الله عنهما اذا وضعت راحتك اى يدك على الارض ثم رفعتها فكل واحد الارض ثم رفعتها فكل واحد مما لزقى بها من التراب ذرة وقال يحيى بن عمار حبة الشعير أربع ارزات والارزة اربع سمسمات والسمسمة اربع خردلات والخردلة اربعة اوراق نخالة وورق النخالة ذرة ومعنى رؤية ما يعادل الذرة من خير وشر اما مشاهدة اجزيته فمن الاولى مختصة بالسعدآء والمخصص قوله اشتاتا اى فمن يعمل من السعدآء مثقال ذرة خيرا يره والثانية بالاشقياء بقرينة اشتاتا ايضا اى ومن يعمل من الاشقياء مثقال ذرة شرا يره وذلك لأن حسنات الكافر محبطة بالكفر وسيئات المؤمن المجتنب عن الكبائر معفوة وما قيل من أن حسنة الكافر تؤثر فى نقص العقاب فقد ورد أن حاتما الطائى يخفف الله عنه لكرمه وورد مثله فى ابى طالب وغيره يرده قوله تعالى وقدمنا الى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا وقوله عليه السلام فى حق عبد الله بن جدعان حديث : لا ينفعه لأنه لم يقل يوما رب اغفر لى خطيئتى يوم الدينتفسير : وذلك حين قالت عائشة رضى الله عنها يا رسول الله ابن جدعان كان فى الجاهلية يصل الرحم ويطعم المسكين فهل ذلك نافعه وقوله عليه السلام فى حق ابى طالب حديث : ولولا انا كان ولولا انا كان فى الدرك الاسفل من النارتفسير : فتلك الشفاعة مختصة به واما حسنات الكفار فمقبولة بعد اسلامهم واما مشاهدة نفسه من غير أن يعتبر معه الجزآء ولا عدمه بل يفوض كل منهما الى سائر الدلائل الناطقة بعفو صغائر المؤمن المجتنب عن الكبائر واثباته بجميع حسناته وبحبوط حسنات الكافر ومعاقبته بجميع معاصيه فالمعنى ما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما ليس من مؤمن ولا كافر عمل خيرا او شرا الا اراه الله اياه اما المؤمن فيغفر له سيئاته ويثيبه بحسناته واما الكافر فيرد حسناته تحسيرا له وفى تفسير البقاعى الكافر يوقف على ما عمله من خير على أنه جوزى به فى الدنيا او انه احبط لبنائه على غير اساس الايمان فهو صورة بلا معنى ليشتد ندمه ويقوى حزنه واسفه والمؤمن يراه ليشتد سروره به وفى جانب الشر يراه المؤمن ويعلم أنه قد غفر له فيكمل فرحه والكافر يراه فيشتد حزنه وترحه وفى التأويلات النجمية ليروا اعمالهم المكتسبة بيدى الاستعدادات الفاعلية العلمية والقابلية العملية فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره فى الصورة الجزآئية لتصور الاعمال بصور تناسبها نورانية كانت او ظلمانية ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره متجسدا فى يوم القيامة فى جسد السباع بحسب القوة الغضبية وفى جسد البهائم بحسب القوة البهيمية وكلما ازدادت الصور الحسنة المتنوعة ازدادت البهجة والسرور كما أنه كلما ازدادت الصورة القبيحة المختلفة ازداد العبوس والالم وفيه رمز الى أنه لا يلزم من مجرد الرؤية المجازاة كما فى حق المؤمن وذلك من فضل الله تعالى على من يشاء من عباده وفى التفاسير نزلت الآية ترغيبا فى الخير ولو كان قليلا كتمره وعنبة وكسرة وجوزة ونحوها فانه يوشك أن يكثر اذا كان بنية خالصة وتحذيرا من الشر وان كان قليلا كخيانة ذرة فى الميزان وكنظرة وخطوة وكذبة فانه يوشك ان يكون كثيرا عظيما للجرآءة على الله العظيم وكان الناس فى بدء الانسان يرون أن الله لا يؤآخذهم بالصغائر من الذنوب وكان بعضهم يستحيى من صدقة الشئ اليسير ويظن أنه ليس له اجرحتى نزلت الآية وفى الحديث اذا زلزلت تعدل ربع القرءآن رواه ابن ابى شيبة مرفوعا فتكون قرآءتها اربع مرات كقرآءة القرءآن كله وذلك لأن الايمان بالبعث ربع الايمان فى قوله عليه السلام حديث : لا يؤمن عبد حتى يؤمن باربع يشهد ان لا اله الا الله وانى رسول الله بعثنى الله بالحق ويؤمن بالبعث بعد الموت ويؤمن بالقدرتفسير : وفى بعض الآثار أن سورة الزلزله نصف القرءآن وذلك لأن احكام القرءآن تنقسم الى احكام الدنيا واحكام الآخرة وهذه السورة تشتمل على احكام الآخرة كلها اجمالا وروى أن جد الفرزدق بن صعصعة بن ناجية اتى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستقرئه يعنى كفت از آنجه برنو فرودمى آيد برمن بخوان. وفى كشف الاسرار صعصعه عم فرزدق بيش مصطفى آمد ومسلمان كشت واز رسول خدا در خواست تا از قآن جيزى بروى بخواند فقرأ عليه السلام عليه هذه الآية اى فمن يعمل الخ فقال حسبى حسبى وآشوبى وشورى از نهاد وى برآمد وبخاك افتاد وزار بكريست وهى احكم آية وسميت الجامعة وعن زيد بن اسلم رضى الله عنه ان رجلا جاء الى النبى عليه السلام فقال علمنى ما علمك الله فدفعه الى رجل يعلمه القرءآن فعلمه اذا زلزلت الارض حتى بلغ فمن يعمل الخ قال الرجل حسبى فاخبر بذلك النبى عليه السلام فقال حديث : دعه فقد فقه الرجلتفسير : جون كسى داندكه برذره وحبه محاسبه بايد كرد امروز بحساب خود مشغول شود شعر : حساب كارخود امروز كن كه فرصت هست زخير وشر بنكر تاجهاست حاصل تو اكر بنقد نكويى توانكرى خوش باش ورت بغير بدى نيست واى بردل تو تفسير : تمت سورة الزلزلة فى رابع جمادى الأولى.
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : الذَرَّة: النملة الصغيرة، وقيل: الذرة: ما يرى شعاع الشمس من الهباء المنثور في الهواء. أي: كلّ أحد إذا بُعثر ما في القُبور، وحصَّل ما في الصدور، يرى ما عمله في الدنيا من خير أو شرّ مْحضراً، ويصادف دقيق ذلك أو جليله مسطراً في ميزان عمله، وكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلاّ أحصاها، ووجدوا ما علموا حاضراً، ولا يظلم ربّك أحداً. وذلك الكتاب، إمّا صحيفة ذاته، أو صحيفة أعلى منها، فكلّ إنسان يكون بعد كشف غطائه ورفع حجابه وحِدّة بصره مبصراً لنتائج أعماله، ومشاهداً لآثار أفعاله، قارياً لصفحة كتابه، مطّلعاً على حساب حسناته وسيّئاته، قال الله سبحانه: {أية : وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً * ٱقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً} تفسير : [الإسراء:13 - 14]. فمن جملة أحوال القيامة نشر الصحائف، وتطاير الكتب، لأنّ صحائف الأعمال وكتب القلوب وألواح النفوس وأقلام العقول كلّها مكنونة ها هنا، مطويّة مستورة عن الأبصار في الدنيا، وهي بارزة منشورة يوم القيامة، مكشوفة على الأبصار. كما أنّ منشورات هذا العالم تصير مطويّة في الآخرة، لأنّ الأرواح منغمرة هنا في هذه الأجسام، وفي القيامة على عكس هذه الحال، فكلّما يدركه الإنسان هنا بحواسّه، ويعلمه بجوارحه وآلاته، يرتفع منه أثر إلى الروح، ويجتمع في صحيفة قلبه، ويختزن في خزانة معلوماته. كما قال سبحانه: {أية : هَـٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} تفسير : [الجاثية:29]. وهو كتاب منطو اليوم عن مشاهدة الأبصار والحواسّ، فإذا ارتفع الحجاب، وانكشف الغطاء، وزال غبار الطبيعة عن لوح النفس، وانجلى، يشاهد كلّ أحد في ذاته ما يغيب عن بصره في الحياة الدنيا مسطوراً مكشوفاً، فيطالع صحيفة ذاته، ويقرأ كتاب نفسه، وإذا حان وقت أن يقع بصره إلى وجه ذاته عند فراغه عن أشغال الحياة الدنيا، وما توردها الحواسّ والتفاته إلى صفحة باطنه ووجه قلبه، وهو المعبِّر عنه بقوله: {أية : وَإِذَا ٱلصُّحُفُ نُشِرَتْ} تفسير : [التكوير:10]. ومن كان في غفلة عن أحوال نفسه وروحه، يقول عند حضور ذاته لذاته، وكشف غطائه, وحِدّة بصره عند البعث، ومطالعة صفحة كتابه: {أية : مَالِ هَـٰذَا ٱلْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِراً} تفسير : [الكهف:49]. {أية : يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوۤءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَاً بَعِيداً} تفسير : [آل عمران:30]. وممّا يجب أن يُعلم، أنّ الإنسان إن كان الغالب عليه التصّورات العقليّة والتأمّلات القدسيّة، وفعل الخيرات والطاعات، فيكون كتابه في علّيين، وعلّيّون، هم الملائكة المقرّبون المرتفعون عن حضيض الأجرام: {أية : كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ ٱلأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَّرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ ٱلْمُقَرَّبُونَ} تفسير : [المطففين:18 - 21]. وإن كان الغالب عليه فعل الخيرات والحسنات، وسلامة الصدر عن الأمراض النفسانيّة - مبادي السيّئات - فهو من أصحاب اليمين، ويأتي كتابه من جانب اليمين {أية : فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً * وَيَنقَلِبُ إِلَىٰ أَهْلِهِ مَسْرُوراً} تفسير : [الإنشقاق:7 - 9]. وإن كان من الفجّار المنافقين، الذين قرؤوا كتاباً لمُكنة استعدادهم ودرسوه ثمّ لم يعملوا به لمرض قلوبهم، وأهملوه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمناً قليلاً - فبئس ما يشترون -، فيأتي كتابه من وراء ظهره {أية : وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً * وَيَصْلَىٰ سَعِيراً} تفسير : [الإنشقاق:10 - 12]. وإن كان من الجهّال والمردودين إلى أسفل السافلين، المجرمين المنكوسين فهو من أصحاب الشمال، ويأتي كتابه من الجهة السافلة، وعالَم النكال والوبال {أية : وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يٰلَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ} تفسير : [الحاقة:25 - 26]. فالطائفة الأولى: من أهل البرهان واليقين، وهم السابقون السابقون، أولئك المقرّبون، درجتهم في أعلى علّيين، وكتابهم في صحُف مكرّمة مرفوعة عن النَسخ والتغيير، لا يمَسُّه المطهَّرون عن أدناس الطبيعة {أية : بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ} تفسير : [البروج:21 - 22]. عن مسِّ الشياطين المضلِّين. وأمّا الثانية: فهم أهل السلامة {أية : فَسَلاَمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ} تفسير : [الواقعة:91] وحسن الظن بربّهم {أية : فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَآؤُمُ ٱقْرَؤُاْ كِتَابيَهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاَقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ} تفسير : [الحاقة:19 - 22]. وأمّا الثالثة: فهم أهل الشكّ والجحود والعداوة لأهل الله، والنفاق، وهم الذين يكذّبون بيوم الدين {أية : كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ * كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ} تفسير : [المطففين:14 - 15]. ولا كتاب للمنافق يوم القيامة، إذ كتابه هو الذي نبذه وراء ظهره واشترى به ثمناً قليلا، وإنّما قرينه الشيطان بتسويلاته وتخييلاته المضلّة، وأغاليطه الكاذبة {أية : وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} تفسير : [الزخرف:36]. فإذا كان يوم القيامة قيل له. خذ كتابك من وراء ظهرك، من الموضع الذي نبذته فيه في حياتك الدنيا {أية : قِيلَ ٱرْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ فَٱلْتَمِسُواْ نُوراً} تفسير : [الحديد:13]. فإنّه حين نبذه وراء ظهره {أية : إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ} تفسير : [الإنشقاق:14] أي جزم، كما قال الشاعر: شعر : فقلت لهم ظنّوا بألفي مدجج تفسير : أي: أجزموا -. وأمّا الرابعة: فهم أهل الجهل والظلمات، المحترقين بنار الشهوات، المختوم على قلوبهم وعلى سمعهم، وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم كما للمنافقين عذاب أليم، مرجعهم أسفل سافلين وكتابهم في سجّين {أية : إِنَّ كِتَابَ ٱلْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ * كِتَابٌ مَّرْقُومٌ} تفسير : [المطففين:7 - 9]. بالكلمات الباطلة والنقوش المعطّلة، صالح لللاحتراق بنار الجحيم، فإنّ أصل كّل سعادة هو العلم واليقين، ومادّة كلّ شقاوة هي الجهل بالله وبيوم الدين، والنفوس الساذجة بمنزلة قرطاس خالية عن ذكر الحسنات والسيئّات، فإذا انتقشت بالعلوم والحكمة والأدب، صلحت لأن تكون خزانة أسرار الملك، وإذا انتقشت هي بعينها بالكلمات الواهية المعطّلة المزخرفة، لم تصلح إلاّ للإحتراق بالنّار والانمحاق. حكمة قرآنية: إعلم أنّ القول والفعل ما دامت حقيقتهما في أكوان الأصوات والحركات، فلا حظَّ لها من البقاء والثبات، فإذا تكوّنت بالوجود الكتبي، حصلت لها مرتبة من البقاء والثبات، وكذا كلّ من فعَل فِعلاً وتكلّم بكلام حصل منه أثر في نفسه وحال تبقى زماناً، وإذا تكرّرت الآثار في النفس فصارت الأحوال مَلَكات تصدر بسببها الأفعال بسهولة من غير رويّة وقصد وحاجة إلى تجشّم اكتساب ومزيد اعتمال، فالحال والمَلَكة في عالم النفس، بإزاء التكلّم والكتابة في عالم البدن، ومن هذا النمط تستنبط الصنايع وتتعلّم المكاسب العلميّة والعمليّة. ولو لم يكن للآثار الحاصلة في النفس من الأعمال والأقوال دوام وثبات وقوّة واشتداد يوماً فيوماً، إلى حدّ تصير ملكة راسخة، لم يكن لأحد تعلّم شيء من الصنايع والحِرَف، ولم ينجع فيه التأديب والتهذيب، ولم يكن في تأديب الأطفال وتمرينهم فائدة، ولا لهم تفاوت من أوّل الحداثة إلى آخر حدّ الكمال، وتكون التكاليف الشرعية عبثاً لا فائدة فيها في العاقبة. فعلم أنّ الآثار الحاصلة من الأحوال والأقوال في القلوب والأرواح، بمنزلة النقوش الكتابيّة في الألواح {أية : أُوْلَـٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ} تفسير : [المجادلة:22]. وتلك الألواح النفسيّة يقال بها: "صحائف الأعمال" وتلك الصور والنقوش الكتابيّة تحتاج في حصولها إلى مصوّر وكاتب، لأنّها ممكنة معلولة، والمعلول لاينفك عن علّته القريبة، فالمصوِّرون والكُتّاب - كتابة غائبة عن هذه الأبصار - هم الكرام الكاتبون المرتفعون عن الوقوع في نقائص هذا العالم، الغائبون عن إدراك حواسّ الناس إلاّ أهل الله، وهم ضَرْب من الملائكة المتعلّقة بأعمال العباد وأقوالهم{أية : مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}تفسير : [ق:18]. وإنّهم طائفتان: إحداهما: ملائكة اليمين، وهم الذين يكتبون أعمال أصحاب اليمين، والأخرى: ملائكة الشمال، وهم الذين يكتبون أعمال أصحاب الشمال {أية : إِذْ يَتَلَقَّى ٱلْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٌ} تفسير : [ق:17]. وفي الحديث: "من قال: حديث : "سبحان الله العظيم" غرست له نخلة في الجنّة . تفسير : وفي الخبر: حديث : إنّ من عمل حسنة كذا، يخلق الله منه مَلَكاً يثاب به، ومن عمل سيئّة كذا، يخلق الله منها شيطاناً يعذّب به . تفسير : قال الله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ} تفسير : [فصلت:30] إلى قوله: {أية : نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَفِي ٱلآخِرَةِ} تفسير : [فصلت:31]. وفي الطرف الآخر قوله: {أية : هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَىٰ مَن تَنَزَّلُ ٱلشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَىٰ كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ} تفسير : [الشعراء:221 - 222]. وكذلك قوله: {أية : وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} تفسير : [الزخرف:36]. واعلم أنّ هذا المبدأ الداعي للنفوس إلى الخير أو الشرّ، هو المسمّى عند الحكماء باسم المَلَكة، وعلى لسان الشريعة باسم المَلَك والشيطان، أحدهما المُلْهم للخير، والآخر المُلهِم للشرّ. ولو لم يكن لتلك المَلَكات من البقاء والثبات ما يبقى أبد الآباد، لم يكن لخلود أهل الطاعات في النعيم وأهل المعاصي في الجحيم وجه- كما أشرنا إليه -، فإنّ منشأ الثواب أو العقاب على وجه الاستيجاب، لو كان نفس العمل والقول - وهما زائلان -، فكيف يتصوّر بقاء المعلول مع زوال السبب الموجب؟ وكيف يكون الفعل الجسماني الواقع في زمان معيّن قليل المقدار، باعثاً للجزاء السرمدي؟ ومثل هذه المجازاة لا تليق بالحكيم وقد قال: {أية : وَمَآ أَنَاْ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} تفسير : [ق:29]. وقال: {أية : لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱلَّلغْوِ فِيۤ أَيْمَانِكُمْ وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} تفسير : [البقرة:225]. ولكن إنّما يخلد أهل الجنّة في الجنّة وأهل النار في النار بالثبات والدوام الحصلين للأخلاق والمَلَكات. وفي كلام بعض أوائل الحكماء، أنّه ستعارض لك في أقوالك وأفعالك وأفكارك، وسيظهر لك من من كلّ حركة قوليّة أو فعليّة إلى آخره، ومنشأ ذلك، أنّ موادّ الصور الأخرويّة هي التصورّات الباطنة والتأويلات الفكريّة والأفكار. وفي الحديث: حديث : إنّ الجنة قاع صفصَف، وإنّ غراسها "سُبْحَانَ الله" . تفسير : فالإنسان إذا انطقع وانكشف عنه الغطاء، وتجرّد عن غشاوة الطبيعة، كان الغيب له شهادة، والعلم عيناً، والخبر معاينةً.
الجنابذي
تفسير : {فَمَن يَعْمَلْ} من المؤمنين {مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} اى مقدار ذرّةٍ {خَيْراً يَرَهُ} يعنى لا يعزب عن نظر المؤمنين شيءٌ يسيرٌ من اعماله ويرى اعماله بصورها وبجزائها، وامّا شرور المؤمن فامّا ممحوّة او مغفورة او مبدلة، فلا يراها، او المعنى فمن يعمل من المؤمن والكافر مثقال ذرّةٍ خيراً يره لكنّ المؤمن يراه فى ميزان نفسه والكافر يراه فى ميزان المؤمن، فيزداد تحسّره.
اطفيش
تفسير : {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ} زنة *{ذَرَّةٍ} نملة صغيرة تزن حبة الشعير مائة من جنسها وقيل الذرة الحبة مما يرى في شعاع الشمس وقيل مما يلصق باليد من الأرض *{خَيْراً} تمييز *{يَرَهُ} في كتابه فيجازى عليه أو يرى جزاءه.
الالوسي
تفسير : تفصيل {أية : لِّيُرَوْاْ}تفسير : [الزلزلة: 6] والذرة نملة صغيرة حمراء رقيقة ويقال إنها تجري إذا مضى لها حول وهي علم في القلة / قال امرؤ القيس:شعر : من القاصرات الطرف لو دب محول من الذر فوق الأتب منها لأثرا تفسير : وقيل الذر ما يرى في شعاع الشمس من الهباء وأخرج هناد عن ابن عباس أنه أدخل يده في التراب ثم رفعها ثم نفخ فيها وقال كل واحدة من هؤلاء مثقال ذرة وانتصاب {خَيْراً} و{شَرّاً} على التمييز لأن {مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} مقدار وقيل على البدلية من {مِثْقَالَ}. والظاهر أن (مَنْ) في الموضعين عامة للمؤمن والكافر وأن المراد من رؤية ما يعادل مثقال ذرة من خير أو شر مشاهدة جزائه بأن يحصل له ذلك. واستشكل بأن ذلك يقتضي إثابة الكافر بحسناته وما يفعله من الخير مع أنهم قالوا أعمال الكفرة محبطة وادعى في «شرح المقاصد» الإجماع على ذلك كيف وقد قال سبحانه {أية : وَقَدِمْنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً}تفسير : [الفرقان: 23] وقال عز وجل: {أية : أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي ٱلأَخِرَةِ إِلاَّ ٱلنَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}تفسير : [هود: 16] وقال تعالى: {أية : مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ}تفسير : [إبراهيم: 18] الآية وكون خيرهم الذي يرونه تخفيف العذاب يدفعه قوله تعالى: {أية : فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ }تفسير : [البقرة: 86] وقوله سبحانه: {أية : زِدْنَـٰهُمْ عَذَابًا فَوْقَ ٱلْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ}تفسير : [النحل: 88] ويقتضي أيضاً عقاب المؤمن بصغائره إذا اجتنب الكبائر مع أنهم قالوا إنها مكفرة حينئذٍ لقوله تعالى: {أية : إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ}تفسير : [النساء: 31] وقول ابن المنير: ((إن الاجتناب لا يوجب التكفير عند الجماعة بل التوبة أو مشيئة الله تعالى)) ليس بشيء لأن التوبة والاجتناب سواء في حكم النص ومشيئة الله تعالى هي السبب الأصيل فالتزم بعضهم كون المراد بمَنْ الأولى السعداء وبمَنْ الثانية الأشقياء بناءً على أن {فَمَن يَعْمَلْ} الخ تفصيل ليصدر الناس أشتاتاً وكان مفسراً بما حاصله فريق في الجنة وفريق في السعير فالمناسب أن يرجع كل فقرة إلى فرقة لتطابق المفصل المجمل ولأن الظاهر قوله سبحانه: {فَمَن يَعْمَلْ } و{مَن يَعْمَلْ} بتكرير أداة الشرط يقتضي التغاير بين العاملين. وقال آخرون بالعموم إلا أن منهم من قال في الكلام قيد مقدر ترك لظهوره والعلم به من آيات أخر فالتقدير فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره إن لم يحبط ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره إن لم يكفر ومنهم من جعل الرؤية أعم مما تكون في الدنيا وما تكون في الآخرة فالكافر يرى جزاء خيره في الدنيا وجزاء شره في الآخرة والمؤمن يرى جزاء شره في الدنيا وجزاء خيره في الآخرة فقد روى البغوي وابن جرير وابن المنذر وغيرهم عن محمد بن كعب القرظي أنه قال: فمن يعمل مثال ذرة من خير وهو كافر فإنه يرى ثواب ذلك في الدنيا في نفسه وأهله وماله حتى يبلغ الآخرة وليس له فيها خير ومن يعمل مثقال ذرة من شر وهو مؤمن كوفىء ذلك في الدنيا في نفسه وأهله وماله حتى يبلغ الآخرة وليس عليه فيها شر. وأخرج الطبراني في «الأوسط» والبيهقي في «الشعب» وابن أبـي حاتم وجماعة عن أنس قال حديث : بينما أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه يأكل مع النبـي صلى الله عليه وسلم إذ نزلت عليه: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} الآية فرفع أبو بكر يده وقال يا رسول الله إني لراء ما عملت من مثقال ذرة من شر فقال عليه الصلاة والسلام يا أبا بكر أرأيت ما ترى في الدنيا مما تكره فبمثاقيل ذر الشر ويدخر لك مثاقيل ذر الخير حتى توفاه يوم القيامةتفسير : وفي رواية ابن مردويه ((حديث : عن أبـي أيوب أنه صلى الله عليه وسلم قال له إذ رفع يده من عمل منكم خيراً فجزاؤه في الآخرة ومن عمل منكم شراً يره في الدنيا مصيبات وأمراضاً ومن يكن فيه مثقال ذرة من خير دخل الجنة))تفسير : . ومنهم من قال المراد من رؤية ما يعادل ذلك من الخير والشر مشاهدة نفسه عن غير أن يعتبر معه الجزاء ولا عدمه بل يفوض كل منهما إلى سائر الدلائل الناطقة بعفو صغائر المؤمن المجتنب عن الكبائر وإثابته بجميع حسناته وبحبوط حسنات الكافر ومعاقبته بجميع معاصيه وبه يشعر ما أخرج ابن جرير وابن المنذر والبيهقي في «البعث» عن ابن عباس من قوله في الآية ليس مؤمن ولا كافر عمل خيراً وشراً في / الدنيا إلا أراه الله تعالى إياه فأما المؤمن فيرى حسناته وسيئاته فيغفر له من سيئاته ويثيبه بحسناته وأما الكافر فيريه حسناته وسيئاته فيرد حسناته ويعذبه بسيئاته، واختار هذا الطيبـي فقال إنه يساعده النظم والمعنى والأسلوب أما النظم فإن قوله تعالى: {فَمَن يَعْمَلْ} الخ تفصيل لما عقب به من قوله سبحانه: {أية : يَصْدُرُ ٱلنَّاسُ أَشْتَاتاً لّيُرَوْاْ أَعْمَـٰلَهُمْ }تفسير : [الزلزلة: 6] فيجب التوافق والأعمال جمع مضاف يفيد الشمول والاستغراق و{يَصْدُرُ ٱلنَّاسُ} مفيد بقول عز وجل: {أَشْتَاتاً } فيفيد أنهم على طرائق شتى للنزول في منازلهم من الجنة والنار بحسب أعمالهم المختلفة ومن ثم كانت الجنة ذات درجات والنار ذات دركات وأما المعنى فإنها وردت لبيان الاستقصاء في عرض الأعمال والجزاء عليها كقوله تعالى: {أية : وَنَضَعُ ٱلْمَوٰزِينَ ٱلْقِسْطَ لِيَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ }تفسير : [الأنبياء: 47] وأما الأسلوب فإنها من الجوامع الحاوية لفوائد الدين أصلاً وفرعاً روينا عن البخاري ومسلم عن أبـي هريرة حديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحمر - أي عن صدقتها - قال لم ينزل عليَّ فيها شيء إلا هذه الآية الجامعة الفاذةتفسير : أي المتفردة في معناها فتلاها عليه الصلاة والسلام وروى الإمام أحمد عن صعصعة بن معاوية عم الفرزدق أنه أتى النبـي صلى الله عليه وسلم فقرأ عليه الآية فقال حسبـي لا أبالي أن لا أسمع من القرآن غيرها انتهى. وأقول الظاهر عموم (مَنْ) وكون المراد رؤية الجزاء كما تقدم وكذا الظاهر كون ذلك في الآخرة ولا إشكال وذلك لأن الفقرة الأولى وعد والثانية وعيد ومذهبنا أن الوعد لازم الوقوع تفضلاً وكرماً والوعيد ليس كذلك فيفوض أمر الشر في الثانية على الدلائل وهي ناطقة بأنه إن كان كفراً لا يغفر وإن كان صغيرة من مؤمن مجتنب الكبائر يكفر وإن كان كبيرة من مؤمن أو صغيرة منه وهو غير مجتنب الكبائر فَتَحْتَ المشيئة وخبرا أنس وأبـي أيوب السابقان لا يأبيان ذلك بعد التأمل ولا يبعد فيما أرى أن يكون ما عدا الكفر من الكافر كذلك وأما أمر الخير فباق على ما يقتضيه الظاهر وهو بالنسبة إلى المؤمن ظاهر وأما بالنسبة إلى الكافر فتخفيف العذاب للأحاديث الصحيحة فقد ورد أن حاتماً يخفف الله تعالى عنه لكرمه وأن أبا لهب كذلك لسروره بولادة النبـي صلى الله عليه وسلم وإعتاقه لجاريته ثويبة حين بشرته بذلك والحديث في تخفيف عذاب أبـي طالب مشهور وما يدل على عدم تخفيف العذاب فالعذاب فيه محمول على عذاب الكفر بحسب مراتبه فهو الذي لا يخفف والعذاب الذي دلت الأخبار على تخفيفه غير ذلك ومعنى إحباط أعمال الكفار أنها لا تنجيهم من العذاب المخلد كأعمال غيرهم وهو معنى كونها سراباً وهباءً ودعوى الإجماع على إحباطها بالكلية غير تامة كيف وهم مخاطبون بالتكاليف في المعاملات والجنايات اتفاقاً والخلاف إنما هو في خطابهم في غيرها من الفروع ولا شك أنه لا معنى للخطاب بها إلا عقاب تاركها وثواب فاعلها وأقله التخفيف وإلى هذا ذهب العلامة شهاب الدين الخفاجي عليه الرحمة ثم قال ((وما في «التبصرة» و«شرح المشارق» و«تفسير الثعلبـي» من أن أعمال الكفرة الحسنة التي لا يشترط فيها الإيمان كإنجاء الغريق وإطفاء الحريق وإطعام ابن السبيل يجزون عليها في الدنيا ولا تدخر لهم في الآخرة كالمؤمنين بالإجماع للتصريح به في الأحاديث فإن عمل أحدهم في كفره حسنات ثم أسلم اختلف فيه هل يثاب عليها في الآخرة أم لا؟ بناءً على أن اشتراط الإيمان في الاعتداد بالأعمال وعدم إحباطها هل هو بمعنى وجود الإيمان عند العمل أو وجوده ولو بعد لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث حديث : أسلمت على ما سلف لك من خيرتفسير : غير مسلم ودعوى الإجماع فيه غير صحيحة لأن كون وقوع جزائهم في الدنيا دون الآخرة كالمؤمنين مذهب لبعضهم وذهب آخرون إلى الجزاء بالتخفيف وقال الكرماني: إن التخفيف واقع لكنه ليس بسبب عملهم بل لأمر آخر كشفاعة النبـي صلى الله عليه وسلم ورجائه ومنه ما يكون / لأبـي لهب كما قال الزركشي)) انتهى ولقائل أن يقول إن الشفاعة من آثار عمل المشفوع الخير أيضاً فتأمل. وسبب نزول الآية على ما أخرج ابن أبـي حاتم عن سعيد بن جبير أنه لما نزل {أية : وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ}تفسير : [الإنسان: 8] كان المسلمون يرون أنهم لا يؤجرون على الشيء القليل إذا أعطوه فيجىء المسكين إلى أبوابهم فيستقلون أن يعطوه التمرة والبسرة فيردونه ويقولون ما هذا بشيء إنما نؤجر على ما نعطي ونحن نحبه وكان آخرون يرون أنهم لا يلامون على الذنب اليسير الكذبة والنظرة والغيبة وأشباه ذلك ويقولون إنما وعد الله تعالى النار على الكبائر فنزلت الآية ترغبهم في القليل من الخير أن يعملوه وتحذرهم اليسير من الشر أن يعملوه وفيها من دلالة الخطاب ما لا يخفى وقد كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم بعدها يتصدقون بما قل وكثر فقد روي أن عائشة رضي الله تعالى عنها بعث إليها ابن الزبير بمائة ألف وثمانين ألف درهم في غرارتين فدعت بطبق وجعلت تقسمها بين الناس فلما أمست قالت لجاريتها هلمي وكانت صائمة فجاءت بخبز وزيت فقالت ما أمسكت لنا درهماً نشتري به لحماً نفطر عليه فقالت لو ذكرتيني لفعلت وجاء في عدة روايات أنها أعطت سائلاً يوماً حبة من عنب فقيل لها في ذلك فقالت هذه أثقل من ذر كثير ثم قرأت الآية وروي نحو هذا عن عمر وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن مالك رضي الله تعالى عنهم وكان غرضهم تعليم الناس أنه لا بأس بالتصدق بالقليل ولهم بذلك أسوة برسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أخرج الزجاجي في «أماليه» حديث : عن أنس بن مالك أن سائلاً أتى النبـي صلى الله عليه وسلم فأعطاه تمرة فقال السائل نبـي من الأنبياء يتصدق بتمرة فقال عليه الصلاة والسلام أما علمت فيها مثاقيل ذر كثيرةتفسير : وجاء أنه عليه الصلاة والسلام قال ((حديث : اتقوا النار ولو بشق ثمرة))تفسير : ثم قرأ الآية. وتقديم عمل الخير لأنه أشرف القسمين والمقصود بالأصالة لا يخفى حسن موقعه ويعلم منه أن هذا الإحصاء لا ينافي كرمه عز وجل المطلق وما يحكى من أن أعرابياً أخر {خَيْراً يَرَهُ} فقيل له قدمت وأخرت فقال:شعر : خُذَا بَطْنَ هَرْشَى أَوْ قَفَاهَا فإنه كلا جَانِبَـيْ هَرْشَى لهن طريق تفسير : فغفلة عن اللطائف القرآنية أو لعله أراد أنه فيما يتعلق بالعمل لا بأس به قدم أو أخر لا أن القراءة به جائزة. وقرأ الحسين بن علي على جده وعليهما الصلاة والسلام وابن عباس رضي الله تعالى عنهما وعبد الله بن مسلم وزيد بن علي وأبو حيوة والكلبـي وخليد بن نشيط وأبان عن عاصم والكسائي في رواية حميد بن الربيع عنه (يُرَه) بضم الياء في الموضعين وقرأ هشام وأبو بكر (يره) بسكون الهاء فيهما وأبو عمرو بضمها مشبعة وباقي السبعة بالإشباع في الأول والسكون في الثاني والإسكان في الوصل لغة حكاها الأخفش ولم يحكها سيبويه وحكاها الكسائي أيضاً عن بني كلاب وبني عقيل وقرأ عكرمة (يراه) بالألف فيهما وذلك على لغة من يرى الجزم بحذف الحركة المقدرة على حرف العلة كما حكى الأخفش أو على ما يقال في غير القرآن من توهم أن (من) موصولة لا شرطية كما قيل في قوله تعالى: {أية : إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَِصْبِرْ}تفسير : [يوسف: 90] في قراءة من أثبت ياء (يتق) وجزم (يصبر) وجوز أن تكون الألف للإشباع والوجه الأول أولى والله تعالى أعلم.
ابن عاشور
تفسير : تفريع على قوله: { أية : ليروا أعمالهم } تفسير : [الزلزلة: 6] تفريع الفذلكة، انتقالاً للترغيب والترهيب بعد الفراغ من إثبات البعث والجزاء، والتفريعُ قاض بأن هذا يكون عقب ما يصدر الناس أشتاتاً. والمثقال: ما يعرف به ثِقَل الشيء، وهو ما يُقَدَّر به الوزن وهو كميزانٍ زِنةً ومعْنًى. والذّرة: النملة الصغيرة في ابتداء حياتها. و{مثقال ذرة} مثَل في أقل القلة وذلك للمؤمنين ظاهر وبالنسبة إلى الكافرين فالمقصود ما عملوا من شر، وأما بالنسبة إلى أعمالهم من الخير فهي كالعدم فلا توصف بخير عند الله لأن عمل الخير مشروط بالإِيمان قال تعالى: { أية : والذين كفروا أعمالهم كسراب بِقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً } تفسير : [النور: 39]. وإنما أعيد قوله: {ومن يعمل} دون الاكتفاء بحرف العطف لتكون كل جملة مستقلة الدلالة على المراد لتختص كل جملة بغرضها من الترغيب أو الترهيب فأهمية ذلك تقتضي التصريح والإِطناب. وهذه الآية معدودة من جوامع الكلم وقد وصفها النبي صلى الله عليه وسلم بالجامعة الفاذة ففي «الموطأ» أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:حديث : «الخيلُ لثلاثة» الحديث. فسُئل عن الحُمُر فقال: لم يُنْزَل عَليَّ فيها إلا هذه الآية الجامعة الفاذَّة: {فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره}تفسير : . وعن عبد الله بن مسعود أنه قال: هذه أحكم آية في القرآن، وقال الحسن: قَدِم صعصعة بن ناجية جد الفرزدق على النبي صلى الله عليه وسلم يستقرىء النبي القرآن فقرأ عليه هذه الآية فقال صَعصعة: حسبي فقد انتهت الموعظة لا أبالي أن لا أسمع من القرآن غيرها. وقال كعب الأحبار: «لقد أنزل الله على محمد آيتين أحصتا ما في التوراة والإِنجيل والزبور والصحف: {فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره. وإذ قد كان الكلام مسوقاً للترغيب والترهيب معاً أوثر جانب الترغيب بالتقديم في التقسيم تنويهاً بأهل الخير. وفي الكشاف: يحكى أن أعرابياً أخَّر خيراً يَرَه فقيل قدّمت وأخَّرت فقال: شعر : خُذا بطن هَرشَى أو قَفَاها فإنه كلا جانبيْ هَرشَى لهن طريق ا هــــ تفسير : وقد غفل هذا الأعرابي عن بلاغة الآية المقتضية التنويه بأهل الخير. روى الواحدي عن مقاتل: أن هذه الآية نزلت في رجلين كانا بالمدينة أحدهما لا يبالي من الذنوب الصغائر ويركبها، والآخر يحب أن يتصدق فلا يجد إلا اليسير فيستحيي من أن يتصدق به فنزلت الآية فيهما. ومن أجل هذه الرواية قال جمع: إن السورة مدنية. ولو صحّ هذا الخبر لما كان مقتضياً أن السورة مدنية لأنهم كانوا إذا تلوا آية من القرآن شاهداً يظنها بعض السامعين نزلت في تلك القصة كما بيناه في المقدمة الخامسة.
الشنقيطي
تفسير : في هاتين الآيتين مبحثان أحدهما في معنى من لعمومه، والآخر في صيغة يعمل. أما الأول فهو مطروق في جميع كتب التفسير على حد قولهم: من للعموم المسلم والكافر، مع أن الكافر لا يرى من عمل الخير شيئاً، لقوله تعالى: {أية : وَقَدِمْنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً} تفسير : [الفرقان: 23]، وفي حق المسلم، قد لا يرى كل ما عمل من شر، لقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ} تفسير : [النساء: 48]. وقد بحث الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه هذه المسألة بتوسع في دفع إيهام الاضطراب بما يغني عن إيراده. أما المبحث الثاني فلم أر من تناوله بالبحث، وهو في صيغة يعمل، لأنها صيغة مضارع، وهي للحال والاستقبال. والمقام في هذا السياق {أية : يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ ٱلنَّاسُ أَشْتَاتاً} تفسير : [الزلزلة: 6]، وهو يوم البعث، وليس هناك مجال للعمل، وكان مقتضى السياق أن يقال: فمن عمل مثقال ذرة خيراً يره. ولكن الصيغة هنا صيغة مضارع، والمقام ليس مقام عمل، ولكن في السياق ما يدل على أن المراد بعمل مثقال ذرة أي من الصنفين ما كان من قبل ذلك، لقوله تعالى {أية : يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ ٱلنَّاسُ أَشْتَاتاً لِّيُرَوْاْ أَعْمَالَهُمْ} تفسير : [الزلزلة: 6]، فهم إنما يروا في ذلك اليوم أعمالهم التي عملوها من قبل، فتكون صيغة المضارع هنا من باب الالتفات، حيث كان السياق أولاً من أول السورة في معرض الإخبار عن المستقبل: إذا زلزلت الأرض زلزالها، وإذا أخرجت الأرض أثقالها، وإذا قال الإنسان ما لها. في ذلك اليوم الآتي تحدث أخبارها، وفي ذلك اليوم يصدر الناس أشتاتاً ليروا أعمالهم التي عملوها من قبل كما في قوله: {أية : يَوْمَ يَنظُرُ ٱلْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ} تفسير : [النبأ: 40]، وقوله: {أية : وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِراً} تفسير : [الكهف: 49]. ثم جاء الالتفات بمخاطبتهم على سبيل التنبيه والتحذير، فمن يعمل الآن في الدنيا مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل الآن في الدنيا مثقال ذرة شراً يره في الآخرة، ومثال الذرة: قيل: هي النملة الصغيرة، لقول الشاعر: شعر : من القاصرات الطرف لو دب محول من الذر فوق الإتب منها لأثرا تفسير : والإتب: قال في القاموس: الإتب بالكسر، والمئتبة كمكنسة برد يشق، فتلبسه المرأة من غير جيب ولا كمين، وقيل: هي الهباء التي ترى في أشعة الشمس، وكلاهما مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما. وسيأتي زيادة إيضاح لكيفية الوزن في سورة القارعة إن شاء الله. ولعل ذكر الذرة هنا على سبيل المثال لمعرفتهم لصغرها، لأنه تعالى عمم العمل في قوله: {أية : يَوْمَ يَنظُرُ ٱلْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ} تفسير : [النبأ: 40]، أيا كان هو مثقال ذرة أو مثاقيل القناطير، وقد جاء النص صريحاً بذلك في قوله تعالى: {أية : وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذٰلِكَ وَلاۤ أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} تفسير : [يونس: 61]. وهنا تنبيهان: الأول من ناحية الأصول، وهو أن النص على مثقال الذرة من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى، فلا يمنع رؤية مثاقيل الجبال، بل هي أولى وأحرى. وهذا عند الأصوليين ما يسمى الإلحاق بنفي الفارق، وقد يكون المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق به، وقد يكون مساوياً له، فمن الأول هذه الآية وقوله: {أية : فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا} تفسير : [الإسراء: 23]، ومن المساوي قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلْيَتَامَىٰ ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً} تفسير : [النساء: 10]، فإن إحراق ماله وإغراقه ملحق بأكله، بنفي الفارق وهو مساوٍ لأكله في عموم الإتلاف عليه، وهو عند الشافعي ما يسمى القياس في معنى الأصل، أي النص. التنبيه الثاني في قوله تعالى: {أية : وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذٰلِكَ} تفسير : [يونس: 61]. رد على بعض المتكلمين في العصر الحاضر، والمسمى بعصر الذرة، إذ قالوا: لقد اعتبر القرآن الذرة أصغر شيء، وأنها لا تقبل التقسيم، كما يقول المناطقة: إنها الجوهر الفرد، الذي لا يقبل الانقسام. وجاء العلم الحديث، ففتنت الذرة وجعل لها أجزاء. ووجه الرد على تلك المقالة الجديدة، على آيات من كتاب الله هو النص الصريح من مثقال ذرة ولا أصغر من ذلك إلا في كتاب. فمعلوم ذلك عند الله ومثبت في كتاب ما هو أصغر من الذرة، ولا حد لهذا الأصغر بأي نسبة كانت، فهو شامل لتفجير الذرة ولأجزائها مهما صغرت تلك الأجزاء. سبحانك ما أعظم شأنك، وأعظم كتابك، وصدق الله إذ يقول: {أية : مَّا فَرَّطْنَا فِي ٱلكِتَابِ مِن شَيْءٍ} تفسير : [الأنعام: 38].
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 7- فمن يعمل زنة ذرة من التراب خيراً. يره فى صحيفته ويلق جزاءه عليه. 8- ومن يعمل زنة ذرة من التراب شراً. يره كذلك، ويلق جزاءه ولا يظلم ربك أحداً.
د. أسعد حومد
تفسير : (7) - فَمَنْ عَمِلَ عَمَلَ خَيْرٍ فَإِنَّهُ سَيَجِدُ ثَوَابَهُ مَهْمَا كَانَ حَقِيراً، حَتَّى وَلَوْ كَانَ فِي وَزْنِ الذَّرَّةِ. وَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم (حديث : لاَ تَحْقِرَنَّ مِنَ المَعْرُوفِ شَيْئاً وَلَو أَنْ تُفْرِغَ مِنْ دَلْوِكَ فِي إِنَاءِ المُسْتَسقِي)تفسير : . وَقَالَ أَيْضاً: (حديث : اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ)تفسير : . (أَخْرَجَهُمَا البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ). مِثْقَالَ ذَرَّةٍ - مِثْلَ وَزْنِ الذَّرَّةِ.
الثعلبي
تفسير : {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ} أي يُرى ثوابه {وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ}. قال ابن عباس: ليس مؤمن ولا كافر عمل خيراً ولا شراً في الدنيا إلاّ أراه اللّه إياه، أما المؤمن فيرى حسناته وسيّئاته، فيغفر له سيئاته ويثيبه لحسناته، وأما الكافر فتردُ حسناته ويعذبه بسيّئاته. وقال محمد بن كعب في هذه الآية: فمن يعمل مثقال ذرة خيراً من كافر يرى ثوابه في نفسه وأهله وماله وولده حتى يخرج من الدنيا وليس له عند اللّه خير، ومن يعمل مثقال ذرة شرّاً من مؤمن يرى عقوبته في الدنيا في نفسه وأهله وماله وولده حتى يخرج من الدنيا، وليس له عند اللّه شر. ودليل هذا التأويل ما أخبرنا عقيل أنّ أبا الفرج أخبرهم عن ابن جرير قال: حدّثني أبو الخطاب الجنائي قال: حدّثنا الهيثم بن الربيع قال: حدّثنا سماك بن عطية عن أيوب عن أبي قُلابة عن أنس قال: حديث : كان أبو بكر يأكل مع النبي (عليه السلام) فنزلت هذه الآية: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ} فرفع أبو بكر - رضي اللّه عنه - يده وقال: يا رسول اللّه أنّى أخبر بما عملت من مثقال ذرة من شر؟ فقال: "يا أبا بكر ما رأيت في الدنيا مما تكره فبمثاقيل ذرّ الشرّ، ويدّخر اللّه لك مثاقيل ذر الخير حتى تُوفّاه يوم القيامة ". تفسير : له عن محمد بن جرير قال: حدّثني يونس بن عبد الأعلى قال: أخبرنا بن وهب قال: حدّثني حُيي بن عبد اللّه عن أبي عبد الرحمن الجيلي عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص أنه قال: حديث : نزلت {إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلأَرْضُ زِلْزَالَهَا} وأبو بكر الصديق رضي اللّه عنه قاعد فبكى حين أُنزلت، فقال له رسول اللّه (عليه السلام): "ما يبكيك يا أبا بكر؟ " قال: أبكتني هذه السورة، فقال له رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): "واللّه لو أنكم لا تُخطِئُونَ ولا تُذْنِبونَ ويغفر اللّه لكم لخلق اللّه أُمّةً يخطئون ويذنبون فيغفر لهم ". تفسير : وقراءة العامّة يره بفتح الياء في الحرفين، وقرأ خالد بن نشيط وعاصم الجحدري بضم اليائين لقوله: {لِّيُرَوْاْ}. قال مقاتل: نزلت هذه الآية في رجلين وذلك أنه لما نزل {أية : وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ} تفسير : [الدهر: 8] كان أحدهما يأتيه السائل فيستقلّ أن يعطيه التمرة والكسرة والجوزة ونحوها ويقول: ما هذا بشيء إنّما نُؤجر على ما نعطي ونحن نحبه يقول اللّه سبحانه: {أية : وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ} تفسير : [الدهر: 8] فما أحب لنا هذا فردهُ غفران، وكان الآخر يتهاون بالذنب اليسير، الكذبة والغيبة والنظرة وأشباه ذلك ويقول: ليس عليَّ من هذا شيء إنّما وعد اللّه سبحانه النار على الكبائر، وليس في هذا إثم، فأنزل اللّه سبحانه يرغّبهم في القليل من الخير أن يعطوه، فإنّه يوشك أن يكثر، ويحذّرهم اليسير من الذنب فإنّه يوشك أن يكبر، فالإثم الصغير في عين صاحبه يوم القيامة أعلى من الجبال، وجميع محاسنه أقل في عينه من كل شيء فقال: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ}. سُئل ثعلبة عن الذرّة قال: إن مائة مثل وزن حبّة والذرّة واحد منها. وقال يزيد بن [مروان]: زعموا أن الذرّة ليس لها وزن، ومعنى المثقال الوزن، وهو مفعال من الثقل، وقال ابن مسعود: أحكم آية في القرآن {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ} وكان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يسمّيها "الجامعة الفاذة"، وتصدق سعد بن أبي وقّاص بتمرتين وقبض السائل يده فقال سعد: ويحك تقبل اللّه منّا مثقال الذرّة والخردلة وكأين في هذه من مثاقيل. وتصدّق عمر بن الخطّاب وعائشة بحبة من عنب وقالا فيها مثاقيل ذرّ كُثر. وروى المطّلب بن [عبد الله عن عائشة] حديث : أن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قرأ في مجلس ومعهم أعرابي جالس فقال رسول اللّه (عليه السلام): "{فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ}" فقال الأعرابي: يا رسول اللّه مثقال ذرّة؟ قال له: "نعم"، فقال الأعرابي: يا رسول اللّه مثقال ذرّة؟ قال له "نعم"، فقال الأعرابي: واسوأتاه منّا إذاً، ثم قام وهو يقولها فقال رسول اللّه (عليه السلام): "لقد دخل قلب الأعرابي الإيمان ". تفسير : وأخبرنا عبد اللّه بن حاطب قال: أخبرنا محمد بن عامر السمرقندي قال: حدّثنا عمر بن يحيى قال: حدّثنا عبد بن حميد عن وهب بن جرير عن أبيه قال: سمعت الحسن يقول: "حديث : قدم صعصعة عمّ الفرزدق على النبي (عليه السلام) فلمّا سمع {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ} قال: حسبي ما أبالي ولا أسمع من القرآن غير هذا ". تفسير : وقال الربيع بن صبيح: مرّ رجل بالحسن وهو يقرأ هذه السورة، فلمّا بلغ آخرها قال: "حسبي قد أتممت الموعظة" فقال الحسن: "لقد فقه الرجل". أنشدنا أبو القاسم الحسن بن محمد المفسّر قال: أنشدني أبو الفضل أحمد بن محمد بن حمدون الفقيه قال: أنشدني أبو بكر أحمد بن محمد بن إبراهيم الحواربي بواسط: شعر : إنّ من يعتدي ويكسب إثماً وزن مثقال ذرّة سيراه ويجازى بفعله الشر شرّاً وبفعل الجميل أيضاً جزاه هكذا قوله تبارك ربّي في إذا زلزلت جلّ ثناه
همام الصنعاني
تفسير : 3673- عبد الرزاق، عن معمر، عن الحسن، قال: لما نزلت: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ}: [الآية: 7-8]، قال رجل منَ المسلمين: حسبي إنْ عملت مثقال ذَرَّةٍ من خيرٍ أو شرٍّ أُرِيتُهُ، انتهت الموعظة. 3674- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن زيد بن أسْلَمْ: أَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم دفع رَجُلاً إلى رجُلٍ يعلمه، فعلَّمهُ حتى إذا بلغ: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ}: [الآية: 7]، قال: حسبي، قال الرجل: يا رسول الله، الرجل الذي أمرتني أنْ أعلمه، لمَّا بلغ: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ} قال: حَسْبِي فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "تفسير : دعه، فقد فقه ". تفسير : 3675- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن زيد بن أسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قَرأَهَا، فقام رجل فَجَعَل يضع يده على رأسه، وهو يَقُولُ: واسوأتها فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: "حديث : أمّا الرجل فقد آمن ". تفسير : 3676- عبد الرزاق، عن معمر، قال: وأخبرني (عمرو بن قتادة)، عن محمد بن كعب أنه قال في قوله: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ}: [الآية: 7]، فقال: أما المؤمن فيرى حسناته في الآخرة، وأما الكافر فيرى حسناته في الدّنيا. 3677- قال مع مر، وبلغني أن عمر بن الخطاب مرَّ به ركبٌ، فأرسل إليهم يسألهم من هُمْ فقالوا: جئنا من الفج العميق، فقال: أيْن تريدونَ؟ فقالوا: نَؤُمُّ البَيْتَ العَتِيق، فرجع إليه الرسول فأخبره، فقال عمر: إنَّ لهؤلاء لنبأ، ثم أرسل إليهم: أيّ آيةٍ في كتاب الله أحْكَم؟ قالوا: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ}، قال: وأيُّ آية أعدل؟ قالوا: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإحْسَانِ وَإِيتَآءِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ}تفسير : [النحل: 90]؟ قال: فأي آية أعظم؟ قالوا: {أية : ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ}تفسير : [البقرة: 55، آل عمران: 2]، قَال: فأي آيةٍ أخوف؟ قالوا: {أية : يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ}تفسير : [الزمر: 53] قال: سلهم، أفيهم (ابن أم عبد)؟ قالوا: نعم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):